«دَعَا النَّبِيُّ ﷺ غُلَامًا حَجَّامًا فَحَجَمَهُ، وَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ أَوْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٢٨١

الحديث رقم ٢٢٨١ من كتاب «كتاب الإجارة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من كلم موالي العبد أن يخففوا عنه من خراجه.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «دعا النبي ﷺ غلاما حجاما فحجمه، وأمر له بصاع…

«دَعَا النَّبِيُّ غُلَامًا حَجَّامًا فَحَجَمَهُ، وَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ أَوْ صَاعَيْنِ، أَوْ مُدٍّ أَوْ مُدَّيْنِ، وَكَلَّمَ فِيهِ فَخُفِّفَ مِنْ ضَرِيبَتِهِ.»

سند حديث: ٢٢٨١ - حَدَّثَنَا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ…

٢٢٨١ - حَدَّثَنَا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «دعا النبي ﷺ غلاما حجاما فحجمه، وأمر له بصاع…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: وَلَوْ عَلِمَ كَرَاهِيَةً لَمْ يُعْطِهِ. وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْجَوَازِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ بِلَفْظِ: وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ وَعُرِفَ بِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَرَاهَةِ هُنَا كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ. وَكَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ كَسْبَ الْحَجَّامِ حَرَامٌ.

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ حَلَالٌ وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَالُوا: هُوَ كَسْبٌ فِيهِ دَنَاءَةٌ وَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، فَحَمَلُوا الزَّجْرَ عَنْهُ عَلَى التَّنْزِيهِ. وَمِنْهُمْ مَنِ ادَّعَى النَّسْخَ وَأَنَّهُ كَانَ حَرَامًا ثُمَّ أُبِيحَ وَجَنَحَ إِلَى ذَلِكَ الطَّحَاوِيُّ، وَالنَّسْخُ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ.

وَذَهَبَ أَحْمَدُ وَجَمَاعَةٌ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ فَكَرِهُوا لِلْحُرِّ الِاحْتِرَافَ بِالْحِجَامَةِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهَا وَيَجُوزُ لَهُ الْإِنْفَاقُ عَلَى الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ مِنْهَا وَأَبَاحُوهَا لِلْعَبْدِ مُطْلَقًا، وَعُمْدَتُهُمْ حَدِيثُ مُحَيِّصَةَ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ فَنَهَاهُ، فَذَكَرَ لَهُ الْحَاجَةَ فَقَالَ: اعْلِفْهُ نَوَاضِحَكَ، أَخْرَجَهُ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ أَجْرَ الْحَجَّامِ إِنَّمَا كُرِهَ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ إِعَانَةً لَهُ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ لَهُ، فَمَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا. وَجَمَعَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بَيْنَ قَوْلِهِ : كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ وَبَيْنَ إِعْطَائِهِ الْحَجَّامَ أُجْرَتَهُ، بِأَنَّ مَحَلَّ الْجَوَازِ مَا إِذَا كَانَتِ الْأُجْرَةُ عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ، وَيُحْمَلُ الزَّجْرُ عَلَى مَا إِذَا كَانَ عَلَى عَمَلٍ مَجْهُولٍ. وَفِي الْحَدِيثِ إِبَاحَةُ الْحِجَامَةِ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ مَا يُتَدَاوَى مِنْ إِخْرَاجِ الدَّمِ وَغَيْرِهِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الطِّبِّ. وَفِيهِ الْأُجْرَةُ عَلَى الْمُعَالَجَةِ بِالطِّبِّ، وَالشَّفَاعَةُ إِلَى أَصْحَابِ الْحُقُوقِ أَنْ يُخَفِّفُوا مِنْهَا، وَجَوَازُ مُخَارَجَةِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ كَأَنْ يَقُولَ لَهُ: أَذِنْتُ لَكَ أَنْ تَكْتَسِبَ عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي كُلَّ يَوْمٍ كَذَا، وَمَا زَادَ فَهُوَ لَك. وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ الْخَاصِّ إِذَا كَانَ قَدْ تَضَمَّنَ تَمْكِينُهُ مِنَ الْعَمَلِ إِذْنَهُ الْعَامَّ.

قَوْلُهُ: (كَانَ النَّبِيُّ يَحْتَجِمُ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِالْمُوَاظَبَةِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. وَقَوْلُهُ: (وَلَمْ يَكُنْ يَظْلِمُ أَحَدًا أَجْرَهُ) فِيهِ إِثْبَاتُ إِعْطَائِهِ أُجْرَةَ الْحَجَّامِ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ، بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَهَا فَفِيهَا الْجَزْمُ بِذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ التَّنْصِيصِ.

١٩ - بَاب مَنْ كَلَّمَ مَوَالِيَ الْعَبْدِ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ

٢٢٨١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: دَعَا النَّبِيُّ غُلَامًا حَجَّامًا، فَحَجَمَهُ وَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ أَوْ صَاعَيْنِ أَوْ مُدٍّ أَوْ مُدَّيْنِ، وَكَلَّمَ فِيهِ فَخُفِّفَ مِنْ ضَرِيبَتِهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ كَلَّمَ مَوَالِيَ الْعَبْدِ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ) أَيْ: عَلَى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ مِنْهُمْ لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِلْزَامِ لَهُمْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْإِلْزَامِ إِذَا كَانَ لَا يُطِيقُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسٍ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ حُمَيْدٍ سَمِعْتُ أَنَسًا.

قَوْلُهُ: (دَعَا النَّبِيُّ غُلَامًا) هُوَ أَبُو طَيْبَةَ كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلَ بَابٍ، وَاسْمُ أَبِي طَيْبَةَ نَافِعٌ عَلَى الصَّحِيحِ، فَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ، وَابْنُ السَّكَنِ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَيِّصَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ لَهُ غُلَامٌ حَجَّامٌ، يُقَالُ لَهُ: نَافِعٌ أَبُو طَيْبَةَ، فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ يَسْأَلُهُ عَنْ خَرَاجِهِ. الْحَدِيثَ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي اسْمِ أَبِي طَيْبَةَ أَنَّهُ دِينَارٌ، وَوَهَمُوهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ دِينَارًا الْحَجَّامَ تَابِعِيٌّ رَوَى عَنْ أَبِي طَيْبَةَ لَا أَنَّهُ اسْمُ أَبِي طَيْبَةَ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ بَسَّامٍ الْحَجَّامِ، عَنْ دِينَارٍ الْحَجَّامِ، عَنْ أَبِي طَيْبَةَ الْحَجَّامِ قَالَ: حَجَمْتُ النَّبِيَّ الْحَدِيثَ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ فِي الْكُنَى أَنَّ دِينَارًا الْحَجَّامَ يَرْوِي عَنْ أَبِي طَيْبَةَ لَا أَنَّهُ أَبُو طَيْبَةَ نَفْسُهُ، وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ فِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

عن أنسٍ، ولا له في «البخاريِّ» إلَّا حديثان (١)، هذا وآخَرُ سبق في «الطَّهارة» [خ¦٢١٤] أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) هو ابن مالكٍ ( يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ يَحْتَجِمُ) التَّعبير بـ «كان» يشعر بالمواظبة على القول بأنَّ «كان» تقتضي التَّكرار (وَلَمْ يَكُنْ يَظْلِمُ أَحَدًا أَجْرَهُ) أي: لم يكن يُنقِص من أجر أحدٍ، ولا يردُّه بغير أجرٍ، وهو أعمُّ من أجر الحجَّام وغيره ممَّن يستعمله في عملٍ.

(١٩) (بابُ مَنْ كَلَّمَ مَوَالِيَ العَبْدِ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ) (٢).

٢٢٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ) أنَّه (قَالَ: دَعَا النَّبِيُّ غُلَامًا حَجَّامًا (٣) فَحَجَمَهُ) وسقط قوله «حجَّامًا» في رواية أبوي ذرٍّ والوقت، والظَّاهر أنه أبو طيبة وإن كان حجمه أبو هندٍ مولى بني بياضة كما عند ابن منده وأبي داود؛ لأنَّه ليس في حديثه عندهما ما في حديث أبي طيبة، قوله: (وَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ أَوْ صَاعَيْنِ، أَوْ مُدٍّ أَوْ مُدَّيْنِ) أي (٤): من تمرٍ، والشَّكُّ من شعبة (وَكَلَّمَ) ؛ بالواو، وللحَمُّويي والمُستملي: «فكلَّم» (فِيهِ) مولاه مُحَيِّصة بن مسعودٍ، وإنَّما جُمِع في التَّرجمة -كالحديث (٥) السَّابق- على طريق المجاز، أو كان مشتركًا بين جماعةٍ من بني حارثة منهم مُحَيِّصة (فَخُفِّفَ) عنه (مِنْ ضَرِيبَتِهِ) بضمِّ الخاء المعجمة (٦) مبنيًّا للمفعول، وفي حديث ابن (٧) عمر عند ابن أبي شيبة: أنَّ خراجه كان ثلاثة آصعٍ، والله أعلم.

(٢٠) (بابُ) حكم (كَسْبِ البَغِيِّ) بفتح المُوحَّدة وكسر الغين المعجمة وتشديد التَّحتيَّة، أي: الزَّانية (وَ) حكم كسب (الإِمَاءِ) البغايا، والممنوع كسب الأَمة بالفجور لا بالصَّنائع الجائزة (وَكَرِهَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ فيما وصله ابن أبي شيبة (أَجْرَ النَّائِحَةِ وَالمُغَنِّيَةِ) من حيث إنَّ كلًّا منهما معصيةٌ، وإجارته باطلةٌ كمهر البغيِّ (وَقَوْلُِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على «كسب» (١)، أو بالرَّفع على الاستئناف: (﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ﴾) أي: إماءكم (﴿عَلَى الْبِغَاء﴾) أي: الزِّنا، وكان أهل الجاهليَّة إذا كان لأحدهم أَمةٌ أرسلها تزني، وجعل عليها ضريبةً يأخذها منها كلَّ وقتٍ، فلمَّا جاء الإسلام نهى الله المؤمنين عن ذلك، وكان سبب نزول هذه (٢) الآية ما رواه الطَّبريُّ: أنَّ عبد الله بن أبيٍّ أمر أمةً له بالزِّنا، فجاءت ببردٍ، فقال: ارجعي فازْني على آخر، فقالت: ما أنا براجعةٍ، فنزلت، وهذا أخرجه مسلمٌ من طريق أبي سفيان عن جابرٍ مرفوعًا، وروى أبو داود والنَّسائيُّ من طريق أبي الزُّبير: سمع جابرًا قال: جاءت مُسَيْكة -أَمَةٌ لبعض الأنصار- فقالت: إنَّ سيِّدي يُكرِهني على البغاء، فنزلت، والظَّاهر أنَّها نزلت فيهما، وسمَّاها الزُّهريُّ: مُعاذة (﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾) قال في «الكشَّاف»: فإن قلت: لِمَ أقحم قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ قلت: لأنَّ الإكراه لا يتأتَّى إلَّا مع إرادة التَّحصُّن، وآمر المؤاتية (٣) للبغاء لا يُسمَّى مُكْرِهًا، ولا أَمْرُه (٤) إكراهًا، وكلمة «إن» وإيثارها على «إذا» إيذانًا بأنَّ الباغيات كنَّ يفعلن ذلك برغبةٍ وطواعيةٍ منهنَّ، وأنَّ ما وُجِد من مُعاذة ومُسَيْكة من حيِّز الشَّاذِّ النَّادر (﴿لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾) من خراجهنَّ وأولادهنَّ (﴿وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ﴾) لهنَّ (﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣]) وقال الزَّمخشريُّ: لهم، أو لهنَّ، أو لهم ولهنَّ إن تابوا وأصلحوا، وقال أبو حيَّان في «البحر»: ﴿فَإِنَّ اللهَ مِن

بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ جواب الشَّرط، والصَّحيح أنَّ التَّقدير: غفورٌ لهم، ليكون جواب الشَّرط فيه ضميرٌ يعود على «من» الذي هو اسم الشَّرط، ويكون ذلك مشروطًا بالتَّوبة، ولمَّا غفل الزَّمخشريُّ وابن عطيَّة وأبو البقاء عن هذا الحكم قدَّروا: فإنَّ الله غفورٌ رحيمٌ لهنَّ، أي: للمُكرَهات، فعريت جملة جواب الشَّرط من ضميرٍ يعود على اسم الشَّرط، وقد ضعَّف ما قلناه أبو عبد الله الرَّازي، فقال: فيه وجهان، أحدهما: فإنَّ الله غفورٌ رحيمٌ لهنَّ؛ لأنَّ الإكراه يزيل الإثم والعقوبة عن المُكرَه فيما فعل، والثَّاني: فإنَّ الله غفورٌ رحيمٌ للمُكرِه؛ بشرط التَّوبة، وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّه على التَّفسير الأوَّل لا حاجة لهذا الإضمار، وعلى الثَّاني يحتاج إليه. انتهى. وكلامهم كلام من لم يمعن في لسان العرب، فإن قلت: قوله: «من بعد (١) إكراههنَّ» مصدرٌ أُضيف إلى المفعول، وفاعل (٢) المصدر محذوفٌ، والمحذوف كالملفوظ به، والتَّقدير: من بعد إكراههم إيَّاهنَّ (٣)، والرَّبط يحصل بهذا المحذوف المُقدَّر، فلتجز (٤) هذه (٥) المسألة، قلت: لم يعدُّوا في الرَّابط الفاعل المحذوف، تقول: هندٌ عجبت من ضربها زيدًا،

فتجوز المسألة، ولو قلت (١): هندٌ عجبت من (٢) ضرب زيدًا؛ لم تجز (٣)، ولمَّا قدَّر الزَّمخشريُّ في أحد تقديراته: «لهنَّ»؛ أورد سؤالًا فقال: فإن قلت: لا حاجة إلى تعليق المغفرة بهنَّ؛ لأنَّ المُكرَهة على الزِّنا بخلاف المُكرِه عليه في أنَّها غير آثمةٍ قلت: لعلَّ الإكراه كان دون ما اعتبرته الشَّريعة من إكراهٍ بقتلٍ، أو بما يخاف منه التَّلف، أو ذهاب العضو من ضربٍ عنيفٍ وغيره حتَّى تَسْلَم من الإثم، وربَّما قصَّرت عن الحدِّ الذي تُعذَر فيه، فتكون آثمةً. انتهى. وهذا السُّؤال والجواب مبنيَّان على تقدير «لهنَّ». انتهى. وقد حكى ابن كثيرٍ في «تفسيره» عن ابن عبَّاسٍ أنَّه قال: فإن فعلتم؛ فإنَّ الله لهنَّ غفورٌ رحيمٌ، وإثمهنَّ على مَنْ أكرههنَّ، قال: وكذا قال عطاءٌ الخراسانيُّ ومجاهدٌ والأعمش وقتادة، وعن الزُّهريِّ قال: غفر لهنَّ ما أُكرهن (٤) عليه، وعن زيد بن أسلم قال: «غفورٌ رحيمٌ للمُكرَهات» حكاهنَّ ابن المنذر في «تفسيره» قال: وعند ابن أبي حاتمٍ قال في قراءة عبد الله بن مسعودٍ: (فإنَّ الله من بعد إكراههنَّ لهنَّ غفورٌ رحيمٌ): وإثمهنَّ على من أكرههنَّ. انتهى. وهذا يرجِّح قول القائل: إنَّ الضَّمير يعود على المُكرَهات. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) في تفسير: (﴿فَتَيَاتِكُمْ﴾) أي: (إِمَاؤُكُمْ) أخرجه عبد بن حُمَيدٍ والطَّبريُّ من طريق ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ بلفظ: ولا تُكرِهوا فتياتكم على البغاء، قال: إماءكم على الزِّنا، وهذا ساقطٌ في رواية غير المُستملي، ثابتٌ في روايته، ولفظ رواية أبي ذرٍّ: «﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾».

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

صَاعَيْنِ) ، شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (فَكلم موَالِيه) أَي: ساداته، وهم بَنو حَارِثَة على الصَّحِيح، وَمولى أَبُو طيبَة مِنْهُم هُوَ محيصة بن مَسْعُود، وَإِنَّمَا ذكر الموَالِي بِلَفْظ الْجمع إِمَّا بِاعْتِبَار أَنه كَانَ مُشْتَركا بَين طَائِفَة؟ وَإِمَّا مجَازًا كَمَا يُقَال: تَمِيم قتلوا فلَانا، وَالْقَاتِل هُوَ شخص وَاحِد مِنْهُم. قَوْله: (فَخفف من غَلَّته) ، بالغين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام وَهِي الْخراج والضريبة وَالْأَجْر بِمَعْنى وَاحِد. قَوْله: (أَو ضريبته) ، شكّ من الرَّاوِي. فَإِن قلت: مَا فِيهِ مَا يدل على ضَرَائِب الْإِمَاء، والترجمة مُشْتَمِلَة عَلَيْهِ. قلت: بِالْقِيَاسِ على ضريبة العَبْد.

٨١ - (بابُ خَرَاجِ الحَجَّامِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان خراج الْحجام، أَي: أجره.

٨٧٢٢ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ قل حَدثنَا ابنُ طاوُوسٍ عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ احْتجَمَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأعْطَى الحَجَّامَ أجْرَهُ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب ذكر الْحجام، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُسَدّد عَن خَالِد بن عبد الله عَن خَالِد الْحذاء عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: احْتجم النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأعْطى الَّذِي حجمه، وَلَو كَانَ حَرَامًا لم يُعْطه. وَهنا أخرجه: عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي عَن وهيب بن خَالِد عَن عبد الله بن طَاوُوس.

٩٧٢٢ - حدَّثنا مسَدَّدٌ قَالَ حَدثنَا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ عنْ خالِدٍ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ احْتَجَم النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأعْطَى الحَجَّامَ أجْرَهُ ولَوْ عَلِمَ كَرَاهِيَةً لَمْ يُعْطِهِ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَأعْطى الْحجام أجره) وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِيمَا مضى.

قَوْله: (وَلَو علم كَرَاهِيَة لم يُعْطه) ، أَي: وَلَو علم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَرَاهِيَة أجر الْحجام لم يُعْطه أجره، وَلَفظه فِي الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ مُسَدّد: وَلَو كَانَ حَرَامًا لم يُعْطه، يدل على أَن المُرَاد بالكراهية هُنَا كَرَاهِيَة التَّحْرِيم.

٠٨٢٢ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا مِسْعَرٌ عنْ عَمْرِو بنِ عامرٍ قَالَ سَمِعْتُ أنسا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَقولُ كانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَحْتَجِمُ ولَمْ يَكُنْ يَظْلِمُ أحَدا أجْرَهُ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن: ومسعر، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَفِي آخِره رَاء: ابْن كدام، مر فِي: بَاب الْوضُوء بِالْمدِّ. وَعَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن عَامر الْأنْصَارِيّ مر فِي الْوضُوء من غير حدث، وَلَيْسَت لَهُ رِوَايَة فِي البُخَارِيّ إلَاّ عَن أنس، لَهُ حَدِيث فِي الْوضُوء وَأخر فِي الصَّلَاة، وَهَذَا الْمَذْكُور هُنَا.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الطِّبّ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب، كِلَاهُمَا عَن وَكِيع عَن مسعر بِهِ.

قَوْله: (وَلم يكن يظلم أحدا أجره) ، أَعم من أجر الْحجام وَغَيره، مِمَّن يسْتَعْمل فِي عمل، وَالْمرَاد أَنه يُوفي أجر كل أجِير، وَلم يكن يظلم أَي: ينقص من أجر أحد، وَلَا يردهُ بِغَيْر أجر.

٩١ - (بابُ مَنْ كَلَّمَ مَوَالِيَ العَبْدِ أنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من كلم موَالِي العَبْد أَن يخففوا، أَي: بِأَن يخففوا عَنهُ من خراجه، أَي: من ضريبته الَّتِي وَضعهَا مَوْلَاهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا التكليم بطرِيق التَّفْضِيل لَا على وَجه الْإِلْزَام، إلَاّ إِذا كَانَ العَبْد لَا يُطيق ذَلِك، وَإِنَّمَا جمع: الْمولى، إِمَّا بِاعْتِبَار كَون العَبْد مُشْتَركا بَين جمَاعَة، وَإِمَّا بِاعْتِبَار أَنه مجَاز، كَمَا ذكرنَا عَن قريب فِي الْبَاب الَّذِي قبل الْبَاب السَّابِق.

١٨٢٢ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ دَعَا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غلَاما حَجَّاما فحَجَمَهُ وأمَرَ لَهُ بِصَاعٍ أوْ صَاعَيْنِ أوْ مُدٍّ أوْ مُدَّيْنِ وكَلَّمع فِيهِ فَخُفِّفَ مِنْ ضَرِيبَتِهِ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وكلم فِيهِ فَخفف من ضريبته) ، والْحَدِيث عَن حميد عَن أنس مر عَن قريب، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من هَذَا الْوَجْه عَن حميد: سَمِعت أنسا.

قَوْله: (دَعَا النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، غُلَاما) قَالَ بَعضهم: هُوَ أَبُو طيبَة كَمَا تقدم قبل بَاب. قلت: من أَيْن علم أَنه هُوَ؟ فَلم لَا يجوز أَن يكون غَيره؟ وَمن ادّعى أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يكن لَهُ إلَاّ حجام وَاحِد مُتَعَيّن فَعَلَيهِ الْبَيَان. وَقد روى ابْن مَنْدَه فِي (معرفَة الصَّحَابَة) من رِوَايَة الزُّهْرِيّ قَالَ: كَانَ جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يحدث أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم احْتجم على كَاهِله من أجل الشَّاة الَّتِي أكلهَا، حجمه أَبُو هِنْد مولى بني بياضة بالقرن والشفرة، وروى أَبُو دَاوُد من رِوَايَة مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة: أَن أَبَا هِنْد حجم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي اليافوخ ... الحَدِيث. وَقَالَ ابْن مَنْدَه: قيل: إسم أبي هِنْد سِنَان، وَقيل: سَالم. قَوْله: (وكلم فِيهِ) ، مَفْعُوله مَحْذُوف، أَي: كلم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْغُلَام الْمَذْكُور مَوْلَاهُ بِأَن يُخَفف عَنهُ من ضريبته، وَكلمَة: فِي، للتَّعْلِيل، أَي: كلم لأَجله كَمَا فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن امْرَأَة دخلت النَّار فِي هرة حبستها) أَي: لأجل هرة.

وَفِيه: اسْتِعْمَال العَبْد بِغَيْر إِذن سَيّده إِذا كَانَ معدا لعمل ومعروفا بِهِ. وَفِيه: الحكم بِالدَّلِيلِ، لِأَنَّهُ اسْتدلَّ على أَنه مَأْذُون لَهُ فِي الْعَمَل لانتصابه لَهُ وَعرض نَفسه عَلَيْهِ، وَيجوز للحجام أَن يَأْكُل من كَسبه، وَكَذَلِكَ السَّيِّد، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.

٠٢ - (بابُ كَسْبِ الْبَغِيِّ والإماءِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم كسب الْبَغي وَالْإِمَاء الْبَغي الْفَاجِرَة، يُقَال: بَغت الْمَرْأَة تبغي، بِالْكَسْرِ: بغيا إِذا زنت، فَهِيَ بغي، وَيجمع على: بَغَايَا. وَالْإِمَاء جمع: أمة. وَالْبَغي أَعم من أَن تكون أمة أَو حرَّة، وَالْأمة أَعم من أَن تكون بغية أَو عفيفة، وَلم يُصَرح بالحكم تَنْبِيها على أَن الْمَمْنُوع من كسب الْبَغي مُطلق، والممنوع من كسب الْأمة مُقَيّد بِالْفُجُورِ، لِأَن كسبها بالصنائع الْجَائِزَة غير مَمْنُوع.

وكَرِهَ إبْرَاهِيمُ أجْرَ النَّائِحَةِ والمُغَنِّيَةِ

إِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا وَكِيع حَدثنَا سُفْيَان عَن أبي هَاشم عَنهُ: أَنه كره أجر النائحة والمغنية والكاهن، وَكَرِهَهُ أَيْضا الشّعبِيّ وَالْحسن، وَقَالَ عبد الله بن هُبَيْرَة: وأكلهم السُّحت، قَالَ: مهر الْبَغي، فَإِن قلت: مَا الْمُنَاسبَة فِي ذكر أثر إِبْرَاهِيم هَذَا فِي هَذَا الْبَاب؟ قلت: قَالَ بَعضهم: كَانَ البُخَارِيّ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن النَّهْي فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَحْمُول على مَا كَانَت الحرفة فِيهِ مَمْنُوعَة، أَو تجر إِلَى أَمر مَمْنُوع. انْتهى. قلت: هَذَا لَا يصلح أَن يكون جَوَابا عَن السُّؤَال عَن الْمُنَاسبَة فِي ذكر الْأَثر الْمَذْكُور، وَلَكِن يُمكن أَن يُقَال: إِن بَين كسب الْبَغي وَأجر النائحة والمغنية مُنَاسبَة من حَيْثُ إِن كلَاّ مِنْهُمَا مَعْصِيّة كَبِيرَة. وَأَن إِجَارَة كل مِنْهُمَا بَاطِلَة، وَهَذَا الْمِقْدَار كافٍ.

وقَوْلُ الله تعالَى: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلى البِغَاءِ إِن يُرِدْنَ تحَصُّنا لِتَبْتَغُوا عَرَض الحَياةِ الدُّنْيَا ومَنْ يُكْرِهْهُنَّ فإنَّ الله منْ بَعْدِ إكْرَاهِهنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (النُّور: ٣٣) .

وَقَول الله، بِالْجَرِّ تَقْدِيره: وَبَاب فِي ذكر قَول الله تَعَالَى: {وَلَا تكْرهُوا} الْآيَة، ذكر هَذِه الْآيَة فِي معرض الدَّلِيل لحُرْمَة كسب الْبَغي لِأَنَّهُ نهي عَن إِكْرَاه الفتيات أَي: الْإِمَاء على الْبغاء، أَي: الزِّنَا، وَالنَّهْي يَقْتَضِي تَحْرِيم ذَلِك، وَتَحْرِيم هَذَا يَسْتَدْعِي حُرْمَة زناهن وَحُرْمَة زناهن تَسْتَلْزِم حُرْمَة وضع الضرائب عَلَيْهِنَّ، وَهِي تَقْتَضِي حُرْمَة الْأجر الْحَاصِل من ذَلِك.

ثمَّ سَبَب نزُول

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: وَلَوْ عَلِمَ كَرَاهِيَةً لَمْ يُعْطِهِ. وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْجَوَازِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ بِلَفْظِ: وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ وَعُرِفَ بِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَرَاهَةِ هُنَا كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ. وَكَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ كَسْبَ الْحَجَّامِ حَرَامٌ.

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ حَلَالٌ وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَالُوا: هُوَ كَسْبٌ فِيهِ دَنَاءَةٌ وَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، فَحَمَلُوا الزَّجْرَ عَنْهُ عَلَى التَّنْزِيهِ. وَمِنْهُمْ مَنِ ادَّعَى النَّسْخَ وَأَنَّهُ كَانَ حَرَامًا ثُمَّ أُبِيحَ وَجَنَحَ إِلَى ذَلِكَ الطَّحَاوِيُّ، وَالنَّسْخُ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ.

وَذَهَبَ أَحْمَدُ وَجَمَاعَةٌ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ فَكَرِهُوا لِلْحُرِّ الِاحْتِرَافَ بِالْحِجَامَةِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهَا وَيَجُوزُ لَهُ الْإِنْفَاقُ عَلَى الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ مِنْهَا وَأَبَاحُوهَا لِلْعَبْدِ مُطْلَقًا، وَعُمْدَتُهُمْ حَدِيثُ مُحَيِّصَةَ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ فَنَهَاهُ، فَذَكَرَ لَهُ الْحَاجَةَ فَقَالَ: اعْلِفْهُ نَوَاضِحَكَ، أَخْرَجَهُ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ أَجْرَ الْحَجَّامِ إِنَّمَا كُرِهَ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ إِعَانَةً لَهُ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ لَهُ، فَمَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا. وَجَمَعَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بَيْنَ قَوْلِهِ : كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ وَبَيْنَ إِعْطَائِهِ الْحَجَّامَ أُجْرَتَهُ، بِأَنَّ مَحَلَّ الْجَوَازِ مَا إِذَا كَانَتِ الْأُجْرَةُ عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ، وَيُحْمَلُ الزَّجْرُ عَلَى مَا إِذَا كَانَ عَلَى عَمَلٍ مَجْهُولٍ. وَفِي الْحَدِيثِ إِبَاحَةُ الْحِجَامَةِ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ مَا يُتَدَاوَى مِنْ إِخْرَاجِ الدَّمِ وَغَيْرِهِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الطِّبِّ. وَفِيهِ الْأُجْرَةُ عَلَى الْمُعَالَجَةِ بِالطِّبِّ، وَالشَّفَاعَةُ إِلَى أَصْحَابِ الْحُقُوقِ أَنْ يُخَفِّفُوا مِنْهَا، وَجَوَازُ مُخَارَجَةِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ كَأَنْ يَقُولَ لَهُ: أَذِنْتُ لَكَ أَنْ تَكْتَسِبَ عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي كُلَّ يَوْمٍ كَذَا، وَمَا زَادَ فَهُوَ لَك. وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ الْخَاصِّ إِذَا كَانَ قَدْ تَضَمَّنَ تَمْكِينُهُ مِنَ الْعَمَلِ إِذْنَهُ الْعَامَّ.

قَوْلُهُ: (كَانَ النَّبِيُّ يَحْتَجِمُ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِالْمُوَاظَبَةِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. وَقَوْلُهُ: (وَلَمْ يَكُنْ يَظْلِمُ أَحَدًا أَجْرَهُ) فِيهِ إِثْبَاتُ إِعْطَائِهِ أُجْرَةَ الْحَجَّامِ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ، بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَهَا فَفِيهَا الْجَزْمُ بِذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ التَّنْصِيصِ.

١٩ - بَاب مَنْ كَلَّمَ مَوَالِيَ الْعَبْدِ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ

٢٢٨١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: دَعَا النَّبِيُّ غُلَامًا حَجَّامًا، فَحَجَمَهُ وَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ أَوْ صَاعَيْنِ أَوْ مُدٍّ أَوْ مُدَّيْنِ، وَكَلَّمَ فِيهِ فَخُفِّفَ مِنْ ضَرِيبَتِهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ كَلَّمَ مَوَالِيَ الْعَبْدِ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ) أَيْ: عَلَى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ مِنْهُمْ لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِلْزَامِ لَهُمْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْإِلْزَامِ إِذَا كَانَ لَا يُطِيقُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسٍ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ حُمَيْدٍ سَمِعْتُ أَنَسًا.

قَوْلُهُ: (دَعَا النَّبِيُّ غُلَامًا) هُوَ أَبُو طَيْبَةَ كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلَ بَابٍ، وَاسْمُ أَبِي طَيْبَةَ نَافِعٌ عَلَى الصَّحِيحِ، فَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ، وَابْنُ السَّكَنِ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَيِّصَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ لَهُ غُلَامٌ حَجَّامٌ، يُقَالُ لَهُ: نَافِعٌ أَبُو طَيْبَةَ، فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ يَسْأَلُهُ عَنْ خَرَاجِهِ. الْحَدِيثَ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي اسْمِ أَبِي طَيْبَةَ أَنَّهُ دِينَارٌ، وَوَهَمُوهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ دِينَارًا الْحَجَّامَ تَابِعِيٌّ رَوَى عَنْ أَبِي طَيْبَةَ لَا أَنَّهُ اسْمُ أَبِي طَيْبَةَ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ بَسَّامٍ الْحَجَّامِ، عَنْ دِينَارٍ الْحَجَّامِ، عَنْ أَبِي طَيْبَةَ الْحَجَّامِ قَالَ: حَجَمْتُ النَّبِيَّ الْحَدِيثَ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ فِي الْكُنَى أَنَّ دِينَارًا الْحَجَّامَ يَرْوِي عَنْ أَبِي طَيْبَةَ لَا أَنَّهُ أَبُو طَيْبَةَ نَفْسُهُ، وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ فِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

عن أنسٍ، ولا له في «البخاريِّ» إلَّا حديثان (١)، هذا وآخَرُ سبق في «الطَّهارة» [خ¦٢١٤] أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) هو ابن مالكٍ ( يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ يَحْتَجِمُ) التَّعبير بـ «كان» يشعر بالمواظبة على القول بأنَّ «كان» تقتضي التَّكرار (وَلَمْ يَكُنْ يَظْلِمُ أَحَدًا أَجْرَهُ) أي: لم يكن يُنقِص من أجر أحدٍ، ولا يردُّه بغير أجرٍ، وهو أعمُّ من أجر الحجَّام وغيره ممَّن يستعمله في عملٍ.

(١٩) (بابُ مَنْ كَلَّمَ مَوَالِيَ العَبْدِ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ) (٢).

٢٢٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ) أنَّه (قَالَ: دَعَا النَّبِيُّ غُلَامًا حَجَّامًا (٣) فَحَجَمَهُ) وسقط قوله «حجَّامًا» في رواية أبوي ذرٍّ والوقت، والظَّاهر أنه أبو طيبة وإن كان حجمه أبو هندٍ مولى بني بياضة كما عند ابن منده وأبي داود؛ لأنَّه ليس في حديثه عندهما ما في حديث أبي طيبة، قوله: (وَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ أَوْ صَاعَيْنِ، أَوْ مُدٍّ أَوْ مُدَّيْنِ) أي (٤): من تمرٍ، والشَّكُّ من شعبة (وَكَلَّمَ) ؛ بالواو، وللحَمُّويي والمُستملي: «فكلَّم» (فِيهِ) مولاه مُحَيِّصة بن مسعودٍ، وإنَّما جُمِع في التَّرجمة -كالحديث (٥) السَّابق- على طريق المجاز، أو كان مشتركًا بين جماعةٍ من بني حارثة منهم مُحَيِّصة (فَخُفِّفَ) عنه (مِنْ ضَرِيبَتِهِ) بضمِّ الخاء المعجمة (٦) مبنيًّا للمفعول، وفي حديث ابن (٧) عمر عند ابن أبي شيبة: أنَّ خراجه كان ثلاثة آصعٍ، والله أعلم.

(٢٠) (بابُ) حكم (كَسْبِ البَغِيِّ) بفتح المُوحَّدة وكسر الغين المعجمة وتشديد التَّحتيَّة، أي: الزَّانية (وَ) حكم كسب (الإِمَاءِ) البغايا، والممنوع كسب الأَمة بالفجور لا بالصَّنائع الجائزة (وَكَرِهَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ فيما وصله ابن أبي شيبة (أَجْرَ النَّائِحَةِ وَالمُغَنِّيَةِ) من حيث إنَّ كلًّا منهما معصيةٌ، وإجارته باطلةٌ كمهر البغيِّ (وَقَوْلُِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على «كسب» (١)، أو بالرَّفع على الاستئناف: (﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ﴾) أي: إماءكم (﴿عَلَى الْبِغَاء﴾) أي: الزِّنا، وكان أهل الجاهليَّة إذا كان لأحدهم أَمةٌ أرسلها تزني، وجعل عليها ضريبةً يأخذها منها كلَّ وقتٍ، فلمَّا جاء الإسلام نهى الله المؤمنين عن ذلك، وكان سبب نزول هذه (٢) الآية ما رواه الطَّبريُّ: أنَّ عبد الله بن أبيٍّ أمر أمةً له بالزِّنا، فجاءت ببردٍ، فقال: ارجعي فازْني على آخر، فقالت: ما أنا براجعةٍ، فنزلت، وهذا أخرجه مسلمٌ من طريق أبي سفيان عن جابرٍ مرفوعًا، وروى أبو داود والنَّسائيُّ من طريق أبي الزُّبير: سمع جابرًا قال: جاءت مُسَيْكة -أَمَةٌ لبعض الأنصار- فقالت: إنَّ سيِّدي يُكرِهني على البغاء، فنزلت، والظَّاهر أنَّها نزلت فيهما، وسمَّاها الزُّهريُّ: مُعاذة (﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾) قال في «الكشَّاف»: فإن قلت: لِمَ أقحم قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ قلت: لأنَّ الإكراه لا يتأتَّى إلَّا مع إرادة التَّحصُّن، وآمر المؤاتية (٣) للبغاء لا يُسمَّى مُكْرِهًا، ولا أَمْرُه (٤) إكراهًا، وكلمة «إن» وإيثارها على «إذا» إيذانًا بأنَّ الباغيات كنَّ يفعلن ذلك برغبةٍ وطواعيةٍ منهنَّ، وأنَّ ما وُجِد من مُعاذة ومُسَيْكة من حيِّز الشَّاذِّ النَّادر (﴿لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾) من خراجهنَّ وأولادهنَّ (﴿وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ﴾) لهنَّ (﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣]) وقال الزَّمخشريُّ: لهم، أو لهنَّ، أو لهم ولهنَّ إن تابوا وأصلحوا، وقال أبو حيَّان في «البحر»: ﴿فَإِنَّ اللهَ مِن

بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ جواب الشَّرط، والصَّحيح أنَّ التَّقدير: غفورٌ لهم، ليكون جواب الشَّرط فيه ضميرٌ يعود على «من» الذي هو اسم الشَّرط، ويكون ذلك مشروطًا بالتَّوبة، ولمَّا غفل الزَّمخشريُّ وابن عطيَّة وأبو البقاء عن هذا الحكم قدَّروا: فإنَّ الله غفورٌ رحيمٌ لهنَّ، أي: للمُكرَهات، فعريت جملة جواب الشَّرط من ضميرٍ يعود على اسم الشَّرط، وقد ضعَّف ما قلناه أبو عبد الله الرَّازي، فقال: فيه وجهان، أحدهما: فإنَّ الله غفورٌ رحيمٌ لهنَّ؛ لأنَّ الإكراه يزيل الإثم والعقوبة عن المُكرَه فيما فعل، والثَّاني: فإنَّ الله غفورٌ رحيمٌ للمُكرِه؛ بشرط التَّوبة، وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّه على التَّفسير الأوَّل لا حاجة لهذا الإضمار، وعلى الثَّاني يحتاج إليه. انتهى. وكلامهم كلام من لم يمعن في لسان العرب، فإن قلت: قوله: «من بعد (١) إكراههنَّ» مصدرٌ أُضيف إلى المفعول، وفاعل (٢) المصدر محذوفٌ، والمحذوف كالملفوظ به، والتَّقدير: من بعد إكراههم إيَّاهنَّ (٣)، والرَّبط يحصل بهذا المحذوف المُقدَّر، فلتجز (٤) هذه (٥) المسألة، قلت: لم يعدُّوا في الرَّابط الفاعل المحذوف، تقول: هندٌ عجبت من ضربها زيدًا،

فتجوز المسألة، ولو قلت (١): هندٌ عجبت من (٢) ضرب زيدًا؛ لم تجز (٣)، ولمَّا قدَّر الزَّمخشريُّ في أحد تقديراته: «لهنَّ»؛ أورد سؤالًا فقال: فإن قلت: لا حاجة إلى تعليق المغفرة بهنَّ؛ لأنَّ المُكرَهة على الزِّنا بخلاف المُكرِه عليه في أنَّها غير آثمةٍ قلت: لعلَّ الإكراه كان دون ما اعتبرته الشَّريعة من إكراهٍ بقتلٍ، أو بما يخاف منه التَّلف، أو ذهاب العضو من ضربٍ عنيفٍ وغيره حتَّى تَسْلَم من الإثم، وربَّما قصَّرت عن الحدِّ الذي تُعذَر فيه، فتكون آثمةً. انتهى. وهذا السُّؤال والجواب مبنيَّان على تقدير «لهنَّ». انتهى. وقد حكى ابن كثيرٍ في «تفسيره» عن ابن عبَّاسٍ أنَّه قال: فإن فعلتم؛ فإنَّ الله لهنَّ غفورٌ رحيمٌ، وإثمهنَّ على مَنْ أكرههنَّ، قال: وكذا قال عطاءٌ الخراسانيُّ ومجاهدٌ والأعمش وقتادة، وعن الزُّهريِّ قال: غفر لهنَّ ما أُكرهن (٤) عليه، وعن زيد بن أسلم قال: «غفورٌ رحيمٌ للمُكرَهات» حكاهنَّ ابن المنذر في «تفسيره» قال: وعند ابن أبي حاتمٍ قال في قراءة عبد الله بن مسعودٍ: (فإنَّ الله من بعد إكراههنَّ لهنَّ غفورٌ رحيمٌ): وإثمهنَّ على من أكرههنَّ. انتهى. وهذا يرجِّح قول القائل: إنَّ الضَّمير يعود على المُكرَهات. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) في تفسير: (﴿فَتَيَاتِكُمْ﴾) أي: (إِمَاؤُكُمْ) أخرجه عبد بن حُمَيدٍ والطَّبريُّ من طريق ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ بلفظ: ولا تُكرِهوا فتياتكم على البغاء، قال: إماءكم على الزِّنا، وهذا ساقطٌ في رواية غير المُستملي، ثابتٌ في روايته، ولفظ رواية أبي ذرٍّ: «﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾».

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

صَاعَيْنِ) ، شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (فَكلم موَالِيه) أَي: ساداته، وهم بَنو حَارِثَة على الصَّحِيح، وَمولى أَبُو طيبَة مِنْهُم هُوَ محيصة بن مَسْعُود، وَإِنَّمَا ذكر الموَالِي بِلَفْظ الْجمع إِمَّا بِاعْتِبَار أَنه كَانَ مُشْتَركا بَين طَائِفَة؟ وَإِمَّا مجَازًا كَمَا يُقَال: تَمِيم قتلوا فلَانا، وَالْقَاتِل هُوَ شخص وَاحِد مِنْهُم. قَوْله: (فَخفف من غَلَّته) ، بالغين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام وَهِي الْخراج والضريبة وَالْأَجْر بِمَعْنى وَاحِد. قَوْله: (أَو ضريبته) ، شكّ من الرَّاوِي. فَإِن قلت: مَا فِيهِ مَا يدل على ضَرَائِب الْإِمَاء، والترجمة مُشْتَمِلَة عَلَيْهِ. قلت: بِالْقِيَاسِ على ضريبة العَبْد.

٨١ - (بابُ خَرَاجِ الحَجَّامِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان خراج الْحجام، أَي: أجره.

٨٧٢٢ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ قل حَدثنَا ابنُ طاوُوسٍ عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ احْتجَمَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأعْطَى الحَجَّامَ أجْرَهُ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب ذكر الْحجام، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُسَدّد عَن خَالِد بن عبد الله عَن خَالِد الْحذاء عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: احْتجم النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأعْطى الَّذِي حجمه، وَلَو كَانَ حَرَامًا لم يُعْطه. وَهنا أخرجه: عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي عَن وهيب بن خَالِد عَن عبد الله بن طَاوُوس.

٩٧٢٢ - حدَّثنا مسَدَّدٌ قَالَ حَدثنَا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ عنْ خالِدٍ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ احْتَجَم النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأعْطَى الحَجَّامَ أجْرَهُ ولَوْ عَلِمَ كَرَاهِيَةً لَمْ يُعْطِهِ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَأعْطى الْحجام أجره) وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِيمَا مضى.

قَوْله: (وَلَو علم كَرَاهِيَة لم يُعْطه) ، أَي: وَلَو علم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَرَاهِيَة أجر الْحجام لم يُعْطه أجره، وَلَفظه فِي الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ مُسَدّد: وَلَو كَانَ حَرَامًا لم يُعْطه، يدل على أَن المُرَاد بالكراهية هُنَا كَرَاهِيَة التَّحْرِيم.

٠٨٢٢ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا مِسْعَرٌ عنْ عَمْرِو بنِ عامرٍ قَالَ سَمِعْتُ أنسا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَقولُ كانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَحْتَجِمُ ولَمْ يَكُنْ يَظْلِمُ أحَدا أجْرَهُ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن: ومسعر، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَفِي آخِره رَاء: ابْن كدام، مر فِي: بَاب الْوضُوء بِالْمدِّ. وَعَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن عَامر الْأنْصَارِيّ مر فِي الْوضُوء من غير حدث، وَلَيْسَت لَهُ رِوَايَة فِي البُخَارِيّ إلَاّ عَن أنس، لَهُ حَدِيث فِي الْوضُوء وَأخر فِي الصَّلَاة، وَهَذَا الْمَذْكُور هُنَا.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الطِّبّ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب، كِلَاهُمَا عَن وَكِيع عَن مسعر بِهِ.

قَوْله: (وَلم يكن يظلم أحدا أجره) ، أَعم من أجر الْحجام وَغَيره، مِمَّن يسْتَعْمل فِي عمل، وَالْمرَاد أَنه يُوفي أجر كل أجِير، وَلم يكن يظلم أَي: ينقص من أجر أحد، وَلَا يردهُ بِغَيْر أجر.

٩١ - (بابُ مَنْ كَلَّمَ مَوَالِيَ العَبْدِ أنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من كلم موَالِي العَبْد أَن يخففوا، أَي: بِأَن يخففوا عَنهُ من خراجه، أَي: من ضريبته الَّتِي وَضعهَا مَوْلَاهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا التكليم بطرِيق التَّفْضِيل لَا على وَجه الْإِلْزَام، إلَاّ إِذا كَانَ العَبْد لَا يُطيق ذَلِك، وَإِنَّمَا جمع: الْمولى، إِمَّا بِاعْتِبَار كَون العَبْد مُشْتَركا بَين جمَاعَة، وَإِمَّا بِاعْتِبَار أَنه مجَاز، كَمَا ذكرنَا عَن قريب فِي الْبَاب الَّذِي قبل الْبَاب السَّابِق.

١٨٢٢ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ دَعَا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غلَاما حَجَّاما فحَجَمَهُ وأمَرَ لَهُ بِصَاعٍ أوْ صَاعَيْنِ أوْ مُدٍّ أوْ مُدَّيْنِ وكَلَّمع فِيهِ فَخُفِّفَ مِنْ ضَرِيبَتِهِ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وكلم فِيهِ فَخفف من ضريبته) ، والْحَدِيث عَن حميد عَن أنس مر عَن قريب، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من هَذَا الْوَجْه عَن حميد: سَمِعت أنسا.

قَوْله: (دَعَا النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، غُلَاما) قَالَ بَعضهم: هُوَ أَبُو طيبَة كَمَا تقدم قبل بَاب. قلت: من أَيْن علم أَنه هُوَ؟ فَلم لَا يجوز أَن يكون غَيره؟ وَمن ادّعى أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يكن لَهُ إلَاّ حجام وَاحِد مُتَعَيّن فَعَلَيهِ الْبَيَان. وَقد روى ابْن مَنْدَه فِي (معرفَة الصَّحَابَة) من رِوَايَة الزُّهْرِيّ قَالَ: كَانَ جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يحدث أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم احْتجم على كَاهِله من أجل الشَّاة الَّتِي أكلهَا، حجمه أَبُو هِنْد مولى بني بياضة بالقرن والشفرة، وروى أَبُو دَاوُد من رِوَايَة مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة: أَن أَبَا هِنْد حجم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي اليافوخ ... الحَدِيث. وَقَالَ ابْن مَنْدَه: قيل: إسم أبي هِنْد سِنَان، وَقيل: سَالم. قَوْله: (وكلم فِيهِ) ، مَفْعُوله مَحْذُوف، أَي: كلم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْغُلَام الْمَذْكُور مَوْلَاهُ بِأَن يُخَفف عَنهُ من ضريبته، وَكلمَة: فِي، للتَّعْلِيل، أَي: كلم لأَجله كَمَا فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن امْرَأَة دخلت النَّار فِي هرة حبستها) أَي: لأجل هرة.

وَفِيه: اسْتِعْمَال العَبْد بِغَيْر إِذن سَيّده إِذا كَانَ معدا لعمل ومعروفا بِهِ. وَفِيه: الحكم بِالدَّلِيلِ، لِأَنَّهُ اسْتدلَّ على أَنه مَأْذُون لَهُ فِي الْعَمَل لانتصابه لَهُ وَعرض نَفسه عَلَيْهِ، وَيجوز للحجام أَن يَأْكُل من كَسبه، وَكَذَلِكَ السَّيِّد، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.

٠٢ - (بابُ كَسْبِ الْبَغِيِّ والإماءِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم كسب الْبَغي وَالْإِمَاء الْبَغي الْفَاجِرَة، يُقَال: بَغت الْمَرْأَة تبغي، بِالْكَسْرِ: بغيا إِذا زنت، فَهِيَ بغي، وَيجمع على: بَغَايَا. وَالْإِمَاء جمع: أمة. وَالْبَغي أَعم من أَن تكون أمة أَو حرَّة، وَالْأمة أَعم من أَن تكون بغية أَو عفيفة، وَلم يُصَرح بالحكم تَنْبِيها على أَن الْمَمْنُوع من كسب الْبَغي مُطلق، والممنوع من كسب الْأمة مُقَيّد بِالْفُجُورِ، لِأَن كسبها بالصنائع الْجَائِزَة غير مَمْنُوع.

وكَرِهَ إبْرَاهِيمُ أجْرَ النَّائِحَةِ والمُغَنِّيَةِ

إِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا وَكِيع حَدثنَا سُفْيَان عَن أبي هَاشم عَنهُ: أَنه كره أجر النائحة والمغنية والكاهن، وَكَرِهَهُ أَيْضا الشّعبِيّ وَالْحسن، وَقَالَ عبد الله بن هُبَيْرَة: وأكلهم السُّحت، قَالَ: مهر الْبَغي، فَإِن قلت: مَا الْمُنَاسبَة فِي ذكر أثر إِبْرَاهِيم هَذَا فِي هَذَا الْبَاب؟ قلت: قَالَ بَعضهم: كَانَ البُخَارِيّ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن النَّهْي فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَحْمُول على مَا كَانَت الحرفة فِيهِ مَمْنُوعَة، أَو تجر إِلَى أَمر مَمْنُوع. انْتهى. قلت: هَذَا لَا يصلح أَن يكون جَوَابا عَن السُّؤَال عَن الْمُنَاسبَة فِي ذكر الْأَثر الْمَذْكُور، وَلَكِن يُمكن أَن يُقَال: إِن بَين كسب الْبَغي وَأجر النائحة والمغنية مُنَاسبَة من حَيْثُ إِن كلَاّ مِنْهُمَا مَعْصِيّة كَبِيرَة. وَأَن إِجَارَة كل مِنْهُمَا بَاطِلَة، وَهَذَا الْمِقْدَار كافٍ.

وقَوْلُ الله تعالَى: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلى البِغَاءِ إِن يُرِدْنَ تحَصُّنا لِتَبْتَغُوا عَرَض الحَياةِ الدُّنْيَا ومَنْ يُكْرِهْهُنَّ فإنَّ الله منْ بَعْدِ إكْرَاهِهنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (النُّور: ٣٣) .

وَقَول الله، بِالْجَرِّ تَقْدِيره: وَبَاب فِي ذكر قَول الله تَعَالَى: {وَلَا تكْرهُوا} الْآيَة، ذكر هَذِه الْآيَة فِي معرض الدَّلِيل لحُرْمَة كسب الْبَغي لِأَنَّهُ نهي عَن إِكْرَاه الفتيات أَي: الْإِمَاء على الْبغاء، أَي: الزِّنَا، وَالنَّهْي يَقْتَضِي تَحْرِيم ذَلِك، وَتَحْرِيم هَذَا يَسْتَدْعِي حُرْمَة زناهن وَحُرْمَة زناهن تَسْتَلْزِم حُرْمَة وضع الضرائب عَلَيْهِنَّ، وَهِي تَقْتَضِي حُرْمَة الْأجر الْحَاصِل من ذَلِك.

ثمَّ سَبَب نزُول

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.6 / 29.5
الإضاءة 84%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
سبحان الله