ثالثا: الحقوق المشتركة بينهما

الإسلام > النكاح والأسرة > عشرة النساء والحقوق بين الزوجين والقسم > ثالثا: الحقوق المشتركة بينهما

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

ثالثا: الحقوق المشتركة بينهما - الأقوال والأدلة

ثالثًا: الحقوقُ المُشترَكةُ بيْنَهما:

نَصَّ جَماهيرُ العُلماءِ على أنهُ يَلزمُ كلًّا مِنْ الزَّوجَينِ مُعاشَرةُ الآخرِ بِالمَعروفِ مِنْ الصُّحبَةِ الجَميلةِ وكَفِّ الأَذى، وأنْ لا يُمطِلَه بحقِّهِ معَ قُدرتِه، ولا يَتكرَّهَ لبَذلِ ما عليهِ مِنْ حَقِّ الآخرِ، بل يَبذلُه ببِشرٍ وطَلاقةِ وَجهٍ، ولا يُتبِعُه أذًى أو مِنَّةً؛ لأنَّ هذا مِنْ المَعروفِ المأمُورِ بهِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وقَولِه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، قالَ أبو زَيدٍ: تَتَّقونَ اللهَ فيهنَّ كما عَليهنَّ أنْ يَتقينَ اللهَ فيكم، وقالَ ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «إنِّي لَأُحبُّ أنْ أتَزيَّنَ للمرأةِ كما أُحبُّ أنْ تَتزيَّنَ لي لقَولِه تعالَى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.

وحقُّ الزَّوجِ عليها أعظَمُ مِنْ حقِّها عليهِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقَولِه عليه الصلاة والسلام: «لو كُنْتُ آمِرًا أحَدًا أنْ يَسجُدَ لأحَدٍ لَأمرْتُ النِّساءَ أنْ يَسجُدنَ لأزواجِهنَّ لِمَا جعَلَ اللهُ عَليهنَّ مِنْ الحقِّ»، وقالَ: «إذا باتَتِ المَرأةُ هاجِرةً فِراشَ زَوجِها لعَنَتْها الملائِكةُ حتَّى تُصبِحَ» مُتفَقٌ عليه.

ويُسَنُّ لكلٍّ منهُما تَحسينُ الخُلُقِ لصاحِبِهِ والرِّفقُ بهِ واحتِمالُ أذاهُ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦]، قيلَ: هو كلُّ واحدٍ مِنْ الزَّوجَينِ.

وقالَ النَّبيُّ : «استَوصُوا بالنِّساءِ، فإنَّ المرأةَ خُلقَتْ مِنْ ضِلعٍ، وإنَّ أعوَجَ شيءٍ في الضِّلعِ أعلاهُ، إنْ ذهَبْتَ تُقِيمُه كَسرْتَه، وإنْ تَركْتَه لم يَزلْ أعوَجَ، استَوصُوا بالنِّساءِ خَيرًا» (١).

(١) رواه البخاري (٣١٥٣، ٤٨٩٠)، ومسلم (١٤٦٨).

فالنَّبيُّ حَثَّ على مُلاطَفةِ النِّساءِ والإحسانِ إليهنَّ والصَّبْرِ على عِوَجِ أخلاقِهنَّ واحتمالِ ضَعفِ عُقولِهنَّ وكراهةِ طلاقِهنَّ بلا سَببٍ، وأنَّه لا يُطمَعُ باستِقامَتِها.

وقالَ النَّبيُّ : «اتَّقُوا اللهَ في النِّساءِ، فإنَّكُم أَخذتُموهُنَّ بأمانةِ اللهِ، واستَحلَلتُم فُروجَهُنَّ بكَلمةِ اللهِ، وإنَّ لَكُمْ عَليهنَّ أنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحَدًا تَكرهُونَه، فإنْ فَعلْنَ فاضربُوهنَّ ضَربًا غيرَ مُبرِّحٍ، ولَهنَّ عَليكُم رِزقُهنَّ وكِسوَتُهنَّ بالمَعروفِ» (١).

قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ رحمة الله عليه: قالَ اللهُ تبارك وتعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، قالَ الشَّافعيُّ: وجِماعُ المَعروفِ بَينَ الزَّوجَينِ كَفُّ المَكروهِ وإعفاءُ صاحِبِ الحَقِّ مِنْ المُؤنَةِ في طَلبِه، لا بإظهارِ الكَراهيَةِ في تأدِيتِه، فأيُّهما مَطَلَ بتأخيرِهِ فمَطْلُ الغَنيِّ ظُلمٌ.

قالَ الماوَرْديُّ رحمة الله عليه: اعلَمْ أنَّ اللَّهَ تعالَى أوجَبَ للزَّوجةِ على زَوجِها حَقًّا حظَرَ عليهِ النُّشوزَ عنهُ، كما أوجَبَ له عليها مِنْ ذلكَ حَقًّا حظَرَ عليها النُّشوزَ عنهُ، قالَ اللَّهُ تعالَى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، إشارةً إلى ما أوجَبَه لها مِنْ كُسوةٍ ونَفقةٍ وقَسْمٍ، قالَ تعالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، فكانَ مِنْ عِشرَتِها بالمَعروفِ تأدِيَةُ حَقِّها والتَّعديلُ بَينَها وبَينَ غَيرِها في قَسْمِها، قالَ تعالَى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا

(١) رواه مسلم (١٢١٨).

أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩]، وقالَ تعالَى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فبَيَّنَ اللَّهُ تعالَى أنَّ لهنَّ حَقًّا وأنَّ عليهنَّ حَقًّا، ولمْ يُرِدْ بقَولِه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] في تَجانُسِ الحَقَّينِ وتَماثُلِهما، وإنَّما أرادَ في وُجوبِهما ولُزومِهما، فكانَ مِنْ حَقِّها عليهِ وُجوبُ السُّكنَى والنَّفقةِ والكُسوةِ.

ثمَّ فسَّرَ الشَّافعيُّ قَولَه: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ فقالَ: «وجِماعُ المَعروفِ بَينَ الزَّوجَينِ كَفُّ المَكروهِ وإعفاءُ صاحبِ الحَقِّ مِنْ المُؤنةِ في طَلبِه»، وهذا صحيحٌ؛ لأنهُ ليسَ فِعلُ المَكروهِ مِنْ المَعروفِ المأمُورِ بهِ بَينَ الزَّوجَينِ، ولا إلزامُ المُؤنةِ في استِيفاءِ الحَقِّ مَعروفٌ.

ثمَّ قالَ: «لا بإظهارِ الكَراهيَةِ في تأدِيتِه»، وهذا صحيحٌ؛ لأنَّ تأدِيةَ الحقِّ بالكَراهِيةِ وعُبوس الوَجهِ وغَليظ الكَلامِ ليسَ مِنَ المَعروفِ.

ثمَّ قالَ: «فأيُّهما مطَلَ فمَطْلُ الغَنيِّ ظُلمٌ»، وهذا صَحيحٌ؛ لأنَّ القادِرَ على أداءِ الحَقِّ ظالمٌ بتَأخيرِه، قالَ النَّبيُّ : «مَطْلُ الغَنيِّ ظُلمٌ».

ثمَّ يَدلُّ على ما ذكَرْناهُ مِنْ طَريقِ السُّنةِ ما رَوى مُوسى بنُ عُقبةَ عن صَدَقةَ بنِ يَسارٍ عَنِ ابنِ عُمرَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ قالَ: «أيُّها النَّاسُ إنَّ النِّساءَ عِنْدَكُمْ عِوانٌ، أَخذتُموهُنَّ بأمانةِ اللَّهِ واستَحلَلتُم فُروجَهُنَّ بكَلمةِ اللَّهِ، فلَكُم عَليهنَّ حَقٌّ ولَهنَّ عَليكُم حَقٌّ، ومِن حَقِّكُم عَليهنَّ ألَّا يُوطِئْنَ فُرُشَكم

أحَدًا ولا يَعصِينَكُم في مَعروفٍ، فإذا فَعلْنَ ذلك فلهُنَّ رِزقُهنَّ وكِسوتُهنَّ بالمَعروفِ»، فكانَ القَسْمُ مِنْ جُملةِ المَعروفِ الَّذي لهُنَّ.

وروَى أبو هُريرةَ عنِ النَّبيِّ أنهُ قالَ: «مَنْ كانَ له امرأتانِ فمالَ إلى إحْداهما جاءَ يَومَ القيامةِ وشِقُّهُ مائِلٌ».

ورُويَ عنِ النَّبيِّ أنهُ قالَ: «كُلُّكم راعٍ وكلُّكم مَسؤولٌ عَنْ رَعيَّتِه، فالرَّجلُ راعٍ لأهلِه وهو مَسؤولٌ عَنهُم».

ورُويَ عنِ النَّبيِّ أنهُ كانَ يَقسِمُ بينَ نِسائِه ويَقولُ: «اللَّهمَّ هذا قَسمِي فيما أَملِكُ، فلا تُؤاخذْني فيما لا أملِكُ»، يَعني قَلبَه (١).

قالَ ابنُ الجَوزيِّ رحمة الله عليه: مُعاشَرةُ المَرأةِ بالتَّلطُّفِ لِئلَّا تقَعَ النَّفرةُ بَينَهما مع إقامةِ هَيبتِه؛ لئلَّا تَسقُطَ حُرمتُه عِندَها، ولا يَنبغِي أنْ يُعلِمَها قَدْرَ مالِهِ أو يُفشِي إليها سِرًّا يَخافُ إذاعتَه؛ لأنها قد تُفشِيهِ، ولا يُكثِرُ مِنْ الهِبةِ؛ فإنها متَى عَوَّدَها شيئًا لم تَصبِرْ عنهُ، ولْيَكنْ غَيورًا مِنْ غَيرِ إفراطٍ؛ لئلَّا تُرمَى بالشَّرِّ مِنْ أجلِه، ويَنبَغي إمساكُها معَ الكَراهةِ لها؛ لقَولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)[النساء: ١٩]، قالَ ابنُ عبَّاسٍ: ربَّما رُزِقَ مِنها وَلدًا فجَعَلَ اللهُ فيهِ خَيرًا كَثيرًا (٢).

(١) «الحاوي الكبير» (٩/ ٥٦٨، ٥٦٩)، ويُنظَر: «شرح صحيح مسلم» (١٠/ ٥٧)، و «المغني» (٧/ ٢٢٣).
(٢) «المغني» (٧/ ٢٢٣)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٤٤٤)، و «كشاف القناع» (٢٠٨، ٢٠٩)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢٥٤، ٢٥٥).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل التأبيد

فِي الْمُشْرِكِينَ لَكِنَّ الْعِلَّةَ، وَهِيَ الدُّعَاءُ إلَى النَّارِ يَعُمُّ الْكَفَرَةَ، أَجْمَعَ فَيَتَعَمَّمُ الْحُكْمُ بِعُمُومِ الْعِلَّةِ فَلَا يَجُوزُ إنْكَاحُ الْمُسْلِمَةِ الْكِتَابِيَّ كَمَا لَا يَجُوزُ إنْكَاحُهَا الْوَثَنِيَّ وَالْمَجُوسِيَّ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ قَطَعَ وَلَايَةَ الْكَافِرِينَ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ النساء: ١٤١ فَلَوْ جَازَ إنْكَاحُ الْكَافِرِ الْمُؤْمِنَةَ لَثَبَتَ لَهُ عَلَيْهَا سَبِيلٌ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ.

وَأَمَّا أَنْكِحَةُ الْكُفَّارِ غَيْرِ الْمُرْتَدِّينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فَجَائِزٌ فِي الْجُمْلَةِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ.

وَقَالَ مَالِكٌ: أَنْكِحَتُهُمْ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ لِلنِّكَاحِ فِي الْإِسْلَامِ شَرَائِطَ لَا يُرَاعُونَهَا فَلَا يُحْكَمُ بِصِحَّةِ أَنْكِحَتِهِمْ، وَهَذَا غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِقَوْلِهِ ﷿ : ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ المسد: ٤ سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى امْرَأَتَهُ، وَلَوْ كَانَتْ أَنْكِحَتُهُمْ فَاسِدَةً لَمْ تَكُنْ امْرَأَتَهُ حَقِيقَةً، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ سُنَّةُ آدَمَ عليه الصلاة والسلام فَهُمْ عَلَى شَرِيعَتِهِ فِي ذَلِكَ.

وَقَالَ النَّبِيُّ: ﷺ «وُلِدْت مِنْ نِكَاحٍ وَلَمْ أُولَدْ مِنْ سِفَاحٍ» .

وَإِنْ كَانَ أَبَوَاهُ كَافِرَيْنِ؛ وَلِأَنَّ الْقَوْلَ بِفَسَادِ أَنْكِحَتِهِمْ يُؤَدِّي إلَى أَمْرٍ قَبِيحٍ وَهُوَ الطَّعْنُ فِي نَسَبِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ وُلِدُوا مِنْ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ، وَالْمَذَاهِبُ تُمْتَحَنُ بِعُبَّادِهَا فَلَمَّا أَفْضَى إلَى قَبِيحٍ عُرِفَ فَسَادُهَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 321 - 324

ارجع إلى عشرة النساء والحقوق بين الزوجين والقسم للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده