ثانيا: العدل في الحب والجماع

الإسلام > النكاح والأسرة > عشرة النساء والحقوق بين الزوجين والقسم > ثانيا: العدل في الحب والجماع

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

ثانيا: العدل في الحب والجماع - الأقوال والأدلة

قالَ أبو العبَّاسِ: وقياسُ المَذهبِ عِندي جوازُ أخذِ العِوضِ عن سائِرِ حُقوقِها مِنْ القَسْمِ وغَيرِه؛ لأنهُ إذا جازَ للزَّوجِ أنْ يأخُذَ العِوضَ عن حقِّهِ منها جازَ لها أنْ تأخُذَ العِوضَ عن حقِّها منهُ؛ لأنَّ كلًّا مِنهُما مَنفعةٌ بدنيَّةٌ.

وقد نَصَّ الإمامُ أحمَدُ في غَيرِ مَوضِعٍ على أنهُ يَجوزُ أن تَبذلَ المرأةُ العوضَ ليَصيرَ أمرُها بِيدِها، ولأنها تَستحِقُّ حبْسَ الزَّوجِ كما يَستحِقُّ الزَّوجُ حَبْسَها، وهو نوعٌ مِنْ الرِّقِ فيَجوزُ أخذُ العِوضِ عنهُ، وقد تُشبِهُ هذهِ المسألةُ الصَّلحَ عنِ الشُّفعَةِ وحدِّ القَذفِ (١).

ثانِيًا: العدلُ في الحُبِّ والجِماعِ:

اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ العَدلَ الواجِبَ إنَّما يَكونُ في المَبيتِ فقطْ لا في الحُبِّ ولا في الجِماعِ، وإنَّما يُستَحبُّ وليسَ بواجِبٍ؛ لأنَّ ذلكَ لا يَملِكُه أحدٌ، إذْ قَلبُه بينَ إصبعَينِ مِنْ أصابعِ الرَّحمنِ يَصرفُه كيفَ يَشاءُ، وكذلكَ الجِماعُ قد يَنشطُ للواحِدةٍ ما لا يَنشطُ للأُخرى، فإذا لم يَكنْ ذلكَ بقَصدٍ مِنه فلا حرَجَ عليهِ فيهِ، فإنَّه ممَّا لا يَستطيعُه، فلَم يتعلَّقْ به تَكليفٌ (٢).

قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾، أي لن تُطيقُوا

(١) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٥٦٣، ٥٦٤)، و «الإنصاف» (٨/ ٣٧١، ٣٧٢)، و «كشاف القناع» (٥/ ٢٣٤).
(٢) «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٦٨)، و «الاختيار» (٣/ ١٤٤)، و «اللباب» (٢/ ٥٨)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٣٧٩)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (١/ ٣٦٤، ٣٦٥)، و «المهذب» (٢/ ٢٩٩)، و «البيان» (٩/ ٥١٥)، و «الكافي» (٣/ ١٣٠، ١٣١).

أيُّها الرِّجالُ أنْ تُسوُّوا بينَ نِسائِكم في حُبِّهنَّ بقُلوبِكم حتَّى تَعدِلُوا بَينهنَّ في ذلكَ؛ لأنَّ ذلكَ ممَّا لا تَملِكونَه، ﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ يعنِي: ولَو حَرصْتُم في تَسوِيتِكُم بَينهنَّ في ذلكَ، قال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: لا تَستطيعُ أنْ تَعدِلَ بالشَّهوةِ فيما بَينَهنَّ ولَو حرصْتَ.

قالَ ابنُ بطالٍ رحمة الله عليه: قالَ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: ودلَّتْ هذهِ الآيةُ أنَّ التَّسويةَ بَينَهنَّ في المَحبَّةِ غيرُ واجِبةٍ، وقد أخبَرَ النَّبيُّ أنَّ عائِشةَ أحَبُّ إليهِ مِنْ غيرِها مِنْ أزواجِهِ، ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء: ١٢٩] بأَهوائِكم حتَّى يَحمِلَكم ذلكَ أنْ تَجورُوا في القَسْمِ على الَّتي لا تُحبُّونَ، وقولُهُ: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩] يَعنِي: لا أيَّمَ ولا ذاتَ بَعْلٍ، ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩)[النساء: ١٢٩]، يَقولُ: وإنْ تُصلِحوا فيما بَينَكم وبَينَهنَّ بالاجتِهادِ مِنْكُمْ في العَدلِ بَينَهنَّ وتتَّقوا المَيلَ فيهِنَّ، فإنَّ اللهَ غَفورٌ لِمَا عَجزَتْ عنهُ طاقَتُكم مِنْ بُلوغِ العَدلِ مِنْكُمْ فيهنَّ (١).

ولمَا رُويَ عن عائِشةَ قالَتْ: «كانَ رَسولُ اللهِ يَقْسِمُ فَيَعْدلُ ويَقُولُ: «اللَّهمَّ هذا قَسْمِي فيما أملِكُ، فلا تَلُمْني فيما تَملِكُ ولا أملِكُ، يَعني الْقلْبَ» (٢).

(١) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٧/ ٣٣٥، ٣٣٦).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢١٣٤)، والترمذي (١١٤٠)، والنسائي (٣٩٤٣)، وابن ماجه (١٩٧١).

قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: لا نَعلمُ خِلافًا بَينَ أهلِ العلمِ في أنَّه لا تَجبُ التَّسويةُ بينَ النِّساءِ في الجِماعِ، وهو مَذهبُ مالكٍ والشَّافعيِّ؛ وذلكَ لأنَّ الجِماعَ طريقُه الشَّهوةُ والمَيلُ، ولا سبيلَ إلى التَّسويةِ بَينهنَّ في ذلكَ، فإنَّ قلبَهُ قد يَميلُ إلى إحداهُما دونَ الأُخرى، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩]، قالَ عُبيدةُ السَّلْمانِيُّ: في الحُبِّ والجِماعِ، وإنْ أمكَنَتِ التَّسويةُ بينَهُما في الجِماعُ كانَ أحسَنَ وأَولَى، فإنهُ أَبلغُ في العَدلِ، وقد كانَ النَّبيُّ يَقسِمُ بينَهنَّ فيَعدِلُ ثمَّ يَقولُ: «اللَّهمَّ هذا قَسْمِي فيما أملِكُ، فلا تَلُمْنِي فيما لا أملِكُ»، ورُويَ أنَّه كانَ يُسوِّي بَينهنَّ حتَّى في القُبَلِ، ولا تَجبُ التَّسويةُ بينَهنَّ في الاستِمتاعِ بما دونَ الفَرْجِ مِنْ القُبَلِ واللَّمسِ ونَحوِهما؛ لأنهُ إذا لم تَجبِ التَّسويةُ في الجِماعِ ففي دَواعيه أَولَى (١).

وقالَ الإمامُ الغَزالي رحمة الله عليه: وإنَّما عليهِ العَدلُ في العَطاءِ والمَبيتِ، وأمَّا في الحُبِّ والوِقاعِ فذلكَ لا يَدخُلُ تحتَ الاختِيارِ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩] أي: أنْ تَعدِلُوا في شَهوةِ القَلبِ ومَيلِ النَّفسِ، ويَتبعُ ذلكَ التَّفاوُتُ في الوِقاعِ.

وكانَ رَسولُ اللهِ يَعدِلُ بينَهنَّ في العَطاءِ والبَيتُوتةِ في اللَّيالِي ويَقولُ: «اللَّهمَّ هذا جَهدِي فيما أَملِكُ، ولا طاقَةَ لي فيما تَملِكُ ولا أملِكُ» يَعني الحُبَّ.

(١) «المغني» (٧/ ٢٣٤، ٢٣٥).

وقد كانَتْ عائِشةُ رضي الله عنها أحَبَّ نِسائِه إليهِ، وسائِرُ نِسائِه يَعرِفْنَ ذلكَ (١).

وسُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه عن رَجُلٍ مُتزوِّجٍ بامرَأتَينِ وإحداهُما يُحبُّها ويَكسُوها ويُعطِيها ويَجتمِعُ بها أكثَرَ مِنْ صاحِبتِها.

فأجابَ: الحَمدُ للهِ، يجبُ عليهِ العَدلُ بينَ الزَّوجتَينِ باتِّفاقِ المُسلمِينَ، وفي السُّننِ الأربَعةِ عَنْ أبي هُريرةَ عَنْ النَّبيِّ قالَ: «مَنْ كانَتْ له امرَأتانِ فمالَ إلى إحداهُما دونَ الأُخرى جاءَ يومَ القِيامةِ وأحَدُ شِقَّيهِ مائِلٌ»، فعليهِ أنْ يَعدلَ في القَسْمِ، فإذا باتَ عندَها ليلةً أو لَيلتَينِ أو ثَلاثًا باتَ عندَ الأُخرى بقَدْرِ ذلكَ، ولا يُفضِّلُ إحداهُما في القَسْمِ، لكنْ إنْ كانَ يُحِبُّها أكثَرَ ويَطَؤُها أكثَرَ فهذا لا حرَجَ عليهِ فيهِ، وفيهِ أنزَلَ اللهُ تعالَى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩] أي: في الحُبِّ والجِماعِ، وفي السُّننِ الأربعَةِ عن عائِشةَ قالَتْ: كانَ رَسولُ اللهِ يَقسِمُ ويَعدِلُ فيَقولُ: «هذا قَسْمِي فيما أملِكُ، فلا تَلُمنِي فيما تَملِكُ ولا أملِكُ» يعنِي القَلبَ (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: لا تَجبُ التَّسويةُ بينَ النِّساءِ في المَحبَّةِ، فإنها لا تُملَكُ، وكانَتْ عائِشةُ رضي الله عنها أحَبَّ نِسائِه إليهِ، وأُخِذَ مِنْ هذا أنَّه لا تَجبُ التَّسويةُ بينَهنَّ في الوَطءِ؛ لأنَّه مَوقوفٌ على المَحبَّةِ والمَيلِ، وهي بيَدِ مُقلِّبِ القُلوبِ.

(١) «إحياء علوم الدين» (٢/ ٤٨).
(٢) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٣٢/ ٢٦٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب الظهار
باب كفارة الظهار

قال المصنف رحمه الله تعالى:

باب كفارة الظهار

وكفارته عتق رقبة لمن وجد وصيام شهرين متتابعين لمن لم يجد الرقبة وإطعام ستين مسكينا لمن لا يجد الرقبة ولا يطيق الصوم، والدليل عليه قوله عز وجل " والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا " وروت خولة بنت مالك بن ثعلبة قالت " ظاهر منى زوجي أوس بن الصامت فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشكو إليه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجادلني فيه ويقول: اتق الله فإنه ابن عمك، فما برحت حتى نزل القرآن " قد سمع الله قول التى تجادلك في زوجها وتشتكى إلى الله.

الآية " فقال يعتق رقبة، فقلت لا يجد، قال فليصم شهرين متتابعين، قلت يا رسول الله شيخ كبير ما به صيام، قال فليطعم ستين مسكينا، قلت يا رسول الله ما عنده شئ يتصدق به، قال فأتى

بعرق من تمر، قلت يا رسول الله وأنا أعينه بعرق آخر، قال قد أحسنت فاذهبي فأطعمي بهما عنه ستين مسكنيا وارجعي إلى ابن عمك " فإن كان له مال يشترى به رقبة فاضلا عما يحتاج إليه لقوته ولكسوته ومسكنه وبضاعة لا بد له منها وجب عليه العتق.

وان كان له رقبة لا يستغنى عن خدمتها، بأن كان كبيرا أو مريضا أو ممن لا يخدم نفسه لم يلزمه صرفها في الكفارة، لان ما يستغرقه حاجته كالمعدوم في جواز الانتقال إلى البدل، كما نقول فيمن معه ماء يحتاج إليه للعطش، وان كان ممن يخدم نفسه ففيه وجهان

(أحدهما)

يلزمه العتق لانه مستغن عنه

(والثانى)

لا يلزمه لانه ما من أحد الا ويحتاج إلى الترفه والخدمة، وان وجبت عليه كفارة وله مال غائب - فإن كان لا ضرر عليه في تأخير الكفارة، ككفارة القتل وكفارة الوطئ في رمضان - لم يجز أن ينتقل إلى الصوم لانه

قادر على العتق من غير ضرر، فلا يكفر الصوم كما لو حضر المال، وإن كان عليه ضرر في تأخير الكفارة ككفارة الظهار ففيه وجهان

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 374 - 377

ارجع إلى عشرة النساء والحقوق بين الزوجين والقسم للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله