«أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِقَبْرٍ قَدْ دُفِنَ لَيْلًا، فَقَالَ: مَتَى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٢١

الحديث رقم ١٣٢١ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب صفوف الصبيان مع الرجال في الجنائز.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن رسول الله ﷺ مر بقبر قد دفن ليلا، فقال…

«أَنَّ رَسُولَ اللهِ مَرَّ بِقَبْرٍ قَدْ دُفِنَ لَيْلًا، فَقَالَ: مَتَى دُفِنَ هَذَا؟. قَالُوا: الْبَارِحَةَ. قَالَ: أَفَلَا آذَنْتُمُونِي؟. قَالُوا: دَفَنَّاهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ. فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَنَا فِيهِمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ.»

سند حديث: ١٣٢١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ…

١٣٢١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن رسول الله ﷺ مر بقبر قد دفن ليلا، فقال…

مَرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبر كان قد دفن صاحبه ليلًا، فسأل الصحابة الذين معه: متى دُفن هذا الميت؟ فأجابوه أنه دفن بالأمس، فقال: ألا أخبرتموني وأعلمتموني فأصلي عليه؟ فأجابوا أنهم دفنوه ليلًا فكرهوا أن يوقظوه في الليل، مراعاةً لراحة النبي عليه الصلاة والسلام، فقام عليه الصلاة والسلام واصطف الصحابة خلفه، وكان فيهم ابن عباس رضي الله عنهما، فصلى عليه الصلاة والسلام على قبر الميت.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • جواز الدفن في الليل إذا أحسن كفنه.
  • جواز الصلاة على الميت أكثر من مرة تبعًا لمن لم يصلِّ عليه، ولا يكرر الصلاة بلا سبب.
  • أدب الصحابة رضي الله عنهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أن رسول الله ﷺ مر بقبر قد دفن ليلا، فقال…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

إِشَاعَةِ أَنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا أَوِ اسْتِئْلَافِ قُلُوبِ الْمُلُوكِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا فِي حَيَاتِهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: لَوْ فُتِحَ بَابُ هَذَا الْخُصُوصِ لَانْسَدَّ كَثِيرٌ مِنْ ظَوَاهِرِ الشَّرْعِ، مَعَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرُوهُ لَتَوَفَّرَتِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ: قَالَ الْمَالِكِيَّةُ: لَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِمُحَمَّدٍ. قُلْنَا: وَمَا عَمِلَ بِهِ مُحَمَّدٌ تَعْمَلُ بِهِ أُمَّتُهُ، يَعْنِي لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْخُصُوصِيَّةِ. قَالُوا: طُوِيَتْ لَهُ الْأَرْضُ، وَأُحْضِرَتِ الْجِنَازَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ. قُلْنَا: إِنَّ رَبَّنَا عَلَيْهِ لَقَادِرٌ، وَإِنَّ نَبِيَّنَا لَأَهْلٌ لِذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا تَقُولُوا إِلَّا مَا رُوِّيتُمْ، وَلَا تَخْتَرِعُوا حَدِيثًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تُحَدِّثُوا إِلَّا بِالثَّابِتَاتِ، وَدَعُوا الضِّعَافَ، فَإِنَّهَا سَبِيلُ تَلَافٍ، إِلَى مَا لَيْسَ لَهُ تَلَافٍ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: قَوْلُهُمْ: رُفِعَ الْحِجَابُ عَنْهُ مَمْنُوعٌ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا فَكَانَ غَائِبًا عَنِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ صَلَّوْا عَلَيْهِ مَعَ النَّبِيِّ .

قُلْتُ: وَسَبَقَ إِلَى ذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ مُجَمِّعِ بْنِ جَارِيَةَ - بِالْجِيمِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ - فِي قِصَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّجَاشِيِّ قَالَ: فَصَفَّنَا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، وَمَا نَرَى شَيْئًا. أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَأَصْلُهُ فِي ابْنِ مَاجَهْ، لَكِنْ أَجَابَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ ذَلِكَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ يَصِيرُ كَالْمَيِّتِ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْهِ الْإِمَامُ وَهُوَ يَرَاهُ وَلَا يَرَاهُ الْمَأْمُومُونَ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ اتِّفَاقًا.

(فَائِدَةٌ): أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَجَازَ الصَّلَاةَ عَلَى الْغَائِبِ أَنَّ ذَلِكَ يُسْقِطُ فَرْضَ الْكِفَايَةِ، إِلَّا مَا حُكِيَ عَنِ ابْنِ الْقَطَّانِ أَحَدِ أَصْحَابِ الْوُجُوهِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ قَالَ: يَجُوزُ ذَلِكَ وَلَا يُسْقِطُ الْفَرْضَ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي عَدَدِ التَّكْبِيرِ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ.

٥٥ - بَاب صُفُوفِ الصِّبْيَانِ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْجَنَائِزِ

١٣٢١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَرَّ بِقَبْرٍ قَدْ دُفِنَ لَيْلًا، فَقَالَ: مَتَى دُفِنَ هَذَا؟ قَالُوا: الْبَارِحَةَ، قَالَ: أَفَلَا آذَنْتُمُونِي؟ قَالُوا: دَفَنَّاهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ. فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَنَا فِيهِمْ - فَصَلَّى عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ صُفُوفِ الصِّبْيَانِ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْجَنَائِزِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: عَلَى الْجَنَائِزِ أَيْ عِنْدَ إِرَادَةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنِ التَّرْجَمَةِ عَلَى الْجِنَازَةِ، وَإِرَادَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْكَلَامَ عَلَى الْمَتْنِ يَأْتِي مُسْتَوْفًى بَعْدَ اثْنَيْ عَشَرَ بَابًا، وَسَيَأْتِي بَعْدَ ثَلَاثِ تَرَاجِمَ بَابُ صَلَاةِ الصِّبْيَانِ مَعَ النَّاسِ عَلَى الْجَنَائِزِ، وَذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ دُونَ الْبُلُوغِ، لِأَنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ وَقَدْ قَارَبَ الِاحْتِلَامَ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ.

٥٦ - بَاب سُنَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائز

وَقَالَ النَّبِيُّ : مَنْ صَلَّى عَلَى الْجَنَازَةِ

وَقَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، وَقَالَ: صَلُّوا عَلَى النَّجَاشِيِّ

سَمَّاهَا صَلَاةً، لَيْسَ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ، وَلَا يُتَكَلَّمُ فِيهَا، وَفِيهَا تَكْبِيرٌ وَتَسْلِيمٌ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يُصَلِّي إِلَّا طَاهِرًا، وَلَا يُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبِهَا، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ، وَأَحَقُّهُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى جَنَائِزِهِمْ مَنْ رَضُوهُمْ لِفَرَائِضِهِمْ، وَإِذَا أَحْدَثَ يَوْمَ الْعِيدِ أَوْ عِنْدَ الْجَنَازَةِ يَطْلُبُ الْمَاءَ وَلَا يَتَيَمَّمُ، وَإِذَا انْتَهَى إِلَى الْجَنَازَةِ وَهُمْ يُصَلُّونَ يَدْخُلُ مَعَهمْ بِتَكْبِيرَةٍ. وَقَالَ ابْنُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

منده من حديث أبي أمامة، وأخرجه أبو أحمد الحاكم (١) في «فوائده»، والطَّبرانيُّ في «مسند الشَّاميين»، والخلَّال في «فضائل ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾»، وأمَّا طريق سعيد بن المسيَّب ففي «فضائل القرآن» لابن الضُّريس، وأمَّا طريق الحسن البصريِّ فأخرجها البَغَويُّ وابن منده، فهذا الخبر قويٌّ بالنَّظر إلى مجموع طرقه، وقد يَحتَجُّ به من يجيز الصَّلاة على الغائب، لكنْ يدفعه ما ورد: أنَّه رُفِعَت الحُجُب حتَّى شاهد جنازته.

وحديث الباب فيه التَّحديث، والإخبار، والسَّماع، والقول، وشيخ المؤلِّف رازيٌّ، وابن جريجٍ وعطاءٌ مكِّيَّان، وأخرجه أيضًا في «هجرة الحبشة» [خ¦٣٨٧٧]، ومسلمٌ في «الجنائز» والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».

(٥٥) (باب صُفُوفِ الصِّبْيَانِ مَعَ الرِّجَالِ) عند إرادة الصَّلاة (عَلَى الجَنَائِزِ) وللحَمُّويي (٢) والأَصيليِّ والمُستملي: «في الجنائز».

١٣٢١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) ابن زيادٍ العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ) سليمان (عَنْ عَامِرٍ) الشَّعبيِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ مَرَّ بِقَبْرٍ دُفِنَ) زاد غير أبي الوقت (٣) والأَصيليِّ وابن عساكر: «قد دُفِنَ»

بضمِّ الدَّال وكسر الفاء (لَيْلًا) نصبٌ على الظَّرفيَّة، أي: دُفِنَ صاحبه فيه ليلًا؛ فهو من قبيل ذكر المحلِّ وإرادة الحالِّ (فَقَالَ: مَتَى دُفِنَ هَذَا؟) الميِّت (قَالُوا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «فقالوا» بالفاء قبل القاف: دُفِنَ (البَارِحَةَ، قَالَ: أَفَلَا آذَنْتُمُونِي)؟ بمدِّ الهمزة، أي: أعلمتموني (قَالُوا: دَفَنَّاهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ، فَقَامَ فَصَفَفْنَا) بفاءَين (خَلْفَهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَنَا فِيهِمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ) أي: على قبرٍ (١)، وكان ابن عبَّاسٍ في زمنه دون البلوغ؛ لأنَّه شهد حجَّة الوداع وقد قارب الاحتلام، وفيه جواز الدَّفن في اللَّيل، وقد روى التِّرمذيُّ عن ابن عبَّاسٍ : أنَّ النَّبيَّ دخل قبرًا ليلًا، فأُسرِجَ له بسراجٍ (٢)، فأُخِذَ من القبلة، وقال: «رحمك الله إِنْ كنتَ لأوَّاهًا تلَّاءً للقرآن»، وكبَّر عليه أربعًا، وقد رخَّص أكثر (٣) أهل العلم في الدَّفن باللَّيل، ودُفِنَ كلٌّ من الخلفاء الأربعة ليلًا، بل روى أحمد: أنَّ النَّبيَّ دُفِنَ ليلة الأربعاء، وما رُوِيَ من النَّهي عنه؛ فمحمولٌ على أنَّه كان أوَّلًا ثمَّ رُخِّص فيه بعد.

(٥٦) (باب سُنَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الجَنَائِزِ) ولأبي ذَرٍّ: «على الجنازة» بالإفراد، والمراد بالسُّنَّة هنا:

أعمُّ من الواجب والمندوب. (وَقَالَ النَّبِيُّ ) في حديثٍ وصله بعد بابٍ [خ¦١٣٢٥]: (مَنْ صَلَّى عَلَى الجَنَازَةِ) وهذا لفظ مسلمٍ من وجهٍ آخر عن أبي هريرة، وجواب الشَّرط محذوفٌ، أي: فله قيراطٌ، ولم يذكره؛ لأنَّ القصد الصَّلاة على الجنازة (وَقَالَ) في حديث سلمة ابن الأكوع الآتي -إن شاء الله تعالى- في أوائل «الحوالة» [خ¦٢٢٨٩]: (صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ) أي: الميِّت الَّذي كان عليه دَينٌ لا يفي بماله (وَقَالَ) ممَّا سبق موصولًا: (صَلُّوا عَلَى النَّجَاشِيِّ) لكنَّ لفظه في «باب الصُّفوف على الجنازة (١)»: «فصلُّوا عليه» [خ¦١٣٢٠] (سَمَّاهَا) النَّبيُّ ، أي: الهيئة (٢) الخاصَّة الَّتي يُدعى فيها للميِّت (صَلَاةً) والحال أنَّه (لَيْسَ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ) فهي تفارق الصَّلاة المعهودة، وإنَّما لم يكن فيها ركوعٌ ولا سجودٌ؛ لئلَّا يتوهَّم بعض الجهلة أنَّها عبادةٌ للميِّت، فَيَضِلُّ بذلك (وَلَا يُتَكَلَّمُ فِيهَا) أي: في صلاة الجنازة؛ كالصَّلاة المعهودة (وَفِيهَا تَكْبِيرٌ) للإحرام مع النِّيَّة كغيرها، ثمَّ ثلاث تكبيراتٍ أيضًا (وَ) فيها (تَسْلِيمٌ) عن اليمين والشَّمال بعد التَّكبيرات كغيرها، وقال المالكيَّة: تسليمةٌ واحدةٌ خفيفةٌ كسائر الصَّلوات، وفي «الرِّسالة»: تسلميةٌ واحدةٌ خفيفةٌ -ويروى: خفيَّةٌ (٣) - للإمام والمأموم، يُسمِع الإمام نفسَه ومَن يليه، ويُسمِع المأموم نفسَه فقط. (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب ممَّا وصله مالكٌ

في «موطَّئه» يقول: (لَا يُصَلِّي) الرَّجل على الجنازة (إِلَّا طَاهِرًا) من الحدث الأكبر والأصغر، وفي «مسلمٍ» حديث: «لا يقبل الله صلاةً بغير طهورٍ»، ومن النَّجس المتَّصل به غير المعفوِّ عنه، ولعلَّ مراد المؤلِّف بسياق ذلك الرَّدُّ على الشَّعبيِّ حيث (١) أجاز الصَّلاة على الجنازة بغير طهارةٍ؛ لأنَّها دعاءٌ ليس فيها ركوعٌ ولا سجودٌ، لكنَّ الفقهاء من السَّلف والخلف مجمعون على خلافه (٢)، وقال أبو حنيفة: يجوز التَّيمُّم للجنازة مع وجود الماء إذا خاف فواتها بالوضوء، وكان الوليُّ غيره. (وَ) كان ابن عمر أيضًا ممَّا وصله سعيدُ بن منصورٍ (لَا يُصَلِّي) على الجنازة، ولغير أبي ذَرٍّ: «ولا تُصلَّى» بالمثنَّاة الفوقيَّة (٣) وفتح اللَّام، أي: وكان يقول: لا تصلَّى صلاة (٤) الجنازة (عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا) عند (غُرُوبِهَا) وإلى هذا القول ذهب مالكٌ والكوفيُّون (٥) والأوزاعيُّ وأحمد وإسحاق، ومذهب الشَّافعيَّة عدم الكراهة (وَ) كان ابن عمر أيضًا ممَّا وصله المؤلِّف في «كتاب رفع اليدين» (يَرْفَعُ يَدَيْهِ) حذو منكبيه استحبابًا في كلِّ تكبيرةٍ من (٦) تكبيرات الجنازة الأربع، ورواه الطَّبرانيُّ في «الأوسط» من وجهٍ آخر عنه بإسنادٍ ضعيفٍ، وقال الحنفيَّة والمالكيَّة: لا يرفع إلَّا عند تكبيرة الإحرام؛ لحديث التِّرمذيِّ عن أبي هريرة مرفوعًا: «إذا صلَّى على جنازةٍ يرفع يديه في أوَّل تكبيرةٍ»، زاد الدَّارقُطنيُّ: «ثمَّ لا يعود»، وعن مالكٍ: أنَّه كان يعجبه ذلك في كلِّ تكبيرةٍ، ورُوِيَ عن ابن القاسم أنَّه لا يرفع في شيءٍ منها، وفي سماع أشهب: إن شاء رفع بعد الأولى، وإن شاء ترك (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ، ممَّا (٧) قاله (٨) في «الفتح»: لم أره موصولًا: (أَدْرَكْتُ النَّاسَ) من الصَّحابة والتَّابعين (وَأَحَقُّهُمْ) بالرَّفع مبتدأٌ، خبره الموصول بعدُ «بالصلاة» (عَلَى جَنَائِزِهِمْ) ولأبي ذَرٍّ: «وأحقُّهم بالصَّلاة على جنائزهم» (مَنْ رَضُوهُمْ لِفَرَائِضِهِمْ) موصولٌ وصلته، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «مَن

رضُوه» بالإفراد، فيه إشارةٌ إلى أنَّهم كانوا يُلحِقون صلاة الجنازة بغيرها من الصَّلوات؛ ولذا كان أحقَّ بالصَّلاة على الجنائز مَن كان يصلِّي بهم (١) الفرائض، وعند عبد الرَّزَّاق عن الحسن: إنَّ أحقَّ النَّاس بالصَّلاة على الجنازة الأب ثمَّ الابن، وقد اختُلِفَ في ذلك، ومذهب الشَّافعيَّة أنَّ أولى النَّاس بالصَّلاة على الميِّت الأب ثمَّ أبوه وإن علا، ثمَّ الابن وابنه وإن سفل، وخالف ذلك ترتيبُ الإرث؛ لأنَّ معظم الغرض الدُّعاء للميِّت فقُدِّم الأشفق؛ لأنَّ دعاءه أقرب إلى الإجابة، ثمَّ العصبات النَّسبيَّة (٢) على ترتيب الإرث في غير ابنَي عمٍّ، أحدهما أخٌ لأمٍّ، فيُقدَّم الأخ الشَّقيق، ثمَّ الأخ للأب، ثمَّ ابن الأخ الشَّقيق، ثمَّ ابن الأخ للأب (٣)، وهكذا، ويُقدَّم مراهقٌ مميِّزٌ أجنبيٌّ على امرأةٍ قريبةٍ، ولو اجتمع أبناء عمٍّ أحدُهما أخٌ من أمٍّ (٤) قُدِّم لترجُّحه (٥) بالأخوة للأمِّ (٦)، والأمُّ وإن لم يكن لها دخلٌ (٧) في إمامة الرِّجال، لها مدخلٌ في الصَّلاة في الجملة؛ لأنَّها تُصلِّي مأمومةً ومنفردةً وإمامةً للنِّساء عند فقد الرِّجال، فقُدِّم بها، كما يقدَّم الأخ من الأبوين (٨) على الأخ من الأب، ثمَّ بعد العصبات (٩) النَّسبيَّة بالمولى (١٠)، فيُقدَّم المعتِق، ثمَّ عصباته، ثمَّ السُّلطان، ثمَّ ذوو (١١) الأرحام الأقربُ فالأقرب، فيُقدَّم أبو الأمِّ، ثمَّ الأخ للأمِّ، ثمَّ الخال، ثمَّ العمُّ للأمِّ، والأخ من الأمِّ هنا من ذوي الأرحام بخلافه في الإرث، ولا حقَّ للزَّوج في الصَّلاة مع غير الأجانب، وكذا المرأة مع الذَّكر، فالزَّوج مقدَّمٌ (١٢) على الأجانب، ولو استوى اثنان في درجة؛ كابنين أو أخوين وكلٌّ منهما أهلٌّ للإمامة قُدِّم الأسنُّ في الإسلام غير الفاسق، والرَّقيق، والمبتدع على الأفقه، عكس

بقيَّة الصَّلاة لغرض الدُّعاء هنا، والأسنُّ أقرب إلى الإجابة، وسائر الصَّلوات محتاجةٌ إلى الفقه، ويُقدَّم الحرُّ العدل على الرَّقيق، ولو أقرب وأفقه وأسنَّ؛ لأنَّه أَولى بالإمامة؛ لأنَّها ولايةٌ كالعمِّ الحرِّ، فإنَّه مقدَّمٌ على الأب الرَّقيق مطلقًا، وكذا يُقدَّم الحرُّ العدل على الرَّقيق الفقيه، ويُقدَّم الرَّقيق القريب على الحرِّ الأجنبيِّ، والرَّقيق البالغ على الحرِّ الصَّبيِّ؛ لأنَّه مكلَّفٌ، فهو أحرص على تكميل الصَّلاة (١)، ولأنَّ الصَّلاة خلفه مجمَعٌ على جوازها بخلافها (٢) خلف الصَّبيِّ، فإن استووا وتشاحُّوا أُقْرع بينهم قطعًا للنِّزاع، وإن تراضوا بواحدٍ معيَّنٍ قُدِّم، أو بواحدٍ منهم غير معيَّنٍ أُقرِعَ، والحاصل: أنَّه يُقدَّم فيها القريب والمولى على الوالي وإمام (٣) المسجد، بخلاف بقيَّة الصَّلوات؛ لأنَّها من قضاء حقِّ الميِّت كالدَّفن والتَّكفين؛ لأنَّ معظم الغرض منها الدُّعاء كما تقدَّم، والقريب والمولى أشفق، وأنَّهما يُقدَّمان فيها على الموصَى له بها؛ لأنَّها حقُّهما، ولا تنفذ الوصيَّة فيه بإسقاطها، كالإرث ونحوه، وما ورد -من أنَّ أبا بكرٍ أوصى (٤) أن يصلِّي عليه عمر، فصلَّى عليه عمر، وأنَّ عمر وصَّى (٥) أن يصلِّي عليه صهيبٌ، فصلَّى، وأنَّ عائشة وصَّت (٦) أن يصلِّي عليها أبو هريرة، فصلَّى- فمحمولٌ على أنَّ أولياءهم أجازوا الوصيَّة، وقال المالكيَّة: الأَولى تقديم مَن أوصى الميِّت بالصَّلاة عليه؛ لأنَّ ذلك من حقِّ الميِّت إذ هو أعلم بمن يشفع له، إلَّا أن يعلم أنَّ ذلك من الميِّت كان لعداوةٍ بينه وبين الوليِّ، وإنَّما أراد بذلك إنكاره، فلا تجوز وصيَّته، فإن لم يكن وصَّى فالخليفة مقدَّمٌ على الأولياء لا نائبه؛ لأنَّه لا يُقدَّم على الأولياء إلَّا أن يكون صاحب الخطبة، فيُقدَّم على المشهور، وهو (٧) قول ابن القاسم. انتهى. (وَإِذَا أَحْدَثَ يَوْمَ العِيدِ أَوْ عِنْدَ الجَنَازَةِ يَطْلُبُ المَاءَ) ويتوضَّأ (وَلَا يَتَيَمَّمُ) وهذا يحتمل أن يكون عطفًا على التَّرجمة، أو من بقيَّة كلام الحسن،

ويقوِّي الثَّاني ما رُوِيَ عنه عند ابن أبي شيبة: أنَّه سُئِلَ عن الرَّجل يكون في الجنازة على غير وضوءٍ، فإن ذهب يتوضَّأ تفوته؟ قال: لا يتيمَّم، ولا يصلِّي إلَّا على طُهرٍ.

(وَ) قال الحسن أيضًا ممَّا وصله (١) ابن أبي شيبة: (إِذَا انْتَهَى) الرَّجل (إِلَى الجَنَازَةِ وَهُمْ) أي: والحال أنَّ الجماعة (يُصَلُّونَ يَدْخُلُ مَعَهُمْ بِتَكْبِيرَةٍ) ثمَّ يأتي بعد سلام الإمام بما فاته، ويُسَنُّ ألَّا تُرفَع الجنازة حتَّى يُتِمَّ المسبوق ما عليه، فلو رُفِعَت لم يضرَّ، وتبطل (٢) بتخلُّفه عن إمامه بتكبيرةٍ بلا عذرٍ بأن لم يكبِّر (٣) حتَّى كبَّر الإمامُ المستقبلةَ؛ إذ الاقتداء هنا إنَّما يظهر في التَّكبيرات، وهو تخلُّفٌ فاحشٌ يشبه التَّخلُّف بركعةٍ، وفي «الشَّرح الصَّغير»: احتمال أنَّه كالتَّخلُّف بركنٍ حتَّى لا تبطل إلَّا بتخلُّفه بركنين، وخرج بالتَّقييد بلا عذرٍ (٤)، مَن عُذرٍ ببطء القراءة، أو النِّسيان، أو عدم (٥) سماع التَّكبير، فلا يبطل تخلُّفه بتكبيرةٍ فقط، بل بتكبيرتين على ما اقتضاه كلامهم.

(وَقَالَ ابْنُ المُسَيَّبِ) سعيدٌ ممَّا قال (٦) الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه لم يره موصولًا، وإنَّما وجد معناه بإسنادٍ قويٍّ عن عقبة بن عامر (٧) الصَّحابيِّ فيما أخرجه ابن أبي شيبة موقوفًا عليه (٨): (يُكَبِّرُ (٩)) الرَّجل في صلاة الجنازة سواءٌ كانت (بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالسَّفَرِ وَالحَضَرِ أَرْبَعًا) أي: أربع تكبيراتٍ.

(وَقَالَ أَنَسٌ) هو ابن مالكٍ () ممَّا وصله سعيد بن منصورٍ: (تكْبِيرَةُ الوَاحِدَة) وللأربعة: «التَّكبيرة الواحدة» (اسْتِفْتَاحُ الصَّلَاةِ، وَقَالَ) الله ﷿ ممَّا هو (١٠) عطفٌ على التَّرجمة:

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

على الْقَبْر، سدا للذريعة فِي الصَّلَاة على الْقُبُور. وَقَالَ أَصْحَابنَا: لما اخْتلفت الْأَحْوَال فِي ذَلِك فوض الْأَمر إِلَى رَأْي المبتلي بِهِ. فَإِن قلت: روى البُخَارِيّ عَن عقبَة بن عَامر أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى على قَتْلَى أحد بعد ثَمَان سِنِين؟ قلت: حمل ذَلِك على الدُّعَاء، قَالَه بعض أَصْحَابنَا: وَفِيه نظر، لِأَن الطَّحَاوِيّ روى عَن عقبَة أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج يَوْمًا فصلى على قَتْلَى أحد صلَاته على الْمَيِّت. قلت: الْجَواب السديد أَن أَجْسَادهم لم تبل.

٦٥ - (بابُ سُنَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الجَنَازَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان سنة الصَّلَاة على الْجِنَازَة، وَالْمرَاد من السّنة مَا شَرعه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي صَلَاة الْجِنَازَة من الشَّرَائِط، والأركان. وَمن الشَّرَائِط أَنَّهَا لَا تجوز بِغَيْر الطَّهَارَة، وَلَا تجوز عُريَانا، وَلَا تجوز بِغَيْر اسْتِقْبَال الْقبْلَة. وَمن الْأَركان: التَّكْبِيرَات. وَقَالَ الْكرْمَانِي: غَرَض البُخَارِيّ بَيَان جَوَاز إِطْلَاق الصَّلَاة على صَلَاة الْجِنَازَة، وَكَونهَا مَشْرُوعَة، وَإِن لم تكن ذَات الرُّكُوع وَالسُّجُود فاستدل عَلَيْهِ تَارَة بِإِطْلَاق اسْم الصَّلَاة عَلَيْهِ، والآمر بهَا. وَتارَة بِإِثْبَات مَا هُوَ من خَصَائِص الصَّلَاة، نَحْو: عدم التَّكَلُّم فِيهَا، وَكَونهَا مفتتحة بِالتَّكْبِيرِ مختتمة بِالتَّسْلِيمِ وَعدم صِحَّتهَا إلَاّ بِالطَّهَارَةِ، وَعدم أَدَائِهَا عِنْد الْوَقْت الْمَكْرُوه، وبرفع الْيَد وَإِثْبَات الأحقية بِالْإِمَامَةِ، ولوجوب طلب المَاء لَهُ وَالدُّخُول فِيهَا بِالتَّكْبِيرِ، وَيكون استفتاحها بِالتَّكْبِيرِ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ} . فَإِنَّهُ أطلق الصَّلَاة عَلَيْهِ، حَيْثُ نهى عَن فعلهَا، وبكونها ذَات صُفُوف وَإِمَام، وَحَاصِله أَن الصَّلَاة لفظ مُشْتَرك بَين ذَات الْأَركان الْمَخْصُوصَة من الرُّكُوع وَنَحْوه، وَبَين صَلَاة الْجِنَازَة، وَهُوَ حَقِيقَة شَرْعِيَّة فيهمَا. انْتهى. قلت: فِي قَوْله: وَحَاصِله ... إِلَى آخِره، فِيهِ نظر، لِأَن الصَّلَاة فِي اللُّغَة وَالدُّعَاء والاتباع، وَقد اسْتعْملت فِي الشَّرْع فِيمَا لم يجد فِيهِ الدُّعَاء والاتباع: كَصَلَاة الْأَخْرَس المنفردة، وَصَلَاة من لَا يقدر على الْقِرَاءَة وَحده، ثمَّ إِن الشَّارِع استعملها فِي غير مَعْنَاهَا اللّغَوِيّ، وَغلب اسْتِعْمَالهَا فِيهَا بِحَيْثُ يتَبَادَر الذِّهْن إِلَى الْمَعْنى الَّذِي استعملها الشَّارِع فِيهِ عِنْد الْإِطْلَاق، وَهِي مجَاز هجرت حَقِيقَته بِالشَّرْعِ فَصَارَت حَقِيقَة شَرْعِيَّة، وَلَيْسَت بمشتركة بَين الصَّلَاة الْمَعْهُودَة فِي الشَّرْع وَبَين صَلَاة الْجِنَازَة، فَلَا تكون حَقِيقَة شَرْعِيَّة فيهمَا، وَلَا يفهم من كَلَام البُخَارِيّ الَّذِي نَقله عَنهُ الْكرْمَانِي أَن إِطْلَاق لفظ الصَّلَاة على صَلَاة الْجِنَازَة بطرِيق الْحَقِيقَة لَا بطرِيق الِاشْتِرَاك بَين الصَّلَاة الْمَعْهُودَة وَصَلَاة الْجِنَازَة.

وَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنْ صَلَّى عَلَى الجَنَازَةِ

هَذَا اسْتدلَّ بِهِ البُخَارِيّ على جَوَاز إِطْلَاق الصَّلَاة على صَلَاة الْجِنَازَة، فَإِنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: من صلى على الْجِنَازَة ... فَأطلق بِلَفْظ (صلى على الْجِنَازَة) ، وَلم يقل: من دَعَا للجنازة، وَنَحْو ذَلِك، وَهَذَا طرف من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه مَوْصُولا فِي: بَاب من انْتظر حَتَّى تدفن، وَلَكِن لَفْظَة: (من شهد الْجِنَازَة حَتَّى يُصَلِّي فَلهُ قِيرَاط) الحَدِيث، وَلَفظ مُسلم: (من صلى على جَنَازَة وَلم يتبعهَا فَلهُ قِيرَاط، وَإِن تبعها فَلهُ قيراطان) .

وَقَالَ صَلُّوا عَلَى صاحِبِكُمْ

هَذَا اسْتدلَّ بِهِ على مَا ذهب إِلَيْهِ من إِطْلَاق الصَّلَاة على صَلَاة الْجِنَازَة بِالْأَمر بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا حَيْثُ قَالَ: (صلوا) ، وَهُوَ طرف من حَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع، أخرجه مَوْصُولا فِي أَوَائِل الْحِوَالَة مطولا، وأوله: (كُنَّا جُلُوسًا عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذْ أُتِي بِجنَازَة، فَقَالُوا: صل عَلَيْهَا) الحَدِيث، وَفِيه: قَالَ: (هَل عَلَيْهِ دين؟ قَالُوا: ثَلَاثَة دَنَانِير! قَالَ: صلوا على صَاحبكُم) . الحَدِيث.

وَقَالَ صلُّوا عَلَى النَّجَاشِيِّ

هَذَا أَيْضا بطرِيق الْأَمر، وَقد تقدم هَذَا فِي: بَاب الصُّفُوف على الْجِنَازَة، وَلَكِن لَفظه هُنَا، فصلوا عَلَيْهِ.

سَمَّاهَا صَلَاةً لَيْسَ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ

أَي: سمى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْهَيْئَة الْخَاصَّة الَّتِي يدعى فِيهَا للْمَيت: صَلَاة، وَالْحَال أَنه لَيْسَ فِيهَا رُكُوع وَلَا سُجُود، وَلَكِن التَّسْمِيَة لَيست بطرِيق الْحَقِيقَة، وَلَا بطرِيق الِاشْتِرَاك، وَلَكِن بطرِيق الْمجَاز.

وَلَا يُتَكَلَّمُ فِيها وَفِيهَا تَكْبِيرٌ وَتَسْلِيمٌ

أَي: وَلَا يتَكَلَّم فِي صَلَاة الْجِنَازَة، وَهَذَا أَيْضا من جملَة جَوَاز إِطْلَاق الصَّلَاة على صَلَاة الْجِنَازَة بِإِثْبَات مَا هُوَ من

خَصَائِص الصَّلَاة، وَهُوَ عدم التَّكَلُّم فِي صَلَاة الْجِنَازَة كَالصَّلَاةِ. قَوْله: (وفيهَا) أَي: وَفِي صَلَاة الْجِنَازَة (تَكْبِير وَتَسْلِيم) كَمَا فِي الصَّلَاة. أما التَّكْبِير فَلَا خلاف فِيهِ، وَأما التَّسْلِيم فمذهب أبي حنيفَة أَنه يسلم تسليمتين، وَاسْتدلَّ لَهُ بِحَدِيث عبد الله بن أبي أوفى أَنه يسلم عَن يَمِينه وَعَن شِمَاله، فَلَمَّا انْصَرف قَالَ: (لَا أَزِيدكُم على مَا رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يصنع أَو هَكَذَا يصنع) . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ، وَقَالَ الْحَاكِم: حَدِيث صَحِيح. وَفِي (المُصَنّف) بِسَنَد جيد عَن جَابر بن زيد وَالشعْبِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: أَنهم كَانُوا يسلمُونَ تسليمتين. وَفِي (الْمعرفَة) : روينَا عَن أبي عبد الرَّحْمَن (عبد الله بن مَسْعُود أَنه قَالَ: ثَلَاث كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يفعلهن، تركهن النَّاس: إِحْدَاهُنَّ: التَّسْلِيم على الْجِنَازَة مثل التسليمتين فِي الصَّلَاة، وَقَالَ قوم: يسلم تَسْلِيمَة وَاحِدَة) روى ذَلِك عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَجَابِر وَأبي هُرَيْرَة وَأبي أُمَامَة بن سهل وَأنس وَجَمَاعَة من التَّابِعين، وَهُوَ قَول مَالك وَأحمد وَإِسْحَاق.

ثمَّ: هَل يسرّ بهَا أَو يجْهر؟ فَعَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ إِخْفَاؤُهَا، وَعَن مَالك: يسمع بهَا من يَلِيهِ، وَعَن أبي يُوسُف: لَا يجْهر كل الْجَهْر وَلَا يسر كل الْإِسْرَار وَلَا يرفع يَدَيْهِ إلَاّ عِنْد تَكْبِيرَة الْإِحْرَام، لما روى التِّرْمِذِيّ عَن أبي هُرَيْرَة، مَرْفُوعا: (إِذا صلى على جَنَازَة يرفع يَدَيْهِ فِي أول تَكْبِيرَة) . وَزَاد الدَّارَقُطْنِيّ: (ثمَّ لَا يعود) ، وَعَن ابْن عَبَّاس عِنْده مثله بِسَنَد فِيهِ الْحجَّاج ابْن نصير. وَفِي (الْمَبْسُوط) : أَن ابْن عمر وعليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَا: لَا ترفع الْيَد فِيهَا، إلَاّ عِنْد تَكْبِيرَة الْإِحْرَام، وَحَكَاهُ ابْن حزم عَن ابْن مَسْعُود، وَابْن عمر، ثمَّ قَالَ: لم يَأْتِ بِالرَّفْع فِيمَا عدا الأولى نَص وَلَا إِجْمَاع. وَحكى فِي (المُصَنّف) عَن النَّخعِيّ وَالْحسن بن صَالح: أَن الرّفْع فِي الأولى فَقَط، وَحكى ابْن الْمُنْذر الْإِجْمَاع على الرّفْع فِي أول تَكْبِيرَة، وَعند الشَّافِعِيَّة: يرفع فِي الْجَمِيع، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَرُوِيَ مثل قَوْلنَا عَن ابْن عمر وَسَالم وَعَطَاء وَمَكْحُول وَالزهْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق.

وكانَ ابنُ عُمَرَ لَا يُصَلِّي إلَاّ طاهِرا وَلَا تُصَلَّى عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبِهَا وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ

هَذَا أَيْضا مِمَّا اسْتدلَّ بِهِ البُخَارِيّ على إِطْلَاق الصَّلَاة على صَلَاة الْجِنَازَة.

هَذِه ثَلَاث مسَائِل.

الأولى: أَن عبد الله ابْن عمر كَانَ لَا يُصَلِّي على الْجِنَازَة إلَاّ بِطَهَارَة، وَقَالَ ابْن بطال: كَانَ غَرَض البُخَارِيّ بِهَذَا الرَّد على الشّعبِيّ، فَإِنَّهُ أجَاز الصَّلَاة على الْجِنَازَة بِغَيْر طَهَارَة، قَالَ: لِأَنَّهُ دُعَاء لَيْسَ فِيهَا رُكُوع وَلَا سُجُود. قَالَ: وَالْفُقَهَاء مجمعون من السّلف وَالْخلف على خلاف قَوْله. انْتهى. قلت: وَقَالَ بِهِ أَيْضا مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ والشيعة، وَقَالَ أَبُو عمر: قَالَ ابْن علية: الصَّلَاة على الْمَيِّت اسْتِغْفَار، وَالِاسْتِغْفَار يجوز بِغَيْر وضوء، وأوصل هَذَا التَّعْلِيق مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) : عَن نَافِع بِلَفْظ: أَن ابْن عمر كَانَ يَقُول: لَا يُصَلِّي الرجل على الْجِنَازَة إلَاّ وَهُوَ طَاهِر. وَأما إِطْلَاق الطَّهَارَة فَيتَنَاوَل الْوضُوء وَالتَّيَمُّم. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يجوز التَّيَمُّم للجنازة مَعَ وجود المَاء إِذا خَافَ فَوتهَا بِالْوضُوءِ، وَكَانَ الْوَلِيّ غَيره، وَحَكَاهُ ابْن الْمُنْذر أَيْضا عَن الزُّهْرِيّ، وَعَطَاء وَسَالم وَالنَّخَعِيّ وَعِكْرِمَة وَسعد بن إِبْرَاهِيم وَيحيى الْأنْصَارِيّ وَرَبِيعَة وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَإِسْحَاق وَابْن وهب، وَهِي رِوَايَة عَن أَحْمد، وروى ابْن عدي عَن ابْن عَبَّاس (مَرْفُوعا) (إِذا فجأتك جَنَازَة وَأَنت على غير وضوء فَتَيَمم) . وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَنهُ مَوْقُوفا. وَحَكَاهُ أَيْضا عَن الحكم وَالْحسن، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر: لَا يتَيَمَّم. وَقَالَ ابْن حبيب: الْأَمر فِيهِ وَاسع، وَنقل ابْن التِّين عَن ابْن وهب أَنه يتَيَمَّم إِذا خرج طَاهِرا فأحدث، وَإِن خرج مَعهَا على غير طَهَارَة لم يتَيَمَّم.

الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة: أَن عبد الله بن عمر مَا كَانَ يُصَلِّي على الْجِنَازَة عِنْد طُلُوع الشَّمْس وَلَا عِنْد غُرُوبهَا لما روى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا حَاتِم بن إِسْمَاعِيل عَن أنيس بن أبي يحيى عَن أَبِيه أَن جَنَازَة وضعت، فَقَامَ ابْن عمر قَائِما فَقَالَ: أَيْن ولي هَذِه الْجِنَازَة؟ ليصل عَلَيْهَا قبل أَن يطلع قرن الشَّمْس. وَحدثنَا وَكِيع عَن جَعْفَر بن برْقَان عَن مَيْمُون، قَالَ: كَانَ ابْن عمر يكره الصَّلَاة على الْجِنَازَة إِذا طلعت الشَّمْس حَتَّى تغيب، وَحدثنَا أَبُو الْأَحْوَص عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي بكر، يَعْنِي ابْن حَفْص، قَالَ: كَانَ ابْن عمر إِذا كَانَت الْجِنَازَة صلى الْعَصْر ثمَّ قَالَ: عجلوا بهَا قبل أَن تطفل الشَّمْس. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهَة الصَّلَاة على الْجِنَازَة عِنْد طُلُوع الشَّمْس وَعند غُرُوبهَا، ثمَّ روى حَدِيث عقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ: (ثَلَاث سَاعَات كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ينهانا أَن نصلي فِيهَا، ونقبر فِيهِنَّ مَوتَانا، حِين تطلع الشَّمْس: بازغة حَتَّى ترْتَفع، وَحين يقوم قَائِم الظهيرة حَتَّى تميل، وَحين تضيف الشَّمْس للغروب حَتَّى تغرب) . وَأخرجه مُسلم وَبَقِيَّة أَصْحَاب السّنَن أَيْضا، ثمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَالْعَمَل على

هَذَا عِنْد بعض أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَغَيرهم، يكْرهُونَ الصَّلَاة على الْجِنَازَة فِي هَذِه الْأَوْقَات، وَقَالَ ابْن الْمُبَارك: معنى هَذَا الحَدِيث أَن نقبر فِيهِنَّ مَوتَانا، يَعْنِي: الصَّلَاة على الْجِنَازَة، وَهُوَ قَول أَحْمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا بَأْس أَن يصلى على الْجِنَازَة فِي السَّاعَات الَّتِي تكره فِيهَا الصَّلَاة.

الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة: هِيَ قَوْله: (وَيرْفَع يَدَيْهِ) ، أَي: وَيرْفَع ابْن عمر يَدَيْهِ فِي صَلَاة الْجِنَازَة، قَالَ بَعضهم: وَصله البُخَارِيّ فِي كتاب (رفع الْيَدَيْنِ) الْمُفْرد من طَرِيق عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَنه كَانَ يرفع يَدَيْهِ فِي كل تَكْبِيرَة على الْجِنَازَة. قلت: قَوْله: (وَيرْفَع يَدَيْهِ) . مُطلق يتَنَاوَل الرّفْع فِي أول التَّكْبِيرَات ويتناول الرّفْع فِي جَمِيعهَا، وَعدم تَقْيِيد البُخَارِيّ ذَلِك يدل على أَن الَّذِي رَوَاهُ فِي كتاب (رفع الْيَدَيْنِ) غير مرضِي عِنْده، إِذْ لَو كَانَ رَضِي بِهِ لَكَانَ ذكره فِي (الصَّحِيح) أَو قيد قَوْله: (وَيرْفَع يَدَيْهِ) بِلَفْظ: فِي التَّكْبِيرَات كلهَا، على أَنا قد ذكرنَا عَن قريب أَن ابْن حزم حكى عَن ابْن عمر أَنه لم يرفع إلَاّ فِي الأولى. وَقَالَ: لم يَأْتِ فِيمَا عدا الأولى نَص وَلَا إِجْمَاع، وَذكرنَا عَن أبي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس مثله. فَإِن قلت: روى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث نَافِع عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يرفع يَدَيْهِ فِي الْكل؟ قلت: إِسْنَاده ضَعِيف فَلَا يحْتَج بِهِ، وَالله تَعَالَى أعلم.

وَقَالَ الحَسَنُ أدْرَكْتُ النَّاسَ وَأحَقُّهُمْ عَلَى جَنَائِزِهِمْ مَنْ رَضُوهُمْ لِفَرَائِضِهِمْ

هَذَا أَيْضا من جملَة مَا يسْتَدلّ بِهِ البُخَارِيّ على جَوَاز إِطْلَاق الصَّلَاة على صَلَاة الْجِنَازَة، فَإِن الَّذين أدركهم من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ الْكِبَار كَانُوا يلحقون صَلَاة الْجِنَازَة بالصلوات، وَلِهَذَا مَا كَانَ أَحَق بِالصَّلَاةِ على الْجِنَازَة إلَاّ من كَانَ يُصَلِّي لَهُم الْفَرَائِض، وَالْوَاو فِي: وأحقهم، للْحَال وارتفاعه بِالِابْتِدَاءِ، وَخَبره هُوَ قَوْله: من، وَهِي مَوْصُولَة، يَعْنِي: الَّذين. وَقَوله: رضوهم، صلتها. وَقَوله: رضوهم بضمير الْجمع رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: رضوه، بإفراد الضَّمِير. وَهَذَا الْبَاب فِيهِ خلاف بَين الْعلمَاء. قَالَ ابْن بطال: أَكثر أهل الْعلم قَالَ: الْوَالِي أَحَق من الْوَلِيّ، رُوِيَ ذَلِك عَن جمَاعَة، مِنْهُم: عَلْقَمَة وَالْأسود وَالْحسن، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق. وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ: الْوَلِيّ أَحَق من الْوَالِي، وَقَالَ مطرف وَابْن عبد الحكم وَأصبغ: لَيْسَ ذَلِك إلَاّ إِلَى من أليه الصَّلَاة من قَاض أَو صَاحب شرطة أَو خَليفَة الْوَالِي الْأَكْبَر، وَإِنَّمَا ذَلِك إِلَى الْوَالِي الْأَكْبَر الَّذِي يُؤَدِّي إِلَيْهِ الطَّاعَة، وَحكى ابْن أبي شيبَة عَن النَّخعِيّ وابي بردة وَابْن أبي ليلى وَطَلْحَة وزبيد وسُويد بن غَفلَة: تَقْدِيم إِمَام الْحَيّ، وَعَن أبي الشعْثَاء وَسَالم وَالقَاسِم وطاووس وَمُجاهد وَعَطَاء: أَنهم كَانُوا يقدمُونَ الإِمَام على الْجِنَازَة، وروى الثَّوْريّ عَن أبي حَازِم قَالَ: شهِدت الْحُسَيْن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قدم سعيد بن الْعَاصِ يَوْم مَاتَ الْحسن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. وَقَالَ لَهُ: تقدم، فلولا السّنة مَا قدمتك، وَسَعِيد يَوْمئِذٍ أَمِير الْمَدِينَة. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: لَيْسَ فِي هَذَا الْبَاب أَعلَى من هَذَا، لِأَن شَهَادَة الْحسن شَهِدَهَا عوام النَّاس من الصَّحَابَة والمهاجرين وَالْأَنْصَار.

وَإذَا أحْدَثَ يَوْمَ العِيدِ أوْ عِنْدَ الجَنَازَةِ يِطْلُبُ المَاءَ وَلَا يَتَيَمَّمُ

الظَّاهِر أَن هَذَا من بَقِيَّة كَلَام الْحسن، لِأَن ابْن أبي شيبَة روى عَن حَفْص على أَشْعَث عَن الْحسن أَنه سُئِلَ عَن الرجل يكون فِي الْجِنَازَة على غير وضوء، قَالَ: لَا يتَيَمَّم وَلَا يُصَلِّي إلَاّ على طهر. فَإِن قلت: روى سعيد بن مَنْصُور عَن حَمَّاد بن زيد عَن كثير بن شنظير، قَالَ: سُئِلَ الْحسن عَن الرجل يكون فِي الْجِنَازَة على غير وضوء، فَإِن ذهب يتَوَضَّأ تفوته. قَالَ: يتَيَمَّم وَيُصلي. قلت: يحمل هَذَا على أَنه روى عَنهُ رِوَايَتَانِ، وَيدل ذكر البُخَارِيّ هَذَا على أَنه لم يقف عَن الْحسن إلَاّ على مَا روى عَنهُ من عدم جَوَاز الصَّلَاة على الْجِنَازَة إلَاّ بِالْوضُوءِ، أما التَّيَمُّم لصَلَاة الْجِنَازَة فقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى عَن قريب.

وَأما التَّيَمُّم لصَلَاة الْعِيد فعلى التَّفْصِيل عندنَا، وَهُوَ أَنه إِن كَانَ قبل الشُّرُوع فِي صَلَاة الْعِيد لَا يجوز للْإِمَام، لِأَنَّهُ ينْتَظر، وَأما الْمُقْتَدِي فَإِن كَانَ المَاء قَرِيبا بِحَيْثُ لَو تَوَضَّأ لَا يخَاف الْفَوْت لَا يجوز، وإلَاّ فَيجوز، فَلَو أحدث أَحدهمَا بعد الشُّرُوع بِالتَّيَمُّمِ يتَيَمَّم وَإِن كَانَ الشُّرُوع بِالْوضُوءِ وَخَافَ ذهَاب الْوَقْت لَو تَوَضَّأ، فَكَذَلِك عِنْد أبي حنيفَة خلافًا لَهما. وَفِي (الْمُحِيط) وَإِن كَانَ الشُّرُوع بِالْوضُوءِ وَخَافَ زَوَال الشَّمْس لَو تَوَضَّأ يتَيَمَّم بِالْإِجْمَاع، وإلَاّ فَإِن كَانَ يَرْجُو إِدْرَاك الإِمَام قبل الْفَرَاغ لَا يتَيَمَّم بِالْإِجْمَاع، وإلَاّ يتَيَمَّم وَيَبْنِي عِنْد أبي حنيفَة. وَقَالا: يتَوَضَّأ وَلَا يتَيَمَّم، فَمن الْمَشَايِخ من قَالَ: هَذَا اخْتِلَاف عصر وزمان، فَفِي زمن أبي حنيفَة كَانَت

الْجَبانَة بعيدَة من الْكُوفَة، وَفِي زمنهما كَانُوا يصلونَ فِي جبانة قريبَة، وَعند الشَّافِعِي: لَا يجوز التَّيَمُّم لصَلَاة الْعِيد أَدَاء وَبِنَاء. وَقَالَ النَّوَوِيّ: قَاس الشَّافِعِي صَلَاة الْجِنَازَة والعيد على الْجُمُعَة، وَقَالَ: تفوت الْجُمُعَة بِخُرُوج الْوَقْت بِالْإِجْمَاع، والجنازة لَا تفوت بل يصلى على الْقَبْر إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام بِالْإِجْمَاع، وَيجوز بعْدهَا عندنَا.

وإذَا انْتَهِى إلَى الجنَازَةِ وَهُمْ يُصَلُّونَ يَدْخُلُ مَعَهُمْ بِتَكْبِيرَةٍ

هَذَا بَقِيَّة من كَلَام الْحسن أَيْضا، أَي: إِذا انْتهى الرجل إِلَى الْجِنَازَة وَالْحَال أَن الْجَمَاعَة يصلونَ يدْخل مَعَهم بتكبيرة، وَقد وَصله ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا معَاذ عَن أَشْعَث عَن الْحسن فِي الرجل يَنْتَهِي إِلَى الْجِنَازَة وهم يصلونَ عَلَيْهَا، قَالَ: يدْخل مَعَهم بتكبيرة، قَالَ: وَحدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن هِشَام عَن مُحَمَّد، قَالَ: يكبر مَا أدْرك وَيَقْضِي مَا سبقه. وَقَالَ الْحسن: يكبر مَا أدْرك وَلَا يقْضِي مَا سبقه، وَعِنْدنَا لَو كبر الإِمَام تَكْبِيرَة أَو تكبيرتين لَا يكبر الْآتِي حَتَّى يكبر الإِمَام تَكْبِيرَة أُخْرَى عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد، ثمَّ إِذا كبر الإِمَام يكبر مَعَه، فَإِذا فرغ الإِمَام كبر هَذَا الْآتِي مَا فَاتَهُ قبل أَن ترفع الْجِنَازَة. وَقَالَ أَبُو يُوسُف: يكبر حِين يحضر، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد فِي رِوَايَة، وَعَن أَحْمد مُخَيّر، وقولهما هُوَ قَول الثَّوْريّ والْحَارث بن يزِيد، وَبِه قَالَ مَالك وَإِسْحَاق وَأحمد فِي رِوَايَة.

وَقَالَ ابنُ المُسَيَّبُ يُكَبِّرُ بِاللَّيْلِ والنَّهَارِ وَالسَّفَرِ وَالْحَضَرِ أرْبَعا

أَي: قَالَ سعيد بن الْمسيب: يكبر الرجل فِي صَلَاة الْجِنَازَة سَوَاء كَانَت بِاللَّيْلِ أَو بِالنَّهَارِ، وَسَوَاء كَانَت فِي السّفر أَو فِي الْحَضَر أَرْبعا أَي: أَربع تَكْبِيرَات، وَقد ذكرنَا الِاخْتِلَاف فِي عدد التَّكْبِيرَات.

وقَالَ أنسٌ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ التَّكْبِيرَةُ الوَاحِدَةِ اسْتِفْتَاحُ الصَّلَاةِ

هَذَا أَيْضا مِمَّا يدل على مَا قَالَه البُخَارِيّ من جَوَاز إِطْلَاق الصَّلَاة على صَلَاة الْجِنَازَة حَيْثُ أثبت لَهَا تَكْبِيرَة الاستفتاح، كَمَا فِي صَلَاة الْفَرْض، وروى سعيد بن مَنْصُور مَا يتَضَمَّن مَا ذكره البُخَارِيّ عَن أنس عَن إِسْمَاعِيل بن علية عَن يحيى بن أبي إِسْحَاق، قَالَ زُرَيْق بن كريم لأنس بن مَالك: رجل صلى فَكبر ثَلَاثًا؟ قَالَ أنس: أوليس التَّكْبِير ثَلَاثًا؟ قَالَ: يَا أَبَا حَمْزَة، التَّكْبِير أَربع. قَالَ: أجل غير أَن وَاحِدَة هِيَ افْتِتَاح الصَّلَاة.

وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ ولَا تُصَلِّ عَلَى أحَدٍ مِنْهُمْ

هَذَا مَعْطُوف على أصل التَّرْجَمَة، وَهِي قَوْله: بَاب سنة الصَّلَاة على الْجِنَازَة، فَإِنَّهُ أطلق عَلَيْهِ الصَّلَاة حَيْثُ نهى عَن فعلهَا على أحد من الْمُنَافِقين.

وَفِيهِ صُفُوفٌ وَإمَامٌ

هَذَا عطف على قَوْله: وفيهَا تَكْبِير وَتَسْلِيم، وَالضَّمِير فِي: فِيهِ، يرجع إِلَى صَلَاة الْجِنَازَة، والتذكير بِاعْتِبَار الْمَذْكُور أَو بِاعْتِبَار فعل الصَّلَاة، أَرَادَ أَن كَون الصُّفُوف فِي صَلَاة الْجِنَازَة وَكَون الإِمَام فِيهَا يدلان على إِطْلَاق الصَّلَاة على صَلَاة الْجِنَازَة.

٢٢٣١ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ الشَّيْبَانِيِّ عنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ أَخْبرنِي مَنْ مَرَّ مَعَ نَبِيِّكُمْ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فَأمَّنَا فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ فَقُلْنَا يَا أبَا عَمْرٍ ومَنْ حَدَّثَكَ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فأمنا فصففنا) ، لِأَن الْإِمَامَة وتسوية الصُّفُوف من سنة صَلَاة الْجِنَازَة، والْحَدِيث قد مر فِي الْبَاب الَّذِي قبله وَقبل قبله، والشيباني هُوَ سُلَيْمَان، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر بن شرَاحِيل. قَوْله: (يابا عَمْرو) أَصله: يَا أَبَا عَمْرو، حذفت الْهمزَة للتَّخْفِيف، وَأَبُو عَمْرو هَذَا هُوَ الشّعبِيّ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

إِشَاعَةِ أَنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا أَوِ اسْتِئْلَافِ قُلُوبِ الْمُلُوكِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا فِي حَيَاتِهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: لَوْ فُتِحَ بَابُ هَذَا الْخُصُوصِ لَانْسَدَّ كَثِيرٌ مِنْ ظَوَاهِرِ الشَّرْعِ، مَعَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرُوهُ لَتَوَفَّرَتِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ: قَالَ الْمَالِكِيَّةُ: لَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِمُحَمَّدٍ. قُلْنَا: وَمَا عَمِلَ بِهِ مُحَمَّدٌ تَعْمَلُ بِهِ أُمَّتُهُ، يَعْنِي لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْخُصُوصِيَّةِ. قَالُوا: طُوِيَتْ لَهُ الْأَرْضُ، وَأُحْضِرَتِ الْجِنَازَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ. قُلْنَا: إِنَّ رَبَّنَا عَلَيْهِ لَقَادِرٌ، وَإِنَّ نَبِيَّنَا لَأَهْلٌ لِذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا تَقُولُوا إِلَّا مَا رُوِّيتُمْ، وَلَا تَخْتَرِعُوا حَدِيثًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تُحَدِّثُوا إِلَّا بِالثَّابِتَاتِ، وَدَعُوا الضِّعَافَ، فَإِنَّهَا سَبِيلُ تَلَافٍ، إِلَى مَا لَيْسَ لَهُ تَلَافٍ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: قَوْلُهُمْ: رُفِعَ الْحِجَابُ عَنْهُ مَمْنُوعٌ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا فَكَانَ غَائِبًا عَنِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ صَلَّوْا عَلَيْهِ مَعَ النَّبِيِّ .

قُلْتُ: وَسَبَقَ إِلَى ذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ مُجَمِّعِ بْنِ جَارِيَةَ - بِالْجِيمِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ - فِي قِصَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّجَاشِيِّ قَالَ: فَصَفَّنَا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، وَمَا نَرَى شَيْئًا. أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَأَصْلُهُ فِي ابْنِ مَاجَهْ، لَكِنْ أَجَابَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ ذَلِكَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ يَصِيرُ كَالْمَيِّتِ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْهِ الْإِمَامُ وَهُوَ يَرَاهُ وَلَا يَرَاهُ الْمَأْمُومُونَ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ اتِّفَاقًا.

(فَائِدَةٌ): أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَجَازَ الصَّلَاةَ عَلَى الْغَائِبِ أَنَّ ذَلِكَ يُسْقِطُ فَرْضَ الْكِفَايَةِ، إِلَّا مَا حُكِيَ عَنِ ابْنِ الْقَطَّانِ أَحَدِ أَصْحَابِ الْوُجُوهِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ قَالَ: يَجُوزُ ذَلِكَ وَلَا يُسْقِطُ الْفَرْضَ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي عَدَدِ التَّكْبِيرِ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ.

٥٥ - بَاب صُفُوفِ الصِّبْيَانِ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْجَنَائِزِ

١٣٢١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَرَّ بِقَبْرٍ قَدْ دُفِنَ لَيْلًا، فَقَالَ: مَتَى دُفِنَ هَذَا؟ قَالُوا: الْبَارِحَةَ، قَالَ: أَفَلَا آذَنْتُمُونِي؟ قَالُوا: دَفَنَّاهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ. فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَنَا فِيهِمْ - فَصَلَّى عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ صُفُوفِ الصِّبْيَانِ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْجَنَائِزِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: عَلَى الْجَنَائِزِ أَيْ عِنْدَ إِرَادَةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنِ التَّرْجَمَةِ عَلَى الْجِنَازَةِ، وَإِرَادَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْكَلَامَ عَلَى الْمَتْنِ يَأْتِي مُسْتَوْفًى بَعْدَ اثْنَيْ عَشَرَ بَابًا، وَسَيَأْتِي بَعْدَ ثَلَاثِ تَرَاجِمَ بَابُ صَلَاةِ الصِّبْيَانِ مَعَ النَّاسِ عَلَى الْجَنَائِزِ، وَذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ دُونَ الْبُلُوغِ، لِأَنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ وَقَدْ قَارَبَ الِاحْتِلَامَ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ.

٥٦ - بَاب سُنَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائز

وَقَالَ النَّبِيُّ : مَنْ صَلَّى عَلَى الْجَنَازَةِ

وَقَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، وَقَالَ: صَلُّوا عَلَى النَّجَاشِيِّ

سَمَّاهَا صَلَاةً، لَيْسَ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ، وَلَا يُتَكَلَّمُ فِيهَا، وَفِيهَا تَكْبِيرٌ وَتَسْلِيمٌ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يُصَلِّي إِلَّا طَاهِرًا، وَلَا يُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبِهَا، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ، وَأَحَقُّهُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى جَنَائِزِهِمْ مَنْ رَضُوهُمْ لِفَرَائِضِهِمْ، وَإِذَا أَحْدَثَ يَوْمَ الْعِيدِ أَوْ عِنْدَ الْجَنَازَةِ يَطْلُبُ الْمَاءَ وَلَا يَتَيَمَّمُ، وَإِذَا انْتَهَى إِلَى الْجَنَازَةِ وَهُمْ يُصَلُّونَ يَدْخُلُ مَعَهمْ بِتَكْبِيرَةٍ. وَقَالَ ابْنُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

منده من حديث أبي أمامة، وأخرجه أبو أحمد الحاكم (١) في «فوائده»، والطَّبرانيُّ في «مسند الشَّاميين»، والخلَّال في «فضائل ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾»، وأمَّا طريق سعيد بن المسيَّب ففي «فضائل القرآن» لابن الضُّريس، وأمَّا طريق الحسن البصريِّ فأخرجها البَغَويُّ وابن منده، فهذا الخبر قويٌّ بالنَّظر إلى مجموع طرقه، وقد يَحتَجُّ به من يجيز الصَّلاة على الغائب، لكنْ يدفعه ما ورد: أنَّه رُفِعَت الحُجُب حتَّى شاهد جنازته.

وحديث الباب فيه التَّحديث، والإخبار، والسَّماع، والقول، وشيخ المؤلِّف رازيٌّ، وابن جريجٍ وعطاءٌ مكِّيَّان، وأخرجه أيضًا في «هجرة الحبشة» [خ¦٣٨٧٧]، ومسلمٌ في «الجنائز» والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».

(٥٥) (باب صُفُوفِ الصِّبْيَانِ مَعَ الرِّجَالِ) عند إرادة الصَّلاة (عَلَى الجَنَائِزِ) وللحَمُّويي (٢) والأَصيليِّ والمُستملي: «في الجنائز».

١٣٢١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) ابن زيادٍ العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ) سليمان (عَنْ عَامِرٍ) الشَّعبيِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ مَرَّ بِقَبْرٍ دُفِنَ) زاد غير أبي الوقت (٣) والأَصيليِّ وابن عساكر: «قد دُفِنَ»

بضمِّ الدَّال وكسر الفاء (لَيْلًا) نصبٌ على الظَّرفيَّة، أي: دُفِنَ صاحبه فيه ليلًا؛ فهو من قبيل ذكر المحلِّ وإرادة الحالِّ (فَقَالَ: مَتَى دُفِنَ هَذَا؟) الميِّت (قَالُوا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «فقالوا» بالفاء قبل القاف: دُفِنَ (البَارِحَةَ، قَالَ: أَفَلَا آذَنْتُمُونِي)؟ بمدِّ الهمزة، أي: أعلمتموني (قَالُوا: دَفَنَّاهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ، فَقَامَ فَصَفَفْنَا) بفاءَين (خَلْفَهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَنَا فِيهِمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ) أي: على قبرٍ (١)، وكان ابن عبَّاسٍ في زمنه دون البلوغ؛ لأنَّه شهد حجَّة الوداع وقد قارب الاحتلام، وفيه جواز الدَّفن في اللَّيل، وقد روى التِّرمذيُّ عن ابن عبَّاسٍ : أنَّ النَّبيَّ دخل قبرًا ليلًا، فأُسرِجَ له بسراجٍ (٢)، فأُخِذَ من القبلة، وقال: «رحمك الله إِنْ كنتَ لأوَّاهًا تلَّاءً للقرآن»، وكبَّر عليه أربعًا، وقد رخَّص أكثر (٣) أهل العلم في الدَّفن باللَّيل، ودُفِنَ كلٌّ من الخلفاء الأربعة ليلًا، بل روى أحمد: أنَّ النَّبيَّ دُفِنَ ليلة الأربعاء، وما رُوِيَ من النَّهي عنه؛ فمحمولٌ على أنَّه كان أوَّلًا ثمَّ رُخِّص فيه بعد.

(٥٦) (باب سُنَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الجَنَائِزِ) ولأبي ذَرٍّ: «على الجنازة» بالإفراد، والمراد بالسُّنَّة هنا:

أعمُّ من الواجب والمندوب. (وَقَالَ النَّبِيُّ ) في حديثٍ وصله بعد بابٍ [خ¦١٣٢٥]: (مَنْ صَلَّى عَلَى الجَنَازَةِ) وهذا لفظ مسلمٍ من وجهٍ آخر عن أبي هريرة، وجواب الشَّرط محذوفٌ، أي: فله قيراطٌ، ولم يذكره؛ لأنَّ القصد الصَّلاة على الجنازة (وَقَالَ) في حديث سلمة ابن الأكوع الآتي -إن شاء الله تعالى- في أوائل «الحوالة» [خ¦٢٢٨٩]: (صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ) أي: الميِّت الَّذي كان عليه دَينٌ لا يفي بماله (وَقَالَ) ممَّا سبق موصولًا: (صَلُّوا عَلَى النَّجَاشِيِّ) لكنَّ لفظه في «باب الصُّفوف على الجنازة (١)»: «فصلُّوا عليه» [خ¦١٣٢٠] (سَمَّاهَا) النَّبيُّ ، أي: الهيئة (٢) الخاصَّة الَّتي يُدعى فيها للميِّت (صَلَاةً) والحال أنَّه (لَيْسَ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ) فهي تفارق الصَّلاة المعهودة، وإنَّما لم يكن فيها ركوعٌ ولا سجودٌ؛ لئلَّا يتوهَّم بعض الجهلة أنَّها عبادةٌ للميِّت، فَيَضِلُّ بذلك (وَلَا يُتَكَلَّمُ فِيهَا) أي: في صلاة الجنازة؛ كالصَّلاة المعهودة (وَفِيهَا تَكْبِيرٌ) للإحرام مع النِّيَّة كغيرها، ثمَّ ثلاث تكبيراتٍ أيضًا (وَ) فيها (تَسْلِيمٌ) عن اليمين والشَّمال بعد التَّكبيرات كغيرها، وقال المالكيَّة: تسليمةٌ واحدةٌ خفيفةٌ كسائر الصَّلوات، وفي «الرِّسالة»: تسلميةٌ واحدةٌ خفيفةٌ -ويروى: خفيَّةٌ (٣) - للإمام والمأموم، يُسمِع الإمام نفسَه ومَن يليه، ويُسمِع المأموم نفسَه فقط. (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب ممَّا وصله مالكٌ

في «موطَّئه» يقول: (لَا يُصَلِّي) الرَّجل على الجنازة (إِلَّا طَاهِرًا) من الحدث الأكبر والأصغر، وفي «مسلمٍ» حديث: «لا يقبل الله صلاةً بغير طهورٍ»، ومن النَّجس المتَّصل به غير المعفوِّ عنه، ولعلَّ مراد المؤلِّف بسياق ذلك الرَّدُّ على الشَّعبيِّ حيث (١) أجاز الصَّلاة على الجنازة بغير طهارةٍ؛ لأنَّها دعاءٌ ليس فيها ركوعٌ ولا سجودٌ، لكنَّ الفقهاء من السَّلف والخلف مجمعون على خلافه (٢)، وقال أبو حنيفة: يجوز التَّيمُّم للجنازة مع وجود الماء إذا خاف فواتها بالوضوء، وكان الوليُّ غيره. (وَ) كان ابن عمر أيضًا ممَّا وصله سعيدُ بن منصورٍ (لَا يُصَلِّي) على الجنازة، ولغير أبي ذَرٍّ: «ولا تُصلَّى» بالمثنَّاة الفوقيَّة (٣) وفتح اللَّام، أي: وكان يقول: لا تصلَّى صلاة (٤) الجنازة (عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا) عند (غُرُوبِهَا) وإلى هذا القول ذهب مالكٌ والكوفيُّون (٥) والأوزاعيُّ وأحمد وإسحاق، ومذهب الشَّافعيَّة عدم الكراهة (وَ) كان ابن عمر أيضًا ممَّا وصله المؤلِّف في «كتاب رفع اليدين» (يَرْفَعُ يَدَيْهِ) حذو منكبيه استحبابًا في كلِّ تكبيرةٍ من (٦) تكبيرات الجنازة الأربع، ورواه الطَّبرانيُّ في «الأوسط» من وجهٍ آخر عنه بإسنادٍ ضعيفٍ، وقال الحنفيَّة والمالكيَّة: لا يرفع إلَّا عند تكبيرة الإحرام؛ لحديث التِّرمذيِّ عن أبي هريرة مرفوعًا: «إذا صلَّى على جنازةٍ يرفع يديه في أوَّل تكبيرةٍ»، زاد الدَّارقُطنيُّ: «ثمَّ لا يعود»، وعن مالكٍ: أنَّه كان يعجبه ذلك في كلِّ تكبيرةٍ، ورُوِيَ عن ابن القاسم أنَّه لا يرفع في شيءٍ منها، وفي سماع أشهب: إن شاء رفع بعد الأولى، وإن شاء ترك (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ، ممَّا (٧) قاله (٨) في «الفتح»: لم أره موصولًا: (أَدْرَكْتُ النَّاسَ) من الصَّحابة والتَّابعين (وَأَحَقُّهُمْ) بالرَّفع مبتدأٌ، خبره الموصول بعدُ «بالصلاة» (عَلَى جَنَائِزِهِمْ) ولأبي ذَرٍّ: «وأحقُّهم بالصَّلاة على جنائزهم» (مَنْ رَضُوهُمْ لِفَرَائِضِهِمْ) موصولٌ وصلته، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «مَن

رضُوه» بالإفراد، فيه إشارةٌ إلى أنَّهم كانوا يُلحِقون صلاة الجنازة بغيرها من الصَّلوات؛ ولذا كان أحقَّ بالصَّلاة على الجنائز مَن كان يصلِّي بهم (١) الفرائض، وعند عبد الرَّزَّاق عن الحسن: إنَّ أحقَّ النَّاس بالصَّلاة على الجنازة الأب ثمَّ الابن، وقد اختُلِفَ في ذلك، ومذهب الشَّافعيَّة أنَّ أولى النَّاس بالصَّلاة على الميِّت الأب ثمَّ أبوه وإن علا، ثمَّ الابن وابنه وإن سفل، وخالف ذلك ترتيبُ الإرث؛ لأنَّ معظم الغرض الدُّعاء للميِّت فقُدِّم الأشفق؛ لأنَّ دعاءه أقرب إلى الإجابة، ثمَّ العصبات النَّسبيَّة (٢) على ترتيب الإرث في غير ابنَي عمٍّ، أحدهما أخٌ لأمٍّ، فيُقدَّم الأخ الشَّقيق، ثمَّ الأخ للأب، ثمَّ ابن الأخ الشَّقيق، ثمَّ ابن الأخ للأب (٣)، وهكذا، ويُقدَّم مراهقٌ مميِّزٌ أجنبيٌّ على امرأةٍ قريبةٍ، ولو اجتمع أبناء عمٍّ أحدُهما أخٌ من أمٍّ (٤) قُدِّم لترجُّحه (٥) بالأخوة للأمِّ (٦)، والأمُّ وإن لم يكن لها دخلٌ (٧) في إمامة الرِّجال، لها مدخلٌ في الصَّلاة في الجملة؛ لأنَّها تُصلِّي مأمومةً ومنفردةً وإمامةً للنِّساء عند فقد الرِّجال، فقُدِّم بها، كما يقدَّم الأخ من الأبوين (٨) على الأخ من الأب، ثمَّ بعد العصبات (٩) النَّسبيَّة بالمولى (١٠)، فيُقدَّم المعتِق، ثمَّ عصباته، ثمَّ السُّلطان، ثمَّ ذوو (١١) الأرحام الأقربُ فالأقرب، فيُقدَّم أبو الأمِّ، ثمَّ الأخ للأمِّ، ثمَّ الخال، ثمَّ العمُّ للأمِّ، والأخ من الأمِّ هنا من ذوي الأرحام بخلافه في الإرث، ولا حقَّ للزَّوج في الصَّلاة مع غير الأجانب، وكذا المرأة مع الذَّكر، فالزَّوج مقدَّمٌ (١٢) على الأجانب، ولو استوى اثنان في درجة؛ كابنين أو أخوين وكلٌّ منهما أهلٌّ للإمامة قُدِّم الأسنُّ في الإسلام غير الفاسق، والرَّقيق، والمبتدع على الأفقه، عكس

بقيَّة الصَّلاة لغرض الدُّعاء هنا، والأسنُّ أقرب إلى الإجابة، وسائر الصَّلوات محتاجةٌ إلى الفقه، ويُقدَّم الحرُّ العدل على الرَّقيق، ولو أقرب وأفقه وأسنَّ؛ لأنَّه أَولى بالإمامة؛ لأنَّها ولايةٌ كالعمِّ الحرِّ، فإنَّه مقدَّمٌ على الأب الرَّقيق مطلقًا، وكذا يُقدَّم الحرُّ العدل على الرَّقيق الفقيه، ويُقدَّم الرَّقيق القريب على الحرِّ الأجنبيِّ، والرَّقيق البالغ على الحرِّ الصَّبيِّ؛ لأنَّه مكلَّفٌ، فهو أحرص على تكميل الصَّلاة (١)، ولأنَّ الصَّلاة خلفه مجمَعٌ على جوازها بخلافها (٢) خلف الصَّبيِّ، فإن استووا وتشاحُّوا أُقْرع بينهم قطعًا للنِّزاع، وإن تراضوا بواحدٍ معيَّنٍ قُدِّم، أو بواحدٍ منهم غير معيَّنٍ أُقرِعَ، والحاصل: أنَّه يُقدَّم فيها القريب والمولى على الوالي وإمام (٣) المسجد، بخلاف بقيَّة الصَّلوات؛ لأنَّها من قضاء حقِّ الميِّت كالدَّفن والتَّكفين؛ لأنَّ معظم الغرض منها الدُّعاء كما تقدَّم، والقريب والمولى أشفق، وأنَّهما يُقدَّمان فيها على الموصَى له بها؛ لأنَّها حقُّهما، ولا تنفذ الوصيَّة فيه بإسقاطها، كالإرث ونحوه، وما ورد -من أنَّ أبا بكرٍ أوصى (٤) أن يصلِّي عليه عمر، فصلَّى عليه عمر، وأنَّ عمر وصَّى (٥) أن يصلِّي عليه صهيبٌ، فصلَّى، وأنَّ عائشة وصَّت (٦) أن يصلِّي عليها أبو هريرة، فصلَّى- فمحمولٌ على أنَّ أولياءهم أجازوا الوصيَّة، وقال المالكيَّة: الأَولى تقديم مَن أوصى الميِّت بالصَّلاة عليه؛ لأنَّ ذلك من حقِّ الميِّت إذ هو أعلم بمن يشفع له، إلَّا أن يعلم أنَّ ذلك من الميِّت كان لعداوةٍ بينه وبين الوليِّ، وإنَّما أراد بذلك إنكاره، فلا تجوز وصيَّته، فإن لم يكن وصَّى فالخليفة مقدَّمٌ على الأولياء لا نائبه؛ لأنَّه لا يُقدَّم على الأولياء إلَّا أن يكون صاحب الخطبة، فيُقدَّم على المشهور، وهو (٧) قول ابن القاسم. انتهى. (وَإِذَا أَحْدَثَ يَوْمَ العِيدِ أَوْ عِنْدَ الجَنَازَةِ يَطْلُبُ المَاءَ) ويتوضَّأ (وَلَا يَتَيَمَّمُ) وهذا يحتمل أن يكون عطفًا على التَّرجمة، أو من بقيَّة كلام الحسن،

ويقوِّي الثَّاني ما رُوِيَ عنه عند ابن أبي شيبة: أنَّه سُئِلَ عن الرَّجل يكون في الجنازة على غير وضوءٍ، فإن ذهب يتوضَّأ تفوته؟ قال: لا يتيمَّم، ولا يصلِّي إلَّا على طُهرٍ.

(وَ) قال الحسن أيضًا ممَّا وصله (١) ابن أبي شيبة: (إِذَا انْتَهَى) الرَّجل (إِلَى الجَنَازَةِ وَهُمْ) أي: والحال أنَّ الجماعة (يُصَلُّونَ يَدْخُلُ مَعَهُمْ بِتَكْبِيرَةٍ) ثمَّ يأتي بعد سلام الإمام بما فاته، ويُسَنُّ ألَّا تُرفَع الجنازة حتَّى يُتِمَّ المسبوق ما عليه، فلو رُفِعَت لم يضرَّ، وتبطل (٢) بتخلُّفه عن إمامه بتكبيرةٍ بلا عذرٍ بأن لم يكبِّر (٣) حتَّى كبَّر الإمامُ المستقبلةَ؛ إذ الاقتداء هنا إنَّما يظهر في التَّكبيرات، وهو تخلُّفٌ فاحشٌ يشبه التَّخلُّف بركعةٍ، وفي «الشَّرح الصَّغير»: احتمال أنَّه كالتَّخلُّف بركنٍ حتَّى لا تبطل إلَّا بتخلُّفه بركنين، وخرج بالتَّقييد بلا عذرٍ (٤)، مَن عُذرٍ ببطء القراءة، أو النِّسيان، أو عدم (٥) سماع التَّكبير، فلا يبطل تخلُّفه بتكبيرةٍ فقط، بل بتكبيرتين على ما اقتضاه كلامهم.

(وَقَالَ ابْنُ المُسَيَّبِ) سعيدٌ ممَّا قال (٦) الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه لم يره موصولًا، وإنَّما وجد معناه بإسنادٍ قويٍّ عن عقبة بن عامر (٧) الصَّحابيِّ فيما أخرجه ابن أبي شيبة موقوفًا عليه (٨): (يُكَبِّرُ (٩)) الرَّجل في صلاة الجنازة سواءٌ كانت (بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالسَّفَرِ وَالحَضَرِ أَرْبَعًا) أي: أربع تكبيراتٍ.

(وَقَالَ أَنَسٌ) هو ابن مالكٍ () ممَّا وصله سعيد بن منصورٍ: (تكْبِيرَةُ الوَاحِدَة) وللأربعة: «التَّكبيرة الواحدة» (اسْتِفْتَاحُ الصَّلَاةِ، وَقَالَ) الله ﷿ ممَّا هو (١٠) عطفٌ على التَّرجمة:

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

على الْقَبْر، سدا للذريعة فِي الصَّلَاة على الْقُبُور. وَقَالَ أَصْحَابنَا: لما اخْتلفت الْأَحْوَال فِي ذَلِك فوض الْأَمر إِلَى رَأْي المبتلي بِهِ. فَإِن قلت: روى البُخَارِيّ عَن عقبَة بن عَامر أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى على قَتْلَى أحد بعد ثَمَان سِنِين؟ قلت: حمل ذَلِك على الدُّعَاء، قَالَه بعض أَصْحَابنَا: وَفِيه نظر، لِأَن الطَّحَاوِيّ روى عَن عقبَة أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج يَوْمًا فصلى على قَتْلَى أحد صلَاته على الْمَيِّت. قلت: الْجَواب السديد أَن أَجْسَادهم لم تبل.

٦٥ - (بابُ سُنَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الجَنَازَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان سنة الصَّلَاة على الْجِنَازَة، وَالْمرَاد من السّنة مَا شَرعه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي صَلَاة الْجِنَازَة من الشَّرَائِط، والأركان. وَمن الشَّرَائِط أَنَّهَا لَا تجوز بِغَيْر الطَّهَارَة، وَلَا تجوز عُريَانا، وَلَا تجوز بِغَيْر اسْتِقْبَال الْقبْلَة. وَمن الْأَركان: التَّكْبِيرَات. وَقَالَ الْكرْمَانِي: غَرَض البُخَارِيّ بَيَان جَوَاز إِطْلَاق الصَّلَاة على صَلَاة الْجِنَازَة، وَكَونهَا مَشْرُوعَة، وَإِن لم تكن ذَات الرُّكُوع وَالسُّجُود فاستدل عَلَيْهِ تَارَة بِإِطْلَاق اسْم الصَّلَاة عَلَيْهِ، والآمر بهَا. وَتارَة بِإِثْبَات مَا هُوَ من خَصَائِص الصَّلَاة، نَحْو: عدم التَّكَلُّم فِيهَا، وَكَونهَا مفتتحة بِالتَّكْبِيرِ مختتمة بِالتَّسْلِيمِ وَعدم صِحَّتهَا إلَاّ بِالطَّهَارَةِ، وَعدم أَدَائِهَا عِنْد الْوَقْت الْمَكْرُوه، وبرفع الْيَد وَإِثْبَات الأحقية بِالْإِمَامَةِ، ولوجوب طلب المَاء لَهُ وَالدُّخُول فِيهَا بِالتَّكْبِيرِ، وَيكون استفتاحها بِالتَّكْبِيرِ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ} . فَإِنَّهُ أطلق الصَّلَاة عَلَيْهِ، حَيْثُ نهى عَن فعلهَا، وبكونها ذَات صُفُوف وَإِمَام، وَحَاصِله أَن الصَّلَاة لفظ مُشْتَرك بَين ذَات الْأَركان الْمَخْصُوصَة من الرُّكُوع وَنَحْوه، وَبَين صَلَاة الْجِنَازَة، وَهُوَ حَقِيقَة شَرْعِيَّة فيهمَا. انْتهى. قلت: فِي قَوْله: وَحَاصِله ... إِلَى آخِره، فِيهِ نظر، لِأَن الصَّلَاة فِي اللُّغَة وَالدُّعَاء والاتباع، وَقد اسْتعْملت فِي الشَّرْع فِيمَا لم يجد فِيهِ الدُّعَاء والاتباع: كَصَلَاة الْأَخْرَس المنفردة، وَصَلَاة من لَا يقدر على الْقِرَاءَة وَحده، ثمَّ إِن الشَّارِع استعملها فِي غير مَعْنَاهَا اللّغَوِيّ، وَغلب اسْتِعْمَالهَا فِيهَا بِحَيْثُ يتَبَادَر الذِّهْن إِلَى الْمَعْنى الَّذِي استعملها الشَّارِع فِيهِ عِنْد الْإِطْلَاق، وَهِي مجَاز هجرت حَقِيقَته بِالشَّرْعِ فَصَارَت حَقِيقَة شَرْعِيَّة، وَلَيْسَت بمشتركة بَين الصَّلَاة الْمَعْهُودَة فِي الشَّرْع وَبَين صَلَاة الْجِنَازَة، فَلَا تكون حَقِيقَة شَرْعِيَّة فيهمَا، وَلَا يفهم من كَلَام البُخَارِيّ الَّذِي نَقله عَنهُ الْكرْمَانِي أَن إِطْلَاق لفظ الصَّلَاة على صَلَاة الْجِنَازَة بطرِيق الْحَقِيقَة لَا بطرِيق الِاشْتِرَاك بَين الصَّلَاة الْمَعْهُودَة وَصَلَاة الْجِنَازَة.

وَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنْ صَلَّى عَلَى الجَنَازَةِ

هَذَا اسْتدلَّ بِهِ البُخَارِيّ على جَوَاز إِطْلَاق الصَّلَاة على صَلَاة الْجِنَازَة، فَإِنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: من صلى على الْجِنَازَة ... فَأطلق بِلَفْظ (صلى على الْجِنَازَة) ، وَلم يقل: من دَعَا للجنازة، وَنَحْو ذَلِك، وَهَذَا طرف من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه مَوْصُولا فِي: بَاب من انْتظر حَتَّى تدفن، وَلَكِن لَفْظَة: (من شهد الْجِنَازَة حَتَّى يُصَلِّي فَلهُ قِيرَاط) الحَدِيث، وَلَفظ مُسلم: (من صلى على جَنَازَة وَلم يتبعهَا فَلهُ قِيرَاط، وَإِن تبعها فَلهُ قيراطان) .

وَقَالَ صَلُّوا عَلَى صاحِبِكُمْ

هَذَا اسْتدلَّ بِهِ على مَا ذهب إِلَيْهِ من إِطْلَاق الصَّلَاة على صَلَاة الْجِنَازَة بِالْأَمر بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا حَيْثُ قَالَ: (صلوا) ، وَهُوَ طرف من حَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع، أخرجه مَوْصُولا فِي أَوَائِل الْحِوَالَة مطولا، وأوله: (كُنَّا جُلُوسًا عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذْ أُتِي بِجنَازَة، فَقَالُوا: صل عَلَيْهَا) الحَدِيث، وَفِيه: قَالَ: (هَل عَلَيْهِ دين؟ قَالُوا: ثَلَاثَة دَنَانِير! قَالَ: صلوا على صَاحبكُم) . الحَدِيث.

وَقَالَ صلُّوا عَلَى النَّجَاشِيِّ

هَذَا أَيْضا بطرِيق الْأَمر، وَقد تقدم هَذَا فِي: بَاب الصُّفُوف على الْجِنَازَة، وَلَكِن لَفظه هُنَا، فصلوا عَلَيْهِ.

سَمَّاهَا صَلَاةً لَيْسَ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ

أَي: سمى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْهَيْئَة الْخَاصَّة الَّتِي يدعى فِيهَا للْمَيت: صَلَاة، وَالْحَال أَنه لَيْسَ فِيهَا رُكُوع وَلَا سُجُود، وَلَكِن التَّسْمِيَة لَيست بطرِيق الْحَقِيقَة، وَلَا بطرِيق الِاشْتِرَاك، وَلَكِن بطرِيق الْمجَاز.

وَلَا يُتَكَلَّمُ فِيها وَفِيهَا تَكْبِيرٌ وَتَسْلِيمٌ

أَي: وَلَا يتَكَلَّم فِي صَلَاة الْجِنَازَة، وَهَذَا أَيْضا من جملَة جَوَاز إِطْلَاق الصَّلَاة على صَلَاة الْجِنَازَة بِإِثْبَات مَا هُوَ من

خَصَائِص الصَّلَاة، وَهُوَ عدم التَّكَلُّم فِي صَلَاة الْجِنَازَة كَالصَّلَاةِ. قَوْله: (وفيهَا) أَي: وَفِي صَلَاة الْجِنَازَة (تَكْبِير وَتَسْلِيم) كَمَا فِي الصَّلَاة. أما التَّكْبِير فَلَا خلاف فِيهِ، وَأما التَّسْلِيم فمذهب أبي حنيفَة أَنه يسلم تسليمتين، وَاسْتدلَّ لَهُ بِحَدِيث عبد الله بن أبي أوفى أَنه يسلم عَن يَمِينه وَعَن شِمَاله، فَلَمَّا انْصَرف قَالَ: (لَا أَزِيدكُم على مَا رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يصنع أَو هَكَذَا يصنع) . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ، وَقَالَ الْحَاكِم: حَدِيث صَحِيح. وَفِي (المُصَنّف) بِسَنَد جيد عَن جَابر بن زيد وَالشعْبِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: أَنهم كَانُوا يسلمُونَ تسليمتين. وَفِي (الْمعرفَة) : روينَا عَن أبي عبد الرَّحْمَن (عبد الله بن مَسْعُود أَنه قَالَ: ثَلَاث كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يفعلهن، تركهن النَّاس: إِحْدَاهُنَّ: التَّسْلِيم على الْجِنَازَة مثل التسليمتين فِي الصَّلَاة، وَقَالَ قوم: يسلم تَسْلِيمَة وَاحِدَة) روى ذَلِك عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَجَابِر وَأبي هُرَيْرَة وَأبي أُمَامَة بن سهل وَأنس وَجَمَاعَة من التَّابِعين، وَهُوَ قَول مَالك وَأحمد وَإِسْحَاق.

ثمَّ: هَل يسرّ بهَا أَو يجْهر؟ فَعَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ إِخْفَاؤُهَا، وَعَن مَالك: يسمع بهَا من يَلِيهِ، وَعَن أبي يُوسُف: لَا يجْهر كل الْجَهْر وَلَا يسر كل الْإِسْرَار وَلَا يرفع يَدَيْهِ إلَاّ عِنْد تَكْبِيرَة الْإِحْرَام، لما روى التِّرْمِذِيّ عَن أبي هُرَيْرَة، مَرْفُوعا: (إِذا صلى على جَنَازَة يرفع يَدَيْهِ فِي أول تَكْبِيرَة) . وَزَاد الدَّارَقُطْنِيّ: (ثمَّ لَا يعود) ، وَعَن ابْن عَبَّاس عِنْده مثله بِسَنَد فِيهِ الْحجَّاج ابْن نصير. وَفِي (الْمَبْسُوط) : أَن ابْن عمر وعليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَا: لَا ترفع الْيَد فِيهَا، إلَاّ عِنْد تَكْبِيرَة الْإِحْرَام، وَحَكَاهُ ابْن حزم عَن ابْن مَسْعُود، وَابْن عمر، ثمَّ قَالَ: لم يَأْتِ بِالرَّفْع فِيمَا عدا الأولى نَص وَلَا إِجْمَاع. وَحكى فِي (المُصَنّف) عَن النَّخعِيّ وَالْحسن بن صَالح: أَن الرّفْع فِي الأولى فَقَط، وَحكى ابْن الْمُنْذر الْإِجْمَاع على الرّفْع فِي أول تَكْبِيرَة، وَعند الشَّافِعِيَّة: يرفع فِي الْجَمِيع، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَرُوِيَ مثل قَوْلنَا عَن ابْن عمر وَسَالم وَعَطَاء وَمَكْحُول وَالزهْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق.

وكانَ ابنُ عُمَرَ لَا يُصَلِّي إلَاّ طاهِرا وَلَا تُصَلَّى عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبِهَا وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ

هَذَا أَيْضا مِمَّا اسْتدلَّ بِهِ البُخَارِيّ على إِطْلَاق الصَّلَاة على صَلَاة الْجِنَازَة.

هَذِه ثَلَاث مسَائِل.

الأولى: أَن عبد الله ابْن عمر كَانَ لَا يُصَلِّي على الْجِنَازَة إلَاّ بِطَهَارَة، وَقَالَ ابْن بطال: كَانَ غَرَض البُخَارِيّ بِهَذَا الرَّد على الشّعبِيّ، فَإِنَّهُ أجَاز الصَّلَاة على الْجِنَازَة بِغَيْر طَهَارَة، قَالَ: لِأَنَّهُ دُعَاء لَيْسَ فِيهَا رُكُوع وَلَا سُجُود. قَالَ: وَالْفُقَهَاء مجمعون من السّلف وَالْخلف على خلاف قَوْله. انْتهى. قلت: وَقَالَ بِهِ أَيْضا مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ والشيعة، وَقَالَ أَبُو عمر: قَالَ ابْن علية: الصَّلَاة على الْمَيِّت اسْتِغْفَار، وَالِاسْتِغْفَار يجوز بِغَيْر وضوء، وأوصل هَذَا التَّعْلِيق مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) : عَن نَافِع بِلَفْظ: أَن ابْن عمر كَانَ يَقُول: لَا يُصَلِّي الرجل على الْجِنَازَة إلَاّ وَهُوَ طَاهِر. وَأما إِطْلَاق الطَّهَارَة فَيتَنَاوَل الْوضُوء وَالتَّيَمُّم. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يجوز التَّيَمُّم للجنازة مَعَ وجود المَاء إِذا خَافَ فَوتهَا بِالْوضُوءِ، وَكَانَ الْوَلِيّ غَيره، وَحَكَاهُ ابْن الْمُنْذر أَيْضا عَن الزُّهْرِيّ، وَعَطَاء وَسَالم وَالنَّخَعِيّ وَعِكْرِمَة وَسعد بن إِبْرَاهِيم وَيحيى الْأنْصَارِيّ وَرَبِيعَة وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَإِسْحَاق وَابْن وهب، وَهِي رِوَايَة عَن أَحْمد، وروى ابْن عدي عَن ابْن عَبَّاس (مَرْفُوعا) (إِذا فجأتك جَنَازَة وَأَنت على غير وضوء فَتَيَمم) . وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَنهُ مَوْقُوفا. وَحَكَاهُ أَيْضا عَن الحكم وَالْحسن، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر: لَا يتَيَمَّم. وَقَالَ ابْن حبيب: الْأَمر فِيهِ وَاسع، وَنقل ابْن التِّين عَن ابْن وهب أَنه يتَيَمَّم إِذا خرج طَاهِرا فأحدث، وَإِن خرج مَعهَا على غير طَهَارَة لم يتَيَمَّم.

الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة: أَن عبد الله بن عمر مَا كَانَ يُصَلِّي على الْجِنَازَة عِنْد طُلُوع الشَّمْس وَلَا عِنْد غُرُوبهَا لما روى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا حَاتِم بن إِسْمَاعِيل عَن أنيس بن أبي يحيى عَن أَبِيه أَن جَنَازَة وضعت، فَقَامَ ابْن عمر قَائِما فَقَالَ: أَيْن ولي هَذِه الْجِنَازَة؟ ليصل عَلَيْهَا قبل أَن يطلع قرن الشَّمْس. وَحدثنَا وَكِيع عَن جَعْفَر بن برْقَان عَن مَيْمُون، قَالَ: كَانَ ابْن عمر يكره الصَّلَاة على الْجِنَازَة إِذا طلعت الشَّمْس حَتَّى تغيب، وَحدثنَا أَبُو الْأَحْوَص عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي بكر، يَعْنِي ابْن حَفْص، قَالَ: كَانَ ابْن عمر إِذا كَانَت الْجِنَازَة صلى الْعَصْر ثمَّ قَالَ: عجلوا بهَا قبل أَن تطفل الشَّمْس. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهَة الصَّلَاة على الْجِنَازَة عِنْد طُلُوع الشَّمْس وَعند غُرُوبهَا، ثمَّ روى حَدِيث عقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ: (ثَلَاث سَاعَات كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ينهانا أَن نصلي فِيهَا، ونقبر فِيهِنَّ مَوتَانا، حِين تطلع الشَّمْس: بازغة حَتَّى ترْتَفع، وَحين يقوم قَائِم الظهيرة حَتَّى تميل، وَحين تضيف الشَّمْس للغروب حَتَّى تغرب) . وَأخرجه مُسلم وَبَقِيَّة أَصْحَاب السّنَن أَيْضا، ثمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَالْعَمَل على

هَذَا عِنْد بعض أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَغَيرهم، يكْرهُونَ الصَّلَاة على الْجِنَازَة فِي هَذِه الْأَوْقَات، وَقَالَ ابْن الْمُبَارك: معنى هَذَا الحَدِيث أَن نقبر فِيهِنَّ مَوتَانا، يَعْنِي: الصَّلَاة على الْجِنَازَة، وَهُوَ قَول أَحْمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا بَأْس أَن يصلى على الْجِنَازَة فِي السَّاعَات الَّتِي تكره فِيهَا الصَّلَاة.

الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة: هِيَ قَوْله: (وَيرْفَع يَدَيْهِ) ، أَي: وَيرْفَع ابْن عمر يَدَيْهِ فِي صَلَاة الْجِنَازَة، قَالَ بَعضهم: وَصله البُخَارِيّ فِي كتاب (رفع الْيَدَيْنِ) الْمُفْرد من طَرِيق عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَنه كَانَ يرفع يَدَيْهِ فِي كل تَكْبِيرَة على الْجِنَازَة. قلت: قَوْله: (وَيرْفَع يَدَيْهِ) . مُطلق يتَنَاوَل الرّفْع فِي أول التَّكْبِيرَات ويتناول الرّفْع فِي جَمِيعهَا، وَعدم تَقْيِيد البُخَارِيّ ذَلِك يدل على أَن الَّذِي رَوَاهُ فِي كتاب (رفع الْيَدَيْنِ) غير مرضِي عِنْده، إِذْ لَو كَانَ رَضِي بِهِ لَكَانَ ذكره فِي (الصَّحِيح) أَو قيد قَوْله: (وَيرْفَع يَدَيْهِ) بِلَفْظ: فِي التَّكْبِيرَات كلهَا، على أَنا قد ذكرنَا عَن قريب أَن ابْن حزم حكى عَن ابْن عمر أَنه لم يرفع إلَاّ فِي الأولى. وَقَالَ: لم يَأْتِ فِيمَا عدا الأولى نَص وَلَا إِجْمَاع، وَذكرنَا عَن أبي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس مثله. فَإِن قلت: روى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث نَافِع عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يرفع يَدَيْهِ فِي الْكل؟ قلت: إِسْنَاده ضَعِيف فَلَا يحْتَج بِهِ، وَالله تَعَالَى أعلم.

وَقَالَ الحَسَنُ أدْرَكْتُ النَّاسَ وَأحَقُّهُمْ عَلَى جَنَائِزِهِمْ مَنْ رَضُوهُمْ لِفَرَائِضِهِمْ

هَذَا أَيْضا من جملَة مَا يسْتَدلّ بِهِ البُخَارِيّ على جَوَاز إِطْلَاق الصَّلَاة على صَلَاة الْجِنَازَة، فَإِن الَّذين أدركهم من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ الْكِبَار كَانُوا يلحقون صَلَاة الْجِنَازَة بالصلوات، وَلِهَذَا مَا كَانَ أَحَق بِالصَّلَاةِ على الْجِنَازَة إلَاّ من كَانَ يُصَلِّي لَهُم الْفَرَائِض، وَالْوَاو فِي: وأحقهم، للْحَال وارتفاعه بِالِابْتِدَاءِ، وَخَبره هُوَ قَوْله: من، وَهِي مَوْصُولَة، يَعْنِي: الَّذين. وَقَوله: رضوهم، صلتها. وَقَوله: رضوهم بضمير الْجمع رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: رضوه، بإفراد الضَّمِير. وَهَذَا الْبَاب فِيهِ خلاف بَين الْعلمَاء. قَالَ ابْن بطال: أَكثر أهل الْعلم قَالَ: الْوَالِي أَحَق من الْوَلِيّ، رُوِيَ ذَلِك عَن جمَاعَة، مِنْهُم: عَلْقَمَة وَالْأسود وَالْحسن، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق. وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ: الْوَلِيّ أَحَق من الْوَالِي، وَقَالَ مطرف وَابْن عبد الحكم وَأصبغ: لَيْسَ ذَلِك إلَاّ إِلَى من أليه الصَّلَاة من قَاض أَو صَاحب شرطة أَو خَليفَة الْوَالِي الْأَكْبَر، وَإِنَّمَا ذَلِك إِلَى الْوَالِي الْأَكْبَر الَّذِي يُؤَدِّي إِلَيْهِ الطَّاعَة، وَحكى ابْن أبي شيبَة عَن النَّخعِيّ وابي بردة وَابْن أبي ليلى وَطَلْحَة وزبيد وسُويد بن غَفلَة: تَقْدِيم إِمَام الْحَيّ، وَعَن أبي الشعْثَاء وَسَالم وَالقَاسِم وطاووس وَمُجاهد وَعَطَاء: أَنهم كَانُوا يقدمُونَ الإِمَام على الْجِنَازَة، وروى الثَّوْريّ عَن أبي حَازِم قَالَ: شهِدت الْحُسَيْن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قدم سعيد بن الْعَاصِ يَوْم مَاتَ الْحسن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. وَقَالَ لَهُ: تقدم، فلولا السّنة مَا قدمتك، وَسَعِيد يَوْمئِذٍ أَمِير الْمَدِينَة. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: لَيْسَ فِي هَذَا الْبَاب أَعلَى من هَذَا، لِأَن شَهَادَة الْحسن شَهِدَهَا عوام النَّاس من الصَّحَابَة والمهاجرين وَالْأَنْصَار.

وَإذَا أحْدَثَ يَوْمَ العِيدِ أوْ عِنْدَ الجَنَازَةِ يِطْلُبُ المَاءَ وَلَا يَتَيَمَّمُ

الظَّاهِر أَن هَذَا من بَقِيَّة كَلَام الْحسن، لِأَن ابْن أبي شيبَة روى عَن حَفْص على أَشْعَث عَن الْحسن أَنه سُئِلَ عَن الرجل يكون فِي الْجِنَازَة على غير وضوء، قَالَ: لَا يتَيَمَّم وَلَا يُصَلِّي إلَاّ على طهر. فَإِن قلت: روى سعيد بن مَنْصُور عَن حَمَّاد بن زيد عَن كثير بن شنظير، قَالَ: سُئِلَ الْحسن عَن الرجل يكون فِي الْجِنَازَة على غير وضوء، فَإِن ذهب يتَوَضَّأ تفوته. قَالَ: يتَيَمَّم وَيُصلي. قلت: يحمل هَذَا على أَنه روى عَنهُ رِوَايَتَانِ، وَيدل ذكر البُخَارِيّ هَذَا على أَنه لم يقف عَن الْحسن إلَاّ على مَا روى عَنهُ من عدم جَوَاز الصَّلَاة على الْجِنَازَة إلَاّ بِالْوضُوءِ، أما التَّيَمُّم لصَلَاة الْجِنَازَة فقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى عَن قريب.

وَأما التَّيَمُّم لصَلَاة الْعِيد فعلى التَّفْصِيل عندنَا، وَهُوَ أَنه إِن كَانَ قبل الشُّرُوع فِي صَلَاة الْعِيد لَا يجوز للْإِمَام، لِأَنَّهُ ينْتَظر، وَأما الْمُقْتَدِي فَإِن كَانَ المَاء قَرِيبا بِحَيْثُ لَو تَوَضَّأ لَا يخَاف الْفَوْت لَا يجوز، وإلَاّ فَيجوز، فَلَو أحدث أَحدهمَا بعد الشُّرُوع بِالتَّيَمُّمِ يتَيَمَّم وَإِن كَانَ الشُّرُوع بِالْوضُوءِ وَخَافَ ذهَاب الْوَقْت لَو تَوَضَّأ، فَكَذَلِك عِنْد أبي حنيفَة خلافًا لَهما. وَفِي (الْمُحِيط) وَإِن كَانَ الشُّرُوع بِالْوضُوءِ وَخَافَ زَوَال الشَّمْس لَو تَوَضَّأ يتَيَمَّم بِالْإِجْمَاع، وإلَاّ فَإِن كَانَ يَرْجُو إِدْرَاك الإِمَام قبل الْفَرَاغ لَا يتَيَمَّم بِالْإِجْمَاع، وإلَاّ يتَيَمَّم وَيَبْنِي عِنْد أبي حنيفَة. وَقَالا: يتَوَضَّأ وَلَا يتَيَمَّم، فَمن الْمَشَايِخ من قَالَ: هَذَا اخْتِلَاف عصر وزمان، فَفِي زمن أبي حنيفَة كَانَت

الْجَبانَة بعيدَة من الْكُوفَة، وَفِي زمنهما كَانُوا يصلونَ فِي جبانة قريبَة، وَعند الشَّافِعِي: لَا يجوز التَّيَمُّم لصَلَاة الْعِيد أَدَاء وَبِنَاء. وَقَالَ النَّوَوِيّ: قَاس الشَّافِعِي صَلَاة الْجِنَازَة والعيد على الْجُمُعَة، وَقَالَ: تفوت الْجُمُعَة بِخُرُوج الْوَقْت بِالْإِجْمَاع، والجنازة لَا تفوت بل يصلى على الْقَبْر إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام بِالْإِجْمَاع، وَيجوز بعْدهَا عندنَا.

وإذَا انْتَهِى إلَى الجنَازَةِ وَهُمْ يُصَلُّونَ يَدْخُلُ مَعَهُمْ بِتَكْبِيرَةٍ

هَذَا بَقِيَّة من كَلَام الْحسن أَيْضا، أَي: إِذا انْتهى الرجل إِلَى الْجِنَازَة وَالْحَال أَن الْجَمَاعَة يصلونَ يدْخل مَعَهم بتكبيرة، وَقد وَصله ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا معَاذ عَن أَشْعَث عَن الْحسن فِي الرجل يَنْتَهِي إِلَى الْجِنَازَة وهم يصلونَ عَلَيْهَا، قَالَ: يدْخل مَعَهم بتكبيرة، قَالَ: وَحدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن هِشَام عَن مُحَمَّد، قَالَ: يكبر مَا أدْرك وَيَقْضِي مَا سبقه. وَقَالَ الْحسن: يكبر مَا أدْرك وَلَا يقْضِي مَا سبقه، وَعِنْدنَا لَو كبر الإِمَام تَكْبِيرَة أَو تكبيرتين لَا يكبر الْآتِي حَتَّى يكبر الإِمَام تَكْبِيرَة أُخْرَى عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد، ثمَّ إِذا كبر الإِمَام يكبر مَعَه، فَإِذا فرغ الإِمَام كبر هَذَا الْآتِي مَا فَاتَهُ قبل أَن ترفع الْجِنَازَة. وَقَالَ أَبُو يُوسُف: يكبر حِين يحضر، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد فِي رِوَايَة، وَعَن أَحْمد مُخَيّر، وقولهما هُوَ قَول الثَّوْريّ والْحَارث بن يزِيد، وَبِه قَالَ مَالك وَإِسْحَاق وَأحمد فِي رِوَايَة.

وَقَالَ ابنُ المُسَيَّبُ يُكَبِّرُ بِاللَّيْلِ والنَّهَارِ وَالسَّفَرِ وَالْحَضَرِ أرْبَعا

أَي: قَالَ سعيد بن الْمسيب: يكبر الرجل فِي صَلَاة الْجِنَازَة سَوَاء كَانَت بِاللَّيْلِ أَو بِالنَّهَارِ، وَسَوَاء كَانَت فِي السّفر أَو فِي الْحَضَر أَرْبعا أَي: أَربع تَكْبِيرَات، وَقد ذكرنَا الِاخْتِلَاف فِي عدد التَّكْبِيرَات.

وقَالَ أنسٌ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ التَّكْبِيرَةُ الوَاحِدَةِ اسْتِفْتَاحُ الصَّلَاةِ

هَذَا أَيْضا مِمَّا يدل على مَا قَالَه البُخَارِيّ من جَوَاز إِطْلَاق الصَّلَاة على صَلَاة الْجِنَازَة حَيْثُ أثبت لَهَا تَكْبِيرَة الاستفتاح، كَمَا فِي صَلَاة الْفَرْض، وروى سعيد بن مَنْصُور مَا يتَضَمَّن مَا ذكره البُخَارِيّ عَن أنس عَن إِسْمَاعِيل بن علية عَن يحيى بن أبي إِسْحَاق، قَالَ زُرَيْق بن كريم لأنس بن مَالك: رجل صلى فَكبر ثَلَاثًا؟ قَالَ أنس: أوليس التَّكْبِير ثَلَاثًا؟ قَالَ: يَا أَبَا حَمْزَة، التَّكْبِير أَربع. قَالَ: أجل غير أَن وَاحِدَة هِيَ افْتِتَاح الصَّلَاة.

وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ ولَا تُصَلِّ عَلَى أحَدٍ مِنْهُمْ

هَذَا مَعْطُوف على أصل التَّرْجَمَة، وَهِي قَوْله: بَاب سنة الصَّلَاة على الْجِنَازَة، فَإِنَّهُ أطلق عَلَيْهِ الصَّلَاة حَيْثُ نهى عَن فعلهَا على أحد من الْمُنَافِقين.

وَفِيهِ صُفُوفٌ وَإمَامٌ

هَذَا عطف على قَوْله: وفيهَا تَكْبِير وَتَسْلِيم، وَالضَّمِير فِي: فِيهِ، يرجع إِلَى صَلَاة الْجِنَازَة، والتذكير بِاعْتِبَار الْمَذْكُور أَو بِاعْتِبَار فعل الصَّلَاة، أَرَادَ أَن كَون الصُّفُوف فِي صَلَاة الْجِنَازَة وَكَون الإِمَام فِيهَا يدلان على إِطْلَاق الصَّلَاة على صَلَاة الْجِنَازَة.

٢٢٣١ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ الشَّيْبَانِيِّ عنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ أَخْبرنِي مَنْ مَرَّ مَعَ نَبِيِّكُمْ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فَأمَّنَا فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ فَقُلْنَا يَا أبَا عَمْرٍ ومَنْ حَدَّثَكَ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فأمنا فصففنا) ، لِأَن الْإِمَامَة وتسوية الصُّفُوف من سنة صَلَاة الْجِنَازَة، والْحَدِيث قد مر فِي الْبَاب الَّذِي قبله وَقبل قبله، والشيباني هُوَ سُلَيْمَان، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر بن شرَاحِيل. قَوْله: (يابا عَمْرو) أَصله: يَا أَبَا عَمْرو، حذفت الْهمزَة للتَّخْفِيف، وَأَبُو عَمْرو هَذَا هُوَ الشّعبِيّ.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.4 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله