«لَقِيتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ﵁ فَقَالَ: أَخَذْتُ صُرَّةً، مِائَةَ دِينَارٍ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٤٢٦

الحديث رقم ٢٤٢٦ من كتاب «كتاب في اللقطة» في صحيح البخاري، تحت باب: كتاب في اللقطة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «لقيت أبي بن كعب ﵁ فقال: أخذت صرة، مائة…

«لَقِيتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقَالَ: أَخَذْتُ صُرَّةً، مِائَةَ دِينَارٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا، فَعَرَّفْتُهَا حَوْلَها، فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا، فَعَرَّفْتُهَا فَلَمْ أَجِدْ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ ثَلَاثًا، فَقَالَ: احْفَظْ وِعَاءَهَا، وَعَدَدَهَا، وَوِكَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا، فَاسْتَمْتَعْتُ، فَلَقِيتُهُ بَعْدُ بِمَكَّةَ، فَقَالَ: لَا أَدْرِي ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ، أَوْ حَوْلًا وَاحِدًا.»

سند حديث: ٢٤٢٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ : حَدَّثَنَا…

٢٤٢٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ : حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سَلَمَةَ: سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «لقيت أبي بن كعب ﵁ فقال: أخذت صرة، مائة…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٤٥ - كِتَاب اللُّقَطَة

قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. كِتَابُ اللُّقَطَةِ) كَذَا لِلْمُسْتَمْلِيِّ، وَالنَّسَفِيِّ، وَاقْتَصَرَ الْبَاقُونَ عَلَى الْبَسْمَلَةِ وَمَا بَعْدَهَا. وَاللُّقَطَةُ الشَّيْءُ الَّذِي يُلْتَقَطُ، وَهُوَ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْمُحَدِّثِينَ، وَقَالَ عِيَاضٌ: لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْفَائِقِ: اللُّقَطَةُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْعَامَّةُ تُسَكِّنُهَا. كَذَا قَالَ، وَقَدْ جَزَمَ الْخَلِيلُ بِأَنَّهَا بِالسُّكُونِ قَالَ: وَأَمَّا بِالْفَتْحِ فَهُوَ اللَّاقِطُ: وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ هُوَ الْقِيَاسُ، وَلَكِنَّ الَّذِي سُمِعَ مِنَ الْعَرَبِ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالْحَدِيثِ الْفَتْحُ. وَقَالَ ابْنُ بِرِّيٍّ: التَّحْرِيكُ لِلْمَفْعُولِ نَادِرٌ، فَاقْتَضَى أَنَّ الَّذِي قَالَهُ الْخَلِيلُ هُوَ الْقِيَاسُ. وَفِيهَا لُغَتَانِ أَيْضًا: لُقَاطَةٌ بِضَمِّ اللَّامِ، وَلَقْطَةٌ بِفَتْحِهَا. وَقَدْ نَظَمَ الْأَرْبَعَةَ ابْنُ مَالِكٍ حَيْثُ قَالَ:

لُقَاطَةٌ وَلَقْطَةٌ وَلُقَطَهْ … وَلُقْطَةٌ مَا لَاقِطٌ قَدْ لَقَطَهْ

وَوَجَّهَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَتْحَ الْقَافِ فِي الْمَأْخُوذِ أَنَّهُ لِلْمُبَالَغَةِ. وَذَلِكَ لِمَعْنًى فِيهَا اخْتَصَّتْ بِهِ، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَرَاهَا يَمِيلُ لِأَخْذِهَا فَسُمِّيَتْ بِاسْمِ الْفَاعِلِ لِذَلِكَ.

١ - بَاب إِذَا أَخْبَرَهُ رَبُّ اللُّقَطَةِ بِالْعَلَامَةِ دَفَعَ إِلَيْهِ

٢٤٢٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ قَالَ: لَقِيتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقَالَ: أصبت صُرَّةً فيها مِائَةَ دِينَارٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا، فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا، فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا، فَعَرَّفْتُهَا فَلَمْ أَجِدْ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ ثَلَاثًا فَقَالَ: احْفَظْ وِعَاءَهَا وَعَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا، فَاسْتَمْتَعْتُ، فَلَقِيتُهُ بَعْدُ بِمَكَّةَ فَقَالَ: لَا أَدْرِي ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ أَوْ حَوْلًا وَاحِدًا.

[الحديث ٢٤٢٦ - طرفه في: ٢٤٣٧]

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا أَخْبَرَهُ رَبُّ اللُّقَطَةِ بِالْعَلَامَةِ دَفَعَ إِلَيْهِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَصَبْتُ صُرَّةً فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ كَذَا لِلْمُسْتَمْلِيِّ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَجَدْتُ وَلِلْبَاقِينَ أَخَذْتُ. وَلَمْ يَقَعْ فِي سِيَاقِهِ مَا تَرْجَمَ بِهِ صَرِيحًا، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) هَكَذَا سَاقَهُ عَالِيًا وَنَازِلًا، وَالسِّيَاقُ لِلْإِسْنَادِ النَّازِلِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ آدَمَ مُطَوَّلًا.

قَوْلُهُ: (فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا) فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَزَيْدِ بْنِ أُنَيْسَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ كُلُّهُمْ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعَدَدِهَا وَوِعَائِهَا وَوِكَائِهَا فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ. لَفْظُ مُسْلِمٍ. وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي دَاوُدَ: إِنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ زَادَهَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَهِيَ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ فَتَمَسَّكَ بِهَا مَنْ حَاوَلَ تَضْعِيفَهَا فَلَمْ يُصِبْ، بَلْ هِيَ صَحِيحَةٌ، وَقَدْ عَرَفْتَ مَنْ وَافَقَ

حَمَّادًا عَلَيْهَا وَلَيْسَتْ شَاذَّةً، وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِهَا مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: إِنْ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ صِدْقُهُ جَازَ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، لِأَنَّهُ قَدْ يُصِيبُ الصِّفَةَ.

وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنْ صَحَّتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ لَمْ يَجُزْ مُخَالَفَتُهَا، وَهِيَ فَائِدَةٌ قَوْلُهُ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا إِلَخْ وَإِلَّا فَالِاحْتِيَاطُ مَعَ مَنْ لَمْ يَرَ الرَّدَّ إِلَّا بِالْبَيِّنَةِ، قَالَ: وَيُتَأَوَّلُ قَوْلُهُ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا عَلَى أَنَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ لِئَلَّا تَخْتَلِطَ بِمَالِهِ، أَوْ لِتَكُونَ الدَّعْوَى فِيهَا مَعْلُومَةً. وَذَكَرَ غَيْرُهُ مِنْ فَوَائِدِ ذَلِكَ أَيْضًا أَنْ يَعْرِفَ صِدْقَ الْمُدَّعِي مِنْ كَذِبِهِ، وَأَنَّ فِيهِ تَنْبِيهًا عَلَى حِفْظِ الْوِعَاءِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِإِلْقَائِهِ إِذَا أُخِذَتِ النَّفَقَةُ، وَأَنَّهُ إِذَا نَبَّهَ عَلَى حِفْظِ الْوِعَاءِ كَانَ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى حِفْظِ الْمَالِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى. قُلْتُ: قَدْ صَحَّتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إِلَيْهَا، وَسَيَأْتِي أَيْضًا فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ فِي آخِرِ أَبْوَابِ اللُّقَطَةِ، وَمَا اعْتَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ إِذَا وَصَفَهَا فَأَصَابَ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ فَجَاءَ شَخْصٌ آخَرُ فَوَصَفَهَا فَأَصَابَ لَا يَقْتَضِي الطَّعْنَ فِي الزِّيَادَةِ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ الْحُكْمُ حِينَئِذٍ كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إِلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ فَجَاءَ آخَرُ فَأَقَامَ بَيِّنَةً أُخْرَى أَنَّهَا لَهُ، وَفِي ذَلِكَ تَفَاصِيلُ لِلْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ.

وَقَالَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ: يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ وُجُوبُ الدَّفْعِ لِمَنْ أَصَابَ الْوَصْفَ عَلَى مَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ التَّمَلُّكِ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مَالٌ ضَائِعٌ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ ثَانٍ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ التَّمَلُّكِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَحْتَاجُ الْمُدَّعِي إِلَى الْبَيِّنَةِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ : الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ثُمَّ قَالَ: أَمَّا إِذَا صَحَّتِ الزِّيَادَةُ فَتَخُصُّ صُورَةَ الْمُلْتَقَطِ مِنْ عُمُومِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ: احْفَظْ وِعَاءَهَا وَعَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا الْوِعَاءُ بِالْمَدِّ وَبِكَسْرِ الْوَاوِ وَقَدْ تُضَمُّ، وَقَرَأَ بِهَا الْحَسَنُ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ قَرَأَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إِعَاءِ بِقَلْبِ الْوَاوِ الْمَكْسُورَةِ هَمْزَةً. وَالْوِعَاءُ مَا يُجْعَلُ فِيهِ الشَّيْءُ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِلْدٍ أَوْ خَزَفٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَالْوِكَاءُ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَالْمَدِّ الْخَيْطُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الصُّرَّةُ وَغَيْرُهَا. وَزَادَ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْعِفَاصَ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ وَشَرْحُهُ وَحُكْمُ هَذِهِ الْعَلَامَاتِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: (فَلَقِيتُهُ بَعْدُ بِمَكَّةَ) الْقَائِلُ شُعْبَةُ، وَالَّذِي قَالَ: لَا أَدْرِي هُوَ شَيْخُهُ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، وَقَدْ بَيَّنَهُ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ بَهْزِ بْنِ أَسَدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، أَخْبَرَنِي سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ وَاخْتَصَرَ الْحَدِيثَ، قَالَ شُعْبَةُ: فَسَمِعْتُهُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ يَقُولُ: عَرِّفْهَا عَامًا وَاحِدًا. وَقَدْ بَيَّنَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ أَيْضًا فَقَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ، قَالَ شُعْبَةُ: فَلَقِيتُ سَلَمَةَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا أَدْرِي ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ أَوْ حَوْلًا وَاحِدًا، وَأَغْرَبَ ابْنُ بَطَّالٍ فَقَالَ: الَّذِي شَكَّ فِيهِ هُوَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَالْقَائِلُ هُوَ سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ انْتَهَى. وَلَمْ يُصِبْ فِي ذَلِكَ وَإِنْ تَبِعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْمُنْذِرِيُّ، بَلِ الشَّكُّ فِيهِ مِنْ أَحَدِ رُوَاتِهِ وَهُوَ سَلَمَةُ لَمَّا اسْتَثْبَتَهُ فِيهِ شُعْبَةُ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ شُعْبَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ بِغَيْرِ شَكٍّ جَمَاعَةٌ، وَفِيهِ هَذِهِ الزِّيَادَةُ، وَأَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، وَالثَّوْرِيِّ، وَزَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ كُلُّهُمْ عَنْ سَلَمَةَ وَقَالَ: قَالُوا فِي حَدِيثِهِمْ جَمِيعًا: ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ، إِلَّا حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ فَإِنَّ فِي حَدِيثِهِ عَامَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً. وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ حَدِيثِ أُبَيٍّ هَذَا وَحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْآتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى سَنَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَالَ: يُحْمَلُ حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَلَى مَزِيدِ الْوَرَعِ عَنِ التَّصَرُّفِ فِي اللُّقَطَةِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي التَّعَفُّفِ عَنْهَا، وَحَدِيثِ زَيْدٍ عَلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، أَوْ لِاحْتِيَاجِ الْأَعْرَابِيِّ وَاسْتِغْنَاءِ أُبَيٍّ.

قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى: إنَّ اللُّقَطَةَ تُعَرَّفُ ثَلَاثَةَ أَعْوَامٍ، إِلَّا شَيْءٌ جَاءَ عَنْ عُمَرَ انْتَهَى. وَقَدْ حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ شَوَاذَّ مِنَ الْفُقَهَاءِ. وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ عُمَرَ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ: يُعَرِّفُهَا ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ، عَامًا وَاحِدًا، ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى عِظَمِ اللُّقَطَةِ وَحَقَارَتِهَا. وَزَادَ ابْنُ حَزْمٍ، عَنْ عُمَرَ قَوْلًا خَامِسًا وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ. وَجَزَمَ ابْنُ حَزْمٍ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ بِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ غَلَطٌ. قَالَ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ سَلَمَةَ أَخْطَأَ فِيهَا ثُمَّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

((٤٥)) (بسم الله الرحمن الرحيم كِتَابٌ) بالتَّنوين (فِي اللُّقَْطَةِ) بضمِّ اللَّام وفتح القاف ويجوز إسكانها، والمشهور عند المحدِّثين: فتحها، قال الأزهريُّ: وهو الذي سُمِع من العرب، وأجمع عليه أهل اللُّغة والحديث، ويُقال: لُقاطة، بضمِّ اللَّام، ولَقَطٍ، بفتحها بلا هاءٍ، وهي في اللُّغة: الشَّيء الملقوط، وشرعًا: ما وُجِد من حقٍّ ضائعٍ مُحترَمٍ غير مُحرَزٍ، ولا ممتنعٍ بقوَّته ولا يعرف الواجدُ مستحقَّه، وفي الالتقاط معنى الأمانة والولاية من حيث إنَّ الملتقط أمينٌ فيما التقطه، والشَّرع ولَّاه حفظه، كالوليِّ في مال الطِّفل، وفيه معنى الاكتساب من حيث إنَّ له التَّملُّك بعد التَّعريف (وإِذَا أَخْبَرَ رَبُّ اللُّقَْطَةِ) أي: مالكها (بِالعَلَامَةِ) التي بها (دَفَعَ) الملتقط (إِلَيْهِ) اللُّقطة، وفي النُّسخة المقروءة على الميدوميِّ: «دُفِع إليه» بضمِّ الدَّال، ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» -بالتَّنوين- «إذا أخبره» بالضَّمير المنصوب، ولغير المُستملي والنَّسفيِّ: «بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، بابٌ في اللُّقطة، وإذا أخبر ربُّ اللُّقطة … » إلى آخره.

٢٤٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، قال المؤلِّف:

(وَحَدَّثَنِي) بالإفراد، والواو في الفرع مرقومًا (١) عليها علامة أبي ذرٍّ، وفي غير الفرع: «ح» للتَّحويل: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشددة بندار العبدي قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) هو محمَّد بن جعفر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَلَمَةَ) بن كُهَيلٍ، أنَّه قال: (سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ) بفتح المعجمة والفاء واللَّام، و «سُويدَ»: بضمِّ السِّين مُصغَّرًا، الجعفيَّ الكوفيَّ التَّابعيَّ المُخضرَم، قدم المدينة يوم دُفِن النَّبيُّ ، وكان مسلمًا في حياته، وتُوفِّي سنة ثمانين، وله مئةٌ وثلاثون سنةً (قَالَ: لَقِيتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقَالَ: أَخَذْتُ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «وجدتُ»، وللمُستملي: «أصبتُ» (صُرَّةً مِئَةَ دِينَارٍ) بنصب «مئةَ» بدلًا من «صُرَّة» قال العينيُّ: ويجوز الرَّفع على تقدير: فيها مئةُ دينارٍ (٢). انتهى. قلت: كذا في النُّسخة المقروءة على الميدوميِّ: «وجدت صرَّةً فيها مئة دينارٍ» (فَأَتَيْتُ) بها (النَّبِيَّ فَقَالَ) لي: (عَرِّفْهَا حَوْلًا) أمرٌ بالتَّعريف (٣)، كأن ينادي: من ضاع له شيءٌ فليطلبه عندي، ويكون في الأسواق، ومجامع النَّاس، وأبواب المساجد عند خروجهم من الجماعات ونحوها؛ لأنَّ ذلك أقرب إلى وجود صاحبها إلَّا في المساجد، كما لا تُطلَب اللُّقطة فيها، نعم يجوز تعريفها في المسجد الحرام اعتبارًا بالعُرْف، ولأنَّه مجمع النَّاس، وقضيَّة التَّعليل أنَّ مسجد المدينة والأقصى كذلك، وقضيَّة كلام النَّوويِّ في «الرَّوضة» تحريم التَّعريف في بقيَّة المساجد، قال في «المهمَّات»: وليس كذلك، فالمنقول الكراهة، وقد جزم به في «شرح المُهذَّب»، قال الأذرعيُّ وغيره: بل المنقول والصَّواب التَّحريم للأحاديث الظَّاهرة فيه، وبه صرَّح الماورديُّ وغيره، ولعلَّ النَّوويَّ لم يُرِدْ بإطلاق الكراهةِ كراهة

التَّنزيه، ويجب أن يكون محلُّ التَّحريم، أو الكراهة إذا وقع ذلك برفع الصَّوت؛ كما أشارت إليه الأحاديث، أمَّا لو سأل الجماعة في المسجد بدون ذلك فلا تحريم ولا كراهة، ويجب التَّعريف في محلِّ اللُّقطة، ولو التقط (١) في الصَّحراء، وهناك قافلةٌ تبعها (٢) وعرَّف فيها، وإلَّا ففي بلدٍ يقصدها (٣) قَرُبت أم بَعُدت، ويجب التَّعريف حولًا كاملًا (٤) إن أخذها للتَّملُّك بعد التَّعريف، وتكون أمانةً ولو بعد السَّنَةِ (٥) حتَّى يتملَّكها، والمعنى في كون التَّعريف سَنَةً: أنَّها لا تتأخَّر فيها القوافل، وتمضي فيها الأزمنة الأربعة، ولو التقط اثنان لقطةً عرَّف كلٌّ منهما سنةً، قال ابن الرِّفعة: وهو الأشبه؛ لأنَّه في النِّصف كملتقطٍ واحدٍ، وقال السُّبكيُّ: بل الأشبه أنَّ كلًّا منهما يعرِّفها (٦) نصف سنةٍ (٧)؛ لأنَّها لقطةٌ واحدةٌ، والتَّعريف من (٨) كلٍّ منهما لكلِّها لا لنصفها، وإنَّما تُقسَم (٩) بينهما عند التَّملُّك، ولا يُشترَط الفور للتَّعريف، بل المُعتَبر تعريف سنةٍ متى كان، ولا الموالاة، فلو فرَّق السَّنة، كأن عرَّف شهرين وترك شهرين كفاه ذلك؛ لأنَّه (١٠) عرَّف سنةً، ولا يجب الاستيعاب للسَّنة، بل يُعرِّف على العادة، فينادي في كلِّ يومٍ مرَّتين في (١١) طرفيه في الابتداء، ثمَّ في كلِّ يومٍ مرَّةً، ثمَّ في كلِّ أسبوعٍ مرَّتين أو مرَّةً، ثمَّ في كلِّ شهرٍ (١٢).

قال أُبيُّ بن كعبٍ: (فَعَرَّفْتُهَا) أي: الصُّرَّة (حَوْلَهَا) بالهاء والنَّصب على الظَّرفيَّة، وسقط لأبي ذرٍّ قوله «حولها»، وثبت في بعض الأصول قوله: «حولًا» بإسقاط الهاء بدل: «حولها» (فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا) بالتَّخفيف (ثُمَّ أَتَيْتُهُ) (فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا، فَعَرَّفْتُهَا فَلَمْ أَجِدْ) أي (١): من يعرفها (ثُمَّ أَتَيْتُهُ) (ثَلَاثًا) أي: مجموع (٢) إتيانه ثلاث مرَّاتٍ، لا أنَّه أتى بعد المرَّتين الأوليين ثلاثًا وإن كان ظاهر اللَّفظ يقتضيه؛ لأنَّ «ثمَّ» إذا تخلَّفت عن معنى التَّشريك في الحكم والتَّرتيب والمهلة، تكون زائدةً لا عاطفةً ألبتَّة (٣)، قاله الأخفش والكوفيُّون (فَقَالَ) ، ولأبي الوقت: «قال»: (احْفَظْ وِعَاءَهَا) الذي (٤) تكون فيه (٥) اللُّقطة من جلدٍ أو خرقةٍ أو غيرهما، وهي (٦) بكسر الواو وبالهمزة ممدودًا (وَعَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا) بكسر الواو الثَّانية وبالهمزة ممدودًا، الخيط الذي يُشَدُّ به رأس الصُّرَّة أو الكيس، أو نحوهما، والمعنى فيه: ليعرف صدق مُدَّعيها، ولئلَّا تختلط بماله، وليتنبَّه على حفظ الوعاء وغيره؛ لأنَّ العادة جاريةٌ بإلقائه إذا أُخِذت النَّفقة، وهل الأمر للوجوب أو النَّدب؟ قال ابن الرِّفعة بالأوَّل، وقال الأذرعيُّ وغيره: للنَّدب، وكذا يُندَب كتب الأوصاف المذكورة، قال الماورديُّ: وأنَّه التقطها من موضع كذا في وقت كذا (فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا) أي: فارددها إليه، فحذف جزاء الشَّرط للعلم به، وفي رواية أحمد والتِّرمذيِّ والنَّسائيِّ من طريق الثَّوريِّ، وأحمد وأبي داود من طريق حمَّادٍ، كلُّهم عن سلمة بن كُهَيلٍ في هذا الحديث: «فإن جاء أحدٌ يخبرك بعددها ووعائها ووكائها فأعطها إيَّاه»، أي: على الوصف من غير بيِّنةٍ، وبه قال المالكيَّة والحنابلة، وقال الحنفيَّة والشَّافعيَّة: يجوز للملتقط دفعها إليه على الوصف، ولا يُجبَر على الدَّفع؛ لأنَّه يدَّعي مالًا في يد غيره، فيحتاج إلى البيِّنة؛ لعموم قوله : «البيِّنة على المدَّعي»، فيُحمَل الأمر بالدَّفع في الحديث على

الإباحة؛ جمعًا بينالحديثين، فإن أقام شاهدين بها وجب الدَّفع، وإلَّا لم يجب، ولو أقام مع الوصف شاهدًا بها ولم يحلف معه لم يجب الدَّفع إليه، فإن قال له: يلزمك تسليمها إليَّ، فله -إذا لم يَعلَمْ صِدقَهُ- الحلفُ أنَّه لا يَلْزَمُه ذلك، ولو قال: تعلمُ أنَّها مِلكي، فله الحلف أنَّه لا يعلم؛ لأنَّ الوصف لا يفيد العلم كما صرَّح به في «الرَّوضة»، لكن يجوز له، بل يُستحَبُّ -كما نُقِل عن النَّصِّ- الدَّفعُ إليه إن ظنَّ صدقه في وصفٍ لها عملًا بظنِّه، ولا يجب لأنَّه مُدَّعٍ، فيحتاج إلى حجَّةٍ، فإن لم يظنَّ صدقه لم يجز ذلك، ويجب الدَّفع إليه إن علم صدقه، ويلزمه الضَّمان، لا إن ألزمه بتسليمها إليه بالوصف حاكمٌ يرى ذلك، كمالكيٍّ وحنبليٍّ، فلا تلزمه العهدة؛ لعدم تقصيره في التَّسليم، وإن سلَّمها إلى الواصف باختياره من غير إلزامِ حاكمٍ له (١)، ثمَّ تَلِفت عند الواصف وأثبت بها آخَرُ حجَّةً، وغَرِمَ الملتقطُ بَدَلَها؛ رَجَعَ الملتقطُ بما غَرِمه على الواصف إن سلَّم اللُّقطة (٢) له، ولم يُقِرَّ له الملتقطُ بالمِلْك؛ لحصول التَّلف عنده، ولأنَّ الملتقط سلَّمه بناءً على ظاهرٍ، وقد بان خِلافُه، فإن أقرَّ له بالملك لم يرجِعْ عليه مؤاخذةً له بإقراره.

(وَإِلَّا) بأن لم يجئ صاحبها (فَاسْتَمْتِعْ بِهَا) أي: بعد التَّملُّك (٣) باللَّفظ (٤) كتملَّكت، وتكفي إشارة الأخرس كسائر العقود، وكذا الكتابة مع النِّيَّة، قال أُبيٌّ: (فَاسْتَمْتَعْتُ) أي: بالصُّرَّة، قال شعبة: (فَلَقِيتُهُ) أي: لقيت سلمة بن كُهَيلٍ (بَعْدُ) بالبناء على الضَّمِّ، حال كونه (بِمَكَّةَ، فَقَالَ) أي (٥): سلمة (لَا أَدْرِي) قال سُويد بن غَفَلَة: (ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ، أَوْ) قال: (حَوْلًا وَاحِدًا) ولم يقل أحدٌ بأنَّ اللُّقطة تُعرَّف ثلاثةَ أحوالٍ، والشَّكُّ يوجب سقوط المشكوك فيه، وهو الثَّلاثة، فوجب العمل بالجزم، وهو رواية العام الواحد، لكن قد روى الحديث غير شعبة عن سلمة بن كُهَيلٍ وجماعةٍ بغير شكٍّ، وهذه الزِّيادة أخرجها مسلمٌ من طريق الأعمش والثَّوريِّ وزيد بن أبي أنيسة، كلُّهم عن سلمة، وقال: قالوا في حديثهم جميعًا: ثلاثة أحوالٍ إلَّا حمَّاد بن سلمة فإنَّ في

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عرف أَنه فِي مَال حَرْبِيّ كَافِر. ثمَّ لَو ضَاعَت اللّقطَة قبل الْحول فَهَل يضمن أَو لَا؟ فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد بن الْحسن: إِن كَانَ حِين أَخذهَا أشهد عَلَيْهِ ليردها لم يضمن، وإلَاّ ضمن، لحَدِيث عِيَاض بن حَمَّاد وَقد ذَكرْنَاهُ وَعَن أبي يُوسُف: لَا يشْتَرط الْإِشْهَاد كَمَا لَو أَخذهَا بِإِذن الْمَالِك، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَمَالك وَأحمد، وَإِن لم يشْهد عَلَيْهِ عِنْد الإلتقاط وَادّعى أَنه أَخذهَا ليردها. وَادّعى صَاحبهَا أَنه أَخذهَا لنَفسِهِ، فَالْقَوْل لصَاحِبهَا، وَيضمن الْمُلْتَقط قيمتهَا عِنْدهمَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُف: القَوْل قَول الْمُلْتَقط، فَلَا يضمن، وَإِذا لم يُمكنهُ الْإِشْهَاد بِأَن لم يجد أحدا وَقت الِالْتِقَاط، أَو خَافَ من الظلمَة عَلَيْهَا، فَلَا يضمن بالِاتِّفَاقِ.

وَاخْتلف فِي ضياعها بعد الْحول من غير تَفْرِيط، فالجمهور على عدم الضَّمَان، وَنقل ابْن التِّين عَن الشَّافِعِيَّة: أَنه إِذا نوى تَملكهَا ثمَّ ضَاعَت ضمنهَا، وَعند الْبَعْض: لَا ضَمَان، ثمَّ عِنْد الشَّافِعِيَّة: لَا يحْتَاج فِي إنفاقها على نَفسه إِلَى اخْتِيَار التَّمْلِيك، بل إِذا انْقَضتْ السّنة دخلت فِي ملكه، يدل عَلَيْهِ مَا فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: فَإِن لم يَأْتِ فَهِيَ لَك. قَالَ شَيخنَا: هَذَا وَجه لأَصْحَاب الشَّافِعِي، وَالصَّحِيح عِنْدهم: أَنه لَا بُد من اخْتِيَار التَّمَلُّك قبل الْإِنْفَاق، وَهُوَ الَّذِي صَححهُ النَّوَوِيّ، فَقَالَ: لَا بُد من اخْتِيَار التَّمْلِيك لفظا.

وَفِيه: وَجه آخر: أَنه لَا يملكهَا إلَاّ بِالتَّصَرُّفِ بِالْبيعِ وَنَحْوه، وَنقل ابْن التِّين عَن جَمِيع فُقَهَاء الْأَمْصَار أَنه: لَيْسَ لَهُ أَن يتملكها قبل السّنة، وَنقل عَن دَاوُد أَنه يأكلها ثمَّ يضمنهَا. وَفِيه: دلَالَة على إبِْطَال قَول من يَدعِي علم الْغَيْب بكهانة أَو سحر، لِأَنَّهُ لَو كَانَ يُعلم شَيْء من الْغَيْب بذلك لما ذكر رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لصَاحب اللّقطَة معرفَة الْأَوْصَاف الَّتِي ذكرهَا فِيهِ.

٢ - (بابُ ضالَّةِ الإبِلِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْتِقَاط ضَالَّة الْإِبِل، هَل يجوز التقاطها أم لَا؟ وَاكْتفى بِمَا فِي الحَدِيث عَن الْجَزْم بِالْجَوَابِ، وَالْمرَاد بالضالة هُنَا: الْإِبِل وَالْبَقر مِمَّا يحمي نَفسه وَيقدر على الإبعاد فِي طلب المرعى وَالْمَاء، وَقيل: هِيَ الضائعة فِي كل مَا يقتنى من الْحَيَوَان وَغَيره، يُقَال: ضل الشَّيْء إِذا ضَاعَ وضل عَن الطَّرِيق إِذا حَار، والضالة فِي الأَصْل فاعلة، ثمَّ اتَّسع فِيهَا فَصَارَت من الصِّفَات الْغَالِبَة، وَيَقَع على الذّكر وَالْأُنْثَى والاثنين وَالْجمع، وَيجمع على: ضوال.

٧٢٤٢ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَبَّاسٍ قَالَ حدَّثنا عبدُ الرَّحْمانِ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ رَبِيعَةَ قَالَ حدَّثني يَزِيدُ مَوْلاى الْمُنْبَعِث عنْ زَيْدِ بنِ خالِدٍ الْجُهَنِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ جَاءَ أعْرَابي النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فسَألَهُ عَمَّا يَلْتَقِطُهُ فَقَالَ عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ احْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا فإنْ جاءَ أحدٌ يُخْبِرُكَ بِها وإلَاّ فاسْتَنْفِقْها قَالَ يَا رسولَ الله فَضالَّةُ الغَنَم قالَ لَكَ أوْ لِأَخيكَ أوْ لِلذِّئْبِ قَالَ ضالَّةُ الْإبِلِ فَتَمَعَّرَ وجْهُ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ مالَكَ ولَهَا معَها حِذَاؤُها وسِقَاؤُهَا تَرِدُ الماءَ وتَأْكُلُ الشَّجَرَ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ضَالَّة الْإِبِل) وَقد مضى الحَدِيث فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب الْغَضَب فِي الموعظة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن أبي عَامر عَن سُلَيْمَان بن بِلَال الْمَدِينِيّ عَن ربيعَة بن عبد الرَّحْمَن إِلَى آخِره، وَهَهُنَا أخرجه: عَن عَمْرو بن عَبَّاس بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالسِّين الْمُهْملَة عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي بن حسان عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن الْمَعْرُوف بِالرَّأْيِ بِسُكُون الْهمزَة عَن يزِيد من الزِّيَادَة مولى المنبعث، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصًى.

قَوْله: (جَاءَ أَعْرَابِي) وَفِي رِوَايَة مَالك عَن ربيعَة: جَاءَ رجل، وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بن بِلَال الْمَدِينِيّ عَن ربيعَة: سَأَلَهُ رجل عَن اللّقطَة، وَقد مضى هَذَا فِي كتاب الْعلم، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: سُئِلَ عَن اللّقطَة، وَفِي رِوَايَة مُسلم: جَاءَ رجل يسْأَله عَن اللّقطَة، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ: أَن رجلا سَأَلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن اللّقطَة، وَفِي رِوَايَة لَهُ: أَتَى رجلٌ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَنا مَعَه، فَسَأَلَهُ عَن اللّقطَة. وَفِي رِوَايَة أُخْرَى مثل رِوَايَة التِّرْمِذِيّ، وَكَذَا فِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ، وَفِي رِوَايَة لَهُ: جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَسَأَلَهُ عَن اللّقطَة، وَفِي رِوَايَة حَدِيث هَذَا الْبَاب جَاءَ أَعْرَابِي، وَزعم ابْن بشكوال: أَن هَذَا

السَّائِل عَن اللّقطَة هُوَ بِلَال، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعَزاهُ لأبي دَاوُد، ورد عَلَيْهِ بَعضهم بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي نسخ أبي دَاوُد شَيْء من ذَلِك، وَفِيه بُعدٌ أَيْضا لِأَنَّهُ لَا يُوصف بِأَنَّهُ أَعْرَابِي. قلت: ابْن بشكوال لم يُصَرح بِأَن الْأَعرَابِي الَّذِي سَأَلَ هُوَ بِلَال، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَإِنَّمَا قَالَ: السَّائِل الْمَذْكُور فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بن بِلَال، وَهُوَ قَوْله: سَأَلَهُ رجل، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: سُئِلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ بِلَال وَلَفظ السَّائِل أَعم من الْأَعرَابِي وَغَيره، وبلال وَغَيره، وَابْن بشكوال أوضح السَّائِل بِأَنَّهُ بِلَال، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَإِنَّهُ كَلَام لَيْسَ فِيهِ غُبَار، وَلَيْسَ فِيهِ بعد، وَلَو صرح بقوله: الْأَعرَابِي هُوَ بِلَال، لَكَانَ ورد عَلَيْهِ مَا قَالَه، وَأما عزو ابْن بشكوال ذَلِك إِلَى أبي دَاوُد فَلَيْسَ بِصَحِيح، لِأَن أَبَا دَاوُد روى هَذَا الحَدِيث بطرق كَثِيرَة، وَلَيْسَ فِيهِ مَا عزاهُ ابْن بشكوال إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا لَفظه: أَن رجلا سَأَلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِي رِوَايَة: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سُئِلَ عَن اللّقطَة، وَلَيْسَ لِبلَال ذكر أصلا، فَافْهَم. ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: ثمَّ ظَفرت بِتَسْمِيَة السَّائِل وَذَلِكَ فِيمَا أخرجه الْحميدِي وَالْبَغوِيّ وَابْن السكن وَالْمَاوَرْدِيّ وَالطَّبَرَانِيّ، كلهم من طَرِيق مُحَمَّد بن معن الْغِفَارِيّ عَن ربيعَة عَن عقبَة بن سُوَيْد الْجُهَنِيّ عَن أَبِيه، قَالَ: سَأَلت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن اللّقطَة، فَقَالَ: عرفهَا سنة ثمَّ أوثق وعاءها ... الحَدِيث، قَالَ: وَهُوَ أولى مَا فسر بِهِ هَذَا الْمُبْهم لكَونه من رَهْط زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ. انْتهى. قلت: حَدِيث سُوَيْد بن عقبَة الَّذِي يرويهِ عَنهُ ابْنه عقبَة غير حَدِيث زيد بن خَالِد، فَكيف يُفَسر الْمُبْهم الَّذِي فِي حَدِيث زيد بن خَالِد بِحَدِيث سُوَيْد؟ وَلَا يلْزم من كَون سُوَيْد من رَهْط زيد أَن يكون حَدِيثهمَا وَاحِدًا بِحَسب الصُّورَة، وَإِن كَانَا فِي الْمَعْنى من بَاب وَاحِد، وَأَيْضًا هُوَ استبعد كَلَام ابْن بشكوال فِي إِطْلَاق الْأَعرَابِي على بِلَال، وَكَيف لَا يستبعد هُنَا إِطْلَاق الْأَعرَابِي على سُوَيْد بن عقبَة؟ وَلَا يلْزم من سُؤال سُوَيْد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن اللّقطَة أَن يكون هُوَ الْأَعرَابِي الَّذِي فِي حَدِيث زيد بن خَالِد. قَوْله: (فَسَأَلَهُ عَمَّا يلتقطه) أَي: عَن الشَّيْء الَّذِي يلتقطه، وَوَقع فِي أَكثر الرِّوَايَات أَنه سَأَلَ عَن اللّقطَة، وَوَقع فِي رِوَايَة لمُسلم: سُئِلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن اللّقطَة الذَّهَب أَو الْوَرق، وَهَذَا لَيْسَ بِقَيْد، وَإِنَّمَا هُوَ كالمثال، وَحكم غير الذَّهَب وَالْفِضَّة كحكمهما، وَوَقع فِي رِوَايَة لأبي دَاوُد: وَسُئِلَ عَن النَّفَقَة. قَوْله: (عرفهَا) ، بِالتَّشْدِيدِ أَمر من التَّعْرِيف. قَوْله: (ثمَّ احفظ عفاصها) ، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْفَاء وبالصاد هُوَ: الْوِعَاء الَّذِي يكون فِيهِ النَّفَقَة، سَوَاء كَانَ من جلد أَو خرقَة أَو حَرِير أَو غَيرهَا، واشتقاقه من: العفص، وَهُوَ الثني والعطف لِأَن الْوِعَاء يثنى عَليّ مَا فِيهِ، وَوَقع فِي (زَوَائِد الْمسند) لعبد الله بن أَحْمد من طَرِيق الْأَعْمَش عَن سَلمَة فِي حَدِيث أبي أَو خرقتها، بدل عفاصها، وَوَقع فِي حَدِيث أبي أَيْضا: احفظ وعاءها وعددها ووكاءها، وَفِي حَدِيث زيد بن خَالِد: إحفظ عفاصها ووكاءها، فأسقط ذكر الْعدَد وَزَاد ذكر العفاص، وَقد اخْتلف فِي العفاص، فَذهب أَبُو عبيد إِلَى أَنه مَا يرْبط فِيهِ النَّفَقَة، وَقَالَ الْخطابِيّ: أَصله: الْجلد الَّذِي يلبس رَأس القارورة. وَقَالَ الْجُمْهُور: وَهُوَ الْوِعَاء: قَالَ شَيخنَا: قَول الْخطابِيّ هُوَ الأولى، فَإِنَّهُ جمع فِي حَدِيث زيد بَين الْوِعَاء والعفاص، فَدلَّ على أَنه غَيره. قلت: الَّذِي ذكره شَيخنَا هُوَ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ ذكر العفاص والوكاء، وَالَّذِي يَقُول: العفاص هُوَ الْوِعَاء، هُوَ الأولى، وَلم يجمع فِي حَدِيث زيد إلَاّ العفاص والوكاء، لِأَن الأَصْل حفظ العفاص الَّذِي هُوَ الْوِعَاء. فَإِن قلت: فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: ثمَّ إعرف وعاءها ووكاءها وعفاصها، فعلى مَا ذكرت يكون ذكر الْوِعَاء أَو ذكر العفاص تَكْرَارا؟ قلت: قد ذكرت أَن العفاص فِيهِ اخْتِلَاف، فعلى قَول من فسر العفاص بِالْجلدِ الَّذِي يلبس رَأس القارورة لَا يكون تَكْرَارا. فَإِن قلت: ذكر الْعدَد فِي حَدِيث أبي، وَلم يذكرهُ فِي حَدِيث زيد؟ قلت: قد جَاءَ ذكر الْعدَد فِي حَدِيث زيد أَيْضا فِي رِوَايَة لمُسلم، أَو الظَّاهِر أَن تَركه هُنَا بسهو من الرَّاوِي، وَالله أعلم. قَوْله: (فَإِن جَاءَ أحد يُخْبِرك بهَا) ، جَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف، تَقْدِيره: فَإِن جَاءَ أحد يُخْبِرك باللقطة وأوصافها فأدها إِلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن يُوسُف عَن سُفْيَان، كَمَا سَيَأْتِي، فَإِن جَاءَ أحد يُخْبِرك بعفاصها ووكائها. قَوْله: (وإلَاّ فاستنفقها) ، أَي: وَإِن لم يَأْتِ أحد بعد التَّعْرِيف حولا فاستنفقها من الاستنفاق، وَهُوَ استفعال، وَبَاب الاستفعال للطلب، لَكِن الطّلب على قسمَيْنِ: صَرِيح وتقديري، وَهَهُنَا لَا يَتَأَتَّى الصَّرِيح فَيكون للطلب التقديري، كَمَا فِي قَوْلك: استخرجت الوتد من الْحَائِط: فَإِن قلت: فِي رِوَايَة مَالك كَمَا يَجِيء بعد بَاب: (اعرف عفاصها ووكاءها ثمَّ عرفهَا سنة) ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد، من طَرِيق عبد الله بن يزِيد مولى المنبعث بِلَفْظ: (عرفهَا حولا فَإِن جَاءَ صَاحبهَا فادفعها إِلَيْهِ، وإلَاّ أعرف وكاءها وعفاصها ثمَّ اقبضها فِي مَالك) . فرواية مَالك تَقْتَضِي سبق الْمعرفَة على التَّعْرِيف، وَرِوَايَة

أبي دَاوُد بِالْعَكْسِ. قلت: قَالَ النَّوَوِيّ: الْجمع بَينهمَا بِأَن يكون مَأْمُورا بالمعرفة فِي حالتين، فَيعرف العلامات أول مَا يلتقط حَتَّى يعلم صدق واصفها إِذا وصفهَا، ثمَّ بعد تَعْرِيفهَا سنة إِذا أَرَادَ أَن يتملكها فيعرفها مرّة أُخْرَى معرفَة وافية مُحَققَة ليعلم قدرهَا وصفتها لاحْتِمَال أَن يَجِيء صَاحبهَا فَيَقَع الِاخْتِلَاف فِي ذَلِك، فَإِذا عرفهَا الْمُلْتَقط وَقت التَّمَلُّك يكون القَوْل قَوْله، لِأَنَّهُ أَمِين. واللقطة وَدِيعَة عِنْده، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون: ثمَّ، فِي الرِّوَايَتَيْنِ بِمَعْنى: الْوَاو، فَلَا يَقْتَضِي ترتيباً، فَلَا يَقْتَضِي تخالفاً يحْتَاج الى الْجمع. قلت: خُرُوج: ثمَّ، عَن معنى التَّشْرِيك فِي الحكم والمهلة وَالتَّرْتِيب إِنَّمَا يمشي على قَول الْكُوفِيّين، فَتكون حِينَئِذٍ زَائِدَة، وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون فِي مَوضِع لَا يخل بِالْمَعْنَى، وَهَهُنَا لَا وَجه لما قَالَه، وَلَئِن سلمنَا أَنه يكون بِمَعْنى: الْوَاو، و: الْوَاو، أَيْضا تَقْتَضِي التَّرْتِيب على قَول الْبَعْض، فَلَا يتم الْجَواب بِمَا قَالَه. فَإِن قلت: هَذَا الْعرْفَان وَاجِب أم سنة؟ قلت: قيل: وَاجِب لظَاهِر الْأَمر، وَقيل: مُسْتَحبّ، وَقيل: يجب عِنْد الِالْتِقَاط، وَيسْتَحب بعده، قَوْله: (فضالَّة الْغنم؟) أَي: مَا حكم ضَالَّة الْغنم؟ قَوْله: (قَالَ: لَك، أَو لأخيك أَو الذِّئْب) ، كلمة: أَو، فِيهِ للتقسيم والتنويع، وَالْمعْنَى: إِن ضَالَّة الْغنم لَك إِن أَخَذتهَا وعرفتها، وَلم تَجِد صَاحبهَا. قَوْله: (أَو لأخيك) يَعْنِي: إِن أَخَذتهَا وعرفتها وَجَاء صَاحبهَا فَهِيَ لَهُ، وَأَرَادَ بِهِ الْأَخ فِي الدّين، وَهُوَ صَاحب الْغنم. قَوْله: (أَو للذئب) يَعْنِي: إِن تركتهَا وَلم يتَّفق آخذ غَيْرك فَهِيَ طعمة للذئب غَالِبا، لِأَنَّهَا لَا تَحْمِي نَفسهَا، وَذكر الذِّئْب مِثَال، وَلَيْسَ بِقَيْد، وَالْمرَاد جنس مَا يَأْكُل الشَّاة ويفترسها من السبَاع، وَوَقع فِي رِوَايَة اسماعيل بن جَعْفَر عَن ربيعَة، كَمَا سَيَأْتِي بعد أَبْوَاب، فَقَالَ: خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَك ... إِلَى آخِره، وَهُوَ صَرِيح بِالْأَمر بِالْأَخْذِ، وَفِيه رد على أَحْمد فِي إِحْدَى روايتيه أَنه يتْرك الْتِقَاط الشَّاة، وَبِه تمسك مَالك فِي أَنه يَأْخُذهَا ويملكها بِالْأَخْذِ، وَلَو جَاءَ صَاحبهَا لِأَنَّهُ صَار حكمه حكم الذِّئْب فَلَا غَرَامَة، ورد عَلَيْهِ بِأَن اللَاّم لَيست للتَّمْلِيك لِأَن الذِّئْب لَا يملك وَإِنَّمَا يأكلها الْمُلْتَقط بِالضَّمَانِ، وَقد أَجمعُوا على أَنه لَو جَاءَ صَاحبهَا قبل أَن يأكلها الْمُلْتَقط فَإِنَّهُ يَأْخُذهَا لِأَنَّهَا بَاقِيَة على ملكه. قَوْله: (قَالَ: ضَالَّة الْإِبِل؟) أَي: مَا حكم ضَالَّة الْإِبِل؟ قَوْله: (فتمعر وَجه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: تغير وَجهه من الْغَضَب ومادة تمعر: مِيم وَعين مُهْملَة وَرَاء، وَأَصله فِي الشّجر إِذا قل مَاؤُهُ فصَال قَلِيل النضرة عديم الْإِشْرَاق وَيُقَال للوادي المجدب: أمعر، وَقَالَ بَعضهم: وَلَو روى بالغين الْمُعْجَمَة لَكَانَ لَهُ وَجه، أَي: صَار بلون الْمغرَة، وَهِي حمرَة شَدِيدَة إِلَى كمودة، ويقويه قَوْله فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر: فَغَضب حَتَّى احْمَرَّتْ وجنتاه، أَو وَجهه. قلت: إِذا لم تثبت فِيهِ الرِّوَايَة فَلَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التعسف. قَوْله: (مَا لَك) ، يَعْنِي: لَيْسَ لَك هَذَا، وَيدل عَلَيْهِ رِوَايَة سُلَيْمَان بن بِلَال عَن ربيعَة الَّتِي سبقت فِي كتاب الْعلم، فذرها حَتَّى يلقاها رَبهَا. قَوْله: (مَعهَا حذاؤها) بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وبالذال الْمُعْجَمَة ممدوداً، أَي: خفها. قَوْله: (وسقاؤها) ، السقاء بِالْكَسْرِ فِي الأَصْل ظرف المَاء من الْجلد، وَالْمرَاد بِهِ هُنَا: جوفها، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا إِذا شربت يَوْمًا تصبر أَيَّامًا على الْعَطش، وَقيل: المُرَاد بِهِ عُنُقهَا لِأَنَّهَا تتَنَاوَل الْمَأْكُول بِغَيْر تَعب لطول عُنُقهَا، فَلَا تحْتَاج إِلَى ملتقط. وَمَا يتَعَلَّق بِهِ الحكم قد مضى فِي كتاب الْعلم، ولنذكر شَيْئا نزراً.

اخْتلف الْعلمَاء فِي ضَالَّة الْإِبِل: هَل تُؤْخَذ؟ على قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: لَا يَأْخُذهَا وَلَا يعرفهَا، قَالَه مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ لنَهْيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن ضَالَّة الْإِبِل. الثَّانِي: أَخذهَا وتعريفها أفضل، قَالَه الْكُوفِيُّونَ: لِأَن تَركهَا سَبَب لضياعها. وَفِيه قَول ثَالِث: إِن وجدهَا فِي الْقرى عرفهَا، وَفِي الصَّحرَاء لَا يعرفهَا. وَقَالَت الشَّافِعِيَّة: الْأَصَح أَنه إِن وجدهَا بمفازة فللقاضي التقاطها للْحِفْظ، وَكَذَا لغيره، وَيحرم التقاطها للتَّمَلُّك، وَإِن وجدهَا بقرية فَيجوز التَّمَلُّك. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَمِمَّنْ رأى ضَالَّة الْبَقر كضالة الْإِبِل طَاوُوس وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَبَعض أَصْحَاب مَالك، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي ضَالَّة الْبَقر: إِن وجدت فِي مَوضِع يخَاف عَلَيْهَا فَهِيَ فِي منزلَة الشَّاة، وإلَاّ فكالبعير، وَقيل: إِن كَانَت لَهَا قُرُون تمنع بهَا فكالبعير وإلَاّ فكالشاة، حَكَاهُ ابْن التِّين، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: عندنَا فِي الْبَقر وَالْغنم قَولَانِ، وَرَأى مَالك إلحاقها بالغنم، وَرَأى ابْن الْقَاسِم إلحاقها بِالْإِبِلِ إِذا كَانَت بِموضع لَا يخَاف عَلَيْهَا من السبَاع، وَكَانَ هَذَا تَفْصِيل أَحْوَال لَا اخْتِلَاف أَقْوَال، وَمثلهَا جَاءَ فِي الْإِبِل إِلْحَاقًا بهَا.

وَاخْتلف فِي الْتِقَاط الْخَيل وَالْبِغَال والحمر، فَظَاهر قَول ابْن الْقَاسِم: الْجَوَاز، وَمنعه أَشهب وَابْن كنَانَة، وَقَالَ ابْن حبيب: وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْعَبِيد كل مَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ وَيذْهب، هُوَ دَاخل فِي الضَّالة، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: الْخَيل وَالْإِبِل وَالْبَقر وَالْبِغَال وَالْحمير وَالشَّاة والظباء: لَا يجوز عندنَا التقاطها إلَاّ أَن يَأْخُذهَا الإِمَام للْحِفْظ، وَفِي (التَّوْضِيح) : إِذا عرف المَال وَشبهه وانقضى الْحول أَو قبله، وَجَاء صَاحبه أَخذه بِزِيَادَتِهِ الْمُتَّصِلَة، وَكَذَا الْمُنْفَصِلَة إِن حدثت قبل التَّمَلُّك، وَإِن حدثت بعده رَجَعَ فِيهَا دون الزِّيَادَة.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٤٥ - كِتَاب اللُّقَطَة

قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. كِتَابُ اللُّقَطَةِ) كَذَا لِلْمُسْتَمْلِيِّ، وَالنَّسَفِيِّ، وَاقْتَصَرَ الْبَاقُونَ عَلَى الْبَسْمَلَةِ وَمَا بَعْدَهَا. وَاللُّقَطَةُ الشَّيْءُ الَّذِي يُلْتَقَطُ، وَهُوَ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْمُحَدِّثِينَ، وَقَالَ عِيَاضٌ: لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْفَائِقِ: اللُّقَطَةُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْعَامَّةُ تُسَكِّنُهَا. كَذَا قَالَ، وَقَدْ جَزَمَ الْخَلِيلُ بِأَنَّهَا بِالسُّكُونِ قَالَ: وَأَمَّا بِالْفَتْحِ فَهُوَ اللَّاقِطُ: وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ هُوَ الْقِيَاسُ، وَلَكِنَّ الَّذِي سُمِعَ مِنَ الْعَرَبِ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالْحَدِيثِ الْفَتْحُ. وَقَالَ ابْنُ بِرِّيٍّ: التَّحْرِيكُ لِلْمَفْعُولِ نَادِرٌ، فَاقْتَضَى أَنَّ الَّذِي قَالَهُ الْخَلِيلُ هُوَ الْقِيَاسُ. وَفِيهَا لُغَتَانِ أَيْضًا: لُقَاطَةٌ بِضَمِّ اللَّامِ، وَلَقْطَةٌ بِفَتْحِهَا. وَقَدْ نَظَمَ الْأَرْبَعَةَ ابْنُ مَالِكٍ حَيْثُ قَالَ:

لُقَاطَةٌ وَلَقْطَةٌ وَلُقَطَهْ … وَلُقْطَةٌ مَا لَاقِطٌ قَدْ لَقَطَهْ

وَوَجَّهَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَتْحَ الْقَافِ فِي الْمَأْخُوذِ أَنَّهُ لِلْمُبَالَغَةِ. وَذَلِكَ لِمَعْنًى فِيهَا اخْتَصَّتْ بِهِ، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَرَاهَا يَمِيلُ لِأَخْذِهَا فَسُمِّيَتْ بِاسْمِ الْفَاعِلِ لِذَلِكَ.

١ - بَاب إِذَا أَخْبَرَهُ رَبُّ اللُّقَطَةِ بِالْعَلَامَةِ دَفَعَ إِلَيْهِ

٢٤٢٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ قَالَ: لَقِيتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقَالَ: أصبت صُرَّةً فيها مِائَةَ دِينَارٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا، فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا، فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا، فَعَرَّفْتُهَا فَلَمْ أَجِدْ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ ثَلَاثًا فَقَالَ: احْفَظْ وِعَاءَهَا وَعَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا، فَاسْتَمْتَعْتُ، فَلَقِيتُهُ بَعْدُ بِمَكَّةَ فَقَالَ: لَا أَدْرِي ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ أَوْ حَوْلًا وَاحِدًا.

[الحديث ٢٤٢٦ - طرفه في: ٢٤٣٧]

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا أَخْبَرَهُ رَبُّ اللُّقَطَةِ بِالْعَلَامَةِ دَفَعَ إِلَيْهِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَصَبْتُ صُرَّةً فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ كَذَا لِلْمُسْتَمْلِيِّ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَجَدْتُ وَلِلْبَاقِينَ أَخَذْتُ. وَلَمْ يَقَعْ فِي سِيَاقِهِ مَا تَرْجَمَ بِهِ صَرِيحًا، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) هَكَذَا سَاقَهُ عَالِيًا وَنَازِلًا، وَالسِّيَاقُ لِلْإِسْنَادِ النَّازِلِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ آدَمَ مُطَوَّلًا.

قَوْلُهُ: (فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا) فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَزَيْدِ بْنِ أُنَيْسَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ كُلُّهُمْ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعَدَدِهَا وَوِعَائِهَا وَوِكَائِهَا فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ. لَفْظُ مُسْلِمٍ. وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي دَاوُدَ: إِنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ زَادَهَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَهِيَ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ فَتَمَسَّكَ بِهَا مَنْ حَاوَلَ تَضْعِيفَهَا فَلَمْ يُصِبْ، بَلْ هِيَ صَحِيحَةٌ، وَقَدْ عَرَفْتَ مَنْ وَافَقَ

حَمَّادًا عَلَيْهَا وَلَيْسَتْ شَاذَّةً، وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِهَا مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: إِنْ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ صِدْقُهُ جَازَ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، لِأَنَّهُ قَدْ يُصِيبُ الصِّفَةَ.

وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنْ صَحَّتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ لَمْ يَجُزْ مُخَالَفَتُهَا، وَهِيَ فَائِدَةٌ قَوْلُهُ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا إِلَخْ وَإِلَّا فَالِاحْتِيَاطُ مَعَ مَنْ لَمْ يَرَ الرَّدَّ إِلَّا بِالْبَيِّنَةِ، قَالَ: وَيُتَأَوَّلُ قَوْلُهُ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا عَلَى أَنَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ لِئَلَّا تَخْتَلِطَ بِمَالِهِ، أَوْ لِتَكُونَ الدَّعْوَى فِيهَا مَعْلُومَةً. وَذَكَرَ غَيْرُهُ مِنْ فَوَائِدِ ذَلِكَ أَيْضًا أَنْ يَعْرِفَ صِدْقَ الْمُدَّعِي مِنْ كَذِبِهِ، وَأَنَّ فِيهِ تَنْبِيهًا عَلَى حِفْظِ الْوِعَاءِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِإِلْقَائِهِ إِذَا أُخِذَتِ النَّفَقَةُ، وَأَنَّهُ إِذَا نَبَّهَ عَلَى حِفْظِ الْوِعَاءِ كَانَ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى حِفْظِ الْمَالِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى. قُلْتُ: قَدْ صَحَّتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إِلَيْهَا، وَسَيَأْتِي أَيْضًا فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ فِي آخِرِ أَبْوَابِ اللُّقَطَةِ، وَمَا اعْتَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ إِذَا وَصَفَهَا فَأَصَابَ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ فَجَاءَ شَخْصٌ آخَرُ فَوَصَفَهَا فَأَصَابَ لَا يَقْتَضِي الطَّعْنَ فِي الزِّيَادَةِ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ الْحُكْمُ حِينَئِذٍ كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إِلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ فَجَاءَ آخَرُ فَأَقَامَ بَيِّنَةً أُخْرَى أَنَّهَا لَهُ، وَفِي ذَلِكَ تَفَاصِيلُ لِلْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ.

وَقَالَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ: يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ وُجُوبُ الدَّفْعِ لِمَنْ أَصَابَ الْوَصْفَ عَلَى مَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ التَّمَلُّكِ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مَالٌ ضَائِعٌ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ ثَانٍ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ التَّمَلُّكِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَحْتَاجُ الْمُدَّعِي إِلَى الْبَيِّنَةِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ : الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ثُمَّ قَالَ: أَمَّا إِذَا صَحَّتِ الزِّيَادَةُ فَتَخُصُّ صُورَةَ الْمُلْتَقَطِ مِنْ عُمُومِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ: احْفَظْ وِعَاءَهَا وَعَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا الْوِعَاءُ بِالْمَدِّ وَبِكَسْرِ الْوَاوِ وَقَدْ تُضَمُّ، وَقَرَأَ بِهَا الْحَسَنُ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ قَرَأَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إِعَاءِ بِقَلْبِ الْوَاوِ الْمَكْسُورَةِ هَمْزَةً. وَالْوِعَاءُ مَا يُجْعَلُ فِيهِ الشَّيْءُ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِلْدٍ أَوْ خَزَفٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَالْوِكَاءُ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَالْمَدِّ الْخَيْطُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الصُّرَّةُ وَغَيْرُهَا. وَزَادَ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْعِفَاصَ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ وَشَرْحُهُ وَحُكْمُ هَذِهِ الْعَلَامَاتِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: (فَلَقِيتُهُ بَعْدُ بِمَكَّةَ) الْقَائِلُ شُعْبَةُ، وَالَّذِي قَالَ: لَا أَدْرِي هُوَ شَيْخُهُ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، وَقَدْ بَيَّنَهُ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ بَهْزِ بْنِ أَسَدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، أَخْبَرَنِي سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ وَاخْتَصَرَ الْحَدِيثَ، قَالَ شُعْبَةُ: فَسَمِعْتُهُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ يَقُولُ: عَرِّفْهَا عَامًا وَاحِدًا. وَقَدْ بَيَّنَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ أَيْضًا فَقَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ، قَالَ شُعْبَةُ: فَلَقِيتُ سَلَمَةَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا أَدْرِي ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ أَوْ حَوْلًا وَاحِدًا، وَأَغْرَبَ ابْنُ بَطَّالٍ فَقَالَ: الَّذِي شَكَّ فِيهِ هُوَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَالْقَائِلُ هُوَ سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ انْتَهَى. وَلَمْ يُصِبْ فِي ذَلِكَ وَإِنْ تَبِعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْمُنْذِرِيُّ، بَلِ الشَّكُّ فِيهِ مِنْ أَحَدِ رُوَاتِهِ وَهُوَ سَلَمَةُ لَمَّا اسْتَثْبَتَهُ فِيهِ شُعْبَةُ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ شُعْبَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ بِغَيْرِ شَكٍّ جَمَاعَةٌ، وَفِيهِ هَذِهِ الزِّيَادَةُ، وَأَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، وَالثَّوْرِيِّ، وَزَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ كُلُّهُمْ عَنْ سَلَمَةَ وَقَالَ: قَالُوا فِي حَدِيثِهِمْ جَمِيعًا: ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ، إِلَّا حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ فَإِنَّ فِي حَدِيثِهِ عَامَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً. وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ حَدِيثِ أُبَيٍّ هَذَا وَحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْآتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى سَنَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَالَ: يُحْمَلُ حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَلَى مَزِيدِ الْوَرَعِ عَنِ التَّصَرُّفِ فِي اللُّقَطَةِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي التَّعَفُّفِ عَنْهَا، وَحَدِيثِ زَيْدٍ عَلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، أَوْ لِاحْتِيَاجِ الْأَعْرَابِيِّ وَاسْتِغْنَاءِ أُبَيٍّ.

قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى: إنَّ اللُّقَطَةَ تُعَرَّفُ ثَلَاثَةَ أَعْوَامٍ، إِلَّا شَيْءٌ جَاءَ عَنْ عُمَرَ انْتَهَى. وَقَدْ حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ شَوَاذَّ مِنَ الْفُقَهَاءِ. وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ عُمَرَ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ: يُعَرِّفُهَا ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ، عَامًا وَاحِدًا، ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى عِظَمِ اللُّقَطَةِ وَحَقَارَتِهَا. وَزَادَ ابْنُ حَزْمٍ، عَنْ عُمَرَ قَوْلًا خَامِسًا وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ. وَجَزَمَ ابْنُ حَزْمٍ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ بِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ غَلَطٌ. قَالَ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ سَلَمَةَ أَخْطَأَ فِيهَا ثُمَّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

((٤٥)) (بسم الله الرحمن الرحيم كِتَابٌ) بالتَّنوين (فِي اللُّقَْطَةِ) بضمِّ اللَّام وفتح القاف ويجوز إسكانها، والمشهور عند المحدِّثين: فتحها، قال الأزهريُّ: وهو الذي سُمِع من العرب، وأجمع عليه أهل اللُّغة والحديث، ويُقال: لُقاطة، بضمِّ اللَّام، ولَقَطٍ، بفتحها بلا هاءٍ، وهي في اللُّغة: الشَّيء الملقوط، وشرعًا: ما وُجِد من حقٍّ ضائعٍ مُحترَمٍ غير مُحرَزٍ، ولا ممتنعٍ بقوَّته ولا يعرف الواجدُ مستحقَّه، وفي الالتقاط معنى الأمانة والولاية من حيث إنَّ الملتقط أمينٌ فيما التقطه، والشَّرع ولَّاه حفظه، كالوليِّ في مال الطِّفل، وفيه معنى الاكتساب من حيث إنَّ له التَّملُّك بعد التَّعريف (وإِذَا أَخْبَرَ رَبُّ اللُّقَْطَةِ) أي: مالكها (بِالعَلَامَةِ) التي بها (دَفَعَ) الملتقط (إِلَيْهِ) اللُّقطة، وفي النُّسخة المقروءة على الميدوميِّ: «دُفِع إليه» بضمِّ الدَّال، ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» -بالتَّنوين- «إذا أخبره» بالضَّمير المنصوب، ولغير المُستملي والنَّسفيِّ: «بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، بابٌ في اللُّقطة، وإذا أخبر ربُّ اللُّقطة … » إلى آخره.

٢٤٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، قال المؤلِّف:

(وَحَدَّثَنِي) بالإفراد، والواو في الفرع مرقومًا (١) عليها علامة أبي ذرٍّ، وفي غير الفرع: «ح» للتَّحويل: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشددة بندار العبدي قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) هو محمَّد بن جعفر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَلَمَةَ) بن كُهَيلٍ، أنَّه قال: (سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ) بفتح المعجمة والفاء واللَّام، و «سُويدَ»: بضمِّ السِّين مُصغَّرًا، الجعفيَّ الكوفيَّ التَّابعيَّ المُخضرَم، قدم المدينة يوم دُفِن النَّبيُّ ، وكان مسلمًا في حياته، وتُوفِّي سنة ثمانين، وله مئةٌ وثلاثون سنةً (قَالَ: لَقِيتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقَالَ: أَخَذْتُ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «وجدتُ»، وللمُستملي: «أصبتُ» (صُرَّةً مِئَةَ دِينَارٍ) بنصب «مئةَ» بدلًا من «صُرَّة» قال العينيُّ: ويجوز الرَّفع على تقدير: فيها مئةُ دينارٍ (٢). انتهى. قلت: كذا في النُّسخة المقروءة على الميدوميِّ: «وجدت صرَّةً فيها مئة دينارٍ» (فَأَتَيْتُ) بها (النَّبِيَّ فَقَالَ) لي: (عَرِّفْهَا حَوْلًا) أمرٌ بالتَّعريف (٣)، كأن ينادي: من ضاع له شيءٌ فليطلبه عندي، ويكون في الأسواق، ومجامع النَّاس، وأبواب المساجد عند خروجهم من الجماعات ونحوها؛ لأنَّ ذلك أقرب إلى وجود صاحبها إلَّا في المساجد، كما لا تُطلَب اللُّقطة فيها، نعم يجوز تعريفها في المسجد الحرام اعتبارًا بالعُرْف، ولأنَّه مجمع النَّاس، وقضيَّة التَّعليل أنَّ مسجد المدينة والأقصى كذلك، وقضيَّة كلام النَّوويِّ في «الرَّوضة» تحريم التَّعريف في بقيَّة المساجد، قال في «المهمَّات»: وليس كذلك، فالمنقول الكراهة، وقد جزم به في «شرح المُهذَّب»، قال الأذرعيُّ وغيره: بل المنقول والصَّواب التَّحريم للأحاديث الظَّاهرة فيه، وبه صرَّح الماورديُّ وغيره، ولعلَّ النَّوويَّ لم يُرِدْ بإطلاق الكراهةِ كراهة

التَّنزيه، ويجب أن يكون محلُّ التَّحريم، أو الكراهة إذا وقع ذلك برفع الصَّوت؛ كما أشارت إليه الأحاديث، أمَّا لو سأل الجماعة في المسجد بدون ذلك فلا تحريم ولا كراهة، ويجب التَّعريف في محلِّ اللُّقطة، ولو التقط (١) في الصَّحراء، وهناك قافلةٌ تبعها (٢) وعرَّف فيها، وإلَّا ففي بلدٍ يقصدها (٣) قَرُبت أم بَعُدت، ويجب التَّعريف حولًا كاملًا (٤) إن أخذها للتَّملُّك بعد التَّعريف، وتكون أمانةً ولو بعد السَّنَةِ (٥) حتَّى يتملَّكها، والمعنى في كون التَّعريف سَنَةً: أنَّها لا تتأخَّر فيها القوافل، وتمضي فيها الأزمنة الأربعة، ولو التقط اثنان لقطةً عرَّف كلٌّ منهما سنةً، قال ابن الرِّفعة: وهو الأشبه؛ لأنَّه في النِّصف كملتقطٍ واحدٍ، وقال السُّبكيُّ: بل الأشبه أنَّ كلًّا منهما يعرِّفها (٦) نصف سنةٍ (٧)؛ لأنَّها لقطةٌ واحدةٌ، والتَّعريف من (٨) كلٍّ منهما لكلِّها لا لنصفها، وإنَّما تُقسَم (٩) بينهما عند التَّملُّك، ولا يُشترَط الفور للتَّعريف، بل المُعتَبر تعريف سنةٍ متى كان، ولا الموالاة، فلو فرَّق السَّنة، كأن عرَّف شهرين وترك شهرين كفاه ذلك؛ لأنَّه (١٠) عرَّف سنةً، ولا يجب الاستيعاب للسَّنة، بل يُعرِّف على العادة، فينادي في كلِّ يومٍ مرَّتين في (١١) طرفيه في الابتداء، ثمَّ في كلِّ يومٍ مرَّةً، ثمَّ في كلِّ أسبوعٍ مرَّتين أو مرَّةً، ثمَّ في كلِّ شهرٍ (١٢).

قال أُبيُّ بن كعبٍ: (فَعَرَّفْتُهَا) أي: الصُّرَّة (حَوْلَهَا) بالهاء والنَّصب على الظَّرفيَّة، وسقط لأبي ذرٍّ قوله «حولها»، وثبت في بعض الأصول قوله: «حولًا» بإسقاط الهاء بدل: «حولها» (فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا) بالتَّخفيف (ثُمَّ أَتَيْتُهُ) (فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا، فَعَرَّفْتُهَا فَلَمْ أَجِدْ) أي (١): من يعرفها (ثُمَّ أَتَيْتُهُ) (ثَلَاثًا) أي: مجموع (٢) إتيانه ثلاث مرَّاتٍ، لا أنَّه أتى بعد المرَّتين الأوليين ثلاثًا وإن كان ظاهر اللَّفظ يقتضيه؛ لأنَّ «ثمَّ» إذا تخلَّفت عن معنى التَّشريك في الحكم والتَّرتيب والمهلة، تكون زائدةً لا عاطفةً ألبتَّة (٣)، قاله الأخفش والكوفيُّون (فَقَالَ) ، ولأبي الوقت: «قال»: (احْفَظْ وِعَاءَهَا) الذي (٤) تكون فيه (٥) اللُّقطة من جلدٍ أو خرقةٍ أو غيرهما، وهي (٦) بكسر الواو وبالهمزة ممدودًا (وَعَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا) بكسر الواو الثَّانية وبالهمزة ممدودًا، الخيط الذي يُشَدُّ به رأس الصُّرَّة أو الكيس، أو نحوهما، والمعنى فيه: ليعرف صدق مُدَّعيها، ولئلَّا تختلط بماله، وليتنبَّه على حفظ الوعاء وغيره؛ لأنَّ العادة جاريةٌ بإلقائه إذا أُخِذت النَّفقة، وهل الأمر للوجوب أو النَّدب؟ قال ابن الرِّفعة بالأوَّل، وقال الأذرعيُّ وغيره: للنَّدب، وكذا يُندَب كتب الأوصاف المذكورة، قال الماورديُّ: وأنَّه التقطها من موضع كذا في وقت كذا (فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا) أي: فارددها إليه، فحذف جزاء الشَّرط للعلم به، وفي رواية أحمد والتِّرمذيِّ والنَّسائيِّ من طريق الثَّوريِّ، وأحمد وأبي داود من طريق حمَّادٍ، كلُّهم عن سلمة بن كُهَيلٍ في هذا الحديث: «فإن جاء أحدٌ يخبرك بعددها ووعائها ووكائها فأعطها إيَّاه»، أي: على الوصف من غير بيِّنةٍ، وبه قال المالكيَّة والحنابلة، وقال الحنفيَّة والشَّافعيَّة: يجوز للملتقط دفعها إليه على الوصف، ولا يُجبَر على الدَّفع؛ لأنَّه يدَّعي مالًا في يد غيره، فيحتاج إلى البيِّنة؛ لعموم قوله : «البيِّنة على المدَّعي»، فيُحمَل الأمر بالدَّفع في الحديث على

الإباحة؛ جمعًا بينالحديثين، فإن أقام شاهدين بها وجب الدَّفع، وإلَّا لم يجب، ولو أقام مع الوصف شاهدًا بها ولم يحلف معه لم يجب الدَّفع إليه، فإن قال له: يلزمك تسليمها إليَّ، فله -إذا لم يَعلَمْ صِدقَهُ- الحلفُ أنَّه لا يَلْزَمُه ذلك، ولو قال: تعلمُ أنَّها مِلكي، فله الحلف أنَّه لا يعلم؛ لأنَّ الوصف لا يفيد العلم كما صرَّح به في «الرَّوضة»، لكن يجوز له، بل يُستحَبُّ -كما نُقِل عن النَّصِّ- الدَّفعُ إليه إن ظنَّ صدقه في وصفٍ لها عملًا بظنِّه، ولا يجب لأنَّه مُدَّعٍ، فيحتاج إلى حجَّةٍ، فإن لم يظنَّ صدقه لم يجز ذلك، ويجب الدَّفع إليه إن علم صدقه، ويلزمه الضَّمان، لا إن ألزمه بتسليمها إليه بالوصف حاكمٌ يرى ذلك، كمالكيٍّ وحنبليٍّ، فلا تلزمه العهدة؛ لعدم تقصيره في التَّسليم، وإن سلَّمها إلى الواصف باختياره من غير إلزامِ حاكمٍ له (١)، ثمَّ تَلِفت عند الواصف وأثبت بها آخَرُ حجَّةً، وغَرِمَ الملتقطُ بَدَلَها؛ رَجَعَ الملتقطُ بما غَرِمه على الواصف إن سلَّم اللُّقطة (٢) له، ولم يُقِرَّ له الملتقطُ بالمِلْك؛ لحصول التَّلف عنده، ولأنَّ الملتقط سلَّمه بناءً على ظاهرٍ، وقد بان خِلافُه، فإن أقرَّ له بالملك لم يرجِعْ عليه مؤاخذةً له بإقراره.

(وَإِلَّا) بأن لم يجئ صاحبها (فَاسْتَمْتِعْ بِهَا) أي: بعد التَّملُّك (٣) باللَّفظ (٤) كتملَّكت، وتكفي إشارة الأخرس كسائر العقود، وكذا الكتابة مع النِّيَّة، قال أُبيٌّ: (فَاسْتَمْتَعْتُ) أي: بالصُّرَّة، قال شعبة: (فَلَقِيتُهُ) أي: لقيت سلمة بن كُهَيلٍ (بَعْدُ) بالبناء على الضَّمِّ، حال كونه (بِمَكَّةَ، فَقَالَ) أي (٥): سلمة (لَا أَدْرِي) قال سُويد بن غَفَلَة: (ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ، أَوْ) قال: (حَوْلًا وَاحِدًا) ولم يقل أحدٌ بأنَّ اللُّقطة تُعرَّف ثلاثةَ أحوالٍ، والشَّكُّ يوجب سقوط المشكوك فيه، وهو الثَّلاثة، فوجب العمل بالجزم، وهو رواية العام الواحد، لكن قد روى الحديث غير شعبة عن سلمة بن كُهَيلٍ وجماعةٍ بغير شكٍّ، وهذه الزِّيادة أخرجها مسلمٌ من طريق الأعمش والثَّوريِّ وزيد بن أبي أنيسة، كلُّهم عن سلمة، وقال: قالوا في حديثهم جميعًا: ثلاثة أحوالٍ إلَّا حمَّاد بن سلمة فإنَّ في

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عرف أَنه فِي مَال حَرْبِيّ كَافِر. ثمَّ لَو ضَاعَت اللّقطَة قبل الْحول فَهَل يضمن أَو لَا؟ فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد بن الْحسن: إِن كَانَ حِين أَخذهَا أشهد عَلَيْهِ ليردها لم يضمن، وإلَاّ ضمن، لحَدِيث عِيَاض بن حَمَّاد وَقد ذَكرْنَاهُ وَعَن أبي يُوسُف: لَا يشْتَرط الْإِشْهَاد كَمَا لَو أَخذهَا بِإِذن الْمَالِك، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَمَالك وَأحمد، وَإِن لم يشْهد عَلَيْهِ عِنْد الإلتقاط وَادّعى أَنه أَخذهَا ليردها. وَادّعى صَاحبهَا أَنه أَخذهَا لنَفسِهِ، فَالْقَوْل لصَاحِبهَا، وَيضمن الْمُلْتَقط قيمتهَا عِنْدهمَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُف: القَوْل قَول الْمُلْتَقط، فَلَا يضمن، وَإِذا لم يُمكنهُ الْإِشْهَاد بِأَن لم يجد أحدا وَقت الِالْتِقَاط، أَو خَافَ من الظلمَة عَلَيْهَا، فَلَا يضمن بالِاتِّفَاقِ.

وَاخْتلف فِي ضياعها بعد الْحول من غير تَفْرِيط، فالجمهور على عدم الضَّمَان، وَنقل ابْن التِّين عَن الشَّافِعِيَّة: أَنه إِذا نوى تَملكهَا ثمَّ ضَاعَت ضمنهَا، وَعند الْبَعْض: لَا ضَمَان، ثمَّ عِنْد الشَّافِعِيَّة: لَا يحْتَاج فِي إنفاقها على نَفسه إِلَى اخْتِيَار التَّمْلِيك، بل إِذا انْقَضتْ السّنة دخلت فِي ملكه، يدل عَلَيْهِ مَا فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: فَإِن لم يَأْتِ فَهِيَ لَك. قَالَ شَيخنَا: هَذَا وَجه لأَصْحَاب الشَّافِعِي، وَالصَّحِيح عِنْدهم: أَنه لَا بُد من اخْتِيَار التَّمَلُّك قبل الْإِنْفَاق، وَهُوَ الَّذِي صَححهُ النَّوَوِيّ، فَقَالَ: لَا بُد من اخْتِيَار التَّمْلِيك لفظا.

وَفِيه: وَجه آخر: أَنه لَا يملكهَا إلَاّ بِالتَّصَرُّفِ بِالْبيعِ وَنَحْوه، وَنقل ابْن التِّين عَن جَمِيع فُقَهَاء الْأَمْصَار أَنه: لَيْسَ لَهُ أَن يتملكها قبل السّنة، وَنقل عَن دَاوُد أَنه يأكلها ثمَّ يضمنهَا. وَفِيه: دلَالَة على إبِْطَال قَول من يَدعِي علم الْغَيْب بكهانة أَو سحر، لِأَنَّهُ لَو كَانَ يُعلم شَيْء من الْغَيْب بذلك لما ذكر رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لصَاحب اللّقطَة معرفَة الْأَوْصَاف الَّتِي ذكرهَا فِيهِ.

٢ - (بابُ ضالَّةِ الإبِلِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْتِقَاط ضَالَّة الْإِبِل، هَل يجوز التقاطها أم لَا؟ وَاكْتفى بِمَا فِي الحَدِيث عَن الْجَزْم بِالْجَوَابِ، وَالْمرَاد بالضالة هُنَا: الْإِبِل وَالْبَقر مِمَّا يحمي نَفسه وَيقدر على الإبعاد فِي طلب المرعى وَالْمَاء، وَقيل: هِيَ الضائعة فِي كل مَا يقتنى من الْحَيَوَان وَغَيره، يُقَال: ضل الشَّيْء إِذا ضَاعَ وضل عَن الطَّرِيق إِذا حَار، والضالة فِي الأَصْل فاعلة، ثمَّ اتَّسع فِيهَا فَصَارَت من الصِّفَات الْغَالِبَة، وَيَقَع على الذّكر وَالْأُنْثَى والاثنين وَالْجمع، وَيجمع على: ضوال.

٧٢٤٢ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَبَّاسٍ قَالَ حدَّثنا عبدُ الرَّحْمانِ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ رَبِيعَةَ قَالَ حدَّثني يَزِيدُ مَوْلاى الْمُنْبَعِث عنْ زَيْدِ بنِ خالِدٍ الْجُهَنِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ جَاءَ أعْرَابي النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فسَألَهُ عَمَّا يَلْتَقِطُهُ فَقَالَ عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ احْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا فإنْ جاءَ أحدٌ يُخْبِرُكَ بِها وإلَاّ فاسْتَنْفِقْها قَالَ يَا رسولَ الله فَضالَّةُ الغَنَم قالَ لَكَ أوْ لِأَخيكَ أوْ لِلذِّئْبِ قَالَ ضالَّةُ الْإبِلِ فَتَمَعَّرَ وجْهُ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ مالَكَ ولَهَا معَها حِذَاؤُها وسِقَاؤُهَا تَرِدُ الماءَ وتَأْكُلُ الشَّجَرَ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ضَالَّة الْإِبِل) وَقد مضى الحَدِيث فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب الْغَضَب فِي الموعظة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن أبي عَامر عَن سُلَيْمَان بن بِلَال الْمَدِينِيّ عَن ربيعَة بن عبد الرَّحْمَن إِلَى آخِره، وَهَهُنَا أخرجه: عَن عَمْرو بن عَبَّاس بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالسِّين الْمُهْملَة عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي بن حسان عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن الْمَعْرُوف بِالرَّأْيِ بِسُكُون الْهمزَة عَن يزِيد من الزِّيَادَة مولى المنبعث، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصًى.

قَوْله: (جَاءَ أَعْرَابِي) وَفِي رِوَايَة مَالك عَن ربيعَة: جَاءَ رجل، وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بن بِلَال الْمَدِينِيّ عَن ربيعَة: سَأَلَهُ رجل عَن اللّقطَة، وَقد مضى هَذَا فِي كتاب الْعلم، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: سُئِلَ عَن اللّقطَة، وَفِي رِوَايَة مُسلم: جَاءَ رجل يسْأَله عَن اللّقطَة، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ: أَن رجلا سَأَلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن اللّقطَة، وَفِي رِوَايَة لَهُ: أَتَى رجلٌ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَنا مَعَه، فَسَأَلَهُ عَن اللّقطَة. وَفِي رِوَايَة أُخْرَى مثل رِوَايَة التِّرْمِذِيّ، وَكَذَا فِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ، وَفِي رِوَايَة لَهُ: جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَسَأَلَهُ عَن اللّقطَة، وَفِي رِوَايَة حَدِيث هَذَا الْبَاب جَاءَ أَعْرَابِي، وَزعم ابْن بشكوال: أَن هَذَا

السَّائِل عَن اللّقطَة هُوَ بِلَال، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعَزاهُ لأبي دَاوُد، ورد عَلَيْهِ بَعضهم بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي نسخ أبي دَاوُد شَيْء من ذَلِك، وَفِيه بُعدٌ أَيْضا لِأَنَّهُ لَا يُوصف بِأَنَّهُ أَعْرَابِي. قلت: ابْن بشكوال لم يُصَرح بِأَن الْأَعرَابِي الَّذِي سَأَلَ هُوَ بِلَال، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَإِنَّمَا قَالَ: السَّائِل الْمَذْكُور فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بن بِلَال، وَهُوَ قَوْله: سَأَلَهُ رجل، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: سُئِلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ بِلَال وَلَفظ السَّائِل أَعم من الْأَعرَابِي وَغَيره، وبلال وَغَيره، وَابْن بشكوال أوضح السَّائِل بِأَنَّهُ بِلَال، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَإِنَّهُ كَلَام لَيْسَ فِيهِ غُبَار، وَلَيْسَ فِيهِ بعد، وَلَو صرح بقوله: الْأَعرَابِي هُوَ بِلَال، لَكَانَ ورد عَلَيْهِ مَا قَالَه، وَأما عزو ابْن بشكوال ذَلِك إِلَى أبي دَاوُد فَلَيْسَ بِصَحِيح، لِأَن أَبَا دَاوُد روى هَذَا الحَدِيث بطرق كَثِيرَة، وَلَيْسَ فِيهِ مَا عزاهُ ابْن بشكوال إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا لَفظه: أَن رجلا سَأَلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِي رِوَايَة: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سُئِلَ عَن اللّقطَة، وَلَيْسَ لِبلَال ذكر أصلا، فَافْهَم. ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: ثمَّ ظَفرت بِتَسْمِيَة السَّائِل وَذَلِكَ فِيمَا أخرجه الْحميدِي وَالْبَغوِيّ وَابْن السكن وَالْمَاوَرْدِيّ وَالطَّبَرَانِيّ، كلهم من طَرِيق مُحَمَّد بن معن الْغِفَارِيّ عَن ربيعَة عَن عقبَة بن سُوَيْد الْجُهَنِيّ عَن أَبِيه، قَالَ: سَأَلت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن اللّقطَة، فَقَالَ: عرفهَا سنة ثمَّ أوثق وعاءها ... الحَدِيث، قَالَ: وَهُوَ أولى مَا فسر بِهِ هَذَا الْمُبْهم لكَونه من رَهْط زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ. انْتهى. قلت: حَدِيث سُوَيْد بن عقبَة الَّذِي يرويهِ عَنهُ ابْنه عقبَة غير حَدِيث زيد بن خَالِد، فَكيف يُفَسر الْمُبْهم الَّذِي فِي حَدِيث زيد بن خَالِد بِحَدِيث سُوَيْد؟ وَلَا يلْزم من كَون سُوَيْد من رَهْط زيد أَن يكون حَدِيثهمَا وَاحِدًا بِحَسب الصُّورَة، وَإِن كَانَا فِي الْمَعْنى من بَاب وَاحِد، وَأَيْضًا هُوَ استبعد كَلَام ابْن بشكوال فِي إِطْلَاق الْأَعرَابِي على بِلَال، وَكَيف لَا يستبعد هُنَا إِطْلَاق الْأَعرَابِي على سُوَيْد بن عقبَة؟ وَلَا يلْزم من سُؤال سُوَيْد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن اللّقطَة أَن يكون هُوَ الْأَعرَابِي الَّذِي فِي حَدِيث زيد بن خَالِد. قَوْله: (فَسَأَلَهُ عَمَّا يلتقطه) أَي: عَن الشَّيْء الَّذِي يلتقطه، وَوَقع فِي أَكثر الرِّوَايَات أَنه سَأَلَ عَن اللّقطَة، وَوَقع فِي رِوَايَة لمُسلم: سُئِلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن اللّقطَة الذَّهَب أَو الْوَرق، وَهَذَا لَيْسَ بِقَيْد، وَإِنَّمَا هُوَ كالمثال، وَحكم غير الذَّهَب وَالْفِضَّة كحكمهما، وَوَقع فِي رِوَايَة لأبي دَاوُد: وَسُئِلَ عَن النَّفَقَة. قَوْله: (عرفهَا) ، بِالتَّشْدِيدِ أَمر من التَّعْرِيف. قَوْله: (ثمَّ احفظ عفاصها) ، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْفَاء وبالصاد هُوَ: الْوِعَاء الَّذِي يكون فِيهِ النَّفَقَة، سَوَاء كَانَ من جلد أَو خرقَة أَو حَرِير أَو غَيرهَا، واشتقاقه من: العفص، وَهُوَ الثني والعطف لِأَن الْوِعَاء يثنى عَليّ مَا فِيهِ، وَوَقع فِي (زَوَائِد الْمسند) لعبد الله بن أَحْمد من طَرِيق الْأَعْمَش عَن سَلمَة فِي حَدِيث أبي أَو خرقتها، بدل عفاصها، وَوَقع فِي حَدِيث أبي أَيْضا: احفظ وعاءها وعددها ووكاءها، وَفِي حَدِيث زيد بن خَالِد: إحفظ عفاصها ووكاءها، فأسقط ذكر الْعدَد وَزَاد ذكر العفاص، وَقد اخْتلف فِي العفاص، فَذهب أَبُو عبيد إِلَى أَنه مَا يرْبط فِيهِ النَّفَقَة، وَقَالَ الْخطابِيّ: أَصله: الْجلد الَّذِي يلبس رَأس القارورة. وَقَالَ الْجُمْهُور: وَهُوَ الْوِعَاء: قَالَ شَيخنَا: قَول الْخطابِيّ هُوَ الأولى، فَإِنَّهُ جمع فِي حَدِيث زيد بَين الْوِعَاء والعفاص، فَدلَّ على أَنه غَيره. قلت: الَّذِي ذكره شَيخنَا هُوَ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ ذكر العفاص والوكاء، وَالَّذِي يَقُول: العفاص هُوَ الْوِعَاء، هُوَ الأولى، وَلم يجمع فِي حَدِيث زيد إلَاّ العفاص والوكاء، لِأَن الأَصْل حفظ العفاص الَّذِي هُوَ الْوِعَاء. فَإِن قلت: فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: ثمَّ إعرف وعاءها ووكاءها وعفاصها، فعلى مَا ذكرت يكون ذكر الْوِعَاء أَو ذكر العفاص تَكْرَارا؟ قلت: قد ذكرت أَن العفاص فِيهِ اخْتِلَاف، فعلى قَول من فسر العفاص بِالْجلدِ الَّذِي يلبس رَأس القارورة لَا يكون تَكْرَارا. فَإِن قلت: ذكر الْعدَد فِي حَدِيث أبي، وَلم يذكرهُ فِي حَدِيث زيد؟ قلت: قد جَاءَ ذكر الْعدَد فِي حَدِيث زيد أَيْضا فِي رِوَايَة لمُسلم، أَو الظَّاهِر أَن تَركه هُنَا بسهو من الرَّاوِي، وَالله أعلم. قَوْله: (فَإِن جَاءَ أحد يُخْبِرك بهَا) ، جَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف، تَقْدِيره: فَإِن جَاءَ أحد يُخْبِرك باللقطة وأوصافها فأدها إِلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن يُوسُف عَن سُفْيَان، كَمَا سَيَأْتِي، فَإِن جَاءَ أحد يُخْبِرك بعفاصها ووكائها. قَوْله: (وإلَاّ فاستنفقها) ، أَي: وَإِن لم يَأْتِ أحد بعد التَّعْرِيف حولا فاستنفقها من الاستنفاق، وَهُوَ استفعال، وَبَاب الاستفعال للطلب، لَكِن الطّلب على قسمَيْنِ: صَرِيح وتقديري، وَهَهُنَا لَا يَتَأَتَّى الصَّرِيح فَيكون للطلب التقديري، كَمَا فِي قَوْلك: استخرجت الوتد من الْحَائِط: فَإِن قلت: فِي رِوَايَة مَالك كَمَا يَجِيء بعد بَاب: (اعرف عفاصها ووكاءها ثمَّ عرفهَا سنة) ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد، من طَرِيق عبد الله بن يزِيد مولى المنبعث بِلَفْظ: (عرفهَا حولا فَإِن جَاءَ صَاحبهَا فادفعها إِلَيْهِ، وإلَاّ أعرف وكاءها وعفاصها ثمَّ اقبضها فِي مَالك) . فرواية مَالك تَقْتَضِي سبق الْمعرفَة على التَّعْرِيف، وَرِوَايَة

أبي دَاوُد بِالْعَكْسِ. قلت: قَالَ النَّوَوِيّ: الْجمع بَينهمَا بِأَن يكون مَأْمُورا بالمعرفة فِي حالتين، فَيعرف العلامات أول مَا يلتقط حَتَّى يعلم صدق واصفها إِذا وصفهَا، ثمَّ بعد تَعْرِيفهَا سنة إِذا أَرَادَ أَن يتملكها فيعرفها مرّة أُخْرَى معرفَة وافية مُحَققَة ليعلم قدرهَا وصفتها لاحْتِمَال أَن يَجِيء صَاحبهَا فَيَقَع الِاخْتِلَاف فِي ذَلِك، فَإِذا عرفهَا الْمُلْتَقط وَقت التَّمَلُّك يكون القَوْل قَوْله، لِأَنَّهُ أَمِين. واللقطة وَدِيعَة عِنْده، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون: ثمَّ، فِي الرِّوَايَتَيْنِ بِمَعْنى: الْوَاو، فَلَا يَقْتَضِي ترتيباً، فَلَا يَقْتَضِي تخالفاً يحْتَاج الى الْجمع. قلت: خُرُوج: ثمَّ، عَن معنى التَّشْرِيك فِي الحكم والمهلة وَالتَّرْتِيب إِنَّمَا يمشي على قَول الْكُوفِيّين، فَتكون حِينَئِذٍ زَائِدَة، وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون فِي مَوضِع لَا يخل بِالْمَعْنَى، وَهَهُنَا لَا وَجه لما قَالَه، وَلَئِن سلمنَا أَنه يكون بِمَعْنى: الْوَاو، و: الْوَاو، أَيْضا تَقْتَضِي التَّرْتِيب على قَول الْبَعْض، فَلَا يتم الْجَواب بِمَا قَالَه. فَإِن قلت: هَذَا الْعرْفَان وَاجِب أم سنة؟ قلت: قيل: وَاجِب لظَاهِر الْأَمر، وَقيل: مُسْتَحبّ، وَقيل: يجب عِنْد الِالْتِقَاط، وَيسْتَحب بعده، قَوْله: (فضالَّة الْغنم؟) أَي: مَا حكم ضَالَّة الْغنم؟ قَوْله: (قَالَ: لَك، أَو لأخيك أَو الذِّئْب) ، كلمة: أَو، فِيهِ للتقسيم والتنويع، وَالْمعْنَى: إِن ضَالَّة الْغنم لَك إِن أَخَذتهَا وعرفتها، وَلم تَجِد صَاحبهَا. قَوْله: (أَو لأخيك) يَعْنِي: إِن أَخَذتهَا وعرفتها وَجَاء صَاحبهَا فَهِيَ لَهُ، وَأَرَادَ بِهِ الْأَخ فِي الدّين، وَهُوَ صَاحب الْغنم. قَوْله: (أَو للذئب) يَعْنِي: إِن تركتهَا وَلم يتَّفق آخذ غَيْرك فَهِيَ طعمة للذئب غَالِبا، لِأَنَّهَا لَا تَحْمِي نَفسهَا، وَذكر الذِّئْب مِثَال، وَلَيْسَ بِقَيْد، وَالْمرَاد جنس مَا يَأْكُل الشَّاة ويفترسها من السبَاع، وَوَقع فِي رِوَايَة اسماعيل بن جَعْفَر عَن ربيعَة، كَمَا سَيَأْتِي بعد أَبْوَاب، فَقَالَ: خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَك ... إِلَى آخِره، وَهُوَ صَرِيح بِالْأَمر بِالْأَخْذِ، وَفِيه رد على أَحْمد فِي إِحْدَى روايتيه أَنه يتْرك الْتِقَاط الشَّاة، وَبِه تمسك مَالك فِي أَنه يَأْخُذهَا ويملكها بِالْأَخْذِ، وَلَو جَاءَ صَاحبهَا لِأَنَّهُ صَار حكمه حكم الذِّئْب فَلَا غَرَامَة، ورد عَلَيْهِ بِأَن اللَاّم لَيست للتَّمْلِيك لِأَن الذِّئْب لَا يملك وَإِنَّمَا يأكلها الْمُلْتَقط بِالضَّمَانِ، وَقد أَجمعُوا على أَنه لَو جَاءَ صَاحبهَا قبل أَن يأكلها الْمُلْتَقط فَإِنَّهُ يَأْخُذهَا لِأَنَّهَا بَاقِيَة على ملكه. قَوْله: (قَالَ: ضَالَّة الْإِبِل؟) أَي: مَا حكم ضَالَّة الْإِبِل؟ قَوْله: (فتمعر وَجه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: تغير وَجهه من الْغَضَب ومادة تمعر: مِيم وَعين مُهْملَة وَرَاء، وَأَصله فِي الشّجر إِذا قل مَاؤُهُ فصَال قَلِيل النضرة عديم الْإِشْرَاق وَيُقَال للوادي المجدب: أمعر، وَقَالَ بَعضهم: وَلَو روى بالغين الْمُعْجَمَة لَكَانَ لَهُ وَجه، أَي: صَار بلون الْمغرَة، وَهِي حمرَة شَدِيدَة إِلَى كمودة، ويقويه قَوْله فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر: فَغَضب حَتَّى احْمَرَّتْ وجنتاه، أَو وَجهه. قلت: إِذا لم تثبت فِيهِ الرِّوَايَة فَلَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التعسف. قَوْله: (مَا لَك) ، يَعْنِي: لَيْسَ لَك هَذَا، وَيدل عَلَيْهِ رِوَايَة سُلَيْمَان بن بِلَال عَن ربيعَة الَّتِي سبقت فِي كتاب الْعلم، فذرها حَتَّى يلقاها رَبهَا. قَوْله: (مَعهَا حذاؤها) بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وبالذال الْمُعْجَمَة ممدوداً، أَي: خفها. قَوْله: (وسقاؤها) ، السقاء بِالْكَسْرِ فِي الأَصْل ظرف المَاء من الْجلد، وَالْمرَاد بِهِ هُنَا: جوفها، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا إِذا شربت يَوْمًا تصبر أَيَّامًا على الْعَطش، وَقيل: المُرَاد بِهِ عُنُقهَا لِأَنَّهَا تتَنَاوَل الْمَأْكُول بِغَيْر تَعب لطول عُنُقهَا، فَلَا تحْتَاج إِلَى ملتقط. وَمَا يتَعَلَّق بِهِ الحكم قد مضى فِي كتاب الْعلم، ولنذكر شَيْئا نزراً.

اخْتلف الْعلمَاء فِي ضَالَّة الْإِبِل: هَل تُؤْخَذ؟ على قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: لَا يَأْخُذهَا وَلَا يعرفهَا، قَالَه مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ لنَهْيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن ضَالَّة الْإِبِل. الثَّانِي: أَخذهَا وتعريفها أفضل، قَالَه الْكُوفِيُّونَ: لِأَن تَركهَا سَبَب لضياعها. وَفِيه قَول ثَالِث: إِن وجدهَا فِي الْقرى عرفهَا، وَفِي الصَّحرَاء لَا يعرفهَا. وَقَالَت الشَّافِعِيَّة: الْأَصَح أَنه إِن وجدهَا بمفازة فللقاضي التقاطها للْحِفْظ، وَكَذَا لغيره، وَيحرم التقاطها للتَّمَلُّك، وَإِن وجدهَا بقرية فَيجوز التَّمَلُّك. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَمِمَّنْ رأى ضَالَّة الْبَقر كضالة الْإِبِل طَاوُوس وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَبَعض أَصْحَاب مَالك، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي ضَالَّة الْبَقر: إِن وجدت فِي مَوضِع يخَاف عَلَيْهَا فَهِيَ فِي منزلَة الشَّاة، وإلَاّ فكالبعير، وَقيل: إِن كَانَت لَهَا قُرُون تمنع بهَا فكالبعير وإلَاّ فكالشاة، حَكَاهُ ابْن التِّين، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: عندنَا فِي الْبَقر وَالْغنم قَولَانِ، وَرَأى مَالك إلحاقها بالغنم، وَرَأى ابْن الْقَاسِم إلحاقها بِالْإِبِلِ إِذا كَانَت بِموضع لَا يخَاف عَلَيْهَا من السبَاع، وَكَانَ هَذَا تَفْصِيل أَحْوَال لَا اخْتِلَاف أَقْوَال، وَمثلهَا جَاءَ فِي الْإِبِل إِلْحَاقًا بهَا.

وَاخْتلف فِي الْتِقَاط الْخَيل وَالْبِغَال والحمر، فَظَاهر قَول ابْن الْقَاسِم: الْجَوَاز، وَمنعه أَشهب وَابْن كنَانَة، وَقَالَ ابْن حبيب: وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْعَبِيد كل مَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ وَيذْهب، هُوَ دَاخل فِي الضَّالة، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: الْخَيل وَالْإِبِل وَالْبَقر وَالْبِغَال وَالْحمير وَالشَّاة والظباء: لَا يجوز عندنَا التقاطها إلَاّ أَن يَأْخُذهَا الإِمَام للْحِفْظ، وَفِي (التَّوْضِيح) : إِذا عرف المَال وَشبهه وانقضى الْحول أَو قبله، وَجَاء صَاحبه أَخذه بِزِيَادَتِهِ الْمُتَّصِلَة، وَكَذَا الْمُنْفَصِلَة إِن حدثت قبل التَّمَلُّك، وَإِن حدثت بعده رَجَعَ فِيهَا دون الزِّيَادَة.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.3 / 29.5
الإضاءة 69%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد