«لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَمَشَيْتُ مَعَهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٨٥

الحديث رقم ٢٨٥ من كتاب «كتاب الغسل» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الجنب يخرج ويمشي في السوق وغيره.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «لقيني رسول الله ﷺ وأنا جنب، فأخذ بيدي…

«لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ وَأَنَا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَتَيْتُ الرَّحْلَ فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ وَهْوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ: أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هِرٍّ؟. فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ يَا أَبَا هِرٍّ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ».

سند حديث: ٢٨٥ - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ قَالَ: حَدَّثَنَا…

٢٨٥ - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ بَكْرٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «لقيني رسول الله ﷺ وأنا جنب، فأخذ بيدي…

لقي النبيُّ صلى الله عليه وسلم أبا هريرة رضي الله عنه في بعض طرق المدينة، وكان أبو هريرة على جنابة، ومن تعظيمه للنبي صلى الله عليه وسلم كره مجالسته ومحادثته وهو على تلك الحال ظنًّا منه أنه نجس، فذهب في خُفية واغتسل، ثم رجع وجلس، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم أين ذهب؟

فأخبره بحاله، وأنه كره مجالسته وهو نجس من الجنابة، فتعجب النبي صلى الله عليه وسلم وقال له:

إن المؤمن طاهر ولا ينجس على كل حال؛ حيًّا ولا ميتًا.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الجنابة إنما تمنع من الصلاة ومس المصحف والمكوث في المسجد، ولا تمنع من مجالسة المسلمين ومقابلتهم، ولا يصير بها الجنب نجسًا.
  • طهارة المؤمن حيًّا وميتًا.
  • تعظيم أهل الفضل، والعلم، والصلاح، ومجالستهم على أحسن الهيئات.
  • مشروعية استئذان التابع للمتبوع في الانصراف، فقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على أبي هريرة رضي الله عنه، ذهابه من غير علمه، وذلك أن الاستئذان من حسن الأدب.
  • قول: سبحان الله، عند التعجب.
  • جواز تحدث الإنسان عن نفسه بما يُستحيا منه للمصلحة.
  • الكافر نجس، لكن نجاسته معنوية لخبث عقيدته.
  • قال النووي: وفي هذا الحديث أيضًا من الآداب أن العالم إذا رأى من تابعه أمرًا يخاف عليه فيه خلاف الصواب سأله عنه، وقال له صوابه، وبين له حكمه، والله أعلم. ‏

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «لقيني رسول الله ﷺ وأنا جنب، فأخذ بيدي…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ) بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مُشدَّدةٍ وشينٍ مُعجَمةٍ، ابن الوليد الرَّقَّام (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى السَّامي -بالمُهمَلة- قال: (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل (عَنْ بَكْرٍ) المزنيِّ (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) نُفَيْعٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ وَأَنَا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي) وفي بعض الأصول: «بيميني» (فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَد فَانْسَلَلْتُ) أي: خرجت أو ذهبت في خفيةٍ، ولابن عساكر: «فانسللت منه» (فَأَتَيْتُ) وفي روايةٍ: «وأتيت» (الرَّحْلَ) بالحاء المُهمَلة السَّاكنة، أي: الذي آوي إليه (فَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ وَهْوَ) (قَاعِدٌ فَقَالَ: أَيْنَ كُنْتَ) كان واسمها، والخبر الظَّرف، أو هي تامَّةٌ فلا تحتاج لخبرٍ (١) (يَا أَبَا هُرَيرَة؟) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «يا أبا هرٍّ» بالترخيم، قال أبو هريرة: (فَقُلْتُ لَهُ) الذي فعلته من المجيء للرَّحل والاغتسال (فَقَالَ) متعجِّبًا منه: (سُبْحَانَ اللهِ يَا أَبَا هُرَيرَة!) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت: «يا أبا هرٍّ» (إِنَّ المُؤْمِنَ) ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «سبحان الله! إنَّ المؤمن» (لَا يَنْجُسُ) بضمِّ الجيم.

وقد سبق الكلام على مباحث هذا الحديث قريبًا [خ¦٢٨٣] ومُطابقته للتَّرجمة في (٢) قوله: «فمشيت معه»، واستُنبِط منه: جواز أخذ العالم بيد تلميذه ومشيه معه معتمدًا عليه ومرتفقًا به، وغير ذلك ممَّا لا يخفى.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

يضاجعهن، وَمَعَ ذَلِك لَا يجب عَلَيْهِ من غسل الْكِتَابِيَّة إلَاّ مثل مَا يجب عَلَيْهِ من غسل الْمسلمَة، فَدلَّ على أَن الْآدَمِيّ الْحَيّ لَيْسَ ينجس الْعين إِذْ لَا فرق بَين النِّسَاء وَالرِّجَال وَفِي (الْمُدَوَّنَة) على مَا نَقله ابْن التِّين إِن الْمَرِيض إِذا صلى لَا يسْتَند لحائض وَلَا جنب، وَأَجَازَهُ ابْن أَشهب. قَالَ [قعالشيخ أَبُو مُحَمَّد [/ قع: لِأَن ثيابهما لَا تكَاد تسلم من النَّجَاسَة. وَقَالَ غَيره لأجل أعينهما لَا لثيابهما، وَمَا ذَكرْنَاهُ يرد بذلك، فَإِن قلت: على مَا ذكرت من أَن الْمُسلم لَا ينجس حَيا وَلَا مَيتا يَنْبَغِي أَن يغسل الْمَيِّت لِأَنَّهُ طَاهِر. قلت: اخْتلف الْعلمَاء من أَصْحَابنَا فِي وجوب غسله. فَقيل: إِنَّمَا وَجب لحَدث يحله باسترخاء المفاصل لَا لنجاسته، فَإِن الْآدَمِيّ لَا ينجس بِالْمَوْتِ كَرَامَة، إِذا لَو نجس لما طهر بِالْغسْلِ كَسَائِر الْحَيَوَانَات وَكَانَ الْوَاجِب الِاقْتِصَار على أَعْضَاء الْوضُوء كَمَا فِي حَال الْحَيَاة. لَكِن ذَلِك إِنَّمَا كَانَ نفيا للْحَرج فِيمَا يتَكَرَّر كل يَوْم، وَالْحَدَث بِسَبَب الْمَوْت لَا يتَكَرَّر، فَكَانَ كالجنابة لَا يَكْتَفِي فِيهَا بِغسْل الْأَعْضَاء الْأَرْبَعَة، بل يبْقى على الأَصْل، وَهُوَ وجوب غسل الْبدن لعدم الْحَرج، فَكَذَا هَذَا. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ يجب غسله لنجاسته بِالْمَوْتِ لَا بِسَبَب الْحَدث لِأَن للآدمي دَمًا سَائِلًا فيتنجس بِالْمَوْتِ قِيَاسا على غَيره ألَاّ ترى أَنه لَو مَاتَ فِي الْبِئْر نجسها؟ وَلَو حمله الْمُصَلِّي لم تجز صلَاته وَلَو لم يكن نجسا لجازت كَمَا لَو حمل مُحدثا.

الثَّانِي: من الْأَحْكَام فِيهِ اسْتِحْبَاب أحترام أهل الْفضل، وَأَن يوقرهم جليسهم ومصاحبهم، فَيكون على أكمل الهيئات وَأحسن الصِّفَات، وَقد اسْتحبَّ الْعلمَاء لطَالب الْعلم أَن يحسن حَاله عِنْد مجالسة شَيْخه، فَيكون متطهراً متنظفاً بِإِزَالَة الشعوث الْمَأْمُور بإزالتها، نَحْو: قصّ الشَّارِب، وقلم الْأَظْفَار، وَإِزَالَة الروائح الْمَكْرُوهَة وَغير ذَلِك.

الثَّالِث: فِيهِ من الْآدَاب أَن الْعَالم إِذا رأى من تَابعه أمرا يخَاف عَلَيْهِ فِيهِ خلاف الصَّوَاب، سَأَلَهُ عَنهُ وَقَالَ لَهُ صَوَابه وَبَين لَهُ حكمه.

الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز تَأْخِير الِاغْتِسَال عَن أول وَقت وُجُوبه، وَالْوَاجِب أَن لَا يُؤَخِّرهُ إِلَى أَن يفوتهُ وَقت صَلَاة.

الْخَامِس: فِيهِ جَوَاز انصراف الْجنب فِي حَوَائِجه قبل الِاغْتِسَال، مَا لم يفته وَقت الصَّلَاة.

السَّادِس: فِيهِ أَن النَّجَاسَة إِذا لم تكن عينا فِي الْأَجْسَام لَا تضرها فَإِن الْمُؤمن طَاهِر الْأَعْضَاء، فَإِن من شَأْنه الْمُحَافظَة على الطَّهَارَة والنظافة.

السَّابِع: فِيهِ ائتلاف قُلُوب الْمُؤمنِينَ، ومواساة الْفُقَرَاء والتواضع لله، وَاتِّبَاع أَمر الله تَعَالَى حَيْثُ قَالَ جلّ ذكره. {وَلَا تطرد الَّذين يدعونَ رَبهم بِالْغَدَاةِ والعشي يُرِيدُونَ وَجهه} (سُورَة) . وَقَالَ بَعضهم: وَفِيه: اسْتِحْبَاب اسْتِئْذَان التَّابِع للمتبوع إِذا أَرَادَ أَن يُفَارِقهُ. قلت: هَذَا بعيد لِأَن الحَدِيث الْمَذْكُور لَا يفهم مِنْهُ ذَلِك لَا من عِبَارَته وَلَا من إِشَارَته وَلَا فِيهِ التَّابِع والتبوع لِأَن أَبَا هُرَيْرَة لم يكن فِي تِلْكَ الْحَالة تَابعا للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مَشْيه بل إِنَّمَا لقِيه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي بعض طرق الْمَدِينَة، كَمَا هُوَ نَص الحَدِيث. وَقَالَ أَيْضا وَبَوَّبَ عَلَيْهِ ابْن حبَان الرَّد على من زعم أَن الْجنب إِذا وَقع فِي الْبِئْر فَنوى الِاغْتِسَال أَن مَاء الْبِئْر ينجس. قلت: هَذَا الرَّد مَرْدُود حِينَئِذٍ، لِأَن الحَدِيث لَا يدل عَلَيْهِ أصلا والْحَدِيث يدل بعبارته أَن الْجنب لَيْسَ بِنَجس فِي ذَاته، وَلم يتَعَرَّض إِلَى طَهَارَة غسالته إِذا نوى الِاغْتِسَال.

٢٨٣ - حدّثنا عليُّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ حدّثنا يَحَيى اقالَ حدّثنا حُمَيْدٌ قالَ حدّثنا بَكْرٌ عَنْ أبي رَافِعٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لقِيهُ فِي بَعْضَ طِريقِ المَدِينَةِ وَهُوَ جُنَبٌ فانْخَنَسْتُ مِنْهُ فَذَهَبْتُ فاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جاءَ فقالَ أيْنَ كُنْتَ يَا أبَا هُرَيْرَةَ قالَ كُنْتُ جُنُباً فَكَرِهْتُ أنْ أُجالِسَكَ وأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهارَةٍ فقالَ سُبْحَانَ اللَّهِ إنَّ المُؤْمِنِ لَا يَنْجُسُ.

[/ ح.

مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث لإحدى ترجمتي هَذَا الْبَاب ظَاهِرَة وَهِي التَّرْجَمَة الثَّانِيَة.

ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: عَليّ بن عبد الله الْمَدِينِيّ. الثَّانِي: يحيى بن سعيد الْقطَّان. الثَّالِث: حميد، بِضَم الْحَاء الطَّوِيل التَّابِعِيّ، مَاتَ وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي. الرَّابِع: بكر، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن عبد الله بن عمر بن هِلَال الْمُزنِيّ الْبَصْرِيّ. الْخَامِس: أَبَوا رَافع واسْمه، نفيع بِضَم النُّون وَفتح الْفَاء، الصَّائِغ، بالغين الْمُعْجَمَة، الْبَصْرِيّ، تحول إِلَيْهَا من الْمَدِينَة أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَلم ير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع، والعنعنة فِي موضِعين: وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته بصريون، وَمن أجل لطائفه أَنه مُتَّصِل، وَرَوَاهُ مُسلم مَقْطُوعًا حميد عَن أبي رَافع كَذَا فِي طَرِيق الجلودي، والحافظ الجياني، وَالصَّوَاب مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره: حميد عَن بكر عَن أبي رَافع، وَذكر أَبُو مَسْعُود وَخلف أَن مُسلما أخرجه أَيْضا كَذَلِك. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) قد رَأينَا من قَالَه غَيرهمَا فَدلَّ على أَن فِي مُسلم رِوَايَتَيْنِ. قلت: ذكر الْبَغَوِيّ فِي (شرح السّنة) أَن مُسلما أخرجه بِإِثْبَات بكر.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن عَيَّاش بن الْوَلِيد عَن عبد الْأَعْلَى. وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن زُهَيْر بن حَرْب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن مُسَدّد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن حميد بن مسْعدَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ.

ذكر لغاته وَمَعْنَاهُ قَوْله (فِي بعض طَرِيق) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَر، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة والأصيلي. طرق: بِالْجمعِ وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ: (لَقيته فِي بعض طَرِيق من طرق الْمَدِينَة) قَوْله: (فانخنست) فِيهِ رِوَايَات كَثِيرَة. الأولى: (فانخنست) كَمَا فِي الْكتاب بالنُّون ثمَّ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة ثمَّ بالنُّون ثمَّ بِالسِّين الْمُهْملَة، وَهِي رِوَايَة الْكشميهني والحموي وكريمة. وَمَعْنَاهُ تَأَخَّرت وأنقبضت وَرجعت، وَهُوَ لَازم ومتعد، وَمِنْه خنس الشَّيْطَان. الثَّانِيَة: فاختنست، مثل الرِّوَايَة الأولى فِي الْمَعْنى، غير أَن اللَّفْظ فِي الرِّوَايَة الأولى من بَاب الانفعال، وَفِي هَذِه الرِّوَايَة من بَاب الافتعال. الثَّالِثَة: فانبجست، بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالْجِيم، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ، وَمَعْنَاهُ اندفعت وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {فانبجست مِنْهُ اثْنَتَا عشرَة عينا} (سُورَة الْأَعْرَاف: ١٦) أَي: جرت واندفعت، وَهِي رِوَايَة ابْن السكن والأصيلي أَيْضا وَأبي الْوَقْت وَابْن عَسَاكِر أَيْضا. الرَّابِعَة: فانتجست، من النَّجَاسَة من بَاب الافتعال، وَالْمعْنَى: اعتقدت نَفسِي نجسا وَهُوَ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي. الْخَامِسَة: فانتجشت، بالشين الْمُعْجَمَة، من النجش، وَهُوَ الْإِسْرَاع. السَّادِسَة: فانبخست، بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالْخَاء الْمُعْجَمَة وَالسِّين الْمُهْملَة من النخس، وَهُوَ النَّقْص، فَكَأَنَّهُ ظهر لَهُ نقصانه عَن مماشاته رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ رِوَايَة المتسملي لما اعْتقد فِي نَفسه من النَّجَاسَة. السَّابِعَة: فاحتبست، نحاء مُهْملَة ثمَّ تَاء مثناة من فَوق ثمَّ بَاء مُوَحدَة ثمَّ سين مُهْملَة، من الاحتباس، وَالْمعْنَى: حبست نَفسِي عَن اللحاق بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. الثَّامِنَة: (فانسللت) . التَّاسِعَة: (فانسل) ، وَهُوَ رِوَايَة مُسلم وَالنَّسَائِيّ أَيْضا. وَقَالَ بعض الشَّارِحين: وَلم يثبت لي من طَرِيق الرِّوَايَة غير مَا تقدم، وَأَرَادَ بِهِ رِوَايَة الْكشميهني وَأبي الْوَقْت وَالْمُسْتَمْلِي، وَنسب بَعْضهَا إِلَى التَّصْحِيف، وَلَا يلْزم من عدم ثُبُوت غير الرِّوَايَات الثَّلَاث عِنْده عدم ثُبُوتهَا عِنْد غَيره، وَلَيْسَ بأدب أَن ينْسب بعض غير مَا وقف عَلَيْهِ إِلَى التَّصْحِيف، لِأَن الْجَاهِل بالشَّيْء لَيْسَ لَهُ أَن يَدعِي عدم علم غَيره بِهِ. قَوْله: (يَا با هُرَيْرَة) بِحَذْف الْهمزَة فِي الْأَب تَخْفِيفًا. قَوْله: (جنب) يُقَال: أجنب الرجل فَهُوَ جنب، وَكَذَلِكَ الإثنان وَالْجمع والمذكر والمؤنث، قَالَ ابْن دُرَيْد، وَهُوَ أَعلَى اللُّغَات، وَقد قَالُوا: جنبان وأجناب، وَلم يَقُولُوا: جنبة، وَفِي (الْمُنْتَهى) رجل جنب وَامْرَأَة جنب وَقوم جنب وجنبو وأجناب، وَفِي (الصِّحَاح) أجنب الرجل وجنب أَيْضا، بِضَم النُّون. وَفِي (الموعب) لِابْنِ التياني عَن الْفراء وقطرب جنب الرجل وجنب بسكر النُّون وَضمّهَا، لُغَتَانِ. وَقَالَ المطرزي: يُقَال: من الْجَنَابَة أجنب الرجل وجنب بِفَتْح النُّون وَكسرهَا، وجنب وتجنب، لَا يُقَال عَن الْعَرَب غَيره وَحكى بَعضهم: جنب بِضَم النُّون، وَلَيْسَ بالمشهور. وَفِي (الِاشْتِقَاق) للرماني: وأجنب الرجل لِأَنَّهُ يجانب الصَّلَاة. وَقَالَ أَبُو مَنْصُور: لِأَنَّهُ نهى عَن أَن يقرب مَوَاضِع الصَّلَاة وَقَالَ الْعُتْبِي: سمي بذلك لمجانبة النَّاس وَبعده مِنْهُم، حَتَّى يغْتَسل. قَوْله: (سُبْحَانَ الله) قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي مَعْنَاهُ: سبحتك تَنْزِيها لَك يَا رَبنَا من الْأَوْلَاد والصاحبة والشركاء، أَي: نزهناك من ذَلِك. وَقَالَ الْقَزاز: مَعْنَاهُ: برأت الله تَعَالَى من السوء، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: نُسَبِّح لَك بحَمْدك وَنُصَلِّي لَك، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي (أساس البلاغة) سبحت الله وسبحت لَهُ وَكَثُرت تسبحاته وتسابيحه، وَفِي (المغيث) لأبي الْمَدِينِيّ: سُبْحَانَ الله قَائِم مقَام الْفِعْل أَي: أسبحه، وسبحت أَي: لفظت سُبْحَانَ الله، وَقيل: معنى: سُبْحَانَ الله. أتَسرع إِلَيْهِ وألحقه فِي طَاعَته من قَوْلهم فرس سايح. وَذكر النَّضر بن شُمَيْل أَن مَعْنَاهُ: السرعة إِلَى هَذِه اللُّغَة وَلِأَنَّهُ الْإِنْسَان يبْدَأ فَيَقُول: سُبْحَانَ الله. قَوْله: (لَا ينجس) قَالَ ابْن سَيّده النَّجس وَالنَّجس وَالنَّجس القذر من كل شَيْء، وَرجل نجس، وَالْجمع أنجاس، وَقيل: النَّجس يكون اللواحد والاثنين وَالْجمع والمؤنث بِلَفْظ وَاحِد فَإِذا كسر وَالنُّون جمعُوا وانئوا وَرجل، رِجْس نجس، يَقُولُونَهَا بِالْكَسْرِ لمَكَان رِجْس، فَإِذا أفردوه وَقَالُوا: نجس، وَفِي (الْجَامِع) أَحسب الْمصدر من قَوْلهم: نجس ينجس نجسا، وَاسم النَّجَاسَة. وَذكره ابْن الْقُوطِيَّة وَابْن طريف فِي بَاب: فعل وَفعل، فَقَالَا: نجس الشَّيْء ونجسا نَجَاسَة ضد طهر. وَفِي (الصِّحَاح) نجس الشَّيْء بِالْكَسْرِ ينجس نجسا فَهُوَ نجس ونجس وَفِي (كتاب ابْن عديس) نجس الرجل ونجس نَجَاسَة ونجوسة بِكَسْر الْجِيم وضمهاإذا تقذر.

ذكر إعرابه قَوْله: (وَهُوَ جنب) جملَة إسمية وَقعت حَالا من الضَّمِير الْمَنْصُوب الَّذِي فِي لَقيته. قَوْله: (فَذَهَبت فاغتسلت) قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بَعْضهَا أَي: فِي بعض النّسخ فَذهب فاغتسل. قلت: على تَقْدِير صِحَة الرِّوَايَة بهَا يجوز فِيهِ الْأَمْرَانِ الْغَيْبَة بِالنّظرِ إِلَى نقل كَلَام أبي هُرَيْرَة بِالْمَعْنَى، والتكلم بِالنّظرِ إِلَى نَقله بِلَفْظِهِ بِعَيْنِه على سَبِيل الْحِكَايَة عَنهُ. وَأما جَوَاز لَفظه بالغيبة فَمن بَاب التَّجْرِيد، وَهُوَ أَنه جرد من نَفسه شخصا وَأخْبر عَنهُ. قَوْله: (كنت جنبا) أَي: ذَا جَنَابَة. قَوْله: (وَأَنا على غير طَهَارَة) جملَة إسمية وَقعت حَالا من الضَّمِير الْمَرْفُوع فِي أجالسك. (وأجالسك) فِي قُوَّة الْمصدر بِأَن الْمصدر، وَإِنَّمَا فعل أَبُو هُرَيْرَة هَذَا لِأَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَام، كَانَ إِذا لَقِي أحدا من أَصْحَابه ماسحه ودعا لَهُ كَمَا ورد فِي النَّسَائِيّ من حَدِيث أبي وَائِل عَن ابْن مَسْعُود. قَالَ: (لَقِيَنِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنا جنب فاهوى إليّ فَقلت: إِنِّي جنب، فَقَالَ: إِن الْمُسلم لَا ينجس) . قَوْله: (سُبْحَانَ الله) ، سُبْحَانَ علم للتسبيح، كعثمان، علم للرجل. وَقَالَ الْفراء مَنْصُوب على الْمصدر كَأَنَّك قلت: سبحت الله تسبيحاً فَجعل: سُبْحَانَ فِي مَوضِع التَّسْبِيح وَالْحَاصِل أَنه مَنْصُوب بِفعل مَحْذُوف لَازم الْحَذف فاستعماله فِي مثل هَذَا الْموضع يُرَاد بِهِ التَّعَجُّب، وَمعنى التَّعَجُّب هُنَا أَنه كَيفَ يخفى مثل هَذَا الظَّاهِر عَلَيْك.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام الأول: وَقد عقد الْبَاب لَهُ، أَن الْمُؤمن لَا ينجس وَأَنه طَاهِر سَوَاء كَانَ جنبا أَو مُحدثا حَيا أَو مَيتا، وَكَذَا سؤره وعرقه ولعابه ودمعه وَكَذَا الْكَافِر فِي هَذِه الْأَحْكَام وَعَن الشَّافِعِي قَولَانِ فِي الْمَيِّت أصَحهمَا الطَّهَارَة وَذكر البُخَارِيّ فِي (صَحِيحه) عَن ابْن عَبَّاس تَعْلِيقا. [حم (الْمُسلم لَا ينجس حَيا وَلَا مَيتا) [/ حم وَوَصله الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) فَقَالَ: أَخْبرنِي إِبْرَاهِيم عَن عصمَة. قَالَ: حَدثنَا أَبُو مُسلم الْمسيب بن زُهَيْر الْبَغْدَادِيّ أخبرنَا أَبُو بكر وَعُثْمَان ابْنا أبي شيبَة، قَالَا: حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: [حم (لَا تنجسوا مَوْتَاكُم فَإِن الْمُسلم لَا ينجس حَيا وَلَا مَيتا) [/ حم قَالَ: صَحِيح على شَرطهمَا وَلم يخرجَاهُ، وَهُوَ أصل فِي طَهَارَة الْمُسلم حَيا وَمَيتًا، أما الْحَيّ: فبالإجماع حَتَّى الْجَنِين إِذا ألقته أمه وَعَلِيهِ رُطُوبَة فرجهَا وَأما الْكَافِر فَحكمه كَذَلِك على مَا نذكرهُ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَفِي (صَحِيح ابْن خُزَيْمَة) عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد قَالَ: سَأَلت عَائِشَة عَن الرجل يَأْتِي أَهله ثمَّ يلبس الثَّوْب فيعرق فِيهِ أنجس ذَلِك؟ فَقَالَت: قد كَانَت الْمَرْأَة تعد خرقَة أَو خرقاً فَإِذا كَانَ ذَلِك مسح بهَا الرجل الْأَذَى عَنهُ، وَلم نر أَن ذَلِك يُنجسهُ، وَفِي لفظ: ثمَّ صليا فِي ثوبهما وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث المتَوَكل ابْن فُضَيْل عَن أم القلوص العامرية عَن عَائِشَة: (كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يرى على الْبدن جَنَابَة، وَلَا على الأَرْض جَنَابَة، وَلَا يجنب الرجل) وَعَن محيي السّنة الْبَغَوِيّ، قَالَ: معنى قَول ابْن عَبَّاس: أَربع لَا يجنبن، الْإِنْسَان، وَالثَّوْب، وَالْمَاء، وَالْأَرْض، يُرِيد: الْإِنْسَان لَا يجنب بمماسة الْجنب، وَلَا الثَّوْب، إِذا لبسه الْجنب، وَلَا الأَرْض إِذا أقضى إِلَيْهَا الْجنب، وَلَا المَاء ينجس إِذا غمس الْجنب يَده فِيهِ.

وَقَالَ [قعابن الْمُنْذر [/ قع: أجمع عوام أهل الْعلم على أَن عرق الْجنب طَاهِر، وَثَبت ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَعَائِشَة أَنهم قَالُوا ذَلِك، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وَلَا أحفظ عَن غَيرهم خلاف قَوْلهمَا. وَقَالَ [قعالقرطبي [/ قع: الْكَافِر نجس عِنْد الشَّافِعِي، وَقَالَ أَبُو بكر ابْن الْمُنْذر: وعرق الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ والمجوسي طَاهِر عِنْدِي، وَقَالَ ابْن حزم الْعرق من الْمُشْركين نجس لقَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس} (سُورَة التَّوْبَة: ٢٨) وَتمسك أَيْضا بِمَفْهُوم حَدِيث الْبَاب، وَادّعى أَن الْكَافِر نجس الْعين وَالْجَوَاب عَنهُ: أَنهم نجسوا الْأَفْعَال لَا الْأَعْضَاء أَو نجسوا الِاعْتِقَاد، وَمِمَّا يُوضح ذَلِك أَن الله تَعَالَى أَبَاحَ نِكَاح نسَاء أهل الْكتاب، وَمَعْلُوم أَن عرقهن لَا يسلم مِنْهُ من يضاجعهن، وَمَعَ ذَلِك لَا يجب عَلَيْهِ من غسل الْكِتَابِيَّة إلَاّ مثل مَا يجب عَلَيْهِ من غسل الْمسلمَة، فَدلَّ على أَن الْآدَمِيّ الْحَيّ لَيْسَ ينجس الْعين إِذْ لَا فرق بَين النِّسَاء وَالرِّجَال وَفِي (الْمُدَوَّنَة) على مَا نَقله ابْن التِّين إِن الْمَرِيض إِذا صلى لَا يسْتَند لحائض وَلَا جنب، وَأَجَازَهُ ابْن أَشهب. قَالَ [قعالشيخ أَبُو مُحَمَّد [/ قع: لِأَن ثيابهما لَا تكَاد تسلم من النَّجَاسَة. وَقَالَ غَيره لأجل أعينهما لَا لثيابهما، وَمَا ذَكرْنَاهُ يرد بذلك، فَإِن قلت: على مَا ذكرت من أَن الْمُسلم لَا ينجس حَيا وَلَا مَيتا يَنْبَغِي أَن يغسل الْمَيِّت لِأَنَّهُ طَاهِر. قلت: اخْتلف الْعلمَاء من أَصْحَابنَا فِي وجوب غسله. فَقيل: إِنَّمَا وَجب لحَدث يحله باسترخاء المفاصل لَا لنجاسته، فَإِن الْآدَمِيّ لَا ينجس بِالْمَوْتِ كَرَامَة، إِذا لَو نجس لما طهر بِالْغسْلِ كَسَائِر الْحَيَوَانَات وَكَانَ الْوَاجِب الِاقْتِصَار على أَعْضَاء الْوضُوء كَمَا فِي حَال الْحَيَاة. لَكِن ذَلِك إِنَّمَا كَانَ نفيا للْحَرج فِيمَا يتَكَرَّر كل يَوْم، وَالْحَدَث بِسَبَب الْمَوْت لَا يتَكَرَّر، فَكَانَ كالجنابة لَا يَكْتَفِي فِيهَا بِغسْل الْأَعْضَاء الْأَرْبَعَة، بل يبْقى على الأَصْل، وَهُوَ وجوب غسل الْبدن لعدم الْحَرج، فَكَذَا هَذَا. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ يجب غسله لنجاسته بِالْمَوْتِ لَا بِسَبَب الْحَدث لِأَن للآدمي دَمًا سَائِلًا فيتنجس بِالْمَوْتِ قِيَاسا على غَيره ألَاّ ترى أَنه لَو مَاتَ فِي الْبِئْر نجسها؟ وَلَو حمله الْمُصَلِّي لم تجز صلَاته وَلَو لم يكن نجسا لجازت كَمَا لَو حمل مُحدثا.

الثَّانِي: من الْأَحْكَام فِيهِ اسْتِحْبَاب أحترام أهل الْفضل، وَأَن يوقرهم جليسهم ومصاحبهم، فَيكون على أكمل الهيئات وَأحسن الصِّفَات، وَقد اسْتحبَّ الْعلمَاء لطَالب الْعلم أَن يحسن حَاله عِنْد مجالسة شَيْخه، فَيكون متطهراً متنظفاً بِإِزَالَة الشعوث الْمَأْمُور بإزالتها، نَحْو: قصّ الشَّارِب، وقلم الْأَظْفَار، وَإِزَالَة الروائح الْمَكْرُوهَة وَغير ذَلِك.

الثَّالِث: فِيهِ من الْآدَاب أَن الْعَالم إِذا رأى من تَابعه أمرا يخَاف عَلَيْهِ فِيهِ خلاف الصَّوَاب، سَأَلَهُ عَنهُ وَقَالَ لَهُ صَوَابه وَبَين لَهُ حكمه.

الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز تَأْخِير الِاغْتِسَال عَن أول وَقت وُجُوبه، وَالْوَاجِب أَن لَا يُؤَخِّرهُ إِلَى أَن يفوتهُ وَقت صَلَاة.

الْخَامِس: فِيهِ جَوَاز انصراف الْجنب فِي حَوَائِجه قبل الِاغْتِسَال، مَا لم يفته وَقت الصَّلَاة.

السَّادِس: فِيهِ أَن النَّجَاسَة إِذا لم تكن عينا فِي الْأَجْسَام لَا تضرها فَإِن الْمُؤمن طَاهِر الْأَعْضَاء، فَإِن من شَأْنه الْمُحَافظَة على الطَّهَارَة والنظافة.

السَّابِع: فِيهِ ائتلاف قُلُوب الْمُؤمنِينَ، ومواساة الْفُقَرَاء والتواضع لله، وَاتِّبَاع أَمر الله تَعَالَى حَيْثُ قَالَ جلّ ذكره. {وَلَا تطرد الَّذين يدعونَ رَبهم بِالْغَدَاةِ والعشي يُرِيدُونَ وَجهه} (سُورَة) . وَقَالَ بَعضهم: وَفِيه: اسْتِحْبَاب اسْتِئْذَان التَّابِع للمتبوع إِذا أَرَادَ أَن يُفَارِقهُ. قلت: هَذَا بعيد لِأَن الحَدِيث الْمَذْكُور لَا يفهم مِنْهُ ذَلِك لَا من عِبَارَته وَلَا من إِشَارَته وَلَا فِيهِ التَّابِع والتبوع لِأَن أَبَا هُرَيْرَة لم يكن فِي تِلْكَ الْحَالة تَابعا للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مَشْيه بل إِنَّمَا لقِيه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي بعض طرق الْمَدِينَة، كَمَا هُوَ نَص الحَدِيث. وَقَالَ أَيْضا وَبَوَّبَ عَلَيْهِ ابْن حبَان الرَّد على من زعم أَن الْجنب إِذا وَقع فِي الْبِئْر فَنوى الِاغْتِسَال أَن مَاء الْبِئْر ينجس. قلت: هَذَا الرَّد مَرْدُود حِينَئِذٍ، لِأَن الحَدِيث لَا يدل عَلَيْهِ أصلا والْحَدِيث يدل بعبارته أَن الْجنب لَيْسَ بِنَجس فِي ذَاته، وَلم يتَعَرَّض إِلَى طَهَارَة غسالته إِذا نوى الِاغْتِسَال.

٢٤ - (بابُ الجُنُبُ يَخْرُجُ وَيَمْشِي فِي السُّوقِ وَغَيْرِهِ)

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله وَغَيره، بِالرَّفْع ظَاهِرَة وَأما بِالْجَرِّ الَّذِي هُوَ الْأَظْهر فَلَا تكون الْمُطَابقَة إلَاّ من جِهَة الْمَعْنى، وَهُوَ أَن الْجنب إِذا جَازَ لَهُ الْخُرُوج من بَيته وَالْمَشْي فِي السُّوق وَغَيره جَازَ لَهُ تِلْكَ الْأَفْعَال الْمَذْكُورَة فِي الْأَثر الْمَذْكُور، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) عَن ابْن جريح عَنهُ وَزَاد فِيهِ ويطلى بالنورة.

٢٨٤ - حدّثنا عَبْدُ الأَعْلَى بنُ حَمَادِ قالَ حدّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قالَ حدّثنا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ أنَّ أنَسَ بنَ مالِكِ حَدَّثَهُمْ أنَّ نَبيِّ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَةِ الواحِدَةِ وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ.

مُطَابقَة للْحَدِيث للتَّرْجَمَة تفهم من قَوْله: (كَانَ يطوف على نِسَائِهِ) وَذَلِكَ أَن نِسَاءَهُ كَانَت لَهُنَّ حجر مُتَقَارِبَة، فبالضرورة كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا أَرَادَ الطّواف عَلَيْهِنَّ يحْتَاج إِلَى الْمَشْي من حجرَة إِلَى حجرَة قَالَ بَعضهم: لَكِن فِي غير السُّوق. قلت: الْمَشْي أَعم من أَن يكون من بَيت إِلَى بَيت، وَمن بَيت إِلَى سوق، وَإِلَى غَيره، وَحَدِيث أنس هَذَا قد مر فِي بَاب: إِذا جَامع ثمَّ عَاد، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى، وَسَعِيد الَّذِي يروي عَن قَتَادَة هُوَ سعيد بن أبي عرُوبَة قَالَ الغساني: وَفِي نُسْخَة الْأصيلِيّ بدل: سعيد، لفظ شُعْبَة أَي ابْن الْحجَّاج، وَلَيْسَ صَوَابا.

٢٥

- (بابُ كَيْنُونَةِ الجُنُبِ فِي الَبْيتِ إذَا تَوَضَّأَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز كينونة الْجنب فِي بَيته إِذا تَوَضَّأ قبل الِاغْتِسَال، والكينونة مصدر: كَانَ يُقَال: يكون كوناً وكينونة، أَيْضا شبهوه بالحيدودة والطيرورة من ذَوَات الْيَاء، وَلم يجىء من الْوَاو على هَذَا إلَاّ أحرف: كينونة وكيعوعة وديمومة وقيدودة وَأَصله: كينونة، بتَشْديد الْيَاء، فحذفوا كَمَا حذفوا من هَين وميت، وَلَوْلَا ذَلِك لقَوْل: كونونة. قَوْله: (إِذا تَوَضَّأ الْجنب) ، وَفِي رِوَايَة أبي الْوَقْت وكريمة. (إِذا تَوَضَّأ قبل أَن يغْتَسل) وَلَيْسَ فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: إِذا تَوَضَّأ، قبل أَن يغْتَسل.

وَوجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ) بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مُشدَّدةٍ وشينٍ مُعجَمةٍ، ابن الوليد الرَّقَّام (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى السَّامي -بالمُهمَلة- قال: (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل (عَنْ بَكْرٍ) المزنيِّ (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) نُفَيْعٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ وَأَنَا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي) وفي بعض الأصول: «بيميني» (فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَد فَانْسَلَلْتُ) أي: خرجت أو ذهبت في خفيةٍ، ولابن عساكر: «فانسللت منه» (فَأَتَيْتُ) وفي روايةٍ: «وأتيت» (الرَّحْلَ) بالحاء المُهمَلة السَّاكنة، أي: الذي آوي إليه (فَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ وَهْوَ) (قَاعِدٌ فَقَالَ: أَيْنَ كُنْتَ) كان واسمها، والخبر الظَّرف، أو هي تامَّةٌ فلا تحتاج لخبرٍ (١) (يَا أَبَا هُرَيرَة؟) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «يا أبا هرٍّ» بالترخيم، قال أبو هريرة: (فَقُلْتُ لَهُ) الذي فعلته من المجيء للرَّحل والاغتسال (فَقَالَ) متعجِّبًا منه: (سُبْحَانَ اللهِ يَا أَبَا هُرَيرَة!) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت: «يا أبا هرٍّ» (إِنَّ المُؤْمِنَ) ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «سبحان الله! إنَّ المؤمن» (لَا يَنْجُسُ) بضمِّ الجيم.

وقد سبق الكلام على مباحث هذا الحديث قريبًا [خ¦٢٨٣] ومُطابقته للتَّرجمة في (٢) قوله: «فمشيت معه»، واستُنبِط منه: جواز أخذ العالم بيد تلميذه ومشيه معه معتمدًا عليه ومرتفقًا به، وغير ذلك ممَّا لا يخفى.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

يضاجعهن، وَمَعَ ذَلِك لَا يجب عَلَيْهِ من غسل الْكِتَابِيَّة إلَاّ مثل مَا يجب عَلَيْهِ من غسل الْمسلمَة، فَدلَّ على أَن الْآدَمِيّ الْحَيّ لَيْسَ ينجس الْعين إِذْ لَا فرق بَين النِّسَاء وَالرِّجَال وَفِي (الْمُدَوَّنَة) على مَا نَقله ابْن التِّين إِن الْمَرِيض إِذا صلى لَا يسْتَند لحائض وَلَا جنب، وَأَجَازَهُ ابْن أَشهب. قَالَ [قعالشيخ أَبُو مُحَمَّد [/ قع: لِأَن ثيابهما لَا تكَاد تسلم من النَّجَاسَة. وَقَالَ غَيره لأجل أعينهما لَا لثيابهما، وَمَا ذَكرْنَاهُ يرد بذلك، فَإِن قلت: على مَا ذكرت من أَن الْمُسلم لَا ينجس حَيا وَلَا مَيتا يَنْبَغِي أَن يغسل الْمَيِّت لِأَنَّهُ طَاهِر. قلت: اخْتلف الْعلمَاء من أَصْحَابنَا فِي وجوب غسله. فَقيل: إِنَّمَا وَجب لحَدث يحله باسترخاء المفاصل لَا لنجاسته، فَإِن الْآدَمِيّ لَا ينجس بِالْمَوْتِ كَرَامَة، إِذا لَو نجس لما طهر بِالْغسْلِ كَسَائِر الْحَيَوَانَات وَكَانَ الْوَاجِب الِاقْتِصَار على أَعْضَاء الْوضُوء كَمَا فِي حَال الْحَيَاة. لَكِن ذَلِك إِنَّمَا كَانَ نفيا للْحَرج فِيمَا يتَكَرَّر كل يَوْم، وَالْحَدَث بِسَبَب الْمَوْت لَا يتَكَرَّر، فَكَانَ كالجنابة لَا يَكْتَفِي فِيهَا بِغسْل الْأَعْضَاء الْأَرْبَعَة، بل يبْقى على الأَصْل، وَهُوَ وجوب غسل الْبدن لعدم الْحَرج، فَكَذَا هَذَا. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ يجب غسله لنجاسته بِالْمَوْتِ لَا بِسَبَب الْحَدث لِأَن للآدمي دَمًا سَائِلًا فيتنجس بِالْمَوْتِ قِيَاسا على غَيره ألَاّ ترى أَنه لَو مَاتَ فِي الْبِئْر نجسها؟ وَلَو حمله الْمُصَلِّي لم تجز صلَاته وَلَو لم يكن نجسا لجازت كَمَا لَو حمل مُحدثا.

الثَّانِي: من الْأَحْكَام فِيهِ اسْتِحْبَاب أحترام أهل الْفضل، وَأَن يوقرهم جليسهم ومصاحبهم، فَيكون على أكمل الهيئات وَأحسن الصِّفَات، وَقد اسْتحبَّ الْعلمَاء لطَالب الْعلم أَن يحسن حَاله عِنْد مجالسة شَيْخه، فَيكون متطهراً متنظفاً بِإِزَالَة الشعوث الْمَأْمُور بإزالتها، نَحْو: قصّ الشَّارِب، وقلم الْأَظْفَار، وَإِزَالَة الروائح الْمَكْرُوهَة وَغير ذَلِك.

الثَّالِث: فِيهِ من الْآدَاب أَن الْعَالم إِذا رأى من تَابعه أمرا يخَاف عَلَيْهِ فِيهِ خلاف الصَّوَاب، سَأَلَهُ عَنهُ وَقَالَ لَهُ صَوَابه وَبَين لَهُ حكمه.

الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز تَأْخِير الِاغْتِسَال عَن أول وَقت وُجُوبه، وَالْوَاجِب أَن لَا يُؤَخِّرهُ إِلَى أَن يفوتهُ وَقت صَلَاة.

الْخَامِس: فِيهِ جَوَاز انصراف الْجنب فِي حَوَائِجه قبل الِاغْتِسَال، مَا لم يفته وَقت الصَّلَاة.

السَّادِس: فِيهِ أَن النَّجَاسَة إِذا لم تكن عينا فِي الْأَجْسَام لَا تضرها فَإِن الْمُؤمن طَاهِر الْأَعْضَاء، فَإِن من شَأْنه الْمُحَافظَة على الطَّهَارَة والنظافة.

السَّابِع: فِيهِ ائتلاف قُلُوب الْمُؤمنِينَ، ومواساة الْفُقَرَاء والتواضع لله، وَاتِّبَاع أَمر الله تَعَالَى حَيْثُ قَالَ جلّ ذكره. {وَلَا تطرد الَّذين يدعونَ رَبهم بِالْغَدَاةِ والعشي يُرِيدُونَ وَجهه} (سُورَة) . وَقَالَ بَعضهم: وَفِيه: اسْتِحْبَاب اسْتِئْذَان التَّابِع للمتبوع إِذا أَرَادَ أَن يُفَارِقهُ. قلت: هَذَا بعيد لِأَن الحَدِيث الْمَذْكُور لَا يفهم مِنْهُ ذَلِك لَا من عِبَارَته وَلَا من إِشَارَته وَلَا فِيهِ التَّابِع والتبوع لِأَن أَبَا هُرَيْرَة لم يكن فِي تِلْكَ الْحَالة تَابعا للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مَشْيه بل إِنَّمَا لقِيه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي بعض طرق الْمَدِينَة، كَمَا هُوَ نَص الحَدِيث. وَقَالَ أَيْضا وَبَوَّبَ عَلَيْهِ ابْن حبَان الرَّد على من زعم أَن الْجنب إِذا وَقع فِي الْبِئْر فَنوى الِاغْتِسَال أَن مَاء الْبِئْر ينجس. قلت: هَذَا الرَّد مَرْدُود حِينَئِذٍ، لِأَن الحَدِيث لَا يدل عَلَيْهِ أصلا والْحَدِيث يدل بعبارته أَن الْجنب لَيْسَ بِنَجس فِي ذَاته، وَلم يتَعَرَّض إِلَى طَهَارَة غسالته إِذا نوى الِاغْتِسَال.

٢٨٣ - حدّثنا عليُّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ حدّثنا يَحَيى اقالَ حدّثنا حُمَيْدٌ قالَ حدّثنا بَكْرٌ عَنْ أبي رَافِعٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لقِيهُ فِي بَعْضَ طِريقِ المَدِينَةِ وَهُوَ جُنَبٌ فانْخَنَسْتُ مِنْهُ فَذَهَبْتُ فاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جاءَ فقالَ أيْنَ كُنْتَ يَا أبَا هُرَيْرَةَ قالَ كُنْتُ جُنُباً فَكَرِهْتُ أنْ أُجالِسَكَ وأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهارَةٍ فقالَ سُبْحَانَ اللَّهِ إنَّ المُؤْمِنِ لَا يَنْجُسُ.

[/ ح.

مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث لإحدى ترجمتي هَذَا الْبَاب ظَاهِرَة وَهِي التَّرْجَمَة الثَّانِيَة.

ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: عَليّ بن عبد الله الْمَدِينِيّ. الثَّانِي: يحيى بن سعيد الْقطَّان. الثَّالِث: حميد، بِضَم الْحَاء الطَّوِيل التَّابِعِيّ، مَاتَ وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي. الرَّابِع: بكر، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن عبد الله بن عمر بن هِلَال الْمُزنِيّ الْبَصْرِيّ. الْخَامِس: أَبَوا رَافع واسْمه، نفيع بِضَم النُّون وَفتح الْفَاء، الصَّائِغ، بالغين الْمُعْجَمَة، الْبَصْرِيّ، تحول إِلَيْهَا من الْمَدِينَة أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَلم ير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع، والعنعنة فِي موضِعين: وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته بصريون، وَمن أجل لطائفه أَنه مُتَّصِل، وَرَوَاهُ مُسلم مَقْطُوعًا حميد عَن أبي رَافع كَذَا فِي طَرِيق الجلودي، والحافظ الجياني، وَالصَّوَاب مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره: حميد عَن بكر عَن أبي رَافع، وَذكر أَبُو مَسْعُود وَخلف أَن مُسلما أخرجه أَيْضا كَذَلِك. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) قد رَأينَا من قَالَه غَيرهمَا فَدلَّ على أَن فِي مُسلم رِوَايَتَيْنِ. قلت: ذكر الْبَغَوِيّ فِي (شرح السّنة) أَن مُسلما أخرجه بِإِثْبَات بكر.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن عَيَّاش بن الْوَلِيد عَن عبد الْأَعْلَى. وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن زُهَيْر بن حَرْب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن مُسَدّد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن حميد بن مسْعدَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ.

ذكر لغاته وَمَعْنَاهُ قَوْله (فِي بعض طَرِيق) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَر، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة والأصيلي. طرق: بِالْجمعِ وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ: (لَقيته فِي بعض طَرِيق من طرق الْمَدِينَة) قَوْله: (فانخنست) فِيهِ رِوَايَات كَثِيرَة. الأولى: (فانخنست) كَمَا فِي الْكتاب بالنُّون ثمَّ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة ثمَّ بالنُّون ثمَّ بِالسِّين الْمُهْملَة، وَهِي رِوَايَة الْكشميهني والحموي وكريمة. وَمَعْنَاهُ تَأَخَّرت وأنقبضت وَرجعت، وَهُوَ لَازم ومتعد، وَمِنْه خنس الشَّيْطَان. الثَّانِيَة: فاختنست، مثل الرِّوَايَة الأولى فِي الْمَعْنى، غير أَن اللَّفْظ فِي الرِّوَايَة الأولى من بَاب الانفعال، وَفِي هَذِه الرِّوَايَة من بَاب الافتعال. الثَّالِثَة: فانبجست، بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالْجِيم، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ، وَمَعْنَاهُ اندفعت وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {فانبجست مِنْهُ اثْنَتَا عشرَة عينا} (سُورَة الْأَعْرَاف: ١٦) أَي: جرت واندفعت، وَهِي رِوَايَة ابْن السكن والأصيلي أَيْضا وَأبي الْوَقْت وَابْن عَسَاكِر أَيْضا. الرَّابِعَة: فانتجست، من النَّجَاسَة من بَاب الافتعال، وَالْمعْنَى: اعتقدت نَفسِي نجسا وَهُوَ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي. الْخَامِسَة: فانتجشت، بالشين الْمُعْجَمَة، من النجش، وَهُوَ الْإِسْرَاع. السَّادِسَة: فانبخست، بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالْخَاء الْمُعْجَمَة وَالسِّين الْمُهْملَة من النخس، وَهُوَ النَّقْص، فَكَأَنَّهُ ظهر لَهُ نقصانه عَن مماشاته رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ رِوَايَة المتسملي لما اعْتقد فِي نَفسه من النَّجَاسَة. السَّابِعَة: فاحتبست، نحاء مُهْملَة ثمَّ تَاء مثناة من فَوق ثمَّ بَاء مُوَحدَة ثمَّ سين مُهْملَة، من الاحتباس، وَالْمعْنَى: حبست نَفسِي عَن اللحاق بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. الثَّامِنَة: (فانسللت) . التَّاسِعَة: (فانسل) ، وَهُوَ رِوَايَة مُسلم وَالنَّسَائِيّ أَيْضا. وَقَالَ بعض الشَّارِحين: وَلم يثبت لي من طَرِيق الرِّوَايَة غير مَا تقدم، وَأَرَادَ بِهِ رِوَايَة الْكشميهني وَأبي الْوَقْت وَالْمُسْتَمْلِي، وَنسب بَعْضهَا إِلَى التَّصْحِيف، وَلَا يلْزم من عدم ثُبُوت غير الرِّوَايَات الثَّلَاث عِنْده عدم ثُبُوتهَا عِنْد غَيره، وَلَيْسَ بأدب أَن ينْسب بعض غير مَا وقف عَلَيْهِ إِلَى التَّصْحِيف، لِأَن الْجَاهِل بالشَّيْء لَيْسَ لَهُ أَن يَدعِي عدم علم غَيره بِهِ. قَوْله: (يَا با هُرَيْرَة) بِحَذْف الْهمزَة فِي الْأَب تَخْفِيفًا. قَوْله: (جنب) يُقَال: أجنب الرجل فَهُوَ جنب، وَكَذَلِكَ الإثنان وَالْجمع والمذكر والمؤنث، قَالَ ابْن دُرَيْد، وَهُوَ أَعلَى اللُّغَات، وَقد قَالُوا: جنبان وأجناب، وَلم يَقُولُوا: جنبة، وَفِي (الْمُنْتَهى) رجل جنب وَامْرَأَة جنب وَقوم جنب وجنبو وأجناب، وَفِي (الصِّحَاح) أجنب الرجل وجنب أَيْضا، بِضَم النُّون. وَفِي (الموعب) لِابْنِ التياني عَن الْفراء وقطرب جنب الرجل وجنب بسكر النُّون وَضمّهَا، لُغَتَانِ. وَقَالَ المطرزي: يُقَال: من الْجَنَابَة أجنب الرجل وجنب بِفَتْح النُّون وَكسرهَا، وجنب وتجنب، لَا يُقَال عَن الْعَرَب غَيره وَحكى بَعضهم: جنب بِضَم النُّون، وَلَيْسَ بالمشهور. وَفِي (الِاشْتِقَاق) للرماني: وأجنب الرجل لِأَنَّهُ يجانب الصَّلَاة. وَقَالَ أَبُو مَنْصُور: لِأَنَّهُ نهى عَن أَن يقرب مَوَاضِع الصَّلَاة وَقَالَ الْعُتْبِي: سمي بذلك لمجانبة النَّاس وَبعده مِنْهُم، حَتَّى يغْتَسل. قَوْله: (سُبْحَانَ الله) قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي مَعْنَاهُ: سبحتك تَنْزِيها لَك يَا رَبنَا من الْأَوْلَاد والصاحبة والشركاء، أَي: نزهناك من ذَلِك. وَقَالَ الْقَزاز: مَعْنَاهُ: برأت الله تَعَالَى من السوء، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: نُسَبِّح لَك بحَمْدك وَنُصَلِّي لَك، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي (أساس البلاغة) سبحت الله وسبحت لَهُ وَكَثُرت تسبحاته وتسابيحه، وَفِي (المغيث) لأبي الْمَدِينِيّ: سُبْحَانَ الله قَائِم مقَام الْفِعْل أَي: أسبحه، وسبحت أَي: لفظت سُبْحَانَ الله، وَقيل: معنى: سُبْحَانَ الله. أتَسرع إِلَيْهِ وألحقه فِي طَاعَته من قَوْلهم فرس سايح. وَذكر النَّضر بن شُمَيْل أَن مَعْنَاهُ: السرعة إِلَى هَذِه اللُّغَة وَلِأَنَّهُ الْإِنْسَان يبْدَأ فَيَقُول: سُبْحَانَ الله. قَوْله: (لَا ينجس) قَالَ ابْن سَيّده النَّجس وَالنَّجس وَالنَّجس القذر من كل شَيْء، وَرجل نجس، وَالْجمع أنجاس، وَقيل: النَّجس يكون اللواحد والاثنين وَالْجمع والمؤنث بِلَفْظ وَاحِد فَإِذا كسر وَالنُّون جمعُوا وانئوا وَرجل، رِجْس نجس، يَقُولُونَهَا بِالْكَسْرِ لمَكَان رِجْس، فَإِذا أفردوه وَقَالُوا: نجس، وَفِي (الْجَامِع) أَحسب الْمصدر من قَوْلهم: نجس ينجس نجسا، وَاسم النَّجَاسَة. وَذكره ابْن الْقُوطِيَّة وَابْن طريف فِي بَاب: فعل وَفعل، فَقَالَا: نجس الشَّيْء ونجسا نَجَاسَة ضد طهر. وَفِي (الصِّحَاح) نجس الشَّيْء بِالْكَسْرِ ينجس نجسا فَهُوَ نجس ونجس وَفِي (كتاب ابْن عديس) نجس الرجل ونجس نَجَاسَة ونجوسة بِكَسْر الْجِيم وضمهاإذا تقذر.

ذكر إعرابه قَوْله: (وَهُوَ جنب) جملَة إسمية وَقعت حَالا من الضَّمِير الْمَنْصُوب الَّذِي فِي لَقيته. قَوْله: (فَذَهَبت فاغتسلت) قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بَعْضهَا أَي: فِي بعض النّسخ فَذهب فاغتسل. قلت: على تَقْدِير صِحَة الرِّوَايَة بهَا يجوز فِيهِ الْأَمْرَانِ الْغَيْبَة بِالنّظرِ إِلَى نقل كَلَام أبي هُرَيْرَة بِالْمَعْنَى، والتكلم بِالنّظرِ إِلَى نَقله بِلَفْظِهِ بِعَيْنِه على سَبِيل الْحِكَايَة عَنهُ. وَأما جَوَاز لَفظه بالغيبة فَمن بَاب التَّجْرِيد، وَهُوَ أَنه جرد من نَفسه شخصا وَأخْبر عَنهُ. قَوْله: (كنت جنبا) أَي: ذَا جَنَابَة. قَوْله: (وَأَنا على غير طَهَارَة) جملَة إسمية وَقعت حَالا من الضَّمِير الْمَرْفُوع فِي أجالسك. (وأجالسك) فِي قُوَّة الْمصدر بِأَن الْمصدر، وَإِنَّمَا فعل أَبُو هُرَيْرَة هَذَا لِأَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَام، كَانَ إِذا لَقِي أحدا من أَصْحَابه ماسحه ودعا لَهُ كَمَا ورد فِي النَّسَائِيّ من حَدِيث أبي وَائِل عَن ابْن مَسْعُود. قَالَ: (لَقِيَنِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنا جنب فاهوى إليّ فَقلت: إِنِّي جنب، فَقَالَ: إِن الْمُسلم لَا ينجس) . قَوْله: (سُبْحَانَ الله) ، سُبْحَانَ علم للتسبيح، كعثمان، علم للرجل. وَقَالَ الْفراء مَنْصُوب على الْمصدر كَأَنَّك قلت: سبحت الله تسبيحاً فَجعل: سُبْحَانَ فِي مَوضِع التَّسْبِيح وَالْحَاصِل أَنه مَنْصُوب بِفعل مَحْذُوف لَازم الْحَذف فاستعماله فِي مثل هَذَا الْموضع يُرَاد بِهِ التَّعَجُّب، وَمعنى التَّعَجُّب هُنَا أَنه كَيفَ يخفى مثل هَذَا الظَّاهِر عَلَيْك.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام الأول: وَقد عقد الْبَاب لَهُ، أَن الْمُؤمن لَا ينجس وَأَنه طَاهِر سَوَاء كَانَ جنبا أَو مُحدثا حَيا أَو مَيتا، وَكَذَا سؤره وعرقه ولعابه ودمعه وَكَذَا الْكَافِر فِي هَذِه الْأَحْكَام وَعَن الشَّافِعِي قَولَانِ فِي الْمَيِّت أصَحهمَا الطَّهَارَة وَذكر البُخَارِيّ فِي (صَحِيحه) عَن ابْن عَبَّاس تَعْلِيقا. [حم (الْمُسلم لَا ينجس حَيا وَلَا مَيتا) [/ حم وَوَصله الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) فَقَالَ: أَخْبرنِي إِبْرَاهِيم عَن عصمَة. قَالَ: حَدثنَا أَبُو مُسلم الْمسيب بن زُهَيْر الْبَغْدَادِيّ أخبرنَا أَبُو بكر وَعُثْمَان ابْنا أبي شيبَة، قَالَا: حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: [حم (لَا تنجسوا مَوْتَاكُم فَإِن الْمُسلم لَا ينجس حَيا وَلَا مَيتا) [/ حم قَالَ: صَحِيح على شَرطهمَا وَلم يخرجَاهُ، وَهُوَ أصل فِي طَهَارَة الْمُسلم حَيا وَمَيتًا، أما الْحَيّ: فبالإجماع حَتَّى الْجَنِين إِذا ألقته أمه وَعَلِيهِ رُطُوبَة فرجهَا وَأما الْكَافِر فَحكمه كَذَلِك على مَا نذكرهُ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَفِي (صَحِيح ابْن خُزَيْمَة) عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد قَالَ: سَأَلت عَائِشَة عَن الرجل يَأْتِي أَهله ثمَّ يلبس الثَّوْب فيعرق فِيهِ أنجس ذَلِك؟ فَقَالَت: قد كَانَت الْمَرْأَة تعد خرقَة أَو خرقاً فَإِذا كَانَ ذَلِك مسح بهَا الرجل الْأَذَى عَنهُ، وَلم نر أَن ذَلِك يُنجسهُ، وَفِي لفظ: ثمَّ صليا فِي ثوبهما وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث المتَوَكل ابْن فُضَيْل عَن أم القلوص العامرية عَن عَائِشَة: (كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يرى على الْبدن جَنَابَة، وَلَا على الأَرْض جَنَابَة، وَلَا يجنب الرجل) وَعَن محيي السّنة الْبَغَوِيّ، قَالَ: معنى قَول ابْن عَبَّاس: أَربع لَا يجنبن، الْإِنْسَان، وَالثَّوْب، وَالْمَاء، وَالْأَرْض، يُرِيد: الْإِنْسَان لَا يجنب بمماسة الْجنب، وَلَا الثَّوْب، إِذا لبسه الْجنب، وَلَا الأَرْض إِذا أقضى إِلَيْهَا الْجنب، وَلَا المَاء ينجس إِذا غمس الْجنب يَده فِيهِ.

وَقَالَ [قعابن الْمُنْذر [/ قع: أجمع عوام أهل الْعلم على أَن عرق الْجنب طَاهِر، وَثَبت ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَعَائِشَة أَنهم قَالُوا ذَلِك، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وَلَا أحفظ عَن غَيرهم خلاف قَوْلهمَا. وَقَالَ [قعالقرطبي [/ قع: الْكَافِر نجس عِنْد الشَّافِعِي، وَقَالَ أَبُو بكر ابْن الْمُنْذر: وعرق الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ والمجوسي طَاهِر عِنْدِي، وَقَالَ ابْن حزم الْعرق من الْمُشْركين نجس لقَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس} (سُورَة التَّوْبَة: ٢٨) وَتمسك أَيْضا بِمَفْهُوم حَدِيث الْبَاب، وَادّعى أَن الْكَافِر نجس الْعين وَالْجَوَاب عَنهُ: أَنهم نجسوا الْأَفْعَال لَا الْأَعْضَاء أَو نجسوا الِاعْتِقَاد، وَمِمَّا يُوضح ذَلِك أَن الله تَعَالَى أَبَاحَ نِكَاح نسَاء أهل الْكتاب، وَمَعْلُوم أَن عرقهن لَا يسلم مِنْهُ من يضاجعهن، وَمَعَ ذَلِك لَا يجب عَلَيْهِ من غسل الْكِتَابِيَّة إلَاّ مثل مَا يجب عَلَيْهِ من غسل الْمسلمَة، فَدلَّ على أَن الْآدَمِيّ الْحَيّ لَيْسَ ينجس الْعين إِذْ لَا فرق بَين النِّسَاء وَالرِّجَال وَفِي (الْمُدَوَّنَة) على مَا نَقله ابْن التِّين إِن الْمَرِيض إِذا صلى لَا يسْتَند لحائض وَلَا جنب، وَأَجَازَهُ ابْن أَشهب. قَالَ [قعالشيخ أَبُو مُحَمَّد [/ قع: لِأَن ثيابهما لَا تكَاد تسلم من النَّجَاسَة. وَقَالَ غَيره لأجل أعينهما لَا لثيابهما، وَمَا ذَكرْنَاهُ يرد بذلك، فَإِن قلت: على مَا ذكرت من أَن الْمُسلم لَا ينجس حَيا وَلَا مَيتا يَنْبَغِي أَن يغسل الْمَيِّت لِأَنَّهُ طَاهِر. قلت: اخْتلف الْعلمَاء من أَصْحَابنَا فِي وجوب غسله. فَقيل: إِنَّمَا وَجب لحَدث يحله باسترخاء المفاصل لَا لنجاسته، فَإِن الْآدَمِيّ لَا ينجس بِالْمَوْتِ كَرَامَة، إِذا لَو نجس لما طهر بِالْغسْلِ كَسَائِر الْحَيَوَانَات وَكَانَ الْوَاجِب الِاقْتِصَار على أَعْضَاء الْوضُوء كَمَا فِي حَال الْحَيَاة. لَكِن ذَلِك إِنَّمَا كَانَ نفيا للْحَرج فِيمَا يتَكَرَّر كل يَوْم، وَالْحَدَث بِسَبَب الْمَوْت لَا يتَكَرَّر، فَكَانَ كالجنابة لَا يَكْتَفِي فِيهَا بِغسْل الْأَعْضَاء الْأَرْبَعَة، بل يبْقى على الأَصْل، وَهُوَ وجوب غسل الْبدن لعدم الْحَرج، فَكَذَا هَذَا. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ يجب غسله لنجاسته بِالْمَوْتِ لَا بِسَبَب الْحَدث لِأَن للآدمي دَمًا سَائِلًا فيتنجس بِالْمَوْتِ قِيَاسا على غَيره ألَاّ ترى أَنه لَو مَاتَ فِي الْبِئْر نجسها؟ وَلَو حمله الْمُصَلِّي لم تجز صلَاته وَلَو لم يكن نجسا لجازت كَمَا لَو حمل مُحدثا.

الثَّانِي: من الْأَحْكَام فِيهِ اسْتِحْبَاب أحترام أهل الْفضل، وَأَن يوقرهم جليسهم ومصاحبهم، فَيكون على أكمل الهيئات وَأحسن الصِّفَات، وَقد اسْتحبَّ الْعلمَاء لطَالب الْعلم أَن يحسن حَاله عِنْد مجالسة شَيْخه، فَيكون متطهراً متنظفاً بِإِزَالَة الشعوث الْمَأْمُور بإزالتها، نَحْو: قصّ الشَّارِب، وقلم الْأَظْفَار، وَإِزَالَة الروائح الْمَكْرُوهَة وَغير ذَلِك.

الثَّالِث: فِيهِ من الْآدَاب أَن الْعَالم إِذا رأى من تَابعه أمرا يخَاف عَلَيْهِ فِيهِ خلاف الصَّوَاب، سَأَلَهُ عَنهُ وَقَالَ لَهُ صَوَابه وَبَين لَهُ حكمه.

الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز تَأْخِير الِاغْتِسَال عَن أول وَقت وُجُوبه، وَالْوَاجِب أَن لَا يُؤَخِّرهُ إِلَى أَن يفوتهُ وَقت صَلَاة.

الْخَامِس: فِيهِ جَوَاز انصراف الْجنب فِي حَوَائِجه قبل الِاغْتِسَال، مَا لم يفته وَقت الصَّلَاة.

السَّادِس: فِيهِ أَن النَّجَاسَة إِذا لم تكن عينا فِي الْأَجْسَام لَا تضرها فَإِن الْمُؤمن طَاهِر الْأَعْضَاء، فَإِن من شَأْنه الْمُحَافظَة على الطَّهَارَة والنظافة.

السَّابِع: فِيهِ ائتلاف قُلُوب الْمُؤمنِينَ، ومواساة الْفُقَرَاء والتواضع لله، وَاتِّبَاع أَمر الله تَعَالَى حَيْثُ قَالَ جلّ ذكره. {وَلَا تطرد الَّذين يدعونَ رَبهم بِالْغَدَاةِ والعشي يُرِيدُونَ وَجهه} (سُورَة) . وَقَالَ بَعضهم: وَفِيه: اسْتِحْبَاب اسْتِئْذَان التَّابِع للمتبوع إِذا أَرَادَ أَن يُفَارِقهُ. قلت: هَذَا بعيد لِأَن الحَدِيث الْمَذْكُور لَا يفهم مِنْهُ ذَلِك لَا من عِبَارَته وَلَا من إِشَارَته وَلَا فِيهِ التَّابِع والتبوع لِأَن أَبَا هُرَيْرَة لم يكن فِي تِلْكَ الْحَالة تَابعا للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مَشْيه بل إِنَّمَا لقِيه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي بعض طرق الْمَدِينَة، كَمَا هُوَ نَص الحَدِيث. وَقَالَ أَيْضا وَبَوَّبَ عَلَيْهِ ابْن حبَان الرَّد على من زعم أَن الْجنب إِذا وَقع فِي الْبِئْر فَنوى الِاغْتِسَال أَن مَاء الْبِئْر ينجس. قلت: هَذَا الرَّد مَرْدُود حِينَئِذٍ، لِأَن الحَدِيث لَا يدل عَلَيْهِ أصلا والْحَدِيث يدل بعبارته أَن الْجنب لَيْسَ بِنَجس فِي ذَاته، وَلم يتَعَرَّض إِلَى طَهَارَة غسالته إِذا نوى الِاغْتِسَال.

٢٤ - (بابُ الجُنُبُ يَخْرُجُ وَيَمْشِي فِي السُّوقِ وَغَيْرِهِ)

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله وَغَيره، بِالرَّفْع ظَاهِرَة وَأما بِالْجَرِّ الَّذِي هُوَ الْأَظْهر فَلَا تكون الْمُطَابقَة إلَاّ من جِهَة الْمَعْنى، وَهُوَ أَن الْجنب إِذا جَازَ لَهُ الْخُرُوج من بَيته وَالْمَشْي فِي السُّوق وَغَيره جَازَ لَهُ تِلْكَ الْأَفْعَال الْمَذْكُورَة فِي الْأَثر الْمَذْكُور، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) عَن ابْن جريح عَنهُ وَزَاد فِيهِ ويطلى بالنورة.

٢٨٤ - حدّثنا عَبْدُ الأَعْلَى بنُ حَمَادِ قالَ حدّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قالَ حدّثنا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ أنَّ أنَسَ بنَ مالِكِ حَدَّثَهُمْ أنَّ نَبيِّ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَةِ الواحِدَةِ وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ.

مُطَابقَة للْحَدِيث للتَّرْجَمَة تفهم من قَوْله: (كَانَ يطوف على نِسَائِهِ) وَذَلِكَ أَن نِسَاءَهُ كَانَت لَهُنَّ حجر مُتَقَارِبَة، فبالضرورة كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا أَرَادَ الطّواف عَلَيْهِنَّ يحْتَاج إِلَى الْمَشْي من حجرَة إِلَى حجرَة قَالَ بَعضهم: لَكِن فِي غير السُّوق. قلت: الْمَشْي أَعم من أَن يكون من بَيت إِلَى بَيت، وَمن بَيت إِلَى سوق، وَإِلَى غَيره، وَحَدِيث أنس هَذَا قد مر فِي بَاب: إِذا جَامع ثمَّ عَاد، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى، وَسَعِيد الَّذِي يروي عَن قَتَادَة هُوَ سعيد بن أبي عرُوبَة قَالَ الغساني: وَفِي نُسْخَة الْأصيلِيّ بدل: سعيد، لفظ شُعْبَة أَي ابْن الْحجَّاج، وَلَيْسَ صَوَابا.

٢٥

- (بابُ كَيْنُونَةِ الجُنُبِ فِي الَبْيتِ إذَا تَوَضَّأَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز كينونة الْجنب فِي بَيته إِذا تَوَضَّأ قبل الِاغْتِسَال، والكينونة مصدر: كَانَ يُقَال: يكون كوناً وكينونة، أَيْضا شبهوه بالحيدودة والطيرورة من ذَوَات الْيَاء، وَلم يجىء من الْوَاو على هَذَا إلَاّ أحرف: كينونة وكيعوعة وديمومة وقيدودة وَأَصله: كينونة، بتَشْديد الْيَاء، فحذفوا كَمَا حذفوا من هَين وميت، وَلَوْلَا ذَلِك لقَوْل: كونونة. قَوْله: (إِذا تَوَضَّأ الْجنب) ، وَفِي رِوَايَة أبي الْوَقْت وكريمة. (إِذا تَوَضَّأ قبل أَن يغْتَسل) وَلَيْسَ فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: إِذا تَوَضَّأ، قبل أَن يغْتَسل.

وَوجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.2 / 29.5
الإضاءة 60%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
سبحان الله