«قَرَأَ: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ.» بَابٌ: مَتَى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٤٩

الحديث رقم ١٩٤٩ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب وعلى الذين يطيقونه فدية.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «قرأ: ﴿فدية طعام مساكين﴾ قال: هي منسوخة.»…

«قَرَأَ: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ.»

بَابٌ: مَتَى يُقْضَى قَضَاءُ رَمَضَانَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا بَأْسَ أَنْ يُفَرَّقَ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فِي صَوْمِ الْعَشْرِ لَا يَصْلُحُ حَتَّى يَبْدَأَ بِرَمَضَانَ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ إِذَا فَرَّطَ حَتَّى جَاءَ رَمَضَانٌ آخَرُ يَصُومُهُمَا وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ طَعَامًا وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُرْسَلًا وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يُطْعِمُ وَلَمْ يَذْكُرِ اللهُ الْإِطْعَامَ إِنَّمَا قَالَ ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾

سند حديث: ١٩٤٩ - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ : حَدَّثَنَا…

١٩٤٩ - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ :

رواة الحديث

شرح حديث: «قرأ: ﴿فدية طعام مساكين﴾ قال: هي منسوخة.»…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

رَسُولُ اللَّهِ وَأَفْطَرَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ

قَوْلُهُ: (بَابٌ: مَنْ أَفْطَرَ فِي السَّفَرِ لِيَرَاهُ النَّاسُ) أَيْ: إِذَا كَانَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ أَفْضَلِيَّةَ الْفِطْرِ لَا تَخْتَصُّ بِمَنْ أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ أَوْ خَشِيَ الْعُجْبَ وَالرِّيَاءَ أَوْ ظُنَّ بِهِ الرَّغْبَةُ عَنِ الرُّخْصَةِ، بَلْ يُلْحَقُ بِذَلِكَ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ لِيُتَابِعَهُ مَنْ وَقَعَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، وَيَكُونُ الْفِطْرُ فِي حَقِّهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَفْضَلَ لِفَضِيلَةِ الْبَيَانِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) كَذَا عِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ فِي الْمَغَازِي، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ فَلَمْ يَذْكُرْ طَاوُسًا فِي الْإِسْنَادِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُجَاهِدٌ أَخَذَهُ عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ثُمَّ لَقِيَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَحَمَلَهُ عَنْهُ، أَوْ سَمِعَهُ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَثَبَّتَهُ فِيهِ طَاوُسٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ الْجَرِيدَتَيْنِ عَلَى الْقَبْرَيْنِ فِي الطَّهَارَةِ.

قَوْلُهُ: (فَرَفَعَهُ إِلَى يَدِهِ) كَذَا فِي الْأُصُولِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا مِنَ الْبُخَارِيِّ، وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ الرَّفْعَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْيَدِ، وَأَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْمَعْنَى يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَفَعَهُ إِلَى أَقْصَى طُولِ يَدِهِ، أَيِ: انْتَهَى الرَّفْعُ إِلَى أَقْصَى غَايَتِهَا. قُلْتُ: وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ مُسَدَّدٍ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ فِي الْبُخَارِيِّ فَرَفَعَهُ إِلَى فِيهِ وَهَذَا أَوْضَحُ، وَلَعَلَّ الْكَلِمَةَ تَصَحَّفَتْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ أَلْفَاظِ الرُّوَاةِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ مَعَ بَقِيَّةِ مَبَاحِثِ الْمَتْنِ.

قَوْلُهُ: (لِيَرَاهُ النَّاسُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَالنَّاسُ بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي لِيُرِيَهُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَالنَّاسَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ كَتَبَ لِيَرَاهُ النَّاسُ بِالْيَاءِ فَلَا يَكُونُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ اخْتِلَافٌ.

قَوْلُهُ: (فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ. . . إِلَخْ) فَهِمَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ فِعْلِهِ ذَلِكَ أَنَّهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ لَا لِلْأَوْلَوِيَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَجَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مَا يُوَضِّحُ الْمُرَادَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٩ - بَاب ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾

قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ: نَسَخَتْهَا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى، حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ : نَزَلَ رَمَضَانُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ مَنْ أَطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا تَرَكَ الصَّوْمَ مِمَّنْ يُطِيقُهُ، وَرُخِّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ فَنَسَخَتْهَا: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فَأُمِرُوا بِالصَّوْمِ

١٩٤٩ - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَرَأَ:

فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ

[الحديث ١٩٤٩ - طرفه في ٤٥٠٦]

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ: نَسَخَتْهَا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَوَصَلَهُ فِي آخِرِ الْبَابِ عَنْ عَيَّاشٍ وَهُوَ بِتَحْتَانِيَّةٍ وَمُعْجَمَةٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَنْهُ أَيْضًا فِي التَّفْسِيرِ وَزَادَ أَنَّهُ ابْنُ الْوَلِيدِ وَهُوَ الرَّقَّامُ، وَشَيْخُهُ عَبْدُ الْأَعْلَى هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْبَصْرِيُّ السَّامِيُّ بِالْمُهْمَلَةِ، وَلَكِنْ لَمْ يُعَيِّنِ النَّاسِخَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ الَّتِي بَعْدَهَا: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ فِي التَّرْجَمَةِ وَفِي حَدِيثِ سَلَمَةَ نَسَخَتْهَا ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ أَيِ: الْآيَةُ الَّتِي أَوَّلُهَا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى مَوْضِعِ النَّسْخِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وَأَمَّا حَدِيثُ سَلَمَةَ فَوَصَلَهُ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ بِلَفْظِ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كَانَ مَنْ أَرادَ أَنْ يُفْطِرَ أَفْطَرَ وَافْتَدَى حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ إِلَخْ) وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَلَفْظُ الْبَيْهَقِيِّ: قَدِمَ النَّبِيُّ الْمَدِينَةَ وَلَا عَهْدَ لَهُمْ بِالصِّيَامِ، فَكَانُوا يَصُومُونَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ حَتَّى نَزَلَ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ فَاسْتَكْثَرُوا ذَلِكَ وَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ مَنْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا كُلَّ يَوْمٍ تَرَكَ الصِّيَامَ مِمَّنْ يُطِيقُهُ وَرُخِّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ نَسَخَهُ: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فَأُمِرُوا بِالصِّيَامِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، وَالْمَسْعُودِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ مُطَوَّلًا فِي الْأَذَانِ وَالْقِبْلَةِ وَالصِّيَامِ، وَاخْتُلِفَ فِي إِسْنَادِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَطَرِيقُ ابْنِ نُمَيْرٍ هَذِهِ أَرْجَحُهَا، وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْإِفْطَارَ وَالْإِطْعَامَ كَانَ رُخْصَةً ثُمَّ نُسِخَ، لَزِمَ أَنْ يَصِيرَ الصِّيَامُ حَتْمًا وَاجِبًا، فَكَيْفَ يَلْتَئِمُ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وَالْخَيْرِيَّةُ لَا تَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ بَلِ الْمُشَارَكَةِ فِي أَصْلِ الْخَيْرِ؟

أَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْمَعْنَى: فَالصَّوْمُ خَيْرٌ مِنَ التَّطَوُّعِ بِالْفِدْيَةِ، وَالتَّطَوُّعُ بِهَا كَانَ سُنَّةً، وَالْخَيْرُ مِنَ السُّنَّةِ لَا يَكُونُ إِلَّا وَاجِبًا، أَيْ: لَا يَكُونُ شَيْءٌ خَيْرًا مِنَ السُّنَّةِ إِلَّا الْوَاجِبَ، كَذَا قَالَ، وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ وَتَكَلُّفُهُ. وَدَعْوَى الْوُجُوبِ فِي خُصُوصِ الصِّيَامِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَيْسَتْ بِظَاهِرَةٍ، بَلْ هُوَ وَاجِبٌ مُخَيَّرٌ، مَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ وَأَطْعَمَ، فَنَصَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ، وَكَوْنُ بَعْضِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ لَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَاتَّفَقَتْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ مَنْسُوخٌ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ لَكِنْهَا مَخْصُوصَةٌ بِالشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَنَحْوِهِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ وَالْبَحْثُ فِيهِ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنَّفُ مِنْ تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ.

٤٠ - بَاب مَتَى يُقْضَى قَضَاءُ رَمَضَانَ؟

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يُفَرَّقَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فِي صَوْمِ الْعَشْرِ: لَا يَصْلُحُ حَتَّى يَبْدَأَ بِرَمَضَانَ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِذَا فَرَّطَ حَتَّى جَاءَ رَمَضَانُ آخَرُ يَصُومُهُمَا، وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ إطَعَامًا. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُرْسَلًا وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يُطْعِمُ، وَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

يُطِيقُهُ، وَرُخِّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ) بضمِّ الرَّاء مبنيًّا للمفعول (فَنَسَخَتْهَا) أي: آية (١) الفدية قوله تعالى: (﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إ﴾ [البقرة: ١٨٤] فَأُمِرُوا بِالصَّوْمِ) واستُشكِل وجه (٢) نسخ هذه الآية للسَّابقة لأنَّ الخيريَّة لا تقتضي الوجوب، وأجاب الكِرمانيُّ بأنَّ معناه: أنَّ الصَّوم خيرٌ من التَّطوُّع بالفدية، والتَّطوُّع بها سنَّةٌ؛ بدليل أنَّه خيرٌ، والخير من السُّنَّة لا يكون إلَّا واجبًا.

١٩٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ) (٣) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة والمُثلَّثة آخره، ابن الوليد الرَّقَّام البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) ابن عبد الأعلى البصريُّ السَّاميُّ -بالمهملة- قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا العمريُّ المدنيُّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ) أنَّه (قَرَأَ) قوله تعالى: (﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]) بتنوين «فديةٌ» ورفع «طعامُ» وجمع «مساكينَ» وفتح نونه من غير تنوينٍ؛ لمقابلة الجمع بالجمع، وهذه قراءة هشامٍ عن ابن عامرٍ، ولابن عساكر: «مسكينٍ» بالتَّوحيد وكسر النُّون مع تنوين «فديةٌ» ورفع «طعامُ»، وهي قراءة ابن كثيرٍ وأبي عمرٍو وعاصمٍ وحمزة والكسائيِّ، فـ «فديةٌ»: مبتدأٌ، خبره: الجارُّ قبله، و «طعامُ» بدلٌ من «فدية»، وتوحيد «مسكين» لمراعاة أفراد العموم، أي: وعلى كلِّ واحدٍ (٤) ممَّن يطيق الصَّوم لكلِّ يومٍ يفطره (٥) إطعامُ مسكينٍ، وتبيَّن من إفراد «المسكين» أنَّ الحكم لكلِّ يومٍ يفطر فيه

إطعام (١) مسكينٍ، ولا يُفهَم ذلك من الجمع.

(قَالَ) أي: ابن عمر: (هِيَ) أي: آية الفدية (مَنْسُوخَةٌ) وهذا مذهب الجمهور خلافًا لابن عبَّاسٍ حيث قال: إنَّها ليست بمنسوخةٍ، وهي للشَّيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فليطعما مكان كلِّ يومٍ مسكينًا، وهذا الحكم باقٍ، وهو حجَّةٌ للشَّافعيِّ ومن وافقه في أنَّ من عجز عن الصَّوم -لهرمٍ أو زمانةٍ أو اشتدَّت عليه مشقَّته (٢) - سقط عنه الصَّوم لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ولزمته الفدية خلافًا لمالكٍ ومن وافقه، ومذهب الشَّافعيَّة: أنَّ الحامل والمرضع ولو لولد غيرِها، بأجرةٍ أو دونها، إذا أفطرتا يجب على كلِّ واحدةٍ (٣) منهما مع القضاء الفدية من مالهما، لكلِّ يومٍ مدٌّ إن خافتا على الطِّفل وإن كانتا مسافرتين أو مريضتين، لما روى البيهقيُّ وأبو داود بإسنادٍ حسنٍ عن ابن عبَّاسٍ في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] أنَّه نُسِخ (٤) حكمه إلَّا في حقِّهما حينئذٍ، ويُستَثنى المتحيِّرة فلا فدية عليها على الأصحِّ في «الرَّوضة» للشَّكِّ، وهو ظاهرٌ فيما إذا أفطرت ستَّة عشر يومًا فأقلَّ، فإن زادت عليها فينبغي وجوب الفدية عن الزَّائد لعلمنا بأنَّه يلزمها صومه، ولا تتعدَّد الفدية بتعدُّد الولد لأنَّها بدلٌ عن الصَّوم بخلاف العقيقة تتعدَّد بتعدُّدهم (٥) لأنَّها فداءٌ عن كلِّ واحدٍ، وإن خافتا على أنفسهما ولو مع ولديهما فلا فدية، ويجب الفطر لإنقاذ محترمٍ أشرف على الهلاك بغرقٍ أو نحوه، إبقاءً لمهجته مع القضاء والفدية كالمرضع لأنَّه فطرٌ ارتفق به

شخصان كالجماع؛ لأنَّه تعلَّق به مقصود الرَّجل والمرأة فلذا (١) تعلَّق به القضاء والكفَّارة.

(٤٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (مَتَى يُقْضَى) أي: متى يُؤدَّى (قَضَاءُ رَمَضَانَ؟) والقضاء يجيء بمعنى الأداء، قال الله (٢) تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة: ١٠] أي: فإذا أُدِّيت الصَّلاة (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله عبد الرَّزَّاق عن معمرٍ عن الزُّهريِّ: (لَا بَأْسَ أَنْ يُفَرَّقَ) قضاء رمضان (لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]) لصدقها على المتتابعة والمتفرِّقة.

(وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) فيما رواه (٣) ابن أبي شيبة (فِي صَوْمِ العَشْرِ) الأوَّل من ذي الحجَّة لمَّا سُئِل عن صومه، والحال أنَّ على الذي سأله قضاءً من رمضان: (لَا يَصْلُحُ حَتَّى يَبْدَأَ بِرَمَضَانَ) أي: بقضاء صومه، وهذا لا يدلُّ على المنع بل على الأولويَّة، والقياس التَّتابع إلحاقًا لصفة القضاء بصفة الأداء وتعجيلًا لبراءة الذِّمَّة، ولم يجب لإطلاق الآية كما مرَّ وروى الدَّارقُطنيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ: أنَّه سُئِل عن قضاء رمضان فقال: «إن شاء فرَّقه، وإن شاء تابعه»، قال في «المهمَّات»: وقد يجب بطريق العرض، وذلك في صورتين: ضيق الوقت، وتعمُّد التَّرك، ورُدَّ بمنع تسمية هذا موالاةً؛ إذ لو وجبت لزم كونها شرطًا في الصِّحَّة كصوم الكفَّارة، وإنَّما يُسمَّى هذا واجبًا مُضيَّقًا، ولصاحب «المهمَّات»: أن يمنع الملازمة، ويسند المنع بأنَّ الموالاة قد تجب ولا تكون شرطًا كما في صوم رمضان، ولا يمنع من تسمية ذلك موالاةً تسميته واجبًا مُضيَّقًا.

(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ ممَّا وصله سعيد بن منصورٍ: (إِذَا فَرَّطَ) من عليه قضاء رمضان

(حَتَّى جَاءَ) من المجيء، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «حتَّى جاز» بزايٍ بدل الهمزة من الجواز، وفي نسخةٍ: «حان» بمهملةٍ ونونٍ من الحين (رَمَضَانٌ آخَرُ) بتنوين «رمضان» لأنَّه نكرةٌ (يَصُومُهُمَا) وفي أصول البخاري: «حتَّى جاء رمضانُ» بغير تنوين «أُمِر بصومهما» من الأمر والمُوحَّدة بدل التَّحتيَّة، قال البخاريُّ: (وَلَمْ يَرَ) أي: إبراهيم (عَلَيْهِ طَعَامًا) وهو (١) مذهب أبي حنيفة وأصحابه.

(وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) حال كونه (مُرْسَلًا) فيما وصله عبد الرَّزَّاق وأخرجه الدَّارقُطنيُّ مرفوعًا من طريق مجاهدٍ عن أبي هريرة عن النَّبيِّ (٢)، ولم يسمع مجاهدٌ (٣) من أبي هريرة كما ذكره البَرْدَيجيُّ فلذا سمَّاه البخاريُّ مُرسَلًا (وَ) يُذكَر أيضًا عن (ابْنِ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله سعيد بن منصورٍ والدَّارقُطنيُّ: (أَنَّهُ يُطْعِمُ) عن كلِّ يومٍ مسكينًا مدًّا، ويصوم (٤) ما أدركه وما فاته، قيل: عطف ابن عبَّاسٍ على أبي هريرة يقتضي أن يكون المذكور عن ابن عبَّاسٍ أيضًا مُرسَلًا، وأُجِيب بأنَّه اختُلِف في أنَّ القيد في المعطوف عليه هل هو قيدٌ في المعطوف أم لا؟ فقيل: ليس بقيدٍ، والأصحُّ اشتراكهما، وكذلك اختلف الأصوليُّون في عطف المُطلَق على المُقيَّد هل هو مقيِّدٌ للمُطلَق أم لا؟

قال المؤلِّف: (وَلَمْ يَذْكُرِ اللهُ الإِطْعَامَ، إِنَّمَا قَالَ) تعالى: (﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]) وسكت عن الإطعام -وهو الفدية- لتأخير القضاء، لكن لا يلزم من عدم ذكره في القرآن ألَّا يثبت بالسُّنَّة، ولم يثبت فيه شيءٌ مرفوعٌ، نعم ورد عن جماعةٍ من الصَّحابة منهم: أبو هريرة وابن عبَّاسٍ-كما مرَّ- وعمر بن الخطَّاب فيما ذكره عبد الرَّزَّاق، وهو قول الجمهور خلافًا

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (ليريه النَّاس) ، وَاللَّام فِيهِ للتَّعْلِيل فِي الْوَجْهَيْنِ. و: النَّاس، مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول ثانٍ لِأَن: ليريه، بِضَم الْيَاء من الإراءة وَهِي تستدعي مفعولين كَمَا عرف فِي مَوْضِعه.

وقصة هَذَا الحَدِيث أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج إِلَى مَكَّة عَام الْفَتْح فِي رَمَضَان، فصَام النَّاس، فَقيل لَهُ: إِن النَّاس قد شقّ عَلَيْهِم الصَّوْم، وَإِنَّمَا ينتظرون إِلَى فعلك. فَدَعَا بقدح من مَاء، فرفعه حَتَّى ينظر النَّاس إِلَيْهِ فيقتدوا بِهِ فِي الْإِفْطَار، لِأَن الصّيام أضرّ بهم، فَأَرَادَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم التَّيْسِير عَلَيْهِم، وَكَانَ لَا يُؤمن عَلَيْهِم الضعْف والوهن فِي حربهم حِين لِقَاء عدوهم.

٩٣ - (بابٌ {وعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ} )

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم قَوْله تَعَالَى: {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . أَي: وعَلى الَّذين يُطِيقُونَ الصَّوْم الَّذين لَا عذر بهم إِن أفطروا: {فديَة طَعَام مِسْكين} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . نصف صَاع من بر، أَو صَاع من غَيره عِنْد أهل الْعرَاق، وَعند أهل الْحجاز مد، وَكَانَ فِي بَدْء الْإِسْلَام فرض عَلَيْهِم الصَّوْم، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِم فَرخص لَهُم فِي الْإِفْطَار والفدية. وَقَالَ معَاذ: كَانَ فِي ابْتِدَاء الْأَمر: من شَاءَ صَامَ وَمن شَاءَ أفطر وَأطْعم عَن كل يَوْم مِسْكينا حَتَّى نزلت الْآيَة الَّتِي بعْدهَا، فنسختها وارتفاع فديَة، على الِابْتِدَاء وَخَبره مقدما هُوَ قَوْله {وعَلى الَّذين} وَقِرَاءَة عَامَّة فديَة بِالتَّنْوِينِ وَقَوله: {طَعَام مِسْكين} (الْبَقَرَة: ٥٨١) . بَيَان: لفدية، أَو: بدل مِنْهَا، وَفِي قِرَاءَة نَافِع: {طَعَام مَسَاكِين} بِالْجمعِ، وَقَالَت طَائِفَة: بل هَذَا خَاص بالشيخ والعجوز الْكَبِير الَّذين لم يطيقا الصَّوْم رخص لَهما الْإِفْطَار ويفديان، والفدية الْجَزَاء، وَالْبدل من قَوْلك: فديت الشَّيْء بالشَّيْء أَي: هَذَا بِهَذَا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس: يطوقونه، تفعيل من الطوق، إِمَّا بِمَعْنى الطَّاقَة أَو القلادة، أَي: يكلفونه أَو يقلدونه، وَعَن ابْن عَبَّاس: يتطوقونه بِمَعْنى: يتكلفونه، أَو يتقلدونه ويطوقونه بإدغام التَّاء فِي الطَّاء، ويطيقونه ويطيقونه بِمَعْنى يتطقونه، وأصلهما: يطيقُونَهُ ويتطيوقونه، على أَنَّهُمَا من فعيل، وتفعيل من الطوق، فأدغمت الْيَاء فِي الْوَاو بعد قَلبهَا يَاء، وهم الشُّيُوخ والعجائز، فعلى هَذَا لَا نسخ بل هُوَ ثَابت، وَالله أعلم.

قَالَ ابنُ عُمَرَ وسَلَمَة بنُ الأكْوَعِ نَسخَتْها {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى والفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ومنْ كانَ مَرِيضا أوْ علَى سَفرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ الله بِكُمْ الْيُسْرَ ولَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ ولِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا الله عَلى مَا هَدَاكُمْ ولَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (الْبَقَرَة: ٥٨١) .

أَي: قَالَ عبد الله بن عمر بن الْخطاب وَسَلَمَة بن الْأَكْوَع، وَهُوَ سَلمَة بن عَمْرو بن الْأَكْوَع أَبُو إِيَاس الْأَسْلَمِيّ الْمدنِي. قَوْله: (نسختها) أَي: نسخت آيَة: {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . آيَة {شهر رَمَضَان} (الْبَقَرَة: ٥٨١) . أما حَدِيث ابْن عمر فوصله فِي آخر الْبَاب عَن عَيَّاش بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف والشين الْمُعْجَمَة، وَقد أخرجه عَنهُ أَيْضا فِي التَّفْسِير. وَأما حَدِيث أم سَلمَة فوصله فِي تَفْسِير الْبَقَرَة بِلَفْظ: (لما نزلت {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ فديَة طَعَام مِسْكين} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . كَانَ من أَرَادَ أَن يفْطر أفطر وافتدى، حَتَّى نزلت الْآيَة الَّتِي بعْدهَا، فنسختها) .

وَقد اخْتلف السّلف فِي قَوْله عز وَجل: {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . فَقَالَ قوم: إِنَّهَا مَنْسُوخَة، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيث سَلمَة وَابْن عمر ومعاذ، وَهُوَ قَول عَلْقَمَة وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن وَالشعْبِيّ وَابْن شهَاب، وعَلى هَذَا تكون قراءتهم {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . بِضَم الْيَاء وَكسر الطَّاء وَسُكُون الْيَاء الثَّانِيَة، وَعند ابْن عَبَّاس: هِيَ محكمَة، وَعَلِيهِ قِرَاءَة: {يطوقونه} بِالْوَاو الْمُشَدّدَة، وروى عَنهُ: {يطيقُونَهُ} بِضَم الطَّاء وَالْيَاء المشددتين.

ثمَّ إِن الشَّيْخ الْكَبِير والعجوز إِذا كَانَ الصَّوْم يجهدهما ويشق عَلَيْهِمَا مشقة شَدِيدَة، فَلَهُمَا أَن يفطرا ويطعما لكل يَوْم مِسْكينا، وَهَذَا قَول عَليّ وَابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة وَأنس وَسَعِيد ابْن جُبَير وطاووس وَأبي حنيفَة وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل، وَقَالَ مَالك: لَا يجب عَلَيْهِ شَيْء، لِأَنَّهُ لَو ترك الصَّوْم لعَجزه مَا تجب فديَة، كَمَا تَركه لمَرض اتَّصل بِهِ الْمَوْت، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن ربيعَة وَأبي ثَوْر وَدَاوُد، وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيّ وَابْن الْمُنْذر، وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ كالمذهبين: أَحدهمَا: لَا تجب الْفِدْيَة عَلَيْهِمَا لعدم وجوب الصَّوْم عَلَيْهِمَا. وَالثَّانِي: وَهُوَ الْجَدِيد: تجب الْفِدْيَة

لكل يَوْم مد من طَعَام. وَقَالَ الْبُوَيْطِيّ: هِيَ مُسْتَحبَّة، وَلَو أحدث الله تَعَالَى للشَّيْخ الفاني قُوَّة حَتَّى قدر على الصَّوْم بعد الْفِدْيَة يبطل حكم الْفِدْيَة، وَفِي كتب أَصْحَابنَا: فَإِن أخر الْقَضَاء حَتَّى دخل رَمَضَان آخر صَامَ الثَّانِي لِأَنَّهُ فِي وقته، وَقضى الأول بعده لِأَنَّهُ وَقت الْقَضَاء وَلَا فديَة عَلَيْهِ، وَقَالَ سعيد بن جُبَير وَقَتَادَة يطعم وَلَا يقْضِي.

وَقَضَاء رَمَضَان إِن شَاءَ فرقه وَإِن شَاءَ تَابعه، وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِي وَمَالك. وَفِي (شرح الْمُهَذّب) : فَلَو قَضَاهُ غير مُرَتّب أَو مفرقا جَازَ عندنَا، وَعند الْجُمْهُور، لِأَن اسْم الصَّوْم يَقع على الْجَمِيع، وَفِي (تَفْسِير ابْن أبي حَاتِم) : وروى عَن أبي عُبَيْدَة بن الْجراح ومعاذ بن جبل وَأبي هُرَيْرَة وَرَافِع بن خديج وَأنس بن مَالك وَعَمْرو بن الْعَاصِ وَعبيدَة السَّلمَانِي وَالقَاسِم وَعبيد بن عُمَيْر وَسَعِيد بن الْمسيب وَأبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَأبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن وَسَالم وَعَطَاء وَأبي ميسرَة وطاووس وَمُجاهد وَعبد الرَّحْمَن بن الْأسود وَسَعِيد بن جُبَير وَالْحسن وَأبي قلَابَة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالْحَاكِم وَعِكْرِمَة وَعَطَاء بن يسَار وَأبي الزِّنَاد وَزيد بن أسلم وَقَتَادَة وَرَبِيعَة وَمَكْحُول وَالثَّوْري وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَالْحسن بن صَالح وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق أَنهم قَالُوا: يقْضِي مفرقا، وَرُوِيَ عَن عَليّ وَابْن عمر وَعُرْوَة وَالشعْبِيّ وَنَافِع بن جُبَير بن مطعم وَمُحَمّد بن سِيرِين: أَنه يقْضِي مُتَتَابِعًا وَإِلَى هَذَا ذهب أهل الظَّاهِر. وَقَالَ ابْن حزم: الْمُتَابَعَة فِي قَضَاء رَمَضَان وَاجِبَة لقَوْله تَعَالَى: {وسارعوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم} فَإِن لم يفعل يَقْضِيهَا مُتَفَرِّقَة لقَوْله تَعَالَى {فَعدَّة من أَيَّام أخر} (آل عمرَان: ٣٣١) . وَلم يجد لذَلِك وقتا يبطل الْقَضَاء بِخُرُوجِهِ. وَفِي (الاستذكار) عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يَقُول: يَصُوم قَضَاء رَمَضَان مُتَتَابِعًا من أفطره من مرض أَو سفر، وَعَن ابْن شهَاب أَن ابْن عَبَّاس وَأَبا هُرَيْرَة اخْتلفَا. فَقَالَ أَحدهمَا: يفرق، وَقَالَ الآخر: لَا يفرق. وَعَن يحيى بن سعيد سمع ابْن الْمسيب يَقُول: أحب أَن لَا يفرق قَضَاء رَمَضَان، وَإِن تَوَاتر. قَالَ أَبُو عمر: صَحَّ عندنَا عَن ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة أَنَّهُمَا أجازا أَن يفرقا قَضَاء رَمَضَان، وَصحح الدَّارَقُطْنِيّ إِسْنَاد حَدِيث عَائِشَة، نزلت: {فَعدَّة من أَيَّام أخر} (الْبَقَرَة: ٥٨١) . مُتَتَابِعَات، فَسَقَطت مُتَتَابِعَات، وَقَالَ ابْن قدامَة: لم تثبت عندنَا صِحَّته، وَلَو صَحَّ حملناه على الِاسْتِحْبَاب، والأفضلية. وَقيل: وَلَو ثبتَتْ كَانَت مَنْسُوخَة لفظا وَحكما، وَلِهَذَا لم يقْرَأ بهَا أحد من قراء الشواذ. قلت: وَفِي الْمَنَافِع قَرَأَ بهَا أبي وَلم يشْتَهر. فَكَانَت كَخَبَر وَاحِد غير مَشْهُور، فَلَا يجوز الزِّيَادَة على الْكتاب بِمثلِهِ، بِخِلَاف قِرَاءَة ابْن مَسْعُود فِي كَفَّارَة الْيَمين فَإِنَّهَا قِرَاءَة مَشْهُورَة غير متواترة.

وَقَالَ عِيَاض: اخْتلف السّلف فِي قَوْله تَعَالَى: {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . هَل هِيَ محكمَة أَو مَخْصُوصَة أَو مَنْسُوخَة؟ كلهَا أَو بَعْضهَا؟ فَقَالَ الْجُمْهُور: إِنَّهَا مَنْسُوخَة، ثمَّ اخلفوا: هَل بَقِي مِنْهَا مَا لم ينْسَخ؟ فَروِيَ عَن ابْن عمر وَالْجُمْهُور: أَن حكم الْإِطْعَام باقٍ على من لم يطق الصَّوْم لكبره، وَقَالَ جمَاعَة من السّلف وَمَالك وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد: جَمِيع الْإِطْعَام مَنْسُوخ، وَلَيْسَ على الْكَبِير إِذا لم يطق الصَّوْم إطْعَام، واستحبه لَهُ مَالك، وَقَالَ قَتَادَة: كَانَت الرُّخْصَة لمن يقدر على الصَّوْم ثمَّ نسخ فِيهِ، وَبَقِي فِيمَن لَا يُطيق. وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَغَيره: نزلت فِي الْكَبِير وَالْمَرِيض اللَّذين لَا يقدران على الصَّوْم، فَهِيَ عِنْده محكمَة، لَكِن الْمَرِيض يقْضِي إِذا برأَ، وَأكْثر الْعلمَاء على أَنه لَا إطْعَام على الْمَرِيض. وَقَالَ زيد بن أسلم وَالزهْرِيّ وَمَالك: هِيَ محكمَة، وَنزلت فِي الْمَرِيض يفْطر ثمَّ يبرأ فَلَا يقْضِي حَتَّى يدْخل رَمَضَان آخر، فَيلْزمهُ صَوْمه، ثمَّ يقْضِي بَعْدَمَا أفطر وَيطْعم عَن كل يَوْم مدا من حِنْطَة، فَأَما من اتَّصل مَرضه برمضان آخر فَلَيْسَ عَلَيْهِ إطْعَام، بل عَلَيْهِ الْقَضَاء فَقَط. وَقَالَ الْحسن وَغَيره: الضَّمِير فِي: يطوقونه، عَائِد على الْإِطْعَام لَا على الصَّوْم، ثمَّ نسخ ذَلِك فَهِيَ عِنْده عَامَّة.

وَقَالَ ابنُ نُمَيْرٍ حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ حدَّثنا عَمْرُو بنُ مُرَّةَ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبي لَيْلَى قَالَ حَدثنَا أصحابُ مُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَزَلَ رمَضانُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فكانَ مَنْ أطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينا تَرَكَ الصَّوْمَ مِمَّنْ يُطِيقُهُ ورُخِّصَ لَهُمُ فِي ذَلِكَ فَنَسَخَتْها {وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ {فَأُمِرُوا بالصَّوْمِ

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَكَانَ من أطْعم) إِلَى قَوْله: (فنسختها) . وَابْن نمير، بِضَم النُّون: اسْمه عبد الله، مر فِي:

بَاب مَا ينْهَى من الْكَلَام فِي الصَّلَاة، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، عَمْرو بن مرّة، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء. وَابْن أبي ليلى هُوَ عبد الرَّحْمَن، رأى كثيرا من الصَّحَابَة مثل: عمر وَعُثْمَان وَعلي وَغَيرهم، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق أبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) : (قدم النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، الْمَدِينَة وَلَا عهد لَهُم بالصيام، فَكَانُوا يَصُومُونَ ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر حَتَّى نزل رَمَضَان، فاستكثروا ذَلِك وشق عيهم، فَكَانَ من أطْعم مِسْكينا كل يَوْم ترك الصّيام مِمَّن يطيقه، رخص لَهُم فِي ذَلِك، ثمَّ نُسْخَة {وَأَن تَصُومُوا خير لكم} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . فَأمروا بالصيام.

وَهَذَا الحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد من طَرِيق شُعْبَة والمسعودي عَن الْأَعْمَش مطولا فِي الْأَذَان والقبلة وَالصِّيَام، وَاخْتلف فِي إِسْنَاده اخْتِلَافا كثيرا، وَطَرِيق ابْن نمير هَذَا أرجحها.

قَوْله: (حَدثنَا أَصْحَاب مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه روى هَذَا الحَدِيث عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، وَلَا يُقَال لمثل هَذَا رِوَايَة مَجْهُول لِأَن الصَّحَابَة كلهم عدُول. قَوْله: (فنسختها) {وَأَن تَصُومُوا} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . الضَّمِير فِي نسختها يرجع إِلَى الْإِطْعَام الَّذِي يدل عَلَيْهِ أطْعم، والتأنيث بِاعْتِبَار الْفِدْيَة، وَقَوله {وَأَن تَصُومُوا خير لكم} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . فِي مَحل الرّفْع على الفاعلية، وَالتَّقْدِير قَوْله: وَأَن تَصُومُوا. وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: وصومكم خير لكم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ وَجه نسخهَا لَهَا والخيرية لَا تَقْتَضِي الْوُجُوب؟ قلت: مَعْنَاهُ الصَّوْم خير من التَّطَوُّع بالفدية، والتطوع بهَا سنة، بِدَلِيل أَنه خير، وَالْخَيْر من السّنة لَا يكون إلَاّ وَاجِبا. انْتهى. قلت: إِن كَانَ المُرَاد من السّنة هِيَ سنة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَسنة النَّبِي كلهَا خير، فَيلْزم أَن تكون كل سنة وَاجِبَة وَلَيْسَ كَذَلِك. وَقَالَ السّديّ: عَن مرّة عَن عبد الله، قَالَ: لما نزلت هَذِه الْآيَة: {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ فديَة طَعَام مِسْكين} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . وَقَالَ: وَالله يَقُول: {الَّذين يطيقُونَهُ} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . أَي: يتجشمونه، قَالَ عبد الله: فَكَانَ من شَاءَ صَامَ وَمن شَاءَ أفطر وَأطْعم مِسْكينا. {فَمن تطوع} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . قَالَ: أطْعم مِسْكينا آخر {فَهُوَ خير لَهُ وَأَن تَصُومُوا خير لكم} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . فَكَانُوا كَذَلِك حَتَّى نسختها: {فَمن شهد مِنْكُم الشَّهْر فليصمه} (الْبَقَرَة: ٥٨١) .

٩٤٩١ - حدَّثنا عَيَّاشٌ قَالَ حدَّثنا عبْدُ الأعْلَى قَالَ حدثنَا عُبَيْدُ الله عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عنهُمَا قرَأ: فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ، قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ. (الحَدِيث ٩٤٩١ طرفه فِي: ٦٠٥٤) .

أشتر بِهَذِهِ الرِّوَايَة إِلَى وصل التَّعْلِيق الَّذِي علقه فِي أول الْبَاب بقوله: قَالَ ابْن عمر، وَأَشَارَ أَيْضا إِلَى بَيَان قِرَاءَة عبد الله ابْن عمر فِي قَوْله: {فديَة طَعَام مِسْكين} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . فَإِنَّهُ قَرَأَ: مِسْكين، وبصيغة الْإِفْرَاد، وَلَكِن لما ذكر فِي التَّفْسِير، قَالَ: طَعَام مَسَاكِين، بِصِيغَة الْجمع، وَكَذَا رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي (صَحِيحه) وَأَشَارَ أَيْضا إِلَى أَن {فديَة طَعَام مِسْكين} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . مَنْسُوخَة غير مَخْصُوصَة وَلَا محكمَة. وَعَيَّاش، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف الْمُشَدّدَة والشين الْمُعْجَمَة، وَعبد الْأَعْلَى هُوَ ابْن عبد الْأَعْلَى، وَعبيد الله بن عمر الْعمريّ الْمدنِي.

٠٤ - (بابٌ مَتَى يُقْضَى قَضَاءُ رَمَضَانَ)

أَي: هَذَا بَاب يبين فِيهِ مَتى يقْضِي، أَي: مَتى يُؤدى قَضَاء رَمَضَان، وَالْقَضَاء بِمَعْنى الْأَدَاء، قَالَ تَعَالَى: {فَإِذا قضيت الصَّلَاة} (الْجُمُعَة: ٠١) . أَي: فَإِذا أدّيت الصَّلَاة، وَلَيْسَ المُرَاد من الْأَدَاء مَعْنَاهُ الشَّرْعِيّ، وَهُوَ تَسْلِيم عين الْوَاجِب، وَلَكِن المُرَاد مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ وَهُوَ الْإِيفَاء، كَمَا يُقَال: أدّيت حق فلَان أَي: أوفيته، وَفَسرهُ بَعضهم بقوله: مَتى يصام الْأَيَّام الَّتِي تقضى عَن فَوَات رَمَضَان؟ وَلَيْسَ المُرَاد: قَضَاء الْقَضَاء على مَا هُوَ ظَاهر اللَّفْظ. انْتهى. قلت: ظن هَذَا أَن المُرَاد من قَوْله: مَتى يقْضِي؟ مَعْنَاهُ الشَّرْعِيّ، وَلَيْسَ كَذَلِك، فَظَنهُ هَذَا هُوَ الَّذِي أَلْجَأَهُ إِلَى مَا تعسف فِيهِ، ثمَّ أَنه ذكر كلمة الِاسْتِفْهَام وَلم يذكر جَوَابه لتعارض الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة والقياسية، فَإِن ظَاهر قَوْله تَعَالَى: {فَعدَّة من أَيَّام أخر} (الْبَقَرَة: ٥٨١) . أَعم من أَن تكون تِلْكَ الْأَيَّام متتابعة أَو مُتَفَرِّقَة، وَالْقِيَاس يَقْتَضِي التَّتَابُع لِأَن الْقَضَاء يَحْكِي الْأَدَاء، وَذكر البُخَارِيّ هَذِه الْآثَار فِي هَذَا الْبَاب يدل على جَوَاز التَّرَاخِي والتفريق.

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ لَا بَأسَ أنْ يُفَرَّقَ لِقَوْلِ الله تعَالَى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَرَ} (الْبَقَرَة: ٤٨١) .

هَذَا التَّعْلِيق وَصله مَالك عَن الزُّهْرِيّ أَن ابْن عَبَّاس وَأَبا هُرَيْرَة اخْتلفَا فِي قَضَاء رَمَضَان، فَقَالَ أَحدهمَا: يفرق، وَقَالَ الآخر: لَا يفرق، وَهَذَا مُنْقَطع مُبْهَم لِأَنَّهُ لم يعلم المفرق من غير المفرق، وَقد أوضحه عبد الرَّزَّاق وَوَصله عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ

عَن عبيد الله بن عبد الله عَن ابْن عَبَّاس فِيمَن عَلَيْهِ قَضَاء رَمَضَان، قَالَ: يَقْضِيه مفرقا قَالَ الله تَعَالَى: {فَعدَّة من أَيَّام أخر} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ من وَجه آخر عَن معمر بِسَنَدِهِ، قَالَ: صمه كَيفَ شِئْت.

وَقَالَ سعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ فِي صَوْمِ الْعَشْرِ لَا يَصْلُحُ حَتَّى يبْدأ بِرَمَضَانَ

معنى هَذَا الْكَلَام أَن سعيدا لما سُئِلَ عَن صَوْم الْعشْر؟ وَالْحَال أَن على الَّذِي سَأَلَهُ قَضَاء رَمَضَان، فَقَالَ: لَا يصلح حَتَّى يبْدَأ أَولا بِقَضَاء رَمَضَان، وَهَذِه الْعبارَة لَا تدل على الْمَنْع مُطلقًا، وَإِنَّمَا تدل على الْأَوْلَوِيَّة، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة: عَن عَبدة عَن سُفْيَان عَن قَتَادَة عَن سعيد أَنه كَانَ لَا يرى بَأْسا أَن يقْضِي رَمَضَان فِي الْعشْر، وَقَالَ بَعضهم: عقيب ذكر الإثر الْمَذْكُور عَن سعيد، وَصله ابْن أبي شيبَة عَنهُ نَحوه، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة، ثمَّ ذكره نَحْو مَا ذكرنَا، وَلَيْسَ الَّذِي ذكره ابْن أبي شيبَة عَنهُ أصلا نَحْو الَّذِي ذكره البُخَارِيّ عَنهُ، وَهَذَا ظَاهر لَا يخفى.

وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: إِذا فَرَّطَ حَتَّى جاءَ رَمَضانٌ آخرُ يَصُومُهُمَا ولَم يَرَ عَلَيْهِ طَعَاما

إِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ. قَوْله: (إِذا فرط) من التَّفْرِيط، وَهُوَ التَّقْصِير، يَعْنِي: إِذا كَانَ عَلَيْهِ قَضَاء رَمَضَان وَلم يقضه حَتَّى جَاءَ رَمَضَان ثَان فَعَلَيهِ أَن يصومهما، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فديَة. قَوْله: (حَتَّى جَاءَ) ، من الْمَجِيء، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: (حَتَّى جَازَ) ، بزاي فِي آخِره من الْجَوَاز، ويروى: (حَتَّى حَان) ، بحاء مُهْملَة وَنون: من الْحِين، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق يُونُس عَن الْحسن، وَمن طَرِيق الْحَارِث العكلي عَن إِبْرَاهِيم قَالَا: إِذا تتَابع عَلَيْهِ رمضانان صامهما، فَإِن صَحَّ بَينهمَا فَلم يقضِ الأول فبئس مَا صنع، فليستغفر الله، وليصم.

ويُذْكَرُ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ مُرْسلاً. وعنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّهُ يُطْعِم ولَمْ يَذْكُر الله الإطْعَامَ إنَّمَا قَالَ: {فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَرَ} (الْبَقَرَة: ٤٨١) .

أَشَارَ بِصِيغَة التمريض إِلَى أَن الَّذِي روى عَن أبي هُرَيْرَة حَال كَونه مُرْسلا فِيمَن مرض وَلم يصم رَمَضَان، ثمَّ صَحَّ فَلم يقضه حَتَّى جَاءَ رَمَضَان آخر، فَإِنَّهُ يطعم بعد الصَّوْم عَن رمضانين. وَأخرجه عبد الرَّزَّاق مَوْصُولا عَن ابْن جريج: أَخْبرنِي عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: أَي إِنْسَان مرض رَمَضَان ثمَّ صَحَّ فَلم يقضه حَتَّى أدْركهُ رَمَضَان آخر فليصم الَّذِي حدث، ثمَّ يقْضِي الآخر، وَيطْعم من كل يَوْم مِسْكينا. قلت لعطاء: كم بلغك يطعم؟ قَالَ: مدا، زَعَمُوا، وَأخرجه عبد الرَّزَّاق أَيْضا عَن معمر عَن أبي إِسْحَاق عَن مُجَاهِد عَن أبي هُرَيْرَة نَحوه، وَقَالَ فِيهِ: (وَأطْعم عَن كل يَوْم نصف صَاع من قَمح) . وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا من طَرِيق مُجَاهِد (عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي رجل أفطر فِي شهر رَمَضَان، ثمَّ صَحَّ وَلم يصم حَتَّى أدْركهُ رَمَضَان آخر، قَالَ: يَصُوم الَّذِي أدْركهُ ثمَّ يَصُوم الشَّهْر الَّذِي أفطر فَهِيَ وَيطْعم مَكَان كل يَوْم مِسْكينا) . وَفِي إِسْنَاده إِبْرَاهِيم بن نَافِع وَعمر بن مُوسَى بن وجبة، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هما ضعيفان. وَقد ذكر البرديجي أَن مُجَاهدًا لم يسمع من أبي هُرَيْرَة، فَلهَذَا سَمَّاهُ البُخَارِيّ مُرْسلا.

قَوْله: (وَابْن عَبَّاس) ، أَي: ويروى أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس أَنه يطعم، وَوَصله سعيد بن مَنْصُور عَن هشيم، وَالدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة كِلَاهُمَا عَن يُونُس بن أبي إِسْحَاق عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: (من فرط فِي صِيَام شهر رَمَضَان حَتَّى أدْركهُ رَمَضَان آخر فليصم هَذَا الَّذِي أدْركهُ ثمَّ ليصم مَا فَاتَهُ وَيطْعم مَعَ كل يَوْم مِسْكينا) . قيل: عطف ابْن عَبَّاس على أبي هُرَيْرَة يَقْتَضِي أَن يكون الْمَذْكُور عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا مُرْسلا، وَأجِيب بِالْخِلَافِ فِي أَن الْقَيْد فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ هَل هُوَ قيد فِي الْمَعْطُوف أم لَا؟ فَقيل: لَيْسَ بِقَيْد، وَالأَصَح اشتراكهما، وَكَذَلِكَ الأصوليون اخْتلفُوا فِي أَن عطف الْمُطلق على الْمُقَيد هَل هُوَ مُقَيّد للمطلق أم لَا؟ قَوْله: (وَلم يذكر الله الْإِطْعَام) إِلَى آخِره، من كَلَام البُخَارِيّ إِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَن النَّص سَاكِت عَن الْإِطْعَام، وَهُوَ الْفِدْيَة لتأخير الْقَضَاء. وَظن بَعضهم أَنه بَقِيَّة كَلَام إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَهُوَ وهم، فَإِنَّهُ مفصول من كَلَامه بأثر أبي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس، ثمَّ إِن البُخَارِيّ اسْتدلَّ فِيمَا قَالَه بقوله تَعَالَى: {فَعدَّة من أَيَّام أخر} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . وَلَا يتم استدلاله بذلك لِأَنَّهُ لَا يلْزم من عدم ذكره فِي الْكتاب أَن لَا يثبت بِالسنةِ، فقد جَاءَ عَن

جمَاعَة من الصَّحَابَة الْإِطْعَام مِنْهُم: أَبُو هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس، كَمَا ذكر، وَمِنْهُم عمر بن الْخطاب ذكره عبد الرَّزَّاق، وَنقل الطَّحَاوِيّ عَن يحيى بن أَكْثَم، قَالَ: وجدته عَن سِتَّة من الصَّحَابَة لَا أعلم لَهُم فِيهِ مُخَالفا، انْتهى، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور، وَخَالف فِي ذَلِك إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه، وَمَال الطَّحَاوِيّ إِلَى قَول الْجُمْهُور فِي ذَلِك، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: وروينا عَن ابْن عمر وَأبي هُرَيْرَة فِي الَّذِي لم يصم حَتَّى أدْرك رَمَضَان يطعم، وَلَا قَضَاء عَلَيْهِ، وَعَن الْحسن وطاووس وَالنَّخَعِيّ يقْضِي وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ.

٠٥٩١ - حدَّثنا أحمدُ بنُ يُونُسَ قَالَ حدَّثنا زُهَيْرٌ قَالَ حدَّثنا يحْيَى عنْ أبِي سلَمَةَ قَالَ سَمِعْتُ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا تقُولُ كانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضانَ فَما أسْتَطِيعُ أَن أقْضيَ الآنَ إلَاّ فِي شَعْبَانَ قَالَ يحْيَى الشُّغْلُ مِنَ النبيِّ أوْ بالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يُفَسر الْإِبْهَام الَّذِي فِي التَّرْجَمَة، لِأَن التَّرْجَمَة: مَتى يقْضِي قَضَاء رَمَضَان، والْحَدِيث يدل على أَنه يقْضِي فِي أَي وَقت كَانَ، غير أَنه إِذا أَخّرهُ حَتَّى دخل رَمَضَان ثَان يجب عَلَيْهِ الْفِدْيَة عِنْد الشَّافِعِي، وَقد ذكرنَا الْخلاف فِيهِ مستقصىً، وَعند أَصْحَابنَا: لَا يجب عَلَيْهِ شَيْء غير الْقَضَاء لإِطْلَاق النَّص.

ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَحْمد بن يُونُس، وَهُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس أَبُو عبد الله التبروعي التَّمِيمِي. الثَّانِي: زُهَيْر بن مُعَاوِيَة أَبُو خَيْثَمَة الْجعْفِيّ. الثَّالِث: يحيى، قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : اخْتلف فِي يحيى هَذَا، فَزعم الضياء الْمَقْدِسِي أَنه يحيى الْقطَّان، وَقَالَ ابْن التِّين: قيل: إِنَّه يحيى ابْن أبي كثير. قلت: وَبِه قَالَ الْكرْمَانِي وَجزم بِهِ، وَالصَّحِيح أَنه: يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، نَص عَلَيْهِ الْحَافِظ الْمزي عِنْد ذكر هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ بَعضهم مُنْكرا على الْكرْمَانِي وَابْن التِّين فِي قَوْلهمَا، إِنَّه يحيى بن أبي كثير، قَالَ: وغفل الْكرْمَانِي عَمَّا أخرجه مُسلم عَن أَحْمد بن يُونُس شيخ البُخَارِيّ فِيهِ، فَقَالَ فِي نفس السَّنَد: عَن يحيى بن سعيد. قلت: هُوَ أَيْضا غفل عَن إِيضَاح مَا قَالَه، لِأَن الْمَذْكُور فِي حَدِيث مُسلم يحيى بن سعيد، وَلقَائِل أَن يَقُول: يحْتَمل أَن يكون يحيى هَذَا هُوَ يحيى بن سعيد الْقطَّان، كَمَا قَالَه الضياء، وَلَو قَالَ مثل مَا قُلْنَا لَكَانَ أوضح وأصوب. الرَّابِع: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن. الْخَامِس: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع وَفِيه: يحيى عَن أبي سَلمَة، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: من طَرِيق أبي خَالِد عَن يحيى بن سعيد سَمِعت أَبَا سَلمَة. وَفِيه: أَن شَيْخه وزهيرا كوفيان، وَأَن يحيى وَأَبا سَلمَة مدنيان. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية.

ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّوْم عَن أَحْمد بن يُونُس بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن عَمْرو النَّاقِد وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن مُحَمَّد بن رَافع. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو عَن عَليّ عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن الْمُنْذر.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كَانَ يكون) ، د وَفِي (الْأَطْرَاف) للمزي: إِن (كَانَ يكون) وَفَائِدَة اجْتِمَاع كَانَ مَعَ يكون يذكر أَحدهمَا بِصِيغَة الْمَاضِي وَالْآخر بِصِيغَة الْمُسْتَقْبل تَحْقِيق الْقَضِيَّة وتعظيمها، وَتَقْدِيره: وَكَانَ الشَّأْن يكون كَذَا، وَأما تَغْيِير الأسلوب فلإرادة الِاسْتِمْرَار، وتكرر الْفِعْل. وَقيل: لَفْظَة يكون زَائِدَة كَمَا قَالَ الشَّاعِر:

(وجيران لنا كَانُوا كرام)

وَأما رِوَايَة: أَن كَانَ، فَإِن كلمة: أَن تكون مخفقة من المثقلة، قَوْله: (أَن أَقْْضِي) أَي: مَا فاتها من رَمَضَان. قَوْله: (قَالَ يحيى) ، أَي: يحيى الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث الْمَذْكُور إِلَيْهِ فَهُوَ مَوْصُول. قَوْله: (الشعل من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) مقول يحيى، وارتفاع: الشّغل، يجوز أَن يكون على أَنه فَاعل: فعل، مَحْذُوف تَقْدِيره: قَالَت يَمْنعنِي الشّغل، وَيجوز إِن يكون مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر، أَي: قَالَ يحيى الشّغل هُوَ الْمَانِع لَهَا، وَالْمرَاد من الشّغل أَنَّهَا كَانَت مهيئة نَفسهَا لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مترصدة لاستمتاعه فِي جَمِيع أَوْقَاتهَا إِن أَرَادَ ذَلِك، وَأما فِي شعْبَان فإنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَصُومهُ فتتفرغ عَائِشَة (لقَضَاء صَومهَا) .

قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: شغل مِنْهُ، بِمَعْنى: فرغ عَنهُ، وَهُوَ عكس الْمَقْصُود، إِذْ الْفَرْض أَن الِاشْتِغَال برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ الْمَانِع من الْقَضَاء لَا الْفَرَاغ مِنْهُ؟ قلت:

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

رَسُولُ اللَّهِ وَأَفْطَرَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ

قَوْلُهُ: (بَابٌ: مَنْ أَفْطَرَ فِي السَّفَرِ لِيَرَاهُ النَّاسُ) أَيْ: إِذَا كَانَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ أَفْضَلِيَّةَ الْفِطْرِ لَا تَخْتَصُّ بِمَنْ أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ أَوْ خَشِيَ الْعُجْبَ وَالرِّيَاءَ أَوْ ظُنَّ بِهِ الرَّغْبَةُ عَنِ الرُّخْصَةِ، بَلْ يُلْحَقُ بِذَلِكَ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ لِيُتَابِعَهُ مَنْ وَقَعَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، وَيَكُونُ الْفِطْرُ فِي حَقِّهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَفْضَلَ لِفَضِيلَةِ الْبَيَانِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) كَذَا عِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ فِي الْمَغَازِي، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ فَلَمْ يَذْكُرْ طَاوُسًا فِي الْإِسْنَادِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُجَاهِدٌ أَخَذَهُ عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ثُمَّ لَقِيَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَحَمَلَهُ عَنْهُ، أَوْ سَمِعَهُ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَثَبَّتَهُ فِيهِ طَاوُسٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ الْجَرِيدَتَيْنِ عَلَى الْقَبْرَيْنِ فِي الطَّهَارَةِ.

قَوْلُهُ: (فَرَفَعَهُ إِلَى يَدِهِ) كَذَا فِي الْأُصُولِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا مِنَ الْبُخَارِيِّ، وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ الرَّفْعَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْيَدِ، وَأَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْمَعْنَى يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَفَعَهُ إِلَى أَقْصَى طُولِ يَدِهِ، أَيِ: انْتَهَى الرَّفْعُ إِلَى أَقْصَى غَايَتِهَا. قُلْتُ: وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ مُسَدَّدٍ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ فِي الْبُخَارِيِّ فَرَفَعَهُ إِلَى فِيهِ وَهَذَا أَوْضَحُ، وَلَعَلَّ الْكَلِمَةَ تَصَحَّفَتْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ أَلْفَاظِ الرُّوَاةِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ مَعَ بَقِيَّةِ مَبَاحِثِ الْمَتْنِ.

قَوْلُهُ: (لِيَرَاهُ النَّاسُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَالنَّاسُ بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي لِيُرِيَهُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَالنَّاسَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ كَتَبَ لِيَرَاهُ النَّاسُ بِالْيَاءِ فَلَا يَكُونُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ اخْتِلَافٌ.

قَوْلُهُ: (فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ. . . إِلَخْ) فَهِمَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ فِعْلِهِ ذَلِكَ أَنَّهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ لَا لِلْأَوْلَوِيَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَجَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مَا يُوَضِّحُ الْمُرَادَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٩ - بَاب ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾

قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ: نَسَخَتْهَا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى، حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ : نَزَلَ رَمَضَانُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ مَنْ أَطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا تَرَكَ الصَّوْمَ مِمَّنْ يُطِيقُهُ، وَرُخِّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ فَنَسَخَتْهَا: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فَأُمِرُوا بِالصَّوْمِ

١٩٤٩ - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَرَأَ:

فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ

[الحديث ١٩٤٩ - طرفه في ٤٥٠٦]

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ: نَسَخَتْهَا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَوَصَلَهُ فِي آخِرِ الْبَابِ عَنْ عَيَّاشٍ وَهُوَ بِتَحْتَانِيَّةٍ وَمُعْجَمَةٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَنْهُ أَيْضًا فِي التَّفْسِيرِ وَزَادَ أَنَّهُ ابْنُ الْوَلِيدِ وَهُوَ الرَّقَّامُ، وَشَيْخُهُ عَبْدُ الْأَعْلَى هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْبَصْرِيُّ السَّامِيُّ بِالْمُهْمَلَةِ، وَلَكِنْ لَمْ يُعَيِّنِ النَّاسِخَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ الَّتِي بَعْدَهَا: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ فِي التَّرْجَمَةِ وَفِي حَدِيثِ سَلَمَةَ نَسَخَتْهَا ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ أَيِ: الْآيَةُ الَّتِي أَوَّلُهَا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى مَوْضِعِ النَّسْخِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وَأَمَّا حَدِيثُ سَلَمَةَ فَوَصَلَهُ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ بِلَفْظِ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كَانَ مَنْ أَرادَ أَنْ يُفْطِرَ أَفْطَرَ وَافْتَدَى حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ إِلَخْ) وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَلَفْظُ الْبَيْهَقِيِّ: قَدِمَ النَّبِيُّ الْمَدِينَةَ وَلَا عَهْدَ لَهُمْ بِالصِّيَامِ، فَكَانُوا يَصُومُونَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ حَتَّى نَزَلَ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ فَاسْتَكْثَرُوا ذَلِكَ وَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ مَنْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا كُلَّ يَوْمٍ تَرَكَ الصِّيَامَ مِمَّنْ يُطِيقُهُ وَرُخِّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ نَسَخَهُ: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فَأُمِرُوا بِالصِّيَامِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، وَالْمَسْعُودِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ مُطَوَّلًا فِي الْأَذَانِ وَالْقِبْلَةِ وَالصِّيَامِ، وَاخْتُلِفَ فِي إِسْنَادِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَطَرِيقُ ابْنِ نُمَيْرٍ هَذِهِ أَرْجَحُهَا، وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْإِفْطَارَ وَالْإِطْعَامَ كَانَ رُخْصَةً ثُمَّ نُسِخَ، لَزِمَ أَنْ يَصِيرَ الصِّيَامُ حَتْمًا وَاجِبًا، فَكَيْفَ يَلْتَئِمُ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وَالْخَيْرِيَّةُ لَا تَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ بَلِ الْمُشَارَكَةِ فِي أَصْلِ الْخَيْرِ؟

أَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْمَعْنَى: فَالصَّوْمُ خَيْرٌ مِنَ التَّطَوُّعِ بِالْفِدْيَةِ، وَالتَّطَوُّعُ بِهَا كَانَ سُنَّةً، وَالْخَيْرُ مِنَ السُّنَّةِ لَا يَكُونُ إِلَّا وَاجِبًا، أَيْ: لَا يَكُونُ شَيْءٌ خَيْرًا مِنَ السُّنَّةِ إِلَّا الْوَاجِبَ، كَذَا قَالَ، وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ وَتَكَلُّفُهُ. وَدَعْوَى الْوُجُوبِ فِي خُصُوصِ الصِّيَامِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَيْسَتْ بِظَاهِرَةٍ، بَلْ هُوَ وَاجِبٌ مُخَيَّرٌ، مَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ وَأَطْعَمَ، فَنَصَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ، وَكَوْنُ بَعْضِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ لَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَاتَّفَقَتْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ مَنْسُوخٌ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ لَكِنْهَا مَخْصُوصَةٌ بِالشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَنَحْوِهِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ وَالْبَحْثُ فِيهِ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنَّفُ مِنْ تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ.

٤٠ - بَاب مَتَى يُقْضَى قَضَاءُ رَمَضَانَ؟

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يُفَرَّقَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فِي صَوْمِ الْعَشْرِ: لَا يَصْلُحُ حَتَّى يَبْدَأَ بِرَمَضَانَ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِذَا فَرَّطَ حَتَّى جَاءَ رَمَضَانُ آخَرُ يَصُومُهُمَا، وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ إطَعَامًا. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُرْسَلًا وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يُطْعِمُ، وَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

يُطِيقُهُ، وَرُخِّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ) بضمِّ الرَّاء مبنيًّا للمفعول (فَنَسَخَتْهَا) أي: آية (١) الفدية قوله تعالى: (﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إ﴾ [البقرة: ١٨٤] فَأُمِرُوا بِالصَّوْمِ) واستُشكِل وجه (٢) نسخ هذه الآية للسَّابقة لأنَّ الخيريَّة لا تقتضي الوجوب، وأجاب الكِرمانيُّ بأنَّ معناه: أنَّ الصَّوم خيرٌ من التَّطوُّع بالفدية، والتَّطوُّع بها سنَّةٌ؛ بدليل أنَّه خيرٌ، والخير من السُّنَّة لا يكون إلَّا واجبًا.

١٩٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ) (٣) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة والمُثلَّثة آخره، ابن الوليد الرَّقَّام البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) ابن عبد الأعلى البصريُّ السَّاميُّ -بالمهملة- قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا العمريُّ المدنيُّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ) أنَّه (قَرَأَ) قوله تعالى: (﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]) بتنوين «فديةٌ» ورفع «طعامُ» وجمع «مساكينَ» وفتح نونه من غير تنوينٍ؛ لمقابلة الجمع بالجمع، وهذه قراءة هشامٍ عن ابن عامرٍ، ولابن عساكر: «مسكينٍ» بالتَّوحيد وكسر النُّون مع تنوين «فديةٌ» ورفع «طعامُ»، وهي قراءة ابن كثيرٍ وأبي عمرٍو وعاصمٍ وحمزة والكسائيِّ، فـ «فديةٌ»: مبتدأٌ، خبره: الجارُّ قبله، و «طعامُ» بدلٌ من «فدية»، وتوحيد «مسكين» لمراعاة أفراد العموم، أي: وعلى كلِّ واحدٍ (٤) ممَّن يطيق الصَّوم لكلِّ يومٍ يفطره (٥) إطعامُ مسكينٍ، وتبيَّن من إفراد «المسكين» أنَّ الحكم لكلِّ يومٍ يفطر فيه

إطعام (١) مسكينٍ، ولا يُفهَم ذلك من الجمع.

(قَالَ) أي: ابن عمر: (هِيَ) أي: آية الفدية (مَنْسُوخَةٌ) وهذا مذهب الجمهور خلافًا لابن عبَّاسٍ حيث قال: إنَّها ليست بمنسوخةٍ، وهي للشَّيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فليطعما مكان كلِّ يومٍ مسكينًا، وهذا الحكم باقٍ، وهو حجَّةٌ للشَّافعيِّ ومن وافقه في أنَّ من عجز عن الصَّوم -لهرمٍ أو زمانةٍ أو اشتدَّت عليه مشقَّته (٢) - سقط عنه الصَّوم لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ولزمته الفدية خلافًا لمالكٍ ومن وافقه، ومذهب الشَّافعيَّة: أنَّ الحامل والمرضع ولو لولد غيرِها، بأجرةٍ أو دونها، إذا أفطرتا يجب على كلِّ واحدةٍ (٣) منهما مع القضاء الفدية من مالهما، لكلِّ يومٍ مدٌّ إن خافتا على الطِّفل وإن كانتا مسافرتين أو مريضتين، لما روى البيهقيُّ وأبو داود بإسنادٍ حسنٍ عن ابن عبَّاسٍ في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] أنَّه نُسِخ (٤) حكمه إلَّا في حقِّهما حينئذٍ، ويُستَثنى المتحيِّرة فلا فدية عليها على الأصحِّ في «الرَّوضة» للشَّكِّ، وهو ظاهرٌ فيما إذا أفطرت ستَّة عشر يومًا فأقلَّ، فإن زادت عليها فينبغي وجوب الفدية عن الزَّائد لعلمنا بأنَّه يلزمها صومه، ولا تتعدَّد الفدية بتعدُّد الولد لأنَّها بدلٌ عن الصَّوم بخلاف العقيقة تتعدَّد بتعدُّدهم (٥) لأنَّها فداءٌ عن كلِّ واحدٍ، وإن خافتا على أنفسهما ولو مع ولديهما فلا فدية، ويجب الفطر لإنقاذ محترمٍ أشرف على الهلاك بغرقٍ أو نحوه، إبقاءً لمهجته مع القضاء والفدية كالمرضع لأنَّه فطرٌ ارتفق به

شخصان كالجماع؛ لأنَّه تعلَّق به مقصود الرَّجل والمرأة فلذا (١) تعلَّق به القضاء والكفَّارة.

(٤٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (مَتَى يُقْضَى) أي: متى يُؤدَّى (قَضَاءُ رَمَضَانَ؟) والقضاء يجيء بمعنى الأداء، قال الله (٢) تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة: ١٠] أي: فإذا أُدِّيت الصَّلاة (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله عبد الرَّزَّاق عن معمرٍ عن الزُّهريِّ: (لَا بَأْسَ أَنْ يُفَرَّقَ) قضاء رمضان (لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]) لصدقها على المتتابعة والمتفرِّقة.

(وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) فيما رواه (٣) ابن أبي شيبة (فِي صَوْمِ العَشْرِ) الأوَّل من ذي الحجَّة لمَّا سُئِل عن صومه، والحال أنَّ على الذي سأله قضاءً من رمضان: (لَا يَصْلُحُ حَتَّى يَبْدَأَ بِرَمَضَانَ) أي: بقضاء صومه، وهذا لا يدلُّ على المنع بل على الأولويَّة، والقياس التَّتابع إلحاقًا لصفة القضاء بصفة الأداء وتعجيلًا لبراءة الذِّمَّة، ولم يجب لإطلاق الآية كما مرَّ وروى الدَّارقُطنيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ: أنَّه سُئِل عن قضاء رمضان فقال: «إن شاء فرَّقه، وإن شاء تابعه»، قال في «المهمَّات»: وقد يجب بطريق العرض، وذلك في صورتين: ضيق الوقت، وتعمُّد التَّرك، ورُدَّ بمنع تسمية هذا موالاةً؛ إذ لو وجبت لزم كونها شرطًا في الصِّحَّة كصوم الكفَّارة، وإنَّما يُسمَّى هذا واجبًا مُضيَّقًا، ولصاحب «المهمَّات»: أن يمنع الملازمة، ويسند المنع بأنَّ الموالاة قد تجب ولا تكون شرطًا كما في صوم رمضان، ولا يمنع من تسمية ذلك موالاةً تسميته واجبًا مُضيَّقًا.

(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ ممَّا وصله سعيد بن منصورٍ: (إِذَا فَرَّطَ) من عليه قضاء رمضان

(حَتَّى جَاءَ) من المجيء، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «حتَّى جاز» بزايٍ بدل الهمزة من الجواز، وفي نسخةٍ: «حان» بمهملةٍ ونونٍ من الحين (رَمَضَانٌ آخَرُ) بتنوين «رمضان» لأنَّه نكرةٌ (يَصُومُهُمَا) وفي أصول البخاري: «حتَّى جاء رمضانُ» بغير تنوين «أُمِر بصومهما» من الأمر والمُوحَّدة بدل التَّحتيَّة، قال البخاريُّ: (وَلَمْ يَرَ) أي: إبراهيم (عَلَيْهِ طَعَامًا) وهو (١) مذهب أبي حنيفة وأصحابه.

(وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) حال كونه (مُرْسَلًا) فيما وصله عبد الرَّزَّاق وأخرجه الدَّارقُطنيُّ مرفوعًا من طريق مجاهدٍ عن أبي هريرة عن النَّبيِّ (٢)، ولم يسمع مجاهدٌ (٣) من أبي هريرة كما ذكره البَرْدَيجيُّ فلذا سمَّاه البخاريُّ مُرسَلًا (وَ) يُذكَر أيضًا عن (ابْنِ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله سعيد بن منصورٍ والدَّارقُطنيُّ: (أَنَّهُ يُطْعِمُ) عن كلِّ يومٍ مسكينًا مدًّا، ويصوم (٤) ما أدركه وما فاته، قيل: عطف ابن عبَّاسٍ على أبي هريرة يقتضي أن يكون المذكور عن ابن عبَّاسٍ أيضًا مُرسَلًا، وأُجِيب بأنَّه اختُلِف في أنَّ القيد في المعطوف عليه هل هو قيدٌ في المعطوف أم لا؟ فقيل: ليس بقيدٍ، والأصحُّ اشتراكهما، وكذلك اختلف الأصوليُّون في عطف المُطلَق على المُقيَّد هل هو مقيِّدٌ للمُطلَق أم لا؟

قال المؤلِّف: (وَلَمْ يَذْكُرِ اللهُ الإِطْعَامَ، إِنَّمَا قَالَ) تعالى: (﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]) وسكت عن الإطعام -وهو الفدية- لتأخير القضاء، لكن لا يلزم من عدم ذكره في القرآن ألَّا يثبت بالسُّنَّة، ولم يثبت فيه شيءٌ مرفوعٌ، نعم ورد عن جماعةٍ من الصَّحابة منهم: أبو هريرة وابن عبَّاسٍ-كما مرَّ- وعمر بن الخطَّاب فيما ذكره عبد الرَّزَّاق، وهو قول الجمهور خلافًا

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (ليريه النَّاس) ، وَاللَّام فِيهِ للتَّعْلِيل فِي الْوَجْهَيْنِ. و: النَّاس، مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول ثانٍ لِأَن: ليريه، بِضَم الْيَاء من الإراءة وَهِي تستدعي مفعولين كَمَا عرف فِي مَوْضِعه.

وقصة هَذَا الحَدِيث أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج إِلَى مَكَّة عَام الْفَتْح فِي رَمَضَان، فصَام النَّاس، فَقيل لَهُ: إِن النَّاس قد شقّ عَلَيْهِم الصَّوْم، وَإِنَّمَا ينتظرون إِلَى فعلك. فَدَعَا بقدح من مَاء، فرفعه حَتَّى ينظر النَّاس إِلَيْهِ فيقتدوا بِهِ فِي الْإِفْطَار، لِأَن الصّيام أضرّ بهم، فَأَرَادَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم التَّيْسِير عَلَيْهِم، وَكَانَ لَا يُؤمن عَلَيْهِم الضعْف والوهن فِي حربهم حِين لِقَاء عدوهم.

٩٣ - (بابٌ {وعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ} )

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم قَوْله تَعَالَى: {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . أَي: وعَلى الَّذين يُطِيقُونَ الصَّوْم الَّذين لَا عذر بهم إِن أفطروا: {فديَة طَعَام مِسْكين} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . نصف صَاع من بر، أَو صَاع من غَيره عِنْد أهل الْعرَاق، وَعند أهل الْحجاز مد، وَكَانَ فِي بَدْء الْإِسْلَام فرض عَلَيْهِم الصَّوْم، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِم فَرخص لَهُم فِي الْإِفْطَار والفدية. وَقَالَ معَاذ: كَانَ فِي ابْتِدَاء الْأَمر: من شَاءَ صَامَ وَمن شَاءَ أفطر وَأطْعم عَن كل يَوْم مِسْكينا حَتَّى نزلت الْآيَة الَّتِي بعْدهَا، فنسختها وارتفاع فديَة، على الِابْتِدَاء وَخَبره مقدما هُوَ قَوْله {وعَلى الَّذين} وَقِرَاءَة عَامَّة فديَة بِالتَّنْوِينِ وَقَوله: {طَعَام مِسْكين} (الْبَقَرَة: ٥٨١) . بَيَان: لفدية، أَو: بدل مِنْهَا، وَفِي قِرَاءَة نَافِع: {طَعَام مَسَاكِين} بِالْجمعِ، وَقَالَت طَائِفَة: بل هَذَا خَاص بالشيخ والعجوز الْكَبِير الَّذين لم يطيقا الصَّوْم رخص لَهما الْإِفْطَار ويفديان، والفدية الْجَزَاء، وَالْبدل من قَوْلك: فديت الشَّيْء بالشَّيْء أَي: هَذَا بِهَذَا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس: يطوقونه، تفعيل من الطوق، إِمَّا بِمَعْنى الطَّاقَة أَو القلادة، أَي: يكلفونه أَو يقلدونه، وَعَن ابْن عَبَّاس: يتطوقونه بِمَعْنى: يتكلفونه، أَو يتقلدونه ويطوقونه بإدغام التَّاء فِي الطَّاء، ويطيقونه ويطيقونه بِمَعْنى يتطقونه، وأصلهما: يطيقُونَهُ ويتطيوقونه، على أَنَّهُمَا من فعيل، وتفعيل من الطوق، فأدغمت الْيَاء فِي الْوَاو بعد قَلبهَا يَاء، وهم الشُّيُوخ والعجائز، فعلى هَذَا لَا نسخ بل هُوَ ثَابت، وَالله أعلم.

قَالَ ابنُ عُمَرَ وسَلَمَة بنُ الأكْوَعِ نَسخَتْها {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى والفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ومنْ كانَ مَرِيضا أوْ علَى سَفرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ الله بِكُمْ الْيُسْرَ ولَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ ولِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا الله عَلى مَا هَدَاكُمْ ولَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (الْبَقَرَة: ٥٨١) .

أَي: قَالَ عبد الله بن عمر بن الْخطاب وَسَلَمَة بن الْأَكْوَع، وَهُوَ سَلمَة بن عَمْرو بن الْأَكْوَع أَبُو إِيَاس الْأَسْلَمِيّ الْمدنِي. قَوْله: (نسختها) أَي: نسخت آيَة: {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . آيَة {شهر رَمَضَان} (الْبَقَرَة: ٥٨١) . أما حَدِيث ابْن عمر فوصله فِي آخر الْبَاب عَن عَيَّاش بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف والشين الْمُعْجَمَة، وَقد أخرجه عَنهُ أَيْضا فِي التَّفْسِير. وَأما حَدِيث أم سَلمَة فوصله فِي تَفْسِير الْبَقَرَة بِلَفْظ: (لما نزلت {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ فديَة طَعَام مِسْكين} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . كَانَ من أَرَادَ أَن يفْطر أفطر وافتدى، حَتَّى نزلت الْآيَة الَّتِي بعْدهَا، فنسختها) .

وَقد اخْتلف السّلف فِي قَوْله عز وَجل: {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . فَقَالَ قوم: إِنَّهَا مَنْسُوخَة، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيث سَلمَة وَابْن عمر ومعاذ، وَهُوَ قَول عَلْقَمَة وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن وَالشعْبِيّ وَابْن شهَاب، وعَلى هَذَا تكون قراءتهم {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . بِضَم الْيَاء وَكسر الطَّاء وَسُكُون الْيَاء الثَّانِيَة، وَعند ابْن عَبَّاس: هِيَ محكمَة، وَعَلِيهِ قِرَاءَة: {يطوقونه} بِالْوَاو الْمُشَدّدَة، وروى عَنهُ: {يطيقُونَهُ} بِضَم الطَّاء وَالْيَاء المشددتين.

ثمَّ إِن الشَّيْخ الْكَبِير والعجوز إِذا كَانَ الصَّوْم يجهدهما ويشق عَلَيْهِمَا مشقة شَدِيدَة، فَلَهُمَا أَن يفطرا ويطعما لكل يَوْم مِسْكينا، وَهَذَا قَول عَليّ وَابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة وَأنس وَسَعِيد ابْن جُبَير وطاووس وَأبي حنيفَة وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل، وَقَالَ مَالك: لَا يجب عَلَيْهِ شَيْء، لِأَنَّهُ لَو ترك الصَّوْم لعَجزه مَا تجب فديَة، كَمَا تَركه لمَرض اتَّصل بِهِ الْمَوْت، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن ربيعَة وَأبي ثَوْر وَدَاوُد، وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيّ وَابْن الْمُنْذر، وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ كالمذهبين: أَحدهمَا: لَا تجب الْفِدْيَة عَلَيْهِمَا لعدم وجوب الصَّوْم عَلَيْهِمَا. وَالثَّانِي: وَهُوَ الْجَدِيد: تجب الْفِدْيَة

لكل يَوْم مد من طَعَام. وَقَالَ الْبُوَيْطِيّ: هِيَ مُسْتَحبَّة، وَلَو أحدث الله تَعَالَى للشَّيْخ الفاني قُوَّة حَتَّى قدر على الصَّوْم بعد الْفِدْيَة يبطل حكم الْفِدْيَة، وَفِي كتب أَصْحَابنَا: فَإِن أخر الْقَضَاء حَتَّى دخل رَمَضَان آخر صَامَ الثَّانِي لِأَنَّهُ فِي وقته، وَقضى الأول بعده لِأَنَّهُ وَقت الْقَضَاء وَلَا فديَة عَلَيْهِ، وَقَالَ سعيد بن جُبَير وَقَتَادَة يطعم وَلَا يقْضِي.

وَقَضَاء رَمَضَان إِن شَاءَ فرقه وَإِن شَاءَ تَابعه، وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِي وَمَالك. وَفِي (شرح الْمُهَذّب) : فَلَو قَضَاهُ غير مُرَتّب أَو مفرقا جَازَ عندنَا، وَعند الْجُمْهُور، لِأَن اسْم الصَّوْم يَقع على الْجَمِيع، وَفِي (تَفْسِير ابْن أبي حَاتِم) : وروى عَن أبي عُبَيْدَة بن الْجراح ومعاذ بن جبل وَأبي هُرَيْرَة وَرَافِع بن خديج وَأنس بن مَالك وَعَمْرو بن الْعَاصِ وَعبيدَة السَّلمَانِي وَالقَاسِم وَعبيد بن عُمَيْر وَسَعِيد بن الْمسيب وَأبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَأبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن وَسَالم وَعَطَاء وَأبي ميسرَة وطاووس وَمُجاهد وَعبد الرَّحْمَن بن الْأسود وَسَعِيد بن جُبَير وَالْحسن وَأبي قلَابَة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالْحَاكِم وَعِكْرِمَة وَعَطَاء بن يسَار وَأبي الزِّنَاد وَزيد بن أسلم وَقَتَادَة وَرَبِيعَة وَمَكْحُول وَالثَّوْري وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَالْحسن بن صَالح وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق أَنهم قَالُوا: يقْضِي مفرقا، وَرُوِيَ عَن عَليّ وَابْن عمر وَعُرْوَة وَالشعْبِيّ وَنَافِع بن جُبَير بن مطعم وَمُحَمّد بن سِيرِين: أَنه يقْضِي مُتَتَابِعًا وَإِلَى هَذَا ذهب أهل الظَّاهِر. وَقَالَ ابْن حزم: الْمُتَابَعَة فِي قَضَاء رَمَضَان وَاجِبَة لقَوْله تَعَالَى: {وسارعوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم} فَإِن لم يفعل يَقْضِيهَا مُتَفَرِّقَة لقَوْله تَعَالَى {فَعدَّة من أَيَّام أخر} (آل عمرَان: ٣٣١) . وَلم يجد لذَلِك وقتا يبطل الْقَضَاء بِخُرُوجِهِ. وَفِي (الاستذكار) عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يَقُول: يَصُوم قَضَاء رَمَضَان مُتَتَابِعًا من أفطره من مرض أَو سفر، وَعَن ابْن شهَاب أَن ابْن عَبَّاس وَأَبا هُرَيْرَة اخْتلفَا. فَقَالَ أَحدهمَا: يفرق، وَقَالَ الآخر: لَا يفرق. وَعَن يحيى بن سعيد سمع ابْن الْمسيب يَقُول: أحب أَن لَا يفرق قَضَاء رَمَضَان، وَإِن تَوَاتر. قَالَ أَبُو عمر: صَحَّ عندنَا عَن ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة أَنَّهُمَا أجازا أَن يفرقا قَضَاء رَمَضَان، وَصحح الدَّارَقُطْنِيّ إِسْنَاد حَدِيث عَائِشَة، نزلت: {فَعدَّة من أَيَّام أخر} (الْبَقَرَة: ٥٨١) . مُتَتَابِعَات، فَسَقَطت مُتَتَابِعَات، وَقَالَ ابْن قدامَة: لم تثبت عندنَا صِحَّته، وَلَو صَحَّ حملناه على الِاسْتِحْبَاب، والأفضلية. وَقيل: وَلَو ثبتَتْ كَانَت مَنْسُوخَة لفظا وَحكما، وَلِهَذَا لم يقْرَأ بهَا أحد من قراء الشواذ. قلت: وَفِي الْمَنَافِع قَرَأَ بهَا أبي وَلم يشْتَهر. فَكَانَت كَخَبَر وَاحِد غير مَشْهُور، فَلَا يجوز الزِّيَادَة على الْكتاب بِمثلِهِ، بِخِلَاف قِرَاءَة ابْن مَسْعُود فِي كَفَّارَة الْيَمين فَإِنَّهَا قِرَاءَة مَشْهُورَة غير متواترة.

وَقَالَ عِيَاض: اخْتلف السّلف فِي قَوْله تَعَالَى: {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . هَل هِيَ محكمَة أَو مَخْصُوصَة أَو مَنْسُوخَة؟ كلهَا أَو بَعْضهَا؟ فَقَالَ الْجُمْهُور: إِنَّهَا مَنْسُوخَة، ثمَّ اخلفوا: هَل بَقِي مِنْهَا مَا لم ينْسَخ؟ فَروِيَ عَن ابْن عمر وَالْجُمْهُور: أَن حكم الْإِطْعَام باقٍ على من لم يطق الصَّوْم لكبره، وَقَالَ جمَاعَة من السّلف وَمَالك وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد: جَمِيع الْإِطْعَام مَنْسُوخ، وَلَيْسَ على الْكَبِير إِذا لم يطق الصَّوْم إطْعَام، واستحبه لَهُ مَالك، وَقَالَ قَتَادَة: كَانَت الرُّخْصَة لمن يقدر على الصَّوْم ثمَّ نسخ فِيهِ، وَبَقِي فِيمَن لَا يُطيق. وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَغَيره: نزلت فِي الْكَبِير وَالْمَرِيض اللَّذين لَا يقدران على الصَّوْم، فَهِيَ عِنْده محكمَة، لَكِن الْمَرِيض يقْضِي إِذا برأَ، وَأكْثر الْعلمَاء على أَنه لَا إطْعَام على الْمَرِيض. وَقَالَ زيد بن أسلم وَالزهْرِيّ وَمَالك: هِيَ محكمَة، وَنزلت فِي الْمَرِيض يفْطر ثمَّ يبرأ فَلَا يقْضِي حَتَّى يدْخل رَمَضَان آخر، فَيلْزمهُ صَوْمه، ثمَّ يقْضِي بَعْدَمَا أفطر وَيطْعم عَن كل يَوْم مدا من حِنْطَة، فَأَما من اتَّصل مَرضه برمضان آخر فَلَيْسَ عَلَيْهِ إطْعَام، بل عَلَيْهِ الْقَضَاء فَقَط. وَقَالَ الْحسن وَغَيره: الضَّمِير فِي: يطوقونه، عَائِد على الْإِطْعَام لَا على الصَّوْم، ثمَّ نسخ ذَلِك فَهِيَ عِنْده عَامَّة.

وَقَالَ ابنُ نُمَيْرٍ حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ حدَّثنا عَمْرُو بنُ مُرَّةَ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبي لَيْلَى قَالَ حَدثنَا أصحابُ مُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَزَلَ رمَضانُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فكانَ مَنْ أطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينا تَرَكَ الصَّوْمَ مِمَّنْ يُطِيقُهُ ورُخِّصَ لَهُمُ فِي ذَلِكَ فَنَسَخَتْها {وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ {فَأُمِرُوا بالصَّوْمِ

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَكَانَ من أطْعم) إِلَى قَوْله: (فنسختها) . وَابْن نمير، بِضَم النُّون: اسْمه عبد الله، مر فِي:

بَاب مَا ينْهَى من الْكَلَام فِي الصَّلَاة، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، عَمْرو بن مرّة، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء. وَابْن أبي ليلى هُوَ عبد الرَّحْمَن، رأى كثيرا من الصَّحَابَة مثل: عمر وَعُثْمَان وَعلي وَغَيرهم، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق أبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) : (قدم النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، الْمَدِينَة وَلَا عهد لَهُم بالصيام، فَكَانُوا يَصُومُونَ ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر حَتَّى نزل رَمَضَان، فاستكثروا ذَلِك وشق عيهم، فَكَانَ من أطْعم مِسْكينا كل يَوْم ترك الصّيام مِمَّن يطيقه، رخص لَهُم فِي ذَلِك، ثمَّ نُسْخَة {وَأَن تَصُومُوا خير لكم} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . فَأمروا بالصيام.

وَهَذَا الحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد من طَرِيق شُعْبَة والمسعودي عَن الْأَعْمَش مطولا فِي الْأَذَان والقبلة وَالصِّيَام، وَاخْتلف فِي إِسْنَاده اخْتِلَافا كثيرا، وَطَرِيق ابْن نمير هَذَا أرجحها.

قَوْله: (حَدثنَا أَصْحَاب مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه روى هَذَا الحَدِيث عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، وَلَا يُقَال لمثل هَذَا رِوَايَة مَجْهُول لِأَن الصَّحَابَة كلهم عدُول. قَوْله: (فنسختها) {وَأَن تَصُومُوا} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . الضَّمِير فِي نسختها يرجع إِلَى الْإِطْعَام الَّذِي يدل عَلَيْهِ أطْعم، والتأنيث بِاعْتِبَار الْفِدْيَة، وَقَوله {وَأَن تَصُومُوا خير لكم} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . فِي مَحل الرّفْع على الفاعلية، وَالتَّقْدِير قَوْله: وَأَن تَصُومُوا. وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: وصومكم خير لكم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ وَجه نسخهَا لَهَا والخيرية لَا تَقْتَضِي الْوُجُوب؟ قلت: مَعْنَاهُ الصَّوْم خير من التَّطَوُّع بالفدية، والتطوع بهَا سنة، بِدَلِيل أَنه خير، وَالْخَيْر من السّنة لَا يكون إلَاّ وَاجِبا. انْتهى. قلت: إِن كَانَ المُرَاد من السّنة هِيَ سنة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَسنة النَّبِي كلهَا خير، فَيلْزم أَن تكون كل سنة وَاجِبَة وَلَيْسَ كَذَلِك. وَقَالَ السّديّ: عَن مرّة عَن عبد الله، قَالَ: لما نزلت هَذِه الْآيَة: {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ فديَة طَعَام مِسْكين} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . وَقَالَ: وَالله يَقُول: {الَّذين يطيقُونَهُ} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . أَي: يتجشمونه، قَالَ عبد الله: فَكَانَ من شَاءَ صَامَ وَمن شَاءَ أفطر وَأطْعم مِسْكينا. {فَمن تطوع} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . قَالَ: أطْعم مِسْكينا آخر {فَهُوَ خير لَهُ وَأَن تَصُومُوا خير لكم} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . فَكَانُوا كَذَلِك حَتَّى نسختها: {فَمن شهد مِنْكُم الشَّهْر فليصمه} (الْبَقَرَة: ٥٨١) .

٩٤٩١ - حدَّثنا عَيَّاشٌ قَالَ حدَّثنا عبْدُ الأعْلَى قَالَ حدثنَا عُبَيْدُ الله عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عنهُمَا قرَأ: فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ، قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ. (الحَدِيث ٩٤٩١ طرفه فِي: ٦٠٥٤) .

أشتر بِهَذِهِ الرِّوَايَة إِلَى وصل التَّعْلِيق الَّذِي علقه فِي أول الْبَاب بقوله: قَالَ ابْن عمر، وَأَشَارَ أَيْضا إِلَى بَيَان قِرَاءَة عبد الله ابْن عمر فِي قَوْله: {فديَة طَعَام مِسْكين} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . فَإِنَّهُ قَرَأَ: مِسْكين، وبصيغة الْإِفْرَاد، وَلَكِن لما ذكر فِي التَّفْسِير، قَالَ: طَعَام مَسَاكِين، بِصِيغَة الْجمع، وَكَذَا رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي (صَحِيحه) وَأَشَارَ أَيْضا إِلَى أَن {فديَة طَعَام مِسْكين} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . مَنْسُوخَة غير مَخْصُوصَة وَلَا محكمَة. وَعَيَّاش، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف الْمُشَدّدَة والشين الْمُعْجَمَة، وَعبد الْأَعْلَى هُوَ ابْن عبد الْأَعْلَى، وَعبيد الله بن عمر الْعمريّ الْمدنِي.

٠٤ - (بابٌ مَتَى يُقْضَى قَضَاءُ رَمَضَانَ)

أَي: هَذَا بَاب يبين فِيهِ مَتى يقْضِي، أَي: مَتى يُؤدى قَضَاء رَمَضَان، وَالْقَضَاء بِمَعْنى الْأَدَاء، قَالَ تَعَالَى: {فَإِذا قضيت الصَّلَاة} (الْجُمُعَة: ٠١) . أَي: فَإِذا أدّيت الصَّلَاة، وَلَيْسَ المُرَاد من الْأَدَاء مَعْنَاهُ الشَّرْعِيّ، وَهُوَ تَسْلِيم عين الْوَاجِب، وَلَكِن المُرَاد مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ وَهُوَ الْإِيفَاء، كَمَا يُقَال: أدّيت حق فلَان أَي: أوفيته، وَفَسرهُ بَعضهم بقوله: مَتى يصام الْأَيَّام الَّتِي تقضى عَن فَوَات رَمَضَان؟ وَلَيْسَ المُرَاد: قَضَاء الْقَضَاء على مَا هُوَ ظَاهر اللَّفْظ. انْتهى. قلت: ظن هَذَا أَن المُرَاد من قَوْله: مَتى يقْضِي؟ مَعْنَاهُ الشَّرْعِيّ، وَلَيْسَ كَذَلِك، فَظَنهُ هَذَا هُوَ الَّذِي أَلْجَأَهُ إِلَى مَا تعسف فِيهِ، ثمَّ أَنه ذكر كلمة الِاسْتِفْهَام وَلم يذكر جَوَابه لتعارض الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة والقياسية، فَإِن ظَاهر قَوْله تَعَالَى: {فَعدَّة من أَيَّام أخر} (الْبَقَرَة: ٥٨١) . أَعم من أَن تكون تِلْكَ الْأَيَّام متتابعة أَو مُتَفَرِّقَة، وَالْقِيَاس يَقْتَضِي التَّتَابُع لِأَن الْقَضَاء يَحْكِي الْأَدَاء، وَذكر البُخَارِيّ هَذِه الْآثَار فِي هَذَا الْبَاب يدل على جَوَاز التَّرَاخِي والتفريق.

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ لَا بَأسَ أنْ يُفَرَّقَ لِقَوْلِ الله تعَالَى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَرَ} (الْبَقَرَة: ٤٨١) .

هَذَا التَّعْلِيق وَصله مَالك عَن الزُّهْرِيّ أَن ابْن عَبَّاس وَأَبا هُرَيْرَة اخْتلفَا فِي قَضَاء رَمَضَان، فَقَالَ أَحدهمَا: يفرق، وَقَالَ الآخر: لَا يفرق، وَهَذَا مُنْقَطع مُبْهَم لِأَنَّهُ لم يعلم المفرق من غير المفرق، وَقد أوضحه عبد الرَّزَّاق وَوَصله عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ

عَن عبيد الله بن عبد الله عَن ابْن عَبَّاس فِيمَن عَلَيْهِ قَضَاء رَمَضَان، قَالَ: يَقْضِيه مفرقا قَالَ الله تَعَالَى: {فَعدَّة من أَيَّام أخر} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ من وَجه آخر عَن معمر بِسَنَدِهِ، قَالَ: صمه كَيفَ شِئْت.

وَقَالَ سعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ فِي صَوْمِ الْعَشْرِ لَا يَصْلُحُ حَتَّى يبْدأ بِرَمَضَانَ

معنى هَذَا الْكَلَام أَن سعيدا لما سُئِلَ عَن صَوْم الْعشْر؟ وَالْحَال أَن على الَّذِي سَأَلَهُ قَضَاء رَمَضَان، فَقَالَ: لَا يصلح حَتَّى يبْدَأ أَولا بِقَضَاء رَمَضَان، وَهَذِه الْعبارَة لَا تدل على الْمَنْع مُطلقًا، وَإِنَّمَا تدل على الْأَوْلَوِيَّة، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة: عَن عَبدة عَن سُفْيَان عَن قَتَادَة عَن سعيد أَنه كَانَ لَا يرى بَأْسا أَن يقْضِي رَمَضَان فِي الْعشْر، وَقَالَ بَعضهم: عقيب ذكر الإثر الْمَذْكُور عَن سعيد، وَصله ابْن أبي شيبَة عَنهُ نَحوه، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة، ثمَّ ذكره نَحْو مَا ذكرنَا، وَلَيْسَ الَّذِي ذكره ابْن أبي شيبَة عَنهُ أصلا نَحْو الَّذِي ذكره البُخَارِيّ عَنهُ، وَهَذَا ظَاهر لَا يخفى.

وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: إِذا فَرَّطَ حَتَّى جاءَ رَمَضانٌ آخرُ يَصُومُهُمَا ولَم يَرَ عَلَيْهِ طَعَاما

إِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ. قَوْله: (إِذا فرط) من التَّفْرِيط، وَهُوَ التَّقْصِير، يَعْنِي: إِذا كَانَ عَلَيْهِ قَضَاء رَمَضَان وَلم يقضه حَتَّى جَاءَ رَمَضَان ثَان فَعَلَيهِ أَن يصومهما، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فديَة. قَوْله: (حَتَّى جَاءَ) ، من الْمَجِيء، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: (حَتَّى جَازَ) ، بزاي فِي آخِره من الْجَوَاز، ويروى: (حَتَّى حَان) ، بحاء مُهْملَة وَنون: من الْحِين، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق يُونُس عَن الْحسن، وَمن طَرِيق الْحَارِث العكلي عَن إِبْرَاهِيم قَالَا: إِذا تتَابع عَلَيْهِ رمضانان صامهما، فَإِن صَحَّ بَينهمَا فَلم يقضِ الأول فبئس مَا صنع، فليستغفر الله، وليصم.

ويُذْكَرُ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ مُرْسلاً. وعنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّهُ يُطْعِم ولَمْ يَذْكُر الله الإطْعَامَ إنَّمَا قَالَ: {فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَرَ} (الْبَقَرَة: ٤٨١) .

أَشَارَ بِصِيغَة التمريض إِلَى أَن الَّذِي روى عَن أبي هُرَيْرَة حَال كَونه مُرْسلا فِيمَن مرض وَلم يصم رَمَضَان، ثمَّ صَحَّ فَلم يقضه حَتَّى جَاءَ رَمَضَان آخر، فَإِنَّهُ يطعم بعد الصَّوْم عَن رمضانين. وَأخرجه عبد الرَّزَّاق مَوْصُولا عَن ابْن جريج: أَخْبرنِي عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: أَي إِنْسَان مرض رَمَضَان ثمَّ صَحَّ فَلم يقضه حَتَّى أدْركهُ رَمَضَان آخر فليصم الَّذِي حدث، ثمَّ يقْضِي الآخر، وَيطْعم من كل يَوْم مِسْكينا. قلت لعطاء: كم بلغك يطعم؟ قَالَ: مدا، زَعَمُوا، وَأخرجه عبد الرَّزَّاق أَيْضا عَن معمر عَن أبي إِسْحَاق عَن مُجَاهِد عَن أبي هُرَيْرَة نَحوه، وَقَالَ فِيهِ: (وَأطْعم عَن كل يَوْم نصف صَاع من قَمح) . وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا من طَرِيق مُجَاهِد (عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي رجل أفطر فِي شهر رَمَضَان، ثمَّ صَحَّ وَلم يصم حَتَّى أدْركهُ رَمَضَان آخر، قَالَ: يَصُوم الَّذِي أدْركهُ ثمَّ يَصُوم الشَّهْر الَّذِي أفطر فَهِيَ وَيطْعم مَكَان كل يَوْم مِسْكينا) . وَفِي إِسْنَاده إِبْرَاهِيم بن نَافِع وَعمر بن مُوسَى بن وجبة، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هما ضعيفان. وَقد ذكر البرديجي أَن مُجَاهدًا لم يسمع من أبي هُرَيْرَة، فَلهَذَا سَمَّاهُ البُخَارِيّ مُرْسلا.

قَوْله: (وَابْن عَبَّاس) ، أَي: ويروى أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس أَنه يطعم، وَوَصله سعيد بن مَنْصُور عَن هشيم، وَالدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة كِلَاهُمَا عَن يُونُس بن أبي إِسْحَاق عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: (من فرط فِي صِيَام شهر رَمَضَان حَتَّى أدْركهُ رَمَضَان آخر فليصم هَذَا الَّذِي أدْركهُ ثمَّ ليصم مَا فَاتَهُ وَيطْعم مَعَ كل يَوْم مِسْكينا) . قيل: عطف ابْن عَبَّاس على أبي هُرَيْرَة يَقْتَضِي أَن يكون الْمَذْكُور عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا مُرْسلا، وَأجِيب بِالْخِلَافِ فِي أَن الْقَيْد فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ هَل هُوَ قيد فِي الْمَعْطُوف أم لَا؟ فَقيل: لَيْسَ بِقَيْد، وَالأَصَح اشتراكهما، وَكَذَلِكَ الأصوليون اخْتلفُوا فِي أَن عطف الْمُطلق على الْمُقَيد هَل هُوَ مُقَيّد للمطلق أم لَا؟ قَوْله: (وَلم يذكر الله الْإِطْعَام) إِلَى آخِره، من كَلَام البُخَارِيّ إِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَن النَّص سَاكِت عَن الْإِطْعَام، وَهُوَ الْفِدْيَة لتأخير الْقَضَاء. وَظن بَعضهم أَنه بَقِيَّة كَلَام إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَهُوَ وهم، فَإِنَّهُ مفصول من كَلَامه بأثر أبي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس، ثمَّ إِن البُخَارِيّ اسْتدلَّ فِيمَا قَالَه بقوله تَعَالَى: {فَعدَّة من أَيَّام أخر} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . وَلَا يتم استدلاله بذلك لِأَنَّهُ لَا يلْزم من عدم ذكره فِي الْكتاب أَن لَا يثبت بِالسنةِ، فقد جَاءَ عَن

جمَاعَة من الصَّحَابَة الْإِطْعَام مِنْهُم: أَبُو هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس، كَمَا ذكر، وَمِنْهُم عمر بن الْخطاب ذكره عبد الرَّزَّاق، وَنقل الطَّحَاوِيّ عَن يحيى بن أَكْثَم، قَالَ: وجدته عَن سِتَّة من الصَّحَابَة لَا أعلم لَهُم فِيهِ مُخَالفا، انْتهى، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور، وَخَالف فِي ذَلِك إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه، وَمَال الطَّحَاوِيّ إِلَى قَول الْجُمْهُور فِي ذَلِك، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: وروينا عَن ابْن عمر وَأبي هُرَيْرَة فِي الَّذِي لم يصم حَتَّى أدْرك رَمَضَان يطعم، وَلَا قَضَاء عَلَيْهِ، وَعَن الْحسن وطاووس وَالنَّخَعِيّ يقْضِي وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ.

٠٥٩١ - حدَّثنا أحمدُ بنُ يُونُسَ قَالَ حدَّثنا زُهَيْرٌ قَالَ حدَّثنا يحْيَى عنْ أبِي سلَمَةَ قَالَ سَمِعْتُ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا تقُولُ كانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضانَ فَما أسْتَطِيعُ أَن أقْضيَ الآنَ إلَاّ فِي شَعْبَانَ قَالَ يحْيَى الشُّغْلُ مِنَ النبيِّ أوْ بالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يُفَسر الْإِبْهَام الَّذِي فِي التَّرْجَمَة، لِأَن التَّرْجَمَة: مَتى يقْضِي قَضَاء رَمَضَان، والْحَدِيث يدل على أَنه يقْضِي فِي أَي وَقت كَانَ، غير أَنه إِذا أَخّرهُ حَتَّى دخل رَمَضَان ثَان يجب عَلَيْهِ الْفِدْيَة عِنْد الشَّافِعِي، وَقد ذكرنَا الْخلاف فِيهِ مستقصىً، وَعند أَصْحَابنَا: لَا يجب عَلَيْهِ شَيْء غير الْقَضَاء لإِطْلَاق النَّص.

ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَحْمد بن يُونُس، وَهُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس أَبُو عبد الله التبروعي التَّمِيمِي. الثَّانِي: زُهَيْر بن مُعَاوِيَة أَبُو خَيْثَمَة الْجعْفِيّ. الثَّالِث: يحيى، قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : اخْتلف فِي يحيى هَذَا، فَزعم الضياء الْمَقْدِسِي أَنه يحيى الْقطَّان، وَقَالَ ابْن التِّين: قيل: إِنَّه يحيى ابْن أبي كثير. قلت: وَبِه قَالَ الْكرْمَانِي وَجزم بِهِ، وَالصَّحِيح أَنه: يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، نَص عَلَيْهِ الْحَافِظ الْمزي عِنْد ذكر هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ بَعضهم مُنْكرا على الْكرْمَانِي وَابْن التِّين فِي قَوْلهمَا، إِنَّه يحيى بن أبي كثير، قَالَ: وغفل الْكرْمَانِي عَمَّا أخرجه مُسلم عَن أَحْمد بن يُونُس شيخ البُخَارِيّ فِيهِ، فَقَالَ فِي نفس السَّنَد: عَن يحيى بن سعيد. قلت: هُوَ أَيْضا غفل عَن إِيضَاح مَا قَالَه، لِأَن الْمَذْكُور فِي حَدِيث مُسلم يحيى بن سعيد، وَلقَائِل أَن يَقُول: يحْتَمل أَن يكون يحيى هَذَا هُوَ يحيى بن سعيد الْقطَّان، كَمَا قَالَه الضياء، وَلَو قَالَ مثل مَا قُلْنَا لَكَانَ أوضح وأصوب. الرَّابِع: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن. الْخَامِس: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع وَفِيه: يحيى عَن أبي سَلمَة، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: من طَرِيق أبي خَالِد عَن يحيى بن سعيد سَمِعت أَبَا سَلمَة. وَفِيه: أَن شَيْخه وزهيرا كوفيان، وَأَن يحيى وَأَبا سَلمَة مدنيان. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية.

ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّوْم عَن أَحْمد بن يُونُس بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن عَمْرو النَّاقِد وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن مُحَمَّد بن رَافع. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو عَن عَليّ عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن الْمُنْذر.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كَانَ يكون) ، د وَفِي (الْأَطْرَاف) للمزي: إِن (كَانَ يكون) وَفَائِدَة اجْتِمَاع كَانَ مَعَ يكون يذكر أَحدهمَا بِصِيغَة الْمَاضِي وَالْآخر بِصِيغَة الْمُسْتَقْبل تَحْقِيق الْقَضِيَّة وتعظيمها، وَتَقْدِيره: وَكَانَ الشَّأْن يكون كَذَا، وَأما تَغْيِير الأسلوب فلإرادة الِاسْتِمْرَار، وتكرر الْفِعْل. وَقيل: لَفْظَة يكون زَائِدَة كَمَا قَالَ الشَّاعِر:

(وجيران لنا كَانُوا كرام)

وَأما رِوَايَة: أَن كَانَ، فَإِن كلمة: أَن تكون مخفقة من المثقلة، قَوْله: (أَن أَقْْضِي) أَي: مَا فاتها من رَمَضَان. قَوْله: (قَالَ يحيى) ، أَي: يحيى الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث الْمَذْكُور إِلَيْهِ فَهُوَ مَوْصُول. قَوْله: (الشعل من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) مقول يحيى، وارتفاع: الشّغل، يجوز أَن يكون على أَنه فَاعل: فعل، مَحْذُوف تَقْدِيره: قَالَت يَمْنعنِي الشّغل، وَيجوز إِن يكون مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر، أَي: قَالَ يحيى الشّغل هُوَ الْمَانِع لَهَا، وَالْمرَاد من الشّغل أَنَّهَا كَانَت مهيئة نَفسهَا لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مترصدة لاستمتاعه فِي جَمِيع أَوْقَاتهَا إِن أَرَادَ ذَلِك، وَأما فِي شعْبَان فإنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَصُومهُ فتتفرغ عَائِشَة (لقَضَاء صَومهَا) .

قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: شغل مِنْهُ، بِمَعْنى: فرغ عَنهُ، وَهُوَ عكس الْمَقْصُود، إِذْ الْفَرْض أَن الِاشْتِغَال برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ الْمَانِع من الْقَضَاء لَا الْفَرَاغ مِنْهُ؟ قلت:

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.7 / 29.5
الإضاءة 84%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
سبحان الله وبحمده