الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 2551
الحديث رقم 2551 من كتاب «كتاب العتق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب كراهية التطاول على الرقيق.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٢٥٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
إذا قام العبد بما وجب عليه لسيده من خدمته وطاعته بالمعروف وبذل النصيحة له وقام بحق الله تعالى من أداء ما افترضه الله عليه واجتنب ما نهاه عنه، كان له الأجر مرتين يوم القيامة؛ لأنه مُكَلَّف بأمرين:
الأول: حق السيد، فإذا قام بحق سيده كان له أجر.
والثاني: أجر طاعة ربِّه، فإذا أطاع العبد ربَّه كان له أجر.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٥٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) بن كريبٍ الهمدانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ بُرَيْدٍ) بضمِّ المُوحَّدة، مُصغَّرًا، ابن عبد الله (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) الحارث (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ (﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: المَمْلُوكُ) ولأبي ذرٍّ: «للمملوك» (الَّذِي يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَيُؤَدِّي إِلَى سَيِّدِهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ وَالنَّصِيحَةِ وَالطَّاعَةِ) فيما يسوغ شرعًا (لَهُ أَجْرَانِ) خبر المبتدأ الذي هو «المملوك»، وسقط لفظ «له» من قوله: «له (١) أجران» من رواية أبي ذرٍّ، وحينئذٍ فيكون قوله: «أجران» مبتدأً، و «للمملوك»: خبره مُقدَّمًا، ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ.
٢٥٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) زاد ابن شبُّويه في روايته: «فقال محمَّد بن سلامٍ»، وكذا حكاه الجيَّانيُّ عن رواية ابن السَّكن، وحُكِي عن الحاكم أنَّه الذُّهليُّ، وقد أخرجه مسلمٌ عن محمَّد بن رافعٍ عن عبد الرَّزَّاق، فيحتمل أن يكون هو شيخ البخاريِّ فيه، فقد حدَّث عنه في «الصَّحيح» أيضًا، قاله في «الفتح» قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين وسكون العين المهملة بينهما، ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بكسر الموحَّدة (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ) لمملوك غيره: (أَطْعِمْ رَبَّكَ) بفتح الهمزة، أمرٌ من الإطعام (وَضِّئْ رَبَّكَ) أمرٌ من وضَّأه يوضِّئه (اسْقِ رَبَّكَ) بهمزة وصلٍ، ويجوز قطعها مكسورةً، وفي نسخةٍ مفتوحةً، تثبت في الابتداء وتسقط في الدَّرج، ويُستعمَل ثلاثيًّا ورباعيًّا، أمرٌ من سقاه يسقيه، وسبب النَّهي عن ذلك أنَّ حقيقة الرَّبوبيَّة لله تعالى؛ لأنَّ الرَّبَّ هو المالك والقائم بالشَّيء، ولا يوجد هذا حقيقةً إلَّا له تعالى، قال الخطَّابيُّ: سبب المنع أنَّ الإنسان مربوبٌ متعبَّدٌ بإخلاص التَّوحيد لله تعالى وترك الإشراك معه، فكُرِه له المضاهاة بالاسم؛ لئلَّا يدخل في معنى الشِّرك، ولا فرق في ذلك بين الحرِّ والعبد، وأمَّا من لا تعبُّدَ عليه من سائر الحيوانات والجمادات فلا يُكرَه أن يطلق ذلك عليه عند الإضافة، كقوله: ربُّ الدَّار والثَّوب، فإن قلت: قد قال تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] و ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٥٠] وأُجيب: بأنَّه ورد لبيان الجواز، والنَّهيُ
للأدب والتَّنزيه دون التَّحريم، أو النَّهي عن الإكثار من ذلك، واتِّخاذ هذه اللَّفظة عادةً، ولم ينه عن إطلاقها في نادرٍ من الأحوال، وهذا اختاره القاضي عياضٌ، وتخصيص الإطعام وما بعده بالذِّكر لغلبة استعمالها في المخالطات (١)، ويدخل في النَّهي أن يقول السَّيِّد ذلك عن نفسه، فإنَّه قد يقول لعبده: اسق ربَّك، فيضع الظَّاهر موضع الضَّمير على سبيل التَّعظيم لنفسه، بل هذا أولى بالنَّهي من قول العبد ذلك أو الأجنبيِّ ذلك عن (٢) السَّيِّد، قال في «مصابيح الجامع»: ساق (٣) المؤلِّف في الباب قوله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وقوله ﵊ [خ¦٤١٢١]: «قوموا إلى سيِّدكم» تنبيهًا على أنَّ النَّهيَ إنَّما جاء متوجِّهًا على جانب (٤) السَّيِّد، إذ هو في مظنَّة الاستطالة، وأنَّ قول الغير: هذا عبد زيدٍ، وهذه أَمَة خالدٍ جائزٌ؛ لأنَّه يقوله إخبارًا وتعريفًا، وليس في مظنَّة الاستطالة، والآية والحديث ممَّا يؤيد هذا الفرق، وفي الحكايات المأثورة: أنَّ سائلًا وقف ببعض الأحياء، فقال: من سيِّد هذا الحيِّ؟ فقال رجلٌ: أنا، فقال له (٥): لو كنت سيِّدهم؛ لم تَقُلْهُ. وقال النَّوويُّ: المراد بالنَّهي من استعمله على جهة التَّعاظم لا من أراد التَّعريف. (وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي مَوْلَايَ) ولأبي الوقت: «ومولاي» بإثبات الواو، وإنَّما فرَّق بين السَّيِّد والرَّبِّ؛ لأنَّ الرَّبَّ من أسماء الله تعالى اتِّفاقًا، واختُلِف في السَّيِّد هل هو من أسماء الله تعالى، ولم يأت في القرآن أنَّه من أسماء الله تعالى؟ نعم روى المؤلِّف في «الأدب المفرد» وأبو داود والنَّسائيُّ والإمام أحمد من حديث عبد الله بن الشِّخِّير عن النَّبيِّ ﷺ قال: «السَّيِّد الله»، فإن قلنا: إنَّه ليس من أسمائه (٦) تعالى فالفرق واضحٌ إذ لا التباس، وإن قلنا: إنَّه من أسماء الله تعالى فليس في الشُّهرة والاستعمال كلفظ الرَّبِّ، فيحصل الفرق بذلك، وأمَّا من حيث اللُّغة فالسَّيِّد من السُّؤدد، وهو التَّقديم، يُقال (٧): ساد قومه إذا تقدَّم عليهم، ولا شكَّ في تقديم السَّيِّد على غلامه، فلما حصل الافتراق جاز الإطلاق، وأمَّا المولى فقال النَّوويُّ: يقع على ستَّة عشر
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
ودانيال حِين سباه بخْتنصر، وَكَذَا مَا رُوِيَ عَن خضر، عَلَيْهِ السَّلَام، حِين سُئِلَ لوجه الله فَلم يكن عِنْده مَا يُعْطِيهِ، فَقَالَ لَا أملك إلَاّ نَفسِي، فبعني واستنفق ثمني، وَنَحْو ذَلِك.
٩٤٥٢ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ نَصْر قَالَ حدَّثنا أَبُو أُسامَةَ عنِ الأعْمَشِ قَالَ حدَّثنا أبُو صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَعِمَّا مَا لِأَحَدِكُمْ يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ ويَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ لِأَن مَعْنَاهُ: نعمَّا للمملوك يحسن عبَادَة ربه، على مَا نبينه عَن قريب. وَإِسْحَاق بن نصر هُوَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر فَذكره بنسبته إِلَى جده السَّعْدِيّ البُخَارِيّ، كَانَ ينزل بِالْمَدِينَةِ بِبَاب بني سعد وَهُوَ من أَفْرَاده وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات السمان.
قَوْله: (نعمَّا مَا لأَحَدهم) ، بِفَتْح النُّون وَكسر الْعين وإدغام الْمِيم فِي الْأُخْرَى، وَيجوز كسر النُّون وَفتحهَا أَيْضا مَعَ إسكان الْعين وتحريك الْمِيم، فالجملة أَربع لُغَات. قَالَ الزّجاج: مَا، بِمَعْنى الشَّيْء، فالتقدير: نعم الشَّيْء، وَقَالَ ابْن التِّين: وَقع فِي نُسْخَة الشَّيْخ أبي الْحسن الْقَابِسِيّ: نعم مَا، بتَشْديد الْمِيم الأولى وَفتحهَا، وَلَا وَجه لَهُ، وَالصَّوَاب إدغامها فِي: مَا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {إنَّ الله نعمَّا يعظكم بِهِ} (النِّسَاء: ٨٥) . والمخصوص بالمدح مَحْذُوف. قَوْله: (يحسن) مُبين لَهُ تَقْدِيره: نعمَّا لمملوك لأَحَدهم يحسن عبَادَة ربه وَينْصَح لسَيِّده.
٧١ - (بابُ كَرَاهِيَةِ التَّطَاوُلِ علَى الرَّقِيقِ وقَوْلِهِ عَبْدِي أوْ أمَتِي)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التطاول أَي الترفع والتجاوز عَن الْحَد فِيهِ. قيل: المُرَاد بِالْكَرَاهَةِ كَرَاهَة التَّنْزِيه، وَذَلِكَ لِأَن الْكل عبيد الله،، وَالله لطيف بعباده رَفِيق بهم، فَيَنْبَغِي للسادة امْتِثَال ذَلِك فِي عبيدهم، وَمن ملكهم الله إيَّاهُم، وَيجب عَلَيْهِم حسن الْملك ولين الْجَانِب، كَمَا يجب على العبيد حسن الطَّاعَة والنصح لسادتهم والانقياد لَهُم وَترك مخالفتهم. قَوْله: (وَقَوله) ، بِالْجَرِّ، عطف على: كَرَاهِيَة التطاول، وَالتَّقْدِير: وكراهية قَول الشَّخْص لمن يملكهُ من العبيد: عَبِيدِي، وَلمن يملك من الْجَوَارِي: أمتِي، وَالْكَرَاهَة فِيهِ أَيْضا للتنزيه من غير تَحْرِيم.
وَجه الْكَرَاهَة: أَن هَذَا الأسم من بَاب الْمُضَاف وَمُقْتَضَاهُ إِثْبَات الْعُبُودِيَّة لَهُ، وَصَاحبه الَّذِي هُوَ الْمَالِك عبد لله تَعَالَى متعبد بأَمْره وَنَهْيه، فإدخال مَمْلُوك الله تَعَالَى تَحت هَذَا الأسم يُوجب الشّرك، وَمعنى المضاهاة، فَلذَلِك اسْتحبَّ لَهُ أَن يَقُول: فَتَاي وَفَتَاتِي، وَالْمعْنَى فِي ذَلِك كُله يرجع إِلَى الْبَرَاءَة من الْكبر، والأليق بالشخص الَّذِي هُوَ عبد الله ومملوك لَهُ أَن لَا يَقُول: عَبدِي، وَإِن كَانَ قد ملك قياده فِي الِاسْتِخْدَام ابتلاء فِيهِ من الله بخلقه، قَالَ الله تَعَالَى: {وَجَعَلنَا بَعْضكُم لبَعض فتْنَة أَتَصْبِرُونَ} (الْفرْقَان: ٠٢) . وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِن قَالَ عَبدِي أَو أمتِي وَلم يرد التكبر فأرجو أَن لَا إِثْم عَلَيْهِ.
وقالَ الله تَعَالَى {والصَّالِحِينَ مِنْ عَبَادِكُمْ وإمَائِكُمْ} (النُّور: ٢٣) . وَقَالَ: {عَبْداً مَمْلُوكاً} (النَّحْل: ٥٧) . {وألْفَيا سَيِّدَهَا لَدَى الْبابِ} (يُوسُف: ٥٢) . وَقَالَ {مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِناتِ} (النِّسَاء: ٥٢) . وَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ {واذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} (يُوسُف: ٢٤) . أيْ سَيَّدِكَ ومَنْ سَيِّدِكُمْ
ذكر هَذَا كُله دَلِيلا لجَوَاز أَن يَقُول: عَبدِي وَأمتِي، وَأَن النَّهْي الَّذِي ورد فِي الحَدِيث عَن قَول الرجل: عَبدِي وَأمتِي. وَعَن قَوْله: إسق ربَّكَ، وَنَحْوه للتنزيه لَا للتَّحْرِيم. قَوْله: {وَالصَّالِحِينَ من بادكم وَإِمَائِكُمْ} هُوَ فِي سُورَة النُّور، وأوله: {وَانْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُم وَالصَّالِحِينَ من عبادكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِم الله من فَضله وَالله وَاسع عليم} (النُّور: ٢٣) . وَلما أَمر الله تَعَالَى قبل هَذِه الْآيَة بغض الْأَبْصَار وَحفظ الْفروج، بقوله: {قل للْمُؤْمِنين يغضوا من أَبْصَارهم ويحفظوا فروجهم} (النِّسَاء: ٥٢) . الْآيَة، بَين بعده أَن الَّذِي أَمر بِهِ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا لَا يحل، فَبين بعد ذَلِك طَرِيق الْحل، فَقَالَ: {وَأنْكحُوا الْأَيَامَى} (النُّور: ٢٣) . أَصْلهَا: أيائم، فَقلب، والأيم للرجل وَالْمَرْأَة، فالأيامي: هم الَّذين لَا أَزوَاج لَهُم من الرِّجَال وَالنِّسَاء، يُقَال: رجل أيم وَامْرَأَة إيم وأيمة. وآم الرجل وآمت الْمَرْأَة بأيم أيمة، وأيوماً إِذا لم يتزوجا بكرين كَانَا أَو ثيبين، وَقَالَ ابْن بطال: جَازَ أَن يَقُول الرجل: عَبدِي وَأمتِي، لقَوْله تَعَالَى: {وَالصَّالِحِينَ من عبادكُمْ وَإِمَائِكُمْ} (النُّور: ٢٣) . وَإِنَّمَا نهى عَنهُ على سَبِيل الغلظة لَا على سَبِيل التَّحْرِيم، وَكره ذَلِك لاشْتِرَاط اللَّفْظ، إِذْ يُقَال: عبد الله
وَأمة الله. قَوْله: (وَقَالَ {عبدا مَمْلُوكا} (النَّحْل: ٥٧)) هُوَ فِي سُورَة النَّحْل، وأوله: {وَضرب الله مثلا عبدا مَمْلُوكا لَا يقدر على شَيْء ... } (النَّحْل: ٥٧) . الْآيَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي أول: بَاب من ملك الْعَرَب رَقِيقا. قَوْله: {وألفيا سَيِّدهَا لَدَى الْبَاب} (يُوسُف: ٥٢) هُوَ فِي سُورَة يُوسُف، وَقَبله: {واستبقا الْبَاب وقدت قَمِيصه من دبر وألفيا سَيِّدهَا لَدَى الْبَاب} (يُوسُف: ٥٢) . الْآيَة، والقصة مَشْهُورَة، وَالْمعْنَى: تسابقا إِلَى الْبَاب يَعْنِي: يُوسُف وزليخا فنفر يُوسُف عَنْهَا فأسرع يُرِيد الْبَاب ليخرج، وأسرعت زليخا وَرَاءه لتمنعه من الْخُرُوج، وقدت قَمِيصه من دُبُرٍ لِأَنَّهَا جبذته من خَلفه فشقت قَمِيصه، وألفيا سَيِّدهَا أَي: صادفا ولَقِيا بَعْلهَا، وَهُوَ قطفير، وَإِنَّمَا قَالَ: سَيِّدهَا، وَلم يقل: سيدهما، لِأَن ملك يُوسُف لم يَصح، فَلم يكن سيداً لَهُ على الْحَقِيقَة. قَوْله: (وَقَالَ: {من فَتَيَاتكُم الْمُؤْمِنَات} (النِّسَاء: ٥٢)) هُوَ فِي سُورَة النِّسَاء، وأوله: {وَمن لم يسْتَطع مِنْكُم طولا أَن ينْكح الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات فَمَا ملكت أَيْمَانكُم من فَتَيَاتكُم الْمُؤْمِنَات ... } (النِّسَاء: ٥٢) . الْآيَة، يَعْنِي: مِنْهُ لم يجد مِنْكُم طولا أَي: سَعَة وقدرة أَن ينْكح الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات من الْحَرَائِر العفائف وَالْمُؤْمِنَات، فتزوجوا من الْإِمَاء الْمُؤْمِنَات اللَّاتِي يملكهن الْمُؤْمِنُونَ، والفتيات جمع فتاة وَهِي: الآمة. قَوْله: (وَقَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: قومُوا إِلَى سيدكم) ، هُوَ قِطْعَة من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ أخرجه البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي على مَا يَأْتِي، فَقَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا غنْدر حَدثنَا شُعْبَة عَن سعد، قَالَ: سَمِعت أَبَا أُمَامَة، قَالَ: سَمِعت أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ يَقُول: نزل أهل قُرَيْظَة على حكم سعد بن معَاذ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأرْسل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى سعد، فَأتى على حمَار، فَلَمَّا دنا من الْمَسْجِد قَالَ للْأَنْصَار: (قومُوا إِلَى سيدكم) الحَدِيث، وخاطب الْأَنْصَار بقوله: (قومُوا إِلَى سيدكم) يُرِيد بِهِ سعد بن معَاذ، فَمن هَذَا أَخذ أَن لَا يمْنَع العَبْد أَن يَقُول: سَيِّدي ومولاء، لِأَن مرجع السِّيَادَة إِلَى معنى الرياسة على من تَحت يَده والسياسة لَهُ وَحسن التَّدْبِير، وَلذَلِك سمى الزَّوْج سيداً، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وألفيا سَيِّدهَا لَدَى الْبَاب} (يُوسُف: ٥٢) . وَقد قيل لمَالِك: هَل كره أحد بِالْمَدِينَةِ قَوْله لسَيِّده: يَا سَيِّدي؟ قَالَ: لَا. وَاحْتج بِهَذِهِ الْآيَة، وَقَوله تَعَالَى: {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا} (آل عمرَان: ٩٣) . قيل لَهُ: يَقُولُونَ: السَّيِّد هُوَ الله؟ قَالَ: أَيْن هُوَ فِي كتاب الله تَعَالَى؟ وَإِنَّمَا فِي الْقُرْآن: {ربِّ اغْفِر لي ولوالدي} (نوح: ٨٢) . قيل: أنكر أَن يَدْعُو يَا سَيِّدي. قَالَ: مَا فِي الْقُرْآن أحب إِلَيّ، وَدُعَاء الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقد قَالَ بعض أهل اللُّغَة: إِنَّمَا سمى السَّيِّد لِأَنَّهُ يملك السوَاد الْأَعْظَم، وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْحسن: إِن ابْني هَذَا سيد. قَوْله: ( {واذكرني عِنْد رَبك} (يُوسُف: ٢٤)) هُوَ فِي سُورَة يُوسُف وأوله: {وَقَالَ للَّذي ظن أَنه ناجٍ مِنْهُمَا: أذكرني عِنْد رَبك ... } (يُوسُف: ٢٤) الْآيَة، وقصته مَشْهُورَة، مَعْنَاهُ: صفني عِنْد الْملك بصفتي، وقص عَلَيْهِ بقصتي لَعَلَّه يرحمني ويخرجني من السجْن، فَلَمَّا وكل أمره إِلَى غير الله أمكثه فِي السجْن سبع سِنِين. وَقَالَ الْخطابِيّ: لَا يُقَال أطْعم رَبك، لِأَن الْإِنْسَان مربوب مَأْمُور بإخلاص التَّوْحِيد وَترك الْإِشْرَاك مَعَه، فكره لَهُ المضاهاة بالإسم. وَأما غَيره من سَائِر الْحَيَوَان والجماد فَلَا بَأْس بِإِطْلَاق هَذَا الإسم عَلَيْهِ عِنْد الْإِضَافَة، كَقَوْلِهِم: رب الدَّار، وَرب الدَّابَّة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قد ورد فِي الْقُرْآن مثل قَوْله: {إِنَّه رَبِّي أحسن مثواي} (يُوسُف: ٣٢) . {واذكرني عِنْد رَبك} (يُوسُف: ٢٤) . قلت: ذَاك شرع من قبلنَا. فَإِن قلت: كَمَا أَنه لَا رب حَقِيقَة غير الله، كَذَا لَا سيد وَلَا مولى حَقِيقَة أَيْضا إلَاّ الله تَعَالَى، فَلِمَ جَازَ هَذَا وَامْتنع هَذَا؟ قلت: التربية الْحَقِيقِيَّة مُخْتَصَّة بِاللَّه تَعَالَى، بِخِلَاف السِّيَادَة فَإِنَّهَا ظَاهِرَة، بعض النَّاس سَادَات على الآخرين، وَأما الْمولى فقد جَاءَ بمعاني بَعْضهَا لَا يَصح إلَاّ على الْمَخْلُوق. قَوْله: (وَمن سيدكم؟) هَذِه اللَّفْظَة سَقَطت من رِوَايَة النَّسَفِيّ وَأبي ذَر وَأبي الْوَقْت، وَثبتت فِي رِوَايَة البَاقِينَ، وَهِي قِطْعَة من حَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي (الْأَدَب الْمُفْرد) من طَرِيق حجاج الصَّواف عَن أبي الزبير، قَالَ: حَدثنَا جَابر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من سيدكم يَا بني سَلمَة؟) قُلْنَا: الْجد بن قيس على أَنا نبخله. قَالَ وَأي داى أدوى من الْبُخْل؟ بل سيدكم عَمْرو بن الجموح، وَكَانَ عَمْرو على أصنامهم فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَ يُولِمُ عَن رَسُول لله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا تزوج. وَأخرجه الْحَاكِم من طَرِيق مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة نَحوه. وَالْحَد، بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الدَّال: هُوَ ابْن قيس بن صَخْر بن خنساء بن سِنَان بن عبيد بن عدي بن غنم، بِسُكُون النُّون: ابْن كَعْب بن سَلمَة، بِكَسْر اللَّام، يكنى أَبَا عبد الله، وَقَالَ أَبُو عمر: كَانَ يرْمى بالنفاق، وَيُقَال: إِنَّه تَابَ وَحسنت تَوْبَته وعاش إِلَى أَن مَاتَ فِي خلَافَة عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَأما عَمْرو بن الجموح، بِفَتْح الْجِيم وَضم الْمِيم المخففة وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: فَهُوَ ابْن زيد بن حرَام، بمهملتين: ابْن كَعْب بن غنم بن سَلمَة، قَالَ ابْن إِسْحَاق: كَانَ مَا سَادَات بني سَلمَة، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: عَقبي، وَفِي قَول: بَدْرِي، اسْتشْهد يَوْم أحد، هُوَ وَابْنه خَلاد. فَإِن قلت: ذكر ابْن مَنْدَه من حَدِيث كَعْب بن مَالك أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من سيدكم يَا بني سَلمَة؟) قَالُوا: جد بن قيس، فَذكر الحَدِيث، فَقَالَ: سيدكم
بشر بن الْبَراء بن معْرور) ، بِسُكُون الْعين الْمُهْملَة: ابْن صَخْر، يجْتَمع مَعَ عَمْرو بن الجموح فِي صَخْر؟ قلت: اخْتلف فِي وَصله وإرساله على الزُّهْرِيّ، على أَنه يُمكن التَّوْفِيق بِأَن تحمل قصَّة بشر على أَنَّهَا كَانَت بعد قتل عَمْرو بن الجموح، وَمَات بشر الْمَذْكُور بعد خَيْبَر، أكل مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الشَّاة المسمومة، وَكَانَ قد شهد الْعقبَة وبدراً، ذكره إِبْنِ إِسْحَاق.
٠٥٥٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ أخبرنَا يَحْيَى عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ حدَّثني نافعٌ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إذَا نَصَحَ الْعَبْدُ سَيِّدَهُ وأحْسنَ عِبادَةَ رَبِّهِ كانَ لَهُ أجْرُهُ مَرَّتَيْنِ.
(انْظُر الحَدِيث ٦٤٥٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن العَبْد إِذا نصح سَيّده وَأحسن عبَادَة ربه، يكره تطاول مَوْلَاهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا الحَدِيث مضى فِي أول: بَاب العَبْد إِذا أحسن عبَادَة ربه، وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأخرجه مُسلم فِي الْعتْق وَفِي النذور عَن زُهَيْر بن حَرْب وَمُحَمّد بن الْمثنى.
١٥٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلَاءِ قَالَ حدَّثنا أَبُو أُسَامَةَ عنْ بُرَيْدٍ عنْ أبِي بُرْدَةَ عنْ أبِي مُوساى رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْمَمْلُوكُ الَّذِي يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ ويُؤَدِّي إلَى سَيِّدِهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ والنَّصِيحَةِ والطَّاعَةِ لَهُ أجْرَانِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَيُؤَدِّي إِلَى سَيّده) إِلَى آخِره، لِأَنَّهُ إِذا قَامَ بِمَا ذكر فِيهِ يكره التطاول عَلَيْهِ. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب تَعْلِيم الرجل أمته، وَعَن قريب فِي: بَاب العَبْد إِذا أحسن عبَادَة ربه، مَعَ زِيَادَة ونقصان، يظْهر ذَلِك عِنْد النّظر بِالتَّأَمُّلِ. وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وبريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الله بن أبي بردة، واسْمه الْحَارِث أَو عَامر بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، واسْمه عبد الله بن قيس. قَوْله: (الْمَمْلُوك) مُبْتَدأ وَخَبره الْجُمْلَة، وَهِي قَوْله: (لَهُ أَجْرَانِ) ، ويروى: للمملوك، فَإِن صحت هَذِه الرِّوَايَة يكون قَوْله: أَجْرَانِ مُبْتَدأ، وَقَوله: للمملوك، مقدما خَبره. وَلَا يكون فِي هَذِه الرِّوَايَة لَفْظَة: لَهُ.
٢٥٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يُحَدِّثُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّهُ قَالَ لَا يَقُلْ أحَدُكُمْ أطْعِمْ رَبَّكَ وَضِّىءْ رَبَّكَ اسْقِ رَبَّكَ ولْيَقُلْ سَيِّدي ومَوْلا وَلَا يَقُلْ أحَدُكُم عَبْدِي أمَتي ولْيَقُلْ فَتايَ وفَتَاتِي وغُلامِي.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا يقل أحدكُم عَبدِي أمتِي) فَإِن من جملَة التَّرْجَمَة قَوْله: عَبدِي وَأمتِي.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد، لم يذكر مُحَمَّد هَذَا مَنْسُوبا فِي أَكثر الرِّوَايَات إلَاّ فِي رِوَايَة أبي عَليّ بن شبويه، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام، وَكَذَا حَكَاهُ الجياني عَن رِوَايَة ابْن السكن، وَحكى عَن الْحَاكِم أَنه الذهلي. وَقد أخرج مُسلم هَذَا الحَدِيث فِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد ابْن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق. وَلَا يبعد أَن يكون مُحَمَّد هَذَا هُوَ مُحَمَّد بن رَافع، لِأَنَّهُ روى عَنهُ أَيْضا فِي (الصَّحِيح) . الثَّانِي: عبد الرَّزَّاق بن همام. الثَّالِث: معمر بن رَاشد. الرَّابِع: همام بن مُنَبّه. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة.
وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: تحديث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ بِهَذِهِ الصِّيغَة نَادِر.
قَوْله: (أطْعم) بِفَتْح الْهمزَة أَمر من الْإِطْعَام، (وَرَبك) مَنْصُوب مَفْعُوله. قَوْله: (وضىء) ، أَمر بِمن: وضأه يوضئه. قَوْله: (إسق) ،، بِكَسْر الْهمزَة: أَمر من سقَاهُ يسْقِيه، تثبت فِي الِابْتِدَاء وَتسقط فِي الدرج. قَوْله: (وَليقل سَيِّدي ومولاي) ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: السِّيَاق يَقْتَضِي أَن يُقَال: سيدك ومولاك، لتناسب: رَبك. قلت: الأول خطاب للسادات. وَالثَّانِي: للمماليك. أَي: لَا يَقُول السَّيِّد الْمَمْلُوك: أطْعم رَبك، إِذْ فِيهِ نوع من التكبر، وَلَا يَقُول العَبْد أَيْضا لفظا
يكون فِيهِ نوع تَعْظِيم لَهُ، بل يَقُول: أطعمت سَيِّدي ومولاي وَنَحْوه. قلت: روى مُسلم وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة فِي ذَا الحَدِيث نَحوه، وَزَاد: وَلَا يقل أحدكُم مولَايَ، فَإِن مولاكم الله. قلت: اخْتلفُوا فِي هَذِه الزِّيَادَة على الْأَعْمَش، مِنْهُم من ذكرهَا، وَمِنْهُم من حذفهَا، وَقَالَ عِيَاض: حذفهَا أصح، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْمَشْهُور حذفهَا، قَالَ: وَإِنَّمَا صرنا إِلَى التَّرْجِيح للتعارض مَعَ تعذر الْجمع وَعدم الْعلم بالتاريخ. وَسبب النَّهْي عَن قَول: أطْعم رَبك، وَنَحْوه مَا ذَكرْنَاهُ فِي أَوَائِل الْكتاب. وَقَالَ ابْن بطال: لَا يجوز أَن يُقَال لأحد غير الله: رب، كَمَا لَا يجوز أَن يُقَال: إِلَه. قلت: النَّهْي عِنْد الْإِطْلَاق، وَأما الْإِضَافَة فَيجوز، كَمَا فِي {أذكرني عِنْد رَبك} (يُوسُف: ٢٤) . وَنَحْو ذَلِك، وَيحْتَمل أَن يكون النَّهْي للتنزيه، وَمَا ورد من ذَلِك فلبيان الْجَوَاز، وَقيل: هُوَ مَخْصُوص بِغَيْر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا يرد مَا فِي الْقُرْآن، إِذْ المُرَاد النَّهْي عَن الْإِكْثَار من ذَلِك واتخاذ اسْتِعْمَال هَذِه اللَّفْظَة عَادَة، وَلَيْسَ المُرَاد النَّهْي عَن ذكرهَا فِي الْجُمْلَة. فَإِن قلت: ذكر قَوْله: (أطْعم رَبك، وضىء رَبك، إسق رَبك) ، أَمْثِلَة تدل على التَّخْصِيص أم لَا؟ قلت: لَا، وَإِنَّمَا ذكرت دون غَيرهَا لغَلَبَة اسْتِعْمَالهَا فِي المخاطبات. قَوْله: (وَلَا يقل أحدكُم: عَبدِي أمتِي) ، زَاد مُسلم فِي رِوَايَته، من طَرِيق الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة: (كلكُمْ عبيد الله وكل نِسَائِكُم إِمَاء الله) ، فأرشد، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِلَى الْعلَّة، لِأَن حَقِيقَة الْعُبُودِيَّة إِنَّمَا يَسْتَحِقهَا الله، عز وَجل، وَلِأَن فِيهَا تَعْظِيمًا لَا يَلِيق بالمخلوق اسْتِعْمَاله لنَفسِهِ. قَوْله: (وَليقل: فَتَاي وَفَتَاتِي) ، زَاد مُسلم: وجاريتي، فأرشد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِلَى مَا يُؤَدِّي المعني مَعَ السَّلامَة من التعاظم، لِأَن لفظ: الْفَتى والغلام، لَا يدل على مَحْض الْملك كدلالة العَبْد، فقد كثر اسْتِعْمَال الْفَتى فِي الْحر، وَكَذَلِكَ الْغُلَام وَالْجَارِيَة، وَقَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد بِالنَّهْي من اسْتَعْملهُ على جِهَة التعاظم لَا من أَرَادَ التَّعْرِيف.
٣٥٥٢ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا جريرُ بنُ حازِمٍ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنْ أعْتَقَ نَصيباً لَهُ مِنَ العَبْدِ فَكانَ لَهُ مِنَ المَالِ مَا يبْلُغُ قيمَتَهُ يُقَوَّمُ علَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ وأُعْتِقَ مِنْ مالِهِ وإلَاّ فَقدْ عَتَقَ منْهُ مَا عَتَقَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه لَو لم يحكم عَلَيْهِ بِعِتْق كُله عِنْد الْيَسَار لَكَانَ بذلك متطاولاً عَلَيْهِ، وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْعتْق فِي: بَاب إِذا أعتق عبدا بَين اثْنَيْنِ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي النُّعْمَان عَن حداد عَن أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر ... إِلَى آخِره.
٤٥٥٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحيى عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ حدَّثني نافِعٌ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ كُلُّكُمْ رَاعٍ فَمَسْئُولٌ عنْ رَعِيَّتِهِ فالأميرُ الَّذِي علَى النَّاسِ راعٍ وهْوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ والرَّجُلُ راعٍ علَى أهْلِ بَيْتهِ وهْوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ والمَرْأةُ راعِيَةٌ على بَيْتِ بَعْلِهَا وَولَدِهِ وهْيَ مَسْئولَةٌ عَنْهُم والْعَبْدُ راعٍ على مالِ سَيِّدِهِ وهْوَ مَسئُولٌ عنْهُ ألَاّ فكُلُّكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْئولٌ عنْ رَعِيَّتِهِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَالْعَبْد رَاع على مَال سَيّده) فَإِنَّهُ إِذا كَانَ ناصحاً لَهُ فِي خدمته مُؤديا الْأَمَانَة يَنْبَغِي أَن يُعينهُ وَلَا يَتَطَاوَل عَلَيْهِ. وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب الْعمريّ. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن عبيد الله بن سعيد. والْحَدِيث مضى أَيْضا فِي آخر كتاب الاستقراض فِي: بَاب العَبْد رَاع فِي مَال سَيّده، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم بن عبد الله عَن عبد الله بن عمر، وَأخرجه أَيْضا فِي كتاب الْجُمُعَة فِي: بَاب الْجُمُعَة فِي الْقرى والمدن: عَن بشر بن مُحَمَّد عَن عبد الله عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم ... إِلَى آخِره.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٥٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) بن كريبٍ الهمدانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ بُرَيْدٍ) بضمِّ المُوحَّدة، مُصغَّرًا، ابن عبد الله (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) الحارث (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ (﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: المَمْلُوكُ) ولأبي ذرٍّ: «للمملوك» (الَّذِي يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَيُؤَدِّي إِلَى سَيِّدِهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ وَالنَّصِيحَةِ وَالطَّاعَةِ) فيما يسوغ شرعًا (لَهُ أَجْرَانِ) خبر المبتدأ الذي هو «المملوك»، وسقط لفظ «له» من قوله: «له (١) أجران» من رواية أبي ذرٍّ، وحينئذٍ فيكون قوله: «أجران» مبتدأً، و «للمملوك»: خبره مُقدَّمًا، ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ.
٢٥٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) زاد ابن شبُّويه في روايته: «فقال محمَّد بن سلامٍ»، وكذا حكاه الجيَّانيُّ عن رواية ابن السَّكن، وحُكِي عن الحاكم أنَّه الذُّهليُّ، وقد أخرجه مسلمٌ عن محمَّد بن رافعٍ عن عبد الرَّزَّاق، فيحتمل أن يكون هو شيخ البخاريِّ فيه، فقد حدَّث عنه في «الصَّحيح» أيضًا، قاله في «الفتح» قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين وسكون العين المهملة بينهما، ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بكسر الموحَّدة (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ) لمملوك غيره: (أَطْعِمْ رَبَّكَ) بفتح الهمزة، أمرٌ من الإطعام (وَضِّئْ رَبَّكَ) أمرٌ من وضَّأه يوضِّئه (اسْقِ رَبَّكَ) بهمزة وصلٍ، ويجوز قطعها مكسورةً، وفي نسخةٍ مفتوحةً، تثبت في الابتداء وتسقط في الدَّرج، ويُستعمَل ثلاثيًّا ورباعيًّا، أمرٌ من سقاه يسقيه، وسبب النَّهي عن ذلك أنَّ حقيقة الرَّبوبيَّة لله تعالى؛ لأنَّ الرَّبَّ هو المالك والقائم بالشَّيء، ولا يوجد هذا حقيقةً إلَّا له تعالى، قال الخطَّابيُّ: سبب المنع أنَّ الإنسان مربوبٌ متعبَّدٌ بإخلاص التَّوحيد لله تعالى وترك الإشراك معه، فكُرِه له المضاهاة بالاسم؛ لئلَّا يدخل في معنى الشِّرك، ولا فرق في ذلك بين الحرِّ والعبد، وأمَّا من لا تعبُّدَ عليه من سائر الحيوانات والجمادات فلا يُكرَه أن يطلق ذلك عليه عند الإضافة، كقوله: ربُّ الدَّار والثَّوب، فإن قلت: قد قال تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] و ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٥٠] وأُجيب: بأنَّه ورد لبيان الجواز، والنَّهيُ
للأدب والتَّنزيه دون التَّحريم، أو النَّهي عن الإكثار من ذلك، واتِّخاذ هذه اللَّفظة عادةً، ولم ينه عن إطلاقها في نادرٍ من الأحوال، وهذا اختاره القاضي عياضٌ، وتخصيص الإطعام وما بعده بالذِّكر لغلبة استعمالها في المخالطات (١)، ويدخل في النَّهي أن يقول السَّيِّد ذلك عن نفسه، فإنَّه قد يقول لعبده: اسق ربَّك، فيضع الظَّاهر موضع الضَّمير على سبيل التَّعظيم لنفسه، بل هذا أولى بالنَّهي من قول العبد ذلك أو الأجنبيِّ ذلك عن (٢) السَّيِّد، قال في «مصابيح الجامع»: ساق (٣) المؤلِّف في الباب قوله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وقوله ﵊ [خ¦٤١٢١]: «قوموا إلى سيِّدكم» تنبيهًا على أنَّ النَّهيَ إنَّما جاء متوجِّهًا على جانب (٤) السَّيِّد، إذ هو في مظنَّة الاستطالة، وأنَّ قول الغير: هذا عبد زيدٍ، وهذه أَمَة خالدٍ جائزٌ؛ لأنَّه يقوله إخبارًا وتعريفًا، وليس في مظنَّة الاستطالة، والآية والحديث ممَّا يؤيد هذا الفرق، وفي الحكايات المأثورة: أنَّ سائلًا وقف ببعض الأحياء، فقال: من سيِّد هذا الحيِّ؟ فقال رجلٌ: أنا، فقال له (٥): لو كنت سيِّدهم؛ لم تَقُلْهُ. وقال النَّوويُّ: المراد بالنَّهي من استعمله على جهة التَّعاظم لا من أراد التَّعريف. (وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي مَوْلَايَ) ولأبي الوقت: «ومولاي» بإثبات الواو، وإنَّما فرَّق بين السَّيِّد والرَّبِّ؛ لأنَّ الرَّبَّ من أسماء الله تعالى اتِّفاقًا، واختُلِف في السَّيِّد هل هو من أسماء الله تعالى، ولم يأت في القرآن أنَّه من أسماء الله تعالى؟ نعم روى المؤلِّف في «الأدب المفرد» وأبو داود والنَّسائيُّ والإمام أحمد من حديث عبد الله بن الشِّخِّير عن النَّبيِّ ﷺ قال: «السَّيِّد الله»، فإن قلنا: إنَّه ليس من أسمائه (٦) تعالى فالفرق واضحٌ إذ لا التباس، وإن قلنا: إنَّه من أسماء الله تعالى فليس في الشُّهرة والاستعمال كلفظ الرَّبِّ، فيحصل الفرق بذلك، وأمَّا من حيث اللُّغة فالسَّيِّد من السُّؤدد، وهو التَّقديم، يُقال (٧): ساد قومه إذا تقدَّم عليهم، ولا شكَّ في تقديم السَّيِّد على غلامه، فلما حصل الافتراق جاز الإطلاق، وأمَّا المولى فقال النَّوويُّ: يقع على ستَّة عشر
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
ودانيال حِين سباه بخْتنصر، وَكَذَا مَا رُوِيَ عَن خضر، عَلَيْهِ السَّلَام، حِين سُئِلَ لوجه الله فَلم يكن عِنْده مَا يُعْطِيهِ، فَقَالَ لَا أملك إلَاّ نَفسِي، فبعني واستنفق ثمني، وَنَحْو ذَلِك.
٩٤٥٢ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ نَصْر قَالَ حدَّثنا أَبُو أُسامَةَ عنِ الأعْمَشِ قَالَ حدَّثنا أبُو صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَعِمَّا مَا لِأَحَدِكُمْ يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ ويَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ لِأَن مَعْنَاهُ: نعمَّا للمملوك يحسن عبَادَة ربه، على مَا نبينه عَن قريب. وَإِسْحَاق بن نصر هُوَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر فَذكره بنسبته إِلَى جده السَّعْدِيّ البُخَارِيّ، كَانَ ينزل بِالْمَدِينَةِ بِبَاب بني سعد وَهُوَ من أَفْرَاده وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات السمان.
قَوْله: (نعمَّا مَا لأَحَدهم) ، بِفَتْح النُّون وَكسر الْعين وإدغام الْمِيم فِي الْأُخْرَى، وَيجوز كسر النُّون وَفتحهَا أَيْضا مَعَ إسكان الْعين وتحريك الْمِيم، فالجملة أَربع لُغَات. قَالَ الزّجاج: مَا، بِمَعْنى الشَّيْء، فالتقدير: نعم الشَّيْء، وَقَالَ ابْن التِّين: وَقع فِي نُسْخَة الشَّيْخ أبي الْحسن الْقَابِسِيّ: نعم مَا، بتَشْديد الْمِيم الأولى وَفتحهَا، وَلَا وَجه لَهُ، وَالصَّوَاب إدغامها فِي: مَا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {إنَّ الله نعمَّا يعظكم بِهِ} (النِّسَاء: ٨٥) . والمخصوص بالمدح مَحْذُوف. قَوْله: (يحسن) مُبين لَهُ تَقْدِيره: نعمَّا لمملوك لأَحَدهم يحسن عبَادَة ربه وَينْصَح لسَيِّده.
٧١ - (بابُ كَرَاهِيَةِ التَّطَاوُلِ علَى الرَّقِيقِ وقَوْلِهِ عَبْدِي أوْ أمَتِي)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التطاول أَي الترفع والتجاوز عَن الْحَد فِيهِ. قيل: المُرَاد بِالْكَرَاهَةِ كَرَاهَة التَّنْزِيه، وَذَلِكَ لِأَن الْكل عبيد الله،، وَالله لطيف بعباده رَفِيق بهم، فَيَنْبَغِي للسادة امْتِثَال ذَلِك فِي عبيدهم، وَمن ملكهم الله إيَّاهُم، وَيجب عَلَيْهِم حسن الْملك ولين الْجَانِب، كَمَا يجب على العبيد حسن الطَّاعَة والنصح لسادتهم والانقياد لَهُم وَترك مخالفتهم. قَوْله: (وَقَوله) ، بِالْجَرِّ، عطف على: كَرَاهِيَة التطاول، وَالتَّقْدِير: وكراهية قَول الشَّخْص لمن يملكهُ من العبيد: عَبِيدِي، وَلمن يملك من الْجَوَارِي: أمتِي، وَالْكَرَاهَة فِيهِ أَيْضا للتنزيه من غير تَحْرِيم.
وَجه الْكَرَاهَة: أَن هَذَا الأسم من بَاب الْمُضَاف وَمُقْتَضَاهُ إِثْبَات الْعُبُودِيَّة لَهُ، وَصَاحبه الَّذِي هُوَ الْمَالِك عبد لله تَعَالَى متعبد بأَمْره وَنَهْيه، فإدخال مَمْلُوك الله تَعَالَى تَحت هَذَا الأسم يُوجب الشّرك، وَمعنى المضاهاة، فَلذَلِك اسْتحبَّ لَهُ أَن يَقُول: فَتَاي وَفَتَاتِي، وَالْمعْنَى فِي ذَلِك كُله يرجع إِلَى الْبَرَاءَة من الْكبر، والأليق بالشخص الَّذِي هُوَ عبد الله ومملوك لَهُ أَن لَا يَقُول: عَبدِي، وَإِن كَانَ قد ملك قياده فِي الِاسْتِخْدَام ابتلاء فِيهِ من الله بخلقه، قَالَ الله تَعَالَى: {وَجَعَلنَا بَعْضكُم لبَعض فتْنَة أَتَصْبِرُونَ} (الْفرْقَان: ٠٢) . وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِن قَالَ عَبدِي أَو أمتِي وَلم يرد التكبر فأرجو أَن لَا إِثْم عَلَيْهِ.
وقالَ الله تَعَالَى {والصَّالِحِينَ مِنْ عَبَادِكُمْ وإمَائِكُمْ} (النُّور: ٢٣) . وَقَالَ: {عَبْداً مَمْلُوكاً} (النَّحْل: ٥٧) . {وألْفَيا سَيِّدَهَا لَدَى الْبابِ} (يُوسُف: ٥٢) . وَقَالَ {مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِناتِ} (النِّسَاء: ٥٢) . وَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ {واذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} (يُوسُف: ٢٤) . أيْ سَيَّدِكَ ومَنْ سَيِّدِكُمْ
ذكر هَذَا كُله دَلِيلا لجَوَاز أَن يَقُول: عَبدِي وَأمتِي، وَأَن النَّهْي الَّذِي ورد فِي الحَدِيث عَن قَول الرجل: عَبدِي وَأمتِي. وَعَن قَوْله: إسق ربَّكَ، وَنَحْوه للتنزيه لَا للتَّحْرِيم. قَوْله: {وَالصَّالِحِينَ من بادكم وَإِمَائِكُمْ} هُوَ فِي سُورَة النُّور، وأوله: {وَانْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُم وَالصَّالِحِينَ من عبادكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِم الله من فَضله وَالله وَاسع عليم} (النُّور: ٢٣) . وَلما أَمر الله تَعَالَى قبل هَذِه الْآيَة بغض الْأَبْصَار وَحفظ الْفروج، بقوله: {قل للْمُؤْمِنين يغضوا من أَبْصَارهم ويحفظوا فروجهم} (النِّسَاء: ٥٢) . الْآيَة، بَين بعده أَن الَّذِي أَمر بِهِ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا لَا يحل، فَبين بعد ذَلِك طَرِيق الْحل، فَقَالَ: {وَأنْكحُوا الْأَيَامَى} (النُّور: ٢٣) . أَصْلهَا: أيائم، فَقلب، والأيم للرجل وَالْمَرْأَة، فالأيامي: هم الَّذين لَا أَزوَاج لَهُم من الرِّجَال وَالنِّسَاء، يُقَال: رجل أيم وَامْرَأَة إيم وأيمة. وآم الرجل وآمت الْمَرْأَة بأيم أيمة، وأيوماً إِذا لم يتزوجا بكرين كَانَا أَو ثيبين، وَقَالَ ابْن بطال: جَازَ أَن يَقُول الرجل: عَبدِي وَأمتِي، لقَوْله تَعَالَى: {وَالصَّالِحِينَ من عبادكُمْ وَإِمَائِكُمْ} (النُّور: ٢٣) . وَإِنَّمَا نهى عَنهُ على سَبِيل الغلظة لَا على سَبِيل التَّحْرِيم، وَكره ذَلِك لاشْتِرَاط اللَّفْظ، إِذْ يُقَال: عبد الله
وَأمة الله. قَوْله: (وَقَالَ {عبدا مَمْلُوكا} (النَّحْل: ٥٧)) هُوَ فِي سُورَة النَّحْل، وأوله: {وَضرب الله مثلا عبدا مَمْلُوكا لَا يقدر على شَيْء ... } (النَّحْل: ٥٧) . الْآيَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي أول: بَاب من ملك الْعَرَب رَقِيقا. قَوْله: {وألفيا سَيِّدهَا لَدَى الْبَاب} (يُوسُف: ٥٢) هُوَ فِي سُورَة يُوسُف، وَقَبله: {واستبقا الْبَاب وقدت قَمِيصه من دبر وألفيا سَيِّدهَا لَدَى الْبَاب} (يُوسُف: ٥٢) . الْآيَة، والقصة مَشْهُورَة، وَالْمعْنَى: تسابقا إِلَى الْبَاب يَعْنِي: يُوسُف وزليخا فنفر يُوسُف عَنْهَا فأسرع يُرِيد الْبَاب ليخرج، وأسرعت زليخا وَرَاءه لتمنعه من الْخُرُوج، وقدت قَمِيصه من دُبُرٍ لِأَنَّهَا جبذته من خَلفه فشقت قَمِيصه، وألفيا سَيِّدهَا أَي: صادفا ولَقِيا بَعْلهَا، وَهُوَ قطفير، وَإِنَّمَا قَالَ: سَيِّدهَا، وَلم يقل: سيدهما، لِأَن ملك يُوسُف لم يَصح، فَلم يكن سيداً لَهُ على الْحَقِيقَة. قَوْله: (وَقَالَ: {من فَتَيَاتكُم الْمُؤْمِنَات} (النِّسَاء: ٥٢)) هُوَ فِي سُورَة النِّسَاء، وأوله: {وَمن لم يسْتَطع مِنْكُم طولا أَن ينْكح الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات فَمَا ملكت أَيْمَانكُم من فَتَيَاتكُم الْمُؤْمِنَات ... } (النِّسَاء: ٥٢) . الْآيَة، يَعْنِي: مِنْهُ لم يجد مِنْكُم طولا أَي: سَعَة وقدرة أَن ينْكح الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات من الْحَرَائِر العفائف وَالْمُؤْمِنَات، فتزوجوا من الْإِمَاء الْمُؤْمِنَات اللَّاتِي يملكهن الْمُؤْمِنُونَ، والفتيات جمع فتاة وَهِي: الآمة. قَوْله: (وَقَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: قومُوا إِلَى سيدكم) ، هُوَ قِطْعَة من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ أخرجه البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي على مَا يَأْتِي، فَقَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا غنْدر حَدثنَا شُعْبَة عَن سعد، قَالَ: سَمِعت أَبَا أُمَامَة، قَالَ: سَمِعت أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ يَقُول: نزل أهل قُرَيْظَة على حكم سعد بن معَاذ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأرْسل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى سعد، فَأتى على حمَار، فَلَمَّا دنا من الْمَسْجِد قَالَ للْأَنْصَار: (قومُوا إِلَى سيدكم) الحَدِيث، وخاطب الْأَنْصَار بقوله: (قومُوا إِلَى سيدكم) يُرِيد بِهِ سعد بن معَاذ، فَمن هَذَا أَخذ أَن لَا يمْنَع العَبْد أَن يَقُول: سَيِّدي ومولاء، لِأَن مرجع السِّيَادَة إِلَى معنى الرياسة على من تَحت يَده والسياسة لَهُ وَحسن التَّدْبِير، وَلذَلِك سمى الزَّوْج سيداً، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وألفيا سَيِّدهَا لَدَى الْبَاب} (يُوسُف: ٥٢) . وَقد قيل لمَالِك: هَل كره أحد بِالْمَدِينَةِ قَوْله لسَيِّده: يَا سَيِّدي؟ قَالَ: لَا. وَاحْتج بِهَذِهِ الْآيَة، وَقَوله تَعَالَى: {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا} (آل عمرَان: ٩٣) . قيل لَهُ: يَقُولُونَ: السَّيِّد هُوَ الله؟ قَالَ: أَيْن هُوَ فِي كتاب الله تَعَالَى؟ وَإِنَّمَا فِي الْقُرْآن: {ربِّ اغْفِر لي ولوالدي} (نوح: ٨٢) . قيل: أنكر أَن يَدْعُو يَا سَيِّدي. قَالَ: مَا فِي الْقُرْآن أحب إِلَيّ، وَدُعَاء الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقد قَالَ بعض أهل اللُّغَة: إِنَّمَا سمى السَّيِّد لِأَنَّهُ يملك السوَاد الْأَعْظَم، وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْحسن: إِن ابْني هَذَا سيد. قَوْله: ( {واذكرني عِنْد رَبك} (يُوسُف: ٢٤)) هُوَ فِي سُورَة يُوسُف وأوله: {وَقَالَ للَّذي ظن أَنه ناجٍ مِنْهُمَا: أذكرني عِنْد رَبك ... } (يُوسُف: ٢٤) الْآيَة، وقصته مَشْهُورَة، مَعْنَاهُ: صفني عِنْد الْملك بصفتي، وقص عَلَيْهِ بقصتي لَعَلَّه يرحمني ويخرجني من السجْن، فَلَمَّا وكل أمره إِلَى غير الله أمكثه فِي السجْن سبع سِنِين. وَقَالَ الْخطابِيّ: لَا يُقَال أطْعم رَبك، لِأَن الْإِنْسَان مربوب مَأْمُور بإخلاص التَّوْحِيد وَترك الْإِشْرَاك مَعَه، فكره لَهُ المضاهاة بالإسم. وَأما غَيره من سَائِر الْحَيَوَان والجماد فَلَا بَأْس بِإِطْلَاق هَذَا الإسم عَلَيْهِ عِنْد الْإِضَافَة، كَقَوْلِهِم: رب الدَّار، وَرب الدَّابَّة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قد ورد فِي الْقُرْآن مثل قَوْله: {إِنَّه رَبِّي أحسن مثواي} (يُوسُف: ٣٢) . {واذكرني عِنْد رَبك} (يُوسُف: ٢٤) . قلت: ذَاك شرع من قبلنَا. فَإِن قلت: كَمَا أَنه لَا رب حَقِيقَة غير الله، كَذَا لَا سيد وَلَا مولى حَقِيقَة أَيْضا إلَاّ الله تَعَالَى، فَلِمَ جَازَ هَذَا وَامْتنع هَذَا؟ قلت: التربية الْحَقِيقِيَّة مُخْتَصَّة بِاللَّه تَعَالَى، بِخِلَاف السِّيَادَة فَإِنَّهَا ظَاهِرَة، بعض النَّاس سَادَات على الآخرين، وَأما الْمولى فقد جَاءَ بمعاني بَعْضهَا لَا يَصح إلَاّ على الْمَخْلُوق. قَوْله: (وَمن سيدكم؟) هَذِه اللَّفْظَة سَقَطت من رِوَايَة النَّسَفِيّ وَأبي ذَر وَأبي الْوَقْت، وَثبتت فِي رِوَايَة البَاقِينَ، وَهِي قِطْعَة من حَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي (الْأَدَب الْمُفْرد) من طَرِيق حجاج الصَّواف عَن أبي الزبير، قَالَ: حَدثنَا جَابر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من سيدكم يَا بني سَلمَة؟) قُلْنَا: الْجد بن قيس على أَنا نبخله. قَالَ وَأي داى أدوى من الْبُخْل؟ بل سيدكم عَمْرو بن الجموح، وَكَانَ عَمْرو على أصنامهم فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَ يُولِمُ عَن رَسُول لله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا تزوج. وَأخرجه الْحَاكِم من طَرِيق مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة نَحوه. وَالْحَد، بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الدَّال: هُوَ ابْن قيس بن صَخْر بن خنساء بن سِنَان بن عبيد بن عدي بن غنم، بِسُكُون النُّون: ابْن كَعْب بن سَلمَة، بِكَسْر اللَّام، يكنى أَبَا عبد الله، وَقَالَ أَبُو عمر: كَانَ يرْمى بالنفاق، وَيُقَال: إِنَّه تَابَ وَحسنت تَوْبَته وعاش إِلَى أَن مَاتَ فِي خلَافَة عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَأما عَمْرو بن الجموح، بِفَتْح الْجِيم وَضم الْمِيم المخففة وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: فَهُوَ ابْن زيد بن حرَام، بمهملتين: ابْن كَعْب بن غنم بن سَلمَة، قَالَ ابْن إِسْحَاق: كَانَ مَا سَادَات بني سَلمَة، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: عَقبي، وَفِي قَول: بَدْرِي، اسْتشْهد يَوْم أحد، هُوَ وَابْنه خَلاد. فَإِن قلت: ذكر ابْن مَنْدَه من حَدِيث كَعْب بن مَالك أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من سيدكم يَا بني سَلمَة؟) قَالُوا: جد بن قيس، فَذكر الحَدِيث، فَقَالَ: سيدكم
بشر بن الْبَراء بن معْرور) ، بِسُكُون الْعين الْمُهْملَة: ابْن صَخْر، يجْتَمع مَعَ عَمْرو بن الجموح فِي صَخْر؟ قلت: اخْتلف فِي وَصله وإرساله على الزُّهْرِيّ، على أَنه يُمكن التَّوْفِيق بِأَن تحمل قصَّة بشر على أَنَّهَا كَانَت بعد قتل عَمْرو بن الجموح، وَمَات بشر الْمَذْكُور بعد خَيْبَر، أكل مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الشَّاة المسمومة، وَكَانَ قد شهد الْعقبَة وبدراً، ذكره إِبْنِ إِسْحَاق.
٠٥٥٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ أخبرنَا يَحْيَى عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ حدَّثني نافعٌ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إذَا نَصَحَ الْعَبْدُ سَيِّدَهُ وأحْسنَ عِبادَةَ رَبِّهِ كانَ لَهُ أجْرُهُ مَرَّتَيْنِ.
(انْظُر الحَدِيث ٦٤٥٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن العَبْد إِذا نصح سَيّده وَأحسن عبَادَة ربه، يكره تطاول مَوْلَاهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا الحَدِيث مضى فِي أول: بَاب العَبْد إِذا أحسن عبَادَة ربه، وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأخرجه مُسلم فِي الْعتْق وَفِي النذور عَن زُهَيْر بن حَرْب وَمُحَمّد بن الْمثنى.
١٥٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلَاءِ قَالَ حدَّثنا أَبُو أُسَامَةَ عنْ بُرَيْدٍ عنْ أبِي بُرْدَةَ عنْ أبِي مُوساى رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْمَمْلُوكُ الَّذِي يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ ويُؤَدِّي إلَى سَيِّدِهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ والنَّصِيحَةِ والطَّاعَةِ لَهُ أجْرَانِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَيُؤَدِّي إِلَى سَيّده) إِلَى آخِره، لِأَنَّهُ إِذا قَامَ بِمَا ذكر فِيهِ يكره التطاول عَلَيْهِ. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب تَعْلِيم الرجل أمته، وَعَن قريب فِي: بَاب العَبْد إِذا أحسن عبَادَة ربه، مَعَ زِيَادَة ونقصان، يظْهر ذَلِك عِنْد النّظر بِالتَّأَمُّلِ. وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وبريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الله بن أبي بردة، واسْمه الْحَارِث أَو عَامر بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، واسْمه عبد الله بن قيس. قَوْله: (الْمَمْلُوك) مُبْتَدأ وَخَبره الْجُمْلَة، وَهِي قَوْله: (لَهُ أَجْرَانِ) ، ويروى: للمملوك، فَإِن صحت هَذِه الرِّوَايَة يكون قَوْله: أَجْرَانِ مُبْتَدأ، وَقَوله: للمملوك، مقدما خَبره. وَلَا يكون فِي هَذِه الرِّوَايَة لَفْظَة: لَهُ.
٢٥٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يُحَدِّثُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّهُ قَالَ لَا يَقُلْ أحَدُكُمْ أطْعِمْ رَبَّكَ وَضِّىءْ رَبَّكَ اسْقِ رَبَّكَ ولْيَقُلْ سَيِّدي ومَوْلا وَلَا يَقُلْ أحَدُكُم عَبْدِي أمَتي ولْيَقُلْ فَتايَ وفَتَاتِي وغُلامِي.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا يقل أحدكُم عَبدِي أمتِي) فَإِن من جملَة التَّرْجَمَة قَوْله: عَبدِي وَأمتِي.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد، لم يذكر مُحَمَّد هَذَا مَنْسُوبا فِي أَكثر الرِّوَايَات إلَاّ فِي رِوَايَة أبي عَليّ بن شبويه، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام، وَكَذَا حَكَاهُ الجياني عَن رِوَايَة ابْن السكن، وَحكى عَن الْحَاكِم أَنه الذهلي. وَقد أخرج مُسلم هَذَا الحَدِيث فِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد ابْن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق. وَلَا يبعد أَن يكون مُحَمَّد هَذَا هُوَ مُحَمَّد بن رَافع، لِأَنَّهُ روى عَنهُ أَيْضا فِي (الصَّحِيح) . الثَّانِي: عبد الرَّزَّاق بن همام. الثَّالِث: معمر بن رَاشد. الرَّابِع: همام بن مُنَبّه. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة.
وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: تحديث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ بِهَذِهِ الصِّيغَة نَادِر.
قَوْله: (أطْعم) بِفَتْح الْهمزَة أَمر من الْإِطْعَام، (وَرَبك) مَنْصُوب مَفْعُوله. قَوْله: (وضىء) ، أَمر بِمن: وضأه يوضئه. قَوْله: (إسق) ،، بِكَسْر الْهمزَة: أَمر من سقَاهُ يسْقِيه، تثبت فِي الِابْتِدَاء وَتسقط فِي الدرج. قَوْله: (وَليقل سَيِّدي ومولاي) ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: السِّيَاق يَقْتَضِي أَن يُقَال: سيدك ومولاك، لتناسب: رَبك. قلت: الأول خطاب للسادات. وَالثَّانِي: للمماليك. أَي: لَا يَقُول السَّيِّد الْمَمْلُوك: أطْعم رَبك، إِذْ فِيهِ نوع من التكبر، وَلَا يَقُول العَبْد أَيْضا لفظا
يكون فِيهِ نوع تَعْظِيم لَهُ، بل يَقُول: أطعمت سَيِّدي ومولاي وَنَحْوه. قلت: روى مُسلم وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة فِي ذَا الحَدِيث نَحوه، وَزَاد: وَلَا يقل أحدكُم مولَايَ، فَإِن مولاكم الله. قلت: اخْتلفُوا فِي هَذِه الزِّيَادَة على الْأَعْمَش، مِنْهُم من ذكرهَا، وَمِنْهُم من حذفهَا، وَقَالَ عِيَاض: حذفهَا أصح، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْمَشْهُور حذفهَا، قَالَ: وَإِنَّمَا صرنا إِلَى التَّرْجِيح للتعارض مَعَ تعذر الْجمع وَعدم الْعلم بالتاريخ. وَسبب النَّهْي عَن قَول: أطْعم رَبك، وَنَحْوه مَا ذَكرْنَاهُ فِي أَوَائِل الْكتاب. وَقَالَ ابْن بطال: لَا يجوز أَن يُقَال لأحد غير الله: رب، كَمَا لَا يجوز أَن يُقَال: إِلَه. قلت: النَّهْي عِنْد الْإِطْلَاق، وَأما الْإِضَافَة فَيجوز، كَمَا فِي {أذكرني عِنْد رَبك} (يُوسُف: ٢٤) . وَنَحْو ذَلِك، وَيحْتَمل أَن يكون النَّهْي للتنزيه، وَمَا ورد من ذَلِك فلبيان الْجَوَاز، وَقيل: هُوَ مَخْصُوص بِغَيْر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا يرد مَا فِي الْقُرْآن، إِذْ المُرَاد النَّهْي عَن الْإِكْثَار من ذَلِك واتخاذ اسْتِعْمَال هَذِه اللَّفْظَة عَادَة، وَلَيْسَ المُرَاد النَّهْي عَن ذكرهَا فِي الْجُمْلَة. فَإِن قلت: ذكر قَوْله: (أطْعم رَبك، وضىء رَبك، إسق رَبك) ، أَمْثِلَة تدل على التَّخْصِيص أم لَا؟ قلت: لَا، وَإِنَّمَا ذكرت دون غَيرهَا لغَلَبَة اسْتِعْمَالهَا فِي المخاطبات. قَوْله: (وَلَا يقل أحدكُم: عَبدِي أمتِي) ، زَاد مُسلم فِي رِوَايَته، من طَرِيق الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة: (كلكُمْ عبيد الله وكل نِسَائِكُم إِمَاء الله) ، فأرشد، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِلَى الْعلَّة، لِأَن حَقِيقَة الْعُبُودِيَّة إِنَّمَا يَسْتَحِقهَا الله، عز وَجل، وَلِأَن فِيهَا تَعْظِيمًا لَا يَلِيق بالمخلوق اسْتِعْمَاله لنَفسِهِ. قَوْله: (وَليقل: فَتَاي وَفَتَاتِي) ، زَاد مُسلم: وجاريتي، فأرشد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِلَى مَا يُؤَدِّي المعني مَعَ السَّلامَة من التعاظم، لِأَن لفظ: الْفَتى والغلام، لَا يدل على مَحْض الْملك كدلالة العَبْد، فقد كثر اسْتِعْمَال الْفَتى فِي الْحر، وَكَذَلِكَ الْغُلَام وَالْجَارِيَة، وَقَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد بِالنَّهْي من اسْتَعْملهُ على جِهَة التعاظم لَا من أَرَادَ التَّعْرِيف.
٣٥٥٢ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا جريرُ بنُ حازِمٍ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنْ أعْتَقَ نَصيباً لَهُ مِنَ العَبْدِ فَكانَ لَهُ مِنَ المَالِ مَا يبْلُغُ قيمَتَهُ يُقَوَّمُ علَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ وأُعْتِقَ مِنْ مالِهِ وإلَاّ فَقدْ عَتَقَ منْهُ مَا عَتَقَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه لَو لم يحكم عَلَيْهِ بِعِتْق كُله عِنْد الْيَسَار لَكَانَ بذلك متطاولاً عَلَيْهِ، وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْعتْق فِي: بَاب إِذا أعتق عبدا بَين اثْنَيْنِ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي النُّعْمَان عَن حداد عَن أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر ... إِلَى آخِره.
٤٥٥٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحيى عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ حدَّثني نافِعٌ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ كُلُّكُمْ رَاعٍ فَمَسْئُولٌ عنْ رَعِيَّتِهِ فالأميرُ الَّذِي علَى النَّاسِ راعٍ وهْوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ والرَّجُلُ راعٍ علَى أهْلِ بَيْتهِ وهْوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ والمَرْأةُ راعِيَةٌ على بَيْتِ بَعْلِهَا وَولَدِهِ وهْيَ مَسْئولَةٌ عَنْهُم والْعَبْدُ راعٍ على مالِ سَيِّدِهِ وهْوَ مَسئُولٌ عنْهُ ألَاّ فكُلُّكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْئولٌ عنْ رَعِيَّتِهِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَالْعَبْد رَاع على مَال سَيّده) فَإِنَّهُ إِذا كَانَ ناصحاً لَهُ فِي خدمته مُؤديا الْأَمَانَة يَنْبَغِي أَن يُعينهُ وَلَا يَتَطَاوَل عَلَيْهِ. وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب الْعمريّ. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن عبيد الله بن سعيد. والْحَدِيث مضى أَيْضا فِي آخر كتاب الاستقراض فِي: بَاب العَبْد رَاع فِي مَال سَيّده، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم بن عبد الله عَن عبد الله بن عمر، وَأخرجه أَيْضا فِي كتاب الْجُمُعَة فِي: بَاب الْجُمُعَة فِي الْقرى والمدن: عَن بشر بن مُحَمَّد عَن عبد الله عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم ... إِلَى آخِره.
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56