«رَأَيْتُنِي أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ نَتَمَاشَى، فَأَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ خَلْفَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٢٥

الحديث رقم ٢٢٥ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب البول عند صاحبه والتستر بالحائط.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «رأيتني أنا والنبي ﷺ نتماشى، فأتى سباطة قوم…

«رَأَيْتُنِي أَنَا وَالنَّبِيُّ نَتَمَاشَى، فَأَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ خَلْفَ حَائِطٍ، فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ، فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ، فَأَشَارَ إِلَيَّ فَجِئْتُهُ، فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ».

سند حديث: ٢٢٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي…

٢٢٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «رأيتني أنا والنبي ﷺ نتماشى، فأتى سباطة قوم…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

حُذَيْفَةَ يَعْنِي كَمَا قَالَ الْأَعْمَشُ، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْمَسْحَ، فَقَدْ وَافَقَ مَنْصُورٌ، الْأَعْمَشَ عَلَى قَوْلِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ دُونَ الزِّيَادَةِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ مُسْلِمٌ إِلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ بَلْ ذَكَرَهَا فِي حَدِيثِ الْأَعْمَشِ ; لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ مِنْ حَافِظٍ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ أَصَحُّ، يَعْنِي مِنْ حَدِيثِهِ عَنِ الْمُغِيرَةِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ جَنَحَ ابْنُ خُزَيْمَةَ إِلَى تَصْحِيحِ الرِّوَايَتَيْنِ لِكَوْنِ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَافَقَ عَاصِمًا عَلَى قَوْلِهِ عَنِ الْمُغِيرَةِ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ أَبُو وَائِلٍ سَمِعَهُ مِنْهُمَا فَيَصِحُّ الْقَوْلَانِ مَعًا، لَكِنْ مِنْ حَيْثُ التَّرْجِيحُ رِوَايَةُ الْأَعْمَشِ، وَمَنْصُورٍ لِاتِّفَاقِهِمَا أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ عَاصِمٍ، وَحَمَّادٍ لِكَوْنِهِمَا فِي حِفْظِهِمَا مَقَالٌ.

٦١ - بَاب الْبَوْلِ عِنْدَ صَاحِبِهِ، وَالتَّسَتُّرِ بِالْحَائِطِ

٢٢٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: رَأَيْتُنِي أَنَا وَالنَّبِيُّ نَتَمَاشَى، فَأَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ خَلْفَ حَائِطٍ، فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ، فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ، فَأَشَارَ إِلَيَّ فَجِئْتُهُ، فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْبَوْلِ عِنْدَ صَاحِبِهِ) أَيْ صَاحِبِ الْبَائِلِ.

قَوْلُهُ: (جَرِيرٌ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَمَنْصُورٌ وَهُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ.

قَوْلُهُ: (رَأَيْتُنِي) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ.

قَوْلُهُ: (فَانْتَبَذْتُ) بِالنُّونِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ تَنَحَّيْتُ، يُقَالُ: جَلَسَ فُلَانٌ نُبْذَةً بِفَتْحِ النُّونِ وَضَمِّهَا أَيْ نَاحِيَةً.

قَوْلُهُ: (فَأَشَارَ إِلَيَّ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ بِحَيْثُ لَا يَرَاهُ. وَإِنَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ: عَدَمِ مُشَاهَدَتِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَسَمَاعِ نِدَائِهِ لَوْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ، أَوْ رُؤْيَةِ إِشَارَتِهِ إِذَا أَشَارَ لَهُ وَهُوَ مُسْتَدْبِرُهُ. وَلَيْسَتْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الْكَلَامِ فِي حَالِ الْبَوْلِ ; لِأَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ بَيَّنَتْ أَنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ادْنُهْ كَانَ بِالْإِشَارَةِ لَا بِاللَّفْظِ، وَأَمَّا مُخَالَفَتُهُ لِمَا عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِ مِنَ الْإِبْعَادِ - عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ - عَنِ الطُّرُقِ الْمَسْلُوكَةِ وَعَنْ أَعْيُنِ النَّظَّارَةِ، فَقَدْ قِيلَ فِيهِ: إِنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَعَلَّهُ طَالَ عَلَيْهِ الْمَجْلِسُ حَتَّى احْتَاجَ إِلَى الْبَوْلِ، فَلَوْ أَبْعَدَ لَتَضَرَّرَ، وَاسْتَدْنَى حُذَيْفَةُ لِيَسْتُرَهُ مِنْ خَلْفِهِ مِنْ رُؤْيَةِ مَنْ لَعَلَّهُ يَمُرُّ بِهِ وَكَانَ قُدَّامُهُ مَسْتُورًا بِالْحَائِطِ، أَوْ لَعَلَّهُ فَعَلَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ. ثُمَّ هُوَ فِي الْبَوْلِ وَهُوَ أَخَفُّ مِنَ الْغَائِطِ لِاحْتِيَاجِهِ إِلَى زِيَادَةِ تَكَشُّفٍ، وَلِمَا يَقْتَرِنُ بِهِ مِنَ الرَّائِحَةِ. وَالْغَرَضُ مِنَ الْإِبْعَادِ التَّسَتُّرُ وَهُوَ يَحْصُلُ بِإِرْخَاءِ الذَّيْلِ وَالدُّنُوِّ مِنَ السَّاتِرِ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عِصْمَةَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ فِي بَعْضِ سِكَكِ الْمَدِينَةِ فَانْتَهَى إِلَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ فَقَالَ يَا حُذَيْفَةُ اسْتُرْنِي فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

وَظَهَرَ مِنْهُ الْحِكْمَةَ فِي إِدْنَائِهِ حُذَيْفَةَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَكَانَ حُذَيْفَةُ لَمَّا وَقَفَ خَلْفَهُ عَنْدَ عَقِبِهِ اسْتَدْبَرَهُ، وَظَهَرَ أَيْضًا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْحَضَرِ لَا فِي السَّفَرِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ دَفْعُ أَشَدِّ الْمَفْسَدَتَيْنِ بِأَخَفِّهِمَا وَالْإِتْيَانُ بِأَعْظَمِ الْمَصْلَحَتَيْنِ إِذَا لَمْ يُمْكِنَا مَعًا، وَبَيَانُهُ أَنَّهُ كَانَ يُطِيلُ الْجُلُوسَ لِمَصَالِحِ الْأُمَّةِ وَيُكْثِرُ مِنْ زِيَارَةِ أَصْحَابِهِ وَعِيَادَتِهِمْ، فَلَّمَا حَضَرَهُ الْبَوْلُ وَهُوَ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْحَالَاتِ لَمْ يُؤَخِّرْهُ حَتَّى يَبْعُدَ كَعَادَتِهِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَأْخِيرِهِ مِنَ الضَّرَرِ، فَرَاعَى أَهَمَّ الْأَمْرَيْنِ، وَقَدَّمَ الْمَصْلَحَةَ فِي تَقْرِيبِ حُذَيْفَةِ مِنْهُ لِيَسْتُرَهُ مِنَ الْمَارَّةِ عَلَى مَصْلَحَةِ تَأْخِيرِهِ عَنْهُ إِذْ لَمْ يُمْكِنْ جَمْعُهُمَا.

٦٢ - بَاب الْبَوْلِ عِنْدَ سُبَاطَةِ قَوْمٍ

٢٢٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٢٥ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) نسبه (١) لجدِّه (٢) الأعلى لشهرته به، وإلَّا فاسم أبيه محمَّد بن إبراهيم الكوفيُّ، المُتوَفَّى سنة تسعٍ وثلاثين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق الكوفيِّ (عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُنِي) بضمِّ المُثنَّاة الفَوقيَّة، فعلٌ وفاعلٌ ومفعولٌ، وجاز كون الفاعل والمفعول واحدًا لأنَّ أفعال القلوب يجوز فيها ذلك (أَنَا وَالنَّبِيَّ) بالنَّصب عطفًا على الضَّمير المنصوب على المفعوليَّة، أي: رأيت نفسي ورأيت النَّبيَّ، و «أنا» للتَّأكيد، ولصحَّة عطف لفظ (٣): «النبيّ» على الضَّمير المُذكور، ويجوز رفع «النبيّ» عطفًا على «أنا»، وكلاهما بفرع «اليونينيَّة» () حال كوننا (نَتَمَاشَى، فَأَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ خَلْفَ حَائِطٍ) أي: جدارٍ (فَقَامَ) (كَمَا

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

حَدِيث عمر فَقَالَ التِّرْمِذِيّ: فَحَدِيث ضَعِيف، لِأَن ابْن جريج رَوَاهُ عَن عبد الْكَرِيم بن الْمخَارِق أَبُو امية وَهُوَ ضَعِيف، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: إِنَّمَا رَفعه عبد الْكَرِيم، وَقد ضعفه أَيُّوب، وَتكلم فِيهِ، وروى عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر: قَالَ: عمر: مَا بلت قَائِما مُنْذُ أسلمت، هَذَا أصح من حَدِيث عبد الْكَرِيم. وَأما حَدِيث جَابر، فَفِي رُوَاته: عدي بن الْفضل وَهُوَ ضَعِيف. فان قلت: قَالَ أَبُو الْقَاسِم عبد الله بن أَحْمد بن مَحْمُود الْبَلْخِي فِي كِتَابه الْمُسَمّى (بِقبُول الْأَخْبَار وَمَعْرِفَة الرِّجَال) : حَدِيث حُذَيْفَة يَعْنِي هَذَا حَدِيث فَاحش مُنكر لَا نراهه إلَاّ من قبل بعض الزَّنَادِقَة. قلت: هَذَا كَلَام سوء لَا يُسَاوِي سَمَاعه، وَهُوَ فِي غَايَة الصِّحَّة. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن ابْن مَاجَه من طَرِيق شُعْبَة أَن عَاصِمًا روى لَهُ عَن أبي وَائِل عَن الْمُغيرَة: (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اتى سباطة قوم فَبَال قَائِما) . قَالَ عَاصِم: وَهَذَا الاعمش يرويهِ عَن أبي وَائِل عَن حُذَيْفَة. قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث أبي وَائِل عَن حديفة أصح، يَعْنِي من حَدِيثه عَن الْمُغيرَة، وَأَيْضًا لَا يبعد أَن يكون أَبُو وَائِل رَوَاهُ عَن رجلَيْنِ، وَالرجلَانِ شَاهدا ذَلِك من فعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَن أَبَا وَائِل أدّى الْحَدِيثين عَنْهُمَا، فَسَمعهُ مِنْهُ جمَاعَة فَأدى كلٌّ مَا سمع، وَدَلِيله أَن غَيرهمَا حكى ذَلِك عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَيْضا، مِنْهُم: سهل بن سعد، رَضِي الله عَنهُ. وَفِي حَدِيثه فِي (صَحِيح ابْن خزيمه) وَأَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأخرج حَدِيثه الْحَاكِم ثمَّ الْبَيْهَقِيّ عَن حَمَّاد بن غَسَّان الْجعْفِيّ: حَدثنَا معن عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن ابي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَال قَائِما من جرح كَانَ بمآبضه) ، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: هَذَا مُنكر، وَضَعفه الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَابْن عَسَاكِر فِي كِتَابه (مَجْمُوع الرغائب فِي ذكر أَحَادِيث مَالك الغرائب) .

ثمَّ إِن الْعلمَاء تكلمُوا فِي سَبَب بَوْله، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم قَائِما فَقَالَ الشَّافِعِي، لما سَأَلَهُ حَفْص الْفَرد عَن الْفَائِدَة فِي بَوْله قَائِما: الْعَرَب تستشفي لوجع الصلب بالبول قَائِما، فنرى أَنه كَانَ بِهِ ذَاك. قلت: يُوضح ذَلِك حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ الْمَذْكُور آنِفا.

والمآبض جمع: مأبض، بِسُكُون الْهمزَة بعْدهَا بَاء مُوَحدَة ثمَّ ضاد مُعْجمَة، وَهُوَ: بَاطِن الرّكْبَة، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: إِنَّمَا فعله لشغله بِأُمُور الْمُسلمين، فَلَعَلَّهُ طَال عَلَيْهِ الْمجْلس حَتَّى حصرة الْبَوْل وَلم يُمكن التباعد كعادته، وَأَرَادَ السباطة لدمثها، وَأقَام حُذَيْفَة يستره عَن النَّاس. وَقَالَ الْمَازرِيّ فِي (الْعلم) : فعل ذَلِك لِأَنَّهَا حَالَة يُؤمن فِيهَا خُرُوج الْحَدث من السَّبِيل الآخر، بِخِلَاف الْقعُود، وَمِنْه قَول عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: الْبَوْل قَائِما أحصن للدبر. وَقَالَ بَعضهم: لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يجد مَكَانا للقعود فاضطر إِلَى الْقيام لكَون الطّرف الَّذِي يَلِيهِ السباطة عَلَيْهَا مرتفعاً. وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: لَعَلَّه كَانَت فِي السباطة نجاسات رطبَة، وَهِي رخوة، فخشي أَن يتطاير عَلَيْهِ. قيل: فِيهِ نظر، لِأَن الْقَائِم أَجْدَر بِهَذِهِ الخشية من الْقَاعِد. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: لكَون ذَلِك سهلاً ينحدر فِيهِ الْبَوْل فَلَا يرْتَد على البائل، وَقَالَ بَعضهم: إِنَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فعل ذَلِك بَيَان للْجُوَاز فِي هَذِه الْمرة، وَكَانَت عَادَته المستمرة الْبَوْل قَاعِدا.

الحكم الثَّانِي: فِيهِ جَوَاز الْبَوْل بِالْقربِ من الديار.

الثَّالِث: فِيهِ دَلِيل على أَن مدافعة الْبَوْل ومصابرته مَكْرُوهَة لما فِيهِ من الضَّرَر.

الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز طلب البائل من صَاحبه المَاء للْوُضُوء.

الْخَامِس: فِيهِ خدمَة الْمَفْضُول للفاضل، وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم.

٦١ - (بابُ البَوْلِ عنْدَ صاحبِهِ والتَّسَتُّرِ بالحَائِطِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بَوْل الرجل عِنْد صَاحبه، وَبَيَان حكم تستره بِالْحَائِطِ، فالألف وَاللَّام فِي: الْبَوْل، بدل من الْمُضَاف إِلَيْهِ، وَهُوَ كَمَا قَدرنَا، فَالضَّمِير فِي صَاحبه يرجع إِلَى الْمُضَاف إِلَيْهِ الْمُقدر، وَهُوَ: الرجل البائل.

والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة.

٢٢٥ - حدّثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ قَالَ حَدثنَا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عَن أبي وَائِلٍ عَنْ حذَيْفَةَ قَالَ رَأَيْتُنِي أنَا والنبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نتَمَاشَى فَاتَى سبُاطَةَ قَوْمٍ خَلْفَ حائِطٍ فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ فَاشَارَ إليَّ فَجِئْتُهُ فَقمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ.

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي فِي الْمَوْضِعَيْنِ.

بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة، وَقد تقدمُوا بِهَذَا التَّرْتِيب فِي بَاب: من جعل لأهل الْعلم أَيَّامًا، وَجَرِير: هُوَ ابْن عبد الحميد، وَمَنْصُور: هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَأَبُو وَائِل: شَقِيق، وَحُذَيْفَة: ابْن الْيَمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

بَيَان لطائف اسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي الْمَوْضِعَيْنِ، والعنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَرُوَاته مَا بَين كُوفِي ورازي.

وتعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره قد مر بَيَانهَا فِي الْبَاب السَّابِق.

بَيَان لغته قَوْله: (حَائِط) أَي: جِدَار، ويجيىء بِمَعْنى: الْبُسْتَان فِي غير هَذَا الْموضع، وَأَصله واوي، من: الحوط. قَوْله: (فانتبذت) ، أَي: تنحيت، ومادته: نون وباء مُوَحدَة وذال مُعْجمَة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: جلس فلَان نبذة، بِفَتْح النُّون وَضمّهَا، أَي: نَاحيَة، وانتبذ فلَان أَي: ذهب ناحيته، وَقَالَ الخاطبي: فانتبذت مِنْهُ، اي تنحيت عَنهُ حَتَّى كنت مِنْهُ على نبذه. قَوْله: (عقبه) ، بِفَتْح الْعين وَكسر الْقَاف: وَهُوَ مُؤخر الْقدَم، وَهِي مُؤَنّثَة، وعقب الرجل أَيْضا وَلَده وَولد وَلَده، وفيهَا لُغَتَانِ: كسر الْقَاف وسكونها، وَهِي أَيْضا مُؤَنّثَة.

بَيَان إعرابه قَوْله: (رَأَيْتنِي) ، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَمَعْنَاهُ: رَأَيْت نَفسِي، وَبِهَذَا التَّقْدِير ينْدَفع سُؤال من يَقُول: كَيفَ جَازَ أَن يكون الْفَاعِل وَالْمَفْعُول عبارَة عَن شَيْء وَاحِد، وَهَذَا التَّرْكِيب جَائِز فِي أَفعَال الْقُلُوب، لِأَنَّهُ من خصائصها، وَلَا يجوز فِي غَيرهَا. قَوْله: (أَنا) للتَّأْكِيد لصِحَّة عطف لفظ النَّبِي على الضَّمِير الْمَنْصُوب على المفعولية، وَالتَّقْدِير: رَأَيْت نَفسِي وَرَأَيْت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقَالَ الْكرْمَانِي بِنصب: النَّبِي، لِأَنَّهُ عطف على الْمَفْعُول لَا على الْفَاعِل، وَعَلِيهِ الرِّوَايَة. قلت: وَيجوز رفع: النَّبِي، أَيْضا لصِحَّة الْمَعْنى عَلَيْهِ، وَلَكِن إِن صحت رِوَايَة النصب يقْتَصر عَلَيْهَا. قَوْله: (نتماشى) جملَة فِي مَحل لنصب على الْحَال، تَقْدِيره: وَرَأَيْت نَفسِي وَالنَّبِيّ حَال كوننا متماشين. قَوْله: (فَأَشَارَ) أَي: أَشَارَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إليّ بعد أَن بَعدت مِنْهُ، وَلَكِن لم أبعد مِنْهُ بِحَيْثُ لَا يرَاهُ. وَفِي رِوَايَة مُسلم: ادنه، وَقَالَ بَعضهم: رِوَايَة البُخَارِيّ هَذِه بيّنت أَن رِوَايَة مُسلم: أدنه، كَانَ بِالْإِشَارَةِ لَا بِاللَّفْظِ. قلت: يرد عَلَيْهِ رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عصمَة بن مَالك، قَالَ: (خرج علينا رَسُول صلى الله عَلَيْهِ وسلمفي بعض سِكَك الْمَدِينَة، فَانْتهى إِلَى سباطة قوم فَقَالَ: يَا حُذَيْفَة استرني) الحَدِيث، فَهَذَا صَرِيح بِأَن إِعْلَامه كَانَ بِاللَّفْظِ، وَيُمكن أَن يجمع بَين الروايتني بِأَن يكون، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَشَارَ أَولا بِيَدِهِ أَو بِرَأْسِهِ، ثمَّ قَالَ: استرني. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَلَيْسَت فِيهِ دلَالَة على جَوَاز الْكَلَام فِي حَال الْبَوْل. قلت: هَذَا الْكَلَام من غير رِوَايَة إِذْ إِشَارَته، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِلَى حُذَيْفَة أَو قَوْله: (استرني) ، لم يكن إلَاّ قبل شُرُوعه فِي الْبَوْل، فَكيف يظنّ من ذَلِك مَا قَالَه حَتَّى يَنْفِي ذَلِك؟ .

ويستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام مَا استنبط من الحَدِيث السَّابِق. وَفِيه أَيْضا: جَوَاز طلب البائل من صَاحبه الْقرب مِنْهُ ليستره. وَفِيه: أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَانَ إِذا أَرَادَ قَضَاء حَاجَة الْإِنْسَان توارى عَن أعين النَّاس بِمَا يستره من حَائِط أَو نَحوه، وَقَالَ ابْن بطال: من السّنة أَن يقرب من البائل إِذا كَانَ قَائِما، هَذَا إِذا أَمن أَن يرى مِنْهُ عَورَة، وَأما إِذا كَانَ قَاعِدا فَالسنة الْبعد مِنْهُ، وَإِنَّمَا انتبذ حُذَيْفَة مِنْهُ لِئَلَّا يسمع شَيْئا مِمَّا جرى فِي الحَدِيث، فَلَمَّا بَال، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قَائِما، وَأمن، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مَا خشيه حُذَيْفَة أمره بِالْقربِ مِنْهُ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَإِنَّمَا بعد مِنْهُ وعينه ترَاهُ لِأَنَّهُ كَانَ يَحْرُسهُ، اي: يحرس النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. قلت: هَذَا إِنَّمَا يَتَأَتَّى قبل نزُول قَوْله تَعَالَى: {وَالله يَعْصِمك من النَّاس} (الْمَائِدَة: ٦٧) لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَحْرُسهُ جمَاعَة من الصَّحَابَة قبل نزُول هَذِه الْآيَة، فَلَمَّا نزلت ترك صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الحرس.

٦٢ - (بابُ البَوْلِ عِنْدَ سُباطَةِ قوْمٍ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْبَوْل عِنْد جمَاعَة من النَّاس، وَهَذَا الْبَاب، والبابان اللَّذَان قبله، حَدِيث حُذَيْفَة رَضِي الله عَنهُ، غير أَن كلاًّ مِنْهَا عَن شيخ، وَترْجم لكل وَاحِد مِنْهَا تَرْجَمَة تناسب معنى من مَعَاني الحَدِيث الْمَذْكُور.

والمناسبة بَينهَا ظَاهِرَة لَا تطلب.

٢٢٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ منْصُورٍ عنْ أبي وَائِلٍ قَالَ كانَ أبُو مُوسَى الاشْعَرِيُّ يُشَدِّدُ فِي البَوْلِ ويَقُولُ إنَّ بَني إسْرَائِيلَ كانَ إِذا أَصابَ ثَوْبَ أَحَدِهِمْ فَرَضَهُ فقالَ حُذَيْفَةُ لَيْتَهُ اَمْسَكَ أَتَى رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سُباطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قائِماً.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. قيل: إتْيَان حَدِيث وَاحِد من شخص وَاحِد فِي ثَلَاثَة أَبْوَاب لَيْسَ لَهُ زِيَادَة فَائِدَة. قلت: فَائِدَته تنادي بِأَعْلَى صَوته، وَلَكِن قَاصِر الْفَهم بمعزل من هَذِه الْفَائِدَة.

بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة، كلهم قد تقدمُوا، وَتقدم ذكر أبي

مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فِي بَاب: أَي: الْإِسْلَام أفضل، واسْمه عبد الله بن قيس، وَأَبُو وَائِل شَقِيق.

بَيَان لطائف اسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضعي، وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين، وَرُوَاته مَا بَين شَامي ومصري وكوفي.

وتعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: تقدم فِي بَاب الْبَوْل قَائِما.

بَيَان لغته وَإِعْرَابه قَوْله: (يشدد) ، جملَة فِي مَحل النصب على أَنه خبر: كَانَ، وَمَعْنَاهُ: كَانَ يحْتَاط عَظِيما فِي الِاحْتِرَاز عَن رشاشاته، حَتَّى كَانَ يَبُول فِي القارورة خوفًا أَن يُصِيبهُ من رشاشاته شَيْء. وَأخرج ابْن الْمُنْذر من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن الْأسود عَن أَبِيه أَنه سمع أَبَا مُوسَى، وَرَأى رجلا يَبُول قَائِما، قَالَ: وَيحك أَفلا قَاعِدا، ثمَّ ذكر قصَّة بني اسرائيل، وَبَنُو اسرائيل بَنو يَعْقُوب، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، واسرائيل لقبه. قَوْله: (كَانَ إِذا أصَاب ثوب احدهم) الضَّمِير فِي: كَانَ، ضمير الشَّأْن، وَالْجُمْلَة الشّرطِيَّة خَبره، وَبِهَذَا لَا يرد سُؤال الْكرْمَانِي بقوله: فان قلت: بَنو، جمع فَلم أفرد ضمير: كَانَ، الرَّاجِع إِلَيْهِ؟ وَبَنُو إِسْرَائِيل أَصله بنُون لإسرائيل، فَلَمَّا أضيف إِلَى إِسْرَائِيل سَقَطت نون الْجمع.

فان قلت: مَا وَجه تلقيب يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل، عَلَيْهِم السَّلَام، بإسرائيل؟ قلت: كَانَ يَعْقُوب وعيصو أَخَوَيْنِ، كَانَا فِي بطن أمهما مَعًا. فَلَمَّا جَاءَ وَقت وضعهما اقتتلا فِي بَطنهَا لأجل الْخُرُوج أَولا، فَقَالَ عيصو: وَالله لَئِن خرجت قبلي الاعترض فِي بطن أُمِّي لأقتلها، فَتَأَخر يَعْقُوب وَخرج عيصو قبله، فَسمى: عيصو، لِأَنَّهُ عصى، وسمى: يَعْقُوب، لِأَنَّهُ خرج آخِذا بعقب عيصو. وَكَانَ يَعْقُوب أكبرهما فِي الْبَطن، وَكَانَ أحبهما إِلَى أمه، وَكَانَ: عيصو، أحبهما إِلَى أَبِيه، وَكَانَ صَاحب صيد، فَلَمَّا كبر أَبوهُمَا إِسْحَاق وَعمي قَالَ لعيصو: يَا بني أَطْعمنِي لحم صيد أدعُ لَك بِدُعَاء كَانَ ابي دَعَا لي بِهِ، وَكَانَ أشعر، وَكَانَ يَعْقُوب أجرد، فَخرج عيصو إِلَى الصَّيْد، وَقَالَت أمه ليعقوب: خُذ شَاة واشوها والبس جلدهَا، وقدمها إِلَى أَبِيك، وَقل لَهُ: أَنا ابْنك عيصو، فَفعل، فمسه إِسْحَاق فَقَالَ: المسّ مسّ عيصو، وَالرِّيح ريح يَعْقُوب، فَقَالَت أمه: ابْنك عيصو فَادع لَهُ، فَأكل مِنْهَا ودعا لَهُ بِأَن الله يَجْعَل فِي ذُريَّته الْأَنْبِيَاء والملوك، ثمَّ جَاءَ عيصو بالصيد فَقَالَ إِسْحَاق: يَا بني قد سَبَقَك أَخُوك، فَغَضب وَقَالَ: وَالله لاقتلنه. فَقَالَ اسحاق: يَا بني قد بقيت دَعْوَة، فَدَعَا لَهُ: بِأَن تكون ذُريَّته عدد التُّرَاب وَلَا يملكهم أحد. وَقَالَت أم يَعْقُوب: إلحق بخالك فَكُن عِنْده، خشيَة أَن يقْتله عيصو، فَانْطَلق يَعْقُوب إِلَى خَاله لابان، وَكَانَ بِبَابِل، وَقيل: بحرَّان، فَكَانَ يسير بِاللَّيْلِ ويكمن بِالنَّهَارِ، فَلذَلِك سمي إِسْرَائِيل، فَأخذ من: السرى وَاللَّيْل، قَالَه السّديّ. وَقَالَ غَيره: مَعْنَاهُ عبد الله، لِأَن: ايل، اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى بالسُّرْيَانيَّة، كَمَا يُقَال: جِبْرَائِيل وَمِيكَائِيل.

قَوْله: (اذا اصاب) اي: الْبَوْل (و: ثوب أحدهم) ، بِالنّصب مَفْعُوله، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: (إِذا أصَاب جلد أحدهم) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: مُرَاده بِالْجلدِ: وَاحِد الْجُلُود الَّتِي كَانُوا يلبسونها، وَحمله بَعضهم على ظَاهره، وَزعم أَنه من الإصر الَّذِي حملوه، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة ابي دَاوُد، حَيْثُ قَالَ: حَدثنَا مُسَدّد، قَالَ: حَدثنَا عبد الْوَاحِد بن زِيَاد، قَالَ: حَدثنَا الْأَعْمَش عَن زيد بن وهب عَن عبد الرَّحْمَن بن حَسَنَة، قَالَ: انْطَلَقت أَنا وَعَمْرو بن العَاصِي إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَخرج وَمَعَهُ دورقة ثمَّ استتر بهَا ثمَّ بَال، فَقُلْنَا: انْظُرُوا إِلَيْهِ يَبُول كَمَا تبول الْمَرْأَة، فَسمع ذَلِك، فَقَالَ: ألم تعلمُوا مَا لَقِي صَاحب بني اسرائيل؟ كَانُوا إِذا أَصَابَهُم الْبَوْل قطعُوا مَا أَصَابَهُ الْبَوْل مِنْهُم، فنهاهم، فعذب فِي قَبره. قَالَ مَنْصُور عَن ابي وَائِل عَن ابي مُوسَى: جلد أحدهم، وَقَالَ عَاصِم عَن ابي وَائِل عَن ابي مُوسَى: جَسَد أحدهم. قَوْله: (انْظُرُوا اليه يَبُول كَمَا تبول الْمَرْأَة) ، وَهَذَا القَوْل مِنْهُمَا من غير قصد، أَو وَقع بطرِيق التَّعَجُّب، أَو بطرِيق الاستفسار عَن هَذَا الْفِعْل، فَلذَلِك قَالَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بقوله: (الم تعلمُوا) الخ، ولِمَ يَقُولُونَ هَذَا القَوْل بطرِيق الِاسْتِهْزَاء وَالِاسْتِخْفَاف، لِأَن الصَّحَابَة برَاء من هَذَا الْكَلَام: وَأَرَادَ بِصَاحِب بني اسرائيل: مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. فان قلت: كَيفَ يَتَرَتَّب قَوْله: (فعذب) على قَوْله: (فنهاهم) ؟ قلت: فِيهِ حذف تَقْدِيره: فنهاهم عَن إِصَابَة الْبَوْل وَلم ينْتَهوا، فعذب الله تَعَالَى. و: الْفَاء، فِي: فعذب، فَاء السَّبَبِيَّة نَحْو قَوْله تَعَالَى: {فوكزه مُوسَى فَقضى عَلَيْهِ} (الْقَصَص: ١٥) قَوْله: (قرضه) بِالْقَافِ أَي: قطعه، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (قرضه بالمقراض) ، وَهَذِه الرِّوَايَة ترد قَول من يَقُول: المُرَاد بالقرض: الْغسْل بِالْمَاءِ. قَوْله: (ليته أمسك) ، قَول حُذَيْفَة أَي: لَيْت أَبَا مُوسَى أمسك نَفسه عَن هَذَا التَّشْدِيد، أَو لِسَانه عَن هَذَا القَوْل، أَو كليهمَا عَن كليهمَا، ومقصوده: أَن هَذَا التَّشْدِيد خلاف السّنة، فَإِن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بَال قَائِما، وَلَا شكّ فِي كَون الْقَائِم معرضًا للرشاش، وَلم يلْتَفت، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِلَى هَذَا الِاحْتِمَال، وَلم يتَكَلَّف الْبَوْل فِي القارورة؛ وَقَالَ ابْن بطال: وَهُوَ حجَّة لمن رخص فِي يسير الْبَوْل، لِأَن الْمَعْهُود مِمَّن بَال قَائِما أَن

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

حُذَيْفَةَ يَعْنِي كَمَا قَالَ الْأَعْمَشُ، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْمَسْحَ، فَقَدْ وَافَقَ مَنْصُورٌ، الْأَعْمَشَ عَلَى قَوْلِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ دُونَ الزِّيَادَةِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ مُسْلِمٌ إِلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ بَلْ ذَكَرَهَا فِي حَدِيثِ الْأَعْمَشِ ; لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ مِنْ حَافِظٍ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ أَصَحُّ، يَعْنِي مِنْ حَدِيثِهِ عَنِ الْمُغِيرَةِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ جَنَحَ ابْنُ خُزَيْمَةَ إِلَى تَصْحِيحِ الرِّوَايَتَيْنِ لِكَوْنِ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَافَقَ عَاصِمًا عَلَى قَوْلِهِ عَنِ الْمُغِيرَةِ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ أَبُو وَائِلٍ سَمِعَهُ مِنْهُمَا فَيَصِحُّ الْقَوْلَانِ مَعًا، لَكِنْ مِنْ حَيْثُ التَّرْجِيحُ رِوَايَةُ الْأَعْمَشِ، وَمَنْصُورٍ لِاتِّفَاقِهِمَا أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ عَاصِمٍ، وَحَمَّادٍ لِكَوْنِهِمَا فِي حِفْظِهِمَا مَقَالٌ.

٦١ - بَاب الْبَوْلِ عِنْدَ صَاحِبِهِ، وَالتَّسَتُّرِ بِالْحَائِطِ

٢٢٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: رَأَيْتُنِي أَنَا وَالنَّبِيُّ نَتَمَاشَى، فَأَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ خَلْفَ حَائِطٍ، فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ، فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ، فَأَشَارَ إِلَيَّ فَجِئْتُهُ، فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْبَوْلِ عِنْدَ صَاحِبِهِ) أَيْ صَاحِبِ الْبَائِلِ.

قَوْلُهُ: (جَرِيرٌ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَمَنْصُورٌ وَهُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ.

قَوْلُهُ: (رَأَيْتُنِي) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ.

قَوْلُهُ: (فَانْتَبَذْتُ) بِالنُّونِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ تَنَحَّيْتُ، يُقَالُ: جَلَسَ فُلَانٌ نُبْذَةً بِفَتْحِ النُّونِ وَضَمِّهَا أَيْ نَاحِيَةً.

قَوْلُهُ: (فَأَشَارَ إِلَيَّ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ بِحَيْثُ لَا يَرَاهُ. وَإِنَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ: عَدَمِ مُشَاهَدَتِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَسَمَاعِ نِدَائِهِ لَوْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ، أَوْ رُؤْيَةِ إِشَارَتِهِ إِذَا أَشَارَ لَهُ وَهُوَ مُسْتَدْبِرُهُ. وَلَيْسَتْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الْكَلَامِ فِي حَالِ الْبَوْلِ ; لِأَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ بَيَّنَتْ أَنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ادْنُهْ كَانَ بِالْإِشَارَةِ لَا بِاللَّفْظِ، وَأَمَّا مُخَالَفَتُهُ لِمَا عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِ مِنَ الْإِبْعَادِ - عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ - عَنِ الطُّرُقِ الْمَسْلُوكَةِ وَعَنْ أَعْيُنِ النَّظَّارَةِ، فَقَدْ قِيلَ فِيهِ: إِنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَعَلَّهُ طَالَ عَلَيْهِ الْمَجْلِسُ حَتَّى احْتَاجَ إِلَى الْبَوْلِ، فَلَوْ أَبْعَدَ لَتَضَرَّرَ، وَاسْتَدْنَى حُذَيْفَةُ لِيَسْتُرَهُ مِنْ خَلْفِهِ مِنْ رُؤْيَةِ مَنْ لَعَلَّهُ يَمُرُّ بِهِ وَكَانَ قُدَّامُهُ مَسْتُورًا بِالْحَائِطِ، أَوْ لَعَلَّهُ فَعَلَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ. ثُمَّ هُوَ فِي الْبَوْلِ وَهُوَ أَخَفُّ مِنَ الْغَائِطِ لِاحْتِيَاجِهِ إِلَى زِيَادَةِ تَكَشُّفٍ، وَلِمَا يَقْتَرِنُ بِهِ مِنَ الرَّائِحَةِ. وَالْغَرَضُ مِنَ الْإِبْعَادِ التَّسَتُّرُ وَهُوَ يَحْصُلُ بِإِرْخَاءِ الذَّيْلِ وَالدُّنُوِّ مِنَ السَّاتِرِ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عِصْمَةَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ فِي بَعْضِ سِكَكِ الْمَدِينَةِ فَانْتَهَى إِلَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ فَقَالَ يَا حُذَيْفَةُ اسْتُرْنِي فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

وَظَهَرَ مِنْهُ الْحِكْمَةَ فِي إِدْنَائِهِ حُذَيْفَةَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَكَانَ حُذَيْفَةُ لَمَّا وَقَفَ خَلْفَهُ عَنْدَ عَقِبِهِ اسْتَدْبَرَهُ، وَظَهَرَ أَيْضًا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْحَضَرِ لَا فِي السَّفَرِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ دَفْعُ أَشَدِّ الْمَفْسَدَتَيْنِ بِأَخَفِّهِمَا وَالْإِتْيَانُ بِأَعْظَمِ الْمَصْلَحَتَيْنِ إِذَا لَمْ يُمْكِنَا مَعًا، وَبَيَانُهُ أَنَّهُ كَانَ يُطِيلُ الْجُلُوسَ لِمَصَالِحِ الْأُمَّةِ وَيُكْثِرُ مِنْ زِيَارَةِ أَصْحَابِهِ وَعِيَادَتِهِمْ، فَلَّمَا حَضَرَهُ الْبَوْلُ وَهُوَ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْحَالَاتِ لَمْ يُؤَخِّرْهُ حَتَّى يَبْعُدَ كَعَادَتِهِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَأْخِيرِهِ مِنَ الضَّرَرِ، فَرَاعَى أَهَمَّ الْأَمْرَيْنِ، وَقَدَّمَ الْمَصْلَحَةَ فِي تَقْرِيبِ حُذَيْفَةِ مِنْهُ لِيَسْتُرَهُ مِنَ الْمَارَّةِ عَلَى مَصْلَحَةِ تَأْخِيرِهِ عَنْهُ إِذْ لَمْ يُمْكِنْ جَمْعُهُمَا.

٦٢ - بَاب الْبَوْلِ عِنْدَ سُبَاطَةِ قَوْمٍ

٢٢٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٢٥ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) نسبه (١) لجدِّه (٢) الأعلى لشهرته به، وإلَّا فاسم أبيه محمَّد بن إبراهيم الكوفيُّ، المُتوَفَّى سنة تسعٍ وثلاثين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق الكوفيِّ (عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُنِي) بضمِّ المُثنَّاة الفَوقيَّة، فعلٌ وفاعلٌ ومفعولٌ، وجاز كون الفاعل والمفعول واحدًا لأنَّ أفعال القلوب يجوز فيها ذلك (أَنَا وَالنَّبِيَّ) بالنَّصب عطفًا على الضَّمير المنصوب على المفعوليَّة، أي: رأيت نفسي ورأيت النَّبيَّ، و «أنا» للتَّأكيد، ولصحَّة عطف لفظ (٣): «النبيّ» على الضَّمير المُذكور، ويجوز رفع «النبيّ» عطفًا على «أنا»، وكلاهما بفرع «اليونينيَّة» () حال كوننا (نَتَمَاشَى، فَأَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ خَلْفَ حَائِطٍ) أي: جدارٍ (فَقَامَ) (كَمَا

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

حَدِيث عمر فَقَالَ التِّرْمِذِيّ: فَحَدِيث ضَعِيف، لِأَن ابْن جريج رَوَاهُ عَن عبد الْكَرِيم بن الْمخَارِق أَبُو امية وَهُوَ ضَعِيف، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: إِنَّمَا رَفعه عبد الْكَرِيم، وَقد ضعفه أَيُّوب، وَتكلم فِيهِ، وروى عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر: قَالَ: عمر: مَا بلت قَائِما مُنْذُ أسلمت، هَذَا أصح من حَدِيث عبد الْكَرِيم. وَأما حَدِيث جَابر، فَفِي رُوَاته: عدي بن الْفضل وَهُوَ ضَعِيف. فان قلت: قَالَ أَبُو الْقَاسِم عبد الله بن أَحْمد بن مَحْمُود الْبَلْخِي فِي كِتَابه الْمُسَمّى (بِقبُول الْأَخْبَار وَمَعْرِفَة الرِّجَال) : حَدِيث حُذَيْفَة يَعْنِي هَذَا حَدِيث فَاحش مُنكر لَا نراهه إلَاّ من قبل بعض الزَّنَادِقَة. قلت: هَذَا كَلَام سوء لَا يُسَاوِي سَمَاعه، وَهُوَ فِي غَايَة الصِّحَّة. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن ابْن مَاجَه من طَرِيق شُعْبَة أَن عَاصِمًا روى لَهُ عَن أبي وَائِل عَن الْمُغيرَة: (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اتى سباطة قوم فَبَال قَائِما) . قَالَ عَاصِم: وَهَذَا الاعمش يرويهِ عَن أبي وَائِل عَن حُذَيْفَة. قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث أبي وَائِل عَن حديفة أصح، يَعْنِي من حَدِيثه عَن الْمُغيرَة، وَأَيْضًا لَا يبعد أَن يكون أَبُو وَائِل رَوَاهُ عَن رجلَيْنِ، وَالرجلَانِ شَاهدا ذَلِك من فعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَن أَبَا وَائِل أدّى الْحَدِيثين عَنْهُمَا، فَسَمعهُ مِنْهُ جمَاعَة فَأدى كلٌّ مَا سمع، وَدَلِيله أَن غَيرهمَا حكى ذَلِك عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَيْضا، مِنْهُم: سهل بن سعد، رَضِي الله عَنهُ. وَفِي حَدِيثه فِي (صَحِيح ابْن خزيمه) وَأَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأخرج حَدِيثه الْحَاكِم ثمَّ الْبَيْهَقِيّ عَن حَمَّاد بن غَسَّان الْجعْفِيّ: حَدثنَا معن عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن ابي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَال قَائِما من جرح كَانَ بمآبضه) ، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: هَذَا مُنكر، وَضَعفه الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَابْن عَسَاكِر فِي كِتَابه (مَجْمُوع الرغائب فِي ذكر أَحَادِيث مَالك الغرائب) .

ثمَّ إِن الْعلمَاء تكلمُوا فِي سَبَب بَوْله، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم قَائِما فَقَالَ الشَّافِعِي، لما سَأَلَهُ حَفْص الْفَرد عَن الْفَائِدَة فِي بَوْله قَائِما: الْعَرَب تستشفي لوجع الصلب بالبول قَائِما، فنرى أَنه كَانَ بِهِ ذَاك. قلت: يُوضح ذَلِك حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ الْمَذْكُور آنِفا.

والمآبض جمع: مأبض، بِسُكُون الْهمزَة بعْدهَا بَاء مُوَحدَة ثمَّ ضاد مُعْجمَة، وَهُوَ: بَاطِن الرّكْبَة، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: إِنَّمَا فعله لشغله بِأُمُور الْمُسلمين، فَلَعَلَّهُ طَال عَلَيْهِ الْمجْلس حَتَّى حصرة الْبَوْل وَلم يُمكن التباعد كعادته، وَأَرَادَ السباطة لدمثها، وَأقَام حُذَيْفَة يستره عَن النَّاس. وَقَالَ الْمَازرِيّ فِي (الْعلم) : فعل ذَلِك لِأَنَّهَا حَالَة يُؤمن فِيهَا خُرُوج الْحَدث من السَّبِيل الآخر، بِخِلَاف الْقعُود، وَمِنْه قَول عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: الْبَوْل قَائِما أحصن للدبر. وَقَالَ بَعضهم: لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يجد مَكَانا للقعود فاضطر إِلَى الْقيام لكَون الطّرف الَّذِي يَلِيهِ السباطة عَلَيْهَا مرتفعاً. وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: لَعَلَّه كَانَت فِي السباطة نجاسات رطبَة، وَهِي رخوة، فخشي أَن يتطاير عَلَيْهِ. قيل: فِيهِ نظر، لِأَن الْقَائِم أَجْدَر بِهَذِهِ الخشية من الْقَاعِد. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: لكَون ذَلِك سهلاً ينحدر فِيهِ الْبَوْل فَلَا يرْتَد على البائل، وَقَالَ بَعضهم: إِنَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فعل ذَلِك بَيَان للْجُوَاز فِي هَذِه الْمرة، وَكَانَت عَادَته المستمرة الْبَوْل قَاعِدا.

الحكم الثَّانِي: فِيهِ جَوَاز الْبَوْل بِالْقربِ من الديار.

الثَّالِث: فِيهِ دَلِيل على أَن مدافعة الْبَوْل ومصابرته مَكْرُوهَة لما فِيهِ من الضَّرَر.

الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز طلب البائل من صَاحبه المَاء للْوُضُوء.

الْخَامِس: فِيهِ خدمَة الْمَفْضُول للفاضل، وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم.

٦١ - (بابُ البَوْلِ عنْدَ صاحبِهِ والتَّسَتُّرِ بالحَائِطِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بَوْل الرجل عِنْد صَاحبه، وَبَيَان حكم تستره بِالْحَائِطِ، فالألف وَاللَّام فِي: الْبَوْل، بدل من الْمُضَاف إِلَيْهِ، وَهُوَ كَمَا قَدرنَا، فَالضَّمِير فِي صَاحبه يرجع إِلَى الْمُضَاف إِلَيْهِ الْمُقدر، وَهُوَ: الرجل البائل.

والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة.

٢٢٥ - حدّثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ قَالَ حَدثنَا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عَن أبي وَائِلٍ عَنْ حذَيْفَةَ قَالَ رَأَيْتُنِي أنَا والنبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نتَمَاشَى فَاتَى سبُاطَةَ قَوْمٍ خَلْفَ حائِطٍ فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ فَاشَارَ إليَّ فَجِئْتُهُ فَقمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ.

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي فِي الْمَوْضِعَيْنِ.

بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة، وَقد تقدمُوا بِهَذَا التَّرْتِيب فِي بَاب: من جعل لأهل الْعلم أَيَّامًا، وَجَرِير: هُوَ ابْن عبد الحميد، وَمَنْصُور: هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَأَبُو وَائِل: شَقِيق، وَحُذَيْفَة: ابْن الْيَمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

بَيَان لطائف اسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي الْمَوْضِعَيْنِ، والعنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَرُوَاته مَا بَين كُوفِي ورازي.

وتعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره قد مر بَيَانهَا فِي الْبَاب السَّابِق.

بَيَان لغته قَوْله: (حَائِط) أَي: جِدَار، ويجيىء بِمَعْنى: الْبُسْتَان فِي غير هَذَا الْموضع، وَأَصله واوي، من: الحوط. قَوْله: (فانتبذت) ، أَي: تنحيت، ومادته: نون وباء مُوَحدَة وذال مُعْجمَة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: جلس فلَان نبذة، بِفَتْح النُّون وَضمّهَا، أَي: نَاحيَة، وانتبذ فلَان أَي: ذهب ناحيته، وَقَالَ الخاطبي: فانتبذت مِنْهُ، اي تنحيت عَنهُ حَتَّى كنت مِنْهُ على نبذه. قَوْله: (عقبه) ، بِفَتْح الْعين وَكسر الْقَاف: وَهُوَ مُؤخر الْقدَم، وَهِي مُؤَنّثَة، وعقب الرجل أَيْضا وَلَده وَولد وَلَده، وفيهَا لُغَتَانِ: كسر الْقَاف وسكونها، وَهِي أَيْضا مُؤَنّثَة.

بَيَان إعرابه قَوْله: (رَأَيْتنِي) ، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَمَعْنَاهُ: رَأَيْت نَفسِي، وَبِهَذَا التَّقْدِير ينْدَفع سُؤال من يَقُول: كَيفَ جَازَ أَن يكون الْفَاعِل وَالْمَفْعُول عبارَة عَن شَيْء وَاحِد، وَهَذَا التَّرْكِيب جَائِز فِي أَفعَال الْقُلُوب، لِأَنَّهُ من خصائصها، وَلَا يجوز فِي غَيرهَا. قَوْله: (أَنا) للتَّأْكِيد لصِحَّة عطف لفظ النَّبِي على الضَّمِير الْمَنْصُوب على المفعولية، وَالتَّقْدِير: رَأَيْت نَفسِي وَرَأَيْت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقَالَ الْكرْمَانِي بِنصب: النَّبِي، لِأَنَّهُ عطف على الْمَفْعُول لَا على الْفَاعِل، وَعَلِيهِ الرِّوَايَة. قلت: وَيجوز رفع: النَّبِي، أَيْضا لصِحَّة الْمَعْنى عَلَيْهِ، وَلَكِن إِن صحت رِوَايَة النصب يقْتَصر عَلَيْهَا. قَوْله: (نتماشى) جملَة فِي مَحل لنصب على الْحَال، تَقْدِيره: وَرَأَيْت نَفسِي وَالنَّبِيّ حَال كوننا متماشين. قَوْله: (فَأَشَارَ) أَي: أَشَارَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إليّ بعد أَن بَعدت مِنْهُ، وَلَكِن لم أبعد مِنْهُ بِحَيْثُ لَا يرَاهُ. وَفِي رِوَايَة مُسلم: ادنه، وَقَالَ بَعضهم: رِوَايَة البُخَارِيّ هَذِه بيّنت أَن رِوَايَة مُسلم: أدنه، كَانَ بِالْإِشَارَةِ لَا بِاللَّفْظِ. قلت: يرد عَلَيْهِ رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عصمَة بن مَالك، قَالَ: (خرج علينا رَسُول صلى الله عَلَيْهِ وسلمفي بعض سِكَك الْمَدِينَة، فَانْتهى إِلَى سباطة قوم فَقَالَ: يَا حُذَيْفَة استرني) الحَدِيث، فَهَذَا صَرِيح بِأَن إِعْلَامه كَانَ بِاللَّفْظِ، وَيُمكن أَن يجمع بَين الروايتني بِأَن يكون، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَشَارَ أَولا بِيَدِهِ أَو بِرَأْسِهِ، ثمَّ قَالَ: استرني. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَلَيْسَت فِيهِ دلَالَة على جَوَاز الْكَلَام فِي حَال الْبَوْل. قلت: هَذَا الْكَلَام من غير رِوَايَة إِذْ إِشَارَته، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِلَى حُذَيْفَة أَو قَوْله: (استرني) ، لم يكن إلَاّ قبل شُرُوعه فِي الْبَوْل، فَكيف يظنّ من ذَلِك مَا قَالَه حَتَّى يَنْفِي ذَلِك؟ .

ويستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام مَا استنبط من الحَدِيث السَّابِق. وَفِيه أَيْضا: جَوَاز طلب البائل من صَاحبه الْقرب مِنْهُ ليستره. وَفِيه: أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَانَ إِذا أَرَادَ قَضَاء حَاجَة الْإِنْسَان توارى عَن أعين النَّاس بِمَا يستره من حَائِط أَو نَحوه، وَقَالَ ابْن بطال: من السّنة أَن يقرب من البائل إِذا كَانَ قَائِما، هَذَا إِذا أَمن أَن يرى مِنْهُ عَورَة، وَأما إِذا كَانَ قَاعِدا فَالسنة الْبعد مِنْهُ، وَإِنَّمَا انتبذ حُذَيْفَة مِنْهُ لِئَلَّا يسمع شَيْئا مِمَّا جرى فِي الحَدِيث، فَلَمَّا بَال، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قَائِما، وَأمن، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مَا خشيه حُذَيْفَة أمره بِالْقربِ مِنْهُ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَإِنَّمَا بعد مِنْهُ وعينه ترَاهُ لِأَنَّهُ كَانَ يَحْرُسهُ، اي: يحرس النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. قلت: هَذَا إِنَّمَا يَتَأَتَّى قبل نزُول قَوْله تَعَالَى: {وَالله يَعْصِمك من النَّاس} (الْمَائِدَة: ٦٧) لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَحْرُسهُ جمَاعَة من الصَّحَابَة قبل نزُول هَذِه الْآيَة، فَلَمَّا نزلت ترك صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الحرس.

٦٢ - (بابُ البَوْلِ عِنْدَ سُباطَةِ قوْمٍ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْبَوْل عِنْد جمَاعَة من النَّاس، وَهَذَا الْبَاب، والبابان اللَّذَان قبله، حَدِيث حُذَيْفَة رَضِي الله عَنهُ، غير أَن كلاًّ مِنْهَا عَن شيخ، وَترْجم لكل وَاحِد مِنْهَا تَرْجَمَة تناسب معنى من مَعَاني الحَدِيث الْمَذْكُور.

والمناسبة بَينهَا ظَاهِرَة لَا تطلب.

٢٢٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ منْصُورٍ عنْ أبي وَائِلٍ قَالَ كانَ أبُو مُوسَى الاشْعَرِيُّ يُشَدِّدُ فِي البَوْلِ ويَقُولُ إنَّ بَني إسْرَائِيلَ كانَ إِذا أَصابَ ثَوْبَ أَحَدِهِمْ فَرَضَهُ فقالَ حُذَيْفَةُ لَيْتَهُ اَمْسَكَ أَتَى رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سُباطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قائِماً.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. قيل: إتْيَان حَدِيث وَاحِد من شخص وَاحِد فِي ثَلَاثَة أَبْوَاب لَيْسَ لَهُ زِيَادَة فَائِدَة. قلت: فَائِدَته تنادي بِأَعْلَى صَوته، وَلَكِن قَاصِر الْفَهم بمعزل من هَذِه الْفَائِدَة.

بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة، كلهم قد تقدمُوا، وَتقدم ذكر أبي

مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فِي بَاب: أَي: الْإِسْلَام أفضل، واسْمه عبد الله بن قيس، وَأَبُو وَائِل شَقِيق.

بَيَان لطائف اسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضعي، وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين، وَرُوَاته مَا بَين شَامي ومصري وكوفي.

وتعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: تقدم فِي بَاب الْبَوْل قَائِما.

بَيَان لغته وَإِعْرَابه قَوْله: (يشدد) ، جملَة فِي مَحل النصب على أَنه خبر: كَانَ، وَمَعْنَاهُ: كَانَ يحْتَاط عَظِيما فِي الِاحْتِرَاز عَن رشاشاته، حَتَّى كَانَ يَبُول فِي القارورة خوفًا أَن يُصِيبهُ من رشاشاته شَيْء. وَأخرج ابْن الْمُنْذر من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن الْأسود عَن أَبِيه أَنه سمع أَبَا مُوسَى، وَرَأى رجلا يَبُول قَائِما، قَالَ: وَيحك أَفلا قَاعِدا، ثمَّ ذكر قصَّة بني اسرائيل، وَبَنُو اسرائيل بَنو يَعْقُوب، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، واسرائيل لقبه. قَوْله: (كَانَ إِذا أصَاب ثوب احدهم) الضَّمِير فِي: كَانَ، ضمير الشَّأْن، وَالْجُمْلَة الشّرطِيَّة خَبره، وَبِهَذَا لَا يرد سُؤال الْكرْمَانِي بقوله: فان قلت: بَنو، جمع فَلم أفرد ضمير: كَانَ، الرَّاجِع إِلَيْهِ؟ وَبَنُو إِسْرَائِيل أَصله بنُون لإسرائيل، فَلَمَّا أضيف إِلَى إِسْرَائِيل سَقَطت نون الْجمع.

فان قلت: مَا وَجه تلقيب يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل، عَلَيْهِم السَّلَام، بإسرائيل؟ قلت: كَانَ يَعْقُوب وعيصو أَخَوَيْنِ، كَانَا فِي بطن أمهما مَعًا. فَلَمَّا جَاءَ وَقت وضعهما اقتتلا فِي بَطنهَا لأجل الْخُرُوج أَولا، فَقَالَ عيصو: وَالله لَئِن خرجت قبلي الاعترض فِي بطن أُمِّي لأقتلها، فَتَأَخر يَعْقُوب وَخرج عيصو قبله، فَسمى: عيصو، لِأَنَّهُ عصى، وسمى: يَعْقُوب، لِأَنَّهُ خرج آخِذا بعقب عيصو. وَكَانَ يَعْقُوب أكبرهما فِي الْبَطن، وَكَانَ أحبهما إِلَى أمه، وَكَانَ: عيصو، أحبهما إِلَى أَبِيه، وَكَانَ صَاحب صيد، فَلَمَّا كبر أَبوهُمَا إِسْحَاق وَعمي قَالَ لعيصو: يَا بني أَطْعمنِي لحم صيد أدعُ لَك بِدُعَاء كَانَ ابي دَعَا لي بِهِ، وَكَانَ أشعر، وَكَانَ يَعْقُوب أجرد، فَخرج عيصو إِلَى الصَّيْد، وَقَالَت أمه ليعقوب: خُذ شَاة واشوها والبس جلدهَا، وقدمها إِلَى أَبِيك، وَقل لَهُ: أَنا ابْنك عيصو، فَفعل، فمسه إِسْحَاق فَقَالَ: المسّ مسّ عيصو، وَالرِّيح ريح يَعْقُوب، فَقَالَت أمه: ابْنك عيصو فَادع لَهُ، فَأكل مِنْهَا ودعا لَهُ بِأَن الله يَجْعَل فِي ذُريَّته الْأَنْبِيَاء والملوك، ثمَّ جَاءَ عيصو بالصيد فَقَالَ إِسْحَاق: يَا بني قد سَبَقَك أَخُوك، فَغَضب وَقَالَ: وَالله لاقتلنه. فَقَالَ اسحاق: يَا بني قد بقيت دَعْوَة، فَدَعَا لَهُ: بِأَن تكون ذُريَّته عدد التُّرَاب وَلَا يملكهم أحد. وَقَالَت أم يَعْقُوب: إلحق بخالك فَكُن عِنْده، خشيَة أَن يقْتله عيصو، فَانْطَلق يَعْقُوب إِلَى خَاله لابان، وَكَانَ بِبَابِل، وَقيل: بحرَّان، فَكَانَ يسير بِاللَّيْلِ ويكمن بِالنَّهَارِ، فَلذَلِك سمي إِسْرَائِيل، فَأخذ من: السرى وَاللَّيْل، قَالَه السّديّ. وَقَالَ غَيره: مَعْنَاهُ عبد الله، لِأَن: ايل، اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى بالسُّرْيَانيَّة، كَمَا يُقَال: جِبْرَائِيل وَمِيكَائِيل.

قَوْله: (اذا اصاب) اي: الْبَوْل (و: ثوب أحدهم) ، بِالنّصب مَفْعُوله، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: (إِذا أصَاب جلد أحدهم) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: مُرَاده بِالْجلدِ: وَاحِد الْجُلُود الَّتِي كَانُوا يلبسونها، وَحمله بَعضهم على ظَاهره، وَزعم أَنه من الإصر الَّذِي حملوه، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة ابي دَاوُد، حَيْثُ قَالَ: حَدثنَا مُسَدّد، قَالَ: حَدثنَا عبد الْوَاحِد بن زِيَاد، قَالَ: حَدثنَا الْأَعْمَش عَن زيد بن وهب عَن عبد الرَّحْمَن بن حَسَنَة، قَالَ: انْطَلَقت أَنا وَعَمْرو بن العَاصِي إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَخرج وَمَعَهُ دورقة ثمَّ استتر بهَا ثمَّ بَال، فَقُلْنَا: انْظُرُوا إِلَيْهِ يَبُول كَمَا تبول الْمَرْأَة، فَسمع ذَلِك، فَقَالَ: ألم تعلمُوا مَا لَقِي صَاحب بني اسرائيل؟ كَانُوا إِذا أَصَابَهُم الْبَوْل قطعُوا مَا أَصَابَهُ الْبَوْل مِنْهُم، فنهاهم، فعذب فِي قَبره. قَالَ مَنْصُور عَن ابي وَائِل عَن ابي مُوسَى: جلد أحدهم، وَقَالَ عَاصِم عَن ابي وَائِل عَن ابي مُوسَى: جَسَد أحدهم. قَوْله: (انْظُرُوا اليه يَبُول كَمَا تبول الْمَرْأَة) ، وَهَذَا القَوْل مِنْهُمَا من غير قصد، أَو وَقع بطرِيق التَّعَجُّب، أَو بطرِيق الاستفسار عَن هَذَا الْفِعْل، فَلذَلِك قَالَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بقوله: (الم تعلمُوا) الخ، ولِمَ يَقُولُونَ هَذَا القَوْل بطرِيق الِاسْتِهْزَاء وَالِاسْتِخْفَاف، لِأَن الصَّحَابَة برَاء من هَذَا الْكَلَام: وَأَرَادَ بِصَاحِب بني اسرائيل: مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. فان قلت: كَيفَ يَتَرَتَّب قَوْله: (فعذب) على قَوْله: (فنهاهم) ؟ قلت: فِيهِ حذف تَقْدِيره: فنهاهم عَن إِصَابَة الْبَوْل وَلم ينْتَهوا، فعذب الله تَعَالَى. و: الْفَاء، فِي: فعذب، فَاء السَّبَبِيَّة نَحْو قَوْله تَعَالَى: {فوكزه مُوسَى فَقضى عَلَيْهِ} (الْقَصَص: ١٥) قَوْله: (قرضه) بِالْقَافِ أَي: قطعه، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (قرضه بالمقراض) ، وَهَذِه الرِّوَايَة ترد قَول من يَقُول: المُرَاد بالقرض: الْغسْل بِالْمَاءِ. قَوْله: (ليته أمسك) ، قَول حُذَيْفَة أَي: لَيْت أَبَا مُوسَى أمسك نَفسه عَن هَذَا التَّشْدِيد، أَو لِسَانه عَن هَذَا القَوْل، أَو كليهمَا عَن كليهمَا، ومقصوده: أَن هَذَا التَّشْدِيد خلاف السّنة، فَإِن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بَال قَائِما، وَلَا شكّ فِي كَون الْقَائِم معرضًا للرشاش، وَلم يلْتَفت، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِلَى هَذَا الِاحْتِمَال، وَلم يتَكَلَّف الْبَوْل فِي القارورة؛ وَقَالَ ابْن بطال: وَهُوَ حجَّة لمن رخص فِي يسير الْبَوْل، لِأَن الْمَعْهُود مِمَّن بَال قَائِما أَن

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.1 / 29.5
الإضاءة 61%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
اللهم صل على محمد