«أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ لِلْعِتْقِ، وَأَرَادَ مَوَالِيهَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤٩٣

الحديث رقم ١٤٩٣ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الصدقة على موالي أزواج النبي ﷺ.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أنها أرادت أن تشتري بريرة للعتق، وأراد…

«أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ لِلْعِتْقِ، وَأَرَادَ مَوَالِيهَا أَنْ يَشْتَرِطُوا وَلَاءَهَا، فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ لِلنَّبِيِّ ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ : اشْتَرِيهَا، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ. قَالَتْ: وَأُتِيَ النَّبِيُّ بِلَحْمٍ، فَقُلْتُ: هَذَا مَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ.»

سند حديث: ١٤٩٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ: حَدَّثَنَا…

١٤٩٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أنها أرادت أن تشتري بريرة للعتق، وأراد…

أفاد الحديث أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها اشترت بريرة وأعتقتها فأراد أصحابها أن يكون ولاؤها لهم، فأخبرها -عليه الصلاة والسلام- بأن هذا الشرط لا يصح، وأن من أنعم بالعتق على العبد يكون ولاؤه له، و وبريرة كانت زوجة لعبد اسمه مغيث، فلما تحررت وملكت نفسها خيَّرها -عليه الصلاة والسلام- بين أن تبقى تحته، أو تفارقه؛ لأنها صارت أعلى منه رتبة بحريتها، ثم إنه أهدي لها لحم، فأرسلت لعائشة منه، فأراد -عليه الصلاة والسلام- أن يأكل منه، فأخبرته عائشة رضي الله عنها بأنه صدقة أعطيت لبريرة، وهو -عليه الصلاة والسلام- لا يأكل الصدقة، فأخبرها -عليه الصلاة والسلام- بأن بريرة ملكته عن طريق الصدقة، وينتقل إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- بطريق الهدية، فيتغير حكمه، ويصير هدية وهبة، فلا يحرم عليه ولا على أهل بيته.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • مشروعية مكاتبة الرقيق، لأنَّها طريق إلى تخليصه من الرق.
  • أنَّ الولاء لمن أعتق؛ لأنَّه لُحْمة كَلُحمَة النسب، أما اشتراطه للبائع فباطل.
  • أنَّ كل شرط يخالف حكم الله فهو باطل مردود، وإن أكثر.
  • أنَّ اشتراط الولاء من البائع لا يؤثر في صحة عقد البيع، إنما الذي يَبْطل: الشرطُ وحده، لمخالفته مقتضى العقد؛ لأنَّ الشروط التي على خلاف مقتضى العقد فاسدة بنفسها، ولكنها غير مفسدة للعقد.
  • أنَّ العتق بأي طريق يسبب الولاء، سواء كان منجَّزًا أو مكاتباً، أو غير ذلك من طرقه، لعموم "الولاء لمن أعتق".
  • الولاء عصوبة سببها نعمة المُعتِق على عتيقه.
  • أن الأمَة إذا عتقت تحت عبد يكون لها الخيار يين البقاء معه ويين الفسخ من عصمة نكاحه، وجواز ذلك بإجماع العلماء
  • اعتبار الكفاءة بين الزوجين, وأن من موانع التكافؤ بين الزوجين الحرية والرق.
  • أن الفقير إذا ملك شيئا على وجه الصدقة: لم يمتنع على غيره ممن لا تحل له الصدقة أكله، إذا وجد سبب شرعي من جهة الفقير يبيحه له.
  • تحريم الصدقة على النبي -صلى الله عليه وسلم-.
  • استحباب تبيين الأحكام عند المناسبات، وأن يكون في المجامع الحافلة، كخطب الجمعة، والمجامع الكبيرة، ووسائل الإعلام، من الصحف، والإذاعة، والتلفاز وغير ذلك.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أنها أرادت أن تشتري بريرة للعتق، وأراد…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٤٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا الحَكَمُ) بفتحتين، ابن عُتيبة (١) (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد (عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ لِلْعِتْقِ) بفتح المُوحَّدة وكسر الرَّاء الأولى (وَأَرَادَ مَوَالِيهَا) ساداتها بنو هلالٍ أو أهل بيتٍ من الأنصار (أَنْ يَشْتَرِطُوا) على عائشة (وَلَاءَهَا) (٢) أن يكون لهم، وواو «وَلاءها» مفتوحةٌ مع المدِّ، مأخوذةٌ (٣) من الوَلْي -بفتح الواو وسكون اللَّام- وهو القرب، والمراد به هنا وصفٌ حكميٌّ (٤) ينشأ عنه ثبوت حقِّ الإرث من العتيق الذي لا وارث له من جهة نسبٍ أو زوجيَّةٍ أو الفاضل عن ذلك، وحقِّ العقل عنه إذا جنى، والتَّزويج للأنثى بشروط ذلك كلِّه واستثناء غايته (٥)؛ فلذلك قال الشَّافعيُّ: إنَّ المسلم إذا أعتق النَّصرانيَّ، وبالعكس؛ حقُّ الولاء ثابتٌ، ولا إرث لاختلاف الدِّينين، وقد قال [خ¦٦٧٦٤]: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم»، ووجود مانع الإرث منه (٦) لا يلزم منه عدم المقتضى؛ بدليل الأب القاتل أو الرَّقيق أو مخالفٌ في الدِّين، فإنَّ عدم إرثه لا يقدح في أبوَّته، فلم يخرج عن كونه أباه (٧)، فكذا هنا لا يخرج عن كونه مولاه، هذا تقرير الشَّافعيِّ في «الأمِّ» وغيرها من كتبه، فتأمَّله؛ فإنَّه نفيسٌ جدًّا، وقد كانت العرب تبيع (٨) هذا الحقَّ وتهبه (٩)، فنهى الشَّرع عنه؛ لأنَّ الولاء كالنَّسب ولُحْمةٌ كلُحْمة النَّسب، فلا يقبل الزَّوال بالإزالة، والمولى يُطلَق على المعتِق من أعلى، وعلى العتيق

أيضًا لكن من أسفل، وهل ذلك حقيقةٌ فيهما أو في الأعلى أو في الأسفل؟ أقوالٌ مشهورةٌ، وذكر ابن الأثير في «النِّهاية»: أنَّ اسم المولى يقع على معانٍ كثيرةٍ، وذكر منها ستَّة عشر معنًى؛ وهي: الرَّبُّ والمالك والسَّيِّد والمُنعِم والمعتِق والنَّاصر والمُحِبُّ والتَّابع والجار وابن العمِّ والحَلِيف والعَقيد (١) والصِّهر والعبد والمُنعَم عليه والمُعتَق، قال: وأكثرها قد جاء في الحديث، فيُضاف كلُّ واحدٍ إلى ما يقتضيه الحديث (٢) الوارد فيه، وكلُّ من وَلِيَ أمرًا أو قام (٣) به فهو مولاه ووليُّه، وتختلف مصادر هذه الأسماء، فالوَلاية بالفتح في: النَّسب والنُّصرة والعتق، والوِلاية بالكسر في: الإمارة، والوَلاء: في العتق، والمُوالاة: مِنْ والى القومَ (فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ) (لِلنَّبِيِّ ) حُذِف المفعول، أي: ذلك (فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ : اشْتَرِيهَا) منهم على ما يقصدون من اشتراط كون الولاء لهم، واستُشكِل هذا؛ لأنَّ المُقرَّر أنَّه لو شرط مع العتق الولاء؛ لم يصحَّ البيع؛ لمخالفته نصَّ الشَّارع: «أنَّ الولاء لمن أعتق» [خ¦٤٥٦] وأُجيب بأنَّ الشرط لم يقع في العقد، وبأنَّه خاصٌّ بقصَّة عائشة هذه لمصلحة قطع عادتهم؛ كما خُصَّ فسخ الحجِّ إلى العمرة بالصَّحابة؛ لمصلحة بيان جوازها في أشهُره (فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) أي (٤): فلا تبالي، سواءٌ شَرَطْتِيه (٥) أم لا، فإنَّه شرطٌ باطلٌ، وكلمة: «إنَّما» هنا للحصر؛ لأنَّها لو لم تكن للحصر؛ لمَا لزم من إثبات الولاء لمن أعتق نفيه عمَّن لم يعتِق، لكنَّ هذه الكلمة ذُكِرت في الحديث لبيان نفيه عمَّن لم يعتِق، فدلَّ على أنَّ مقتضاه (٦) الحصر، قاله ابن دقيق العيد. (قَالَتْ) عائشة : (وَأُتِيَ النَّبِيُّ ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، و «النَّبيُّ (٧)» رفع نائبٍ عن (٨) الفاعل (بِلَحْمٍ، فَقُلْتُ: هَذَا مَا) ولأبي الوقت: «ممَّا» (تُصُدِّقَ بِهِ) بضمِّ أوَّله وثانيه (عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ) :

(هُوَ) أي: اللَّحم المُتصدَّق به على بريرة (١) (لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ) قال ابن مالكٍ: يجوز في «صدقةٌ» الرَّفع على أنَّه خبر «هو»، و «لها» صفةٌ قدِّمت فصارت حالًا؛ كقوله:

والصَّالحات عليها مغلقًا بابُ

فلو قُصِدَ بَقاءُ الوصفيَّة لها؛ لقِيلَ: والصَّالحات عليها بابٌ مغلَقٌ، وكذا الحديث لو قُصِدَت (٢) فيه الوصفيَّة بـ «لها»؛ لقِيلَ: هو صدقةٌ لها، ويجوز النَّصب فيها (٣) على الحال والخبر «لها». انتهى. والصَّدقة منحةٌ لثواب الآخرة، والهديَّة تمليكُ الغير شيئًا؛ تقرُّبًا إليه وإكرامًا له، ففي الصَّدقة نوعُ ذلٍّ للآخذ، فلذلك حَرُمت الصَّدقة عليه دون الهديَّة، وقِيلَ: لأنَّ الهديَّة يُثاب عليها في الدُّنيا فتزول (٤) المنَّة، والصَّدقة يُراد بها ثواب الآخرة فتبقى المنَّة، ولا ينبغي لنبيٍّ أن يمنَّ عليه غير الله، وقال البيضاويُّ: إذا تصدَّق على المحتاج بشيءٍ ملكه، وصار له كسائر ما يملكه، فله أن يهدي به غيره، كما له أن يهدي سائر أمواله بلا فرقٍ، وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّ بريرة من جملة موليات عائشة، وتُصدِّق عليها.

وهذا الحديث قد سبق في «باب ذكر البيع والشِّراء على المنبر في المسجد» [خ¦٤٥٦]، وقد أخرجه البخاريُّ أيضًا في «كتاب الكفَّارات» [خ¦٦٧١٧] وفي «الطَّلاق» [خ¦٥٢٨٤] و «الفرائض» [خ¦٦٧٥١]، والنَّسائيُّ في «الزَّكاة» و «الطَّلاق».

(٦٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا تَحَوَّلَتِ الصَّدَقَةُ) أي: عن كونها صدقةً بأن دخلت في ملك المُتصدَّق عليه؛ يجوز تناول الهاشميِّ لها، ولأبي ذرٍّ: «إذا حُوِّلت» بضمِّ الحاء وحذف التَّاء، مبنيًّا للمفعول.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ابْن زِيَاد: (فَنظر إِلَيْهِ فَإِذا هُوَ يلوك تَمْرَة، فحرك خَدّه، وَقَالَ: ألقها يَا بني ألقها يَا بني) . فَمَا التَّوْفِيق بَينه وَبَين قَوْله: (كخ كخ؟) قلت: هُوَ أَنه كلمة أَولا بِهَذَا، فَلَمَّا تَمَادى قَالَ: كخ كخ إِشَارَة إِلَى استقذار ذَلِك، وَقد ذكرنَا الْحِكْمَة فِي تَحْرِيمهَا عَلَيْهِم أَنَّهَا مطهرة للملاك ولأموالهم، قَالَ تَعَالَى: {خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة تطهرهُمْ} (التَّوْبَة: ٣٠١) . فَهِيَ كغسالة الأوساخ، وَأَن آل مُحَمَّد منزهون عَن أوساخ النَّاس وغسالاتهم، وَثَبت عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الصَّدَقَة أوساخ النَّاس) ، كَمَا رَوَاهُ مُسلم، وَأما إِن أَخذهَا مذلة، وَالْيَد السُّفْلى، وَلَا يَلِيق بهم الذل والافتقار إِلَى غير الله تَعَالَى، وَلَهُم الْيَد الْعليا وَأما أَنَّهَا لَو أخذوها لطال لِسَان الْأَعْدَاء بِأَن مُحَمَّدًا يَدْعُونَا إِلَى مَا يَدْعُونَا إِلَيْهِ ليَأْخُذ أَمْوَالنَا ويعطيها لأهل بَيته. قَالَ تَعَالَى: {قل، لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا} (الْأَنْعَام: ٠٩، الشورى: ٣٢) . وَلِهَذَا أَمر أَن تصرف إِلَى فقرائهم فِي بلدهم. قَوْله: (إنَّا لَا نَأْكُل الصَّدَقَة) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (إِنَّا لَا تحل لنا الصَّدَقَة) وَفِي رِوَايَة معمر: (إِن الصَّدَقَة لَا تحل لآل مُحَمَّد) ، وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (إِنَّا آل مُحَمَّد لَا تحل لنا الصَّدَقَة) .

١٦ - (بابُ الصَّدَقَةِ عَلَى مَوَالِي أزْوَاجِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّدَقَة على موَالِي أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَي: على عتائقهن. قيل: لم يترجم لِأَزْوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا موَالِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَنَّهُ لم يثبت عِنْده فِيهِ شَيْء؟ قلت: روى الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَصَححهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان وَغَيره عَن أبي رَافع مَرْفُوعا: (إِنَّا لَا تحل لنا الصَّدَقَة وَأَن موَالِي الْقَوْم من أنفسهم) . وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو حنيفَة وَأحمد وَابْن الْمَاجشون الْمَالِكِي، وَهُوَ الصَّحِيح عِنْد الشَّافِعِيَّة، وَقَالَ غَيرهم: يجوز لَهُم لأَنهم لَيْسُوا مِنْهُم حَقِيقَة، فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك مَا كَانَ يَنْبَغِي الإعتذار عَن البُخَارِيّ فِي تَركه التَّرْجَمَة لِأَزْوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا لمواليه بقوله لِأَنَّهُ لم يثبت عِنْده فِيهِ شَيْء لِأَن البُخَارِيّ لم يلْتَزم أَن يذكر كل صَحِيح عِنْده أَو عِنْد غَيره، وَقيل: إِنَّمَا أورد البُخَارِيّ هَذِه التَّرْجَمَة ليحقق أَن الْأزْوَاج لَا يدخلن وَلَا تحرم عَلَيْهِنَّ الصَّدَقَة، وَكَذَا قَالَ ابْن بطال: إِن الْأزْوَاج لَا يدخلن فِي ذَلِك بِاتِّفَاق الْفُقَهَاء، فَإِذا لم يدخلن هن فمواليهن أَحْرَى بِعَدَمِ الدُّخُول. قلت: روى الْخلال من طَرِيق ابْن أبي مليكَة (عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: إِنَّا آل مُحَمَّد لَا تحل لنا الصَّدَقَة) ، ذكره ابْن قدامَة، وَقَالَ: هَذَا يدل على تَحْرِيمهَا، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) حَدثنَا وَكِيع عَن شريك عَن ابْن أبي مليكَة أَن خَالِد بن سعيد بن الْعَاصِ أرسل إِلَى عَائِشَة شَيْئا من الصَّدَقَة، فَردته فَقَالَت: إِنَّا آل مُحَمَّد لَا تحل لنا الصَّدَقَة.

٢٩٤١ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ حدَّثني عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ وَجَدَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَاة مَيِّتَةً أعْطَيْتها مَوْلَاةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَلَاّ انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا قَالُوا إنَّهَا مَيْتَةٌ قَالَ إنَّمَا حَرُمَ أكْلُهَا..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أُعطيتها مولاة لميمونة من الصَّدَقَة) ، فَإِن مولاة مَيْمُونَة أُعطيت صَدَقَة فَلم يُنكر عَلَيْهَا، فَدلَّ على أَن موَالِي أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تحل لَهُم الصَّدَقَة، وَبِهَذَا علم أَن مُرَاد البُخَارِيّ من هَذِه التَّرْجَمَة التَّنْبِيه على ذَلِك، لَا مَا قَالَه الْإِسْمَاعِيلِيّ: هَذِه التَّرْجَمَة مُسْتَغْنى عَنْهَا، فَإِن تَسْمِيَة الْمولى لغير فَائِدَة، وَإِنَّمَا هُوَ لسوق الحَدِيث على وَجهه فَقَط.

ذكر رِجَاله: وهم: سِتَّة: الأول: سعيد بن عفير، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء، مر فِي بَاب من يرد الله بِهِ خيرا. الثَّانِي: عبد الله ابْن وهب. الثَّالِث: يُونُس ين يزِيد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عبيد الله، بِضَم الْعين: ابْن عبد الله، بِفَتْح الْعين: ابْن عتبَة بن مَسْعُود أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة. السَّادِس: عبد الله بن عَبَّاس.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه مَنْسُوب إِلَى جده لِأَنَّهُ سعيد بن كثير بن عفير وَأَنه وَابْن وهب مصريان، وَأَن يُونُس أيلي وَأَن ابْن شهَاب وَعبيد الله مدنيان، وَقَالَ

أَبُو عمر: روى هَذَا الحَدِيث غير وَاحِد عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن عبيد الله بن عبد الله عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مُرْسلا، وَالصَّحِيح اتِّصَاله، كَذَا رَوَاهُ معمر وَيُونُس والزبيدي وَعقيل، كلهم عَن ابْن شهَاب عَن عبيد الله عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْبيُوع، وَفِي الذَّبَائِح عَن زُهَيْر بن حَرْب. وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن أبي الطَّاهِر وحرملة، وَعَن الْحسن بن عَليّ وَعبد بن حميد وَعَن يحيى بن يحيى وَعَمْرو النَّاقِد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي اللبَاس عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَمُحَمّد بن أَحْمد، وَعَن مُسَدّد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الذَّبَائِح عَن مُحَمَّد بن مسلمة والْحَارث بن مِسْكين وَعَن عبد الْملك بن شُعَيْب وروى مُسلم من حَدِيث عَطاء: (عَن ابْن عَبَّاس عَن مَيْمُونَة أخْبرته: أَن داجنا كَانَت لبَعض أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَمَاتَتْ، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَلا أَخَذْتُم إهابها فاستمتعتم بِهِ؟) وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (مر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِرِجَال من قُرَيْش يجرونَ شَاة، فَقَالَ: لَو أَخَذْتُم إهابها؟ قَالُوا: إِنَّهَا ميتَة. قَالَ: يطهره المَاء والقرظ) . وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد (عَن ابْن عَبَّاس: مَاتَت شَاة لسودة بنت زَمعَة، فَقَالَت: يَا رَسُول الله مَاتَت فلَان، يَعْنِي الشَّاة، فَقَالَ: لَوْلَا أَخَذْتُم مسكها؟ فَقَالَت: تَأْخُذ مسك شَاة قد مَاتَت؟ فَقَالَ: إِنَّكُم لَا تطعمونه تنتفعون بِهِ. قَالَ: فَأرْسلت إِلَيْهَا فسلخت مسكها فدبغته واتخذت مِنْهُ قربَة حَتَّى تخرقت عِنْدهَا) . وَعند البُخَارِيّ (عَن سَوْدَة: مَاتَت لنا شَاة فدبغنا مسكها) الحَدِيث مَوْقُوف، وَعند مُسلم عَنهُ مَرْفُوعا (إِذا دبغ الإهاب فقد طهر) ، وَفِي لفظ: (دباغه طهوره) ، وَعند ابْن شاهين سُئِلَ عَن جُلُود الْميتَة فَقَالَ: طهورها دباغها، وَفِي لفظ مَرْفُوع: (اسْتَمْتعُوا بجلود الْميتَة إِذا دبغت تُرَابا كَانَ أَو رَمَادا أَو ملحا أَو مَا كَانَ، بعد أَن يزِيد صَلَاحه) . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: فِي إِسْنَاده مَعْرُوف بن حسان مُنكر الحَدِيث، وَفِي كتاب ابْن سعد: قَالَ مُحَمَّد بن الْأَشْعَث لعَائِشَة: أَلا نجْعَل لَك فروا تلبسيه فَإِنَّهُ أدفأ لَك؟ قَالَت: إِنِّي لأكْره جُلُود الْميتَة. فَقَالَ: أَنا أقوم عَلَيْهِ وَلَا أجعله إلَاّ ذكيا، فَجعله لَهَا فَكَانَت تلبسه، رَوَاهُ معن ومطرف، قَالَا: حَدثنَا مَالك عَن نَافِع عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بِهِ، وروى أَبُو دَاوُد بِسَنَد جيد من حَدِيث قَتَادَة عَن الْحسن عَن الجون بن قَتَادَة (عَن سَلمَة بن المحبق أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مر بِبَيْت بفنائه قربَة معلقَة، فَاسْتَسْقَى فَقيل: إِنَّهَا ميتَة، فَقَالَ: زَكَاة الْأَدِيم دباغه) . وَفِي رِوَايَة: فِي غَزْوَة تَبُوك. وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ، وَعند أَحْمد بِسَنَد جيد (عَن جَابر: كُنَّا نصيب مَعَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي مغانمنا من الْمُشْركين الأسقية والأوعية فنقسمها وَكلهَا ميتَة) . وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث أم سَلمَة: أَنَّهَا مَاتَت لَهَا شَاة، فَقَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَفلا انتفعتم بإهابها؟ فَقَالُوا: إِنَّهَا ميتَة. فَقَالَ: إِن دباغتها يحل كَمَا يحل الْخمر الْملح. قَالَ: تفرد بِهِ الْفرج بن فضَالة وَهُوَ ضَعِيف، وَرَوَاهُ أَيْضا من حَدِيث يُوسُف بن السّفر، قَالَ: وَهُوَ مَتْرُوك، وَمن حَدِيث أبي قيس الأودي عَن هزيل بن شُرَحْبِيل عَن أم سَلمَة أَو زَيْنَب أَو غَيرهمَا من أَزوَاج النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن مَيْمُونَة مَاتَت لَهَا شَاة) الحَدِيث.

فَإِن قلت: جَاءَت أَحَادِيث تخَالف الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة. مِنْهَا: حَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث حبيب بن أبي ثَابت عَن رجل عَن أم سلمَان الأشجعية أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَتَاهَا وَهِي فِي قبَّة، فَقَالَ: مَا أحسن هَذِه إِن لم يكن فِيهَا ميتَة؟ قَالَت: فَجعلت أتتبعها. وَمِنْهَا: حَدِيث رَوَاهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) عَن عبد الله بن عكيم، قَالَ: (كتب إِلَيْنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قبل مَوته بِشَهْر: أَن لَا تنتفعوا من الْميتَة بإهاب وَلَا عصب) ، ثمَّ قَالَ: ذكر الْبَيَان بِأَن ابْن عكيم شهد قِرَاءَة كتاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأَرْض جُهَيْنَة، ثمَّ ذكر عَنهُ، قَالَ: قرىء علينا كتاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلما رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده قَالَ: مَا أصلح إِسْنَاده. وَمِنْهَا: حَدِيث رَوَاهُ أَبُو حَفْص بن شاهين من حَدِيث ابْن عمر: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى أَن ينْتَفع من الْميتَة بعصب أَو إهَاب. وَمِنْهَا: حَدِيث جَابر رَوَاهُ ابْن شاهين أَيْضا من حَدِيث أبي الزبير عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (لَا ينْتَفع من الْميتَة بِشَيْء) وَرَوَاهُ ابْن جرير الطَّبَرِيّ أَيْضا. وَمِنْهَا: حَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى عَن جُلُود السبَاع أَن تفترش.

قلت: حَدِيث أم سلمَان مَحْمُول على أَنه لم يكن مدبوغا. وَحَدِيث ابْن عكيم مَعْلُول بِأُمُور ثَلَاثَة: الأول: أَنه مُضْطَرب سندا ومتنا وَقد بَيناهُ فِي شرحنا للهداية. وَالثَّانِي: الِاخْتِلَاف فِي صحبته، فَقَالَ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره لَا صُحْبَة لَهُ. وَالثَّالِث: أَنه روى عَنهُ أَنه سمع من النَّاس الداخلين عَلَيْهِ وهم مَجْهُولُونَ، وَلَئِن صَحَّ فَلَا

يُقَاوم حَدِيث ابْن عَبَّاس. وَحَدِيث ابْن عمر أَن عَامَّة من فِي إِسْنَاده مَجْهُولُونَ. وَحَدِيث جَابر فِي إِسْنَاده زَمعَة وَهُوَ مِمَّن لَا يعْتَمد على نَقله. وَأما النَّهْي عَن جُلُود السبَاع فقد قيل: إِنَّهَا كَانَت تسْتَعْمل قبل الدّباغ. وَقَالَ ابْن شاهين: هَذِه الْأَحَادِيث لَا يُمكن ادِّعَاء نسخ شَيْء مِنْهَا بِالْآخرِ. فَإِن قلت: حَدِيث ابْن عكيم قبل الْوَفَاة بِشَهْر؟ قلت: يُمكن أَن يُقَال: يجوز أَن يكون الْأَمر قبل أَن يَمُوت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بجمعة، وَالْأولَى هُنَا هُوَ الْأَخْذ بِالْحَدِيثين جَمِيعًا وَهُوَ أَن يحمل الْمَنْع على مَا قبل الدّباغ وَالْأَخْبَار بِالطَّهَارَةِ بعده على أَن الإهاب فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إيما إهَاب دبغ فقد طهر) ، اسْم للجلد الَّذِي لم يدبغ، فَبعد الدّباغ لَا يُسمى إهابا، وَإِنَّمَا يُسمى أديما أَو جلدا أَو جرابا.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مولاة) ، أَي: عتيقة وارتفاعها على أَنَّهَا مفعول مَا لم يسم فَاعله للإعطاء، ومَيْمُونَة زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ولميمونة صفة لمولاة. قَوْله: (من الصَّدَقَة) ، يتَعَلَّق بأعطيت أَو صفة لشاة. قَوْله: (إِنَّمَا حرم أكلهَا) اتّفق معمر وَمَالك وَيُونُس على قَوْله: (إِنَّمَا حرم أكلهَا) ، إِلَّا أَن معمرا قَالَ: لَحمهَا وَلم يذكر وَاحِد مِنْهُم زِيَادَة دباغ أَهلهَا طهورها وَكَانَ ابْن عُيَيْنَة يَقُول: لم أسمع أحدا يَقُول: (إِنَّمَا حرم أكلهَا) إلَاّ الزُّهْرِيّ، وَاتفقَ الزبيدِيّ وَعقيل وَسليمَان بن كثير وَالْأَوْزَاعِيّ على ذكر الدّباغ فِي هَذَا الحَدِيث عَن الزُّهْرِيّ، وَكَانَ ابْن عُيَيْنَة مرّة يذكرهُ وَمرَّة لَا يذكرهُ، وَقَالَ مُحَمَّد بن يحيى النَّيْسَابُورِي: لست أعْتَمد فِي هَذَا الحَدِيث على ابْن عُيَيْنَة لاضطرابه فِيهِ، وَأما ذكر الدّباغ فَلَا يُوجد إلَاّ عَن يحيى بن أَيُّوب عَن عقيل، وَمن رِوَايَة بَقِيَّة عَن الزبيدِيّ، وَيحيى وَبَقِيَّة ليسَا بالقويين، وَلم يذكر مَالك وَلَا يُونُس الدّباغ، وَهُوَ الصَّحِيح فِي حَدِيث الزُّهْرِيّ، وَبِه كَانَ يُفْتِي، وَأما من غير رِوَايَة الزُّهْرِيّ فَصَحِيح مَحْفُوظ عَن ابْن عَبَّاس، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ طابق الْجَواب السُّؤَال يَعْنِي فِي قَوْله: (إِنَّمَا هُوَ حرَام أكلهَا) قلت: الْأكل غَالب فِي اللَّحْم، فَكَأَنَّهُ قَالَ: اللَّحْم حرَام لَا الْجلد. قلت: لَو اطلع الْكرْمَانِي على مَا ذكرنَا الْآن لما احْتَاجَ إِلَى هَذَا السُّؤَال وَلَا إِلَى الْجَواب.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احتجت بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور جمَاعَة كَثِيرَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ على أَن جلد الْميتَة يطهر بالدباغ، فَمِمَّنْ قَالَ ذَلِك ابْن مَسْعُود وَابْن الْمسيب وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَالْحسن وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَسَالم وَابْن جُبَير وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَيحيى الْأنْصَارِيّ وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَعبد الله بن الْمُبَارك وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه وَإِسْحَاق. وَفِيه: دَلِيل على بطلَان قَول من قَالَ: إِن الْجلد من الْميتَة لَا ينْتَفع بِهِ بعد الدّباغ، وَبَطل أَيْضا قَول من قَالَ إِن جلد الْميتَة وَإِن لم يدبغ يسْتَمْتع بِهِ وَينْتَفع بِهِ، وَهُوَ قَول مَرْوِيّ عَن ابْن شهَاب وَاللَّيْث بن سعد، وَهُوَ مَشْهُور عَنْهُمَا على أَنه قد روى عَنْهُمَا خِلَافه، قَالَ معمر: وَكَانَ الزُّهْرِيّ يُنكر الدّباغ، وَيَقُول: مستمتع بِهِ على كل حَال، قَالَ أَبُو عبد الله الْمروزِي: مَا علمت أحدا قَالَ ذَلِك قبل الزُّهْرِيّ، وَكَانَ الزُّهْرِيّ يذهب إِلَى ظَاهر الحَدِيث فِي قَوْله: (إِنَّمَا حرَام أكلهَا) ، قَالَ الطَّحَاوِيّ: قَالَ اللَّيْث: لَا بَأْس بِبيع جُلُود الْميتَة قبل الدّباغ لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أذن فِي الِانْتِفَاع بهَا، وَالْبيع من الِانْتِفَاع، قَالَ أَبُو جَعْفَر: لم يُحكَ عَن أحدِ من الْفُقَهَاء جَوَاز بيع جلد الْميتَة قبل الدّباغ إلَاّ عَن اللَّيْث. قَالَ ابْن عمر: يَعْنِي من الْفُقَهَاء أَئِمَّة الْفَتْوَى بالأمصار بعد التَّابِعين، لِأَن ابْن شهَاب ذَاك عَنهُ صَحِيح، وَقد ذكر ابْن عبد الحكم عَن مَالك مَا يشبه مَذْهَب ابْن شهَاب فِي ذَلِك، قَالَ: من اشْترى جلد ميتَة فدبغه فَقَطعه نعالاً فَلَا يَبِيعهُ حَتَّى ييبس، فَهَذَا يدل على أَن مذْهبه يجوز بيع جلد الْميتَة قبل الدّباغ وَبعده، وَهُوَ ظَاهر مَذْهَب مَالك وَغَيره. وَفِي (التَّوْضِيح) : ومجموع مَا ذكر فِي دباغ جلد الْميتَة وطهارتها سَبْعَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه يطهر بِهِ جَمِيع جُلُود الْميتَة إلَاّ الْكَلْب وَالْخِنْزِير، وَالْفرع ظَاهرا وَبَاطنا، وَيسْتَعْمل فِي الْيَابِس والمائع، وَسَوَاء مَأْكُول اللَّحْم وَغَيره، وَبِه قَالَ عَليّ وَابْن مَسْعُود وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي. ثَانِيهَا: لَا يطهر مِنْهَا شَيْء بِهِ، رُوِيَ عَن جمَاعَة من السّلف، قيل: مِنْهُم عمر بن الْخطاب وَابْنه عبد الله وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهِي أشهر الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد، وَرِوَايَة عَن مَالك. ثَالِثهَا: يطهر بِهِ جلد مَأْكُول اللَّحْم دون غَيره، وَهُوَ مَذْهَب الْأَوْزَاعِيّ وَابْن الْمُبَارك وَأبي ثَوْر، رَابِعهَا: يطهر جَمِيعهَا إلَاّ الْخِنْزِير، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة. خَامِسهَا: يطهر الْجَمِيع إلَاّ أَنه يطهر ظَاهره دون بَاطِنه وَيسْتَعْمل فِي اليابسات دون الْمَائِعَات، وَيصلى عَلَيْهِ لَا فِيهِ، وَهُوَ مَشْهُور مَذْهَب مَالك، رَحمَه الله تَعَالَى، فِيمَا حَكَاهُ عَنهُ أَصْحَابه. سادسها: يطهر الْجَمِيع وَالْكَلب وَالْخِنْزِير ظَاهرا وَبَاطنا، وَهُوَ مَذْهَب دَاوُد وَأهل الظَّاهِر، وَحكي عَن أبي يُوسُف.

سابعها: أَنه ينْتَفع بجلود الْميتَة وَإِن لم تدبغ، وَيجوز اسْتِعْمَالهَا فِي الْمَائِعَات واليابسات، وَهُوَ وَجه شَاذ لبَعض الشَّافِعِيَّة.

٣٩٤١ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا الحَكَمُ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّها أرادَتْ أنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ لِلْعِتْقِ وأرَادَ مَوَالِيهَا إنْ يَشْتَرِطُوا وَلاءَهَا فذَكَرَتْ عائِشَةُ لِلنَّيِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لَهَا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اشْتَرِيهَا فإنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ قالَتْ وأُتِيَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِلَحْمٍ فَقُلْتُ هاذا مَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ فقالَ هُوَ صَدَقَةٌ ولَنَا هَدِيَّةٌ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (هَذَا مَا تصدق بِهِ على بَرِيرَة) إِلَى آخِره، والترجمة فِي الصَّدَقَة على موَالِي أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وبريرة من جملَة مواليات عَائِشَة زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَتصدق عَلَيْهَا بِصَدقَة فَأخْبر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنَّهَا كَانَت لَهَا صَدَقَة وَلَهُم هَدِيَّة، لِأَنَّهَا تحولت عَن معنى الصَّدَقَة بِملك الْمُتَصَدّق عَلَيْهِ بهَا، وانتقلت إِلَى معنى الْهَدِيَّة الْحَلَال لرَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد ذكر الحَدِيث فِي أَوَائِل كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب ذكر البيع وَالشِّرَاء على الْمِنْبَر فِي الْمَسْجِد رَوَاهُ عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان عَن يحيى عَن عمْرَة عَن يحيى عَن عَائِشَة، قَالَت: أتتها بَرِيرَة ... الحَدِيث، غير أَنه لم يذكر فِيهِ قَوْله: قَالَت عَائِشَة، وَأتي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ... إِلَى آخِره، وَهنا رَوَاهُ عَن آدم بن أبي إِيَاس عَن شُعْبَة عَن ابْن الْحجَّاج عَن الحكم بِفتْحَتَيْنِ ابْن عتبَة عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن الْأسود بن يزِيد عَن عَائِشَة.

وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي كَفَّارَة الْإِيمَان عَن سُلَيْمَان بن حَرْب، وَفِي الطَّلَاق عَن عبد الله بن رَجَاء وَفِيه أَيْضا عَن آدم وَفِي الْفَرَائِض عَن حَفْص بن عمر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزَّكَاة عَن عَمْرو بن يزِيد وَفِي الصَّلَاة عَن عَمْرو بن عَليّ وَفِي الْفَرَائِض عَن بِنِدَاء عَن غنْدر، الْكل عَن شُعْبَة.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بَرِيرَة) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الرَّاء الأولى. قَوْله: (مواليها) أَي: ساداتها، وَكَانَت لعتبة بن أبي لَهب، وَقَالَ أَبُو عمر: كَانَت مولاة لبَعض بني هِلَال فكاتبوها ثمَّ باعوها من عَائِشَة زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الْمولى جَاءَ بِمَعْنى الْمُعْتق والعتيق والناصر وَابْن الْعم وَالْجَار والحليف لَا بِمَعْنى السَّيِّد؟ قلت: جَاءَ أَيْضا بِمَعْنى الْمولى والمتصرف فِي الْأَمر. انْتهى. قلت: لَا وَجه لهَذَا السُّؤَال، لِأَن لفظ الْمولى مُشْتَرك بَين الْمولى الْأَعْلَى وَالْمولى الْأَسْفَل، وبريرة مولاة سفلى ومواليها موَالِي عليا. قَوْله: (اشتريها) أَي: بِمَا يُرِيدُونَ، أَي: من الِاشْتِرَاط بِكَوْن الْوَلَاء لَهُم. قَوْله: (تصدق) ، بِلَفْظ الْمَجْهُول، قَالَ الْكرْمَانِي: وَالْفرق بَين الصَّدَقَة وَالْهِبَة أَن الصَّدَقَة هبة لثواب الْآخِرَة، والهدية هبة تنقل إِلَى الْمُتَّهب إِكْرَاما لَهُ قلت: الصَّدَقَة قد تكون هبة، وَالْهِبَة قد تكون صَدَقَة، وَإِن الصَّدَقَة على الْغَنِيّ هبة، وَالْهِبَة للْفَقِير صَدَقَة.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِهِ بعض الْمَالِكِيَّة على أَن عَائِشَة اشترتها شِرَاء فَاسِدا فأنفذ الشَّارِع عتقهَا، وَمَعْلُوم أَن شَرط الْوَلَاء لغير الْمُعْتق يُوجب فَسَاد العقد، ثمَّ أنفذ الشَّارِع الْعتْق. قلت: الَّذِي كَانَ من أهل بَرِيرَة فِي هَذَا الحَدِيث لم يكن شرطا فِي بيع، لَكِن فِي أَدَاء عَائِشَة إِلَيْهِم عَن بَرِيرَة، وهم توَلّوا عقد تِلْكَ الْكِتَابَة، وَلم يتَقَدَّم ذَلِك الْأَدَاء من عَائِشَة ملك، فَذكرت ذَلِك لرَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: لَا يمنعك ذَلِك مِنْهَا، أَي: لَا تَرْجِعِي بِهَذَا الْمَعْنى عَمَّا كنت نَوَيْت عتاقها من الثَّوَاب، اشتريها فأعتقيها فَإِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعتق، وَكَانَ ذَلِك الشِّرَاء هُنَا ابْتِدَاء من رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لَيْسَ مَا كَانَ قبل ذَلِك بَين عَائِشَة وَبَين أهل بَرِيرَة فِي شَيْء، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَاسْتدلَّ بِهِ بعض أَصْحَاب أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على أَنَّهَا ملكت بِالْقَبْضِ ملكا تَاما، وَهُوَ بعيد لِأَنَّهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي هَذَا الحَدِيث وَغَيره أَمر عَائِشَة بِالشِّرَاءِ وَلم يكن ليأمر بفاسد. قلت: جَوَاب هَذَا يفهم مِمَّا قبله مِمَّا ذكرنَا على أَن بعض أَصْحَابنَا قَالُوا: إِنَّهَا خصت بذلك كَمَا خص غَيرهَا بخصائص قيل: هَذَا بعيد، لِأَن ذَلِك لَو وَقع لنقل. قلت: قَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا من خَصَائِص عَائِشَة وَلَا عُمُوم لَهَا. فَإِن قلت: فِيهِ صُورَة المخادعة؟ قلت: لم يكن هَذَا إلَاّ للزجر والتوبيخ، لِأَنَّهُ كَانَ بيَّن لَهُم حكم الْوَلَاء، وَأَن هَذَا الشَّرْط لَا يحل، فَلَمَّا ألحوا فِي اشْتِرَاطه وَمُخَالفَة الْأَمر، قَالَ لعَائِشَة هَذَا بِمَعْنى: لَا تبالي سَوَاء شرطته أم لَا،

فَإِنَّهُ شَرط بَاطِل لِأَنَّهُ قد سبق بَيَان ذَلِك لَهُم وَلَيْسَ لفظ: اشترطي، هُنَا للْإِبَاحَة، وَقد تكلمنا فِي هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب ذكر البيع وَالشِّرَاء على الْمِنْبَر فِي الْمَسْجِد، فِي أَوَائِل كتاب الصَّلَاة، واستقصينا الْكَلَام فِيهِ.

٢٦ - (بابٌ إِذا تَحَوَّلَتِ الصَّدَقَةُ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا تحولت الصَّدَقَة يَعْنِي: إِذا خرجت من كَونهَا صَدَقَة بِأَن دخلت فِي ملك الْمُتَصَدّق بِهِ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: إِذا حولت الصَّدَقَة، على بِنَاء الْمَجْهُول، وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف تَقْدِيره: إِذا حولت الصَّدَقَة يجوز للهاشمي تنَاولهَا.

٤٩٤١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حدَّثنا خالدٌ عنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عنْ أم عَطِيَّةَ الأنْصَارِيَّةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ دَخَلَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا فقالَ هَل عنْدَكُمْ شَيْءٌ فقَالَتْ لَا ألَاّ شَيءٌ بَعَثَتْ بِهِ إلَيْنَا نُسَيْبَةُ مِنَ الشَّاةِ الَّتِي بَعَثَتْ بِهَا مِنَ الصَّدَقةِ فَقَالَ إنَّها قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا.

(انْظُر الحَدِيث ٦٤٤١ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن نسيبة أرسل إِلَى عَائِشَة من الشَّاة الَّتِي أرسلها إِلَيْهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الصَّدَقَة، فَلَمَّا قبلتها نسيبة دخلت فِي ملكهَا وَخرجت من كَونهَا صَدَقَة، فَهَذَا معنى التَّحَوُّل، كَمَا ذكرنَا.

ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ. الثَّانِي: يزِيد من الزِّيَادَة ابْن زُرَيْع، مصغر زرع ضد الجدب، وَقد مر فِي: بَاب الْجنب يخرج. الثالت: خَالِد الْحذاء. الرَّابِع: حَفْصَة بنت سِيرِين أُخْت مُحَمَّد بن سِيرِين سيدة التابعيات. الْخَامِس: أم عَطِيَّة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَاسْمهَا: نسيبة، بِضَم النُّون وَفتح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقد مر ذكرهَا غير مرّة.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَفِيه: رِوَايَة التابعية عَن الصحابية. وَفِيه: رِوَايَة الحَدِيث لصحابية مَذْكُورَة بكنيتها.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الزَّكَاة عَن أَحْمد بن يُونُس عَن أبي شهَاب الحناط، وَفِي الْهِبَة عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن خَالِد بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن زُهَيْر بن حَرْب عَن إِسْمَاعِيل بن علية عَن خَالِد الْحذاء.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (هَل عنْدكُمْ شَيْء) أَي: من الطَّعَام. قَوْله: (فَقَالَت: لَا) أَي: لَا شَيْء. (إلَاّ شَيْء) ، والمستثنى مِنْهُ مَحْذُوف وَهُوَ اسْم: لَا، الَّتِي لنفي الْجِنْس، أَي: لَا شَيْء من الطَّعَام إلَاّ شَيْء كَذَا. قَوْله: (بعثت بِهِ نسيبة) ، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل صفة لقَوْله: شَيْء، وَكلمَة: من، فِي: من الشَّاة، للْبَيَان مَعَ الدّلَالَة على التَّبْعِيض. قَوْله: (بعثت بهَا) على صِيغَة الْمُخَاطب أَي: الَّتِي بعثت بهَا أَنْت إِلَيْهَا قَوْله: (إِنَّهَا) أَي: إِن الصَّدَقَة (قد بلغت محلهَا) ، بِكَسْر الْحَاء من حل إِذا وَجب، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي {حَتَّى يبلغ الْهَدْي مَحَله} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . أَي: مَكَانَهُ الَّذِي يجب فِيهِ نَحوه، وَقَالَ التَّيْمِيّ: بلغت محلهَا، أَي: حَيْثُ يحل أكلهَا فَهُوَ مفعل من حل الشَّيْء حَلَالا، وَقَالَ: مَعْنَاهُ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعث إِلَى أم عَطِيَّة شَاة من الصَّدَقَة فَبعثت هِيَ من تِلْكَ الشَّاة إِلَى عَائِشَة هَدِيَّة، وَهَذَا معنى قَول البُخَارِيّ: إِذا تحولت الصَّدَقَة، إِذْ كَانَت عَلَيْهَا صَدَقَة ثمَّ صَارَت هَدِيَّة.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: دلَالَة كَمَا قَالَ الطَّحَاوِيّ على جَوَاز اسْتِعْمَال الْهَاشِمِي، وَيَأْخُذ جعله على ذَلِك وَقد كَانَ أَبُو يُوسُف يكره ذَلِك إِذا كَانَت جعالتهم مِنْهَا، قَالَ: لِأَن الصَّدَقَة تخرج من ملك الْمُتَصَدّق إِلَى غير الْأَصْنَاف الَّتِي سَمَّاهَا الله تَعَالَى فَيملك الْمُتَصَدّق بَعْضهَا وَهِي لَا تحل لَهُ، وَاحْتج بِحَدِيث أبي رَافع فِي ذَلِك، وَخَالفهُ فِيهِ آخَرُونَ، فَقَالُوا: لَا بَأْس أَن يَجْعَل مِنْهَا للهاشمي لِأَنَّهُ يَجْعَل على عمله، وَذَلِكَ قد يحل للأغنياء، فَلَمَّا كَانَ هَذَا لَا يحرم على الْأَغْنِيَاء الَّذين يحرم عَلَيْهِم غناؤهم الصَّدَقَة، كَانَ ذَلِك أَيْضا فِي النّظر لَا يحرم ذَلِك على بني هَاشم الَّذين يحرم عَلَيْهِم نسبهم الصَّدَقَة، فَلَمَّا كَانَ مَا تصدق بِهِ على بَرِيرَة جَازَ للشارع أكله لِأَنَّهُ إِنَّمَا أكله بالهدية فَجَاز أَيْضا للهاشمي أَن يجتعل من الصَّدَقَة لِأَنَّهُ إِنَّمَا يملكهَا بِعَمَلِهِ لَا بِالصَّدَقَةِ، هَذَا هُوَ النّظر عندنَا، وَهُوَ أصح مِمَّا ذهب إِلَيْهِ أَبُو يُوسُف. قلت: أَرَادَ الطَّحَاوِيّ بقوله: آخَرُونَ، مَالِكًا وَالشَّافِعِيّ فِي قَول، وَأحمد فِي رِوَايَة

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٤٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا الحَكَمُ) بفتحتين، ابن عُتيبة (١) (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد (عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ لِلْعِتْقِ) بفتح المُوحَّدة وكسر الرَّاء الأولى (وَأَرَادَ مَوَالِيهَا) ساداتها بنو هلالٍ أو أهل بيتٍ من الأنصار (أَنْ يَشْتَرِطُوا) على عائشة (وَلَاءَهَا) (٢) أن يكون لهم، وواو «وَلاءها» مفتوحةٌ مع المدِّ، مأخوذةٌ (٣) من الوَلْي -بفتح الواو وسكون اللَّام- وهو القرب، والمراد به هنا وصفٌ حكميٌّ (٤) ينشأ عنه ثبوت حقِّ الإرث من العتيق الذي لا وارث له من جهة نسبٍ أو زوجيَّةٍ أو الفاضل عن ذلك، وحقِّ العقل عنه إذا جنى، والتَّزويج للأنثى بشروط ذلك كلِّه واستثناء غايته (٥)؛ فلذلك قال الشَّافعيُّ: إنَّ المسلم إذا أعتق النَّصرانيَّ، وبالعكس؛ حقُّ الولاء ثابتٌ، ولا إرث لاختلاف الدِّينين، وقد قال [خ¦٦٧٦٤]: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم»، ووجود مانع الإرث منه (٦) لا يلزم منه عدم المقتضى؛ بدليل الأب القاتل أو الرَّقيق أو مخالفٌ في الدِّين، فإنَّ عدم إرثه لا يقدح في أبوَّته، فلم يخرج عن كونه أباه (٧)، فكذا هنا لا يخرج عن كونه مولاه، هذا تقرير الشَّافعيِّ في «الأمِّ» وغيرها من كتبه، فتأمَّله؛ فإنَّه نفيسٌ جدًّا، وقد كانت العرب تبيع (٨) هذا الحقَّ وتهبه (٩)، فنهى الشَّرع عنه؛ لأنَّ الولاء كالنَّسب ولُحْمةٌ كلُحْمة النَّسب، فلا يقبل الزَّوال بالإزالة، والمولى يُطلَق على المعتِق من أعلى، وعلى العتيق

أيضًا لكن من أسفل، وهل ذلك حقيقةٌ فيهما أو في الأعلى أو في الأسفل؟ أقوالٌ مشهورةٌ، وذكر ابن الأثير في «النِّهاية»: أنَّ اسم المولى يقع على معانٍ كثيرةٍ، وذكر منها ستَّة عشر معنًى؛ وهي: الرَّبُّ والمالك والسَّيِّد والمُنعِم والمعتِق والنَّاصر والمُحِبُّ والتَّابع والجار وابن العمِّ والحَلِيف والعَقيد (١) والصِّهر والعبد والمُنعَم عليه والمُعتَق، قال: وأكثرها قد جاء في الحديث، فيُضاف كلُّ واحدٍ إلى ما يقتضيه الحديث (٢) الوارد فيه، وكلُّ من وَلِيَ أمرًا أو قام (٣) به فهو مولاه ووليُّه، وتختلف مصادر هذه الأسماء، فالوَلاية بالفتح في: النَّسب والنُّصرة والعتق، والوِلاية بالكسر في: الإمارة، والوَلاء: في العتق، والمُوالاة: مِنْ والى القومَ (فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ) (لِلنَّبِيِّ ) حُذِف المفعول، أي: ذلك (فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ : اشْتَرِيهَا) منهم على ما يقصدون من اشتراط كون الولاء لهم، واستُشكِل هذا؛ لأنَّ المُقرَّر أنَّه لو شرط مع العتق الولاء؛ لم يصحَّ البيع؛ لمخالفته نصَّ الشَّارع: «أنَّ الولاء لمن أعتق» [خ¦٤٥٦] وأُجيب بأنَّ الشرط لم يقع في العقد، وبأنَّه خاصٌّ بقصَّة عائشة هذه لمصلحة قطع عادتهم؛ كما خُصَّ فسخ الحجِّ إلى العمرة بالصَّحابة؛ لمصلحة بيان جوازها في أشهُره (فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) أي (٤): فلا تبالي، سواءٌ شَرَطْتِيه (٥) أم لا، فإنَّه شرطٌ باطلٌ، وكلمة: «إنَّما» هنا للحصر؛ لأنَّها لو لم تكن للحصر؛ لمَا لزم من إثبات الولاء لمن أعتق نفيه عمَّن لم يعتِق، لكنَّ هذه الكلمة ذُكِرت في الحديث لبيان نفيه عمَّن لم يعتِق، فدلَّ على أنَّ مقتضاه (٦) الحصر، قاله ابن دقيق العيد. (قَالَتْ) عائشة : (وَأُتِيَ النَّبِيُّ ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، و «النَّبيُّ (٧)» رفع نائبٍ عن (٨) الفاعل (بِلَحْمٍ، فَقُلْتُ: هَذَا مَا) ولأبي الوقت: «ممَّا» (تُصُدِّقَ بِهِ) بضمِّ أوَّله وثانيه (عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ) :

(هُوَ) أي: اللَّحم المُتصدَّق به على بريرة (١) (لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ) قال ابن مالكٍ: يجوز في «صدقةٌ» الرَّفع على أنَّه خبر «هو»، و «لها» صفةٌ قدِّمت فصارت حالًا؛ كقوله:

والصَّالحات عليها مغلقًا بابُ

فلو قُصِدَ بَقاءُ الوصفيَّة لها؛ لقِيلَ: والصَّالحات عليها بابٌ مغلَقٌ، وكذا الحديث لو قُصِدَت (٢) فيه الوصفيَّة بـ «لها»؛ لقِيلَ: هو صدقةٌ لها، ويجوز النَّصب فيها (٣) على الحال والخبر «لها». انتهى. والصَّدقة منحةٌ لثواب الآخرة، والهديَّة تمليكُ الغير شيئًا؛ تقرُّبًا إليه وإكرامًا له، ففي الصَّدقة نوعُ ذلٍّ للآخذ، فلذلك حَرُمت الصَّدقة عليه دون الهديَّة، وقِيلَ: لأنَّ الهديَّة يُثاب عليها في الدُّنيا فتزول (٤) المنَّة، والصَّدقة يُراد بها ثواب الآخرة فتبقى المنَّة، ولا ينبغي لنبيٍّ أن يمنَّ عليه غير الله، وقال البيضاويُّ: إذا تصدَّق على المحتاج بشيءٍ ملكه، وصار له كسائر ما يملكه، فله أن يهدي به غيره، كما له أن يهدي سائر أمواله بلا فرقٍ، وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّ بريرة من جملة موليات عائشة، وتُصدِّق عليها.

وهذا الحديث قد سبق في «باب ذكر البيع والشِّراء على المنبر في المسجد» [خ¦٤٥٦]، وقد أخرجه البخاريُّ أيضًا في «كتاب الكفَّارات» [خ¦٦٧١٧] وفي «الطَّلاق» [خ¦٥٢٨٤] و «الفرائض» [خ¦٦٧٥١]، والنَّسائيُّ في «الزَّكاة» و «الطَّلاق».

(٦٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا تَحَوَّلَتِ الصَّدَقَةُ) أي: عن كونها صدقةً بأن دخلت في ملك المُتصدَّق عليه؛ يجوز تناول الهاشميِّ لها، ولأبي ذرٍّ: «إذا حُوِّلت» بضمِّ الحاء وحذف التَّاء، مبنيًّا للمفعول.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ابْن زِيَاد: (فَنظر إِلَيْهِ فَإِذا هُوَ يلوك تَمْرَة، فحرك خَدّه، وَقَالَ: ألقها يَا بني ألقها يَا بني) . فَمَا التَّوْفِيق بَينه وَبَين قَوْله: (كخ كخ؟) قلت: هُوَ أَنه كلمة أَولا بِهَذَا، فَلَمَّا تَمَادى قَالَ: كخ كخ إِشَارَة إِلَى استقذار ذَلِك، وَقد ذكرنَا الْحِكْمَة فِي تَحْرِيمهَا عَلَيْهِم أَنَّهَا مطهرة للملاك ولأموالهم، قَالَ تَعَالَى: {خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة تطهرهُمْ} (التَّوْبَة: ٣٠١) . فَهِيَ كغسالة الأوساخ، وَأَن آل مُحَمَّد منزهون عَن أوساخ النَّاس وغسالاتهم، وَثَبت عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الصَّدَقَة أوساخ النَّاس) ، كَمَا رَوَاهُ مُسلم، وَأما إِن أَخذهَا مذلة، وَالْيَد السُّفْلى، وَلَا يَلِيق بهم الذل والافتقار إِلَى غير الله تَعَالَى، وَلَهُم الْيَد الْعليا وَأما أَنَّهَا لَو أخذوها لطال لِسَان الْأَعْدَاء بِأَن مُحَمَّدًا يَدْعُونَا إِلَى مَا يَدْعُونَا إِلَيْهِ ليَأْخُذ أَمْوَالنَا ويعطيها لأهل بَيته. قَالَ تَعَالَى: {قل، لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا} (الْأَنْعَام: ٠٩، الشورى: ٣٢) . وَلِهَذَا أَمر أَن تصرف إِلَى فقرائهم فِي بلدهم. قَوْله: (إنَّا لَا نَأْكُل الصَّدَقَة) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (إِنَّا لَا تحل لنا الصَّدَقَة) وَفِي رِوَايَة معمر: (إِن الصَّدَقَة لَا تحل لآل مُحَمَّد) ، وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (إِنَّا آل مُحَمَّد لَا تحل لنا الصَّدَقَة) .

١٦ - (بابُ الصَّدَقَةِ عَلَى مَوَالِي أزْوَاجِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّدَقَة على موَالِي أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَي: على عتائقهن. قيل: لم يترجم لِأَزْوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا موَالِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَنَّهُ لم يثبت عِنْده فِيهِ شَيْء؟ قلت: روى الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَصَححهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان وَغَيره عَن أبي رَافع مَرْفُوعا: (إِنَّا لَا تحل لنا الصَّدَقَة وَأَن موَالِي الْقَوْم من أنفسهم) . وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو حنيفَة وَأحمد وَابْن الْمَاجشون الْمَالِكِي، وَهُوَ الصَّحِيح عِنْد الشَّافِعِيَّة، وَقَالَ غَيرهم: يجوز لَهُم لأَنهم لَيْسُوا مِنْهُم حَقِيقَة، فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك مَا كَانَ يَنْبَغِي الإعتذار عَن البُخَارِيّ فِي تَركه التَّرْجَمَة لِأَزْوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا لمواليه بقوله لِأَنَّهُ لم يثبت عِنْده فِيهِ شَيْء لِأَن البُخَارِيّ لم يلْتَزم أَن يذكر كل صَحِيح عِنْده أَو عِنْد غَيره، وَقيل: إِنَّمَا أورد البُخَارِيّ هَذِه التَّرْجَمَة ليحقق أَن الْأزْوَاج لَا يدخلن وَلَا تحرم عَلَيْهِنَّ الصَّدَقَة، وَكَذَا قَالَ ابْن بطال: إِن الْأزْوَاج لَا يدخلن فِي ذَلِك بِاتِّفَاق الْفُقَهَاء، فَإِذا لم يدخلن هن فمواليهن أَحْرَى بِعَدَمِ الدُّخُول. قلت: روى الْخلال من طَرِيق ابْن أبي مليكَة (عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: إِنَّا آل مُحَمَّد لَا تحل لنا الصَّدَقَة) ، ذكره ابْن قدامَة، وَقَالَ: هَذَا يدل على تَحْرِيمهَا، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) حَدثنَا وَكِيع عَن شريك عَن ابْن أبي مليكَة أَن خَالِد بن سعيد بن الْعَاصِ أرسل إِلَى عَائِشَة شَيْئا من الصَّدَقَة، فَردته فَقَالَت: إِنَّا آل مُحَمَّد لَا تحل لنا الصَّدَقَة.

٢٩٤١ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ حدَّثني عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ وَجَدَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَاة مَيِّتَةً أعْطَيْتها مَوْلَاةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَلَاّ انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا قَالُوا إنَّهَا مَيْتَةٌ قَالَ إنَّمَا حَرُمَ أكْلُهَا..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أُعطيتها مولاة لميمونة من الصَّدَقَة) ، فَإِن مولاة مَيْمُونَة أُعطيت صَدَقَة فَلم يُنكر عَلَيْهَا، فَدلَّ على أَن موَالِي أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تحل لَهُم الصَّدَقَة، وَبِهَذَا علم أَن مُرَاد البُخَارِيّ من هَذِه التَّرْجَمَة التَّنْبِيه على ذَلِك، لَا مَا قَالَه الْإِسْمَاعِيلِيّ: هَذِه التَّرْجَمَة مُسْتَغْنى عَنْهَا، فَإِن تَسْمِيَة الْمولى لغير فَائِدَة، وَإِنَّمَا هُوَ لسوق الحَدِيث على وَجهه فَقَط.

ذكر رِجَاله: وهم: سِتَّة: الأول: سعيد بن عفير، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء، مر فِي بَاب من يرد الله بِهِ خيرا. الثَّانِي: عبد الله ابْن وهب. الثَّالِث: يُونُس ين يزِيد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عبيد الله، بِضَم الْعين: ابْن عبد الله، بِفَتْح الْعين: ابْن عتبَة بن مَسْعُود أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة. السَّادِس: عبد الله بن عَبَّاس.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه مَنْسُوب إِلَى جده لِأَنَّهُ سعيد بن كثير بن عفير وَأَنه وَابْن وهب مصريان، وَأَن يُونُس أيلي وَأَن ابْن شهَاب وَعبيد الله مدنيان، وَقَالَ

أَبُو عمر: روى هَذَا الحَدِيث غير وَاحِد عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن عبيد الله بن عبد الله عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مُرْسلا، وَالصَّحِيح اتِّصَاله، كَذَا رَوَاهُ معمر وَيُونُس والزبيدي وَعقيل، كلهم عَن ابْن شهَاب عَن عبيد الله عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْبيُوع، وَفِي الذَّبَائِح عَن زُهَيْر بن حَرْب. وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن أبي الطَّاهِر وحرملة، وَعَن الْحسن بن عَليّ وَعبد بن حميد وَعَن يحيى بن يحيى وَعَمْرو النَّاقِد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي اللبَاس عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَمُحَمّد بن أَحْمد، وَعَن مُسَدّد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الذَّبَائِح عَن مُحَمَّد بن مسلمة والْحَارث بن مِسْكين وَعَن عبد الْملك بن شُعَيْب وروى مُسلم من حَدِيث عَطاء: (عَن ابْن عَبَّاس عَن مَيْمُونَة أخْبرته: أَن داجنا كَانَت لبَعض أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَمَاتَتْ، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَلا أَخَذْتُم إهابها فاستمتعتم بِهِ؟) وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (مر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِرِجَال من قُرَيْش يجرونَ شَاة، فَقَالَ: لَو أَخَذْتُم إهابها؟ قَالُوا: إِنَّهَا ميتَة. قَالَ: يطهره المَاء والقرظ) . وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد (عَن ابْن عَبَّاس: مَاتَت شَاة لسودة بنت زَمعَة، فَقَالَت: يَا رَسُول الله مَاتَت فلَان، يَعْنِي الشَّاة، فَقَالَ: لَوْلَا أَخَذْتُم مسكها؟ فَقَالَت: تَأْخُذ مسك شَاة قد مَاتَت؟ فَقَالَ: إِنَّكُم لَا تطعمونه تنتفعون بِهِ. قَالَ: فَأرْسلت إِلَيْهَا فسلخت مسكها فدبغته واتخذت مِنْهُ قربَة حَتَّى تخرقت عِنْدهَا) . وَعند البُخَارِيّ (عَن سَوْدَة: مَاتَت لنا شَاة فدبغنا مسكها) الحَدِيث مَوْقُوف، وَعند مُسلم عَنهُ مَرْفُوعا (إِذا دبغ الإهاب فقد طهر) ، وَفِي لفظ: (دباغه طهوره) ، وَعند ابْن شاهين سُئِلَ عَن جُلُود الْميتَة فَقَالَ: طهورها دباغها، وَفِي لفظ مَرْفُوع: (اسْتَمْتعُوا بجلود الْميتَة إِذا دبغت تُرَابا كَانَ أَو رَمَادا أَو ملحا أَو مَا كَانَ، بعد أَن يزِيد صَلَاحه) . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: فِي إِسْنَاده مَعْرُوف بن حسان مُنكر الحَدِيث، وَفِي كتاب ابْن سعد: قَالَ مُحَمَّد بن الْأَشْعَث لعَائِشَة: أَلا نجْعَل لَك فروا تلبسيه فَإِنَّهُ أدفأ لَك؟ قَالَت: إِنِّي لأكْره جُلُود الْميتَة. فَقَالَ: أَنا أقوم عَلَيْهِ وَلَا أجعله إلَاّ ذكيا، فَجعله لَهَا فَكَانَت تلبسه، رَوَاهُ معن ومطرف، قَالَا: حَدثنَا مَالك عَن نَافِع عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بِهِ، وروى أَبُو دَاوُد بِسَنَد جيد من حَدِيث قَتَادَة عَن الْحسن عَن الجون بن قَتَادَة (عَن سَلمَة بن المحبق أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مر بِبَيْت بفنائه قربَة معلقَة، فَاسْتَسْقَى فَقيل: إِنَّهَا ميتَة، فَقَالَ: زَكَاة الْأَدِيم دباغه) . وَفِي رِوَايَة: فِي غَزْوَة تَبُوك. وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ، وَعند أَحْمد بِسَنَد جيد (عَن جَابر: كُنَّا نصيب مَعَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي مغانمنا من الْمُشْركين الأسقية والأوعية فنقسمها وَكلهَا ميتَة) . وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث أم سَلمَة: أَنَّهَا مَاتَت لَهَا شَاة، فَقَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَفلا انتفعتم بإهابها؟ فَقَالُوا: إِنَّهَا ميتَة. فَقَالَ: إِن دباغتها يحل كَمَا يحل الْخمر الْملح. قَالَ: تفرد بِهِ الْفرج بن فضَالة وَهُوَ ضَعِيف، وَرَوَاهُ أَيْضا من حَدِيث يُوسُف بن السّفر، قَالَ: وَهُوَ مَتْرُوك، وَمن حَدِيث أبي قيس الأودي عَن هزيل بن شُرَحْبِيل عَن أم سَلمَة أَو زَيْنَب أَو غَيرهمَا من أَزوَاج النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن مَيْمُونَة مَاتَت لَهَا شَاة) الحَدِيث.

فَإِن قلت: جَاءَت أَحَادِيث تخَالف الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة. مِنْهَا: حَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث حبيب بن أبي ثَابت عَن رجل عَن أم سلمَان الأشجعية أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَتَاهَا وَهِي فِي قبَّة، فَقَالَ: مَا أحسن هَذِه إِن لم يكن فِيهَا ميتَة؟ قَالَت: فَجعلت أتتبعها. وَمِنْهَا: حَدِيث رَوَاهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) عَن عبد الله بن عكيم، قَالَ: (كتب إِلَيْنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قبل مَوته بِشَهْر: أَن لَا تنتفعوا من الْميتَة بإهاب وَلَا عصب) ، ثمَّ قَالَ: ذكر الْبَيَان بِأَن ابْن عكيم شهد قِرَاءَة كتاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأَرْض جُهَيْنَة، ثمَّ ذكر عَنهُ، قَالَ: قرىء علينا كتاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلما رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده قَالَ: مَا أصلح إِسْنَاده. وَمِنْهَا: حَدِيث رَوَاهُ أَبُو حَفْص بن شاهين من حَدِيث ابْن عمر: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى أَن ينْتَفع من الْميتَة بعصب أَو إهَاب. وَمِنْهَا: حَدِيث جَابر رَوَاهُ ابْن شاهين أَيْضا من حَدِيث أبي الزبير عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (لَا ينْتَفع من الْميتَة بِشَيْء) وَرَوَاهُ ابْن جرير الطَّبَرِيّ أَيْضا. وَمِنْهَا: حَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى عَن جُلُود السبَاع أَن تفترش.

قلت: حَدِيث أم سلمَان مَحْمُول على أَنه لم يكن مدبوغا. وَحَدِيث ابْن عكيم مَعْلُول بِأُمُور ثَلَاثَة: الأول: أَنه مُضْطَرب سندا ومتنا وَقد بَيناهُ فِي شرحنا للهداية. وَالثَّانِي: الِاخْتِلَاف فِي صحبته، فَقَالَ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره لَا صُحْبَة لَهُ. وَالثَّالِث: أَنه روى عَنهُ أَنه سمع من النَّاس الداخلين عَلَيْهِ وهم مَجْهُولُونَ، وَلَئِن صَحَّ فَلَا

يُقَاوم حَدِيث ابْن عَبَّاس. وَحَدِيث ابْن عمر أَن عَامَّة من فِي إِسْنَاده مَجْهُولُونَ. وَحَدِيث جَابر فِي إِسْنَاده زَمعَة وَهُوَ مِمَّن لَا يعْتَمد على نَقله. وَأما النَّهْي عَن جُلُود السبَاع فقد قيل: إِنَّهَا كَانَت تسْتَعْمل قبل الدّباغ. وَقَالَ ابْن شاهين: هَذِه الْأَحَادِيث لَا يُمكن ادِّعَاء نسخ شَيْء مِنْهَا بِالْآخرِ. فَإِن قلت: حَدِيث ابْن عكيم قبل الْوَفَاة بِشَهْر؟ قلت: يُمكن أَن يُقَال: يجوز أَن يكون الْأَمر قبل أَن يَمُوت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بجمعة، وَالْأولَى هُنَا هُوَ الْأَخْذ بِالْحَدِيثين جَمِيعًا وَهُوَ أَن يحمل الْمَنْع على مَا قبل الدّباغ وَالْأَخْبَار بِالطَّهَارَةِ بعده على أَن الإهاب فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إيما إهَاب دبغ فقد طهر) ، اسْم للجلد الَّذِي لم يدبغ، فَبعد الدّباغ لَا يُسمى إهابا، وَإِنَّمَا يُسمى أديما أَو جلدا أَو جرابا.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مولاة) ، أَي: عتيقة وارتفاعها على أَنَّهَا مفعول مَا لم يسم فَاعله للإعطاء، ومَيْمُونَة زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ولميمونة صفة لمولاة. قَوْله: (من الصَّدَقَة) ، يتَعَلَّق بأعطيت أَو صفة لشاة. قَوْله: (إِنَّمَا حرم أكلهَا) اتّفق معمر وَمَالك وَيُونُس على قَوْله: (إِنَّمَا حرم أكلهَا) ، إِلَّا أَن معمرا قَالَ: لَحمهَا وَلم يذكر وَاحِد مِنْهُم زِيَادَة دباغ أَهلهَا طهورها وَكَانَ ابْن عُيَيْنَة يَقُول: لم أسمع أحدا يَقُول: (إِنَّمَا حرم أكلهَا) إلَاّ الزُّهْرِيّ، وَاتفقَ الزبيدِيّ وَعقيل وَسليمَان بن كثير وَالْأَوْزَاعِيّ على ذكر الدّباغ فِي هَذَا الحَدِيث عَن الزُّهْرِيّ، وَكَانَ ابْن عُيَيْنَة مرّة يذكرهُ وَمرَّة لَا يذكرهُ، وَقَالَ مُحَمَّد بن يحيى النَّيْسَابُورِي: لست أعْتَمد فِي هَذَا الحَدِيث على ابْن عُيَيْنَة لاضطرابه فِيهِ، وَأما ذكر الدّباغ فَلَا يُوجد إلَاّ عَن يحيى بن أَيُّوب عَن عقيل، وَمن رِوَايَة بَقِيَّة عَن الزبيدِيّ، وَيحيى وَبَقِيَّة ليسَا بالقويين، وَلم يذكر مَالك وَلَا يُونُس الدّباغ، وَهُوَ الصَّحِيح فِي حَدِيث الزُّهْرِيّ، وَبِه كَانَ يُفْتِي، وَأما من غير رِوَايَة الزُّهْرِيّ فَصَحِيح مَحْفُوظ عَن ابْن عَبَّاس، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ طابق الْجَواب السُّؤَال يَعْنِي فِي قَوْله: (إِنَّمَا هُوَ حرَام أكلهَا) قلت: الْأكل غَالب فِي اللَّحْم، فَكَأَنَّهُ قَالَ: اللَّحْم حرَام لَا الْجلد. قلت: لَو اطلع الْكرْمَانِي على مَا ذكرنَا الْآن لما احْتَاجَ إِلَى هَذَا السُّؤَال وَلَا إِلَى الْجَواب.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احتجت بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور جمَاعَة كَثِيرَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ على أَن جلد الْميتَة يطهر بالدباغ، فَمِمَّنْ قَالَ ذَلِك ابْن مَسْعُود وَابْن الْمسيب وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَالْحسن وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَسَالم وَابْن جُبَير وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَيحيى الْأنْصَارِيّ وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَعبد الله بن الْمُبَارك وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه وَإِسْحَاق. وَفِيه: دَلِيل على بطلَان قَول من قَالَ: إِن الْجلد من الْميتَة لَا ينْتَفع بِهِ بعد الدّباغ، وَبَطل أَيْضا قَول من قَالَ إِن جلد الْميتَة وَإِن لم يدبغ يسْتَمْتع بِهِ وَينْتَفع بِهِ، وَهُوَ قَول مَرْوِيّ عَن ابْن شهَاب وَاللَّيْث بن سعد، وَهُوَ مَشْهُور عَنْهُمَا على أَنه قد روى عَنْهُمَا خِلَافه، قَالَ معمر: وَكَانَ الزُّهْرِيّ يُنكر الدّباغ، وَيَقُول: مستمتع بِهِ على كل حَال، قَالَ أَبُو عبد الله الْمروزِي: مَا علمت أحدا قَالَ ذَلِك قبل الزُّهْرِيّ، وَكَانَ الزُّهْرِيّ يذهب إِلَى ظَاهر الحَدِيث فِي قَوْله: (إِنَّمَا حرَام أكلهَا) ، قَالَ الطَّحَاوِيّ: قَالَ اللَّيْث: لَا بَأْس بِبيع جُلُود الْميتَة قبل الدّباغ لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أذن فِي الِانْتِفَاع بهَا، وَالْبيع من الِانْتِفَاع، قَالَ أَبُو جَعْفَر: لم يُحكَ عَن أحدِ من الْفُقَهَاء جَوَاز بيع جلد الْميتَة قبل الدّباغ إلَاّ عَن اللَّيْث. قَالَ ابْن عمر: يَعْنِي من الْفُقَهَاء أَئِمَّة الْفَتْوَى بالأمصار بعد التَّابِعين، لِأَن ابْن شهَاب ذَاك عَنهُ صَحِيح، وَقد ذكر ابْن عبد الحكم عَن مَالك مَا يشبه مَذْهَب ابْن شهَاب فِي ذَلِك، قَالَ: من اشْترى جلد ميتَة فدبغه فَقَطعه نعالاً فَلَا يَبِيعهُ حَتَّى ييبس، فَهَذَا يدل على أَن مذْهبه يجوز بيع جلد الْميتَة قبل الدّباغ وَبعده، وَهُوَ ظَاهر مَذْهَب مَالك وَغَيره. وَفِي (التَّوْضِيح) : ومجموع مَا ذكر فِي دباغ جلد الْميتَة وطهارتها سَبْعَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه يطهر بِهِ جَمِيع جُلُود الْميتَة إلَاّ الْكَلْب وَالْخِنْزِير، وَالْفرع ظَاهرا وَبَاطنا، وَيسْتَعْمل فِي الْيَابِس والمائع، وَسَوَاء مَأْكُول اللَّحْم وَغَيره، وَبِه قَالَ عَليّ وَابْن مَسْعُود وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي. ثَانِيهَا: لَا يطهر مِنْهَا شَيْء بِهِ، رُوِيَ عَن جمَاعَة من السّلف، قيل: مِنْهُم عمر بن الْخطاب وَابْنه عبد الله وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهِي أشهر الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد، وَرِوَايَة عَن مَالك. ثَالِثهَا: يطهر بِهِ جلد مَأْكُول اللَّحْم دون غَيره، وَهُوَ مَذْهَب الْأَوْزَاعِيّ وَابْن الْمُبَارك وَأبي ثَوْر، رَابِعهَا: يطهر جَمِيعهَا إلَاّ الْخِنْزِير، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة. خَامِسهَا: يطهر الْجَمِيع إلَاّ أَنه يطهر ظَاهره دون بَاطِنه وَيسْتَعْمل فِي اليابسات دون الْمَائِعَات، وَيصلى عَلَيْهِ لَا فِيهِ، وَهُوَ مَشْهُور مَذْهَب مَالك، رَحمَه الله تَعَالَى، فِيمَا حَكَاهُ عَنهُ أَصْحَابه. سادسها: يطهر الْجَمِيع وَالْكَلب وَالْخِنْزِير ظَاهرا وَبَاطنا، وَهُوَ مَذْهَب دَاوُد وَأهل الظَّاهِر، وَحكي عَن أبي يُوسُف.

سابعها: أَنه ينْتَفع بجلود الْميتَة وَإِن لم تدبغ، وَيجوز اسْتِعْمَالهَا فِي الْمَائِعَات واليابسات، وَهُوَ وَجه شَاذ لبَعض الشَّافِعِيَّة.

٣٩٤١ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا الحَكَمُ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّها أرادَتْ أنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ لِلْعِتْقِ وأرَادَ مَوَالِيهَا إنْ يَشْتَرِطُوا وَلاءَهَا فذَكَرَتْ عائِشَةُ لِلنَّيِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لَهَا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اشْتَرِيهَا فإنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ قالَتْ وأُتِيَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِلَحْمٍ فَقُلْتُ هاذا مَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ فقالَ هُوَ صَدَقَةٌ ولَنَا هَدِيَّةٌ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (هَذَا مَا تصدق بِهِ على بَرِيرَة) إِلَى آخِره، والترجمة فِي الصَّدَقَة على موَالِي أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وبريرة من جملَة مواليات عَائِشَة زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَتصدق عَلَيْهَا بِصَدقَة فَأخْبر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنَّهَا كَانَت لَهَا صَدَقَة وَلَهُم هَدِيَّة، لِأَنَّهَا تحولت عَن معنى الصَّدَقَة بِملك الْمُتَصَدّق عَلَيْهِ بهَا، وانتقلت إِلَى معنى الْهَدِيَّة الْحَلَال لرَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد ذكر الحَدِيث فِي أَوَائِل كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب ذكر البيع وَالشِّرَاء على الْمِنْبَر فِي الْمَسْجِد رَوَاهُ عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان عَن يحيى عَن عمْرَة عَن يحيى عَن عَائِشَة، قَالَت: أتتها بَرِيرَة ... الحَدِيث، غير أَنه لم يذكر فِيهِ قَوْله: قَالَت عَائِشَة، وَأتي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ... إِلَى آخِره، وَهنا رَوَاهُ عَن آدم بن أبي إِيَاس عَن شُعْبَة عَن ابْن الْحجَّاج عَن الحكم بِفتْحَتَيْنِ ابْن عتبَة عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن الْأسود بن يزِيد عَن عَائِشَة.

وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي كَفَّارَة الْإِيمَان عَن سُلَيْمَان بن حَرْب، وَفِي الطَّلَاق عَن عبد الله بن رَجَاء وَفِيه أَيْضا عَن آدم وَفِي الْفَرَائِض عَن حَفْص بن عمر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزَّكَاة عَن عَمْرو بن يزِيد وَفِي الصَّلَاة عَن عَمْرو بن عَليّ وَفِي الْفَرَائِض عَن بِنِدَاء عَن غنْدر، الْكل عَن شُعْبَة.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بَرِيرَة) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الرَّاء الأولى. قَوْله: (مواليها) أَي: ساداتها، وَكَانَت لعتبة بن أبي لَهب، وَقَالَ أَبُو عمر: كَانَت مولاة لبَعض بني هِلَال فكاتبوها ثمَّ باعوها من عَائِشَة زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الْمولى جَاءَ بِمَعْنى الْمُعْتق والعتيق والناصر وَابْن الْعم وَالْجَار والحليف لَا بِمَعْنى السَّيِّد؟ قلت: جَاءَ أَيْضا بِمَعْنى الْمولى والمتصرف فِي الْأَمر. انْتهى. قلت: لَا وَجه لهَذَا السُّؤَال، لِأَن لفظ الْمولى مُشْتَرك بَين الْمولى الْأَعْلَى وَالْمولى الْأَسْفَل، وبريرة مولاة سفلى ومواليها موَالِي عليا. قَوْله: (اشتريها) أَي: بِمَا يُرِيدُونَ، أَي: من الِاشْتِرَاط بِكَوْن الْوَلَاء لَهُم. قَوْله: (تصدق) ، بِلَفْظ الْمَجْهُول، قَالَ الْكرْمَانِي: وَالْفرق بَين الصَّدَقَة وَالْهِبَة أَن الصَّدَقَة هبة لثواب الْآخِرَة، والهدية هبة تنقل إِلَى الْمُتَّهب إِكْرَاما لَهُ قلت: الصَّدَقَة قد تكون هبة، وَالْهِبَة قد تكون صَدَقَة، وَإِن الصَّدَقَة على الْغَنِيّ هبة، وَالْهِبَة للْفَقِير صَدَقَة.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِهِ بعض الْمَالِكِيَّة على أَن عَائِشَة اشترتها شِرَاء فَاسِدا فأنفذ الشَّارِع عتقهَا، وَمَعْلُوم أَن شَرط الْوَلَاء لغير الْمُعْتق يُوجب فَسَاد العقد، ثمَّ أنفذ الشَّارِع الْعتْق. قلت: الَّذِي كَانَ من أهل بَرِيرَة فِي هَذَا الحَدِيث لم يكن شرطا فِي بيع، لَكِن فِي أَدَاء عَائِشَة إِلَيْهِم عَن بَرِيرَة، وهم توَلّوا عقد تِلْكَ الْكِتَابَة، وَلم يتَقَدَّم ذَلِك الْأَدَاء من عَائِشَة ملك، فَذكرت ذَلِك لرَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: لَا يمنعك ذَلِك مِنْهَا، أَي: لَا تَرْجِعِي بِهَذَا الْمَعْنى عَمَّا كنت نَوَيْت عتاقها من الثَّوَاب، اشتريها فأعتقيها فَإِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعتق، وَكَانَ ذَلِك الشِّرَاء هُنَا ابْتِدَاء من رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لَيْسَ مَا كَانَ قبل ذَلِك بَين عَائِشَة وَبَين أهل بَرِيرَة فِي شَيْء، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَاسْتدلَّ بِهِ بعض أَصْحَاب أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على أَنَّهَا ملكت بِالْقَبْضِ ملكا تَاما، وَهُوَ بعيد لِأَنَّهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي هَذَا الحَدِيث وَغَيره أَمر عَائِشَة بِالشِّرَاءِ وَلم يكن ليأمر بفاسد. قلت: جَوَاب هَذَا يفهم مِمَّا قبله مِمَّا ذكرنَا على أَن بعض أَصْحَابنَا قَالُوا: إِنَّهَا خصت بذلك كَمَا خص غَيرهَا بخصائص قيل: هَذَا بعيد، لِأَن ذَلِك لَو وَقع لنقل. قلت: قَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا من خَصَائِص عَائِشَة وَلَا عُمُوم لَهَا. فَإِن قلت: فِيهِ صُورَة المخادعة؟ قلت: لم يكن هَذَا إلَاّ للزجر والتوبيخ، لِأَنَّهُ كَانَ بيَّن لَهُم حكم الْوَلَاء، وَأَن هَذَا الشَّرْط لَا يحل، فَلَمَّا ألحوا فِي اشْتِرَاطه وَمُخَالفَة الْأَمر، قَالَ لعَائِشَة هَذَا بِمَعْنى: لَا تبالي سَوَاء شرطته أم لَا،

فَإِنَّهُ شَرط بَاطِل لِأَنَّهُ قد سبق بَيَان ذَلِك لَهُم وَلَيْسَ لفظ: اشترطي، هُنَا للْإِبَاحَة، وَقد تكلمنا فِي هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب ذكر البيع وَالشِّرَاء على الْمِنْبَر فِي الْمَسْجِد، فِي أَوَائِل كتاب الصَّلَاة، واستقصينا الْكَلَام فِيهِ.

٢٦ - (بابٌ إِذا تَحَوَّلَتِ الصَّدَقَةُ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا تحولت الصَّدَقَة يَعْنِي: إِذا خرجت من كَونهَا صَدَقَة بِأَن دخلت فِي ملك الْمُتَصَدّق بِهِ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: إِذا حولت الصَّدَقَة، على بِنَاء الْمَجْهُول، وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف تَقْدِيره: إِذا حولت الصَّدَقَة يجوز للهاشمي تنَاولهَا.

٤٩٤١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حدَّثنا خالدٌ عنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عنْ أم عَطِيَّةَ الأنْصَارِيَّةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ دَخَلَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا فقالَ هَل عنْدَكُمْ شَيْءٌ فقَالَتْ لَا ألَاّ شَيءٌ بَعَثَتْ بِهِ إلَيْنَا نُسَيْبَةُ مِنَ الشَّاةِ الَّتِي بَعَثَتْ بِهَا مِنَ الصَّدَقةِ فَقَالَ إنَّها قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا.

(انْظُر الحَدِيث ٦٤٤١ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن نسيبة أرسل إِلَى عَائِشَة من الشَّاة الَّتِي أرسلها إِلَيْهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الصَّدَقَة، فَلَمَّا قبلتها نسيبة دخلت فِي ملكهَا وَخرجت من كَونهَا صَدَقَة، فَهَذَا معنى التَّحَوُّل، كَمَا ذكرنَا.

ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ. الثَّانِي: يزِيد من الزِّيَادَة ابْن زُرَيْع، مصغر زرع ضد الجدب، وَقد مر فِي: بَاب الْجنب يخرج. الثالت: خَالِد الْحذاء. الرَّابِع: حَفْصَة بنت سِيرِين أُخْت مُحَمَّد بن سِيرِين سيدة التابعيات. الْخَامِس: أم عَطِيَّة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَاسْمهَا: نسيبة، بِضَم النُّون وَفتح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقد مر ذكرهَا غير مرّة.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَفِيه: رِوَايَة التابعية عَن الصحابية. وَفِيه: رِوَايَة الحَدِيث لصحابية مَذْكُورَة بكنيتها.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الزَّكَاة عَن أَحْمد بن يُونُس عَن أبي شهَاب الحناط، وَفِي الْهِبَة عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن خَالِد بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن زُهَيْر بن حَرْب عَن إِسْمَاعِيل بن علية عَن خَالِد الْحذاء.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (هَل عنْدكُمْ شَيْء) أَي: من الطَّعَام. قَوْله: (فَقَالَت: لَا) أَي: لَا شَيْء. (إلَاّ شَيْء) ، والمستثنى مِنْهُ مَحْذُوف وَهُوَ اسْم: لَا، الَّتِي لنفي الْجِنْس، أَي: لَا شَيْء من الطَّعَام إلَاّ شَيْء كَذَا. قَوْله: (بعثت بِهِ نسيبة) ، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل صفة لقَوْله: شَيْء، وَكلمَة: من، فِي: من الشَّاة، للْبَيَان مَعَ الدّلَالَة على التَّبْعِيض. قَوْله: (بعثت بهَا) على صِيغَة الْمُخَاطب أَي: الَّتِي بعثت بهَا أَنْت إِلَيْهَا قَوْله: (إِنَّهَا) أَي: إِن الصَّدَقَة (قد بلغت محلهَا) ، بِكَسْر الْحَاء من حل إِذا وَجب، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي {حَتَّى يبلغ الْهَدْي مَحَله} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . أَي: مَكَانَهُ الَّذِي يجب فِيهِ نَحوه، وَقَالَ التَّيْمِيّ: بلغت محلهَا، أَي: حَيْثُ يحل أكلهَا فَهُوَ مفعل من حل الشَّيْء حَلَالا، وَقَالَ: مَعْنَاهُ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعث إِلَى أم عَطِيَّة شَاة من الصَّدَقَة فَبعثت هِيَ من تِلْكَ الشَّاة إِلَى عَائِشَة هَدِيَّة، وَهَذَا معنى قَول البُخَارِيّ: إِذا تحولت الصَّدَقَة، إِذْ كَانَت عَلَيْهَا صَدَقَة ثمَّ صَارَت هَدِيَّة.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: دلَالَة كَمَا قَالَ الطَّحَاوِيّ على جَوَاز اسْتِعْمَال الْهَاشِمِي، وَيَأْخُذ جعله على ذَلِك وَقد كَانَ أَبُو يُوسُف يكره ذَلِك إِذا كَانَت جعالتهم مِنْهَا، قَالَ: لِأَن الصَّدَقَة تخرج من ملك الْمُتَصَدّق إِلَى غير الْأَصْنَاف الَّتِي سَمَّاهَا الله تَعَالَى فَيملك الْمُتَصَدّق بَعْضهَا وَهِي لَا تحل لَهُ، وَاحْتج بِحَدِيث أبي رَافع فِي ذَلِك، وَخَالفهُ فِيهِ آخَرُونَ، فَقَالُوا: لَا بَأْس أَن يَجْعَل مِنْهَا للهاشمي لِأَنَّهُ يَجْعَل على عمله، وَذَلِكَ قد يحل للأغنياء، فَلَمَّا كَانَ هَذَا لَا يحرم على الْأَغْنِيَاء الَّذين يحرم عَلَيْهِم غناؤهم الصَّدَقَة، كَانَ ذَلِك أَيْضا فِي النّظر لَا يحرم ذَلِك على بني هَاشم الَّذين يحرم عَلَيْهِم نسبهم الصَّدَقَة، فَلَمَّا كَانَ مَا تصدق بِهِ على بَرِيرَة جَازَ للشارع أكله لِأَنَّهُ إِنَّمَا أكله بالهدية فَجَاز أَيْضا للهاشمي أَن يجتعل من الصَّدَقَة لِأَنَّهُ إِنَّمَا يملكهَا بِعَمَلِهِ لَا بِالصَّدَقَةِ، هَذَا هُوَ النّظر عندنَا، وَهُوَ أصح مِمَّا ذهب إِلَيْهِ أَبُو يُوسُف. قلت: أَرَادَ الطَّحَاوِيّ بقوله: آخَرُونَ، مَالِكًا وَالشَّافِعِيّ فِي قَول، وَأحمد فِي رِوَايَة

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.3 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
الله أكبر