«الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِامْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٥٢٩

الحديث رقم ٢٥٢٩ من كتاب «كتاب العتق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الخطإ والنسيان في العتاقة والطلاق.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «الأعمال بالنية، ولامرئ ما نوى، فمن…

«الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِامْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ

⦗١٤٦⦘

هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ.»

سند حديث: ٢٥٢٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ…

٢٥٢٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، عَنْ سُفْيَانَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «الأعمال بالنية، ولامرئ ما نوى، فمن…

يُبَيِّنُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ كل الأعمال معتبرة بالنية، وهذا الحكم عام في جميع الأعمال من العبادات والمعاملات، فمن قصد بعمله منفعةً لم يَنَلْ إلا تلك المنفعة ولا ثواب له، ومن قصد بعمله التقرب إلى الله تعالى نال من عمله المثوبة والأجر ولو كان عملًا عاديًّا، كالأكل والشرب.

ثم ضرب صلى الله عليه وسلم مثلًا لبيان تأثير النية في الأعمال مع تساويهما في الصورة الظاهرة، فبَيَّن أنَّ من قصد بهجرته وترك وطنه ابتغاء مرضات ربه، فهجرته هجرة شرعية مقبولة يثاب عليها لصدق نيته، ومن قصد بهجرته منفعةً دنيوية، من مال، أو جاه، أو تجارة، أو زوجة، فلا ينال من هجرته إلا تلك المنفعة التي نواها، ولا نصيب له من الأجر والثواب.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الحث على الإخلاص، فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما ابتُغي به وجهه.
  • الأعمال التي يُتَقَرَّبُ بها إلى الله عز وجل إذا فعلها المكلف على سبيل العادة ليس له ثواب عليها، حتى يقصِدَ بها التقرب إلى الله.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «الأعمال بالنية، ولامرئ ما نوى، فمن…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

لم يلزم (١) حتَّى يتلفَّظ به، قال: وهو في معنى الطَّلاق، وكذلك لو حدَّث نفسه بالقذف لم يكن قاذفًا، ولو حدَّث نفسه في الصَّلاة لم يكن عليه إعادةٌ، وقد حرَّم الله تعالى الكلام في الصَّلاة، فلو كان حديث النَّفس في معنى الكلام لبطلت الصَّلاة، وقد قال عمر بن الخطَّاب : إنِّي لأجهِّز جيشي وأنا في الصَّلاة.

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الطَّلاق» [خ¦٥٢٦٩] و «النُّذور» [خ¦٦٦٦٤]، ومسلمٌ في «الإيمان»، وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الطَّلاق».

٢٥٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) أبو عبد الله العبديُّ البصريُّ الثِّقة، ولم يُصِبْ من ضَعَّفَهُ، وقد وثَّقه أحمد (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ التَّابعيُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ) القرشيِّ المدنيِّ التَّابعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ) -بالمُثلَّثة- أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: الأَعْمَالُ) (٢) إنَّما تصحُّ (بِالنِّيَّةِ) بالإفراد (وَلاِمْرِئٍ) ثوابُ (مَا نَوَى) بحذف «إنَّما» في الموضعين، ومعنى النِّيَّة القصدُ إلى الفعل، وقال الحافظ المقدسيُّ في «أربعينه»: النِّيَّة والقصد والإرادة والعزم بمعنىً، والعرب تقول: نواك الله بحفظه، أي: قصدك، وعبارة بعضهم: إنَّها تصميم القلب على فعل الشَّيء، وقال الماورديُّ في «كتاب الإيمان»: النِّيَّة (٣): قصد الشَّيء مقترنًا بفعله، فإن تراخى عنه كان عزمًا، وقال الخطَّابيُّ: قصدك الشَّيء بقلبك وتحرِّي الطَّلب منك له، وقال البيضاويُّ: النِّيَّة عبارةٌ عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقًا لغرضٍ من جلب نفعٍ، أو دفع ضرٍّ، حالًا أو مآلًا، والشَّرع خصَّها

بالإرادة المتوجِّهة نحو الفعل ابتغاءً لوجه الله وامتثالًا لحكمه، والنِّيَّة في الحديث محمولةٌ على المعنى اللُّغويِّ ليحسن تطبيقه وتقسيمه بقوله: (فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيَا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لدنيا» (يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) فإنَّه تفصيلٌ لِمَا أجمله، واستنباطٌ للمقصود (١) عمَّا أصله، والمعنى: من قصدَ بهجرته وجهَ الله وقع أجرُه على الله، ومن قصد بها دنيا أو امرأةً فهي حظُّه، ولا نصيبَ له في الآخرة، فالأُولى للتَّعظيم، والثَّانية للتَّحقير، ولا يُقال: اتَّحد الشَّرط والجزاء؛ لأنَّا نقول: ليس الجزاء هنا نفس الشَّرط (٢)، وإنَّما الجزاء محذوفٌ أُقيم هذا المذكور مقامه، وتأوَّله ابن دقيق العيد: بأنَّ التَّقدير: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نيَّةً وقصدًا فهجرته إلى الله ورسوله حكمًا وشرعًا، وفيه بحثٌ سبق أوَّل هذا الكتاب [خ¦١] وأواخر «الإيمان» [خ¦٥٤] فليُراجَع.

وتنقسم النِّيَّة إلى أقسامٍ كثيرةٍ، كالتَّعبُّد: وهو إخلاص العمل لله تعالى، والتَّمييز، كمن أقبض ربَّ الدَّين من جنس دَينه شيئًا، فإنَّه يحتمل الهبة والقرض والوديعة والإباحة ونحوها، ويحتمل أن يكون من وفاء الدَّين، وكذا في مواضعَ من المُعامَلات ونحوها، ككناية البيع والطَّلاق، فإنَّه لو لم ينوِ الطَّلاق لم يقع، وكمن أُكرِه على الكفر فتكلَّم به وهو ينوي خلافه فإنَّه لا يكفر، ونحو ذلك ممَّا هو معروفٌ في كتب الفقه، وزعم قومٌ: أنَّ الاستدلال بالحديث في غير العبادات غير صحيحٍ؛ لأنَّه إنَّما جاء في اختلاف مصارف (٣) وجوه العبادات، والجواب: أنَّ العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب، واستنبط المؤلِّف منه عدمَ وقوع العِتَاق والطَّلاق من النَّاسي والمخطئ؛ لأنَّه لا نيَّة لهما، ولا يحتاج صريحُ الطَّلاق إلى نيَّةٍ؛ لأنَّ الصَّريحَ موضوعٌ للطَّلاق شرعًا، فكان حقيقةً فيه فاستغنى عن النِّيَّة، وقال الحنفيَّة: طلاق الخاطئ والنَّاسي والهازل واللَّاعب والذي تكلَّم به من غير قصدٍ واقعٌ؛ لأنَّه كلامٌ صحيحٌ صادرٌ من عاقلٍ بالغٍ.

(٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ) ولغير أبوي ذرٍّ والوقت: «إذا قال رجلٌ لعبده» (هُوَ لِلهِ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

تابَعَهُ حَجَّاجُ بنُ حَجَّاجٍ وأبانُ ومُوسى بنُ خَلَفٍ عنْ قَتادَةَ اخْتَصَرَهُ شُعْبَةُ

أَي: تَابع سعيد بن أبي عرُوبَة فِي رِوَايَته عَن قَتَادَة حجاج بن حجاج، على وزن فعال، بِالتَّشْدِيدِ فيهمَا: الْأَسْلَمِيّ الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ الْأَحول، أَرَادَ البُخَارِيّ بِذكر مُتَابعَة هَؤُلَاءِ الرَّد على من زعم أَن الِاسْتِسْعَاء فِي هَذَا الحَدِيث غير مَحْفُوظ، وَأَن سعيد بن أبي عرُوبَة تفرد بِهِ، فاستظهر لَهُ بمتابعة هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين.

أما رِوَايَة حجاج بن حجاج فَهِيَ فِي نُسْخَة رَوَاهَا أَحْمد بن حَفْص أحد شُيُوخ البُخَارِيّ عَن أَبِيه عَن إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَنهُ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ حجاج بن أَرْطَأَة عَن قَتَادَة فقد أخرجهَا الطَّحَاوِيّ، وَقَالَ: حَدثنَا روح بن الْفرج، قَالَ: حَدثنَا يُوسُف بن عدي، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان الرَّازِيّ عَن حجاج بن أَرْطَأَة عَن قَتَادَة، فَذكر مثله، أَي: مثل رِوَايَة سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة، وَقد ذكر آنِفا.

وَأما رِوَايَة أبان، فقد أخرجهَا أَبُو دَاوُد: حَدثنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم، قَالَ: حَدثنَا أبان، قَالَ: حَدثنَا قَتَادَة عَن النَّضر بن أنس عَن بشير ابْن نهيك عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من أعتق شقيصاً فِي مَمْلُوكه فَعَلَيهِ أَن يعتقهُ كُله إِن كَانَ لَهُ مَال، وإلَاّ استسعى العَبْد غير مشقوق عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا والطَّحَاوِي.

وَأما رِوَايَة مُوسَى بن خلف فقد أخرجهَا الْخَطِيب فِي كتاب (الْفَصْل للوصل) من طَرِيق أبي ظفر عبد السَّلَام بن مطهر عَنهُ عَن قَتَادَة عَن النَّضر، وَلَفظه: (من أعتق شِقْصا لَهُ فِي مَمْلُوك فَعَلَيهِ خلاصه إِن كَانَ لَهُ مَال، فَإِن لم يكن لَهُ مَال استسعى غير مشقوق عَلَيْهِ) . ومُوسَى بن خلف، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَاللَّام المفتوحتين: الْعمي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمِيم: كَانَ يعد البدلاء.

وَأما من رِوَايَة شُعْبَة فأخرجها مُسلم وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق غنْدر عَن قَتَادَة بِإِسْنَادِهِ وَلَفظه عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي الْمَمْلُوك بَين الرجلَيْن فَيعتق أَحدهمَا نصِيبه، قَالَ: يضمن.

٦ - (بابُ الخَطَإ والنِّسْيانِ فِي العَتَاقَةِ والطَّلاقِ ونَحْوِهِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْخَطَأ وَالنِّسْيَان فِي الْعتْق وَالطَّلَاق، وَالْخَطَأ ضد الْعمد، فَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْخَطَأ نقيض الصَّوَاب، وَقد يمد، وقرىء بهما فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمن قتل مُؤمنا خطأ} (النِّسَاء: ٢٩) . تَقول: أَخْطَأت وتخطأت، بِمَعْنى وَاحِد، وَلَا يُقَال: أخطيت، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَأَخْطَأ يخطىء: إِذا سلك سَبِيل الْخَطَأ عمدا أَو سَهوا، وَيُقَال: خطىء بِمَعْنى أَخطَأ أَيْضا، وَقيل: خطىء إِذا تعمد، وَأَخْطَأ إِذا لم يتَعَمَّد، وَيُقَال لمن أَرَادَ شَيْئا فَفعل غَيره أَو فعل غير الصَّوَاب: أَخطَأ. وَالنِّسْيَان خلاف الذّكر وَالْحِفْظ، وَرجل نِسْيَان، بِفَتْح النُّون: كثير النسْيَان للشَّيْء، وَقد نسيت الشَّيْء نِسْيَانا، وَعَن أبي عُبَيْدَة: النسْيَان التّرْك، قَالَ تَعَالَى: {نسوا الله فنسيهم} (التَّوْبَة: ٧٦) . وَقد ذكرت فِي (شرح مَعَاني الْآثَار) الَّذِي ألفته: أَن الْخَطَأ فِي الإصطلاح هُوَ الْفِعْل فِي غير قصد تَامّ، وَالنِّسْيَان معنى يَزُول بِهِ الْعلم من الشَّيْء مَعَ كَونه ذَاكِرًا لأمورٍ كَثِيرَة، وَإِنَّمَا قيل ذَلِك احْتِرَازًا عَن النّوم وَالْجُنُون وَالْإِغْمَاء، وَقيل: النسْيَان عبارَة عَن الْجَهْل الطارىء، وَيُقَال؛ المأتى بِهِ إِن كَانَ على جِهَة مَا يَنْبَغِي فَهُوَ الصَّوَاب، وَإِن كَانَ لَا على مَا يَنْبَغِي نظر، فَإِن كَانَ مَعَ قصد من الْآتِي بِهِ يُسمى الْغَلَط، وَإِن كَانَ من غير قصد مِنْهُ، فَإِن كَانَ يتَنَبَّه بإيسر تَنْبِيه يُسمى السَّهْو، وإلَاّ يُسمى الْخَطَأ. قَوْله: (وَنَحْوه) ، أَي: نَحْو مَا ذكر من الْعتَاقَة وَالطَّلَاق من الْأَشْيَاء الَّتِي يُرِيد الرجل أَن يتَلَفَّظ بِشَيْء مِنْهَا. فَيَسْبق لِسَانه إِلَى غَيره، وَقَالَ بَعضهم: (وَنَحْوه) ، أَي: من التعليقات. قلت: هَذَا التَّفْسِير لَيْسَ بِظَاهِر وَلَا لَهُ معنى يُفِيد صُورَة الْخَطَأ فِي الْعتاق إِن أَرَادَ التَّلَفُّظ بِشَيْء فَسبق لِسَانه، فَقَالَ لعَبْدِهِ: أَنْت حر، وَكَذَلِكَ فِي الطَّلَاق، قَالَ لامْرَأَته: أَنْت طَالِق، بعد أَن أَرَادَ التَّلَفُّظ بِشَيْء، وَقَالَ أَصْحَابنَا: طَلَاق الخاطىء وَالنَّاسِي والهازل واللاعب وَالَّذِي يكلم بِهِ من غير قصد وَاقع، وَصُورَة النَّاسِي فِيمَا إِذا حلف وَنسي، وَقَالَ الدَّاودِيّ: النسْيَان لَا يكون فِي الطَّلَاق وَلَا الْعتاق إلَاّ أَن يُرِيد أَنه حلف بهما على فعل شَيْء ثمَّ نسي يَمِينه وَفعله، فَهَذَا إِنَّمَا يوضع فِيهِ النسْيَان إِذا لم يذكر فِيهِ يَمِينه، كَمَا تُوضَع الصَّلَاة عَمَّن نَسِيَهَا إِذا لم يذكرهَا حَتَّى يَمُوت، وَكَذَلِكَ دُيُون النَّاس وَغَيرهَا لَا يَأْثَم بِتَرْكِهَا نَاسِيا. قَالَ ابْن التِّين: هَذَا من الدَّاودِيّ على مَذْهَب مَالك، رَحمَه الله تَعَالَى. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي النَّاسِي فِي يَمِينه: هَل يلْزمه حنث أم لَا؟ على قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: لَا، وَهُوَ قَول عَطاء وَأحد قولي الشَّافِعِي، وَبِه قَالَ إِسْحَاق، وَإِلَيْهِ ذهب البُخَارِيّ فِي الْبَاب. وَثَانِيهمَا: وَهُوَ قَول الشّعبِيّ وطاووس: من أَخطَأ فِي الطَّلَاق فَلهُ نِيَّته، وَفِيه قَول ثَالِث: يَحْنَث فِي الطَّلَاق خَاصَّة، قَالَه أَحْمد، وَذهب مَالك والكوفيون إِلَى أَنه يَحْنَث فِي الْخَطَأ أَيْضا، وَادّعى ابْن بطال أَنه الْأَشْهر

عَن الشَّافِعِي، وَرُوِيَ ذَلِك عَن أَصْحَاب ابْن مَسْعُود. وَاخْتلف ابْن الْقَاسِم وَأَشْهَب فِيمَا إِذا دَعَا رجل عبدا يُقَال لَهُ نَاصح، فَأَجَابَهُ عبد يُقَال لَهُ مَرْزُوق، فَقَالَ لَهُ: أَنْت حر، وَهُوَ يظنّ الأول، وَشهد عَلَيْهِ بذلك، فَقَالَ ابْن الْقَاسِم: يعتقان جَمِيعًا: مَرْزُوق بمواجهته بِالْعِتْقِ، وناصح بِمَا نَوَاه، وَأما فِيمَا بَينه وَبَين الله فَلَا يعْتق إلَاّ نَاصح. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: إِن لم يكن لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَة لم يعْتق إلَاّ الَّذِي نوى، وَقَالَ أَشهب: يعْتق مَرْزُوق فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى، وَفِيمَا بَينه وَبَين الله لَا يعْتق نَاصح، لِأَنَّهُ دَعَاهُ لِيعْتِقَهُ فَأعتق غَيره وَهُوَ يَظُنّهُ مرزوقاً.

ولَا عَتَاقَةَ إلَاّ لِوَجْهِ الله تَعَالَى

روى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: لَا طَلَاق إلَاّ لعدة، وَلَا عتاق إلَاّ لوجه الله، وَمعنى: لَا عتاقة إلَاّ لوجه الله، أَي: لذات الله أَو لجِهَة رِضَاء الله، قيل: أَرَادَ البُخَارِيّ بإيراد هَذَا الرَّد على الْحَنَفِيَّة فِي قَوْلهم: إِذا قَالَ الرجل لعَبْدِهِ: أَنْت حر للشَّيْطَان أَو للصنم، فَإِنَّهُ يعْتق لصدوره من أَهله مُضَافا إِلَى مَحَله عَن ولَايَة فنفذ، ولغت تَسْمِيَة الْجِهَة وَكَانَ عَاصِيا بهَا. وَالْجَوَاب عَنهُ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: تَصْحِيح الحَدِيث الْمَذْكُور، وَالْآخر: بعد التَّسْلِيم أَن المُرَاد بِهِ أَن يكون نِيَّة الْمُعْتق الْإِخْلَاص فِيهَا، لِأَن الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ، فَإِذا لم يكن خَالِصا فِي نِيَّته يكون عَاصِيا بِذكر غير الله، كَمَا ذكرنَا، وَترك هَذَا لَا يمْنَع وُقُوع الْعتْق لقضية: أَنْت حر، وَالْبَاقِي لَغْو.

وَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لكُلِّ امْرِىءٍ مَا نَوَى

هَذَا قِطْعَة من حَدِيث عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قد مر فِي أول الْكتاب بِلَفْظ: (وَإِنَّمَا لكل امرىء مَا نوى) . وَأوردهُ فِي أَوَاخِر كتاب الْإِيمَان: (وَلكُل امرىء مَا نوى) . فَإِن قلت: مَا مُرَاده من ذكر هَذِه الْقطعَة هَهُنَا؟ قلت: كَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ تَأْكِيد مَا سبق من عدم وُقُوع الْعتاق إِذا كَانَ لغير وَجه الله، لِأَن الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ، وَلكنه لَا يُفِيد شَيْئا، لِأَن النِّيَّة أَمر مبطن وَوُقُوع الْإِعْتَاق غير مُتَوَقف عَلَيْهِ، بل الْوُقُوع بِمُقْتَضى الْكَلَام الصَّحِيح، فَلَا يمنعهُ تَسْمِيَة الْجِهَة اللَّغْو.

ولَا نِيَّةَ لِلنَّاسِي والْمُخْطِىء

كَأَنَّهُ استنبط من قَوْله: (لكل امرىء مَا نوى) ، عدم وُقُوع الْعتاق من النَّاسِي والمخطىء لِأَنَّهُ لَا نِيَّة لَهما، وَفِيه نظر، لِأَن الْوُقُوع إِنَّمَا هُوَ بِمُقْتَضى كَلَام صَحِيح صادر من عَاقل بَالغ، والمخطىء من: أَخطَأ من أَرَادَ الصَّوَاب فَصَارَ إِلَى غَيره، وَوَقع فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ: الخاطىء من خطأ، وَهُوَ من تعمد لما لَا يَنْبَغِي. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون أَشَارَ بالترجمة إِلَى مَا ورد فِي بعض الطّرق، وَهُوَ الحَدِيث الَّذِي يذكرهُ أهل الْفِقْه وَالْأُصُول كثيرا بِلَفْظ: (رفع الله عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ، أخرجه ابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن عَبَّاس، إلَاّ أَنه بِلَفْظ: وضع، بدل: رفع. انْتهى. قلت: كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى هَذَا الحَدِيث الَّذِي أخبر بِأَن الْخَطَأ وَالنِّسْيَان رفعا عَن أمته، فَلَا يَتَرَتَّب على النَّاسِي والمخطىء حكم، وَذَلِكَ لعدم النِّيَّة فيهمَا، والأعمال بِالنِّيَّاتِ، فَإِذا كَانَ كَذَلِك لَا يَقع الْعتاق من النَّاسِي والمخطىء، وَكَذَلِكَ الطَّلَاق، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي، لِأَنَّهُ لَا اخْتِيَار لَهُ فَصَارَ كالنائم والمغمى عَلَيْهِ، قُلْنَا: الِاخْتِيَار أَمر بَاطِن لَا يُوقف عَلَيْهِ إلَاّ بحرج فَلَا يَصح تَعْلِيق الحكم عَلَيْهِ، أما هَذَا الحَدِيث فَإِنَّهُ صَحِيح، فَأخْرجهُ الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَاد رِجَاله رجال الصَّحِيح غير شَيْخه، حَيْثُ قَالَ: حَدثنَا ربيع الْمُؤَذّن، قَالَ: حَدثنَا بشر بن بكر، قَالَ: أخبرنَا الْأَوْزَاعِيّ عَن عَطاء عَن عبيد بن عُمَيْر عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: تجَاوز الله لي عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ، فَهَذَا هُوَ الصَّحِيح، وَالَّذِي أعله إِنَّمَا أعل إِسْنَاد ابْن مَاجَه الَّذِي أخرجه عَن مُحَمَّد بن الْمُصَفّى الْحِمصِي: حَدثنَا الْوَلِيد بن مُسلم حَدثنَا الْأَوْزَاعِيّ عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَن الله وضع عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ، فَهَذَا كَمَا ترى أسقط: عبيد بن عُمَيْر، وَأَيْضًا أعله بِأَنَّهُ من رِوَايَة الْوَلِيد عَن الْأَوْزَاعِيّ، وَالصَّحِيح طَرِيق الطَّحَاوِيّ، وَأخرج نَحوه الدَّارَقُطْنِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم، وَرَوَاهُ ابْن حزم من طَرِيق الرّبيع وَصَححهُ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي الْأَرْبَعين: هُوَ حَدِيث حسن صَحِيح. قَوْله: (تجَاوز الله) أَي: عَفا الله. قَوْله: (لي) ، أَي: لأجلي، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لم يتَجَاوَز ذَلِك إلَاّ عَن هَذِه الْأمة

لأجل سيدنَا مُحَمَّد، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (الْخَطَأ وَالنِّسْيَان) ، أَي: حكمهمَا فِي حق الله لَا فِي حُقُوق الْعباد، لِأَن فِي حَقه عذرا صَالحا لسقوطه، حَتَّى قيل إِن الخاطىء لَا يَأْثَم، فَلَا يُؤَاخذ بِحَدّ وَلَا قصاص. وَأما فِي حُقُوق الْعباد فَلم يَجْعَل عذرا حَتَّى وَجب ضَمَان الْعدوان على الخاطىء، لِأَنَّهُ ضَمَان مَال لَا جَزَاء فعل، وَوَجَب بِهِ الدِّيَة وَصَحَّ طَلَاقه وعتاقه.

٨٢٥٢ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ قَالَ حدَّثنا مِسْعَرٌ عنْ قَتادَةَ عنْ زُرَارَةَ بنِ أوْفَى عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّ الله تَجَاوَزَ لِي عنْ أُمَّتِي مَا وسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُها مَا لَمْ تَعْمَلْ أوْ تَكَلَّمْ..

قيل: لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْء يُطَابق التَّرْجَمَة، لِأَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي وَسْوَسَة الصُّدُور، وَلَو ذكر حَدِيث ابْن عَبَّاس الْمَذْكُور الْآن لَكَانَ أنسب، وَأجَاب الْكرْمَانِي بِشَيْء يقرب مِنْهُ أَخذ وَجه الْمُطَابقَة حَيْثُ قَالَ: أَولا: مَا وَجه تعلق الحَدِيث بالوسوسة؟ ثمَّ قَالَ: قلت: الْقيَاس على الوسوسة، فَكَمَا أَنَّهَا لَا اعْتِبَار لَهَا عِنْد عدم التوطين، فَكَذَلِك النَّاسِي والمخطىء، لَا توطين لَهما.

ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: الْحميدِي، بِضَم الْحَاء نِسْبَة إِلَى حميد، أحد أجداد الرَّاوِي، وَهُوَ عبد الله بن الزبير بن عِيسَى بن عبيد الله بن أُسَامَة بن عبد الله بن الزبير بن حميد أَبُو بكر. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: مسعر، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين وَفتح الْعين الْمُهْملَة: ابْن كدام. الرَّابِع: قَتَادَة. الْخَامِس: زُرَارَة، بِضَم الزَّاي وَتَخْفِيف الرَّاء: ابْن أبي أوفى بِلَفْظ: أفعل التَّفْضِيل العامري، مَاتَ فجاءة سنة ثَلَاث وَتِسْعين، وَقيل: كَانَ يُصَلِّي صَلَاة الصُّبْح فَقَرَأَ {يَا أَيهَا المدثر} (المدثر: ١) . إِلَى أَن بلغ {فَإِذا نقر فِي الناقور} (المدثر: ٨) . خر مَيتا. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه مكيان، والْحميدِي قد مر فِي أول (الصَّحِيح) . وَفِيه: حَدثنَا الْحميدِي، ويروى: حَدثنِي بِصِيغَة الْإِفْرَاد. وَفِيه: أَن مسعراً وَقَتَادَة كوفيان، وَأَن زُرَارَة بَصرِي قَاضِي الْبَصْرَة، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ أَحَادِيث يسيرَة. وَفِيه: عَن زُرَارَة، وَفِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور: حَدثنَا زُرَارَة.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّلَاق عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم وَفِي النذور عَن خَلاد بن يحيى. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن قُتَيْبَة وَسَعِيد بن مَنْصُور وَمُحَمّد بن عبيد وَعَن عَمْرو النَّاقِد وَزُهَيْر بن حَرْب وَعَن ابْن الْمثنى وَابْن بشار وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن زُهَيْر بن حَرْب عَن وَكِيع وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّلَاق عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّلَاق عَن عبيد الله بن سعيد وَعَن مُوسَى بن عبد الرحمان وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ وَعَن حميد بن مسْعدَة وَعَن هِشَام بن عمار.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِن الله تجَاوز لي عَن أمتِي) وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (تجَاوز الله لأمتي) . قَوْله: (لي) أَي: لأجلي. قَوْله: (مَا وسوست بِهِ صدورها) ، جملَة فِي مَحل النصب على المفعولية، وَكلمَة: مَا، مَوْصُولَة، و: وسوست، صلتها و: بِهِ، عَائِد و: صدورها، بِالرَّفْع فَاعل وسوست، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ بِالنّصب على أَن: وسوست، تضمن معنى: حدثت، وَيَأْتِي فِي الطَّلَاق بِلَفْظ: مَا حدثت بِهِ أَنْفسهَا. وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: عَمَّا حدثت بِهِ أَنْفسهَا. وَفِي رِوَايَة للنسائي: (إِن الله تجَاوز لأمتي مَا وسوست بِهِ وَحدثت بِهِ أَنْفسهَا) . وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَأهل اللُّغَة يَقُولُونَ: أَنْفسهَا، بِالضَّمِّ يُرِيدُونَ بِغَيْر اخْتِيَارهَا، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: {ونعلم مَا توسوس بِهِ نَفسه} (ق: ٦١) . وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن قَوْله: بِالضَّمِّ، لَيْسَ بجيد، بل الصَّوَاب: بِالرَّفْع، لِأَنَّهَا حَرَكَة إِعْرَاب. قلت: لَيْسَ هَذَا مَوضِع المناقشة بِالرَّدِّ عَلَيْهِ لِأَن الرّفْع هُوَ الضَّم فِي الأَصْل، غَايَة مَا فِي الْبَاب أَن النُّحَاة يستعملون فِي الْإِعْرَاب الرّفْع، وَفِي الْبناء الضَّم، بل يسْتَعْمل

كل مِنْهُمَا مَوضِع الآخر، خُصُوصا عِنْد الْفُقَهَاء الوسوسة: حَدِيث النَّفس والأفكار، وَقد وسوست إِلَيْهِ نَفسه وَسْوَسَة ووسواساً بِالْكَسْرِ، وَهُوَ بِالْفَتْح الِاسْم، ووسوس إِذا تكلم بِكَلَام لم يُبينهُ، حَاصله أَن الوسوسة تردد الشَّيْء فِي النَّفس من غير أَن تطمئِن إِلَيْهِ وتستقر عِنْده. قَوْله: (مَا لم تعْمل) أَي: فِي العمليات (أَو تكلم) فِي القوليات. وَأما قَول ابْن الْعَرَبِيّ: إِن المُرَاد بقوله: مَا لم تكلم، الْكَلَام النَّفْسِيّ، إِذْ هُوَ الْكَلَام الْأَصْلِيّ وَأَن القَوْل الْحَقِيقِيّ هُوَ الْوُجُود بِالْقَلْبِ المواقف للْعلم، فَهُوَ مَرْدُود عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَالَه تعصباً لما حكى عَن مذْهبه من وُقُوع الطَّلَاق بالعزم، وَإِن لم يتَلَفَّظ. وَحَكَاهُ عَن رِوَايَة أَشهب عَن مَالك فِي الطَّلَاق وَالْعِتْق وَالنّذر أَنه يَكْفِي فِيهِ عزمه وَقَوله وجزمه فِي قلبه بِكَلَامِهِ النَّفْسِيّ الْحَقِيقِيّ، وَنصر ذَلِك بِأَن اللِّسَان معبر عَمَّا فِي الْقلب، فَمَا كَانَ يملكهُ الْوَاحِد كالنذر وَالطَّلَاق وَالْعتاق كفى فِيهِ عزمه، وَمَا كَانَ من التَّصَرُّفَات بَين اثْنَيْنِ لم يكن بُد من ظُهُور القَوْل، وَهَذَا فِي غَايَة الْبعد، وَقد نقضه الْخطابِيّ على قَائِله بالظهار وَغَيره، فأنهم أَجمعُوا على أَنه: لَو عزم على الظِّهَار لم يلْزمه حَتَّى يلفظ بِهِ، قَالَ: وَهُوَ فِي معنى الطَّلَاق، وَكَذَلِكَ لَو حدث نَفسه بِالْقَذْفِ لم يكن قذفا، وَلَو حدث نَفسه فِي الصَّلَاة لم يكن عَلَيْهِ إِعَادَة، وَقد حرم الله تَعَالَى الْكَلَام فِي الصَّلَاة، فَلَو كَانَ حَدِيث النَّفس فِي معنى الْكَلَام لكَانَتْ صلَاته تبطل، وَقَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إِنِّي لأجهر جيشي وَأَنا فِي الصَّلَاة وَمِمَّنْ قَالَ بِأَن: طَلَاق النَّفس لَا يُؤثر، عَطاء بن أبي رَبَاح وَابْن سِيرِين وَالْحسن وَسَعِيد بن جُبَير وَالشعْبِيّ وَجَابِر بن زيد وَقَتَادَة وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن هَذِه الْمُجَاوزَة من خَصَائِص هَذِه الْأمة، وَأَن الْأُمَم الْمُتَقَدّمَة يؤاخذون بذلك، وَقد اخْتلف: هَل كَانَ ذَلِك يُؤَاخذ بِهِ فِي أول الْإِسْلَام؟ ثمَّ نسخ وخفف ذَلِك عَنْهُم، أَو تَخْصِيص وَلَيْسَ بنسخ، وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {وَإِن تبدوا مَا فِي أَنفسكُم أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ الله} (الْبَقَرَة: ٤٨٢) . فقد قَالَ غير وَاحِد من الصَّحَابَة، مِنْهُم أَبُو هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس: إِنَّهَا مَنْسُوخَة، بقوله تَعَالَى: {لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا} (الْبَقَرَة: ٦٨٢) . فَإِن قيل: قَالُوا: من عزم على الْمعْصِيَة بِقَلْبِه، وَإِن لم يعملها، يُؤَاخذ عَلَيْهِ. وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَا شكّ أَن الْعَزْم على الْمعْصِيَة وَسَائِر الْأَعْمَال القلبية كالحسد ومحبة إِشَاعَة الْفَاحِشَة يُؤَاخذ عَلَيْهِ، لَكِن إِذا وطَّن نَفسه عَلَيْهِ، وَالَّذِي فِي الحَدِيث هُوَ: مَا لم يوطن عَلَيْهِ نَفسه وَإِنَّمَا أَمر ذَلِك بفكره من غير اسْتِقْرَار، وَيُسمى هَذَا هما، وَيفرق بَين الْهم والعزم. فَإِن قيل: الْمَفْهُوم من لفظ: مَا لم تعْمل، مشْعر بِأَن مَا فِي الصُّدُور موطناً وَغير موطن لَا يُؤَاخذ عَلَيْهِ. وَأجِيب: بِأَنَّهُ يجب الْحمل على غير الموطن جمعا بَينه وَبَين مَا يدل على الْمُؤَاخَذَة، كَقَوْلِه تَعَالَى: {إِن الَّذين يحبونَ أَن تشيع الْفَاحِشَة} (النُّور: ٩١) . وَأَيْضًا: لفظ الوسوسة لَا يسْتَعْمل إلَاّ عِنْد التَّرَدُّد والتزلزل. وَقَالَ عِيَاض: الهمّ مَا يمر فِي الْفِكر من غير اسْتِقْرَار وَلَا توطن، فَإِن اسْتمرّ وتوطن عَلَيْهِ عزماً يُؤَاخذ بِهِ أَو يُثَاب عَلَيْهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الَّذِي ذهب إِلَيْهِ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ عَامَّة السّلف وَأهل الْعلم وَالْفُقَهَاء والمحدثين والمتكلمين، وَلَا يلْتَفت إِلَى من خالفهم فِي ذَلِك. فَزعم أَن مَا يهم بِهِ الْإِنْسَان وَإِن وَطن بِهِ لَا يُؤَاخذ بِهِ متمسكاً فِي ذَلِك بقوله تَعَالَى: {وَلَقَد هَمت بِهِ وهم بهَا} (يُوسُف: ٤٢) . وَبِقَوْلِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا لم تعْمل أَو تكلم، وَمن لم يعْمل بِمَا عزم عَلَيْهِ وَلَا نطق بِهِ، فَلَا. الْجَواب عَن و: الْآيَة أَن من الهمّ مَا يُؤَاخذ بِهِ الْإِنْسَان، وَهُوَ مَا اسْتَقر واستوطن، وَمِنْه مَا يكون أَحَادِيث لَا تَسْتَقِر، فَلَا يُؤَاخذ بهَا كَمَا شهد بِهِ الحَدِيث، وَالَّذِي يرفع الْإِشْكَال وَيبين المُرَاد حَدِيث أبي كَبْشَة عَمْرو بن سعد: سمع سيدنَا رَسُول الله لله ... فَذكر حَدِيثا فِيهِ: قَالَت الْمَلَائِكَة: ذَاك عَبدك يُرِيد أَن يعْمل سَيِّئَة وَهُوَ أبْصر بِهِ. وَزعم الطَّبَرِيّ أَن فِيهِ دلَالَة على أَن الْحفظَة يَكْتُبُونَ أَعمال الْقُلُوب خلافًا لمن قَالَ: لَا يكتبونها وَلَا يَكْتُبُونَ إلَاّ الْأَعْمَال الظَّاهِرَة، وَبِه اسْتدلَّ بَعضهم على أَنه إِذا كتب بِالطَّلَاق وَقع من قَوْله مَا لم يعْمل، وَالْكِتَابَة عمل، وَهُوَ قَول مُحَمَّد بن الْحسن وَأحمد بن حَنْبَل، وَشرط مَالك فِيهِ الْإِشْهَاد على الْكِتَابَة، وَجعله الشَّافِعِي كِنَايَة إِن نوى بِهِ الطَّلَاق وَقع، وإلَاّ فَلَا، وَفرض بَعضهم بَين أَن يَكْتُبهُ فِي بَيَاض كالرق وَالْوَرق واللوح، وَبَين أَن يَكْتُبهُ على الأَرْض فأوقعه فِي الأول دون الثَّانِي، وَفِيه نظر.

٩٢٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثيرٍ عنْ سُفْيانَ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ سَعيدٍ عَن مُحَمَّدِ بنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْكيِّ عنْ عَلْقَمَةَ بنِ وقَّاصٍ اللَّيْثِي قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبِيِّ

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الأعْمَالُ بالنِّيَّةِ ولاِمْرِىءٍ مَا نَوَى فَمَنْ كانتُ هِجْرَتُهُ إِلَى الله ورسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى الله ورسولِهِ ومَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أوِ امْرَأةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهجْرَتُه إِلَى مَا هاجَرَ إلَيْهِ..

قد مر هَذَا الحَدِيث فِي أول الْكتاب فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن الْحميدِي عَن سُفْيَان ... إِلَى آخِره، وَهنا: عَن مُحَمَّد بن كثير ضد قَلِيل عَن سُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ.

قَوْله: (الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ ولامرىء مَا نوى) ، كَذَا أخرجه مُحَمَّد بن كثير بِخِلَاف: إِنَّمَا، فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وٌ د أخرجه أَبُو دَاوُد عَن مُحَمَّد بن كثير شيخ البُخَارِيّ فِيهِ، فَقَالَ: (إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لامرىء مَا نوى) . قَوْله: (إِلَى دنيا) فِي رِوَايَة الْكشميهني: للدنيا، وَهِي رِوَايَة أبي دَاوُد أَيْضا، وَوجه إِعَادَة هَذَا الحَدِيث وَذكره هُنَا لأجل ذكر قِطْعَة مِنْهُ، وَهُوَ قَوْله: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لكل امرىء مَا نوى، وَقد ذكرنَا وَجه ذكر الْقطعَة، وللإشارة أَيْضا إِلَى أَنه أخرج هَذَا الحَدِيث من شيخين وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.

٧ - (بابٌ إذَا قَالَ رجُلٌ لِعَبْدِهِ هُوَ لله ونَوَى الْعِتْقَ والإشْهَادُ فِي العِتْقِ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا قَالَ رجل لعَبْدِهِ هُوَ لله، هَذَا هَكَذَا روى الْأصيلِيّ وكريمة، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: بَاب إِذا قَالَ لعَبْدِهِ، الْفَاعِل مُضْمر، وَهُوَ رجل أَو شخص. قَوْله: (وَنوى الْعتْق) ، أَي: وَالْحَال أَنه نوى عتق العَبْد بِهَذَا اللَّفْظ، وَجَوَاب إِذا مَحْذُوف تَقْدِيره: صَحَّ أَو عتق العَبْد. قَوْله: (وَالْإِشْهَاد) بِالرَّفْع، وَفِيه حذف تَقْدِيره: وَبَاب يذكر فِيهِ الْإِشْهَاد فِي الْعتْق، فَيكون ارتفاعه بِالْفِعْلِ الْمُقدر، وَتَكون هَذِه الْجُمْلَة أَعنِي: قَوْلنَا: وَبَاب يذكر فِيهِ الْإِشْهَاد على الْعتْق معطوفة على: بَاب إِذا قَالَ أَي بَاب يذكر فِيهِ، إِذا قَالَ، وَلَفظ: بَاب، منون فِي الظَّاهِر، وَفِي الْمُقدر، وَهَذَا هُوَ الْوَجْه، وَمن جر الْإِشْهَاد فقد جر مَا لَا يُطيق حمله.

٠٣٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ نُمَيْرٍ عنْ مُحَمَّدِ بنِ بِشْرٍ عنْ إسْمَاعِيلَ عنْ قَيْسٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّهُ لَمَّا أقْبَلَ يُرِيدُ الأسْلامَ ومَعَهُ غُلامُهُ ضَلَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُما مِنْ صاحِبِهِ فأقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ وأبُو هُرَيْرَةَ جالِسٌ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَذَا غُلَامُكَ قَدْ أتَاكَ فَقَالَ أما أنِّي أُشْهِدُكَ أنَّهُ حُرٌّ فَهْوَ حينَ يَقُولُ:

(يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وعَنائِها ... علَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الكُفْرِ نَجَّتِ)

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أما أَنِّي أشهدك أَنه حر) ، وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده.

وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد الأحمسي البَجلِيّ، وَاسم أبي خَالِد سعد، وَقيس هُوَ ابْن أبي حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: واسْمه عَوْف، قدم الْمَدِينَة بَعْدَمَا قبض النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهَؤُلَاء كلهم كوفيون

قَوْله: (يُرِيد الْإِسْلَام) جملَة حَالية، وَكَذَلِكَ قَوْله: (وَمَعَهُ غُلَامه) ، جملَة حَالية إسمية أَي: وَمَعَ أبي هُرَيْرَة. قَوْله: (ضل) ، أَي: تاه كل وَاحِد مِنْهُمَا ذهب إِلَى نَاحيَة وَفَسرهُ الْكرْمَانِي بقوله: ضَاعَ، وَتَبعهُ بَعضهم على ذَلِك وَلَيْسَ مَعْنَاهُ إلَاّ مَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (أما) ، بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْمِيم وتستعمل هَذِه الْكَلِمَة على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن تكون حرف استفتاح بِمَنْزِلَة أَلا. وَالثَّانِي: أَن تكون بِمَعْنى حَقًا. وَأما، هُنَا على هَذَا الْمَعْنى. قَوْله: (أَنِّي) ، بِفَتْح الْهمزَة كَمَا تفتح الْهمزَة بعد قَوْلهم: حَقًا، لِأَنَّهَا بِمَعْنَاهُ. قَوْله: (فَهُوَ حِين يَقُول) ، أَي: الْوَقْت الَّذِي وصل فِيهِ إِلَى الْمَدِينَة. قَوْله: (يَا لَيْلَة) ، هَذَا من بَحر الطَّوِيل، وَقد دخله الخرم، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة وَسُكُون الرَّاء، وَهُوَ حذف الْحَرْف من أول الْجُزْء، وللطويل ثَمَانِيَة أَجزَاء وَقد حذف الْحَرْف من أول جزئه وَهُوَ: يَا لَيْلَة، لِأَن تَقْدِيره: فيا لَيْلَة، لِأَن وَزنه فيالي: فعولن، لَهُ من طو: مفاعيلن، لَهَا و: فعول، عنائها: مفاعلن. وَفِيه الْقَبْض، وَقَول الْكرْمَانِي: وَلَا بُد من زِيَادَة وَلَو أوفاء فِي أول الْبَيْت ليَكُون مَوْزُونا، كَلَام من يقف على علم الْعرُوض، لِأَن مَا جَازَ حذفه كَيفَ يُقَال فِيهِ لَا بُد من إثْبَاته؟ قَوْله: (عنائها) ، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وبتخفيف النُّون وبالمد: أَي تعبها ومشقتها. قَوْله: (دارة

الْكفْر) ، هِيَ دَار الْحَرْب، والدارة أخص من الدَّار، ويروى: (دَاره) ، بِالْإِضَافَة إِلَى الضَّمِير، وَحِينَئِذٍ يكون الْكفْر بَدَلا مِنْهُ بدل الْكل من الْكل، وَكَثِيرًا مَا تسْتَعْمل الدارة فِي أشعار الْعَرَب، كَمَا قَالَ امْرُؤ الْقَيْس:

(وَلَا سِيمَا يَوْم بدارة جلجل)

ودارات كَثِيرَة، وَقَالَ أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي: الدارة جوفة تحف الْجبَال، وَقَالَ عَنهُ فِي مَوضِع آخر: الدارة رمل مستدير قدر ميلين تحفه الْجبَال. وَقَالَ الهجري: الدارة النبكة السهلة حفتها جبال، وَمِقْدَار الدارة خَمْسَة أَمْيَال فِي مثلهَا. قلت: النبكة، بِفَتْح النُّون وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَالْكَاف: وَهِي أكمة محددة الرَّأْس، وَيجمع على: نبك، بِالتَّحْرِيكِ. فَإِن قلت: الشّعْر لمن؟ قلت: ظَاهره أَنه لأبي هُرَيْرَة، وَلكنه غير مَشْهُور بالشعر. وَحكى ابْن التِّين: أَنه لغلامه، وَحكى الفاكهي فِي (كتاب مَكَّة) : عَن مقدم بن حجاج السوَائِي أَن الْبَيْت الْمَذْكُور لأبي مرْثَد الغنوي فِي قصَّة لَهُ، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يكون أَبُو هُرَيْرَة قد تمثل بِهِ. وَالله أعلم.

وَقَالَ الْمُهلب: لَا خلاف بَين الْعلمَاء فِيمَا علمت إِذا قَالَ رجل لعَبْدِهِ: هُوَ حر، أَو: هُوَ لله، وَنوى الْعتْق أَنه يلْزمه الْعتْق. وكل مَا يفهم بِهِ عَن الْمُتَكَلّم أَنه أَرَادَ بِهِ الْعتْق لزمَه وَنفذ عَلَيْهِ، وروى ابْن أبي شيبَة عَن هشيم عَن مُغيرَة: أَن رجلا قَالَ لغلامه: أَنْت لله. فَسئلَ الشّعبِيّ وَالْمُسَيب بن رَافع وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان، فَقَالُوا: هُوَ حر. وَعَن إِبْرَاهِيم كَذَلِك، وَقَالَ إِبْرَاهِيم: وَإِن قَالَ: إِنَّك لحر النَّفس، فَهُوَ حر، وَعَن الْحسن: إِذا قَالَ: مَا أَنْت إلَاّ حر، نِيَّته. وَعَن الشّعبِيّ مثله.

وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ: الْعتْق عِنْد بُلُوغ الأمل والنجاة مِمَّا يخَاف، كَمَا فعل أَبُو هُرَيْرَة حِين أَنْجَاهُ الله من دَار الْكفْر وَمن ضلاله فِي اللَّيْل عَن الطَّرِيق، وَكَانَ إِسْلَام أبي هُرَيْرَة فِي سنة سِتّ من الْهِجْرَة.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

لم يلزم (١) حتَّى يتلفَّظ به، قال: وهو في معنى الطَّلاق، وكذلك لو حدَّث نفسه بالقذف لم يكن قاذفًا، ولو حدَّث نفسه في الصَّلاة لم يكن عليه إعادةٌ، وقد حرَّم الله تعالى الكلام في الصَّلاة، فلو كان حديث النَّفس في معنى الكلام لبطلت الصَّلاة، وقد قال عمر بن الخطَّاب : إنِّي لأجهِّز جيشي وأنا في الصَّلاة.

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الطَّلاق» [خ¦٥٢٦٩] و «النُّذور» [خ¦٦٦٦٤]، ومسلمٌ في «الإيمان»، وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الطَّلاق».

٢٥٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) أبو عبد الله العبديُّ البصريُّ الثِّقة، ولم يُصِبْ من ضَعَّفَهُ، وقد وثَّقه أحمد (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ التَّابعيُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ) القرشيِّ المدنيِّ التَّابعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ) -بالمُثلَّثة- أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: الأَعْمَالُ) (٢) إنَّما تصحُّ (بِالنِّيَّةِ) بالإفراد (وَلاِمْرِئٍ) ثوابُ (مَا نَوَى) بحذف «إنَّما» في الموضعين، ومعنى النِّيَّة القصدُ إلى الفعل، وقال الحافظ المقدسيُّ في «أربعينه»: النِّيَّة والقصد والإرادة والعزم بمعنىً، والعرب تقول: نواك الله بحفظه، أي: قصدك، وعبارة بعضهم: إنَّها تصميم القلب على فعل الشَّيء، وقال الماورديُّ في «كتاب الإيمان»: النِّيَّة (٣): قصد الشَّيء مقترنًا بفعله، فإن تراخى عنه كان عزمًا، وقال الخطَّابيُّ: قصدك الشَّيء بقلبك وتحرِّي الطَّلب منك له، وقال البيضاويُّ: النِّيَّة عبارةٌ عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقًا لغرضٍ من جلب نفعٍ، أو دفع ضرٍّ، حالًا أو مآلًا، والشَّرع خصَّها

بالإرادة المتوجِّهة نحو الفعل ابتغاءً لوجه الله وامتثالًا لحكمه، والنِّيَّة في الحديث محمولةٌ على المعنى اللُّغويِّ ليحسن تطبيقه وتقسيمه بقوله: (فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيَا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لدنيا» (يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) فإنَّه تفصيلٌ لِمَا أجمله، واستنباطٌ للمقصود (١) عمَّا أصله، والمعنى: من قصدَ بهجرته وجهَ الله وقع أجرُه على الله، ومن قصد بها دنيا أو امرأةً فهي حظُّه، ولا نصيبَ له في الآخرة، فالأُولى للتَّعظيم، والثَّانية للتَّحقير، ولا يُقال: اتَّحد الشَّرط والجزاء؛ لأنَّا نقول: ليس الجزاء هنا نفس الشَّرط (٢)، وإنَّما الجزاء محذوفٌ أُقيم هذا المذكور مقامه، وتأوَّله ابن دقيق العيد: بأنَّ التَّقدير: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نيَّةً وقصدًا فهجرته إلى الله ورسوله حكمًا وشرعًا، وفيه بحثٌ سبق أوَّل هذا الكتاب [خ¦١] وأواخر «الإيمان» [خ¦٥٤] فليُراجَع.

وتنقسم النِّيَّة إلى أقسامٍ كثيرةٍ، كالتَّعبُّد: وهو إخلاص العمل لله تعالى، والتَّمييز، كمن أقبض ربَّ الدَّين من جنس دَينه شيئًا، فإنَّه يحتمل الهبة والقرض والوديعة والإباحة ونحوها، ويحتمل أن يكون من وفاء الدَّين، وكذا في مواضعَ من المُعامَلات ونحوها، ككناية البيع والطَّلاق، فإنَّه لو لم ينوِ الطَّلاق لم يقع، وكمن أُكرِه على الكفر فتكلَّم به وهو ينوي خلافه فإنَّه لا يكفر، ونحو ذلك ممَّا هو معروفٌ في كتب الفقه، وزعم قومٌ: أنَّ الاستدلال بالحديث في غير العبادات غير صحيحٍ؛ لأنَّه إنَّما جاء في اختلاف مصارف (٣) وجوه العبادات، والجواب: أنَّ العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب، واستنبط المؤلِّف منه عدمَ وقوع العِتَاق والطَّلاق من النَّاسي والمخطئ؛ لأنَّه لا نيَّة لهما، ولا يحتاج صريحُ الطَّلاق إلى نيَّةٍ؛ لأنَّ الصَّريحَ موضوعٌ للطَّلاق شرعًا، فكان حقيقةً فيه فاستغنى عن النِّيَّة، وقال الحنفيَّة: طلاق الخاطئ والنَّاسي والهازل واللَّاعب والذي تكلَّم به من غير قصدٍ واقعٌ؛ لأنَّه كلامٌ صحيحٌ صادرٌ من عاقلٍ بالغٍ.

(٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ) ولغير أبوي ذرٍّ والوقت: «إذا قال رجلٌ لعبده» (هُوَ لِلهِ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

تابَعَهُ حَجَّاجُ بنُ حَجَّاجٍ وأبانُ ومُوسى بنُ خَلَفٍ عنْ قَتادَةَ اخْتَصَرَهُ شُعْبَةُ

أَي: تَابع سعيد بن أبي عرُوبَة فِي رِوَايَته عَن قَتَادَة حجاج بن حجاج، على وزن فعال، بِالتَّشْدِيدِ فيهمَا: الْأَسْلَمِيّ الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ الْأَحول، أَرَادَ البُخَارِيّ بِذكر مُتَابعَة هَؤُلَاءِ الرَّد على من زعم أَن الِاسْتِسْعَاء فِي هَذَا الحَدِيث غير مَحْفُوظ، وَأَن سعيد بن أبي عرُوبَة تفرد بِهِ، فاستظهر لَهُ بمتابعة هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين.

أما رِوَايَة حجاج بن حجاج فَهِيَ فِي نُسْخَة رَوَاهَا أَحْمد بن حَفْص أحد شُيُوخ البُخَارِيّ عَن أَبِيه عَن إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَنهُ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ حجاج بن أَرْطَأَة عَن قَتَادَة فقد أخرجهَا الطَّحَاوِيّ، وَقَالَ: حَدثنَا روح بن الْفرج، قَالَ: حَدثنَا يُوسُف بن عدي، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان الرَّازِيّ عَن حجاج بن أَرْطَأَة عَن قَتَادَة، فَذكر مثله، أَي: مثل رِوَايَة سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة، وَقد ذكر آنِفا.

وَأما رِوَايَة أبان، فقد أخرجهَا أَبُو دَاوُد: حَدثنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم، قَالَ: حَدثنَا أبان، قَالَ: حَدثنَا قَتَادَة عَن النَّضر بن أنس عَن بشير ابْن نهيك عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من أعتق شقيصاً فِي مَمْلُوكه فَعَلَيهِ أَن يعتقهُ كُله إِن كَانَ لَهُ مَال، وإلَاّ استسعى العَبْد غير مشقوق عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا والطَّحَاوِي.

وَأما رِوَايَة مُوسَى بن خلف فقد أخرجهَا الْخَطِيب فِي كتاب (الْفَصْل للوصل) من طَرِيق أبي ظفر عبد السَّلَام بن مطهر عَنهُ عَن قَتَادَة عَن النَّضر، وَلَفظه: (من أعتق شِقْصا لَهُ فِي مَمْلُوك فَعَلَيهِ خلاصه إِن كَانَ لَهُ مَال، فَإِن لم يكن لَهُ مَال استسعى غير مشقوق عَلَيْهِ) . ومُوسَى بن خلف، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَاللَّام المفتوحتين: الْعمي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمِيم: كَانَ يعد البدلاء.

وَأما من رِوَايَة شُعْبَة فأخرجها مُسلم وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق غنْدر عَن قَتَادَة بِإِسْنَادِهِ وَلَفظه عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي الْمَمْلُوك بَين الرجلَيْن فَيعتق أَحدهمَا نصِيبه، قَالَ: يضمن.

٦ - (بابُ الخَطَإ والنِّسْيانِ فِي العَتَاقَةِ والطَّلاقِ ونَحْوِهِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْخَطَأ وَالنِّسْيَان فِي الْعتْق وَالطَّلَاق، وَالْخَطَأ ضد الْعمد، فَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْخَطَأ نقيض الصَّوَاب، وَقد يمد، وقرىء بهما فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمن قتل مُؤمنا خطأ} (النِّسَاء: ٢٩) . تَقول: أَخْطَأت وتخطأت، بِمَعْنى وَاحِد، وَلَا يُقَال: أخطيت، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَأَخْطَأ يخطىء: إِذا سلك سَبِيل الْخَطَأ عمدا أَو سَهوا، وَيُقَال: خطىء بِمَعْنى أَخطَأ أَيْضا، وَقيل: خطىء إِذا تعمد، وَأَخْطَأ إِذا لم يتَعَمَّد، وَيُقَال لمن أَرَادَ شَيْئا فَفعل غَيره أَو فعل غير الصَّوَاب: أَخطَأ. وَالنِّسْيَان خلاف الذّكر وَالْحِفْظ، وَرجل نِسْيَان، بِفَتْح النُّون: كثير النسْيَان للشَّيْء، وَقد نسيت الشَّيْء نِسْيَانا، وَعَن أبي عُبَيْدَة: النسْيَان التّرْك، قَالَ تَعَالَى: {نسوا الله فنسيهم} (التَّوْبَة: ٧٦) . وَقد ذكرت فِي (شرح مَعَاني الْآثَار) الَّذِي ألفته: أَن الْخَطَأ فِي الإصطلاح هُوَ الْفِعْل فِي غير قصد تَامّ، وَالنِّسْيَان معنى يَزُول بِهِ الْعلم من الشَّيْء مَعَ كَونه ذَاكِرًا لأمورٍ كَثِيرَة، وَإِنَّمَا قيل ذَلِك احْتِرَازًا عَن النّوم وَالْجُنُون وَالْإِغْمَاء، وَقيل: النسْيَان عبارَة عَن الْجَهْل الطارىء، وَيُقَال؛ المأتى بِهِ إِن كَانَ على جِهَة مَا يَنْبَغِي فَهُوَ الصَّوَاب، وَإِن كَانَ لَا على مَا يَنْبَغِي نظر، فَإِن كَانَ مَعَ قصد من الْآتِي بِهِ يُسمى الْغَلَط، وَإِن كَانَ من غير قصد مِنْهُ، فَإِن كَانَ يتَنَبَّه بإيسر تَنْبِيه يُسمى السَّهْو، وإلَاّ يُسمى الْخَطَأ. قَوْله: (وَنَحْوه) ، أَي: نَحْو مَا ذكر من الْعتَاقَة وَالطَّلَاق من الْأَشْيَاء الَّتِي يُرِيد الرجل أَن يتَلَفَّظ بِشَيْء مِنْهَا. فَيَسْبق لِسَانه إِلَى غَيره، وَقَالَ بَعضهم: (وَنَحْوه) ، أَي: من التعليقات. قلت: هَذَا التَّفْسِير لَيْسَ بِظَاهِر وَلَا لَهُ معنى يُفِيد صُورَة الْخَطَأ فِي الْعتاق إِن أَرَادَ التَّلَفُّظ بِشَيْء فَسبق لِسَانه، فَقَالَ لعَبْدِهِ: أَنْت حر، وَكَذَلِكَ فِي الطَّلَاق، قَالَ لامْرَأَته: أَنْت طَالِق، بعد أَن أَرَادَ التَّلَفُّظ بِشَيْء، وَقَالَ أَصْحَابنَا: طَلَاق الخاطىء وَالنَّاسِي والهازل واللاعب وَالَّذِي يكلم بِهِ من غير قصد وَاقع، وَصُورَة النَّاسِي فِيمَا إِذا حلف وَنسي، وَقَالَ الدَّاودِيّ: النسْيَان لَا يكون فِي الطَّلَاق وَلَا الْعتاق إلَاّ أَن يُرِيد أَنه حلف بهما على فعل شَيْء ثمَّ نسي يَمِينه وَفعله، فَهَذَا إِنَّمَا يوضع فِيهِ النسْيَان إِذا لم يذكر فِيهِ يَمِينه، كَمَا تُوضَع الصَّلَاة عَمَّن نَسِيَهَا إِذا لم يذكرهَا حَتَّى يَمُوت، وَكَذَلِكَ دُيُون النَّاس وَغَيرهَا لَا يَأْثَم بِتَرْكِهَا نَاسِيا. قَالَ ابْن التِّين: هَذَا من الدَّاودِيّ على مَذْهَب مَالك، رَحمَه الله تَعَالَى. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي النَّاسِي فِي يَمِينه: هَل يلْزمه حنث أم لَا؟ على قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: لَا، وَهُوَ قَول عَطاء وَأحد قولي الشَّافِعِي، وَبِه قَالَ إِسْحَاق، وَإِلَيْهِ ذهب البُخَارِيّ فِي الْبَاب. وَثَانِيهمَا: وَهُوَ قَول الشّعبِيّ وطاووس: من أَخطَأ فِي الطَّلَاق فَلهُ نِيَّته، وَفِيه قَول ثَالِث: يَحْنَث فِي الطَّلَاق خَاصَّة، قَالَه أَحْمد، وَذهب مَالك والكوفيون إِلَى أَنه يَحْنَث فِي الْخَطَأ أَيْضا، وَادّعى ابْن بطال أَنه الْأَشْهر

عَن الشَّافِعِي، وَرُوِيَ ذَلِك عَن أَصْحَاب ابْن مَسْعُود. وَاخْتلف ابْن الْقَاسِم وَأَشْهَب فِيمَا إِذا دَعَا رجل عبدا يُقَال لَهُ نَاصح، فَأَجَابَهُ عبد يُقَال لَهُ مَرْزُوق، فَقَالَ لَهُ: أَنْت حر، وَهُوَ يظنّ الأول، وَشهد عَلَيْهِ بذلك، فَقَالَ ابْن الْقَاسِم: يعتقان جَمِيعًا: مَرْزُوق بمواجهته بِالْعِتْقِ، وناصح بِمَا نَوَاه، وَأما فِيمَا بَينه وَبَين الله فَلَا يعْتق إلَاّ نَاصح. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: إِن لم يكن لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَة لم يعْتق إلَاّ الَّذِي نوى، وَقَالَ أَشهب: يعْتق مَرْزُوق فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى، وَفِيمَا بَينه وَبَين الله لَا يعْتق نَاصح، لِأَنَّهُ دَعَاهُ لِيعْتِقَهُ فَأعتق غَيره وَهُوَ يَظُنّهُ مرزوقاً.

ولَا عَتَاقَةَ إلَاّ لِوَجْهِ الله تَعَالَى

روى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: لَا طَلَاق إلَاّ لعدة، وَلَا عتاق إلَاّ لوجه الله، وَمعنى: لَا عتاقة إلَاّ لوجه الله، أَي: لذات الله أَو لجِهَة رِضَاء الله، قيل: أَرَادَ البُخَارِيّ بإيراد هَذَا الرَّد على الْحَنَفِيَّة فِي قَوْلهم: إِذا قَالَ الرجل لعَبْدِهِ: أَنْت حر للشَّيْطَان أَو للصنم، فَإِنَّهُ يعْتق لصدوره من أَهله مُضَافا إِلَى مَحَله عَن ولَايَة فنفذ، ولغت تَسْمِيَة الْجِهَة وَكَانَ عَاصِيا بهَا. وَالْجَوَاب عَنهُ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: تَصْحِيح الحَدِيث الْمَذْكُور، وَالْآخر: بعد التَّسْلِيم أَن المُرَاد بِهِ أَن يكون نِيَّة الْمُعْتق الْإِخْلَاص فِيهَا، لِأَن الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ، فَإِذا لم يكن خَالِصا فِي نِيَّته يكون عَاصِيا بِذكر غير الله، كَمَا ذكرنَا، وَترك هَذَا لَا يمْنَع وُقُوع الْعتْق لقضية: أَنْت حر، وَالْبَاقِي لَغْو.

وَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لكُلِّ امْرِىءٍ مَا نَوَى

هَذَا قِطْعَة من حَدِيث عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قد مر فِي أول الْكتاب بِلَفْظ: (وَإِنَّمَا لكل امرىء مَا نوى) . وَأوردهُ فِي أَوَاخِر كتاب الْإِيمَان: (وَلكُل امرىء مَا نوى) . فَإِن قلت: مَا مُرَاده من ذكر هَذِه الْقطعَة هَهُنَا؟ قلت: كَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ تَأْكِيد مَا سبق من عدم وُقُوع الْعتاق إِذا كَانَ لغير وَجه الله، لِأَن الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ، وَلكنه لَا يُفِيد شَيْئا، لِأَن النِّيَّة أَمر مبطن وَوُقُوع الْإِعْتَاق غير مُتَوَقف عَلَيْهِ، بل الْوُقُوع بِمُقْتَضى الْكَلَام الصَّحِيح، فَلَا يمنعهُ تَسْمِيَة الْجِهَة اللَّغْو.

ولَا نِيَّةَ لِلنَّاسِي والْمُخْطِىء

كَأَنَّهُ استنبط من قَوْله: (لكل امرىء مَا نوى) ، عدم وُقُوع الْعتاق من النَّاسِي والمخطىء لِأَنَّهُ لَا نِيَّة لَهما، وَفِيه نظر، لِأَن الْوُقُوع إِنَّمَا هُوَ بِمُقْتَضى كَلَام صَحِيح صادر من عَاقل بَالغ، والمخطىء من: أَخطَأ من أَرَادَ الصَّوَاب فَصَارَ إِلَى غَيره، وَوَقع فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ: الخاطىء من خطأ، وَهُوَ من تعمد لما لَا يَنْبَغِي. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون أَشَارَ بالترجمة إِلَى مَا ورد فِي بعض الطّرق، وَهُوَ الحَدِيث الَّذِي يذكرهُ أهل الْفِقْه وَالْأُصُول كثيرا بِلَفْظ: (رفع الله عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ، أخرجه ابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن عَبَّاس، إلَاّ أَنه بِلَفْظ: وضع، بدل: رفع. انْتهى. قلت: كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى هَذَا الحَدِيث الَّذِي أخبر بِأَن الْخَطَأ وَالنِّسْيَان رفعا عَن أمته، فَلَا يَتَرَتَّب على النَّاسِي والمخطىء حكم، وَذَلِكَ لعدم النِّيَّة فيهمَا، والأعمال بِالنِّيَّاتِ، فَإِذا كَانَ كَذَلِك لَا يَقع الْعتاق من النَّاسِي والمخطىء، وَكَذَلِكَ الطَّلَاق، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي، لِأَنَّهُ لَا اخْتِيَار لَهُ فَصَارَ كالنائم والمغمى عَلَيْهِ، قُلْنَا: الِاخْتِيَار أَمر بَاطِن لَا يُوقف عَلَيْهِ إلَاّ بحرج فَلَا يَصح تَعْلِيق الحكم عَلَيْهِ، أما هَذَا الحَدِيث فَإِنَّهُ صَحِيح، فَأخْرجهُ الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَاد رِجَاله رجال الصَّحِيح غير شَيْخه، حَيْثُ قَالَ: حَدثنَا ربيع الْمُؤَذّن، قَالَ: حَدثنَا بشر بن بكر، قَالَ: أخبرنَا الْأَوْزَاعِيّ عَن عَطاء عَن عبيد بن عُمَيْر عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: تجَاوز الله لي عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ، فَهَذَا هُوَ الصَّحِيح، وَالَّذِي أعله إِنَّمَا أعل إِسْنَاد ابْن مَاجَه الَّذِي أخرجه عَن مُحَمَّد بن الْمُصَفّى الْحِمصِي: حَدثنَا الْوَلِيد بن مُسلم حَدثنَا الْأَوْزَاعِيّ عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَن الله وضع عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ، فَهَذَا كَمَا ترى أسقط: عبيد بن عُمَيْر، وَأَيْضًا أعله بِأَنَّهُ من رِوَايَة الْوَلِيد عَن الْأَوْزَاعِيّ، وَالصَّحِيح طَرِيق الطَّحَاوِيّ، وَأخرج نَحوه الدَّارَقُطْنِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم، وَرَوَاهُ ابْن حزم من طَرِيق الرّبيع وَصَححهُ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي الْأَرْبَعين: هُوَ حَدِيث حسن صَحِيح. قَوْله: (تجَاوز الله) أَي: عَفا الله. قَوْله: (لي) ، أَي: لأجلي، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لم يتَجَاوَز ذَلِك إلَاّ عَن هَذِه الْأمة

لأجل سيدنَا مُحَمَّد، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (الْخَطَأ وَالنِّسْيَان) ، أَي: حكمهمَا فِي حق الله لَا فِي حُقُوق الْعباد، لِأَن فِي حَقه عذرا صَالحا لسقوطه، حَتَّى قيل إِن الخاطىء لَا يَأْثَم، فَلَا يُؤَاخذ بِحَدّ وَلَا قصاص. وَأما فِي حُقُوق الْعباد فَلم يَجْعَل عذرا حَتَّى وَجب ضَمَان الْعدوان على الخاطىء، لِأَنَّهُ ضَمَان مَال لَا جَزَاء فعل، وَوَجَب بِهِ الدِّيَة وَصَحَّ طَلَاقه وعتاقه.

٨٢٥٢ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ قَالَ حدَّثنا مِسْعَرٌ عنْ قَتادَةَ عنْ زُرَارَةَ بنِ أوْفَى عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّ الله تَجَاوَزَ لِي عنْ أُمَّتِي مَا وسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُها مَا لَمْ تَعْمَلْ أوْ تَكَلَّمْ..

قيل: لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْء يُطَابق التَّرْجَمَة، لِأَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي وَسْوَسَة الصُّدُور، وَلَو ذكر حَدِيث ابْن عَبَّاس الْمَذْكُور الْآن لَكَانَ أنسب، وَأجَاب الْكرْمَانِي بِشَيْء يقرب مِنْهُ أَخذ وَجه الْمُطَابقَة حَيْثُ قَالَ: أَولا: مَا وَجه تعلق الحَدِيث بالوسوسة؟ ثمَّ قَالَ: قلت: الْقيَاس على الوسوسة، فَكَمَا أَنَّهَا لَا اعْتِبَار لَهَا عِنْد عدم التوطين، فَكَذَلِك النَّاسِي والمخطىء، لَا توطين لَهما.

ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: الْحميدِي، بِضَم الْحَاء نِسْبَة إِلَى حميد، أحد أجداد الرَّاوِي، وَهُوَ عبد الله بن الزبير بن عِيسَى بن عبيد الله بن أُسَامَة بن عبد الله بن الزبير بن حميد أَبُو بكر. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: مسعر، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين وَفتح الْعين الْمُهْملَة: ابْن كدام. الرَّابِع: قَتَادَة. الْخَامِس: زُرَارَة، بِضَم الزَّاي وَتَخْفِيف الرَّاء: ابْن أبي أوفى بِلَفْظ: أفعل التَّفْضِيل العامري، مَاتَ فجاءة سنة ثَلَاث وَتِسْعين، وَقيل: كَانَ يُصَلِّي صَلَاة الصُّبْح فَقَرَأَ {يَا أَيهَا المدثر} (المدثر: ١) . إِلَى أَن بلغ {فَإِذا نقر فِي الناقور} (المدثر: ٨) . خر مَيتا. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه مكيان، والْحميدِي قد مر فِي أول (الصَّحِيح) . وَفِيه: حَدثنَا الْحميدِي، ويروى: حَدثنِي بِصِيغَة الْإِفْرَاد. وَفِيه: أَن مسعراً وَقَتَادَة كوفيان، وَأَن زُرَارَة بَصرِي قَاضِي الْبَصْرَة، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ أَحَادِيث يسيرَة. وَفِيه: عَن زُرَارَة، وَفِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور: حَدثنَا زُرَارَة.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّلَاق عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم وَفِي النذور عَن خَلاد بن يحيى. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن قُتَيْبَة وَسَعِيد بن مَنْصُور وَمُحَمّد بن عبيد وَعَن عَمْرو النَّاقِد وَزُهَيْر بن حَرْب وَعَن ابْن الْمثنى وَابْن بشار وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن زُهَيْر بن حَرْب عَن وَكِيع وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّلَاق عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّلَاق عَن عبيد الله بن سعيد وَعَن مُوسَى بن عبد الرحمان وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ وَعَن حميد بن مسْعدَة وَعَن هِشَام بن عمار.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِن الله تجَاوز لي عَن أمتِي) وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (تجَاوز الله لأمتي) . قَوْله: (لي) أَي: لأجلي. قَوْله: (مَا وسوست بِهِ صدورها) ، جملَة فِي مَحل النصب على المفعولية، وَكلمَة: مَا، مَوْصُولَة، و: وسوست، صلتها و: بِهِ، عَائِد و: صدورها، بِالرَّفْع فَاعل وسوست، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ بِالنّصب على أَن: وسوست، تضمن معنى: حدثت، وَيَأْتِي فِي الطَّلَاق بِلَفْظ: مَا حدثت بِهِ أَنْفسهَا. وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: عَمَّا حدثت بِهِ أَنْفسهَا. وَفِي رِوَايَة للنسائي: (إِن الله تجَاوز لأمتي مَا وسوست بِهِ وَحدثت بِهِ أَنْفسهَا) . وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَأهل اللُّغَة يَقُولُونَ: أَنْفسهَا، بِالضَّمِّ يُرِيدُونَ بِغَيْر اخْتِيَارهَا، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: {ونعلم مَا توسوس بِهِ نَفسه} (ق: ٦١) . وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن قَوْله: بِالضَّمِّ، لَيْسَ بجيد، بل الصَّوَاب: بِالرَّفْع، لِأَنَّهَا حَرَكَة إِعْرَاب. قلت: لَيْسَ هَذَا مَوضِع المناقشة بِالرَّدِّ عَلَيْهِ لِأَن الرّفْع هُوَ الضَّم فِي الأَصْل، غَايَة مَا فِي الْبَاب أَن النُّحَاة يستعملون فِي الْإِعْرَاب الرّفْع، وَفِي الْبناء الضَّم، بل يسْتَعْمل

كل مِنْهُمَا مَوضِع الآخر، خُصُوصا عِنْد الْفُقَهَاء الوسوسة: حَدِيث النَّفس والأفكار، وَقد وسوست إِلَيْهِ نَفسه وَسْوَسَة ووسواساً بِالْكَسْرِ، وَهُوَ بِالْفَتْح الِاسْم، ووسوس إِذا تكلم بِكَلَام لم يُبينهُ، حَاصله أَن الوسوسة تردد الشَّيْء فِي النَّفس من غير أَن تطمئِن إِلَيْهِ وتستقر عِنْده. قَوْله: (مَا لم تعْمل) أَي: فِي العمليات (أَو تكلم) فِي القوليات. وَأما قَول ابْن الْعَرَبِيّ: إِن المُرَاد بقوله: مَا لم تكلم، الْكَلَام النَّفْسِيّ، إِذْ هُوَ الْكَلَام الْأَصْلِيّ وَأَن القَوْل الْحَقِيقِيّ هُوَ الْوُجُود بِالْقَلْبِ المواقف للْعلم، فَهُوَ مَرْدُود عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَالَه تعصباً لما حكى عَن مذْهبه من وُقُوع الطَّلَاق بالعزم، وَإِن لم يتَلَفَّظ. وَحَكَاهُ عَن رِوَايَة أَشهب عَن مَالك فِي الطَّلَاق وَالْعِتْق وَالنّذر أَنه يَكْفِي فِيهِ عزمه وَقَوله وجزمه فِي قلبه بِكَلَامِهِ النَّفْسِيّ الْحَقِيقِيّ، وَنصر ذَلِك بِأَن اللِّسَان معبر عَمَّا فِي الْقلب، فَمَا كَانَ يملكهُ الْوَاحِد كالنذر وَالطَّلَاق وَالْعتاق كفى فِيهِ عزمه، وَمَا كَانَ من التَّصَرُّفَات بَين اثْنَيْنِ لم يكن بُد من ظُهُور القَوْل، وَهَذَا فِي غَايَة الْبعد، وَقد نقضه الْخطابِيّ على قَائِله بالظهار وَغَيره، فأنهم أَجمعُوا على أَنه: لَو عزم على الظِّهَار لم يلْزمه حَتَّى يلفظ بِهِ، قَالَ: وَهُوَ فِي معنى الطَّلَاق، وَكَذَلِكَ لَو حدث نَفسه بِالْقَذْفِ لم يكن قذفا، وَلَو حدث نَفسه فِي الصَّلَاة لم يكن عَلَيْهِ إِعَادَة، وَقد حرم الله تَعَالَى الْكَلَام فِي الصَّلَاة، فَلَو كَانَ حَدِيث النَّفس فِي معنى الْكَلَام لكَانَتْ صلَاته تبطل، وَقَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إِنِّي لأجهر جيشي وَأَنا فِي الصَّلَاة وَمِمَّنْ قَالَ بِأَن: طَلَاق النَّفس لَا يُؤثر، عَطاء بن أبي رَبَاح وَابْن سِيرِين وَالْحسن وَسَعِيد بن جُبَير وَالشعْبِيّ وَجَابِر بن زيد وَقَتَادَة وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن هَذِه الْمُجَاوزَة من خَصَائِص هَذِه الْأمة، وَأَن الْأُمَم الْمُتَقَدّمَة يؤاخذون بذلك، وَقد اخْتلف: هَل كَانَ ذَلِك يُؤَاخذ بِهِ فِي أول الْإِسْلَام؟ ثمَّ نسخ وخفف ذَلِك عَنْهُم، أَو تَخْصِيص وَلَيْسَ بنسخ، وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {وَإِن تبدوا مَا فِي أَنفسكُم أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ الله} (الْبَقَرَة: ٤٨٢) . فقد قَالَ غير وَاحِد من الصَّحَابَة، مِنْهُم أَبُو هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس: إِنَّهَا مَنْسُوخَة، بقوله تَعَالَى: {لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا} (الْبَقَرَة: ٦٨٢) . فَإِن قيل: قَالُوا: من عزم على الْمعْصِيَة بِقَلْبِه، وَإِن لم يعملها، يُؤَاخذ عَلَيْهِ. وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَا شكّ أَن الْعَزْم على الْمعْصِيَة وَسَائِر الْأَعْمَال القلبية كالحسد ومحبة إِشَاعَة الْفَاحِشَة يُؤَاخذ عَلَيْهِ، لَكِن إِذا وطَّن نَفسه عَلَيْهِ، وَالَّذِي فِي الحَدِيث هُوَ: مَا لم يوطن عَلَيْهِ نَفسه وَإِنَّمَا أَمر ذَلِك بفكره من غير اسْتِقْرَار، وَيُسمى هَذَا هما، وَيفرق بَين الْهم والعزم. فَإِن قيل: الْمَفْهُوم من لفظ: مَا لم تعْمل، مشْعر بِأَن مَا فِي الصُّدُور موطناً وَغير موطن لَا يُؤَاخذ عَلَيْهِ. وَأجِيب: بِأَنَّهُ يجب الْحمل على غير الموطن جمعا بَينه وَبَين مَا يدل على الْمُؤَاخَذَة، كَقَوْلِه تَعَالَى: {إِن الَّذين يحبونَ أَن تشيع الْفَاحِشَة} (النُّور: ٩١) . وَأَيْضًا: لفظ الوسوسة لَا يسْتَعْمل إلَاّ عِنْد التَّرَدُّد والتزلزل. وَقَالَ عِيَاض: الهمّ مَا يمر فِي الْفِكر من غير اسْتِقْرَار وَلَا توطن، فَإِن اسْتمرّ وتوطن عَلَيْهِ عزماً يُؤَاخذ بِهِ أَو يُثَاب عَلَيْهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الَّذِي ذهب إِلَيْهِ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ عَامَّة السّلف وَأهل الْعلم وَالْفُقَهَاء والمحدثين والمتكلمين، وَلَا يلْتَفت إِلَى من خالفهم فِي ذَلِك. فَزعم أَن مَا يهم بِهِ الْإِنْسَان وَإِن وَطن بِهِ لَا يُؤَاخذ بِهِ متمسكاً فِي ذَلِك بقوله تَعَالَى: {وَلَقَد هَمت بِهِ وهم بهَا} (يُوسُف: ٤٢) . وَبِقَوْلِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا لم تعْمل أَو تكلم، وَمن لم يعْمل بِمَا عزم عَلَيْهِ وَلَا نطق بِهِ، فَلَا. الْجَواب عَن و: الْآيَة أَن من الهمّ مَا يُؤَاخذ بِهِ الْإِنْسَان، وَهُوَ مَا اسْتَقر واستوطن، وَمِنْه مَا يكون أَحَادِيث لَا تَسْتَقِر، فَلَا يُؤَاخذ بهَا كَمَا شهد بِهِ الحَدِيث، وَالَّذِي يرفع الْإِشْكَال وَيبين المُرَاد حَدِيث أبي كَبْشَة عَمْرو بن سعد: سمع سيدنَا رَسُول الله لله ... فَذكر حَدِيثا فِيهِ: قَالَت الْمَلَائِكَة: ذَاك عَبدك يُرِيد أَن يعْمل سَيِّئَة وَهُوَ أبْصر بِهِ. وَزعم الطَّبَرِيّ أَن فِيهِ دلَالَة على أَن الْحفظَة يَكْتُبُونَ أَعمال الْقُلُوب خلافًا لمن قَالَ: لَا يكتبونها وَلَا يَكْتُبُونَ إلَاّ الْأَعْمَال الظَّاهِرَة، وَبِه اسْتدلَّ بَعضهم على أَنه إِذا كتب بِالطَّلَاق وَقع من قَوْله مَا لم يعْمل، وَالْكِتَابَة عمل، وَهُوَ قَول مُحَمَّد بن الْحسن وَأحمد بن حَنْبَل، وَشرط مَالك فِيهِ الْإِشْهَاد على الْكِتَابَة، وَجعله الشَّافِعِي كِنَايَة إِن نوى بِهِ الطَّلَاق وَقع، وإلَاّ فَلَا، وَفرض بَعضهم بَين أَن يَكْتُبهُ فِي بَيَاض كالرق وَالْوَرق واللوح، وَبَين أَن يَكْتُبهُ على الأَرْض فأوقعه فِي الأول دون الثَّانِي، وَفِيه نظر.

٩٢٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثيرٍ عنْ سُفْيانَ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ سَعيدٍ عَن مُحَمَّدِ بنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْكيِّ عنْ عَلْقَمَةَ بنِ وقَّاصٍ اللَّيْثِي قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبِيِّ

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الأعْمَالُ بالنِّيَّةِ ولاِمْرِىءٍ مَا نَوَى فَمَنْ كانتُ هِجْرَتُهُ إِلَى الله ورسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى الله ورسولِهِ ومَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أوِ امْرَأةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهجْرَتُه إِلَى مَا هاجَرَ إلَيْهِ..

قد مر هَذَا الحَدِيث فِي أول الْكتاب فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن الْحميدِي عَن سُفْيَان ... إِلَى آخِره، وَهنا: عَن مُحَمَّد بن كثير ضد قَلِيل عَن سُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ.

قَوْله: (الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ ولامرىء مَا نوى) ، كَذَا أخرجه مُحَمَّد بن كثير بِخِلَاف: إِنَّمَا، فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وٌ د أخرجه أَبُو دَاوُد عَن مُحَمَّد بن كثير شيخ البُخَارِيّ فِيهِ، فَقَالَ: (إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لامرىء مَا نوى) . قَوْله: (إِلَى دنيا) فِي رِوَايَة الْكشميهني: للدنيا، وَهِي رِوَايَة أبي دَاوُد أَيْضا، وَوجه إِعَادَة هَذَا الحَدِيث وَذكره هُنَا لأجل ذكر قِطْعَة مِنْهُ، وَهُوَ قَوْله: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لكل امرىء مَا نوى، وَقد ذكرنَا وَجه ذكر الْقطعَة، وللإشارة أَيْضا إِلَى أَنه أخرج هَذَا الحَدِيث من شيخين وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.

٧ - (بابٌ إذَا قَالَ رجُلٌ لِعَبْدِهِ هُوَ لله ونَوَى الْعِتْقَ والإشْهَادُ فِي العِتْقِ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا قَالَ رجل لعَبْدِهِ هُوَ لله، هَذَا هَكَذَا روى الْأصيلِيّ وكريمة، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: بَاب إِذا قَالَ لعَبْدِهِ، الْفَاعِل مُضْمر، وَهُوَ رجل أَو شخص. قَوْله: (وَنوى الْعتْق) ، أَي: وَالْحَال أَنه نوى عتق العَبْد بِهَذَا اللَّفْظ، وَجَوَاب إِذا مَحْذُوف تَقْدِيره: صَحَّ أَو عتق العَبْد. قَوْله: (وَالْإِشْهَاد) بِالرَّفْع، وَفِيه حذف تَقْدِيره: وَبَاب يذكر فِيهِ الْإِشْهَاد فِي الْعتْق، فَيكون ارتفاعه بِالْفِعْلِ الْمُقدر، وَتَكون هَذِه الْجُمْلَة أَعنِي: قَوْلنَا: وَبَاب يذكر فِيهِ الْإِشْهَاد على الْعتْق معطوفة على: بَاب إِذا قَالَ أَي بَاب يذكر فِيهِ، إِذا قَالَ، وَلَفظ: بَاب، منون فِي الظَّاهِر، وَفِي الْمُقدر، وَهَذَا هُوَ الْوَجْه، وَمن جر الْإِشْهَاد فقد جر مَا لَا يُطيق حمله.

٠٣٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ نُمَيْرٍ عنْ مُحَمَّدِ بنِ بِشْرٍ عنْ إسْمَاعِيلَ عنْ قَيْسٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّهُ لَمَّا أقْبَلَ يُرِيدُ الأسْلامَ ومَعَهُ غُلامُهُ ضَلَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُما مِنْ صاحِبِهِ فأقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ وأبُو هُرَيْرَةَ جالِسٌ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَذَا غُلَامُكَ قَدْ أتَاكَ فَقَالَ أما أنِّي أُشْهِدُكَ أنَّهُ حُرٌّ فَهْوَ حينَ يَقُولُ:

(يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وعَنائِها ... علَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الكُفْرِ نَجَّتِ)

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أما أَنِّي أشهدك أَنه حر) ، وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده.

وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد الأحمسي البَجلِيّ، وَاسم أبي خَالِد سعد، وَقيس هُوَ ابْن أبي حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: واسْمه عَوْف، قدم الْمَدِينَة بَعْدَمَا قبض النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهَؤُلَاء كلهم كوفيون

قَوْله: (يُرِيد الْإِسْلَام) جملَة حَالية، وَكَذَلِكَ قَوْله: (وَمَعَهُ غُلَامه) ، جملَة حَالية إسمية أَي: وَمَعَ أبي هُرَيْرَة. قَوْله: (ضل) ، أَي: تاه كل وَاحِد مِنْهُمَا ذهب إِلَى نَاحيَة وَفَسرهُ الْكرْمَانِي بقوله: ضَاعَ، وَتَبعهُ بَعضهم على ذَلِك وَلَيْسَ مَعْنَاهُ إلَاّ مَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (أما) ، بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْمِيم وتستعمل هَذِه الْكَلِمَة على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن تكون حرف استفتاح بِمَنْزِلَة أَلا. وَالثَّانِي: أَن تكون بِمَعْنى حَقًا. وَأما، هُنَا على هَذَا الْمَعْنى. قَوْله: (أَنِّي) ، بِفَتْح الْهمزَة كَمَا تفتح الْهمزَة بعد قَوْلهم: حَقًا، لِأَنَّهَا بِمَعْنَاهُ. قَوْله: (فَهُوَ حِين يَقُول) ، أَي: الْوَقْت الَّذِي وصل فِيهِ إِلَى الْمَدِينَة. قَوْله: (يَا لَيْلَة) ، هَذَا من بَحر الطَّوِيل، وَقد دخله الخرم، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة وَسُكُون الرَّاء، وَهُوَ حذف الْحَرْف من أول الْجُزْء، وللطويل ثَمَانِيَة أَجزَاء وَقد حذف الْحَرْف من أول جزئه وَهُوَ: يَا لَيْلَة، لِأَن تَقْدِيره: فيا لَيْلَة، لِأَن وَزنه فيالي: فعولن، لَهُ من طو: مفاعيلن، لَهَا و: فعول، عنائها: مفاعلن. وَفِيه الْقَبْض، وَقَول الْكرْمَانِي: وَلَا بُد من زِيَادَة وَلَو أوفاء فِي أول الْبَيْت ليَكُون مَوْزُونا، كَلَام من يقف على علم الْعرُوض، لِأَن مَا جَازَ حذفه كَيفَ يُقَال فِيهِ لَا بُد من إثْبَاته؟ قَوْله: (عنائها) ، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وبتخفيف النُّون وبالمد: أَي تعبها ومشقتها. قَوْله: (دارة

الْكفْر) ، هِيَ دَار الْحَرْب، والدارة أخص من الدَّار، ويروى: (دَاره) ، بِالْإِضَافَة إِلَى الضَّمِير، وَحِينَئِذٍ يكون الْكفْر بَدَلا مِنْهُ بدل الْكل من الْكل، وَكَثِيرًا مَا تسْتَعْمل الدارة فِي أشعار الْعَرَب، كَمَا قَالَ امْرُؤ الْقَيْس:

(وَلَا سِيمَا يَوْم بدارة جلجل)

ودارات كَثِيرَة، وَقَالَ أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي: الدارة جوفة تحف الْجبَال، وَقَالَ عَنهُ فِي مَوضِع آخر: الدارة رمل مستدير قدر ميلين تحفه الْجبَال. وَقَالَ الهجري: الدارة النبكة السهلة حفتها جبال، وَمِقْدَار الدارة خَمْسَة أَمْيَال فِي مثلهَا. قلت: النبكة، بِفَتْح النُّون وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَالْكَاف: وَهِي أكمة محددة الرَّأْس، وَيجمع على: نبك، بِالتَّحْرِيكِ. فَإِن قلت: الشّعْر لمن؟ قلت: ظَاهره أَنه لأبي هُرَيْرَة، وَلكنه غير مَشْهُور بالشعر. وَحكى ابْن التِّين: أَنه لغلامه، وَحكى الفاكهي فِي (كتاب مَكَّة) : عَن مقدم بن حجاج السوَائِي أَن الْبَيْت الْمَذْكُور لأبي مرْثَد الغنوي فِي قصَّة لَهُ، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يكون أَبُو هُرَيْرَة قد تمثل بِهِ. وَالله أعلم.

وَقَالَ الْمُهلب: لَا خلاف بَين الْعلمَاء فِيمَا علمت إِذا قَالَ رجل لعَبْدِهِ: هُوَ حر، أَو: هُوَ لله، وَنوى الْعتْق أَنه يلْزمه الْعتْق. وكل مَا يفهم بِهِ عَن الْمُتَكَلّم أَنه أَرَادَ بِهِ الْعتْق لزمَه وَنفذ عَلَيْهِ، وروى ابْن أبي شيبَة عَن هشيم عَن مُغيرَة: أَن رجلا قَالَ لغلامه: أَنْت لله. فَسئلَ الشّعبِيّ وَالْمُسَيب بن رَافع وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان، فَقَالُوا: هُوَ حر. وَعَن إِبْرَاهِيم كَذَلِك، وَقَالَ إِبْرَاهِيم: وَإِن قَالَ: إِنَّك لحر النَّفس، فَهُوَ حر، وَعَن الْحسن: إِذا قَالَ: مَا أَنْت إلَاّ حر، نِيَّته. وَعَن الشّعبِيّ مثله.

وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ: الْعتْق عِنْد بُلُوغ الأمل والنجاة مِمَّا يخَاف، كَمَا فعل أَبُو هُرَيْرَة حِين أَنْجَاهُ الله من دَار الْكفْر وَمن ضلاله فِي اللَّيْل عَن الطَّرِيق، وَكَانَ إِسْلَام أبي هُرَيْرَة فِي سنة سِتّ من الْهِجْرَة.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.3 / 29.5
الإضاءة 59%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
الله أكبر