«كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٠٣٣

الحديث رقم ٢٠٣٣ من كتاب «أبواب الاعتكاف» في صحيح البخاري، تحت باب: باب اعتكاف النساء.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من…

«كَانَ النَّبِيُّ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً، فَيُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يَدْخُلُهُ، فَاسْتَأْذَنَتْ حَفْصَةُ عَائِشَةَ أَنْ تَضْرِبَ

⦗٤٩⦘

خِبَاءً فَأَذِنَتْ لَهَا، فَضَرَبَتْ خِبَاءً، فَلَمَّا رَأَتْهُ زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ ضَرَبَتْ خِبَاءً آخَرَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّبِيُّ رَأَى الْأَخْبِيَةَ، فَقَالَ: مَا هَذَا، فَأُخْبِرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ : آلْبِرَُّ تُرَوْنَ بِهِنَّ، فَتَرَكَ الِاعْتِكَافَ ذَلِكَ الشَّهْرَ، ثُمَّ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ.»

سند حديث: ٢٠٣٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ…

٢٠٣٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من…

أخبرت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، والاعتكاف فيه آكد منه في غيره؛ اقتداءً به صلى الله عليه وسلم وطلبًا لليلة القدر، فكانت عائشة تضرب له خيمة من وبر أو صوف، على عمودين أو ثلاثة، فيصلي الصبح في المسجد ثم يدخل في الخيمة، فاستأذنت حفصة بنت عمر رضي الله عنها عائشة في ضرب خيمة لها، فسمحت لها عائشة، وفي روايةٍ: "فسألتها حفصةُ تستأذنه لها لتعتكف معه"، فضربت حفصة خيمة لها لتعتكف فيها، فلما رأت زينب بنت جحش ذلك ضربت لنفسها خيمةً أخرى، فلما أصبح عليه الصلاة والسلام رأى الخيم الثلاثة التي لأمهات المؤمنين، فسأل: ما الذي أراه من الخيام؟ فأخبره الصحابة الذين معه بأنها لأمهات المؤمنين، فقال مخاطبًا الحاضرين معه من الرجال: أتظنون الطاعة بهن؟ وأن الحامل على ذلك المنافسة في الأجر؟ فترك عليه الصلاة والسلام الاعتكاف ذلك الشهر؛ مبالغةً في الإنكار عليهن، خشيةَ أن يكُنَّ غير مخلصات في اعتكافهن، بل الحامل لهن على ذلك المباهاة أو التنافس الناشئ عن الغيرة؛ حرصًا على القرب منه عليه الصلاة والسلام خاصة، فيخرج الاعتكاف عن موضوعه، أو خاف تضييق المسجد على المصلين بأخبيتهن، أو لأن المسجد يجمع الناس ويحضره الأعراب والمنافقون، وهن محتاجات إلى الدخول والخروج فيبتذلن بذلك، ثم اعتكف عليه الصلاة والسلام عشرًا من شوال قضاء عما تركه من الاعتكاف في رمضان على سبيل الاستحباب؛ لأنه كان إذا عمل عملًا أثبته، ولو كان على الوجوب لاعتكف معه نساؤه أيضًا في شوال.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • بيان استحباب الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان.
  • مشروعية قضاء الاعتكاف في شوال لمن فاته في شهر رمضان.
  • ترك الأفضل إذا كان فيه مصلحة، وأن من خشي على عمله الرياء جاز له تركه وقطعه.
  • الاعتكاف لا يجب بالنية، وأما قضاؤه صلى الله عليه وسلم له فعلى طريق الاستحباب؛ لأنه كان إذا عمل عملًا أثبته، ولهذا لم ينقل أن نساءه اعتكفن معه في شوال.
  • المرأة إذا اعتكفت في المسجد استحب لها أن تجعل لها ما يسترها، ويشترط أن تكون إقامتها في موضع لا يضيق على المصلين، وأن يكون الحامل لها على ذلك طلب الثواب، وأن تأمنَ أن تَفتِنَ أو تُفتَنَ.
  • بيان مرتبة عائشة في كون حفصة لم تستأذن إلا بواسطتها ويحتمل أن يكون سبب ذلك كونه كان تلك الليلة في بيت عائشة.
  • أن النوافل المعتادة إذا فاتت تقضى استحبابًا.
  • جواز ضرب الأخبية في المسجد للاعتكاف.
  • جواز اتخاذ المعتكف لنفسه موضعًا من المسجد ينفرد فيه مدة اعتكافه، ما لم يضيق على الناس، وإذا اتخذه يكون في آخر المسجد ورحابه؛ لئلا يضيق على غيره، وليكون أخلى له، وأكمل في انفراده.
  • جواز الخروج من الاعتكاف بعد الدخول فيه، وأنه لا يلزم بالنية، ولا بالشروع فيه، ويستنبط منه سائر التطوعات، خلافًا لمن قال باللزوم.
  • أول وقت الاعتكاف، فيدخل المسجد قبل الغروب من أول ليلة في العشر؛ ليصدق عليه اعتكاف العشر، وإلا فاتت عليه ليلة قد تكون هي ليلة القدر، ويدخل المعتكف، كالخباء وبحوه، بعد صلاة الصبح، كما في الحديث.
  • بيان أن المسجد شرط للاعتكاف؛ لأن النساء شرع لهن الاحتجاب في البيوت، فلو لم يكن المسجد شرطًا ما وقع ما ذُكر من الإذن والمنع.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

حَدٌّ مُعَيَّنٌ.

قَوْلُهُ: (فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) زَادَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ فِي رِوَايَتِهِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ لِهَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ أَبْوَابٍ مَنْ لَمْ يَرَ عَلَيْهِ إِذَا اعْتَكَفَ صَوْمًا وَتَرْجَمَةُ هَذَا الْبَابِ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ إِذَا سَاغَ لَيْلًا بِغَيْرِ نَهَارٍ اسْتَلْزَمَ صِحَّتَهُ بِغَيْرِ صِيَامٍ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَبِاشْتِرَاطِ الصِّيَامِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ. أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُمَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَعَنْ عَائِشَةَ نَحْوُهُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالْحَنَفِيَّةُ، وَاخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَاحْتَجَّ عِيَاضٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَكِفْ إِلَّا بِصَوْمٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ أَنَّهُ اعْتَكَفَ فِي شَوَّالٍ كَمَا سَنَذْكُرُهُ، وَاحْتَجَّ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الِاعْتِكَافَ أَثَرَ الصَّوْمِ فَقَالَ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ﴾ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى تَلَازُمِهِمَا، وَإِلَّا لَكَانَ لَا صَوْمَ إِلَّا بِاعْتِكَافٍ وَلَا قَائِلَ بِهِ، وَسَنَذْكُرُ بَقِيَّةَ فَوَائِدِ حَدِيثِ عُمَرَ فِي كِتَابِ النُّذُورِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: أَقَلُّ الِاعْتِكَافِ عَشْرَةُ أَيَّامٍ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ يَوْمٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُهُ فِي أَوَّلِ الِاعْتِكَافِ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافًا مُبْهَمًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٦ - بَاب اعْتِكَافِ النِّسَاءِ

٢٠٣٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً فَيُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يَدْخُلُهُ. فَاسْتَأْذَنَتْ حَفْصَةُ عَائِشَةَ أَنْ تَضْرِبَ خِبَاءً، فَأَذِنَتْ لَهَا فَضَرَبَتْ خِبَاءً. فَلَمَّا رَأَتْهُ زَيْنَبُ بنت جَحْشٍ ضَرَبَتْ خِبَاءً آخَرَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّبِيُّ رَأَى الْأَخْبِيَةَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَأُخْبِرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ : أَلْبِرَّ تُرَوْنَ بِهِنَّ؟ فَتَرَكَ الِاعْتِكَافَ ذَلِكَ الشَّهْرَ، ثُمَّ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ.

قَوْلُهُ: (بَابُ اعْتِكَافِ النِّسَاءِ) أَيْ: مَا حُكْمُهُ وَقَدْ أَطْلَقَ الشَّافِعِيُّ كَرَاهَتَهُ لَهُنَّ فِي الْمَسْجِدِ، الَّذِي تُصَلَّى فِيهِ الْجَمَاعَةُ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ الْبَابِ، فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى كَرَاهَةِ الِاعْتِكَافِ لِلْمَرْأَةِ إِلَّا فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا؛ لِأَنَّهَا تَتَعَرَّضُ لِكَثْرَةِ مَنْ يَرَاهَا، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَوْلَا أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ زَادَ فِي الْحَدِيثِ - أَيْ: حَدِيثِ الْبَابِ - أَنَّهُنَّ اسْتَأْذَنَّ النَّبِيَّ فِي الِاعْتِكَافِ لَقَطَعْتَ بِأَنَّ اعْتِكَافَ الْمَرْأَةِ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ غَيْرُ جَائِزٍ. انْتَهَى. وَشَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ لِصِحَّةِ اعْتِكَافِ الْمَرْأَةِ أَنْ تَكُونَ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمْ أَنَّ لَهَا الِاعْتِكَافَ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ زَوْجِهَا وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَنَسَبَهُ خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرَةَ) فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ الْآتِيَةِ فِي أَوَاخِرِ الِاعْتِكَافِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَتْنِي عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَائِشَةَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ.

قَوْلُهُ: (كَانَ النَّبِيُّ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً) أَيْ: بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ، وَقَوْلُهُ: فَيُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يَدْخُلُهُ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْآتِيَةِ فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ فِي شَوَّالٍ كَانَ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ، فَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ دَخَلَ وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ مَبْدَأَ الِاعْتِكَافِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَسَيَأْتِي نَقْلُ الْخِلَافِ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (فَاسْتَأْذَنَتْ حَفْصَةُ

عَائِشَةَ أَنْ تَضْرِبَ خِبَاءً) فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ الْمَذْكُورَةِ: فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ فَأَذِنَ لَهَا، وَسَأَلَتْ حَفْصَةُ عَائِشَةَ أَنْ تَسْتَأْذِنَ لَهَا فَفَعَلَتْ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ الْمَذْكُورَةِ: فَاسْتَأْذَنَتْ عَائِشَةُ أَنْ تَعْتَكِفَ فَأَذِنَ لَهَا فَضَرَبَتْ قُبَّةً، فَسَمِعَتْ بِهَا حَفْصَةُ فَضَرَبَتْ قُبَّةً زَادَ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ: لِتَعْتَكِفَ مَعَهُ وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهَا فَعَلَتْ ذَلِكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، لَكِنَّ رِوَايَةَ ابْنِ عُيَيْنَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ: ثُمَّ اسْتَأْذَنَتْهُ حَفْصَةُ فَأَذِنَ لَهَا وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى لِسَانِ عَائِشَةَ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا رَأَتْهُ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ ضَرَبَتْ خِبَاءً آخَرَ) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ: وَسَمِعَتْ بِهَا زَيْنَبُ فَضَرَبَتْ قُبَّةً أُخْرَى وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ: فَلَمَّا رَأَتْهُ زَيْنَبُ ضَرَبَتْ مَعَهُنَّ وَكَانَتِ امْرَأَةً غَيُورًا وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ أَنَّ زَيْنَبَ اسْتَأْذَنَتْ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ أَحَدَ مَا بَعَثَ عَلَى الْإِنْكَارِ الْآتِي.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّبِيُّ رَأَى الْأَخْبِيَةَ) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ: فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهِ إِذَا أَخْبِيَةٌ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ: فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنَ الْغَدَاةِ أَبْصَرَ أَرْبَعَ قِبَابٍ يَعْنِي: قُبَّةً لَهُ وَثَلَاثًا لِلثَّلَاثَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا صَلَّى انْصَرَفَ إِلَى بِنَائِهِ الَّذِي بُنِيَ لَهُ لِيَعْتَكِفَ فِيهِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَأَبِي دَاوُدَ: فَأَمَرَتْ زَيْنَبُ بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ، وَأَمَرَ غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ وَهَذَا يَقْتَضِي تَعْمِيمَ الْأَزْوَاجِ بِذَلِكَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَدْ فُسِّرَتِ الْأَزْوَاجُ فِي الرِّوَايَاتِ الْأُخْرَى بِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَزَيْنَبَ فَقَطْ، وَبَيَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: أَرْبَعَ قِبَابٍ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ: فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ إِذَا هُوَ بِأَرْبَعَةِ أَبْنِيَةٍ، قَالَ: لِمَنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: لِعَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ وَزَيْنَبَ.

قَوْلُهُ: (آلْبِرَّ) بِهَمْزَةِ اسْتِفْهَامٍ مَمْدُودَةٍ وَبِغَيْرِ مَدٍّ، وَآلْبِرَّ بِالنَّصْبِ، وَقَوْلُهُ: تُرَوْنَ بِهِنَّ بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ: تَظُنُّونَ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ آلْبِرَّ تَقُولُونَ بِهِنَّ أَيْ: تَظُنُّونَ، وَالْقَوْلُ يُطْلَقُ عَلَى الظَّنِّ قَالَ الْأَعْشَى:

أَمَّا الرَّحِيلُ فَدُونَ بَعْدَ غَدِ … فَمَتَى تَقُولُ الدَّارَ تَجْمَعُنَا

أَيْ: تَظُنُّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ: آلْبِرَّ أَرَدْنَ بِهَذَا وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: آلْبِرَّ تَقُولُونَ يُرِدْنَ بِهَذَا وَالْخِطَابُ لِلْحَاضِرِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَغَيْرِهِمْ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ: مَا حَمَلَهُنَّ عَلَى هَذَا، آلْبِرُّ؟ انْزِعُوهَا فَلَا أَرَاهَا، فَنُزِعَتْ وَمَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ، وَآلْبِرُّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَرْفُوعٌ، وَقَوْلُهُ: فَلَا أَرَاهَا زَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ الصَّوَابَ حَذْفُ الْأَلِفِ مِنْ أَرَاهَا قَالَ: لِأَنَّهُ مَجْزُومٌ بِالنَّهْيِ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ.

قَوْلُهُ: (فَتَرَكَ الِاعْتِكَافَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ: فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ وَهُوَ بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَهَا ضَادٌ مُعْجَمَةٌ أَيْ: نُقِضَ، وَكَأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَكُونَ الْحَامِلُ لَهُنَّ عَلَى ذَلِكَ الْمُبَاهَاةَ وَالتَّنَافُسَ النَّاشِئَ عَنِ الْغِيرَةِ حِرْصًا عَلَى الْقُرْبِ مِنْهُ خَاصَّةً فَيَخْرُجُ الِاعْتِكَافُ عَنْ مَوْضُوعِهِ، أَوْ لَمَّا أَذِنَ لِعَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ أَوَّلًا كَانَ ذَلِكَ خَفِيفًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يُفْضِي إِلَيْهِ الْأَمْرُ مِنْ تَوَارُدِ بَقِيَّةِ النِّسْوَةِ عَلَى ذَلِكَ فَيَضِيقُ الْمَسْجِدُ عَلَى الْمُصَلِّينَ، أَوْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَنَّ اجْتِمَاعَ النِّسْوَةِ عِنْدَهُ يُصَيِّرُهُ كَالْجَالِسِ فِي بَيْتِهِ، وَرُبَّمَا شَغَلْنَهُ عَنِ التَّخَلِّي لِمَا قَصَدَ مِنَ الْعِبَادَةِ فَيَفُوتُ مَقْصُودُ الِاعْتِكَافِ.

قَوْلُهُ: (فَتَرَكَ الِاعْتِكَافَ ذَلِكَ الشَّهْرَ، ثُمَّ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ) فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ: فَرَجَعَ فَلَمَّا أَنِ اعْتَكَفَ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ: فَلَمْ يَعْتَكِفْ فِي رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِي آخِرِ الْعَشْرِ مِنْ شَوَّالٍ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ: فَلَمْ يَعْتَكِفْ فِي رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ شَوَّالٍ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: آخِرَ الْعَشْرِ مِنْ شَوَّالٍ انْتِهَاءُ اعْتِكَافِهِ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِاعْتِكَافِ بِغَيْرِ صَوْمٍ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ شَوَّالٍ هُوَ يَوْمُ الْفِطْرِ وَصَوْمُهُ حَرَامٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: فِي اعْتِكَافِهِ فِي شَوَّالٍ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الاعتكاف» [خ¦٢٠٤٢]، وأخرجه مسلمٌ في «الأيمان والنُّذور»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ، وأخرجه (١) النَّسائيُّ فيه وفي «الاعتكاف»، وأخرجه ابن ماجه في «الصِّيام».

(٦) (بابُ) حكم (اعْتِكَافِ النِّسَاءِ).

٢٠٣٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو ابن درهمٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريُّ (عَنْ عَمْرَةَ) بنت عبد الرَّحمن الأنصاريَّة (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ يَعْتَكِفُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ) والاعتكاف فيه آكد منه في غيره اقتداءً به وطلبًا لليلة القدر (فَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً) بكسر الخاء المعجمة ثمَّ مُوحَّدةٍ ممدودًا، أي: خيمةً من وبرٍ أو صوفٍ لا من شعرٍ، وهو على عمودين أو ثلاثةٍ (فَيُصَلِّي الصُّبْحَ) في المسجد (ثُمَّ يَدْخُلُهُ) أي: الخباء (فَاسْتَأْذَنَتْ حَفْصَةُ) بنت عمر أمُّ المؤمنين (عَائِشَةَ) نصب مفعول «حفصة» (أَنْ تَضْرِبَ خِبَاءً) أي: في ضرب خباءٍ لها، فـ «أنْ»: مصدريَّةٌ (فَأَذِنَتْ لَهَا) عائشة، وفي رواية الأوزاعيِّ الآتية -إن شاء الله تعالى-[خ¦٢٠٤٥] «فاستأذنته عائشة فأذن لها»، وسألت حفصةُ عائشةَ أن تستأذن لها، ففعلتْ (فَضَرَبَتْ) أي: حفصةُ (خِبَاءً) لها لتعتكف فيه (فَلَمَّا رَأَتْهُ) أي: الخباء (زَيْنَبُ ابْنَةُ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (جَحْشٍ) أمُّ المؤمنين (ضَرَبَتْ خِبَاءً آخَرَ) زاد في رواية عمرو بن الحارث عند أبي عَوانة: «وكانت امرأةً غيورًا» (فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّبِيُّ رَأَى الأَخْبِيَةَ) الثَّلاثة التي لأمَّهات المؤمنين (فَقَالَ: مَا هَذَا) الذي أراه من الأخبية (فَأُخْبِرَ) أي: بأنَّها لأمَّهات المؤمنين (فَقَالَ النَّبِيُّ : آلْبِرَّ) بهمزة الاستفهام

ممدودةً على وجه الإنكار، والنَّصب على أنَّه مفعولٌ مُقدَّمٌ لقوله: (تُرَوْنَ) (١) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة وفتح الرَّاء مبنيًّا للمفعول، أي: الطَّاعة تظنُّون (بِهِنَّ؟) أي: متلبِّسًا (٢) بهنَّ، فـ «البرَّ» مفعولٌ أوَّلٌ، و «بهنَّ» مفعولٌ ثانٍ، وهما في الأصل مبتدأٌ وخبرٌ، والخطاب للحاضرين معه من الرِّجال وغيرهم، وفي رواية ابن عساكر: «تُرِدْن» -بضمِّ الفوقيَّة وكسر الرَّاء وسكون الدَّال- مِنَ الإرادة بدل قوله: «تُرَون» أي: أمَّهات المؤمنين، وفي نسخةٍ: «آلبرُّ» بالرَّفع على الابتداء، والخبر ما بعده، وإلغاء الفعل الذي هو «تُرَون» لتوسُّطه بين المفعولين، وهما: البرَّ وبهنَّ (فَتَرَكَ) (الاِعْتِكَافَ ذَلِكَ الشَّهْرَ) مبالغةً في الإنكار عليهنَّ خشية أن يكنَّ غير مخلصاتٍ في اعتكافهنَّ، بل الحامل لهنَّ على ذلك المباهاة أو التَّنافس النَّاشئ عن الغيرة؛ حرصًا على القرب منه خاصَّةً فيخرج الاعتكاف عن موضوعه، أو خاف تضييق المسجد على المصلِّين بأخبيتهنَّ، أو لأنَّ المسجد يجمع النَّاس ويحضره الأعراب والمنافقون وهنَّ محتاجاتٌ إلى الدُّخول والخروج، فيبتذلن بذلك (ثُمَّ اعْتَكَفَ) (عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ) قضاءً عمَّا تركه من الاعتكاف في رمضان على سبيل الاستحباب؛ لأنَّه كان (٣) إذا عمل عملًا أثبته، ولو كان للوجوب؛ لاعتكف معه نساؤه أيضًا في شوَّالٍ، ولم يُنقَل، وفي رواية أبي معاوية عند مسلمٍ: «حتَّى اعتكف الأوَّل (٤) من شوَّال»، وقال الإسماعيليُّ: فيه دليلٌ على جواز الاعتكاف بغير صومٍ لأنَّ أوَّل شوَّالٍ هو يوم الفطر (٥)، وصومُه حرامٌ، واعتُرِض: بأنَّ المعنى: كان ابتداؤه في العشر الأُوَل، وهو صادقٌ بما إذا ابتدأ باليوم الثَّاني، فلا دليل فيه لما قاله.

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الصَّوم» وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ، وأخرجه النَّسائيُّ في «الصَّلاة».

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

حَدٌّ مُعَيَّنٌ.

قَوْلُهُ: (فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) زَادَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ فِي رِوَايَتِهِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ لِهَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ أَبْوَابٍ مَنْ لَمْ يَرَ عَلَيْهِ إِذَا اعْتَكَفَ صَوْمًا وَتَرْجَمَةُ هَذَا الْبَابِ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ إِذَا سَاغَ لَيْلًا بِغَيْرِ نَهَارٍ اسْتَلْزَمَ صِحَّتَهُ بِغَيْرِ صِيَامٍ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَبِاشْتِرَاطِ الصِّيَامِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ. أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُمَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَعَنْ عَائِشَةَ نَحْوُهُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالْحَنَفِيَّةُ، وَاخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَاحْتَجَّ عِيَاضٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَكِفْ إِلَّا بِصَوْمٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ أَنَّهُ اعْتَكَفَ فِي شَوَّالٍ كَمَا سَنَذْكُرُهُ، وَاحْتَجَّ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الِاعْتِكَافَ أَثَرَ الصَّوْمِ فَقَالَ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ﴾ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى تَلَازُمِهِمَا، وَإِلَّا لَكَانَ لَا صَوْمَ إِلَّا بِاعْتِكَافٍ وَلَا قَائِلَ بِهِ، وَسَنَذْكُرُ بَقِيَّةَ فَوَائِدِ حَدِيثِ عُمَرَ فِي كِتَابِ النُّذُورِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: أَقَلُّ الِاعْتِكَافِ عَشْرَةُ أَيَّامٍ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ يَوْمٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُهُ فِي أَوَّلِ الِاعْتِكَافِ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافًا مُبْهَمًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٦ - بَاب اعْتِكَافِ النِّسَاءِ

٢٠٣٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً فَيُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يَدْخُلُهُ. فَاسْتَأْذَنَتْ حَفْصَةُ عَائِشَةَ أَنْ تَضْرِبَ خِبَاءً، فَأَذِنَتْ لَهَا فَضَرَبَتْ خِبَاءً. فَلَمَّا رَأَتْهُ زَيْنَبُ بنت جَحْشٍ ضَرَبَتْ خِبَاءً آخَرَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّبِيُّ رَأَى الْأَخْبِيَةَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَأُخْبِرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ : أَلْبِرَّ تُرَوْنَ بِهِنَّ؟ فَتَرَكَ الِاعْتِكَافَ ذَلِكَ الشَّهْرَ، ثُمَّ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ.

قَوْلُهُ: (بَابُ اعْتِكَافِ النِّسَاءِ) أَيْ: مَا حُكْمُهُ وَقَدْ أَطْلَقَ الشَّافِعِيُّ كَرَاهَتَهُ لَهُنَّ فِي الْمَسْجِدِ، الَّذِي تُصَلَّى فِيهِ الْجَمَاعَةُ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ الْبَابِ، فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى كَرَاهَةِ الِاعْتِكَافِ لِلْمَرْأَةِ إِلَّا فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا؛ لِأَنَّهَا تَتَعَرَّضُ لِكَثْرَةِ مَنْ يَرَاهَا، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَوْلَا أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ زَادَ فِي الْحَدِيثِ - أَيْ: حَدِيثِ الْبَابِ - أَنَّهُنَّ اسْتَأْذَنَّ النَّبِيَّ فِي الِاعْتِكَافِ لَقَطَعْتَ بِأَنَّ اعْتِكَافَ الْمَرْأَةِ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ غَيْرُ جَائِزٍ. انْتَهَى. وَشَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ لِصِحَّةِ اعْتِكَافِ الْمَرْأَةِ أَنْ تَكُونَ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمْ أَنَّ لَهَا الِاعْتِكَافَ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ زَوْجِهَا وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَنَسَبَهُ خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرَةَ) فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ الْآتِيَةِ فِي أَوَاخِرِ الِاعْتِكَافِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَتْنِي عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَائِشَةَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ.

قَوْلُهُ: (كَانَ النَّبِيُّ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً) أَيْ: بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ، وَقَوْلُهُ: فَيُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يَدْخُلُهُ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْآتِيَةِ فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ فِي شَوَّالٍ كَانَ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ، فَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ دَخَلَ وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ مَبْدَأَ الِاعْتِكَافِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَسَيَأْتِي نَقْلُ الْخِلَافِ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (فَاسْتَأْذَنَتْ حَفْصَةُ

عَائِشَةَ أَنْ تَضْرِبَ خِبَاءً) فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ الْمَذْكُورَةِ: فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ فَأَذِنَ لَهَا، وَسَأَلَتْ حَفْصَةُ عَائِشَةَ أَنْ تَسْتَأْذِنَ لَهَا فَفَعَلَتْ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ الْمَذْكُورَةِ: فَاسْتَأْذَنَتْ عَائِشَةُ أَنْ تَعْتَكِفَ فَأَذِنَ لَهَا فَضَرَبَتْ قُبَّةً، فَسَمِعَتْ بِهَا حَفْصَةُ فَضَرَبَتْ قُبَّةً زَادَ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ: لِتَعْتَكِفَ مَعَهُ وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهَا فَعَلَتْ ذَلِكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، لَكِنَّ رِوَايَةَ ابْنِ عُيَيْنَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ: ثُمَّ اسْتَأْذَنَتْهُ حَفْصَةُ فَأَذِنَ لَهَا وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى لِسَانِ عَائِشَةَ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا رَأَتْهُ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ ضَرَبَتْ خِبَاءً آخَرَ) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ: وَسَمِعَتْ بِهَا زَيْنَبُ فَضَرَبَتْ قُبَّةً أُخْرَى وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ: فَلَمَّا رَأَتْهُ زَيْنَبُ ضَرَبَتْ مَعَهُنَّ وَكَانَتِ امْرَأَةً غَيُورًا وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ أَنَّ زَيْنَبَ اسْتَأْذَنَتْ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ أَحَدَ مَا بَعَثَ عَلَى الْإِنْكَارِ الْآتِي.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّبِيُّ رَأَى الْأَخْبِيَةَ) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ: فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهِ إِذَا أَخْبِيَةٌ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ: فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنَ الْغَدَاةِ أَبْصَرَ أَرْبَعَ قِبَابٍ يَعْنِي: قُبَّةً لَهُ وَثَلَاثًا لِلثَّلَاثَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا صَلَّى انْصَرَفَ إِلَى بِنَائِهِ الَّذِي بُنِيَ لَهُ لِيَعْتَكِفَ فِيهِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَأَبِي دَاوُدَ: فَأَمَرَتْ زَيْنَبُ بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ، وَأَمَرَ غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ وَهَذَا يَقْتَضِي تَعْمِيمَ الْأَزْوَاجِ بِذَلِكَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَدْ فُسِّرَتِ الْأَزْوَاجُ فِي الرِّوَايَاتِ الْأُخْرَى بِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَزَيْنَبَ فَقَطْ، وَبَيَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: أَرْبَعَ قِبَابٍ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ: فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ إِذَا هُوَ بِأَرْبَعَةِ أَبْنِيَةٍ، قَالَ: لِمَنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: لِعَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ وَزَيْنَبَ.

قَوْلُهُ: (آلْبِرَّ) بِهَمْزَةِ اسْتِفْهَامٍ مَمْدُودَةٍ وَبِغَيْرِ مَدٍّ، وَآلْبِرَّ بِالنَّصْبِ، وَقَوْلُهُ: تُرَوْنَ بِهِنَّ بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ: تَظُنُّونَ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ آلْبِرَّ تَقُولُونَ بِهِنَّ أَيْ: تَظُنُّونَ، وَالْقَوْلُ يُطْلَقُ عَلَى الظَّنِّ قَالَ الْأَعْشَى:

أَمَّا الرَّحِيلُ فَدُونَ بَعْدَ غَدِ … فَمَتَى تَقُولُ الدَّارَ تَجْمَعُنَا

أَيْ: تَظُنُّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ: آلْبِرَّ أَرَدْنَ بِهَذَا وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: آلْبِرَّ تَقُولُونَ يُرِدْنَ بِهَذَا وَالْخِطَابُ لِلْحَاضِرِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَغَيْرِهِمْ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ: مَا حَمَلَهُنَّ عَلَى هَذَا، آلْبِرُّ؟ انْزِعُوهَا فَلَا أَرَاهَا، فَنُزِعَتْ وَمَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ، وَآلْبِرُّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَرْفُوعٌ، وَقَوْلُهُ: فَلَا أَرَاهَا زَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ الصَّوَابَ حَذْفُ الْأَلِفِ مِنْ أَرَاهَا قَالَ: لِأَنَّهُ مَجْزُومٌ بِالنَّهْيِ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ.

قَوْلُهُ: (فَتَرَكَ الِاعْتِكَافَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ: فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ وَهُوَ بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَهَا ضَادٌ مُعْجَمَةٌ أَيْ: نُقِضَ، وَكَأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَكُونَ الْحَامِلُ لَهُنَّ عَلَى ذَلِكَ الْمُبَاهَاةَ وَالتَّنَافُسَ النَّاشِئَ عَنِ الْغِيرَةِ حِرْصًا عَلَى الْقُرْبِ مِنْهُ خَاصَّةً فَيَخْرُجُ الِاعْتِكَافُ عَنْ مَوْضُوعِهِ، أَوْ لَمَّا أَذِنَ لِعَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ أَوَّلًا كَانَ ذَلِكَ خَفِيفًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يُفْضِي إِلَيْهِ الْأَمْرُ مِنْ تَوَارُدِ بَقِيَّةِ النِّسْوَةِ عَلَى ذَلِكَ فَيَضِيقُ الْمَسْجِدُ عَلَى الْمُصَلِّينَ، أَوْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَنَّ اجْتِمَاعَ النِّسْوَةِ عِنْدَهُ يُصَيِّرُهُ كَالْجَالِسِ فِي بَيْتِهِ، وَرُبَّمَا شَغَلْنَهُ عَنِ التَّخَلِّي لِمَا قَصَدَ مِنَ الْعِبَادَةِ فَيَفُوتُ مَقْصُودُ الِاعْتِكَافِ.

قَوْلُهُ: (فَتَرَكَ الِاعْتِكَافَ ذَلِكَ الشَّهْرَ، ثُمَّ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ) فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ: فَرَجَعَ فَلَمَّا أَنِ اعْتَكَفَ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ: فَلَمْ يَعْتَكِفْ فِي رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِي آخِرِ الْعَشْرِ مِنْ شَوَّالٍ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ: فَلَمْ يَعْتَكِفْ فِي رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ شَوَّالٍ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: آخِرَ الْعَشْرِ مِنْ شَوَّالٍ انْتِهَاءُ اعْتِكَافِهِ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِاعْتِكَافِ بِغَيْرِ صَوْمٍ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ شَوَّالٍ هُوَ يَوْمُ الْفِطْرِ وَصَوْمُهُ حَرَامٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: فِي اعْتِكَافِهِ فِي شَوَّالٍ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الاعتكاف» [خ¦٢٠٤٢]، وأخرجه مسلمٌ في «الأيمان والنُّذور»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ، وأخرجه (١) النَّسائيُّ فيه وفي «الاعتكاف»، وأخرجه ابن ماجه في «الصِّيام».

(٦) (بابُ) حكم (اعْتِكَافِ النِّسَاءِ).

٢٠٣٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو ابن درهمٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريُّ (عَنْ عَمْرَةَ) بنت عبد الرَّحمن الأنصاريَّة (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ يَعْتَكِفُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ) والاعتكاف فيه آكد منه في غيره اقتداءً به وطلبًا لليلة القدر (فَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً) بكسر الخاء المعجمة ثمَّ مُوحَّدةٍ ممدودًا، أي: خيمةً من وبرٍ أو صوفٍ لا من شعرٍ، وهو على عمودين أو ثلاثةٍ (فَيُصَلِّي الصُّبْحَ) في المسجد (ثُمَّ يَدْخُلُهُ) أي: الخباء (فَاسْتَأْذَنَتْ حَفْصَةُ) بنت عمر أمُّ المؤمنين (عَائِشَةَ) نصب مفعول «حفصة» (أَنْ تَضْرِبَ خِبَاءً) أي: في ضرب خباءٍ لها، فـ «أنْ»: مصدريَّةٌ (فَأَذِنَتْ لَهَا) عائشة، وفي رواية الأوزاعيِّ الآتية -إن شاء الله تعالى-[خ¦٢٠٤٥] «فاستأذنته عائشة فأذن لها»، وسألت حفصةُ عائشةَ أن تستأذن لها، ففعلتْ (فَضَرَبَتْ) أي: حفصةُ (خِبَاءً) لها لتعتكف فيه (فَلَمَّا رَأَتْهُ) أي: الخباء (زَيْنَبُ ابْنَةُ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (جَحْشٍ) أمُّ المؤمنين (ضَرَبَتْ خِبَاءً آخَرَ) زاد في رواية عمرو بن الحارث عند أبي عَوانة: «وكانت امرأةً غيورًا» (فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّبِيُّ رَأَى الأَخْبِيَةَ) الثَّلاثة التي لأمَّهات المؤمنين (فَقَالَ: مَا هَذَا) الذي أراه من الأخبية (فَأُخْبِرَ) أي: بأنَّها لأمَّهات المؤمنين (فَقَالَ النَّبِيُّ : آلْبِرَّ) بهمزة الاستفهام

ممدودةً على وجه الإنكار، والنَّصب على أنَّه مفعولٌ مُقدَّمٌ لقوله: (تُرَوْنَ) (١) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة وفتح الرَّاء مبنيًّا للمفعول، أي: الطَّاعة تظنُّون (بِهِنَّ؟) أي: متلبِّسًا (٢) بهنَّ، فـ «البرَّ» مفعولٌ أوَّلٌ، و «بهنَّ» مفعولٌ ثانٍ، وهما في الأصل مبتدأٌ وخبرٌ، والخطاب للحاضرين معه من الرِّجال وغيرهم، وفي رواية ابن عساكر: «تُرِدْن» -بضمِّ الفوقيَّة وكسر الرَّاء وسكون الدَّال- مِنَ الإرادة بدل قوله: «تُرَون» أي: أمَّهات المؤمنين، وفي نسخةٍ: «آلبرُّ» بالرَّفع على الابتداء، والخبر ما بعده، وإلغاء الفعل الذي هو «تُرَون» لتوسُّطه بين المفعولين، وهما: البرَّ وبهنَّ (فَتَرَكَ) (الاِعْتِكَافَ ذَلِكَ الشَّهْرَ) مبالغةً في الإنكار عليهنَّ خشية أن يكنَّ غير مخلصاتٍ في اعتكافهنَّ، بل الحامل لهنَّ على ذلك المباهاة أو التَّنافس النَّاشئ عن الغيرة؛ حرصًا على القرب منه خاصَّةً فيخرج الاعتكاف عن موضوعه، أو خاف تضييق المسجد على المصلِّين بأخبيتهنَّ، أو لأنَّ المسجد يجمع النَّاس ويحضره الأعراب والمنافقون وهنَّ محتاجاتٌ إلى الدُّخول والخروج، فيبتذلن بذلك (ثُمَّ اعْتَكَفَ) (عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ) قضاءً عمَّا تركه من الاعتكاف في رمضان على سبيل الاستحباب؛ لأنَّه كان (٣) إذا عمل عملًا أثبته، ولو كان للوجوب؛ لاعتكف معه نساؤه أيضًا في شوَّالٍ، ولم يُنقَل، وفي رواية أبي معاوية عند مسلمٍ: «حتَّى اعتكف الأوَّل (٤) من شوَّال»، وقال الإسماعيليُّ: فيه دليلٌ على جواز الاعتكاف بغير صومٍ لأنَّ أوَّل شوَّالٍ هو يوم الفطر (٥)، وصومُه حرامٌ، واعتُرِض: بأنَّ المعنى: كان ابتداؤه في العشر الأُوَل، وهو صادقٌ بما إذا ابتدأ باليوم الثَّاني، فلا دليل فيه لما قاله.

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الصَّوم» وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ، وأخرجه النَّسائيُّ في «الصَّلاة».

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.3 / 29.5
الإضاءة 59%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
لا إله إلا الله