«أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ أَتَجْزِي إِحْدَانَا صَلَاتَهَا إِذَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٢١

الحديث رقم ٣٢١ من كتاب «كتاب الحيض» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لا تقضي الحائض الصلاة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن امرأة قالت لعائشة أتجزي إحدانا صلاتها…

«أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ أَتَجْزِي إِحْدَانَا صَلَاتَهَا إِذَا طَهُرَتْ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ كُنَّا نَحِيضُ مَعَ النَّبِيِّ ، فَلَا يَأْمُرُنَا بِهِ، أَوْ قَالَتْ: فَلَا نَفْعَلُهُ».

سند حديث: ٣٢١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ…

٣٢١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ:

رواة الحديث

شرح حديث: «أن امرأة قالت لعائشة أتجزي إحدانا صلاتها…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَقَدْ كَذَّبُوهُ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ يَضْطَرِبُ فِيهَا، فَتَارَةً يَقُولُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَتَارَةً يَقُولُ امْرَأَةُ زَيْدٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالنَّسَبِ فِي أَوْلَادِ زَيْدٍ مَنْ يُقَالُ لَهَا أُمُّ سَعْدٍ، وَأَمَّا عَمَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ ابْنُ الْحَذَّاءِ: هِيَ عَمْرَةُ بِنْتُ حَزْمٍ عَمَّةُ جَدِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَقِيلَ لَهَا عَمَّتُهُ مَجَازًا. قُلْتُ: لَكِنَّهَا صَحَابِيَّةٌ قَدِيمَةٌ رَوَى عَنْهَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّحَابِيُّ، فَفِي رِوَايَتِهَا عَنْ بِنْتِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بُعْدٌ، فَإِنْ كَانَتْ ثَابِتَةً فَرِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْهَا مُنْقَطِعَةٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْمُرَادَةُ عَمَّتَهُ الْحَقِيقِيَّةَ وَهِيَ أُمُّ عَمْرٍو أَوْ أُمُّ كُلْثُومٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (يَدْعُونَ) أَيْ يَطْلُبْنَ. وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يَدْعِينَ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهَا فِي بَابِ تَقْضِي الْحَائِضُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا. وَقَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: دَعَيْتُ لُغَةً فِي دَعَوْتُ، وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَى ذَلِكَ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ وَلَا الْمَطَالِعِ.

قَوْلُهُ: (إِلَى الطُّهْرِ) أَيْ إِلَى مَا يَدُلُّ عَلَى الطُّهْرِ وَاللَّامِ فِي قَوْلِهَا مَا كَانَ النِّسَاءُ لِلْعَهْدِ أَيْ نِسَاءُ الصَّحَابَةِ، وَإِنَّمَا عَابَتْ عَلَيْهِنَّ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي الْحَرَجَ وَالتَّنَطُّعَ وَهُوَ مَذْمُومٌ، قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ لِكَوْنِ ذَلِكَ كَانَ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَهُوَ جَوْفُ اللَّيْلِ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ وَقْتُ الْعِشَاءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْعَيْبُ لِكَوْنِ اللَّيْلِ لَا يَتَبَيَّنُ بِهِ الْبَيَاضُ الْخَالِصُ مِنْ غَيْرِهِ فَيَحْسِبْنَ أَنَّهُنَّ طَهُرْنَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَيُصَلِّينَ قَبْلَ الطُّهْرِ.

وحَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الِاسْتِحَاضَةِ، وَسُفْيَانُ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ; لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْمُسْنَدِيُّ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الثَّوْرِيِّ.

٢٠ - بَاب لَا تَقْضِي الْحَائِضُ الصَّلَاةَ

وَقَالَ جَابِرُ، وَأَبُو سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ تَدَعُ الصَّلَاةَ

٣٢١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ: أَتَجْزِي إِحْدَانَا صَلَاتَهَا إِذَا طَهُرَتْ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ، كُنَّا نَحِيضُ مَعَ النَّبِيِّ فَلَا يَأْمُرُنَا بِهِ، أَوْ قَالَتْ: فَلَا نَفْعَلُهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ لَا تَقْضِي الْحَائِضُ الصَّلَاةَ) نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ إِجْمَاعَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ أَنَّهُ سَأَلَ الزُّهْرِيَّ عَنْهُ فَقَالَ: اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْخَوَارِجِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُوجِبُونَهُ، وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِهِ فَأَنْكَرَتْ عَلَيْهِ أُمُّ سَلَمَةَ، لَكِنِ اسْتَقَرَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ كَمَا قَالَهُ الزُّهْرِيُّ وَغَيْرُهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبُو سَعِيدٍ) هَذَا التَّعْلِيقُ عَنْ هَذَيْنِ الصَّحَابِيَّيْنِ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ بِالْمَعْنَى، فَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ حَيْضِ عَائِشَةَ فِي الْحَجِّ وَفِيهِ غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَطُوفُ وَلَا تُصَلِّي، وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَأَشَارَ بِهِ إِلَى حَدِيثِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي بَابِ تَرْكِ الْحَائِضِ الصَّوْمَ وَفِيهِ أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟. فَإِنْ قِيلَ: التَّرْجَمَةُ لِعَدَمِ الْقَضَاءِ، وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ لِعَدَمِ الْإِيقَاعِ، فَمَا وَجْهُ الْمُطَابَقَةِ؟ أَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ التَّرْكَ فِي قَوْلِهِ تَدَعُ الصَّلَاةَ مُطْلَقُ أَدَاءٍ وَقَضَاءٍ. انْتَهَى. وَهُوَ غَيْرُ مُتَّجَهٍ ; لِأَنَّ مَنْعَهَا إِنَّمَا هُوَ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ فَقَطْ، وَقَدْ وَضَحَ ذَلِكَ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثَيْنِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى التَّرْكِ أَوَّلًا بِالتَّعْلِيقِ الْمَذْكُورِ، وَعَلَى عَدَمِ الْقَضَاءِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ، فَجَعَلَ الْمُعَلَّقُ كَالْمُقَدِّمَةِ لِلْحَدِيثِ الْمَوْصُولِ الَّذِي هُوَ مُطَابِقٌ لِلتَّرْجَمَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ) هِيَ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيَّةُ، وَهِيَ مَعْدُودَةٌ فِي فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ، وَرِجَالُ الْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إِلَيْهَا بَصْرِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ) كَذَا أَبْهَمَهَا هَمَّامٌ، وَبَيَّنَ شُعْبَةُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهَا هِيَ مُعَاذَةُ الرَّاوِيَةُ. أَخْرَجَهُ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

كَانَ وَقت الْعشَاء، لِأَن طلب المصابيح لأمر غَالب لَا يكون إلَاّ فِي شدَّة الظلمَة، وَشدَّة الظلمَة لَا تكون إلَاّ فِي جَوف اللَّيْل. وروى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عباد بن إِسْحَاق عَن عبد الله بن أبي بكر عَن عمْرَة عَن عَائِشَة أَنَّهَا كَانَت تنْهى النِّسَاء أَن ينظرن إِلَى أَنْفسهنَّ لَيْلًا فِي الْحيض، وَتقول: (إِنَّهَا قد تكون الصُّفْرَة والكدرة) . وَعَن مَالك: لَا يُعجبنِي ذَلِك، وَلم يكن للنَّاس مصابيح. وروى ابْن الْقَاسِم عَنهُ: أَنَّهُنَّ كن لَا يقمن بِاللَّيْلِ. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) يشبه أَن يكون مَا بلغ ابْنة زيد عَن النِّسَاء كَانَ فِي أَيَّام الصَّوْم لينظرن الطُّهْر لنِيَّة الصَّوْم، لِأَن الصَّلَاة لَا تحْتَاج لذَلِك، لِأَن وُجُوبهَا عَلَيْهِنَّ إِنَّمَا يكون بعد طُلُوع الْفجْر.

وَاخْتلف الْفُقَهَاء فِي الْحَائِض تطهر قبل الْفجْر وَلَا تغسل حَتَّى يطلع الْفجْر. فَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن كَانَت أَيَّامهَا أقل من عشرَة صَامت وقضت، وَإِن كَانَت عشرَة صَامت وَلم تقض. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: هِيَ بِمَنْزِلَة الْجنب تَغْتَسِل وتصوم، ويجزيها صَوْم ذَلِك الْيَوْم، وَعَن عبد الْملك بن ماجشون: يَوْمهَا ذَلِك يَوْم فطر. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: تصومه وتقضيه.

وَفِي (الْقَوَاعِد) لِابْنِ رشد: اخْتلف الْفُقَهَاء فِي عَلامَة الطُّهْر، فَرَأى قوم أَن علامته الْقِصَّة أَو الجفوف. قَالَ ابْن حبيب: وَسَوَاء كَانَت الْمَرْأَة من عَادَتهَا انها تطهر بِهَذِهِ، وَفرق قوم فَقَالُوا: إِن كَانَت مِمَّن لَا يَرَاهَا فطهرها الجفوف. وَقَالَ ابْن حبيب: الْحيض أَوله دم ثمَّ يصير صفرَة ثمَّ تربة ثمَّ كدرة ثمَّ يكون ريقا كالقصة ثمَّ يَنْقَطِع، فَإِذا انْقَطع قبل هَذِه الْمنَازل وجف أصلا فَذَلِك إِبْرَاء للرحم. وَفِي (المُصَنّف) عَن عَطاء: الطُّهْر الْأَبْيَض الجفوف الَّذِي لَيْسَ مَعَه صفرَة وَلَا مَاء، وَعَن أَسمَاء بنت أبي بكر، رَضِي الله عَنهُ: سُئِلت عَن الصُّفْرَة الْيَسِيرَة، قَالَت: اعتزلن الصَّلَاة مَا رأين ذَلِك حَتَّى لَا تَرين إلَاّ لَبَنًا خَالِصا.

٣٢٠ - ح دَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ أنَّ فاطِمَةَ بِنْتَ أبِي حُبَيْشٍ كانَتْ تُسْتَحَاضُ فسألَتِ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقالَ ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بالحَيْضَةِ فَإذَا أقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلاةَ وإذَا أدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهِي فِي قَوْله: (فَإِذا أَقبلت، وَإِذا أَدْبَرت) . وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي بَاب غسل الدَّم وَفِي بَاب الِاسْتِحَاضَة، وسُفْيَان فِي هَذَا الْإِسْنَاد هُوَ ابْن عُيَيْنَة، لِأَن عبد الله بن مُحَمَّد وَهُوَ المسندي لم يسمع من سُفْيَان الثَّوْريّ، وَلَفظ الحَدِيث فِي بَاب غسل الدَّم: (فَإِذا أَدْبَرت فاغسلي عَنْك الدَّم وَصلي) من غير إِيجَاب الْغسْل، وَقَالَ عُرْوَة: ثمَّ توضئي لكل صَلَاة لإِيجَاب الْوضُوء، وَهنا قَالَ: (فاغتسلي وَصلي) لإِيجَاب الْغسْل، لِأَن أَحْوَال المستحاضات مُخْتَلفَة، فيوزع عَلَيْهَا. أَو نقُول: إِيجَاب الْغسْل والتوضىء لَا يُنَافِي عدم التَّعَرُّض لَهما، وَإِنَّمَا يُنَافِي التَّعَرُّض لعدمهما. وَقَوله: (فاغتسلي وَصلي) لَا يَقْتَضِي تكْرَار الِاغْتِسَال لكل صَلَاة، بل يَكْفِي غسل وَاحِد، وَلَا يرد عَلَيْهِ حَدِيث أم حَبِيبَة: كَانَت تَغْتَسِل لكل صَلَاة، على مَا يَأْتِي فِي بَاب عرق الِاسْتِحَاضَة، لِأَنَّهَا لَعَلَّهَا كَانَت من المستحاضات الَّتِي يجب عَلَيْهَا الْغسْل لكل صَلَاة. وَقَالَ [قعالشافعي [/ قع، رَحمَه الله تَعَالَى: إِنَّمَا أمرهَا أَن تَغْتَسِل وَتصلي، وَلَيْسَ فِي أَنه أمرهَا أَن تَغْتَسِل لكل صَلَاة قَالَ: وَلَا أَشك، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، أَن غسلهَا كَانَ تَطَوّعا غير مَا أمرت بِهِ. وَذَلِكَ وَاسع.

٢٠ - (بابٌ لَا تَقْضِي الحائِضُ الصَّلاةَ)

أَي: هَذَا بَاب فِيهِ الْحَائِض لَا تقضي الصَّلَاة، وَإِنَّمَا قَالَ: لَا تقضي الصَّلَاة، وَلم يقل: تدع الصَّلَاة، كَمَا فِي حَدِيث جَابر وَأبي سعيد، لِأَن عدم الْقَضَاء أَعم وأشمل.

والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن فِي الْبَاب الأول ترك الصَّلَاة عِنْد إقبال الْحيض، وَهَذَا الْبَاب فِيهِ كَذَلِك.

وقالَ جابرٌ وَأبُو سَعِيدٍ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَدَعُ الصَّلَاةَ

مُطَابقَة هَذَا التَّعْلِيق للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن ترك الصَّلَاة يسْتَلْزم عدم الْقَضَاء، وَلِأَن الشَّارِع أَمر بِالتّرْكِ، ومتروك الشَّرْع لَا يجب فعله فَلَا يجب قَضَاؤُهُ إِذا ترك. أما التَّعْلِيق عَن جَابر فقد أخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَحْكَام من طَرِيق حبيب عَن جَابر فِي قصَّة حيض عَائِشَة فِي الْحَج، وَفِيه: (غير أَنَّهَا لَا تَطوف وَلَا تصلي) . وَمعنى قَوْله: (وَلَا تصلي) تدع الصَّلَاة، وَرَوَاهُ مُسلم نَحوه

من طَرِيق أبي الزبير عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَأما التَّعْلِيق عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ فَأخْرجهُ فِي بَاب ترك الْحَائِض الصَّوْم، وَفِيه: (إِذا حَاضَت لم تصم) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: (فَإِن قلت: عقد الْبَاب فِي الْقَضَاء لَا فِي التّرْك! قلت: التّرْك مُطلق أَدَاء وَقَضَاء. قلت: عقد الْبَاب فِي عدم الْقَضَاء، وَعدم الْقَضَاء ترك، وَالتّرْك أَعم. وَقَالَ بَعضهم: وَالَّذِي يظْهر لي أَن هَذَا كَلَام صادر من غير تَأمل، لِأَن التّرْك وَعدم الْقَضَاء بِمَعْنى وَاحِد فِي الْحَقِيقَة، وَكَلَامه يشْعر بالتغاير بَينهمَا، فَإِذا سلمنَا ذَلِك كَانَ يتَعَيَّن عَلَيْهِ أَن يُشِير إِلَيْهِمَا فِي التَّرْجَمَة، وَحَيْثُ لم يشر إِلَى ذَلِك فِيهَا، علمنَا أَن مَا بَينهمَا مُغَايرَة، فَلذَلِك اقْتصر فِي التَّرْجَمَة على أَحدهمَا.

٢٦ - (حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل قَالَ حَدثنَا همام قَالَ حَدثنَا قَتَادَة قَالَ حَدَّثتنِي معَاذَة أَن امْرَأَة قَالَت لعَائِشَة أتجزي إحدانا صلَاتهَا إِذا طهرت فَقَالَت أحرورية أَنْت كُنَّا نحيض مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَلَا يَأْمُرنَا بِهِ أَو قَالَت فَلَا نفعله) مُطَابقَة للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " فَلَا يَأْمُرنَا بِهِ " أَي بِقَضَاء الصَّلَاة. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة الأول مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري التَّبُوذَكِي الثَّانِي همام بِالتَّشْدِيدِ بن يحيى بن دِينَار الْعَدوي قَالَ أَحْمد همام ثَبت فِي كل الْمَشَايِخ مَاتَ سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَمِائَة الثَّالِث قَتَادَة الأكمه الْمُفَسّر الرَّابِع معَاذَة بِضَم الْمِيم وبالعين الْمُهْملَة وبالذال الْمُعْجَمَة بنت عبد الله العدوية الثِّقَة الْحجَّة الزاهدة روى لَهَا الْجَمَاعَة وَكَانَت تحيي اللَّيْل مَاتَت سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ الْخَامِس عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه تَصْرِيح لسَمَاع قَتَادَة عَنهُ معَاذَة وَهُوَ رد على مَا ذكره شُعْبَة وَأحمد أَنه لم يسمع مِنْهَا وَفِيه أَن رُوَاته كلهم بصريون. (ذكر من أخرجه غَيره) هَذَا الحَدِيث أخرجه السِّتَّة مُسلم عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي عَن حَمَّاد بن زيد وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن غنْدر وَعَن عبد بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق وَأَبُو دَاوُد عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَعَن الْحسن بن عَمْرو وَالتِّرْمِذِيّ عَن قُتَيْبَة عَن حَمَّاد بن زيد وَالنَّسَائِيّ عَن عمر بن زُرَارَة وَابْن مَاجَه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة كلهم أَخْرجُوهُ فِي الطَّهَارَة وَالنَّسَائِيّ أخرجه فِي الصَّوْم عَن عَليّ بن مسْهر. (ذكر لغاته وَمَعْنَاهُ) قَوْلهَا " إِن امْرَأَة " هَاهُنَا مُبْهمَة أبهما همام وَبَين فِي رِوَايَته عَن قَتَادَة أَنَّهَا هِيَ معَاذَة الراوية وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيقه وَكَذَا مُسلم من طَرِيق عَاصِم وَغَيره عَن معَاذَة قَالَت " سَأَلت عَائِشَة مَا بَال الْحَائِض تقضي الصَّوْم وَلَا تقضي الصَّلَاة فَقَالَت أحرورية أَنْت قلت لست بحرورية وَلَكِن أسأَل كَانَ يصيبنا ذَلِك فنؤمر بِقَضَاء الصَّوْم وَلَا نؤمر بِقَضَاء الصَّلَاة " وَفِي لفظ آخر " قد كَانَت إحدانا تحيض على عهد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا نؤمر بِقَضَاء " وَفِي لفظ آخر " قد كُنَّا نسَاء رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يحضن وَلَا يؤمرن أَن يجزين " قَالَ مُحَمَّد بن جَعْفَر يَعْنِي يقضين قَوْلهَا " أتجزي إحدانا " بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الزَّاي غير مَهْمُوز وَحكى بَعضهم الْهمزَة وَمَعْنَاهُ أتقضي وَبِه فسروا قَوْله تَعَالَى {لَا تجزي نفس عَن نفس شَيْئا} وَلَا يُقَال هَذَا الشَّيْء يَجْزِي عَن كَذَا أَي يقوم مقَامه قَوْلهَا " صلَاتهَا " بِالنّصب على المفعولية ويروى " أتجزي " على صِيغَة الْمَجْهُول وعَلى هَذَا صلَاتهَا بِالرَّفْع لِأَنَّهُ مفعول قَامَ مقَام الْفَاعِل وَمَعْنَاهُ أتكفي الْمَرْأَة الصَّلَاة الْحَاضِرَة وَهِي طَاهِرَة وَلَا تحْتَاج إِلَى قَضَاء عَن الْفَائِتَة. قَوْلهَا " أحرورية أَنْت " من الْجُمْلَة من الْمُبْتَدَأ وَهُوَ أَنْت وَالْخَبَر وَهُوَ أحرورية دخلت عَلَيْهَا همزَة الِاسْتِفْهَام الإنكارية وَفَائِدَة تقدم الْخَبَر للدلالة على الْحصْر أَي أحرورية أَنْت لَا غير وَهِي نِسْبَة إِلَى حروراء قَرْيَة بِقرب الْكُوفَة وَكَانَ أول اجْتِمَاع الْخَوَارِج فِيهَا وَقَالَ الْهَرَوِيّ تعاقدوا فِي هَذِه الْقرْيَة فنسبوا إِلَيْهَا فَمَعْنَى كَلَام عَائِشَة هَذَا أخارجية أَنْت لِأَن طَائِفَة من الْخَوَارِج يوجبون على الْحَائِض قَضَاء الصَّلَاة الْفَائِتَة فِي زمن الْحيض وَهُوَ خلاف الْإِجْمَاع وكبار فرق الحروية سِتَّة الْأزَارِقَة والصفرية والنجدات والعجاردة والأباضية والثعالبة وَالْبَاقُونَ فروع وهم الَّذين خَرجُوا على عَليّ رَضِي الله عَنهُ ويجمعهم القَوْل بالتبري من عُثْمَان وَعلي رَضِي الله عَنْهُمَا ويقدمون ذَلِك على كل طَاعَة وَلَا يصححون المناكحات إِلَّا على ذَلِك وَكَانَ خُرُوجهمْ على عهد عَليّ رَضِي الله عَنهُ لما حكم أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَعَمْرو بن

الْعَاصِ وأنكروا على عَليّ فِي ذَلِك وَقَالُوا شَككت فِي أَمر الله وحكمت عَدوك وطالت خصومتهم ثمَّ أَصْبحُوا يَوْمًا وَقد خَرجُوا وهم ثَمَانِيَة آلَاف وأميرهم ابْن الكوا عبد الله فَبعث إِلَيْهِم على عبد الله بن عَبَّاس فناظرهم فَرجع مِنْهُم أَلفَانِ وَبَقِي سِتَّة آلَاف فَخرج إِلَيْهِم عَليّ فَقَاتلهُمْ وَكَانَ يشددون فِي الدّين وَمِنْه قَضَاء الصَّلَاة على الْحَائِض قَالُوا إِذا لم يسْقط فِي كتاب الله تَعَالَى عَنْهَا على أَصْلهَا وَقد قُلْنَا إِن حروراء اسْم قَرْيَة وَهِي ممدودة وَقَالَ بَعضهم بِالْقصرِ أَيْضا حَكَاهُ أَبُو عبيد وَزعم أَبُو الْقَاسِم الغوراني أَن حروراء هَذِه مَوضِع بِالشَّام وَفِيه نظر لِأَن عليا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِنَّمَا كَانَ بِالْكُوفَةِ وقتاله لَهُم إِنَّمَا كَانَ هُنَاكَ وَلم يَأْتِي أَنه قَاتلهم بِالشَّام لِأَن الشَّام لم يكن فِي طَاعَة عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وعَلى ذَلِك أطبق المؤرخون وَقَالَ الْمبرد النِّسْبَة إِلَى حروراء حروراو وَكَذَلِكَ كل مَا كَانَ فِي آخِره ألف التَّأْنِيث الممدودة وَلكنه نسب إِلَى الْبَلَد بِحَذْف الزَّوَائِد فَقيل الحروري قَوْلهَا " مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " أَي مَعَ وجوده وَالْمعْنَى فِي عَهده وَالْغَرَض مِنْهُ بَيَان أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ مطلعا على حالهن من الْحيض وتركهن الصَّلَاة فِي أَيَّامه وَمَا كَانَ يَأْمُرهُنَّ بِالْقضَاءِ وَلَو كَانَ وَاجِبا لأمرهن بِهِ وَقَوْلها " فَلَا يَأْمُرنَا بِهِ " أَي بل كَانَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَأْمُرنَا بِقَضَاء الصَّوْم قَوْلهَا " أَو قَالَت لَا نفعله " أَي الْقَضَاء وَلَفْظَة أَو للشَّكّ قَالَ الْكرْمَانِي وَالظَّاهِر أَنه من معَاذَة وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ من وَجه آخر فَلم نَكُنْ نقضي وَلم نؤمر بِهِ (ذكر مَا يستنبط مِنْهُ) وَهُوَ أَن الْحَائِض لَا تقضي الصَّلَاة وَلَا خلاف فِي ذَلِك بَين الْأمة إِلَّا لطائفة من الْخَوَارِج قَالَ معمر قَالَ الزُّهْرِيّ تقضي الْحَائِض الصَّوْم وَلَا تقضي الصَّلَاة قلت عَمَّن قَالَ أجمع الْمُسلمُونَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِي كل شَيْء تَجِد الْإِسْنَاد الْقوي أجمع الْمُسلمُونَ على أَن الْحَائِض وَالنُّفَسَاء لَا يجب عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَلَا الصَّوْم فِي الْحَال وعَلى أَنه لَا يجب عَلَيْهِمَا قَضَاء الصَّلَاة وعَلى أَنه عَلَيْهِمَا قَضَاء الصَّوْم وَالْفرق بَينهمَا أَن الصَّلَاة كَثِيرَة متكررة فشق قَضَاؤُهَا بِخِلَاف الصَّوْم فَإِنَّهُ يجب فِي السّنة مرّة وَاحِدَة وَمن السّلف من كَانَ يَأْمر بالحائض بِأَن تتوضأ عِنْد وَقت الصَّلَاة وتذكر الله تَعَالَى تسْتَقْبل الْقبْلَة ذاكرة لله جالسة رُوِيَ ذَلِك عَن عقبَة بن عَامر وَمَكْحُول وَقَالَ كَانَ ذَلِك من هدي نسَاء الْمُسلمين فِي حيضهن وَقَالَ عبد الرَّزَّاق بَلغنِي أَن الْحَائِض كَانَت تُؤمر بذلك عِنْد وَقت كل صَلَاة وَقَالَ عَطاء لم يبلغنِي ذَلِك وَإنَّهُ لحسن وَقَالَ أَبُو عمر هُوَ أَمر مَتْرُوك عِنْد جمَاعَة الْفُقَهَاء بل يكرهونه قَالَ أَبُو قلَابَة سَأَلنَا عَن ذَلِك فَلم نجد لَهُ أصلا وَقَالَ سعيد بن عبد الْعَزِيز مَا نعرفه وَإِنَّا لنكرهه وَفِي منية الْمُفْتِي للحنفية يسْتَحبّ لَهَا عِنْد وَقت كل صَلَاة أَن تتوضأ وتجلس فِي مَسْجِد بَيتهَا تسبح وتهلل مِقْدَار أَدَاء الصَّلَاة لَو كَانَت طَاهِرَة حَتَّى لَا تبطل عَادَتهَا وَفِي الدِّرَايَة يكْتب لَهَا ثَوَاب أحسن صَلَاة كَانَت تصلى فَإِن قلت هَل الْحَائِض مُخَاطبَة بِالصَّوْمِ أَولا (قلت) لَا وَإِنَّمَا يجب عَلَيْهَا الْقَضَاء بِأَمْر جَدِيد وَقيل مُخَاطبَة بِهِ مأمورة بِتَرْكِهِ كَمَا يُخَاطب الْمُحدث بِالصَّلَاةِ وَإنَّهُ لَا يَصح مِنْهُ فِي زمن الْحَدث وَهَذَا غير صَحِيح وَكَيف يكون الصَّوْم وَاجِبا عَلَيْهَا ومحرما عَلَيْهَا بِسَبَب لَا قدرَة لَهَا على إِزَالَته بِخِلَاف الْمُحدث فَإِنَّهُ قَادر على الْإِزَالَة وَالله أعلم بِالصَّوَابِ

٢١ - (بابُ النَّوْمَ مَعَ الحَائِضِ وهْيَ فِي ثِيَابِهَا)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم النّوم مَعَ زَوجته الْحَائِض، وَالْحَال أَنَّهَا فِي ثِيَابهَا الَّتِي معدة لحيضها، وَهُوَ جَائِز لدلَالَة حَدِيث الْبَاب عَلَيْهِ.

والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ اشْتِمَال كل مِنْهُمَا على حكم مُخْتَصّ بالحائض.

٣٢٢ - ح دَّثنا سَعْدُ بنُ حَفْصٍ قالَ حدَّثنا شَيْبَانُ عنْ يَحْيَى عَنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أبي سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قالَتْ حِضْتُ وأنَا معَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الخَمِيلَةِ فانْسَلَلْتُ فَخَرَجْتُ مِنْهَا فأخذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي فَلبِسْتُهَا فقالَ لِي رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنُفِسْتِ قُلْتُ نَعَمْ فَدَعَانِي فَأَدْخَلَنِي مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ قالَتْ وَحَدَّثَتْنِي أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كانَ يُقَبِّلُها وَهْوَ صَائِم وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا والنَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ مِنَ الْجَنَابَةِ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَقَدْ كَذَّبُوهُ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ يَضْطَرِبُ فِيهَا، فَتَارَةً يَقُولُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَتَارَةً يَقُولُ امْرَأَةُ زَيْدٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالنَّسَبِ فِي أَوْلَادِ زَيْدٍ مَنْ يُقَالُ لَهَا أُمُّ سَعْدٍ، وَأَمَّا عَمَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ ابْنُ الْحَذَّاءِ: هِيَ عَمْرَةُ بِنْتُ حَزْمٍ عَمَّةُ جَدِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَقِيلَ لَهَا عَمَّتُهُ مَجَازًا. قُلْتُ: لَكِنَّهَا صَحَابِيَّةٌ قَدِيمَةٌ رَوَى عَنْهَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّحَابِيُّ، فَفِي رِوَايَتِهَا عَنْ بِنْتِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بُعْدٌ، فَإِنْ كَانَتْ ثَابِتَةً فَرِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْهَا مُنْقَطِعَةٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْمُرَادَةُ عَمَّتَهُ الْحَقِيقِيَّةَ وَهِيَ أُمُّ عَمْرٍو أَوْ أُمُّ كُلْثُومٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (يَدْعُونَ) أَيْ يَطْلُبْنَ. وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يَدْعِينَ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهَا فِي بَابِ تَقْضِي الْحَائِضُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا. وَقَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: دَعَيْتُ لُغَةً فِي دَعَوْتُ، وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَى ذَلِكَ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ وَلَا الْمَطَالِعِ.

قَوْلُهُ: (إِلَى الطُّهْرِ) أَيْ إِلَى مَا يَدُلُّ عَلَى الطُّهْرِ وَاللَّامِ فِي قَوْلِهَا مَا كَانَ النِّسَاءُ لِلْعَهْدِ أَيْ نِسَاءُ الصَّحَابَةِ، وَإِنَّمَا عَابَتْ عَلَيْهِنَّ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي الْحَرَجَ وَالتَّنَطُّعَ وَهُوَ مَذْمُومٌ، قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ لِكَوْنِ ذَلِكَ كَانَ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَهُوَ جَوْفُ اللَّيْلِ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ وَقْتُ الْعِشَاءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْعَيْبُ لِكَوْنِ اللَّيْلِ لَا يَتَبَيَّنُ بِهِ الْبَيَاضُ الْخَالِصُ مِنْ غَيْرِهِ فَيَحْسِبْنَ أَنَّهُنَّ طَهُرْنَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَيُصَلِّينَ قَبْلَ الطُّهْرِ.

وحَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الِاسْتِحَاضَةِ، وَسُفْيَانُ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ; لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْمُسْنَدِيُّ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الثَّوْرِيِّ.

٢٠ - بَاب لَا تَقْضِي الْحَائِضُ الصَّلَاةَ

وَقَالَ جَابِرُ، وَأَبُو سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ تَدَعُ الصَّلَاةَ

٣٢١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ: أَتَجْزِي إِحْدَانَا صَلَاتَهَا إِذَا طَهُرَتْ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ، كُنَّا نَحِيضُ مَعَ النَّبِيِّ فَلَا يَأْمُرُنَا بِهِ، أَوْ قَالَتْ: فَلَا نَفْعَلُهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ لَا تَقْضِي الْحَائِضُ الصَّلَاةَ) نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ إِجْمَاعَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ أَنَّهُ سَأَلَ الزُّهْرِيَّ عَنْهُ فَقَالَ: اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْخَوَارِجِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُوجِبُونَهُ، وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِهِ فَأَنْكَرَتْ عَلَيْهِ أُمُّ سَلَمَةَ، لَكِنِ اسْتَقَرَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ كَمَا قَالَهُ الزُّهْرِيُّ وَغَيْرُهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبُو سَعِيدٍ) هَذَا التَّعْلِيقُ عَنْ هَذَيْنِ الصَّحَابِيَّيْنِ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ بِالْمَعْنَى، فَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ حَيْضِ عَائِشَةَ فِي الْحَجِّ وَفِيهِ غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَطُوفُ وَلَا تُصَلِّي، وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَأَشَارَ بِهِ إِلَى حَدِيثِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي بَابِ تَرْكِ الْحَائِضِ الصَّوْمَ وَفِيهِ أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟. فَإِنْ قِيلَ: التَّرْجَمَةُ لِعَدَمِ الْقَضَاءِ، وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ لِعَدَمِ الْإِيقَاعِ، فَمَا وَجْهُ الْمُطَابَقَةِ؟ أَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ التَّرْكَ فِي قَوْلِهِ تَدَعُ الصَّلَاةَ مُطْلَقُ أَدَاءٍ وَقَضَاءٍ. انْتَهَى. وَهُوَ غَيْرُ مُتَّجَهٍ ; لِأَنَّ مَنْعَهَا إِنَّمَا هُوَ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ فَقَطْ، وَقَدْ وَضَحَ ذَلِكَ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثَيْنِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى التَّرْكِ أَوَّلًا بِالتَّعْلِيقِ الْمَذْكُورِ، وَعَلَى عَدَمِ الْقَضَاءِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ، فَجَعَلَ الْمُعَلَّقُ كَالْمُقَدِّمَةِ لِلْحَدِيثِ الْمَوْصُولِ الَّذِي هُوَ مُطَابِقٌ لِلتَّرْجَمَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ) هِيَ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيَّةُ، وَهِيَ مَعْدُودَةٌ فِي فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ، وَرِجَالُ الْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إِلَيْهَا بَصْرِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ) كَذَا أَبْهَمَهَا هَمَّامٌ، وَبَيَّنَ شُعْبَةُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهَا هِيَ مُعَاذَةُ الرَّاوِيَةُ. أَخْرَجَهُ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

كَانَ وَقت الْعشَاء، لِأَن طلب المصابيح لأمر غَالب لَا يكون إلَاّ فِي شدَّة الظلمَة، وَشدَّة الظلمَة لَا تكون إلَاّ فِي جَوف اللَّيْل. وروى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عباد بن إِسْحَاق عَن عبد الله بن أبي بكر عَن عمْرَة عَن عَائِشَة أَنَّهَا كَانَت تنْهى النِّسَاء أَن ينظرن إِلَى أَنْفسهنَّ لَيْلًا فِي الْحيض، وَتقول: (إِنَّهَا قد تكون الصُّفْرَة والكدرة) . وَعَن مَالك: لَا يُعجبنِي ذَلِك، وَلم يكن للنَّاس مصابيح. وروى ابْن الْقَاسِم عَنهُ: أَنَّهُنَّ كن لَا يقمن بِاللَّيْلِ. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) يشبه أَن يكون مَا بلغ ابْنة زيد عَن النِّسَاء كَانَ فِي أَيَّام الصَّوْم لينظرن الطُّهْر لنِيَّة الصَّوْم، لِأَن الصَّلَاة لَا تحْتَاج لذَلِك، لِأَن وُجُوبهَا عَلَيْهِنَّ إِنَّمَا يكون بعد طُلُوع الْفجْر.

وَاخْتلف الْفُقَهَاء فِي الْحَائِض تطهر قبل الْفجْر وَلَا تغسل حَتَّى يطلع الْفجْر. فَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن كَانَت أَيَّامهَا أقل من عشرَة صَامت وقضت، وَإِن كَانَت عشرَة صَامت وَلم تقض. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: هِيَ بِمَنْزِلَة الْجنب تَغْتَسِل وتصوم، ويجزيها صَوْم ذَلِك الْيَوْم، وَعَن عبد الْملك بن ماجشون: يَوْمهَا ذَلِك يَوْم فطر. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: تصومه وتقضيه.

وَفِي (الْقَوَاعِد) لِابْنِ رشد: اخْتلف الْفُقَهَاء فِي عَلامَة الطُّهْر، فَرَأى قوم أَن علامته الْقِصَّة أَو الجفوف. قَالَ ابْن حبيب: وَسَوَاء كَانَت الْمَرْأَة من عَادَتهَا انها تطهر بِهَذِهِ، وَفرق قوم فَقَالُوا: إِن كَانَت مِمَّن لَا يَرَاهَا فطهرها الجفوف. وَقَالَ ابْن حبيب: الْحيض أَوله دم ثمَّ يصير صفرَة ثمَّ تربة ثمَّ كدرة ثمَّ يكون ريقا كالقصة ثمَّ يَنْقَطِع، فَإِذا انْقَطع قبل هَذِه الْمنَازل وجف أصلا فَذَلِك إِبْرَاء للرحم. وَفِي (المُصَنّف) عَن عَطاء: الطُّهْر الْأَبْيَض الجفوف الَّذِي لَيْسَ مَعَه صفرَة وَلَا مَاء، وَعَن أَسمَاء بنت أبي بكر، رَضِي الله عَنهُ: سُئِلت عَن الصُّفْرَة الْيَسِيرَة، قَالَت: اعتزلن الصَّلَاة مَا رأين ذَلِك حَتَّى لَا تَرين إلَاّ لَبَنًا خَالِصا.

٣٢٠ - ح دَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ أنَّ فاطِمَةَ بِنْتَ أبِي حُبَيْشٍ كانَتْ تُسْتَحَاضُ فسألَتِ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقالَ ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بالحَيْضَةِ فَإذَا أقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلاةَ وإذَا أدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهِي فِي قَوْله: (فَإِذا أَقبلت، وَإِذا أَدْبَرت) . وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي بَاب غسل الدَّم وَفِي بَاب الِاسْتِحَاضَة، وسُفْيَان فِي هَذَا الْإِسْنَاد هُوَ ابْن عُيَيْنَة، لِأَن عبد الله بن مُحَمَّد وَهُوَ المسندي لم يسمع من سُفْيَان الثَّوْريّ، وَلَفظ الحَدِيث فِي بَاب غسل الدَّم: (فَإِذا أَدْبَرت فاغسلي عَنْك الدَّم وَصلي) من غير إِيجَاب الْغسْل، وَقَالَ عُرْوَة: ثمَّ توضئي لكل صَلَاة لإِيجَاب الْوضُوء، وَهنا قَالَ: (فاغتسلي وَصلي) لإِيجَاب الْغسْل، لِأَن أَحْوَال المستحاضات مُخْتَلفَة، فيوزع عَلَيْهَا. أَو نقُول: إِيجَاب الْغسْل والتوضىء لَا يُنَافِي عدم التَّعَرُّض لَهما، وَإِنَّمَا يُنَافِي التَّعَرُّض لعدمهما. وَقَوله: (فاغتسلي وَصلي) لَا يَقْتَضِي تكْرَار الِاغْتِسَال لكل صَلَاة، بل يَكْفِي غسل وَاحِد، وَلَا يرد عَلَيْهِ حَدِيث أم حَبِيبَة: كَانَت تَغْتَسِل لكل صَلَاة، على مَا يَأْتِي فِي بَاب عرق الِاسْتِحَاضَة، لِأَنَّهَا لَعَلَّهَا كَانَت من المستحاضات الَّتِي يجب عَلَيْهَا الْغسْل لكل صَلَاة. وَقَالَ [قعالشافعي [/ قع، رَحمَه الله تَعَالَى: إِنَّمَا أمرهَا أَن تَغْتَسِل وَتصلي، وَلَيْسَ فِي أَنه أمرهَا أَن تَغْتَسِل لكل صَلَاة قَالَ: وَلَا أَشك، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، أَن غسلهَا كَانَ تَطَوّعا غير مَا أمرت بِهِ. وَذَلِكَ وَاسع.

٢٠ - (بابٌ لَا تَقْضِي الحائِضُ الصَّلاةَ)

أَي: هَذَا بَاب فِيهِ الْحَائِض لَا تقضي الصَّلَاة، وَإِنَّمَا قَالَ: لَا تقضي الصَّلَاة، وَلم يقل: تدع الصَّلَاة، كَمَا فِي حَدِيث جَابر وَأبي سعيد، لِأَن عدم الْقَضَاء أَعم وأشمل.

والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن فِي الْبَاب الأول ترك الصَّلَاة عِنْد إقبال الْحيض، وَهَذَا الْبَاب فِيهِ كَذَلِك.

وقالَ جابرٌ وَأبُو سَعِيدٍ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَدَعُ الصَّلَاةَ

مُطَابقَة هَذَا التَّعْلِيق للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن ترك الصَّلَاة يسْتَلْزم عدم الْقَضَاء، وَلِأَن الشَّارِع أَمر بِالتّرْكِ، ومتروك الشَّرْع لَا يجب فعله فَلَا يجب قَضَاؤُهُ إِذا ترك. أما التَّعْلِيق عَن جَابر فقد أخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَحْكَام من طَرِيق حبيب عَن جَابر فِي قصَّة حيض عَائِشَة فِي الْحَج، وَفِيه: (غير أَنَّهَا لَا تَطوف وَلَا تصلي) . وَمعنى قَوْله: (وَلَا تصلي) تدع الصَّلَاة، وَرَوَاهُ مُسلم نَحوه

من طَرِيق أبي الزبير عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَأما التَّعْلِيق عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ فَأخْرجهُ فِي بَاب ترك الْحَائِض الصَّوْم، وَفِيه: (إِذا حَاضَت لم تصم) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: (فَإِن قلت: عقد الْبَاب فِي الْقَضَاء لَا فِي التّرْك! قلت: التّرْك مُطلق أَدَاء وَقَضَاء. قلت: عقد الْبَاب فِي عدم الْقَضَاء، وَعدم الْقَضَاء ترك، وَالتّرْك أَعم. وَقَالَ بَعضهم: وَالَّذِي يظْهر لي أَن هَذَا كَلَام صادر من غير تَأمل، لِأَن التّرْك وَعدم الْقَضَاء بِمَعْنى وَاحِد فِي الْحَقِيقَة، وَكَلَامه يشْعر بالتغاير بَينهمَا، فَإِذا سلمنَا ذَلِك كَانَ يتَعَيَّن عَلَيْهِ أَن يُشِير إِلَيْهِمَا فِي التَّرْجَمَة، وَحَيْثُ لم يشر إِلَى ذَلِك فِيهَا، علمنَا أَن مَا بَينهمَا مُغَايرَة، فَلذَلِك اقْتصر فِي التَّرْجَمَة على أَحدهمَا.

٢٦ - (حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل قَالَ حَدثنَا همام قَالَ حَدثنَا قَتَادَة قَالَ حَدَّثتنِي معَاذَة أَن امْرَأَة قَالَت لعَائِشَة أتجزي إحدانا صلَاتهَا إِذا طهرت فَقَالَت أحرورية أَنْت كُنَّا نحيض مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَلَا يَأْمُرنَا بِهِ أَو قَالَت فَلَا نفعله) مُطَابقَة للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " فَلَا يَأْمُرنَا بِهِ " أَي بِقَضَاء الصَّلَاة. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة الأول مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري التَّبُوذَكِي الثَّانِي همام بِالتَّشْدِيدِ بن يحيى بن دِينَار الْعَدوي قَالَ أَحْمد همام ثَبت فِي كل الْمَشَايِخ مَاتَ سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَمِائَة الثَّالِث قَتَادَة الأكمه الْمُفَسّر الرَّابِع معَاذَة بِضَم الْمِيم وبالعين الْمُهْملَة وبالذال الْمُعْجَمَة بنت عبد الله العدوية الثِّقَة الْحجَّة الزاهدة روى لَهَا الْجَمَاعَة وَكَانَت تحيي اللَّيْل مَاتَت سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ الْخَامِس عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه تَصْرِيح لسَمَاع قَتَادَة عَنهُ معَاذَة وَهُوَ رد على مَا ذكره شُعْبَة وَأحمد أَنه لم يسمع مِنْهَا وَفِيه أَن رُوَاته كلهم بصريون. (ذكر من أخرجه غَيره) هَذَا الحَدِيث أخرجه السِّتَّة مُسلم عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي عَن حَمَّاد بن زيد وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن غنْدر وَعَن عبد بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق وَأَبُو دَاوُد عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَعَن الْحسن بن عَمْرو وَالتِّرْمِذِيّ عَن قُتَيْبَة عَن حَمَّاد بن زيد وَالنَّسَائِيّ عَن عمر بن زُرَارَة وَابْن مَاجَه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة كلهم أَخْرجُوهُ فِي الطَّهَارَة وَالنَّسَائِيّ أخرجه فِي الصَّوْم عَن عَليّ بن مسْهر. (ذكر لغاته وَمَعْنَاهُ) قَوْلهَا " إِن امْرَأَة " هَاهُنَا مُبْهمَة أبهما همام وَبَين فِي رِوَايَته عَن قَتَادَة أَنَّهَا هِيَ معَاذَة الراوية وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيقه وَكَذَا مُسلم من طَرِيق عَاصِم وَغَيره عَن معَاذَة قَالَت " سَأَلت عَائِشَة مَا بَال الْحَائِض تقضي الصَّوْم وَلَا تقضي الصَّلَاة فَقَالَت أحرورية أَنْت قلت لست بحرورية وَلَكِن أسأَل كَانَ يصيبنا ذَلِك فنؤمر بِقَضَاء الصَّوْم وَلَا نؤمر بِقَضَاء الصَّلَاة " وَفِي لفظ آخر " قد كَانَت إحدانا تحيض على عهد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا نؤمر بِقَضَاء " وَفِي لفظ آخر " قد كُنَّا نسَاء رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يحضن وَلَا يؤمرن أَن يجزين " قَالَ مُحَمَّد بن جَعْفَر يَعْنِي يقضين قَوْلهَا " أتجزي إحدانا " بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الزَّاي غير مَهْمُوز وَحكى بَعضهم الْهمزَة وَمَعْنَاهُ أتقضي وَبِه فسروا قَوْله تَعَالَى {لَا تجزي نفس عَن نفس شَيْئا} وَلَا يُقَال هَذَا الشَّيْء يَجْزِي عَن كَذَا أَي يقوم مقَامه قَوْلهَا " صلَاتهَا " بِالنّصب على المفعولية ويروى " أتجزي " على صِيغَة الْمَجْهُول وعَلى هَذَا صلَاتهَا بِالرَّفْع لِأَنَّهُ مفعول قَامَ مقَام الْفَاعِل وَمَعْنَاهُ أتكفي الْمَرْأَة الصَّلَاة الْحَاضِرَة وَهِي طَاهِرَة وَلَا تحْتَاج إِلَى قَضَاء عَن الْفَائِتَة. قَوْلهَا " أحرورية أَنْت " من الْجُمْلَة من الْمُبْتَدَأ وَهُوَ أَنْت وَالْخَبَر وَهُوَ أحرورية دخلت عَلَيْهَا همزَة الِاسْتِفْهَام الإنكارية وَفَائِدَة تقدم الْخَبَر للدلالة على الْحصْر أَي أحرورية أَنْت لَا غير وَهِي نِسْبَة إِلَى حروراء قَرْيَة بِقرب الْكُوفَة وَكَانَ أول اجْتِمَاع الْخَوَارِج فِيهَا وَقَالَ الْهَرَوِيّ تعاقدوا فِي هَذِه الْقرْيَة فنسبوا إِلَيْهَا فَمَعْنَى كَلَام عَائِشَة هَذَا أخارجية أَنْت لِأَن طَائِفَة من الْخَوَارِج يوجبون على الْحَائِض قَضَاء الصَّلَاة الْفَائِتَة فِي زمن الْحيض وَهُوَ خلاف الْإِجْمَاع وكبار فرق الحروية سِتَّة الْأزَارِقَة والصفرية والنجدات والعجاردة والأباضية والثعالبة وَالْبَاقُونَ فروع وهم الَّذين خَرجُوا على عَليّ رَضِي الله عَنهُ ويجمعهم القَوْل بالتبري من عُثْمَان وَعلي رَضِي الله عَنْهُمَا ويقدمون ذَلِك على كل طَاعَة وَلَا يصححون المناكحات إِلَّا على ذَلِك وَكَانَ خُرُوجهمْ على عهد عَليّ رَضِي الله عَنهُ لما حكم أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَعَمْرو بن

الْعَاصِ وأنكروا على عَليّ فِي ذَلِك وَقَالُوا شَككت فِي أَمر الله وحكمت عَدوك وطالت خصومتهم ثمَّ أَصْبحُوا يَوْمًا وَقد خَرجُوا وهم ثَمَانِيَة آلَاف وأميرهم ابْن الكوا عبد الله فَبعث إِلَيْهِم على عبد الله بن عَبَّاس فناظرهم فَرجع مِنْهُم أَلفَانِ وَبَقِي سِتَّة آلَاف فَخرج إِلَيْهِم عَليّ فَقَاتلهُمْ وَكَانَ يشددون فِي الدّين وَمِنْه قَضَاء الصَّلَاة على الْحَائِض قَالُوا إِذا لم يسْقط فِي كتاب الله تَعَالَى عَنْهَا على أَصْلهَا وَقد قُلْنَا إِن حروراء اسْم قَرْيَة وَهِي ممدودة وَقَالَ بَعضهم بِالْقصرِ أَيْضا حَكَاهُ أَبُو عبيد وَزعم أَبُو الْقَاسِم الغوراني أَن حروراء هَذِه مَوضِع بِالشَّام وَفِيه نظر لِأَن عليا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِنَّمَا كَانَ بِالْكُوفَةِ وقتاله لَهُم إِنَّمَا كَانَ هُنَاكَ وَلم يَأْتِي أَنه قَاتلهم بِالشَّام لِأَن الشَّام لم يكن فِي طَاعَة عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وعَلى ذَلِك أطبق المؤرخون وَقَالَ الْمبرد النِّسْبَة إِلَى حروراء حروراو وَكَذَلِكَ كل مَا كَانَ فِي آخِره ألف التَّأْنِيث الممدودة وَلكنه نسب إِلَى الْبَلَد بِحَذْف الزَّوَائِد فَقيل الحروري قَوْلهَا " مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " أَي مَعَ وجوده وَالْمعْنَى فِي عَهده وَالْغَرَض مِنْهُ بَيَان أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ مطلعا على حالهن من الْحيض وتركهن الصَّلَاة فِي أَيَّامه وَمَا كَانَ يَأْمُرهُنَّ بِالْقضَاءِ وَلَو كَانَ وَاجِبا لأمرهن بِهِ وَقَوْلها " فَلَا يَأْمُرنَا بِهِ " أَي بل كَانَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَأْمُرنَا بِقَضَاء الصَّوْم قَوْلهَا " أَو قَالَت لَا نفعله " أَي الْقَضَاء وَلَفْظَة أَو للشَّكّ قَالَ الْكرْمَانِي وَالظَّاهِر أَنه من معَاذَة وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ من وَجه آخر فَلم نَكُنْ نقضي وَلم نؤمر بِهِ (ذكر مَا يستنبط مِنْهُ) وَهُوَ أَن الْحَائِض لَا تقضي الصَّلَاة وَلَا خلاف فِي ذَلِك بَين الْأمة إِلَّا لطائفة من الْخَوَارِج قَالَ معمر قَالَ الزُّهْرِيّ تقضي الْحَائِض الصَّوْم وَلَا تقضي الصَّلَاة قلت عَمَّن قَالَ أجمع الْمُسلمُونَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِي كل شَيْء تَجِد الْإِسْنَاد الْقوي أجمع الْمُسلمُونَ على أَن الْحَائِض وَالنُّفَسَاء لَا يجب عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَلَا الصَّوْم فِي الْحَال وعَلى أَنه لَا يجب عَلَيْهِمَا قَضَاء الصَّلَاة وعَلى أَنه عَلَيْهِمَا قَضَاء الصَّوْم وَالْفرق بَينهمَا أَن الصَّلَاة كَثِيرَة متكررة فشق قَضَاؤُهَا بِخِلَاف الصَّوْم فَإِنَّهُ يجب فِي السّنة مرّة وَاحِدَة وَمن السّلف من كَانَ يَأْمر بالحائض بِأَن تتوضأ عِنْد وَقت الصَّلَاة وتذكر الله تَعَالَى تسْتَقْبل الْقبْلَة ذاكرة لله جالسة رُوِيَ ذَلِك عَن عقبَة بن عَامر وَمَكْحُول وَقَالَ كَانَ ذَلِك من هدي نسَاء الْمُسلمين فِي حيضهن وَقَالَ عبد الرَّزَّاق بَلغنِي أَن الْحَائِض كَانَت تُؤمر بذلك عِنْد وَقت كل صَلَاة وَقَالَ عَطاء لم يبلغنِي ذَلِك وَإنَّهُ لحسن وَقَالَ أَبُو عمر هُوَ أَمر مَتْرُوك عِنْد جمَاعَة الْفُقَهَاء بل يكرهونه قَالَ أَبُو قلَابَة سَأَلنَا عَن ذَلِك فَلم نجد لَهُ أصلا وَقَالَ سعيد بن عبد الْعَزِيز مَا نعرفه وَإِنَّا لنكرهه وَفِي منية الْمُفْتِي للحنفية يسْتَحبّ لَهَا عِنْد وَقت كل صَلَاة أَن تتوضأ وتجلس فِي مَسْجِد بَيتهَا تسبح وتهلل مِقْدَار أَدَاء الصَّلَاة لَو كَانَت طَاهِرَة حَتَّى لَا تبطل عَادَتهَا وَفِي الدِّرَايَة يكْتب لَهَا ثَوَاب أحسن صَلَاة كَانَت تصلى فَإِن قلت هَل الْحَائِض مُخَاطبَة بِالصَّوْمِ أَولا (قلت) لَا وَإِنَّمَا يجب عَلَيْهَا الْقَضَاء بِأَمْر جَدِيد وَقيل مُخَاطبَة بِهِ مأمورة بِتَرْكِهِ كَمَا يُخَاطب الْمُحدث بِالصَّلَاةِ وَإنَّهُ لَا يَصح مِنْهُ فِي زمن الْحَدث وَهَذَا غير صَحِيح وَكَيف يكون الصَّوْم وَاجِبا عَلَيْهَا ومحرما عَلَيْهَا بِسَبَب لَا قدرَة لَهَا على إِزَالَته بِخِلَاف الْمُحدث فَإِنَّهُ قَادر على الْإِزَالَة وَالله أعلم بِالصَّوَابِ

٢١ - (بابُ النَّوْمَ مَعَ الحَائِضِ وهْيَ فِي ثِيَابِهَا)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم النّوم مَعَ زَوجته الْحَائِض، وَالْحَال أَنَّهَا فِي ثِيَابهَا الَّتِي معدة لحيضها، وَهُوَ جَائِز لدلَالَة حَدِيث الْبَاب عَلَيْهِ.

والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ اشْتِمَال كل مِنْهُمَا على حكم مُخْتَصّ بالحائض.

٣٢٢ - ح دَّثنا سَعْدُ بنُ حَفْصٍ قالَ حدَّثنا شَيْبَانُ عنْ يَحْيَى عَنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أبي سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قالَتْ حِضْتُ وأنَا معَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الخَمِيلَةِ فانْسَلَلْتُ فَخَرَجْتُ مِنْهَا فأخذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي فَلبِسْتُهَا فقالَ لِي رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنُفِسْتِ قُلْتُ نَعَمْ فَدَعَانِي فَأَدْخَلَنِي مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ قالَتْ وَحَدَّثَتْنِي أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كانَ يُقَبِّلُها وَهْوَ صَائِم وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا والنَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ مِنَ الْجَنَابَةِ.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.1 / 29.5
الإضاءة 61%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل