«أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ تَبُوكَ، حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٨٧٢

الحديث رقم ١٨٧٢ من كتاب «فضائل المدينة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب المدينة طابة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أقبلنا مع النبي ﷺ من تبوك، حتى أشرفنا على…

«أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ مِنْ تَبُوكَ، حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: هَذِهِ طَابَةٌ.»

بَابُ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ

سند حديث: ١٨٧٢ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ…

١٨٧٢ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ :

رواة الحديث

شرح حديث: «أقبلنا مع النبي ﷺ من تبوك، حتى أشرفنا على…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الزَّجَّاجُ فِي مُخْتَصَرِهِ وَأَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ فِي مُعْجَمِ مَا اسْتَعْجَمَ أَنَّهَا سُمِّيَتْ يَثْرِبَ بِاسْمِ يَثْرِبَ بْنِ قَانِيَةَ بْنِ مهلايلَ بْنِ عيلَ بْنِ عِيصَ بْنِ إِرَمَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَكَنَهَا بَعْدَ الْعَرَبِ، وَنَزَلَ أَخُوهُ خَيْبُورُ خَيْبَرَ فَسُمِّيَتْ بِهِ، وَسَقَطَ بَعْضُ الْأَسْمَاءِ مِنْ كَلَامِ الْبَكْرِيِّ.

قَوْلُهُ: (تَنْفِي النَّاسَ) قَالَ عِيَاضٌ: وَكَأَنَّ هَذَا مُخْتَصٌّ بِزَمَنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَصْبِرُ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْمُقَامِ مَعَهُ بِهَا إِلَّا مَنْ ثَبَتَ إِيمَانُهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ هَذَا بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ عِنْدَ مُسْلِمٍ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِيَ الْمَدِينَةُ شِرَارَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَهَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - زَمَنَ الدَّجَّالِ. انْتَهَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ كُلًّا مِنَ الزَّمَنَيْنِ، وَكَانَ الْأَمْرُ فِي حَيَاتِهِ كَذَلِكَ لِلسَّبَبِ الْمَذْكُورِ، وَيُؤَيِّدُهُ قِصَّةُ الْأَعْرَابِيِّ الْآتِيَةُ بَعْدَ أَبْوَابٍ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ مُعَلِّلًا بِهِ خُرُوجَ الْأَعْرَابِيِّ وَسُؤَالَهُ الْإِقَالَةَ عَنِ الْبَيْعَةِ، ثُمَّ يَكُونُ ذَلِكَ أَيْضًا فِي آخِرِ الزَّمَانِ عِنْدَمَا يَنْزِلُ بِهَا الدَّجَّالُ فَتَرْجُفُ بِأَهْلِهَا فَلَا يَبْقَى مُنَافِقٌ وَلَا كَافِرٌ إِلَّا خَرَجَ إِلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ أَيْضًا، وَأَمَّا مَا بَيْنَ ذَلِكَ فَلَا.

قَوْلُهُ: (كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ) بِكَسْرِ الْكَافِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى كُورٌ بِضَمِّ الْكَافِ، وَالْمَشْهُورُ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّهُ الزِّقُّ الَّذِي يُنْفَخُ فِيهِ، لَكِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكِيرِ حَانُوتُ الْحَدَّادِ وَالصَّائِغِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَقِيلَ: الْكِيرُ هُوَ الزِّقُّ وَالْحَانُوتُ هُوَ الْكُورُ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ: الْكِيرُ الزِّقُّ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ الْحَدَّادُ. وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ بِإِسْنَادٍ لَهُ إِلَى أَبِي مَوْدُودٍ قَالَ: رَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كِيرَ حَدَّادٍ فِي السُّوقِ فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ حَتَّى هَدَمَهُ. وَالْخَبَثُ - بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ - أَيْ: وَسَخُهُ الَّذِي تُخْرِجُهُ النَّارُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا لَا تَتْرُكُ فِيهَا مَنْ فِي قَلْبِهِ دَغَلٌ، بَلْ تُمَيِّزُهُ عَنِ الْقُلُوبِ الصَّادِقَةِ وَتُخْرِجُهُ كَمَا يُمَيِّزُ الْحَدَّادَ رَدِيءَ الْحَدِيدِ مِنْ جَيِّدِهِ. وَنِسْبَةُ التَّمْيِيزِ لِلْكِيرِ لِكَوْنِهِ السَّبَبَ الْأَكْبَرَ فِي اشْتِعَالِ النَّارِ الَّتِي يَقَعُ التَّمْيِيزُ بِهَا.

وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ الْبِلَادِ. قَالَ الْمُهَلَّبُ: لِأَنَّ الْمَدِينَةَ هِيَ الَّتِي أَدْخَلَتْ مَكَّةَ وَغَيْرَهَا مِنَ الْقُرَى فِي الْإِسْلَامِ، فَصَارَ الْجَمِيعُ فِي صَحَائِفِ أَهْلِهَا، وَلِأَنَّهَا تَنْفِي الْخَبَثَ، وَأُجِيبُ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ الَّذِينَ فَتَحُوا مَكَّةَ مُعْظَمُهُمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَالْفَضْلُ ثَابِتٌ لِلْفَرِيقَيْنِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَفْضِيلُ إِحْدَى الْبُقْعَتَيْنِ، وَعَنِ الثَّانِي بِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فِي خَاصٍّ مِنَ النَّاسِ، وَمِنَ الزَّمَانِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ وَالْمُنَافِقُ خَبِيثٌ بِلَا شَكٍّ، وَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ بَعْدَ النَّبِيِّ مُعَاذٌ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ، وَابْنُ مَسْعُودٍ وَطَائِفَةٌ ثُمَّ عَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَعَمَّارٌ وَآخَرُونَ، وَهُمْ مِنْ أَطْيَبِ الْخَلْقِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ تَخْصِيصُ نَاسٍ دُونَ نَاسٍ، وَوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: لَوْ فُتِحَتْ بَلَدٌ مِنْ بَلَدٍ فَثَبَتَ بِذَلِكَ الْفَضْلُ لِلْأُولَى لَلَزِمَ أَنْ تَكُونَ الْبَصْرَةُ أَفْضَلَ مِنْ خُرَاسَانَ وَسِجِسْتَانَ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا فُتِحَ مِنْ جِهَةِ الْبَصْرَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ.

٣ - بَاب الْمَدِينَةُ طَابَةٌ

١٨٧٢ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ : أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ مِنْ تَبُوكَ حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ: هَذِهِ طَابَةٌ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ الْمَدِينَةُ طَابَةُ) أَيْ: مِنْ أَسْمَائِهَا؛ إِذْ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا لَا تُسَمَّى بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ وَقَدْ مَضَى مُطَوَّلًا فِي أَوَاخِرِ الزَّكَاةِ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ طَابَةُ وَفِي بَعْضِهَا طَيْبَةُ، وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا: أَنَّ اللَّهَ سَمَّى الْمَدِينَةَ طَابَةَ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وأكَّالة القرى لغلبتها الجميع فضلًا وتسلُّطها عليها وافتتاحها بأيدي أهلها، فغنموها وأكلوها، وروى الزُّبير في «أخبار المدينة» من طريق عبد العزيز الدَّراورديِّ أنَّه قال: بلغني أنَّ للمدينة في التَّوراة أربعين اسمًا.

١٨٧٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) البجليُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ التَّيميُّ القرشيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بفتح العين، ابن عمارة الأنصاريُّ المدنيُّ (عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بالمُوحَّدة والمهملة في الأوَّل، وفتح المهملة (١) وسكون الهاء في الثَّاني، وسكون العين في الثَّالث، السَّاعديِّ (عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) بضمِّ الحاء عبد الرَّحمن السَّاعديِّ (٢) () أنَّه قال: (أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ مِنْ) غزوة (تَبُوكَ) سنة تسعٍ من الهجرة (حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى المَدِينَةِ، فَقَالَ) : (هَذِهِ) اسمها (طَابَةُ) كـ «شامة»، ولأبي ذرٍّ: «طابةٌ» بالتَّنوين، وفي بعض طرقه: طيْبَة كـ «هيبة»، ولـ «مسلمٍ» عن جابر بن سمرة: «إنَّ الله تعالى سمَّى المدينة طابة».

وحديث الباب هذا طرفٌ من (٣) حديثٍ طويلٍ سبق في «باب خرص التَّمر» [خ¦١٤٨١] من «باب الزَّكاة»، والله أعلم (٤).

(٤) (بابُ لَابَتَيِ المَدِينَةِ).

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٣ - (بابٌ المَدِينةُ طابَةُ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْمَدِينَة: طابة، أَي: من أسمائها: طابة، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يدل على أَنَّهَا لَا تسمى بِغَيْر ذَلِك، وأصل طابة طيبَة لِأَنَّهَا من الطّيب، فقلبت الْيَاء ألفا لتحركها، وانفتاح مَا قبلهَا، فوزنها: فالة، لَا: فاعة.

٢٧٨١ - حدَّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ قَالَ حدَّثنا سُلَيْمَانُ قَالَ حدَّثني عَمْرُو بنُ يَحْيَى عنْ عَبَّاسِ بنِ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ عنْ أبِي حُمَيْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ أقْبَلْنَا مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ تَبُوكَ حَتَّى أشْرَفْنَا عَلَى المَدِينَةِ فَقَالَ هاذِهِ طابَةُ..

التَّرْجَمَة متن الحَدِيث، وخَالِد بن مخلد البَجلِيّ الْكُوفِي، وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال أَبُو أَيُّوب التَّيْمِيّ الْقرشِي، وَعَمْرو بن يحيى بن عمَارَة الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، وَأَبُو حميد، بِضَم الْحَاء: عبد الرَّحْمَن السَّاعِدِيّ. وَهَذَا الحَدِيث طرف من حَدِيث طَوِيل وَقد مضى فِي أَوَاخِر الزَّكَاة فِي: بَاب خرص التَّمْر، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مستقصىً.

قَوْله: (طابة) ، وَفِي بعض طرقه: (طيبَة) ، وروى مُسلم من حَدِيث جَابر بن سَمُرَة مَرْفُوعا: (إِن الله سمى الْمَدِينَة طابة) . وروى أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) عَن شُعْبَة عَن سماك بِلَفْظ: (كَانُوا يسمون الْمَدِينَة يثرب، فسماها النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: طابة) . وَرَوَاهُ أَبُو عوَانَة، وَسميت طابة لطيبها لساكنها. وَقيل: من طيب الْعَيْش بهَا، وَقيل: من أَقَامَ بهَا يجد من تربَتهَا وحيطانها رَائِحَة طيبَة لَا تكَاد تُوجد فِي غَيرهَا. قلت: وَأي طيب يجده الْمُقِيم بهَا أطيب من مُشَاهدَة قَبره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ فَهَل طيب أطيب من تربته؟ وَكَيف لَا وَبَين قَبره ومنبره رَوْضَة من رياض الْجنَّة؟ فَاعْتبر بِهَذَا طيب التربة الَّتِي ضمت جسده الْكَرِيم، وللمدينة أسامي كَثِيرَة، وَقد ذكرنَا بَعْضهَا عَن قريب. وروى الزبير فِي (أَخْبَار الْمَدِينَة) من طَرِيق عبد الْعَزِيز الدَّرَاورْدِي، قَالَ: بَلغنِي أَن لَهَا أَرْبَعِينَ إسما، وَرُوِيَ من طَرِيق أبي سُهَيْل بن مَالك عَن كَعْب الْأَحْبَار، قَالَ: نجد فِي كتاب الله تَعَالَى، الَّذِي أنزل على مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَن الله قَالَ للمدينة: يَا طيبَة، يَا طابة، يَا مسكينة، لَا تقبلي الْكُنُوز أرفع أجاجيرك على الْقرى.

٤ - (بابُ لَابَتَيْ المَدِينَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذكر لابتي الْمَدِينَة فِي الحَدِيث، وَقد مر تَفْسِير الْآيَة.

٣٧٨١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ سَعِيدِ بنِ الْمُسَيَّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ لَوْ رَأيْتُ الظِّبَاءَ بِالمَدِينَةِ تَرْتَعُ مَا زَعَرْتُهَا قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ.

(انْظُر الحَدِيث ٩٦٨١) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه قد مر غير مرّة، والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن يحيى ابْن يحيى، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن قُتَيْبَة وَعَن إِسْحَاق بن مُوسَى، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن قُتَيْبَة.

قَوْله: (الظباء) جمع ظَبْي. قَوْله: (ترتع) ، أَي: ترعى، وَقيل: تنبسط. قَوْله: (مَا ذعرتها) أَي: مَا أخفتها وَمَا نفَّرتها، وَهُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة، يُقَال: ذعرته أذعره ذعرا: أفزعته، وَالِاسْم: الذعر، بِالضَّمِّ وَقد ذعر فَهُوَ مذعور، وكني بذلك عَن عدم صيدها لِأَنَّهُ مِمَّن يَقُول بِأَن للمدينة حرما وَمِمَّنْ يروي فِي ذَلِك بقوله: {قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا بَين لابتيها) أَي: لابتي الْمَدِينَة، وَهِي: بَين لابتين شرقية وغربية، وَلها لابتان أَيْضا من الْجَانِبَيْنِ الآخرين إلَاّ أَنَّهُمَا يرجعان إِلَى الْأَوليين لاتصالهما بهما، وَالْحَاصِل أَن جَمِيع دورها كلهَا دَاخل ذَلِك، وَفِي رِوَايَة لمُسلم: (أللهم إِنِّي أحرم مَا بَين جبليها) ، وَوَقع عِنْد أَحْمد: (مَا بَين حرتيها) ، وَفِي رِوَايَة: مَا بَين مأزميها) ، وَعَن هَذَا قَالَ بعض الْحَنَفِيَّة: هَذَا حَدِيث مُضْطَرب، والمأزمان تَثْنِيَة مأزم، بِهَمْزَة بعد مِيم وبكسر الزَّاي، هُوَ الْجَبَل، وَقيل: الْمضيق بَين الجبلين وَنَحْوه، وَالْأول هُوَ الصَّوَاب هُنَا، وَمَعْنَاهُ: مَا بَين جبليها.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الزَّجَّاجُ فِي مُخْتَصَرِهِ وَأَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ فِي مُعْجَمِ مَا اسْتَعْجَمَ أَنَّهَا سُمِّيَتْ يَثْرِبَ بِاسْمِ يَثْرِبَ بْنِ قَانِيَةَ بْنِ مهلايلَ بْنِ عيلَ بْنِ عِيصَ بْنِ إِرَمَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَكَنَهَا بَعْدَ الْعَرَبِ، وَنَزَلَ أَخُوهُ خَيْبُورُ خَيْبَرَ فَسُمِّيَتْ بِهِ، وَسَقَطَ بَعْضُ الْأَسْمَاءِ مِنْ كَلَامِ الْبَكْرِيِّ.

قَوْلُهُ: (تَنْفِي النَّاسَ) قَالَ عِيَاضٌ: وَكَأَنَّ هَذَا مُخْتَصٌّ بِزَمَنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَصْبِرُ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْمُقَامِ مَعَهُ بِهَا إِلَّا مَنْ ثَبَتَ إِيمَانُهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ هَذَا بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ عِنْدَ مُسْلِمٍ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِيَ الْمَدِينَةُ شِرَارَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَهَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - زَمَنَ الدَّجَّالِ. انْتَهَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ كُلًّا مِنَ الزَّمَنَيْنِ، وَكَانَ الْأَمْرُ فِي حَيَاتِهِ كَذَلِكَ لِلسَّبَبِ الْمَذْكُورِ، وَيُؤَيِّدُهُ قِصَّةُ الْأَعْرَابِيِّ الْآتِيَةُ بَعْدَ أَبْوَابٍ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ مُعَلِّلًا بِهِ خُرُوجَ الْأَعْرَابِيِّ وَسُؤَالَهُ الْإِقَالَةَ عَنِ الْبَيْعَةِ، ثُمَّ يَكُونُ ذَلِكَ أَيْضًا فِي آخِرِ الزَّمَانِ عِنْدَمَا يَنْزِلُ بِهَا الدَّجَّالُ فَتَرْجُفُ بِأَهْلِهَا فَلَا يَبْقَى مُنَافِقٌ وَلَا كَافِرٌ إِلَّا خَرَجَ إِلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ أَيْضًا، وَأَمَّا مَا بَيْنَ ذَلِكَ فَلَا.

قَوْلُهُ: (كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ) بِكَسْرِ الْكَافِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى كُورٌ بِضَمِّ الْكَافِ، وَالْمَشْهُورُ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّهُ الزِّقُّ الَّذِي يُنْفَخُ فِيهِ، لَكِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكِيرِ حَانُوتُ الْحَدَّادِ وَالصَّائِغِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَقِيلَ: الْكِيرُ هُوَ الزِّقُّ وَالْحَانُوتُ هُوَ الْكُورُ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ: الْكِيرُ الزِّقُّ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ الْحَدَّادُ. وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ بِإِسْنَادٍ لَهُ إِلَى أَبِي مَوْدُودٍ قَالَ: رَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كِيرَ حَدَّادٍ فِي السُّوقِ فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ حَتَّى هَدَمَهُ. وَالْخَبَثُ - بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ - أَيْ: وَسَخُهُ الَّذِي تُخْرِجُهُ النَّارُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا لَا تَتْرُكُ فِيهَا مَنْ فِي قَلْبِهِ دَغَلٌ، بَلْ تُمَيِّزُهُ عَنِ الْقُلُوبِ الصَّادِقَةِ وَتُخْرِجُهُ كَمَا يُمَيِّزُ الْحَدَّادَ رَدِيءَ الْحَدِيدِ مِنْ جَيِّدِهِ. وَنِسْبَةُ التَّمْيِيزِ لِلْكِيرِ لِكَوْنِهِ السَّبَبَ الْأَكْبَرَ فِي اشْتِعَالِ النَّارِ الَّتِي يَقَعُ التَّمْيِيزُ بِهَا.

وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ الْبِلَادِ. قَالَ الْمُهَلَّبُ: لِأَنَّ الْمَدِينَةَ هِيَ الَّتِي أَدْخَلَتْ مَكَّةَ وَغَيْرَهَا مِنَ الْقُرَى فِي الْإِسْلَامِ، فَصَارَ الْجَمِيعُ فِي صَحَائِفِ أَهْلِهَا، وَلِأَنَّهَا تَنْفِي الْخَبَثَ، وَأُجِيبُ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ الَّذِينَ فَتَحُوا مَكَّةَ مُعْظَمُهُمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَالْفَضْلُ ثَابِتٌ لِلْفَرِيقَيْنِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَفْضِيلُ إِحْدَى الْبُقْعَتَيْنِ، وَعَنِ الثَّانِي بِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فِي خَاصٍّ مِنَ النَّاسِ، وَمِنَ الزَّمَانِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ وَالْمُنَافِقُ خَبِيثٌ بِلَا شَكٍّ، وَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ بَعْدَ النَّبِيِّ مُعَاذٌ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ، وَابْنُ مَسْعُودٍ وَطَائِفَةٌ ثُمَّ عَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَعَمَّارٌ وَآخَرُونَ، وَهُمْ مِنْ أَطْيَبِ الْخَلْقِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ تَخْصِيصُ نَاسٍ دُونَ نَاسٍ، وَوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: لَوْ فُتِحَتْ بَلَدٌ مِنْ بَلَدٍ فَثَبَتَ بِذَلِكَ الْفَضْلُ لِلْأُولَى لَلَزِمَ أَنْ تَكُونَ الْبَصْرَةُ أَفْضَلَ مِنْ خُرَاسَانَ وَسِجِسْتَانَ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا فُتِحَ مِنْ جِهَةِ الْبَصْرَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ.

٣ - بَاب الْمَدِينَةُ طَابَةٌ

١٨٧٢ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ : أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ مِنْ تَبُوكَ حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ: هَذِهِ طَابَةٌ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ الْمَدِينَةُ طَابَةُ) أَيْ: مِنْ أَسْمَائِهَا؛ إِذْ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا لَا تُسَمَّى بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ وَقَدْ مَضَى مُطَوَّلًا فِي أَوَاخِرِ الزَّكَاةِ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ طَابَةُ وَفِي بَعْضِهَا طَيْبَةُ، وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا: أَنَّ اللَّهَ سَمَّى الْمَدِينَةَ طَابَةَ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وأكَّالة القرى لغلبتها الجميع فضلًا وتسلُّطها عليها وافتتاحها بأيدي أهلها، فغنموها وأكلوها، وروى الزُّبير في «أخبار المدينة» من طريق عبد العزيز الدَّراورديِّ أنَّه قال: بلغني أنَّ للمدينة في التَّوراة أربعين اسمًا.

١٨٧٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) البجليُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ التَّيميُّ القرشيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بفتح العين، ابن عمارة الأنصاريُّ المدنيُّ (عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بالمُوحَّدة والمهملة في الأوَّل، وفتح المهملة (١) وسكون الهاء في الثَّاني، وسكون العين في الثَّالث، السَّاعديِّ (عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) بضمِّ الحاء عبد الرَّحمن السَّاعديِّ (٢) () أنَّه قال: (أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ مِنْ) غزوة (تَبُوكَ) سنة تسعٍ من الهجرة (حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى المَدِينَةِ، فَقَالَ) : (هَذِهِ) اسمها (طَابَةُ) كـ «شامة»، ولأبي ذرٍّ: «طابةٌ» بالتَّنوين، وفي بعض طرقه: طيْبَة كـ «هيبة»، ولـ «مسلمٍ» عن جابر بن سمرة: «إنَّ الله تعالى سمَّى المدينة طابة».

وحديث الباب هذا طرفٌ من (٣) حديثٍ طويلٍ سبق في «باب خرص التَّمر» [خ¦١٤٨١] من «باب الزَّكاة»، والله أعلم (٤).

(٤) (بابُ لَابَتَيِ المَدِينَةِ).

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٣ - (بابٌ المَدِينةُ طابَةُ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْمَدِينَة: طابة، أَي: من أسمائها: طابة، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يدل على أَنَّهَا لَا تسمى بِغَيْر ذَلِك، وأصل طابة طيبَة لِأَنَّهَا من الطّيب، فقلبت الْيَاء ألفا لتحركها، وانفتاح مَا قبلهَا، فوزنها: فالة، لَا: فاعة.

٢٧٨١ - حدَّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ قَالَ حدَّثنا سُلَيْمَانُ قَالَ حدَّثني عَمْرُو بنُ يَحْيَى عنْ عَبَّاسِ بنِ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ عنْ أبِي حُمَيْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ أقْبَلْنَا مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ تَبُوكَ حَتَّى أشْرَفْنَا عَلَى المَدِينَةِ فَقَالَ هاذِهِ طابَةُ..

التَّرْجَمَة متن الحَدِيث، وخَالِد بن مخلد البَجلِيّ الْكُوفِي، وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال أَبُو أَيُّوب التَّيْمِيّ الْقرشِي، وَعَمْرو بن يحيى بن عمَارَة الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، وَأَبُو حميد، بِضَم الْحَاء: عبد الرَّحْمَن السَّاعِدِيّ. وَهَذَا الحَدِيث طرف من حَدِيث طَوِيل وَقد مضى فِي أَوَاخِر الزَّكَاة فِي: بَاب خرص التَّمْر، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مستقصىً.

قَوْله: (طابة) ، وَفِي بعض طرقه: (طيبَة) ، وروى مُسلم من حَدِيث جَابر بن سَمُرَة مَرْفُوعا: (إِن الله سمى الْمَدِينَة طابة) . وروى أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) عَن شُعْبَة عَن سماك بِلَفْظ: (كَانُوا يسمون الْمَدِينَة يثرب، فسماها النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: طابة) . وَرَوَاهُ أَبُو عوَانَة، وَسميت طابة لطيبها لساكنها. وَقيل: من طيب الْعَيْش بهَا، وَقيل: من أَقَامَ بهَا يجد من تربَتهَا وحيطانها رَائِحَة طيبَة لَا تكَاد تُوجد فِي غَيرهَا. قلت: وَأي طيب يجده الْمُقِيم بهَا أطيب من مُشَاهدَة قَبره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ فَهَل طيب أطيب من تربته؟ وَكَيف لَا وَبَين قَبره ومنبره رَوْضَة من رياض الْجنَّة؟ فَاعْتبر بِهَذَا طيب التربة الَّتِي ضمت جسده الْكَرِيم، وللمدينة أسامي كَثِيرَة، وَقد ذكرنَا بَعْضهَا عَن قريب. وروى الزبير فِي (أَخْبَار الْمَدِينَة) من طَرِيق عبد الْعَزِيز الدَّرَاورْدِي، قَالَ: بَلغنِي أَن لَهَا أَرْبَعِينَ إسما، وَرُوِيَ من طَرِيق أبي سُهَيْل بن مَالك عَن كَعْب الْأَحْبَار، قَالَ: نجد فِي كتاب الله تَعَالَى، الَّذِي أنزل على مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَن الله قَالَ للمدينة: يَا طيبَة، يَا طابة، يَا مسكينة، لَا تقبلي الْكُنُوز أرفع أجاجيرك على الْقرى.

٤ - (بابُ لَابَتَيْ المَدِينَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذكر لابتي الْمَدِينَة فِي الحَدِيث، وَقد مر تَفْسِير الْآيَة.

٣٧٨١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ سَعِيدِ بنِ الْمُسَيَّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ لَوْ رَأيْتُ الظِّبَاءَ بِالمَدِينَةِ تَرْتَعُ مَا زَعَرْتُهَا قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ.

(انْظُر الحَدِيث ٩٦٨١) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه قد مر غير مرّة، والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن يحيى ابْن يحيى، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن قُتَيْبَة وَعَن إِسْحَاق بن مُوسَى، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن قُتَيْبَة.

قَوْله: (الظباء) جمع ظَبْي. قَوْله: (ترتع) ، أَي: ترعى، وَقيل: تنبسط. قَوْله: (مَا ذعرتها) أَي: مَا أخفتها وَمَا نفَّرتها، وَهُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة، يُقَال: ذعرته أذعره ذعرا: أفزعته، وَالِاسْم: الذعر، بِالضَّمِّ وَقد ذعر فَهُوَ مذعور، وكني بذلك عَن عدم صيدها لِأَنَّهُ مِمَّن يَقُول بِأَن للمدينة حرما وَمِمَّنْ يروي فِي ذَلِك بقوله: {قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا بَين لابتيها) أَي: لابتي الْمَدِينَة، وَهِي: بَين لابتين شرقية وغربية، وَلها لابتان أَيْضا من الْجَانِبَيْنِ الآخرين إلَاّ أَنَّهُمَا يرجعان إِلَى الْأَوليين لاتصالهما بهما، وَالْحَاصِل أَن جَمِيع دورها كلهَا دَاخل ذَلِك، وَفِي رِوَايَة لمُسلم: (أللهم إِنِّي أحرم مَا بَين جبليها) ، وَوَقع عِنْد أَحْمد: (مَا بَين حرتيها) ، وَفِي رِوَايَة: مَا بَين مأزميها) ، وَعَن هَذَا قَالَ بعض الْحَنَفِيَّة: هَذَا حَدِيث مُضْطَرب، والمأزمان تَثْنِيَة مأزم، بِهَمْزَة بعد مِيم وبكسر الزَّاي، هُوَ الْجَبَل، وَقيل: الْمضيق بَين الجبلين وَنَحْوه، وَالْأول هُوَ الصَّوَاب هُنَا، وَمَعْنَاهُ: مَا بَين جبليها.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.2 / 29.5
الإضاءة 60%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
اللهم صل على محمد