«مَنْ حَجَّ لِلهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٢١

الحديث رقم ١٥٢١ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب فضل الحج المبرور.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته…

«مَنْ حَجَّ لِلهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ».

بَابُ فَرْضِ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ

سند حديث: ١٥٢١ - حَدَّثَنَا آدَمُ: حَدَّثَنَا…

١٥٢١ - حَدَّثَنَا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا سَيَّارٌ أَبُو الْحَكَمِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته…

يُبَيِّن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ مَنْ حَجَّ لله تعالى ولم يرفث، والرَّفَث الجماع ومقدماته من التقبيل والمباشرة، ويطلق أيضًا على القول الفاحش، ولم يفسق، بفعل المعاصي والسيئات،
ومن الفسوق فعل محظورات الإحرام، رَجع من حَجِّهِ مغفورًا له، كما يولد الصّبِي سالمًا من الذنوب.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الفُسُوق وإن كان ممنوعًا في جميع الأحوال، فيتأكد النهيُ عنه في الحج تعظيمًا لمناسك الحج.
  • الإنسان يولد بدون خطايا مُبرَّءًا من الذنوب؛ فهو لا يحمل خطيئة غيره.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

[الحديث ١٥٢٠ - أطرافه في: ١٨٦١، ٢٧٨٤، ٢٨٧٥، ٢٨٧٦]

١٥٢١ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا سَيَّارٌ أَبُو الْحَكَمِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ "مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ"

[الحديث ١٥٢١ - أطرافه في: ١٨١٩، ١٨٢٠]

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ الْحَجِّ الْمَبْرُورِ) قَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: الْمَبْرُورُ الْمَقْبُولُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ شَيْءٌ مِنَ الْإِثْمِ، وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْأَقْوَالُ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي تَفْسِيرِهِ مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى، وَهِيَ أَنَّهُ الْحَجُّ الَّذِي وُفِّيَتْ أَحْكَامُهُ وَوَقَعَ مَوْقِعًا لِمَا طُلِبَ مِنَ الْمُكَلَّفِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ أُخَرُ مَعَ مَبَاحِثِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ فِي بَابِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ، مِنْهَا أَنَّهُ يَظْهَرُ بِآخِرِهِ، فَإِنْ رَجَعَ خَيْرًا مِمَّا كَانَ عُرِفَ أَنَّهُ مَبْرُورٌ. وَلِأَحْمَدَ وَالْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بِرُّ الْحَجِّ؟ قَالَ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ. وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، فَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ دُونَ غَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ) هُوَ الْعَيْشِيُّ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بَصْرِيٌّ وَلَيْسَ أَخًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمَرْوَزِيِّ الْفَقِيهِ الْمَشْهُورِ، وَشَيْخُهُ خَالِدٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ.

قَوْلُهُ: (نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ) وَهُوَ بِفَتْحِ النُّونِ، أَيْ نَعْتَقِدُ وَنَعْلَمُ، وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَا يُسْمَعُ مِنْ فَضَائِلِهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَقَدْ رَوَاهُ جَرِيرٌ، عَنْ صُهَيْبٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ: فَإِنِّي لَا أَرَى عَمَلًا فِي الْقُرْآنِ أَفْضَلَ مِنَ الْجِهَادِ.

قَوْلُهُ: (لَكُنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ) اخْتُلِفَ فِي ضَبْطِ لَكُنَّ فَالْأَكْثَرُ بِضَمِّ الْكَافِ خِطَابٌ لِلنِّسْوَةِ، قَالَ الْقَابِسِيُّ: وَهُوَ الَّذِي تَمِيلُ إِلَيْهِ نَفْسِي. وَفِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ لَكِنْ بِكَسْرِ الْكَافِ وَزِيَادَةِ أَلِفٍ قَبْلَهَا بِلَفْظِ الِاسْتِدْرَاكِ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ فَائِدَةً، لِأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى إِثْبَاتِ فَضْلِ الْحَجِّ وَعَلَى جَوَابِ سُؤَالِهَا عَنِ الْجِهَادِ، وَسَمَّاهُ جِهَادًا لِمَا فِيهِ مِنْ مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ فِي بَابِ حَجِّ النِّسَاءِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ هُنَا كَوْنُهُ جَعَلَ الْحَجَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ:

قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ) هُوَ سَلْمَانُ، وَأَمَّا أَبُو حَازِمٍ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ صَاحِبُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فَلَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَيَّارٍ، أَبُو الْحَكَمِ الرَّاوِي عَنْهُ بِتَقْدِيمِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (مَنْ حَجَّ لِلَّهِ) فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ الْآتِيَةِ قُبَيْلَ جَزَاءِ الصَّيْدِ: مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ جُرَيْجٍ، عَنْ مَنْصُورٍ: مَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْتَ. وَهُوَ يَشْمَلُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ بِلَفْظِ: مَنْ حَجَّ أَوِ اعْتَمَرَ لَكِنْ فِي الْإِسْنَادِ إِلَى الْأَعْمَشِ ضَعْفٌ.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَرْفُثْ) الرَّفَثُ الْجِمَاعُ، وَيُطْلَقُ عَلَى التَّعْرِيضِ بِهِ وَعَلَى الْفُحْشِ فِي الْقَوْلِ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الرَّفَثُ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُرِيدُهُ الرَّجُلُ مِنَ الْمَرْأَةِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَخُصُّهُ بِمَا خُوطِبَ بِهِ النِّسَاءُ. وَقَالَ عِيَاضٌ: هَذَا مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ﴾ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي الْآيَةِ الْجِمَاعُ. انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَإِلَيْهِ نَحَا الْقُرْطُبِيُّ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي الصِّيَامِ: فَإِذَا كَانَ صَوْمُ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثُ.

(فَائِدَةٌ): فَاءُ الرَّفَثِ مُثَلَّثَةٌ فِي الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ، وَالْأَفْصَحُ الْفَتْحُ فِي الْمَاضِي، وَالضَّمُّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَفْسُقْ) أَيْ لَمْ يَأْتِ بِسَيِّئَةٍ وَلَا مَعْصِيَةٍ، وَأَغْرَبَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ، فَقَالَ: إِنَّ لَفْظَ الْفِسْقِ لَمْ يُسْمَعْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا فِي أَشْعَارِهِمْ، وَإِنَّمَا هُوَ إِسْلَامِيٌّ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْقُرْآنِ، وَحِكَايَتُهُ عَمَّنْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَصْلُهُ انْفَسَقَتِ الرُّطَبَةُ إِذَا خَرَجَتْ، فَسُمِّيَ الْخَارِجُ عَنِ الطَّاعَةِ فَاسِقًا.

قَوْلُهُ: (رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) أَيْ بِغَيْرِ ذَنْبٍ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

السِّياق، أي: ليس لكُنَّ الجهاد، ولكنْ (١) أفضل منه في حقِّكن حجٌّ مبرورٌّ، وقول الزَّركشيِّ: «لكُنَّ»: بضمِّ الكاف وتشديد النُّون، والوجه حينئذٍ رفع «أفضلُ» على أنَّه مبتدأٌ خبره: «حجٌّ مبرورٌ»، تعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ بأنَّه ظنَّ أنَّ «لَكُنَّ» ظرف فهو متعلِّقٌ بـ «أفضل» أي: أفضل الجهاد لكُنَّ حجٌّ مبرورٌ، والمانع من ذلك قائمٌ، فالصَّواب أنَّ الخبر قوله: «لَكُنَّ»، وأمَّا «حجٌّ مبرورٌ» فخبرٌ لمبتدأٍ (٢) محذوفٍ، أي: هو حجٌّ مبرورٌ.

ورواة هذا الحديث ما بين مروزيٍّ وبصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه (٣): رواية المرأة عن خالتها، فإنَّ عائشةَ أمَّ المؤمنين خالةُ عائشة بنت طلحة لأنَّ أمَّها أمُّ كلثومٍ بنت أبي بكرٍ الصِّدِّيق، وأخرجه أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٨٦١] و «الجهاد» [خ¦٢٧٨٤]، والنَّسائيُّ في «الحجِّ»، وكذا ابن ماجه.

١٥٢١ - وبه قال (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي أياسٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا سَيَّارٌ) بفتح السِّين المهملة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة (أَبُو الحَكَمِ) العَنَزِيُّ -بنونٍ وزايٍ- وأبوه يُكنَّى أبا سيَّارٍ، واسمه: وردان (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، سَلْمان -بفتح السِّين وسكون اللَّام- الأشجعيَّ، وليس هو أبا حازمٍ سلمة بن دينارٍ، صاحب سهل بن سعدٍ لأنَّه لم يسمع من أبي هريرة (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ) بلفظ الماضي كالذي (٤) قبله: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: مَنْ حَجَّ لِلَّهِ) وللمؤلِّف فيما يأتي: «من حجَّ هذا البيت» [خ¦١٨١٩] ولمسلمٍ: «من أتى هذا البيت»، وهو يشمل الإتيان للحجِّ والعمرة، وللدَّارقطنيِّ من طريق الأعمش عن أبي حازمٍ بسندٍ فيه ضعفٌ إلى الأعمش: «من حجَّ أو اعتمر» (فَلَمْ يَرْفَُِثْ) بتثليث الفاء في المضارع والماضي، لكنَّ الأفصحَ الضَّمُّ في المضارع، والفتح في الماضي، أي:

الجماع أو الفحش في القول، أو خطاب الرَّجل المرأة فيما يتعلَّق بالجماع، وقال الأزهريُّ: كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ ما يريده الرَّجل من المرأة (وَلَمْ يَفْسُقْ) لم يأتِ بسيِّئةٍ ولا معصيةٍ، وقال سعيد بن جُبيرٍ في قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] الرَّفث: إتيان النِّساء، والفسوق: السِّباب، والجدال: المراء؛ يعني: مع الرُّفقاء والمُكَارِين (١)، ولم يذكر في الحديث الجدال في الحجِّ اعتمادًا على الآية، ويحتمل أن يكون ترك الجدال قصدًا لأنَّ وجوده لا يؤثِّر في ترك مغفرة ذنوب الحاجِّ إذا كان المراد به المجادلة في أحكام الحجِّ لما يظهر من الأدلَّة، أو المجادلة بطريق التَّعميم لا تؤثِّر أيضًا لأنَّ الفاحش منها دخل في عموم الرَّفث، والحسن منها ظاهرٌ في عدم التَّأثير، والمستوي الطَّرفين لا يؤثِّر أيضًا، قاله في «فتح الباري». والفاء في قوله: «فلم يرفث» عطفٌ على الشَّرط، وجوابه: (رَجَعَ) أي: من ذنوبه (كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) بجرِّ «يومِ»: على الإعراب، وبفتحه: على البناء، وهو المختار في مثله لأنَّ صدر الجملة المضاف إليها مبنيٌّ، أي: رجع مشابهًا لنفسه في أنَّه يخرج بلا ذنبٍ كما خرج بالولادة، وهو يشمل الصَّغائر والكبائر والتَّبعات، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو من أقوى الشَّواهد لحديث العبَّاس بن مِرْداسٍ المصرِّح بذلك، وله شاهدٌ من حديث ابن عمر في «تفسير الطَّبريِّ». انتهى. لكن قال الطَّبريُّ: إنَّه محمولٌ بالنِّسبة إلى المظالم على من تاب (٢) وعجز عن وفائها، وقال التِّرمذيُّ: هو مخصوصٌ بالمعاصي المتعلِّقة بحقوق الله خاصَّةً دون العباد، ولا (٣) تسقط الحقوق أنفسها، فمن كان عليه صلاةٌ أو كفَّارةٌ ونحوها من حقوق الله تعالى لا تسقط عنه لأنَّها حقوقٌ لا ذنوبٌ، إنَّما الذُّنوب تأخيرها، فنفس التَّأخير يسقط بالحجِّ، لا هي أنفسها، فلو أخَّرها بعده تجدَّد إثمٌ آخر، فالحجَّ المبرور يُسقِط إثم المخالفة لا الحقوق.

(٥) (بَابُ فَرْضِ مَوَاقِيتِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ) المكانيَّة، جمع ميقاتٍ «مِفْعَالٍ» من الوقت المحدود،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

القَاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ عَن عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّهَا قالَتْ يَا رسولَ الله اعْتَمَرْتُمْ ولَمْ أعْتَمِرْ فَقَالَ يَا عَبْدَ الرَّحْمانِ اذْهَبْ بِأُخْتِكَ فأعْمِرْها مِنَ التَّنْعِيمِ فأحْقَبَهَا عَلى ناقَةٍ فاعْتَمَرَتْ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فأحقبها) ، لِأَن مَعْنَاهُ: حملهَا على حقيبة الرحل.

ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: عَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن عَليّ الفلاس. الثَّانِي: أَبُو عَاصِم النَّبِيل واسْمه الضَّحَّاك بن مخلد. الثَّالِث: أَيمن، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْمِيم وَفِي آخِره نون: ابْن نابل، بالنُّون وَبعد الْألف بَاء مُوَحدَة وباللام: العابد الزَّاهِد الْفَاضِل، وَكَانَ لَا يفصح لما فِيهِ من اللكنة. الرَّابِع: الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق. الْخَامِس: عَائِشَة.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَشَيخ شَيْخه أَيْضا، وَلكنه روى عَنهُ بالواسطة وَهُوَ أَيْضا بَصرِي، وأيمن مكي تَابِعِيّ وَالقَاسِم مدنِي. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية. وَفِيه: رِوَايَة الرجل عَن عمته.

والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الْحَج عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن مُعْتَمر (عَن أَيمن نَحوه، أَنَّهَا قَالَت: يَا رَسُول الله! تخرج نساؤك بِعُمْرَة وَحجَّة وَأَنا أخرج بِحجَّة؟ قَالَ: يَا عبد الرَّحْمَن. .) فَذكره.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فأعمرها) ، بِقطع الْهمزَة أَمر من الإعمار. قَوْله: (فأحقبها) أَي: أردفها أَي: أحقب عبد الرَّحْمَن عَائِشَة، وَمِنْه سمي المردف: الحقب، والمحقب حَبل يشد بِهِ الرحل إِلَى بطن الْبَعِير.

٤ - (بابُ فَضْلِ الحَجِّ المَبْرُورِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْحَج المبرور أَي: المقبول، قَالَه ابْن خالويه، وَقَالَ غَيره: الْحَج المبرور الَّذِي لَا يخالطه شَيْء من المأثم، وَهُوَ من الْبر وَهُوَ اسْم جَامع للخير، يُقَال: بر عمله وبر عمله، بِفَتْح الْبَاء وَضمّهَا، بريرا وبرورا، وأبره الله تَعَالَى. قَالَ الْفراء: بُر حجَّة، فَإِذا قَالُوا: أبر الله حجك قَالُوهُ بِالْألف. وَقَالَ ثَعْلَب: بر حجك لِأَن الْعَامَّة تَقول: بر حجك، بِفَتْح الْبَاء، يجْعَلُونَ الْفِعْل لِلْحَجِّ، وَإِنَّمَا الْحَج مفعول بِهِ مبرور وَلَيْسَ ببار، وَحكى أَبُو عبيد واللحياني وَابْن التياني وَأَبُو الْمعَانِي وَأَبُو نصر فِي آخَرين: بر، بِفَتْح الْبَاء.

٩١٥١ - حدَّثنا عَبْدُ العَزيزِ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سَعِيدٍ ابنِ المُسَيَّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ سُئِلَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أيُّ الأعْمَالِ أفْضَلُ قالَ إيمَانٌ بِاللَّه ورسُولِهِ قِيلَ ثُمَّ ماذَا قَالَ جِهَادٌ فِي سَبِيلِ الله قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ حَجٌّ مَبْرُورٌ.

(انْظُر الحَدِيث ٦٢) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث تقدم فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب من قَالَ إِن الْإِيمَان هُوَ الْعَمَل، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أَحْمد بن يُونُس ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل كِلَاهُمَا عَن إِبْرَاهِيم بن سعد إِلَى آخِره، وَهَهُنَا أخرجه: عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله ابْن يحيى بن عَمْرو أَبُو الْقَاسِم الْقرشِي العامري الأويسي الْمدنِي. وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ وَبَقِيَّة الْكَلَام مرت هُنَاكَ.

٠٢٥١ - حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ المُبَارَكِ قَالَ حدَّثنا خالِدٌ قَالَ أخبرنَا حَبِيبُ بنُ أبي عَمْرَةَ عنْ عائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عنْ عائِشَةَ أُمِّ المؤْمِنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّها قالَتْ يَا رسولَ الله نَرَي الجِهَادَ أفْضَلَ العمَلَ أفَلَا نُجَاهِدُ قَالَ لَا لاكِنْ أفْضلَ الجِهادِ حَجٌّ مَبرُورٌ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: عبد الرَّحْمَن بن الْمُبَارك بن عبد الله العيشي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة. الثَّانِي: خَالِد بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الطَّحَّان. الثَّالِث: حبيب ابْن أبي عمْرَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم وَفتح الرَّاء وَفِي آخرهَا هَاء: القصاب. الرَّابِع: عَائِشَة بنت طَلْحَة بنت

عبيد الله التميمية القرشية، وَكَانَت من أجمل نسَاء قُرَيْش، أصدقهَا مُصعب بن الزبير ألف ألف دِرْهَم. الْخَامِس: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة الصديقة.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَنه لَيْسَ أَخا لعبد الله بن الْمُبَارك الْفَقِيه الْمَشْهُور فَإِنَّهُ مروزي وَشَيخ البُخَارِيّ بَصرِي من بني عَيْش. وَفِيه: أَن خَالِدا واسطي وَأَن حبيبا كُوفِي وَأَن عَائِشَة بنت طَلْحَة مَدَنِيَّة. وَفِيه: رِوَايَة التابعية عَن الصحابية. وَفِيه: رِوَايَتهَا عَن خَالَتهَا، فَإِن عَائِشَة الصديقة خَالَة عَائِشَة بنت طَلْحَة لِأَن أمهَا أم كُلْثُوم بنت أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد: عَن مُسَدّد عَن خَالِد بن عبد الله، وَفِي الْحَج أَيْضا: عَن مُسَدّد عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد، وَفِي الْجِهَاد أَيْضا: عَن قبيصَة عَن سُفْيَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن جرير عَن حبيب بن أبي عمْرَة نَحوه. وَأخرجه ابْن مَاجَه، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَفلا نجاهد؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الإستخبار. قَوْله: (قَالَ: لَا) ، أَي: لَا تجاهدن، قَوْله: (لَكِن) ، فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِضَم الْكَاف وَالنُّون لجَماعَة النِّسَاء خطابا لَهُنَّ، وَقَالَ الْقَابِسِيّ: هَذَا هُوَ الَّذِي تميل إِلَيْهِ نَفسِي، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ: (وَلَكِن) ، بِكَسْر الْكَاف وَزِيَادَة الْألف قبلهَا بِلَفْظ الِاسْتِدْرَاك. قلت: فعلى هَذِه الرِّوَايَة اسْم لَكِن هُوَ قَوْله: (أفضل الْجِهَاد) بِالنّصب وخبرها هُوَ قَوْله: (حج مبرور) ، والمستدرك مِنْهُ يُسْتَفَاد من السِّيَاق تَقْدِيره: لَيْسَ لَكِن الْجِهَاد وَلَكِن أفضل الْجِهَاد فِي حقكن حج مبرور، وعَلى الرِّوَايَة الأولى: أفضل الْجِهَاد مَرْفُوع على الِابْتِدَاء وَخَبره هُوَ قَوْله: لَكِن، تَقْدِيره: أفضل الْجِهَاد لَكِن حج مبرور، وَفِي لفظ النَّسَائِيّ: (أَلا نخرج فنجاهد مَعَك؟ . . فَإِنِّي لَا أرى عملا فِي الْقُرْآن الْعَظِيم أفضل من الْجِهَاد؟ فَقَالَ: لَكِن أحسن الْجِهَاد وأجمله حج الْبَيْت حج مبرور) . وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: (عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قلت: يَا رَسُول الله! هَل على النِّسَاء جِهَاد؟ قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: عَلَيْهِنَّ جِهَاد لَا قتال فِيهِ: الْحَج وَالْعمْرَة) . وَعِنْده أَيْضا عَن أم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الْحَج جِهَاد كل ضَعِيف) . وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ رَحمَه الله تَعَالَى، بِسَنَد لَا بَأْس بِهِ عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (جِهَاد الْكَبِير وَالصَّغِير والضعيف وَالْمَرْأَة: الْحَج وَالْعمْرَة) . وَإِنَّمَا قيل لِلْحَجِّ جِهَاد لِأَنَّهُ يُجَاهد فِي نَفسه بالكف عَن شهواتها والشيطان وَدفع الْمُشْركين عَن الْبَيْت باجتماع الْمُسلمين إِلَيْهِ من كل نَاحيَة.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ الْمُهلب: فِي هَذَا وَفِي إِذن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لَهُنَّ بِالْحَجِّ إبِْطَال إفْك المشغبين وَكذب الرافضة فِيمَا اختلقوه من الْكَذِب من أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لأزواجه: هَذِه، ثمَّ ظُهُور الْحصْر) وَهَذَا ظَاهر الاختلاق لِأَنَّهُ حضهن على الْحَج وبشرهن أَنه أفضل جهادهن، وَإِذن عمر لَهُنَّ، وسير عُثْمَان مَعَهُنَّ حجَّة قَاطِعَة على مَا كذب بِهِ على النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أَمر أم الْمُؤمنِينَ، وَكَذَا قَوْلهم عَنهُ: إِنَّه قَالَ لَهَا: تقاتلي عليا وَأَنت لَهُ ظالمة، فَإِنَّهُ لَا يَصح. انْتهى.

قَوْله: (وَأذن عمر لَهُنَّ وسير عُثْمَان مَعَهُنَّ) أَرَادَ بِهِ الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى فِي: بَاب حج النِّسَاء فِي أَوَاخِر كتاب الْحَج، قَالَ: قَالَ لي أَحْمد بن مُحَمَّد: (حَدثنَا إِبْرَاهِيم عَن أَبِيه عَن جده: أذن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لِأَزْوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي آخر حجَّة حَجهَا، فبعص مَعَهُنَّ عُثْمَان بن عَفَّان وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم) . قلت: إِنْكَار الْمُهلب قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: هَذِه ثمَّ ظُهُور الْحصْر لَا وَجه لَهُ، فَإِن أَبَا دَاوُد رَوَاهُ فِي (سنَنه) وَقَالَ: حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد النُّفَيْلِي، قَالَ: حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد عَن زيد بن أسلم عَن أبي وَاقد اللَّيْثِيّ عَن أَبِيه، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول لأزواجه فِي حجَّة الْوَدَاع: هَذِه ثمَّ ظُهُور الْحصْر، قَالَ ابْن الْأَثِير: وَفِي الحَدِيث (أفضل الْجِهَاد وأجمله حج مبرور ثمَّ لُزُوم الْحصْر) . وَفِي رِوَايَة أَنه قَالَ لأزواجه: (هَذِه ثمَّ لُزُوم الْحصْر) أَي: إنكن لَا تعدن تخرجن من بيوتكن وتلزمن الْحصْر، هِيَ: جمع الْحَصِير الَّذِي يبسط فِي الْبَيْت، وتضم الصَّاد وتسكن تَخْفِيفًا.

وَأما حَدِيث: تقاتلي عليا وَأَنت لَهُ ظالمة، فَلَيْسَ بِمَعْرُوف، وَالْمَعْرُوف أَن

هَذَا قَالَه للزبير بن الْعَوام، وَالله أعلم، وَسَنَد حَدِيثه ضَعِيف، وَقَالَ الْمُهلب أَيْضا، قَوْله: (لَكِن أفضل الْجِهَاد حج مبرور) تَفْسِير قَوْله: {وَقرن فِي بيوتكن وَلَا تبرجن} (الْأَحْزَاب: ٣٣) . الْآيَة لَيْسَ على الْفَرْض لملازمة الْبيُوت كَمَا زعم من أَرَادَ تنقيص أم الْمُؤمنِينَ فِي خُرُوجهَا إِلَى الْعرَاق للإصلاح بَين الْمُسلمين، وَهَذَا الحَدِيث يخرج الْآيَة عَمَّا تأولوها، لِأَنَّهُ قَالَ: (لَكِن أفضل الْجِهَاد حج مبرور) فَدلَّ أَن لَهُنَّ جهادا غير الْحَج، وَالْحج أفضل مِنْهُ. فَإِن قيل: النِّسَاء لَا يحل لَهُنَّ الْجِهَاد؟ قيل لَهُ: قَالَت حَفْصَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: قدمت علينا امْرَأَة غزت مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سِتّ غزوات، وَقَالَت: كُنَّا نداوي الكلمى ونقوم على المرضى. وَفِي (الصَّحِيح) : وَكَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا إراد الْغَزْو أَقرع بَين نِسَائِهِ فأيتهن خرج سهمها غزا بهَا. وَقَالَ ابْن بطال: وَإِنَّمَا جعل الْجِهَاد حَدِيث أبي هُرَيْرَة أفضل من الْحَج لِأَن ذَلِك كَانَ فِي أول الْإِسْلَام وقلته، وَكَانَ الْجِهَاد فرضا مُتَعَيّنا على كل أحد، فَأَما إِذا ظهر الْإِسْلَام وَفَشَا وَصَارَ الْجِهَاد من فروض الْكِفَايَة على من قَامَ بِهِ، فالحج حِينَئِذٍ أفضل، ألَاّ ترى قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعَائِشَة: (أفضل جهادكن الْحَج) ، لما لم تكن من أهل الْغناء وَالْجهَاد للْمُشْرِكين، فَإِن حل الْعَدو ببلدة واجتيج إِلَى دَفعه وَكَانَ لَهُ ظهورة وَقُوَّة وَخيف مِنْهُ فرض الْجِهَاد على الْأَعْيَان كَانَ أفضل من الْحَج.

١٢٥١ - حدَّثنا آدَمُ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا سَيَّارٌ أَبُو الحَكَمِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا حازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ سَمِعْتُ النبيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقُولُ مَنْ حَجَّ لله فلَمْ يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسُقْ رجَعَ كَيَوْمِ ولَدَتْهُ أمُّهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (رَجَعَ كَمَا وَلدته أمه) .

ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: آدم بن أبي إِيَاس. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: سيار، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبعد الْألف رَاء على وزن فعال، فَقَالَ أَبُو الحكم: بِفتْحَتَيْنِ، مر فِي أول التَّيَمُّم. الرَّابِع: أَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: اسْمه سُلَيْمَان الْأَشْجَعِيّ مَاتَ فِي أَيَّام عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأما أَبُو حَازِم سَلمَة بن دِينَار صَاحب سهل بن سعد فَلم يسمع من أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: راويان مذكوران بالكنية أَحدهمَا باسمه. وَفِيه: راويان ذكرا بِلَا نِسْبَة إِلَى الْأَب، وَفِيه: أَن شَيْخه من خُرَاسَان وَسكن عسقلان وَشعْبَة وسيار واسطيان وَأَبُو حَازِم كُوفِي.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم عَن هشيم بن مَنْصُور.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (من حج لله) ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: (من حج هَذَا الْبَيْت) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق جرير عَن مَنْصُور: (من أَتَى هَذَا الْبَيْت) ، وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق الْأَعْمَش عَن أبي حَازِم بِلَفْظ: (من حج أَو اعْتَمر) ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن مَسْعُود: (تابعوا بَين الْحَج وَالْعمْرَة فَإِنَّهُمَا ينفيان الْفقر والذنُوب كَمَا يَنْفِي الْكِير خبث الْحَدِيد وَالذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَيْسَ لِلْحَجِّ المبرور ثَوَاب دون الْجنَّة) . وَفِي رِوَايَة أَحْمد من حَدِيث جَابر: (الْحَج المبرور لَيْسَ لَهُ جَزَاء إلَاّ الْجنَّة، قَالُوا: يَا رَسُول الله! مَا الْحَج المبرور؟ قَالَ: إطْعَام الطَّعَام وإفشاء السَّلَام، وَفِيه مقَال) ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: هَذَا حَدِيث مُنكر يشبه الْمَوْضُوع، وَفِي رِوَايَة الْحَاكِم من حَدِيث جَابر: (سُئِلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا بر الْحَج؟ قَالَ إطْعَام الطَّعَام وَطيب الْكَلَام) . وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ. قَوْله: (فَلم يرْفث) ، بِضَم الْفَاء وَكسرهَا، الْفَاء فِيهِ عطف على الشَّرْط، أَعنِي قَوْله: (من) ، وَيَرْفث بِضَم الْفَاء وَكسرهَا وَفتحهَا، والأفصح الْفَتْح فِي الْمَاضِي، وَالضَّم فِي الْمُسْتَقْبل. وَقَالَ ابْن سَيّده: الرَّفَث: الْجِمَاع، وَقد رفث إِلَيْهَا ورفث فِي كَلَامه يرْفث رفثا وأرفث: أفحش، والرفث: التَّعْرِيض بِالنِّكَاحِ. وَفِي (الْجَامِع) : الرَّفَث اسْم جَامع لكل شَيْء مِمَّا يُرِيد الرجل من الْمَرْأَة. قَوْله: (وَلم يفسق) ، الْفسق الْعِصْيَان وَالتّرْك لأمر الله تَعَالَى، وَالْخُرُوج عَن طَرِيق الْحق. فسق يفسق ويفسق فسقا وفسوقا، وَفسق، بِالضَّمِّ عَن اللحياني، وَقَالَ: رَوَاهُ الْأَحْمَر وَلم يعرفهُ الْكسَائي. وَقيل: الْفسق الْخُرُوج عَن الدّين، وَرجل فَاسق وفسيق وَفسق، وَيُقَال فِي الْمَرْء: يَا فسق، وللأنثى يَا فساق، وَالْفِسْق الْخُرُوج عَن الْأَمر، ذكره ابْن سَيّده. وَقَالَ الْقَزاز: أَصله من قَوْلهم: انفسقت

الرّطبَة إِذا أخرجت من قشرها، فَسُمي بذلك الْفَاسِق لِخُرُوجِهِ من الْخَيْر وانسلاخه مِنْهُ. وَقيل: الْفَاسِق الْجَائِز. قَالُوا: وَالْفِسْق والفسوق فِي الدّين اسْم إسلامي لم يسمع فِي الْجَاهِلِيَّة وَلَا يُوجد فِي أشعارهم، وَإِنَّمَا هُوَ مُحدث سمي بِهِ الْخَارِج عَن الطَّاعَة بعد نزُول الْقُرْآن الْعَظِيم. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: لم يسمع قطّ فِي كَلَام الْجَاهِلِيَّة وَلَا فِي شعرهم: فَاسق، وَهَذَا عَجِيب، وَهُوَ كَلَام عَرَبِيّ. قَوْله: (رَجَعَ كَيَوْم وَلدته أمه) أَي: رَجَعَ مشابها لنَفسِهِ فِي الْبَراء من الذُّنُوب فِي يَوْم وَلدته أمه، وَرجع بِمَعْنى: صَار، جَوَاب الشَّرْط. وَلَفظ: (كَيَوْم) يجوز فِيهِ الْبناء على الْفَتْح. فَإِن قلت: ذكر هُنَا الرَّفَث والفسوق وَلم يذكر الْجِدَال، كَمَا فِي الْقُرْآن؟ قلت: اعْتِمَادًا على الْآيَة، وَالله أعلم.

٥ - (بابُ فَرْضِ مَوَاقِيتِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فرض مَوَاقِيت الْحَج وَالْعمْرَة، وَالْفَرْض هُنَا يجوز أَن يكون بِمَعْنى التَّقْدِير، وَأَن يكون بِمَعْنى الْوُجُوب. وَقَالَ بَعضهم: الظَّاهِر بِمَعْنى الْوُجُوب وَهُوَ نَص البُخَارِيّ، وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ بقوله فِي: بَاب مِيقَات أهل الْمَدِينَة: وَلَا يهلوا قبل ذِي الحليفة. قلت: قَوْله: (وَلَا يهلوا، قبل ذِي الحليفة) لَا يدل على عدم جَوَاز الإهلال من قبل ذِي الحليفة، لاحْتِمَال أَن يكون ذَلِك ترك الِاسْتِحْبَاب فِي الإهلال قبل ذِي الحليفة، وَأَن يكون معنى قَوْله: (وَلَا يهلوا) : وَلَا يسْتَحبّ لَهُم أَن يهلوا قبل ذِي الحليفة أَلا ترى أَن الْجُمْهُور جوزوا التَّقَدُّم على الْمَوَاقِيت، على أَن ابْن الْمُنْذر نقل الْإِجْمَاع على الْجَوَاز فِي التَّقَدُّم عَلَيْهَا. وَمذهب طَائِفَة من الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة: الْأَفْضَل فِي التَّقَدُّم، وَالْمَنْقُول عَن مَالك كَرَاهَة ذَلِك لَا يدل على أَنه يرى عدم الْجَوَاز، وَكَذَلِكَ الْمَنْقُول عَن عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه كره أَن يحرم من خُرَاسَان. فَإِن قلت: نقل عَن إِسْحَاق وَدَاوُد عدم الْجَوَاز. قلت: مخالفتهما لِلْجُمْهُورِ لَا تعْتَبر، وَلَئِن سلمنَا ذَلِك فَمن أَيْن علم أَن البُخَارِيّ مَعَهُمَا فِي ذَلِك؟ فَإِن قلت: تنصيصه فِي التَّرْجَمَة على لفظ الْفَرْض يدل على أَنه يرى ذَلِك. قلت: لَا نسلم لاحْتِمَال أَن يكون أَرَادَ بِالْفَرْضِ معنى التَّقْدِير، بل الرَّاجِح هَذَا لِأَنَّهُ وَقع فِي بعض النّسخ: بَاب فضل مَوَاقِيت الْحَج وَالْعمْرَة، وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَيُؤَيِّدهُ الْقيَاس على الْمِيقَات الزماني، فقد أَجمعُوا على أَنه لَا يجوز التَّقَدُّم عَلَيْهِ. قلت: لَا نسلم صِحَة هَذَا الْقيَاس لوُجُود الْفَارِق وَهُوَ أَن الْمِيقَات الزماني مَنْصُوص عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ، بِخِلَاف الْمِيقَات المكاني. ثمَّ إعلم أَن الْمَوَاقِيت جمع: مِيقَات، على وزن: مفعال، وَأَصله موقات قلبت الْوَاو يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا، من: وَقت الشَّيْء يقته، إِذا بَين حَده، وَكَذَا وقته يوقته، ثمَّ اتَّسع فِيهِ فَأطلق على الْمَكَان، فَقيل للموضع: مِيقَات، والميقات يُطلق على الزماني والمكاني، وَهَهُنَا المُرَاد المكاني.

٢٢٥١ - حدَّثنا مالِكُ بنُ إسْماعِيلَ قَالَ حدَّثنا زُهَيْرٌ قَالَ حدَّثني زَيْدُ بنُ جُبَيْرٍ أنَّهُ أَتَى عَبْدَ الله بنَ عُمَر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فِي مَنْزِلِهِ ولَهُ فُسْطَاطٌ وسُرادِقٌ فسَألْتُهُ مِنْ أيْنَ يَجُوزُ أنْ أعْتَمِر قَالَ فرَضَهَا رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنا وَلأِهلِ المَدينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ وَلأِهْلِ الشأمِ الجُحْفَةَ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، فَإِن فِيهِ بَيَان تَوْقِيت لأهل هَذِه الْأَمَاكِن الثَّلَاثَة.

ذكر رِجَاله: وهم: أَرْبَعَة: الأول: مَالك بن إِسْمَاعِيل أَبُو غَسَّان، مر فِي: بَاب المَاء الَّذِي يغسل بِهِ شعر الْإِنْسَان. الثَّانِي: زُهَيْر، بِضَم الزَّاي وَفتح الْهَاء مصغر الزهر: ابْن مُعَاوِيَة الْجعْفِيّ، مر فِي: بَاب لَا يستنجي بروث. الثَّالِث: زيد بن جُبَير، بِضَم الْجِيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن حرمل الْجُشَمِي، من بني جشم بن مُعَاوِيَة. الرَّابِع: عبد الله بن عمر.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: السُّؤَال. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته الثَّلَاثَة كوفيون. وَفِيه: أَن زيد بن جُبَير لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَفِي الروَاة زيد بن جبيرَة، بِفَتْح الْجِيم وَزِيَادَة هَاء فِي آخِره، لم يخرج لَهُ البُخَارِيّ شَيْئا.

وَهَذَا الحَدِيث بِهَذَا الْوَجْه من أَفْرَاد البُخَارِيّ، رَحمَه الله.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَله فسطاط) ، هُوَ بَيت من شعر، وَفِيه سِتّ لُغَات: فسطاط وفستاط وفساط، بِالضَّمِّ وَالْكَسْر فِيهِنَّ، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ فِيمَا مضى. قَوْله: (وسرادق) ، هِيَ وَاحِدَة السرادقات الَّتِي تحد فَوق صحن الدَّار، وكل بَيت من كُرْسُف فَهُوَ سرادق، وكل مَا أحَاط بِشَيْء فَهُوَ سرادق، وَمِنْه: {وأحاط بهم سرادقها} (الْكَهْف: ٩) . وَقيل: السرادق مَا يَجْعَل حول الخباء بَينه وَبَينه فسحة كالحائط، وَنَحْوه، وَظَاهره أَن ابْن عمر كَانَ مَعَه أَهله وَأَرَادَ سترهم بذلك لَا للتفاخر. قَوْله: (فَسَأَلته) ، فِيهِ الْتِفَات لِأَنَّهُ قَالَ أَولا: إِنَّه أَتَى ابْن عمر، فَكَانَ السِّيَاق يَقْتَضِي أَن يَقُول: فَسَأَلَهُ، وَوَقع عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ: فَدخلت عَلَيْهِ فَسَأَلته. قَوْله: (فَرضهَا) ، أَي: قدرهَا وبيَّنها، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى الْمَوَاقِيت بِالْقَرِينَةِ الحالية، قَالَ بَعضهم: وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد: أوجبهَا، وَبِه يتم مُرَاد المُصَنّف، وَيُؤَيِّدهُ قرينَة قَول السَّائِل: من أَيْن يجوز؟ قلت: من أَيْن علم أَن البُخَارِيّ فرض الإهلال من مِيقَات من الْمَوَاقِيت حَتَّى يكون تَفْسِير قَوْله: فَرضهَا، بِمَعْنى: أوجبهَا حَتَّى يتم مُرَاده.

قَوْله: (لأهل نجد) ، النجد فِي اللُّغَة: مَا أشرف من الأَرْض واستوى، وَيجمع على: أنجد وأنجاد ونجود ونجد، بِضَمَّتَيْنِ. وَقَالَ الْقَزاز: سمي نجدا لعلوه. وَقيل: سمي بذلك لصلابة أرضه وَكَثْرَة حجارته وصعوبته، من قَوْلهم: رجل نجد إِذا كَانَ قَوِيا شَدِيدا. وَقيل: يُسمى نجد الْفَزع من يدْخلهُ لاستيحاشه واتصال فزع السالكين لَهُ، من قَوْلهم: رجل نجد، إِذا كَانَ فَزعًا، ونجد مُذَكّر. وَلَو أنثه أحد ورده على الْبَلَد لجَاز لَهُ ذَلِك، وَالْعرب تَقول: نجد ونجد، بِفَتْح النُّون وَضمّهَا. وَقَالَ الْكَلْبِيّ فِي (أَسمَاء الْبلدَانِ) : مَا بَين الْحجاز إِلَى الشَّام إِلَى العذيب إِلَى الطَّائِف، فالطائف من نجد وَأَرْض الْيَمَامَة والبحرين إِلَى عمان، وَقَالَ أَبُو عمر: نجد، مَا بَين جرش إِلَى سَواد الْكُوفَة، وحدَّه مِمَّا يَلِي الْمغرب: الْحجاز، وَعَن يسَار الْكَعْبَة الْيمن، ونجد كلهَا من عمل الْيَمَامَة. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: نجد مَا بَين العذيب إِلَى ذَات عرق وَإِلَى الْيَمَامَة وَإِلَى جبل طَيء وَإِلَى وجرة وَإِلَى الْيمن، وَالْمَدينَة لَا تهامية وَلَا نجدية، فَإِنَّهَا وفْق الْغَوْر وَدون نجد. وَقَالَ الْحَازِمِي: نجد: إسم للْأَرْض العريضة الَّتِي أَعْلَاهَا تهَامَة واليمن وَالْعراق وَالشَّام. وَقَالَ السكرِي: حد نجد ذَات عرق من نَاحيَة الْحجاز، كَمَا يَدُور الْجبَال مَعهَا إِلَى جبال الْمَدِينَة، وَمَا وَرَاء ذَلِك ذَات عرق إِلَى تهَامَة. وَقَالَ الْخطابِيّ نجد نَاحيَة الْمشرق، وَمن كَانَ بِالْمَدِينَةِ كَانَ نجده بادية الْعرَاق ونواحيها، وَهِي مشرق أَهلهَا. وَذكر فِي (الْمُنْتَهى) : نجد من بِلَاد الْعَرَب، وَهُوَ خلاف الْغَوْر أَعنِي: تهَامَة وكل مَا ارْتَفع من تهَامَة إِلَى أَرض الْعرَاق فَهُوَ نجد. قَوْله: (قرنا) بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الرَّاء، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: هُوَ بِفَتْحِهَا، وغلطوه، وَقَالَ الْقَابِسِيّ: من قَالَ بِالسُّكُونِ أَرَادَ الْجَبَل المشرف على الْموضع، وَمن قَالَ بِالْفَتْح أَرَادَ الطَّرِيق الَّذِي يعرف مِنْهُ، فَإِنَّهُ مَوضِع فِيهِ طرق مُتَفَرِّقَة. وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي (شرح الْمسند) : وَكَثِيرًا مَا يَجِيء فِي أَلْفَاظ الْفُقَهَاء وَغَيرهم بِفَتْحِهَا، وَلَيْسَ بِصَحِيح. وَقَالَ ابْن التِّين: روناه بِالسُّكُونِ، وَعَن الشَّيْخ أبي الْحسن أَن الصَّوَاب فتحهَا، وَعَن الشَّيْخ أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن: إِن قلت: قرن الْمنَازل، أسكنته، وَإِن قلت: قرنا، فتحت. قلت: لما قَالَه الْجَوْهَرِي بالفتج، وَمِنْه أويس الْقَرنِي، وَقَالَ النسابون: أُويس مَنْسُوب إِلَى قرن، بالفتج: اسْم قَبيلَة، وَهُوَ على يَوْم وَلَيْلَة من مَكَّة. وَقَالَ ابْن قرقول: هُوَ قرن الْمنَازل وَقرن الثعالب وَقرن غير مُضَاف، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَة كتبت بِدُونِ الْألف، فَهُوَ إِمَّا بِاعْتِبَار العلمية والتأنيث، وَإِمَّا على اللُّغَة الربيعية حَيْثُ يقفون على الْمنون بِالسُّكُونِ فَيكْتب بِدُونِ الْألف، لَكِن يقْرَأ بِالتَّنْوِينِ. انْتهى. قلت: على الْوَجْه الأول هُوَ غير منصرف للعلمية والتأنيث، فَلَا يقْرَأ بِالتَّنْوِينِ.

قَوْله: (ذَا الحليفة) أَي: عين لأهل الْمَدِينَة ذَا الحليفة، وَقد فسرناها عَن قريب. قَوْله: (وَلأَهل الشَّام الْجحْفَة) ، أَي: قدر الْجحْفَة، وَهِي بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة. وَقَالَ أَبُو عبيد: هِيَ قريبَة جَامِعَة بهَا مِنْبَر، بَينهَا وَبَين الْبَحْر سِتَّة أَمْيَال، وغدير خم على ثَلَاثَة أَمْيَال مِنْهَا، وَهِي مِيقَات المتوجهين من الشَّام ومصر وَالْمغْرب، وَهِي على ثَلَاثَة مراحل من مَكَّة أَو أَكثر، وعَلى ثَمَانِيَة مراحل من الْمَدِينَة، سميت بذلك لِأَن السُّيُول أجحفت بِمَا حولهَا. وَقَالَ الْكَلْبِيّ: أخرجت العماليق بني عبيل، وهم أخوة عَاد، من يثرب فنزلوا الْجحْفَة، وَكَانَ اسْمهَا: مهيعة، فَجَاءَهُمْ السَّيْل فأجحفتهم، فسميت الْجحْفَة، وَفِي كتاب (أَسمَاء الْبلدَانِ) : لِأَن سيل الجحاف نزل بهَا. فَذهب بِكَثِير من الْحَاج وبأمتعة النَّاس ورحالهم، فَمن ذَلِك سميت: الْجحْفَة. وَقَالَ أَبُو عبيد، وَقد سَمَّاهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مهيعة، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْهَاء وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالْعين الْمُهْملَة، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: قَالَ بَعضهم

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

[الحديث ١٥٢٠ - أطرافه في: ١٨٦١، ٢٧٨٤، ٢٨٧٥، ٢٨٧٦]

١٥٢١ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا سَيَّارٌ أَبُو الْحَكَمِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ "مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ"

[الحديث ١٥٢١ - أطرافه في: ١٨١٩، ١٨٢٠]

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ الْحَجِّ الْمَبْرُورِ) قَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: الْمَبْرُورُ الْمَقْبُولُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ شَيْءٌ مِنَ الْإِثْمِ، وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْأَقْوَالُ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي تَفْسِيرِهِ مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى، وَهِيَ أَنَّهُ الْحَجُّ الَّذِي وُفِّيَتْ أَحْكَامُهُ وَوَقَعَ مَوْقِعًا لِمَا طُلِبَ مِنَ الْمُكَلَّفِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ أُخَرُ مَعَ مَبَاحِثِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ فِي بَابِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ، مِنْهَا أَنَّهُ يَظْهَرُ بِآخِرِهِ، فَإِنْ رَجَعَ خَيْرًا مِمَّا كَانَ عُرِفَ أَنَّهُ مَبْرُورٌ. وَلِأَحْمَدَ وَالْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بِرُّ الْحَجِّ؟ قَالَ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ. وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، فَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ دُونَ غَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ) هُوَ الْعَيْشِيُّ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بَصْرِيٌّ وَلَيْسَ أَخًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمَرْوَزِيِّ الْفَقِيهِ الْمَشْهُورِ، وَشَيْخُهُ خَالِدٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ.

قَوْلُهُ: (نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ) وَهُوَ بِفَتْحِ النُّونِ، أَيْ نَعْتَقِدُ وَنَعْلَمُ، وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَا يُسْمَعُ مِنْ فَضَائِلِهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَقَدْ رَوَاهُ جَرِيرٌ، عَنْ صُهَيْبٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ: فَإِنِّي لَا أَرَى عَمَلًا فِي الْقُرْآنِ أَفْضَلَ مِنَ الْجِهَادِ.

قَوْلُهُ: (لَكُنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ) اخْتُلِفَ فِي ضَبْطِ لَكُنَّ فَالْأَكْثَرُ بِضَمِّ الْكَافِ خِطَابٌ لِلنِّسْوَةِ، قَالَ الْقَابِسِيُّ: وَهُوَ الَّذِي تَمِيلُ إِلَيْهِ نَفْسِي. وَفِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ لَكِنْ بِكَسْرِ الْكَافِ وَزِيَادَةِ أَلِفٍ قَبْلَهَا بِلَفْظِ الِاسْتِدْرَاكِ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ فَائِدَةً، لِأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى إِثْبَاتِ فَضْلِ الْحَجِّ وَعَلَى جَوَابِ سُؤَالِهَا عَنِ الْجِهَادِ، وَسَمَّاهُ جِهَادًا لِمَا فِيهِ مِنْ مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ فِي بَابِ حَجِّ النِّسَاءِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ هُنَا كَوْنُهُ جَعَلَ الْحَجَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ:

قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ) هُوَ سَلْمَانُ، وَأَمَّا أَبُو حَازِمٍ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ صَاحِبُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فَلَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَيَّارٍ، أَبُو الْحَكَمِ الرَّاوِي عَنْهُ بِتَقْدِيمِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (مَنْ حَجَّ لِلَّهِ) فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ الْآتِيَةِ قُبَيْلَ جَزَاءِ الصَّيْدِ: مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ جُرَيْجٍ، عَنْ مَنْصُورٍ: مَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْتَ. وَهُوَ يَشْمَلُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ بِلَفْظِ: مَنْ حَجَّ أَوِ اعْتَمَرَ لَكِنْ فِي الْإِسْنَادِ إِلَى الْأَعْمَشِ ضَعْفٌ.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَرْفُثْ) الرَّفَثُ الْجِمَاعُ، وَيُطْلَقُ عَلَى التَّعْرِيضِ بِهِ وَعَلَى الْفُحْشِ فِي الْقَوْلِ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الرَّفَثُ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُرِيدُهُ الرَّجُلُ مِنَ الْمَرْأَةِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَخُصُّهُ بِمَا خُوطِبَ بِهِ النِّسَاءُ. وَقَالَ عِيَاضٌ: هَذَا مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ﴾ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي الْآيَةِ الْجِمَاعُ. انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَإِلَيْهِ نَحَا الْقُرْطُبِيُّ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي الصِّيَامِ: فَإِذَا كَانَ صَوْمُ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثُ.

(فَائِدَةٌ): فَاءُ الرَّفَثِ مُثَلَّثَةٌ فِي الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ، وَالْأَفْصَحُ الْفَتْحُ فِي الْمَاضِي، وَالضَّمُّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَفْسُقْ) أَيْ لَمْ يَأْتِ بِسَيِّئَةٍ وَلَا مَعْصِيَةٍ، وَأَغْرَبَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ، فَقَالَ: إِنَّ لَفْظَ الْفِسْقِ لَمْ يُسْمَعْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا فِي أَشْعَارِهِمْ، وَإِنَّمَا هُوَ إِسْلَامِيٌّ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْقُرْآنِ، وَحِكَايَتُهُ عَمَّنْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَصْلُهُ انْفَسَقَتِ الرُّطَبَةُ إِذَا خَرَجَتْ، فَسُمِّيَ الْخَارِجُ عَنِ الطَّاعَةِ فَاسِقًا.

قَوْلُهُ: (رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) أَيْ بِغَيْرِ ذَنْبٍ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

السِّياق، أي: ليس لكُنَّ الجهاد، ولكنْ (١) أفضل منه في حقِّكن حجٌّ مبرورٌّ، وقول الزَّركشيِّ: «لكُنَّ»: بضمِّ الكاف وتشديد النُّون، والوجه حينئذٍ رفع «أفضلُ» على أنَّه مبتدأٌ خبره: «حجٌّ مبرورٌ»، تعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ بأنَّه ظنَّ أنَّ «لَكُنَّ» ظرف فهو متعلِّقٌ بـ «أفضل» أي: أفضل الجهاد لكُنَّ حجٌّ مبرورٌ، والمانع من ذلك قائمٌ، فالصَّواب أنَّ الخبر قوله: «لَكُنَّ»، وأمَّا «حجٌّ مبرورٌ» فخبرٌ لمبتدأٍ (٢) محذوفٍ، أي: هو حجٌّ مبرورٌ.

ورواة هذا الحديث ما بين مروزيٍّ وبصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه (٣): رواية المرأة عن خالتها، فإنَّ عائشةَ أمَّ المؤمنين خالةُ عائشة بنت طلحة لأنَّ أمَّها أمُّ كلثومٍ بنت أبي بكرٍ الصِّدِّيق، وأخرجه أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٨٦١] و «الجهاد» [خ¦٢٧٨٤]، والنَّسائيُّ في «الحجِّ»، وكذا ابن ماجه.

١٥٢١ - وبه قال (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي أياسٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا سَيَّارٌ) بفتح السِّين المهملة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة (أَبُو الحَكَمِ) العَنَزِيُّ -بنونٍ وزايٍ- وأبوه يُكنَّى أبا سيَّارٍ، واسمه: وردان (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، سَلْمان -بفتح السِّين وسكون اللَّام- الأشجعيَّ، وليس هو أبا حازمٍ سلمة بن دينارٍ، صاحب سهل بن سعدٍ لأنَّه لم يسمع من أبي هريرة (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ) بلفظ الماضي كالذي (٤) قبله: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: مَنْ حَجَّ لِلَّهِ) وللمؤلِّف فيما يأتي: «من حجَّ هذا البيت» [خ¦١٨١٩] ولمسلمٍ: «من أتى هذا البيت»، وهو يشمل الإتيان للحجِّ والعمرة، وللدَّارقطنيِّ من طريق الأعمش عن أبي حازمٍ بسندٍ فيه ضعفٌ إلى الأعمش: «من حجَّ أو اعتمر» (فَلَمْ يَرْفَُِثْ) بتثليث الفاء في المضارع والماضي، لكنَّ الأفصحَ الضَّمُّ في المضارع، والفتح في الماضي، أي:

الجماع أو الفحش في القول، أو خطاب الرَّجل المرأة فيما يتعلَّق بالجماع، وقال الأزهريُّ: كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ ما يريده الرَّجل من المرأة (وَلَمْ يَفْسُقْ) لم يأتِ بسيِّئةٍ ولا معصيةٍ، وقال سعيد بن جُبيرٍ في قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] الرَّفث: إتيان النِّساء، والفسوق: السِّباب، والجدال: المراء؛ يعني: مع الرُّفقاء والمُكَارِين (١)، ولم يذكر في الحديث الجدال في الحجِّ اعتمادًا على الآية، ويحتمل أن يكون ترك الجدال قصدًا لأنَّ وجوده لا يؤثِّر في ترك مغفرة ذنوب الحاجِّ إذا كان المراد به المجادلة في أحكام الحجِّ لما يظهر من الأدلَّة، أو المجادلة بطريق التَّعميم لا تؤثِّر أيضًا لأنَّ الفاحش منها دخل في عموم الرَّفث، والحسن منها ظاهرٌ في عدم التَّأثير، والمستوي الطَّرفين لا يؤثِّر أيضًا، قاله في «فتح الباري». والفاء في قوله: «فلم يرفث» عطفٌ على الشَّرط، وجوابه: (رَجَعَ) أي: من ذنوبه (كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) بجرِّ «يومِ»: على الإعراب، وبفتحه: على البناء، وهو المختار في مثله لأنَّ صدر الجملة المضاف إليها مبنيٌّ، أي: رجع مشابهًا لنفسه في أنَّه يخرج بلا ذنبٍ كما خرج بالولادة، وهو يشمل الصَّغائر والكبائر والتَّبعات، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو من أقوى الشَّواهد لحديث العبَّاس بن مِرْداسٍ المصرِّح بذلك، وله شاهدٌ من حديث ابن عمر في «تفسير الطَّبريِّ». انتهى. لكن قال الطَّبريُّ: إنَّه محمولٌ بالنِّسبة إلى المظالم على من تاب (٢) وعجز عن وفائها، وقال التِّرمذيُّ: هو مخصوصٌ بالمعاصي المتعلِّقة بحقوق الله خاصَّةً دون العباد، ولا (٣) تسقط الحقوق أنفسها، فمن كان عليه صلاةٌ أو كفَّارةٌ ونحوها من حقوق الله تعالى لا تسقط عنه لأنَّها حقوقٌ لا ذنوبٌ، إنَّما الذُّنوب تأخيرها، فنفس التَّأخير يسقط بالحجِّ، لا هي أنفسها، فلو أخَّرها بعده تجدَّد إثمٌ آخر، فالحجَّ المبرور يُسقِط إثم المخالفة لا الحقوق.

(٥) (بَابُ فَرْضِ مَوَاقِيتِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ) المكانيَّة، جمع ميقاتٍ «مِفْعَالٍ» من الوقت المحدود،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

القَاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ عَن عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّهَا قالَتْ يَا رسولَ الله اعْتَمَرْتُمْ ولَمْ أعْتَمِرْ فَقَالَ يَا عَبْدَ الرَّحْمانِ اذْهَبْ بِأُخْتِكَ فأعْمِرْها مِنَ التَّنْعِيمِ فأحْقَبَهَا عَلى ناقَةٍ فاعْتَمَرَتْ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فأحقبها) ، لِأَن مَعْنَاهُ: حملهَا على حقيبة الرحل.

ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: عَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن عَليّ الفلاس. الثَّانِي: أَبُو عَاصِم النَّبِيل واسْمه الضَّحَّاك بن مخلد. الثَّالِث: أَيمن، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْمِيم وَفِي آخِره نون: ابْن نابل، بالنُّون وَبعد الْألف بَاء مُوَحدَة وباللام: العابد الزَّاهِد الْفَاضِل، وَكَانَ لَا يفصح لما فِيهِ من اللكنة. الرَّابِع: الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق. الْخَامِس: عَائِشَة.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَشَيخ شَيْخه أَيْضا، وَلكنه روى عَنهُ بالواسطة وَهُوَ أَيْضا بَصرِي، وأيمن مكي تَابِعِيّ وَالقَاسِم مدنِي. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية. وَفِيه: رِوَايَة الرجل عَن عمته.

والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الْحَج عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن مُعْتَمر (عَن أَيمن نَحوه، أَنَّهَا قَالَت: يَا رَسُول الله! تخرج نساؤك بِعُمْرَة وَحجَّة وَأَنا أخرج بِحجَّة؟ قَالَ: يَا عبد الرَّحْمَن. .) فَذكره.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فأعمرها) ، بِقطع الْهمزَة أَمر من الإعمار. قَوْله: (فأحقبها) أَي: أردفها أَي: أحقب عبد الرَّحْمَن عَائِشَة، وَمِنْه سمي المردف: الحقب، والمحقب حَبل يشد بِهِ الرحل إِلَى بطن الْبَعِير.

٤ - (بابُ فَضْلِ الحَجِّ المَبْرُورِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْحَج المبرور أَي: المقبول، قَالَه ابْن خالويه، وَقَالَ غَيره: الْحَج المبرور الَّذِي لَا يخالطه شَيْء من المأثم، وَهُوَ من الْبر وَهُوَ اسْم جَامع للخير، يُقَال: بر عمله وبر عمله، بِفَتْح الْبَاء وَضمّهَا، بريرا وبرورا، وأبره الله تَعَالَى. قَالَ الْفراء: بُر حجَّة، فَإِذا قَالُوا: أبر الله حجك قَالُوهُ بِالْألف. وَقَالَ ثَعْلَب: بر حجك لِأَن الْعَامَّة تَقول: بر حجك، بِفَتْح الْبَاء، يجْعَلُونَ الْفِعْل لِلْحَجِّ، وَإِنَّمَا الْحَج مفعول بِهِ مبرور وَلَيْسَ ببار، وَحكى أَبُو عبيد واللحياني وَابْن التياني وَأَبُو الْمعَانِي وَأَبُو نصر فِي آخَرين: بر، بِفَتْح الْبَاء.

٩١٥١ - حدَّثنا عَبْدُ العَزيزِ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سَعِيدٍ ابنِ المُسَيَّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ سُئِلَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أيُّ الأعْمَالِ أفْضَلُ قالَ إيمَانٌ بِاللَّه ورسُولِهِ قِيلَ ثُمَّ ماذَا قَالَ جِهَادٌ فِي سَبِيلِ الله قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ حَجٌّ مَبْرُورٌ.

(انْظُر الحَدِيث ٦٢) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث تقدم فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب من قَالَ إِن الْإِيمَان هُوَ الْعَمَل، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أَحْمد بن يُونُس ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل كِلَاهُمَا عَن إِبْرَاهِيم بن سعد إِلَى آخِره، وَهَهُنَا أخرجه: عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله ابْن يحيى بن عَمْرو أَبُو الْقَاسِم الْقرشِي العامري الأويسي الْمدنِي. وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ وَبَقِيَّة الْكَلَام مرت هُنَاكَ.

٠٢٥١ - حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ المُبَارَكِ قَالَ حدَّثنا خالِدٌ قَالَ أخبرنَا حَبِيبُ بنُ أبي عَمْرَةَ عنْ عائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عنْ عائِشَةَ أُمِّ المؤْمِنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّها قالَتْ يَا رسولَ الله نَرَي الجِهَادَ أفْضَلَ العمَلَ أفَلَا نُجَاهِدُ قَالَ لَا لاكِنْ أفْضلَ الجِهادِ حَجٌّ مَبرُورٌ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: عبد الرَّحْمَن بن الْمُبَارك بن عبد الله العيشي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة. الثَّانِي: خَالِد بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الطَّحَّان. الثَّالِث: حبيب ابْن أبي عمْرَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم وَفتح الرَّاء وَفِي آخرهَا هَاء: القصاب. الرَّابِع: عَائِشَة بنت طَلْحَة بنت

عبيد الله التميمية القرشية، وَكَانَت من أجمل نسَاء قُرَيْش، أصدقهَا مُصعب بن الزبير ألف ألف دِرْهَم. الْخَامِس: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة الصديقة.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَنه لَيْسَ أَخا لعبد الله بن الْمُبَارك الْفَقِيه الْمَشْهُور فَإِنَّهُ مروزي وَشَيخ البُخَارِيّ بَصرِي من بني عَيْش. وَفِيه: أَن خَالِدا واسطي وَأَن حبيبا كُوفِي وَأَن عَائِشَة بنت طَلْحَة مَدَنِيَّة. وَفِيه: رِوَايَة التابعية عَن الصحابية. وَفِيه: رِوَايَتهَا عَن خَالَتهَا، فَإِن عَائِشَة الصديقة خَالَة عَائِشَة بنت طَلْحَة لِأَن أمهَا أم كُلْثُوم بنت أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد: عَن مُسَدّد عَن خَالِد بن عبد الله، وَفِي الْحَج أَيْضا: عَن مُسَدّد عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد، وَفِي الْجِهَاد أَيْضا: عَن قبيصَة عَن سُفْيَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن جرير عَن حبيب بن أبي عمْرَة نَحوه. وَأخرجه ابْن مَاجَه، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَفلا نجاهد؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الإستخبار. قَوْله: (قَالَ: لَا) ، أَي: لَا تجاهدن، قَوْله: (لَكِن) ، فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِضَم الْكَاف وَالنُّون لجَماعَة النِّسَاء خطابا لَهُنَّ، وَقَالَ الْقَابِسِيّ: هَذَا هُوَ الَّذِي تميل إِلَيْهِ نَفسِي، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ: (وَلَكِن) ، بِكَسْر الْكَاف وَزِيَادَة الْألف قبلهَا بِلَفْظ الِاسْتِدْرَاك. قلت: فعلى هَذِه الرِّوَايَة اسْم لَكِن هُوَ قَوْله: (أفضل الْجِهَاد) بِالنّصب وخبرها هُوَ قَوْله: (حج مبرور) ، والمستدرك مِنْهُ يُسْتَفَاد من السِّيَاق تَقْدِيره: لَيْسَ لَكِن الْجِهَاد وَلَكِن أفضل الْجِهَاد فِي حقكن حج مبرور، وعَلى الرِّوَايَة الأولى: أفضل الْجِهَاد مَرْفُوع على الِابْتِدَاء وَخَبره هُوَ قَوْله: لَكِن، تَقْدِيره: أفضل الْجِهَاد لَكِن حج مبرور، وَفِي لفظ النَّسَائِيّ: (أَلا نخرج فنجاهد مَعَك؟ . . فَإِنِّي لَا أرى عملا فِي الْقُرْآن الْعَظِيم أفضل من الْجِهَاد؟ فَقَالَ: لَكِن أحسن الْجِهَاد وأجمله حج الْبَيْت حج مبرور) . وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: (عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قلت: يَا رَسُول الله! هَل على النِّسَاء جِهَاد؟ قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: عَلَيْهِنَّ جِهَاد لَا قتال فِيهِ: الْحَج وَالْعمْرَة) . وَعِنْده أَيْضا عَن أم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الْحَج جِهَاد كل ضَعِيف) . وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ رَحمَه الله تَعَالَى، بِسَنَد لَا بَأْس بِهِ عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (جِهَاد الْكَبِير وَالصَّغِير والضعيف وَالْمَرْأَة: الْحَج وَالْعمْرَة) . وَإِنَّمَا قيل لِلْحَجِّ جِهَاد لِأَنَّهُ يُجَاهد فِي نَفسه بالكف عَن شهواتها والشيطان وَدفع الْمُشْركين عَن الْبَيْت باجتماع الْمُسلمين إِلَيْهِ من كل نَاحيَة.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ الْمُهلب: فِي هَذَا وَفِي إِذن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لَهُنَّ بِالْحَجِّ إبِْطَال إفْك المشغبين وَكذب الرافضة فِيمَا اختلقوه من الْكَذِب من أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لأزواجه: هَذِه، ثمَّ ظُهُور الْحصْر) وَهَذَا ظَاهر الاختلاق لِأَنَّهُ حضهن على الْحَج وبشرهن أَنه أفضل جهادهن، وَإِذن عمر لَهُنَّ، وسير عُثْمَان مَعَهُنَّ حجَّة قَاطِعَة على مَا كذب بِهِ على النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أَمر أم الْمُؤمنِينَ، وَكَذَا قَوْلهم عَنهُ: إِنَّه قَالَ لَهَا: تقاتلي عليا وَأَنت لَهُ ظالمة، فَإِنَّهُ لَا يَصح. انْتهى.

قَوْله: (وَأذن عمر لَهُنَّ وسير عُثْمَان مَعَهُنَّ) أَرَادَ بِهِ الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى فِي: بَاب حج النِّسَاء فِي أَوَاخِر كتاب الْحَج، قَالَ: قَالَ لي أَحْمد بن مُحَمَّد: (حَدثنَا إِبْرَاهِيم عَن أَبِيه عَن جده: أذن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لِأَزْوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي آخر حجَّة حَجهَا، فبعص مَعَهُنَّ عُثْمَان بن عَفَّان وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم) . قلت: إِنْكَار الْمُهلب قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: هَذِه ثمَّ ظُهُور الْحصْر لَا وَجه لَهُ، فَإِن أَبَا دَاوُد رَوَاهُ فِي (سنَنه) وَقَالَ: حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد النُّفَيْلِي، قَالَ: حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد عَن زيد بن أسلم عَن أبي وَاقد اللَّيْثِيّ عَن أَبِيه، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول لأزواجه فِي حجَّة الْوَدَاع: هَذِه ثمَّ ظُهُور الْحصْر، قَالَ ابْن الْأَثِير: وَفِي الحَدِيث (أفضل الْجِهَاد وأجمله حج مبرور ثمَّ لُزُوم الْحصْر) . وَفِي رِوَايَة أَنه قَالَ لأزواجه: (هَذِه ثمَّ لُزُوم الْحصْر) أَي: إنكن لَا تعدن تخرجن من بيوتكن وتلزمن الْحصْر، هِيَ: جمع الْحَصِير الَّذِي يبسط فِي الْبَيْت، وتضم الصَّاد وتسكن تَخْفِيفًا.

وَأما حَدِيث: تقاتلي عليا وَأَنت لَهُ ظالمة، فَلَيْسَ بِمَعْرُوف، وَالْمَعْرُوف أَن

هَذَا قَالَه للزبير بن الْعَوام، وَالله أعلم، وَسَنَد حَدِيثه ضَعِيف، وَقَالَ الْمُهلب أَيْضا، قَوْله: (لَكِن أفضل الْجِهَاد حج مبرور) تَفْسِير قَوْله: {وَقرن فِي بيوتكن وَلَا تبرجن} (الْأَحْزَاب: ٣٣) . الْآيَة لَيْسَ على الْفَرْض لملازمة الْبيُوت كَمَا زعم من أَرَادَ تنقيص أم الْمُؤمنِينَ فِي خُرُوجهَا إِلَى الْعرَاق للإصلاح بَين الْمُسلمين، وَهَذَا الحَدِيث يخرج الْآيَة عَمَّا تأولوها، لِأَنَّهُ قَالَ: (لَكِن أفضل الْجِهَاد حج مبرور) فَدلَّ أَن لَهُنَّ جهادا غير الْحَج، وَالْحج أفضل مِنْهُ. فَإِن قيل: النِّسَاء لَا يحل لَهُنَّ الْجِهَاد؟ قيل لَهُ: قَالَت حَفْصَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: قدمت علينا امْرَأَة غزت مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سِتّ غزوات، وَقَالَت: كُنَّا نداوي الكلمى ونقوم على المرضى. وَفِي (الصَّحِيح) : وَكَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا إراد الْغَزْو أَقرع بَين نِسَائِهِ فأيتهن خرج سهمها غزا بهَا. وَقَالَ ابْن بطال: وَإِنَّمَا جعل الْجِهَاد حَدِيث أبي هُرَيْرَة أفضل من الْحَج لِأَن ذَلِك كَانَ فِي أول الْإِسْلَام وقلته، وَكَانَ الْجِهَاد فرضا مُتَعَيّنا على كل أحد، فَأَما إِذا ظهر الْإِسْلَام وَفَشَا وَصَارَ الْجِهَاد من فروض الْكِفَايَة على من قَامَ بِهِ، فالحج حِينَئِذٍ أفضل، ألَاّ ترى قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعَائِشَة: (أفضل جهادكن الْحَج) ، لما لم تكن من أهل الْغناء وَالْجهَاد للْمُشْرِكين، فَإِن حل الْعَدو ببلدة واجتيج إِلَى دَفعه وَكَانَ لَهُ ظهورة وَقُوَّة وَخيف مِنْهُ فرض الْجِهَاد على الْأَعْيَان كَانَ أفضل من الْحَج.

١٢٥١ - حدَّثنا آدَمُ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا سَيَّارٌ أَبُو الحَكَمِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا حازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ سَمِعْتُ النبيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقُولُ مَنْ حَجَّ لله فلَمْ يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسُقْ رجَعَ كَيَوْمِ ولَدَتْهُ أمُّهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (رَجَعَ كَمَا وَلدته أمه) .

ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: آدم بن أبي إِيَاس. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: سيار، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبعد الْألف رَاء على وزن فعال، فَقَالَ أَبُو الحكم: بِفتْحَتَيْنِ، مر فِي أول التَّيَمُّم. الرَّابِع: أَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: اسْمه سُلَيْمَان الْأَشْجَعِيّ مَاتَ فِي أَيَّام عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأما أَبُو حَازِم سَلمَة بن دِينَار صَاحب سهل بن سعد فَلم يسمع من أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: راويان مذكوران بالكنية أَحدهمَا باسمه. وَفِيه: راويان ذكرا بِلَا نِسْبَة إِلَى الْأَب، وَفِيه: أَن شَيْخه من خُرَاسَان وَسكن عسقلان وَشعْبَة وسيار واسطيان وَأَبُو حَازِم كُوفِي.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم عَن هشيم بن مَنْصُور.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (من حج لله) ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: (من حج هَذَا الْبَيْت) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق جرير عَن مَنْصُور: (من أَتَى هَذَا الْبَيْت) ، وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق الْأَعْمَش عَن أبي حَازِم بِلَفْظ: (من حج أَو اعْتَمر) ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن مَسْعُود: (تابعوا بَين الْحَج وَالْعمْرَة فَإِنَّهُمَا ينفيان الْفقر والذنُوب كَمَا يَنْفِي الْكِير خبث الْحَدِيد وَالذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَيْسَ لِلْحَجِّ المبرور ثَوَاب دون الْجنَّة) . وَفِي رِوَايَة أَحْمد من حَدِيث جَابر: (الْحَج المبرور لَيْسَ لَهُ جَزَاء إلَاّ الْجنَّة، قَالُوا: يَا رَسُول الله! مَا الْحَج المبرور؟ قَالَ: إطْعَام الطَّعَام وإفشاء السَّلَام، وَفِيه مقَال) ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: هَذَا حَدِيث مُنكر يشبه الْمَوْضُوع، وَفِي رِوَايَة الْحَاكِم من حَدِيث جَابر: (سُئِلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا بر الْحَج؟ قَالَ إطْعَام الطَّعَام وَطيب الْكَلَام) . وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ. قَوْله: (فَلم يرْفث) ، بِضَم الْفَاء وَكسرهَا، الْفَاء فِيهِ عطف على الشَّرْط، أَعنِي قَوْله: (من) ، وَيَرْفث بِضَم الْفَاء وَكسرهَا وَفتحهَا، والأفصح الْفَتْح فِي الْمَاضِي، وَالضَّم فِي الْمُسْتَقْبل. وَقَالَ ابْن سَيّده: الرَّفَث: الْجِمَاع، وَقد رفث إِلَيْهَا ورفث فِي كَلَامه يرْفث رفثا وأرفث: أفحش، والرفث: التَّعْرِيض بِالنِّكَاحِ. وَفِي (الْجَامِع) : الرَّفَث اسْم جَامع لكل شَيْء مِمَّا يُرِيد الرجل من الْمَرْأَة. قَوْله: (وَلم يفسق) ، الْفسق الْعِصْيَان وَالتّرْك لأمر الله تَعَالَى، وَالْخُرُوج عَن طَرِيق الْحق. فسق يفسق ويفسق فسقا وفسوقا، وَفسق، بِالضَّمِّ عَن اللحياني، وَقَالَ: رَوَاهُ الْأَحْمَر وَلم يعرفهُ الْكسَائي. وَقيل: الْفسق الْخُرُوج عَن الدّين، وَرجل فَاسق وفسيق وَفسق، وَيُقَال فِي الْمَرْء: يَا فسق، وللأنثى يَا فساق، وَالْفِسْق الْخُرُوج عَن الْأَمر، ذكره ابْن سَيّده. وَقَالَ الْقَزاز: أَصله من قَوْلهم: انفسقت

الرّطبَة إِذا أخرجت من قشرها، فَسُمي بذلك الْفَاسِق لِخُرُوجِهِ من الْخَيْر وانسلاخه مِنْهُ. وَقيل: الْفَاسِق الْجَائِز. قَالُوا: وَالْفِسْق والفسوق فِي الدّين اسْم إسلامي لم يسمع فِي الْجَاهِلِيَّة وَلَا يُوجد فِي أشعارهم، وَإِنَّمَا هُوَ مُحدث سمي بِهِ الْخَارِج عَن الطَّاعَة بعد نزُول الْقُرْآن الْعَظِيم. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: لم يسمع قطّ فِي كَلَام الْجَاهِلِيَّة وَلَا فِي شعرهم: فَاسق، وَهَذَا عَجِيب، وَهُوَ كَلَام عَرَبِيّ. قَوْله: (رَجَعَ كَيَوْم وَلدته أمه) أَي: رَجَعَ مشابها لنَفسِهِ فِي الْبَراء من الذُّنُوب فِي يَوْم وَلدته أمه، وَرجع بِمَعْنى: صَار، جَوَاب الشَّرْط. وَلَفظ: (كَيَوْم) يجوز فِيهِ الْبناء على الْفَتْح. فَإِن قلت: ذكر هُنَا الرَّفَث والفسوق وَلم يذكر الْجِدَال، كَمَا فِي الْقُرْآن؟ قلت: اعْتِمَادًا على الْآيَة، وَالله أعلم.

٥ - (بابُ فَرْضِ مَوَاقِيتِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فرض مَوَاقِيت الْحَج وَالْعمْرَة، وَالْفَرْض هُنَا يجوز أَن يكون بِمَعْنى التَّقْدِير، وَأَن يكون بِمَعْنى الْوُجُوب. وَقَالَ بَعضهم: الظَّاهِر بِمَعْنى الْوُجُوب وَهُوَ نَص البُخَارِيّ، وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ بقوله فِي: بَاب مِيقَات أهل الْمَدِينَة: وَلَا يهلوا قبل ذِي الحليفة. قلت: قَوْله: (وَلَا يهلوا، قبل ذِي الحليفة) لَا يدل على عدم جَوَاز الإهلال من قبل ذِي الحليفة، لاحْتِمَال أَن يكون ذَلِك ترك الِاسْتِحْبَاب فِي الإهلال قبل ذِي الحليفة، وَأَن يكون معنى قَوْله: (وَلَا يهلوا) : وَلَا يسْتَحبّ لَهُم أَن يهلوا قبل ذِي الحليفة أَلا ترى أَن الْجُمْهُور جوزوا التَّقَدُّم على الْمَوَاقِيت، على أَن ابْن الْمُنْذر نقل الْإِجْمَاع على الْجَوَاز فِي التَّقَدُّم عَلَيْهَا. وَمذهب طَائِفَة من الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة: الْأَفْضَل فِي التَّقَدُّم، وَالْمَنْقُول عَن مَالك كَرَاهَة ذَلِك لَا يدل على أَنه يرى عدم الْجَوَاز، وَكَذَلِكَ الْمَنْقُول عَن عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه كره أَن يحرم من خُرَاسَان. فَإِن قلت: نقل عَن إِسْحَاق وَدَاوُد عدم الْجَوَاز. قلت: مخالفتهما لِلْجُمْهُورِ لَا تعْتَبر، وَلَئِن سلمنَا ذَلِك فَمن أَيْن علم أَن البُخَارِيّ مَعَهُمَا فِي ذَلِك؟ فَإِن قلت: تنصيصه فِي التَّرْجَمَة على لفظ الْفَرْض يدل على أَنه يرى ذَلِك. قلت: لَا نسلم لاحْتِمَال أَن يكون أَرَادَ بِالْفَرْضِ معنى التَّقْدِير، بل الرَّاجِح هَذَا لِأَنَّهُ وَقع فِي بعض النّسخ: بَاب فضل مَوَاقِيت الْحَج وَالْعمْرَة، وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَيُؤَيِّدهُ الْقيَاس على الْمِيقَات الزماني، فقد أَجمعُوا على أَنه لَا يجوز التَّقَدُّم عَلَيْهِ. قلت: لَا نسلم صِحَة هَذَا الْقيَاس لوُجُود الْفَارِق وَهُوَ أَن الْمِيقَات الزماني مَنْصُوص عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ، بِخِلَاف الْمِيقَات المكاني. ثمَّ إعلم أَن الْمَوَاقِيت جمع: مِيقَات، على وزن: مفعال، وَأَصله موقات قلبت الْوَاو يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا، من: وَقت الشَّيْء يقته، إِذا بَين حَده، وَكَذَا وقته يوقته، ثمَّ اتَّسع فِيهِ فَأطلق على الْمَكَان، فَقيل للموضع: مِيقَات، والميقات يُطلق على الزماني والمكاني، وَهَهُنَا المُرَاد المكاني.

٢٢٥١ - حدَّثنا مالِكُ بنُ إسْماعِيلَ قَالَ حدَّثنا زُهَيْرٌ قَالَ حدَّثني زَيْدُ بنُ جُبَيْرٍ أنَّهُ أَتَى عَبْدَ الله بنَ عُمَر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فِي مَنْزِلِهِ ولَهُ فُسْطَاطٌ وسُرادِقٌ فسَألْتُهُ مِنْ أيْنَ يَجُوزُ أنْ أعْتَمِر قَالَ فرَضَهَا رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنا وَلأِهلِ المَدينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ وَلأِهْلِ الشأمِ الجُحْفَةَ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، فَإِن فِيهِ بَيَان تَوْقِيت لأهل هَذِه الْأَمَاكِن الثَّلَاثَة.

ذكر رِجَاله: وهم: أَرْبَعَة: الأول: مَالك بن إِسْمَاعِيل أَبُو غَسَّان، مر فِي: بَاب المَاء الَّذِي يغسل بِهِ شعر الْإِنْسَان. الثَّانِي: زُهَيْر، بِضَم الزَّاي وَفتح الْهَاء مصغر الزهر: ابْن مُعَاوِيَة الْجعْفِيّ، مر فِي: بَاب لَا يستنجي بروث. الثَّالِث: زيد بن جُبَير، بِضَم الْجِيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن حرمل الْجُشَمِي، من بني جشم بن مُعَاوِيَة. الرَّابِع: عبد الله بن عمر.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: السُّؤَال. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته الثَّلَاثَة كوفيون. وَفِيه: أَن زيد بن جُبَير لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَفِي الروَاة زيد بن جبيرَة، بِفَتْح الْجِيم وَزِيَادَة هَاء فِي آخِره، لم يخرج لَهُ البُخَارِيّ شَيْئا.

وَهَذَا الحَدِيث بِهَذَا الْوَجْه من أَفْرَاد البُخَارِيّ، رَحمَه الله.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَله فسطاط) ، هُوَ بَيت من شعر، وَفِيه سِتّ لُغَات: فسطاط وفستاط وفساط، بِالضَّمِّ وَالْكَسْر فِيهِنَّ، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ فِيمَا مضى. قَوْله: (وسرادق) ، هِيَ وَاحِدَة السرادقات الَّتِي تحد فَوق صحن الدَّار، وكل بَيت من كُرْسُف فَهُوَ سرادق، وكل مَا أحَاط بِشَيْء فَهُوَ سرادق، وَمِنْه: {وأحاط بهم سرادقها} (الْكَهْف: ٩) . وَقيل: السرادق مَا يَجْعَل حول الخباء بَينه وَبَينه فسحة كالحائط، وَنَحْوه، وَظَاهره أَن ابْن عمر كَانَ مَعَه أَهله وَأَرَادَ سترهم بذلك لَا للتفاخر. قَوْله: (فَسَأَلته) ، فِيهِ الْتِفَات لِأَنَّهُ قَالَ أَولا: إِنَّه أَتَى ابْن عمر، فَكَانَ السِّيَاق يَقْتَضِي أَن يَقُول: فَسَأَلَهُ، وَوَقع عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ: فَدخلت عَلَيْهِ فَسَأَلته. قَوْله: (فَرضهَا) ، أَي: قدرهَا وبيَّنها، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى الْمَوَاقِيت بِالْقَرِينَةِ الحالية، قَالَ بَعضهم: وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد: أوجبهَا، وَبِه يتم مُرَاد المُصَنّف، وَيُؤَيِّدهُ قرينَة قَول السَّائِل: من أَيْن يجوز؟ قلت: من أَيْن علم أَن البُخَارِيّ فرض الإهلال من مِيقَات من الْمَوَاقِيت حَتَّى يكون تَفْسِير قَوْله: فَرضهَا، بِمَعْنى: أوجبهَا حَتَّى يتم مُرَاده.

قَوْله: (لأهل نجد) ، النجد فِي اللُّغَة: مَا أشرف من الأَرْض واستوى، وَيجمع على: أنجد وأنجاد ونجود ونجد، بِضَمَّتَيْنِ. وَقَالَ الْقَزاز: سمي نجدا لعلوه. وَقيل: سمي بذلك لصلابة أرضه وَكَثْرَة حجارته وصعوبته، من قَوْلهم: رجل نجد إِذا كَانَ قَوِيا شَدِيدا. وَقيل: يُسمى نجد الْفَزع من يدْخلهُ لاستيحاشه واتصال فزع السالكين لَهُ، من قَوْلهم: رجل نجد، إِذا كَانَ فَزعًا، ونجد مُذَكّر. وَلَو أنثه أحد ورده على الْبَلَد لجَاز لَهُ ذَلِك، وَالْعرب تَقول: نجد ونجد، بِفَتْح النُّون وَضمّهَا. وَقَالَ الْكَلْبِيّ فِي (أَسمَاء الْبلدَانِ) : مَا بَين الْحجاز إِلَى الشَّام إِلَى العذيب إِلَى الطَّائِف، فالطائف من نجد وَأَرْض الْيَمَامَة والبحرين إِلَى عمان، وَقَالَ أَبُو عمر: نجد، مَا بَين جرش إِلَى سَواد الْكُوفَة، وحدَّه مِمَّا يَلِي الْمغرب: الْحجاز، وَعَن يسَار الْكَعْبَة الْيمن، ونجد كلهَا من عمل الْيَمَامَة. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: نجد مَا بَين العذيب إِلَى ذَات عرق وَإِلَى الْيَمَامَة وَإِلَى جبل طَيء وَإِلَى وجرة وَإِلَى الْيمن، وَالْمَدينَة لَا تهامية وَلَا نجدية، فَإِنَّهَا وفْق الْغَوْر وَدون نجد. وَقَالَ الْحَازِمِي: نجد: إسم للْأَرْض العريضة الَّتِي أَعْلَاهَا تهَامَة واليمن وَالْعراق وَالشَّام. وَقَالَ السكرِي: حد نجد ذَات عرق من نَاحيَة الْحجاز، كَمَا يَدُور الْجبَال مَعهَا إِلَى جبال الْمَدِينَة، وَمَا وَرَاء ذَلِك ذَات عرق إِلَى تهَامَة. وَقَالَ الْخطابِيّ نجد نَاحيَة الْمشرق، وَمن كَانَ بِالْمَدِينَةِ كَانَ نجده بادية الْعرَاق ونواحيها، وَهِي مشرق أَهلهَا. وَذكر فِي (الْمُنْتَهى) : نجد من بِلَاد الْعَرَب، وَهُوَ خلاف الْغَوْر أَعنِي: تهَامَة وكل مَا ارْتَفع من تهَامَة إِلَى أَرض الْعرَاق فَهُوَ نجد. قَوْله: (قرنا) بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الرَّاء، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: هُوَ بِفَتْحِهَا، وغلطوه، وَقَالَ الْقَابِسِيّ: من قَالَ بِالسُّكُونِ أَرَادَ الْجَبَل المشرف على الْموضع، وَمن قَالَ بِالْفَتْح أَرَادَ الطَّرِيق الَّذِي يعرف مِنْهُ، فَإِنَّهُ مَوضِع فِيهِ طرق مُتَفَرِّقَة. وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي (شرح الْمسند) : وَكَثِيرًا مَا يَجِيء فِي أَلْفَاظ الْفُقَهَاء وَغَيرهم بِفَتْحِهَا، وَلَيْسَ بِصَحِيح. وَقَالَ ابْن التِّين: روناه بِالسُّكُونِ، وَعَن الشَّيْخ أبي الْحسن أَن الصَّوَاب فتحهَا، وَعَن الشَّيْخ أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن: إِن قلت: قرن الْمنَازل، أسكنته، وَإِن قلت: قرنا، فتحت. قلت: لما قَالَه الْجَوْهَرِي بالفتج، وَمِنْه أويس الْقَرنِي، وَقَالَ النسابون: أُويس مَنْسُوب إِلَى قرن، بالفتج: اسْم قَبيلَة، وَهُوَ على يَوْم وَلَيْلَة من مَكَّة. وَقَالَ ابْن قرقول: هُوَ قرن الْمنَازل وَقرن الثعالب وَقرن غير مُضَاف، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَة كتبت بِدُونِ الْألف، فَهُوَ إِمَّا بِاعْتِبَار العلمية والتأنيث، وَإِمَّا على اللُّغَة الربيعية حَيْثُ يقفون على الْمنون بِالسُّكُونِ فَيكْتب بِدُونِ الْألف، لَكِن يقْرَأ بِالتَّنْوِينِ. انْتهى. قلت: على الْوَجْه الأول هُوَ غير منصرف للعلمية والتأنيث، فَلَا يقْرَأ بِالتَّنْوِينِ.

قَوْله: (ذَا الحليفة) أَي: عين لأهل الْمَدِينَة ذَا الحليفة، وَقد فسرناها عَن قريب. قَوْله: (وَلأَهل الشَّام الْجحْفَة) ، أَي: قدر الْجحْفَة، وَهِي بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة. وَقَالَ أَبُو عبيد: هِيَ قريبَة جَامِعَة بهَا مِنْبَر، بَينهَا وَبَين الْبَحْر سِتَّة أَمْيَال، وغدير خم على ثَلَاثَة أَمْيَال مِنْهَا، وَهِي مِيقَات المتوجهين من الشَّام ومصر وَالْمغْرب، وَهِي على ثَلَاثَة مراحل من مَكَّة أَو أَكثر، وعَلى ثَمَانِيَة مراحل من الْمَدِينَة، سميت بذلك لِأَن السُّيُول أجحفت بِمَا حولهَا. وَقَالَ الْكَلْبِيّ: أخرجت العماليق بني عبيل، وهم أخوة عَاد، من يثرب فنزلوا الْجحْفَة، وَكَانَ اسْمهَا: مهيعة، فَجَاءَهُمْ السَّيْل فأجحفتهم، فسميت الْجحْفَة، وَفِي كتاب (أَسمَاء الْبلدَانِ) : لِأَن سيل الجحاف نزل بهَا. فَذهب بِكَثِير من الْحَاج وبأمتعة النَّاس ورحالهم، فَمن ذَلِك سميت: الْجحْفَة. وَقَالَ أَبُو عبيد، وَقد سَمَّاهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مهيعة، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْهَاء وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالْعين الْمُهْملَة، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: قَالَ بَعضهم

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.4 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
سبحان الله