«أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَتْ: إِنِّي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٢٥

الحديث رقم ٣٢٥ من كتاب «كتاب الحيض» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا حاضت في شهر ثلاث حيض وما يصدق النساء في الحيض.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي ﷺ قالت…

«أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ سَأَلَتِ النَّبِيَّ قَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: لَا، إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي».

سند حديث: ٣٢٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ…

٣٢٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي ﷺ قالت…

سَألتْ فاطمةُ بنت حبيش النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقالت: إني لا ينقطع عني الدم ويستمر حتى في غير زمن الحيض، فهل يكون حكم ذلك حكم الحيض فأترك الصلاة؟
فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: إنه دم استحاضة، وهو دم مَرَضِيٌّ ينشأ عن انقطاع عرق في الرحم، وليس بدم حيض،
فإذا جاء وقت الحيض الذي كنت تحيضين فيه على عادتك الشهرية قبل أن تمرضين بالاستحاضة، فاتركي الصلاة والصوم وغيرَهما مما تُمنَع منه الحائض وقت الحيض.
فإذا انتهى مقدار تلك المدة، فتكوني قد طهرتي من الحيض، فاغسلي موضع الدم، ثم اغسلي بدنك اغتسالًا كاملًا لرفع الحدث، ثم صلي.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • وجوب الغسل على المرأة عند انتهاء أيام حيضها.
  • وجوب الصلاة على المستحاضة.
  • الحيض: دمُ طبيعةٍ يُرْخِيْه الرَّحِمُ عَبْرَ فَرْجِ المرأةِ البالغة، يصيبها في أيام معلومة.
  • الاستحاضة: سَيَلانُ الدمِ في غير وقته من أدنى الرحم دون قَعْرِه.
  • الفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة: أنَّ دمَ الحيضِ أسود ثخين مُنْتِن الرائحة، أما دم الاستحاضة فأحمر رقيق ليس له رائحة منتنة.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي ﷺ قالت…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْحَمْلُ أَوِ الْحَيْضُ، فَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ذَلِكَ لِتَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ وَلَا يَمْلِكَ الزَّوْجُ الرَّجْعَةَ إِذَا كَانَتْ لَهُ. وَرَوَى أَيْضًا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا يَحِلُّ لَهَا إِنْ كَانَتْ حَائِضًا أَنْ تَكْتُمَ حَيْضَهَا، وَلَا إِنْ كَانَتْ حَامِلًا أَنْ تَكْتُمَ حَمْلَهَا.

وَعَنْ مُجَاهِدٍ لَا تَقُولُ إِنِّي حَائِضٌ وَلَيْسَتْ بِحَائِضٍ، وَلَا لَسْتُ بِحَائِضٍ وَهِيَ حَائِضٌ وَكَذَا فِي الْحَبَلِ. وَمُطَابَقَةُ التَّرْجَمَةِ لِلْآيَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْآيَةَ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْإِظْهَارُ، فَلَوْ لَمْ تُصَدَّقْ فِيهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَائِدَةٌ.

قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنْ عَلِيٍّ) وَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ كَمَا سَيَأْتِي وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجْزِمْ بِهِ لِلتَّرَدُّدِ فِي سَمَاعِ الشَّعْبِيِّ مِنْ عَلِيٍّ، وَلَمْ يَقُلْ إِنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ شُرَيْحٍ فَيَكُونُ مَوْصُولًا.

قَوْلُهُ: (أنْ جَاءَتْ) فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ إِنِ امْرَأَةٌ جَاءَتْ بِكَسْرِ النُّونِ.

قَوْلُهُ: (بِبَيِّنَةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا) أَيْ خَوَاصِّهَا. قَالَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَشْهَدَ النِّسَاءُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ، وَإِنَّمَا هُوَ فِيمَا نَرَى أَنْ يَشْهَدْنَ أَنَّ هَذَا يَكُونُ، وَقَدْ كَانَ فِي نِسَائِهِنَّ. قُلْتُ: وَسِيَاقُ الْقِصَّةِ يَدْفَعُ هَذَا التَّأْوِيلَ، قَالَ الدَّارِمِيُّ: أَخْبَرَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ - هُوَ الشَّعْبِيُّ - قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى عَلِيٍّ تُخَاصِمُ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا فَقَالَتْ: حِضْتُ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ، لِشُرَيْحٍ: اقْضِ بَيْنَهُمَا. قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْتَ هَاهُنَا؟ قَالَ: اقْضِ بَيْنَهُمَا. قَالَ: إِنْ جَاءَتْ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ وَأَمَانَتُهُ تَزْعُمُ أَنَّهَا حَاضَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ تَطْهُرُ عِنْدَ كُلِّ قُرْءٍ وَتُصَلِّي جَازَ لَهَا وَإِلَّا فَلَا. قَالَ عَلِيٌّ: قَالُونُ قَالَ وَقَالُونُ بِلِسَانِ الرُّومِ أَحْسَنْتَ. فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يَشْهَدْنَ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ إِسْمَاعِيلُ رَدَّ هَذِهِ الْقِصَّةِ إِلَى مُوَافَقَةِ مَذْهَبِهِ، وَكَذَا قَالَ عَطَاءٌ إِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ عَادَتُهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (أَقْرَاؤُهَا) وَهُوَ بِالْمَدِّ جَمْعُ قُرْءٍ أَيْ فِي زَمَانِ الْعِدَّةِ (مَا كَانَتْ) أَيْ قَبْلَ الطَّلَاقِ، فَلَوِ ادَّعَتْ فِي الْعِدَّةِ مَا يُخَالِفُ مَا قَبْلَهَا لَمْ يُقْبَلْ. وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ.

قَوْلُهُ: (وَبِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ) يَعْنِي النَّخَعِيَّ، أَيْ قَالَ بِمَا قَالَ عَطَاءٌ، وَوَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ نَحْوَهُ. وَرَوَى الدَّارِمِيُّ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى إِبْرَاهِيمَ قَالَ إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِي شَهْرٍ أَوْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثَلَاثَ حِيَضٍ فَذَكَرَ نَحْوَ أَثَرِ شُرَيْحٍ، وَعَلَى هَذَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِ الْبُخَارِيِّ وَبِهِ يَعُودُ عَلَى أَثَرِ شُرَيْحٍ، أَوْ فِي النُّسْخَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، أَوْ لِإِبْرَاهِيمَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَطَاءٌ. . . إِلَخْ) وَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ قَالَ أَقْصَى الْحَيْضِ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَأَدْنَى الْحَيْضِ يَوْمٌ. وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِلَفْظِ أَدْنَى وَقْتِ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَأَكْثَرُ الْحَيْضِ خَمْسَ عَشْرَةَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُعْتَمِرٌ) يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيَّ. وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ مُعْتَمِرٍ.

٣٢٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ سَأَلَتْ النَّبِيَّ قَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: لَا إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ) بِفَتْحِ الْيَاءِ جَمْعُ حَيْضَةٍ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ) هُوَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَيُّوبَ الْهَرَوِيُّ يُكَنَّى أَبَا الْوَلِيدِ، وَهُوَ حَنَفِيُّ النَّسَبِ لَا الْمَذْهَبِ، وَقِصَّةُ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ تَقَدَّمَتْ فِي بَابِ الِاسْتِحَاضَةِ، وَمُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْلِهِ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا فَوَكَّلَ ذَلِكَ إِلَى أَمَانَتِهَا وَرَدَّهُ إِلَى عَادَتِهَا، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ وَأَقَلِّ الطُّهْرِ، وَنَقَلَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَكْثَرَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجْتَمِعُ أَقَلُّ الطُّهْرِ وَأَقَلُّ الْحَيْضِ مَعًا. فَأَقَلُّ مَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ عِنْدَهُ سِتُّونَ يَوْمًا، وَقَالَ صَاحِبَاهُ: تَنْقَضِي فِي تِسْعَةٍ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بكسر المُوحَّدة، أي: من خواصِّها (مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ) وأمانته بأن يكون عدلًا، يزعم (أَنَّهَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ) ولابن عساكر: «في كلِّ شهر» (ثلاثًا صُدِّقَتْ) وفي رواية الدَّارميِّ: أنَّها حاضت ثلاث حيضٍ، تطهر عند كلِّ قرءٍ وتصلِّي، جاز لها، وإلَّا فلا، قال عليٌّ : قالون، قال: و «قالون» بلسان الرُّوم: أحسنت، وليس عنده لفظة «ببيِّنةٍ» (١)، وطريق علم الشَّاهد بذلك -مع أنَّه أمرٌ باطنيٌّ- القرائنُ والعلامات، بل ذلك ممَّا يشاهده النِّساء فهو ظاهرٌ بالنِّسبة لهنَّ (وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عنِ ابن جريجٍ عنه: (أَقْرَاؤُهَا) جمع: قُرْءٍ، بضمِّ القاف وفتحها، في زمن العدَّة (مَا كَانَتْ) قبل العدَّة، فلوِ ادَّعت في زمن الطَّلاق أقراءً معدودةً في مدَّةٍ معيَّنةٍ في شهرٍ مثلًا، معتادةً لِمَا ادَّعته فذاك، وإنِ ادَّعت في العدَّة ما (٢) يخالف ما قبلها لم يُقبَل (وَبِهِ) أي: بما قال عطاءٌ (قَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ فيما وصله عبد الرَّزَّاق أيضًا.

(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ ممَّا وصله الدَّارميُّ أيضًا: (الحَيْضُ يَوْمٌ إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ) فاليوم مع ليلته أقلُّه، والخمسة عشر أكثره، ولابن عساكر وأبي ذَرٍّ: «إلى خمسة عشر» (وَقَالَ مُعْتَمِرٌ) هو ابن سليمان العابد، كان يصلِّي اللَّيل كلَّه بوضوء العشاء (عَنْ أَبِيهِ) سليمان بن طرخان ممَّا وصله الدَّارميُّ أيضًا: (سَأَلْتُ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ (٣): «قال: سألت»: (ابْنَ سِيرِينَ) محمَّد (عَنِ المَرْأَةِ تَرَى الدَّمَ بَعْدَ قَرْئِهَا) أي: طهرها، لا حيضها بقرينة رؤية الدم (بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ؟ قَالَ: النِّسَاءُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ).

٣٢٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ) بفتح الرَّاء وتخفيف الجيم مع المدِّ، عبد الله بن أيُّوب الهرويُّ حنفيُّ النَّسب، المُتوفَّى سنة اثنتين وثلاثين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ)

حمَّاد بن أسامة الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) : (أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ سَأَلَتِ النَّبِيَّ قَالَتْ) وفي بعض الأصول: «فقالت» بالفاء التَّفسيريَّة: (إِنِّي أُسْتَحَاضُ) بضمِّ الهمزة (فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ) أي: أترك (الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ) : (لَا) تدعيها (إِنَّ ذَلِكِ) بكسر الكاف (عِرْقٌ) أي: دم عرقٍ، وهو يُسمَّى: العاذل، بالذَّال المُعجَمة (وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي) ومعنى الاستدراك: لا تتركي الصَّلاة (١) في كلِّ الأوقات، لكن اتركيها في مقدار العادة.

ومناسبة الحديث للتَّرجمة في (٢) قوله: «قدر الأيَّام التي كنت تحيضين فيها» فَوَكَلَذلك إلى أمانتها (٣)، وردّه (٤) إلى عادتها، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص، وفيه دلالةٌ على أنَّ فاطمة كانت معتادةً، واختُلِف في أقلِّ الحيض وأقلِّ الطُّهر، فقال الشَّافعيُّ: القرء: الطُّهر، وأقلُّه خمسة عشر يومًا، وأقلُّ الحيض يومٌ وليلةٌ، فلا تنقضي عدَّتها في أقلّ منِ اثنين وثلاثين يومًا ولحظتين، بأن تُطلَّق وقد (٥) بقيَ من الطُّهر لحظةٌ، وتحيض يومًا وليلةً، وتطهر خمسة عشر يومًا (٦) ثمَّ ستَّة عشر كذلك، ولا بدَّ من الطَّعن في الحيضة الثَّالثة للتَّحقُّق، وقال أبو حنيفة: لا يجتمع أقلُّ الطُّهر وأقلُّ الحيض معًا، فأقلُّ ما تنقضي به العدَّة عنده ستُّون يومًا، وعند مالكٍ: لا حدَّ لأقلِّ الحيض ولا لأقلِّ الطُّهر إلَّا بما بيَّنته النِّساء.

ورواة هذا الحديث ما بين هرويٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والسَّماع.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ذكر استنباط الْأَحْكَام مِنْهَا: أَن الْحَائِض لَا تهجر ذكر الله تَعَالَى. وَمِنْهَا: مَا قَالَه [قعالخطابي [/ قع: أَنَّهُنَّ يشهدن مَوَاطِن الْخَيْر ومجالس الْعلم خلا أَنَّهُنَّ لَا يدخلن الْمَسَاجِد. وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ جَوَاز خُرُوج النِّسَاء الطاهرات وَالْحيض إِلَى الْعِيدَيْنِ، وشهود الْجَمَاعَات، وتعتزل الْحيض الْمصلى، وَليكن مِمَّن يَدْعُو أَو يُؤمن رَجَاء بركَة المشهد الْكَرِيم. قَالَ النَّوَوِيّ: قَالَ أَصْحَابنَا: يسْتَحبّ إِخْرَاج النِّسَاء فِي الْعِيدَيْنِ غير ذَوَات الهيئات والمستحسنات، وَأَجَابُوا عَن هَذَا الحَدِيث بِأَن الْمفْسدَة فِي ذَلِك الزَّمن كَانَت مَأْمُونَة بِخِلَاف الْيَوْم، وَقد صَحَّ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَت: (لَو رأى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا أحدث النِّسَاء بعده لمنعهن الْمَسَاجِد كَمَا منعت نسَاء بني إِسْرَائِيل) . وَقَالَ [قععياض [/ قع: وَقد اخْتلف السّلف فِي خروجهن، فَرَأى جمَاعَة ذَلِك حَقًا، مِنْهُم: أَبُو بكر وَعلي وَابْن عمر فِي آخَرين، رَضِي الله عَنْهُم، ومنعهن جمَاعَة، مِنْهُم: عُرْوَة وَالقَاسِم وَيحيى ابْن سعيد الْأنْصَارِيّ وَمَالك وَأَبُو يُوسُف؛ وَأَجَازَهُ [قعأبو حنيفَة [/ قع

مرّة وَمنعه مرّة، وَفِي التِّرْمِذِيّ: وَرُوِيَ عَن ابْن الْمُبَارك: أكره الْيَوْم خروجهن فِي الْعِيدَيْنِ، فَإِن أَبَت الْمَرْأَة إِلَّا أَن تخرج فلتخرج فِي أطمارها بِغَيْر زِينَة، فَإِن أَبى ذَلِك فَللزَّوْج أَن يمْنَعهَا. ويروى عَن الثَّوْريّ أَنه كره الْيَوْم خروجهن قلت: الْيَوْم الْفَتْوَى على الْمَنْع مُطلقًا، وَلَا سِيمَا فِي الديار المصرية. وَمِنْهَا: أَن بَعضهم استدلوا بِهَذَا على وجوب صَلَاة الْعِيدَيْنِ؛ وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَا يسْتَدلّ بذلك على الْوُجُوب لِأَن هَذَا إِنَّمَا توجه لمن لَيْسَ بمكلف بِالصَّلَاةِ بالِاتِّفَاقِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُود التدرب على الصَّلَاة والمشاركة فِي الْخَيْر وَإِظْهَار جمال الْإِسْلَام. وَقَالَ الْقشيرِي: لِأَن أهل الْإِسْلَام كَانُوا إِذْ ذَاك قليلين. وَمِنْهَا: جَوَاز اسْتِعَارَة الثِّيَاب لِلْخُرُوجِ إِلَى الطَّاعَات، وَجَوَاز اشْتِمَال الْمَرْأَتَيْنِ فِي ثوب وَاحِد لضَرُورَة الْخُرُوج إِلَى طَاعَة الله تَعَالَى. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ غَزْو النِّسَاء ومداواتهن للجرحى، وَإِن كَانُوا غير ذَوي محارم مِنْهُنَّ وَمِنْهَا: قبُول خبر الْمَرْأَة. وَمِنْهَا: أَن فِي قَوْلهَا: كُنَّا نداوي، جَوَاز نقل الْأَعْمَال الَّتِي كَانَت فِي زمن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَإِن كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لم يخبر بِشَيْء من ذَلِك. وَمِنْهَا: جَوَاز النَّقْل عَمَّن لَا يعرف اسْمه من الصَّحَابَة خَاصَّة وَغَيرهم إِذا بيّن مَسْكَنه وَدلّ عَلَيْهِ. وَمِنْهَا: امْتنَاع خُرُوج النِّسَاء بِدُونِ الجلاليب. وَمِنْهَا: جَوَاز تكْرَار: بِأبي، فِي الْكَلَام. وَمِنْهَا: جَوَاز السُّؤَال بعد رِوَايَة الْعدْل عَن غَيره تَقْوِيَة لذَلِك. وَمِنْهَا: جَوَاز شُهُود الْحَائِض عَرَفَة. وَمِنْهَا: اعتزال الْحيض من الْمصلى، وَاخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ الْجُمْهُور: هُوَ منع تَنْزِيه وَسَببه الصيانة والاحتراز عَن مُقَارنَة النِّسَاء للرِّجَال من غير حَاجَة وَلَا صَلَاة، وَإِنَّمَا لم يحرم لِأَنَّهُ لَيْسَ مَسْجِدا. وَقَالَ بَعضهم: يحرم الْمكْث فِي الْمصلى عَلَيْهَا كَمَا يحرم مكثها فِي الْمَسْجِد لِأَنَّهُ مَوضِع للصَّلَاة، فَأشبه الْمَسْجِد. وَالصَّوَاب الأول. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الْأَمر بالاعتزال للْوُجُوب، فَهَل الشُّهُود وَالْخُرُوج واجبان أَيْضا؟ قلت: ظَاهر الْأَمر الْوُجُوب، لَكِن علم من مَوضِع آخر أَنه هَهُنَا للنَّدْب. وَقَالَ بَعضهم: أغرب الْكرْمَانِي فَقَالَ: الاعتزال وَاجِب وَالْخُرُوج مَنْدُوب قلت: لم يقل بِوُجُوب الإعتزال وندبية الْخُرُوج من هَذَا الْموضع خَاصَّة حَتَّى يكون مغربا، وَإِنَّمَا صرح بقوله: إِن الْوُجُوب لِلْأَمْرِ بالإعتزال، وَأما ندبية الْخُرُوج فَمن مَوضِع آخر.

٢٤ - (بابٌ إذَا حاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ وَمَا يُصَدَّقُ النِّساءُ فِي الْحَيْضِ وَالْحَمْلِ فِيما يُمْكِنُ مِنَ الْحَيْضِ لِقَوْلِ الله تَعَالَى وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِي أرْحَامِهِنَّ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْحَائِض إِذا حَاضَت فِي شهر وَاحِد ثَلَاث حيض، بِكَسْر الْحَاء وَفتح الْيَاء: جمع حَيْضَة. قَوْله: (وَمَا يصدق) أَي: وَفِي بَيَان مَا يصدق النِّسَاء، بِضَم الْيَاء وَتَشْديد الدَّال. قَوْله: (فِي الْحيض) أَي: فِي مُدَّة الْحيض. قَوْله: (وَالْحمل) وَفِي نُسْخَة: (وَالْحَبل) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (فِيمَا يُمكن من الْحيض) يتَعَلَّق بقوله: (وَيصدق) ، أَي: تصدق فِيمَا يُمكن من تكْرَار الْحيض، وَلِهَذَا لم يقل: وَفِيمَا يُمكن من الْحَبل، لِأَنَّهُ لَا معنى للتصديق فِي تكْرَار الْحمل. قَوْله: (لقَوْل الله) تَعْلِيل للتصديق، وَوجه الدّلَالَة عَلَيْهِ أَنَّهَا إِذا لم يحل لَهَا الكتمان وَجب الْإِظْهَار، فَلَو لم تصدق فِيهِ لم يكن للإظهار فَائِدَة. وروى الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: بلغنَا أَن المُرَاد بِمَا خلق الله فِي أرحامهن الْحمل أَو الْحيض، وَلَا يحل لَهُنَّ أَن يكتمن ذَلِك لتنقضي الْعدة،

وَلَا يملك الزَّوْج الْعدة إِذا كَانَت لَهُ. وَرُوِيَ أَيْضا بِإِسْنَاد حسن عَن ابْن عمر، قَالَ: لَا يحل لَهَا إِذا كَانَت حَائِضًا أَن تكْتم حَيْضهَا، وَلَا إِن كَانَت حَامِلا أَن تكْتم حملهَا. وَعَن مُجَاهِد: لَا تَقول: إِنِّي حَائِض، وَلَيْسَت بحائض، وَلَا لست بحائض وَهِي حَائِض، وَكَذَا فِي الْحَبل.

وَيُذْكَرُ عنْ عَلِيٍّ وَشُرَيْحٍ إنِ امْرَأةٌ جاءَتْ بِبَيِّنَةٍ منْ بِطَانَةِ أهْلِهَا مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ أنَّهَا حاضَتْ ثَلَاثا فِي شَهْرٍ صُدِّقَتْ

الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع.

الأول: أَن عليا هَذَا هُوَ ابْن أبي طَالب، وشريحا هُوَ ابْن الْحَارِث بِالْمُثَلثَةِ الْكِنْدِيّ أَبُو أُميَّة الْكُوفِي، وَيُقَال: إِنَّه من أَوْلَاد الْفرس الَّذين كَانُوا بِالْيمن، أدْرك النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يلقه، استقضاه عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على الْكُوفَة وَأقرهُ من بعده إِلَى أَن ترك هُوَ بِنَفسِهِ زمن الْحجَّاج، كَانَ لَهُ مائَة وَعِشْرُونَ سنة، مَاتَ سنة ثَمَانِيَة وَتِسْعين، وَهُوَ أحد الْأَئِمَّة.

الثَّانِي: أَن هَذَا تَعْلِيق بِلَفْظ التمريض، وَوَصله الدَّارمِيّ: أخبرنَا يعلى بن عبيد أخبرنَا إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن عَامر هُوَ الشّعبِيّ، قَالَ: (جَاءَت امْرَأَة إِلَى عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، تخاصم زَوجهَا طَلقهَا، فَقَالَت: حِضْت فِي شهر ثَلَاث حيض، فَقَالَ عَليّ لشريح: إقض بَينهمَا. قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَأَنت هَاهُنَا؟ قَالَ: إقضِ بَينهمَا. قَالَ: إِن جَاءَت من بطانة أَهلهَا مِمَّن يرضى دينه وأمانته يزْعم أَنَّهَا حَاضَت ثَلَاث حيض تطهر عِنْد كل قرء وَتصلي جَازَ لَهَا. وإلَاّ فَلَا. قَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: قالون) . وَمَعْنَاهُ بِلِسَان الرّوم: أَحْسَنت. وَرَوَاهُ ابْن حزم، وَقَالَ: روينَاهُ عَن هشيم عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن الشّعبِيّ: (أَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَتَى بِرَجُل طلق امْرَأَته فَحَاضَت ثَلَاث حيض فِي شهر أَو خمس وَثَلَاثِينَ لَيْلَة، فَقَالَ عَليّ لشريح: إقض فِيهَا. فَقَالَ: إِن جَاءَت بِالْبَيِّنَةِ من النِّسَاء الْعُدُول من بطانة أَهلهَا مِمَّن يرضى صدقه وعدله أَنَّهَا رَأَتْ مَا يحرم عَلَيْهَا الصَّلَاة من الطُّهْر الَّذِي هُوَ الطمث، وتغتسل عِنْد كل قرء وَتصلي فِيهِ، فقد انْقَضتْ عدتهَا. وإلَاّ فَهِيَ كَاذِبَة. فَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب: قالون) . وَمَعْنَاهُ: أصبت. قَالَ ابْن حزم: هَذَا نَص قَوْلهَا. انْتهى. وَاخْتلف فِي سَماع الشّعبِيّ عَن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لم يسمع مِنْهُ إلَاّ حرفا مَا سمع غَيره. وَقَالَ الْحَازِمِي: لم تثبت أَئِمَّة الحَدِيث سَماع الشّعبِيّ من عَليّ. وَقَالَ ابْن الْقطَّان: مِنْهُم من يدْخل بَينه وَبَينه عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، وسنه مُحْتَملَة لإدراك عَليّ. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : فَكَأَن البُخَارِيّ لمح هَذَا فِي عَليّ لَا فِي شُرَيْح، لِأَنَّهُ مُصَرح فِيهِ بِسَمَاع الشّعبِيّ مِنْهُ، فَينْظر فِي تمريضه الْأَثر عَنهُ، على رَأْي من يَقُول: إِنَّه إِذا ذكر شَيْئا بِغَيْر صِيغَة الْجَزْم لَا يكون صَحِيحا عِنْده، وَكَأَنَّهُ غير جيد، لِأَنَّهُ ذكر فِي الْعَتَمَة. وَيذكر عَن أبي مُوسَى: كُنَّا نتناوب بِصِيغَة التمريض، وَهُوَ سَنَد صَحِيح عِنْده.

النَّوْع الثَّالِث: فِي مَعْنَاهُ: فَقَوله: (إِن جَاءَت) فِي رِوَايَة كَرِيمَة: (ان الْمَرْأَة جَاءَت) بِكَسْر النُّون (بِبَيِّنَة من بطانة أَهلهَا) أَي خواصها. وَقَالَ القَاضِي إِسْمَاعِيل: لَيْسَ المُرَاد أَن تشهد النِّسَاء أَن ذَلِك وَقع، وَإِنَّمَا هُوَ فِيمَا نرى أَن يشهدن أَن هَذَا يكون، وَقد كَانَ فِي نسائهن وَفِيه نظر، لِأَن سِيَاق هَذَا الحَدِيث يدْفع هَذَا التَّأْوِيل، لِأَن الظَّاهِر مِنْهُ أَن المُرَاد أَن يشهدن بِأَن ذَلِك وَقع مِنْهَا، وَكَأن مُرَاد إِسْمَاعِيل رد هَذِه الْقِصَّة إِلَى مُوَافقَة مذْهبه. وَمذهب أبي حنيفَة أَن الْمَرْأَة لَا تصدق فِي انْقِضَاء الْعدة فِي أقل من سِتِّينَ يَوْمًا. وَعَن مُحَمَّد بن الْحسن، فِيمَا حَكَاهُ ابْن حزم عَنهُ أَرْبَعَة وَخمسين يَوْمًا. وَعَن أبي يُوسُف: تصدق فِي تِسْعَة وَثَلَاثِينَ يَوْمًا. قَالَ ابْن بطال: وَبِه قَالَ مُحَمَّد بن الْحسن وَالثَّوْري. وَعَن الشَّافِعِي: تصدق فِي ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ يَوْمًا. وَعَن أبي ثَوْر: فِي سَبْعَة وَأَرْبَعين يَوْمًا. وَذكر ابْن أبي زيد عَن سَحْنُون: أقل الْعدة أَرْبَعُونَ يَوْمًا.

النَّوْع الرَّابِع: فِي أَن هَذَا الْأَثر يُطَابق التَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَمَا يصدق النِّسَاء) إِلَى آخِره، لِأَن المُرَاد: مَا يصدق النِّسَاء فِيمَا يُمكن من الْمدَّة، والشهر يُمكن فِيهِ ثَلَاث حيض خُصُوصا على مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ فَإِن أقل الْحيض عِنْد مَالك فِي حق الْعدة ثَلَاثَة أَيَّام، وَفِي ترك الصَّلَاة وَالصَّوْم وَتَحْرِيم الوطىء دفْعَة، وَعند الشَّافِعِي فِي الْأَشْهر إِن أَقَله يَوْم وَلَيْلَة، وَهُوَ قَول أَحْمد: فَإِن قلت عنْدكُمْ أَيهَا الْحَنَفِيَّة أقل الْحيض ثَلَاثَة أَيَّام، فَلِمَ شرطتم فِي تصديقها بستين يَوْمًا على مَذْهَب أبي حنيفَة؟ قلت: لِأَن أقل الطُّهْر عندنَا خَمْسَة عشر يَوْمًا، فَإِذا أقرَّت بِانْقِضَاء عدتهَا لم تصدق فِي أقل من سِتِّينَ يَوْمًا، لِأَنَّهُ يَجْعَل كَأَنَّهُ طَلقهَا أول الطُّهْر وَهُوَ خَمْسَة عشر، وحيضها خَمْسَة إعتبارا للْعَادَة، فَيحْتَاج إِلَى ثَلَاثَة أطهار وَثَلَاث حيض.

وقالَ عطَاءٌ أقْرَاؤُهَا مَا كانَتْ

أَي: عَطاء بن أبي رَبَاح، والإقراء جمع: قرء، بِضَم الْقَاف وَفتحهَا، مَعْنَاهُ إقراؤها فِي زمن الْعدة مَا كَانَت قبل الْعدة أَي: لَو ادَّعَت فِي زمن الِاعْتِدَاد أَقراء مَعْدُودَة فِي مُدَّة مُعينَة فِي شهر مثلا، فَإِن كَانَت مُعْتَادَة بِمَا ادعتها فَذَاك، وَإِن ادَّعَت فِي الْعدة مَا يُخَالف مَا قبلهَا لم تقبل، وَهَذَا الْأَثر الْمُعَلق وَصله عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج عَن عَطاء.

وبِهِ قالَ إبْرَاهِيمُ

أَي: بِمَا قَالَ عَطاء قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَوَصله عبد الرَّزَّاق أَيْضا عَن أبي مسعر عَن إِبْرَاهِيم نَحوه.

وقالَ عَطاءٌ الْحَيْضُ يَوْمٌ الَى خمْسَ عَشْرَةَ

هَذَا إِشَارَة إِلَى أَن أقل الْحيض عِنْد عَطاء يَوْم، وَأَكْثَره خَمْسَة عشر، يَعْنِي أقل الْحيض يَوْم وَأَكْثَره خَمْسَة عشر، وَهَذَا الْمُعَلق وَصله الدَّارمِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح، قَالَ: (أقْصَى الْحيض خَمْسَة عشر وَأدنى الْحيض يَوْم وَلَيْلَة)) . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ: حدثناالحسين حَدثنَا إِبْرَاهِيم حَدثنَا النُّفَيْلِي حَدثنَا معقل بن عبد الله عَن عَطاء: (أدنى وَقت الْحيض يَوْم وَأَكْثَره خَمْسَة عشر) . وَحدثنَا ابْن حَمَّاد حَدثنَا الحرمي حَدثنَا ابْن يحيى حَفْص عَن أَشْعَث عَن عَطاء. قَالَ: (أَكثر الْحيض خمس عشرَة) . وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي أقل مُدَّة الْحيض وَأَكْثَره، فمذهب أبي حنيفَة: أَقَله ثَلَاثَة أَيَّام وَمَا نقص عَن ذَلِك فَهُوَ اسْتِحَاضَة، وَأَكْثَره عشرَة أَيَّام. وَعَن أبي يُوسُف: أَقَله يَوْمَانِ وَالْأَكْثَر من الْيَوْم الثَّالِث، وَاسْتدلَّ أَبُو حنيفَة بِمَا رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ: (الْحيض ثَلَاث وَأَرْبع وَخمْس وست وَسبع وثمان وتسع وَعشر، فَإِن زَاد فَهِيَ مُسْتَحَاضَة) . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ: لم يروه غير هَارُون بن زِيَاد، وَهُوَ ضَعِيف الحَدِيث، وَبِمَا رُوِيَ عَن أبي أُمَامَة، رَضِي الله عَنهُ، أَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قَالَ: [حم (أقل الْحيض لِلْجَارِيَةِ الْبكر وَالثَّيِّب ثَلَاث، وَأَكْثَره مَا يكون عشرَة أَيَّام، فَإِذا زَاد فَهِيَ مُسْتَحَاضَة) [/ حم. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَفِي سَنَده عبد الْملك مَجْهُول، والْعَلَاء بن الْكثير ضَعِيف الحَدِيث، وَمَكْحُول لم يسمع من أبي أُمَامَة. وَبِمَا رُوِيَ عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أقل الْحيض ثَلَاثَة أَيَّام وَأَكْثَره عشرَة أَيَّام) . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَفِي سَنَده حَمَّاد بن منهال مَجْهُول، وَبِمَا رُوِيَ عَن معَاذ بن جبل أَنه سمع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: [حم (لَا حيض دون ثَلَاثَة أَيَّام، وَلَا حيض فَوق عشرَة أَيَّام، فَمَا زَاد على ذَلِك فَهِيَ اسْتِحَاضَة، تتوضأ لكل صَلَاة إلاّ أَيَّام إقرائها. وَلَا نِفَاس دون أسبوعين، وَلَا نِفَاس فَوق أَرْبَعِينَ يَوْمًا. فَإِن رَأَتْ النُّفَسَاء الطُّهْر دون الْأَرْبَعين صَامت وصلت وَلَا يَأْتِيهَا زَوجهَا إلاّ بعد أَرْبَعِينَ) [/ حم. رَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) وَفِي سَنَده مُحَمَّد بن سعيد عَن البُخَارِيّ، وَقَالَ ابْن معِين: إِنَّه يضع الحَدِيث، وَبِمَا رَوَاهُ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: [حم (أقل الْحيض ثَلَاث وَأَكْثَره عشر، وَأَقل مَا بَين الحيضتين خَمْسَة عشر يَوْمًا) [/ حم. وَرَوَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي (الْعِلَل المتناهية) وَفِيه أَبُو دَاوُد النَّخعِيّ واسْمه سُلَيْمَان، قَالَ ابْن حبَان: كَانَ يضع الحَدِيث. وَبِمَا روى أنس أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (الْحيض ثَلَاثَة أَيَّام وَأَرْبَعَة وَخَمْسَة وَسِتَّة وَسَبْعَة وَثَمَانِية وَتِسْعَة وَعشرَة، فَإِذا جَاوز الْعشْرَة فَهِيَ اسْتِحَاضَة) ، رَوَاهُ ابْن عدي، وَفِيه الْحسن بن دِينَار ضَعِيف. وَبِمَا رُوِيَ عَن عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (أَكثر الْحيض عشر وَأقله ثَلَاث) ، ذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي (التَّحْقِيق) ، وَفِيه حُسَيْن بن علوان، قَالَ ابْن حبَان: كَانَ يضع الحَدِيث. وَأجَاب الْقَدُورِيّ فِي (التَّجْرِيد) أَن ظَاهر الْإِسْلَام يَكْفِي لعدالة الرَّاوِي مَا لم يُوجد فِيهِ قَادِح، وَضعف الرَّاوِي لَا يقْدَح إلاّ أَن يُقَوي وَجه الضعْف. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح الْمُهَذّب) : إِن الحَدِيث إِذا رُوِيَ من طرق ومفرداتها ضِعَاف يحْتَج بِهِ، على أَنا نقُول: قد شهد لمذهبنا عدَّة أَحَادِيث من الصَّحَابَة بطرق مُخْتَلفَة كَثِيرَة يُقَوي بَعْضهَا بَعْضًا، وَإِن كَانَ كل وَاحِد ضَعِيفا، لَكِن يحدث عِنْد الِاجْتِمَاع مَا لَا بِحَدَث عِنْد الِانْفِرَاد، على أَن بعض طرقها صَحِيحَة، وَذَلِكَ يَكْفِي للاحتجاج، خُصُوصا فِي المقدرات، وَالْعَمَل بِهِ أولى من الْعَمَل بالبلاغات والحكايات المروية عَن نسَاء مَجْهُولَة، وَمَعَ هَذَا نَحن لَا نكتفي بِمَا ذكرنَا، بل نقُول: مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ بالآثار المنقولة عَن الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، فِي هَذَا الْبَاب، وَقد أمعنا الْكَلَام فِيهِ فِي (شرحنا للهداية) .

وقالَ مُعْتَمِرٌ عَنْ أبِيهِ سَأَلْتُ ابنَ سِيرِينَ عَنِ الْمَرْأةِ تَرَى الدَّمَ بَعْدَ قَرْئِهَا بِخَمْسَةِ أيَّامٍ قالَ النِّساءُ أعْلَمُ بِذَلِكَ.

مُعْتَمر هُوَ ابْن سُلَيْمَان، وَكَانَ أعبد أهل زَمَانه، وَأَبُو سُلَيْمَان بن طرحان، قَالَ شُعْبَة: مَا رَأَيْت أصدق من سُلَيْمَان، كَانَ إِذا حدث عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتَغَيَّر لَونه. وَقَالَ: شكه يَقِين، وَكَانَ يُصَلِّي اللَّيْل كُله بِوضُوء عشَاء الْآخِرَة. وَابْن سِيرِين هُوَ مُحَمَّد بن سِيرِين تقدم، وَوصل هَذَا الْأَثر الدَّارمِيّ عَن مُحَمَّد بن عِيسَى عَن مُعْتَمر، قَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله بعد قرئها أَي: طهرهَا لَا حَيْضهَا بِقَرِينَة لفظ الدَّم، وَالْغَرَض مِنْهُ أَن أقل الطُّهْر هَل يحْتَمل أَن يكون خَمْسَة أَيَّام أم لَا؟ . قلت: لَيْسَ الْمَعْنى هَكَذَا، وَإِنَّمَا الْمَعْنى أَن ابْن سِيرِين سُئِلَ عَن امْرَأَة كَانَ لَهَا حيض مُعْتَاد، ثمَّ رَأَتْ بعد أَيَّام عَادَتهَا خَمْسَة أَيَّام أَو أقل أَو أَكثر، فَكيف يكون حكم هَذِه الزِّيَادَة؟ فَقَالَ ابْن سِيرِين: هِيَ أعلم بذلك، يَعْنِي التَّمْيِيز بَين الدمين رَاجع إِلَيْهَا، فَيكون المرئي فِي أَيَّام عَادَتهَا حيضا، وَمَا زَاد على ذَلِك اسْتِحَاضَة، فَإِن لم يكن لَهَا علم بالتمييز يكون حَيْضهَا مَا ترَاهُ إِلَى أَكثر مُدَّة الْحيض، وَمَا زَاد عَلَيْهَا يكون اسْتِحَاضَة، وَلَيْسَ المُرَاد من قَوْله: بعد قرئها، أَي: طهرهَا، كَمَا قَالَ الْكرْمَانِي، بل المُرَاد: بعد حَيْضهَا الْمُعْتَاد، كَمَا ذكرنَا. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) ، بعد ذكر هَذَا الْأَثر عَن ابْن سِيرِين: وَهَذَا يشْهد لمن يَقُول: الْقُرْء الْحيض، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة. وَقَالَ السفاقسي: وَهُوَ قَول ابْن سِيرِين وَعَطَاء وَأحد عشر صحابيا وَالْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة وَابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود ومعاذ وَقَتَادَة وَأَبُو الدَّرْدَاء وَأنس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهُوَ قَول ابْن الْمسيب وَابْن جُبَير وطاووس وَالضَّحَّاك وَالنَّخَعِيّ وَالشعْبِيّ وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق وَأبي عبيد.

٣٢٥ - ح دّثنا أحْمَدُ بنُ أبِي رَجاءٍ قالَ حَدثنَا أبُو أسَامَةَ قالَ سَمِعْتُ هِشَامَ بنَ عُرْوَةَ قالَ أَخْبرنِي أبي عنْ عائِشَةَ أنَّ فاطِمَةَ بِنْتَ أبِي حُبَيْشٍ سألَتِ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالتْ انِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أطْهُرُ أفأدَعِ الصَّلاةَ فَقَالَ لَا إنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ ولَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأيَّامِ التِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي. .

وَجه مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وكل ذَلِك إِلَى أمانتها وعادتها، فقد يقل ذَلِك وَيكثر على قدر أَحْوَال النِّسَاء فِي أسنانهن وبلدانهن.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَحْمد بن أبي رَجَاء، بِفَتْح الرَّاء وَتَخْفِيف الْجِيم وبالمد، واسْمه عبد الله بن أَيُّوب الْهَرَوِيّ، ويكنى أَحْمد بِأبي الْوَلِيد، وَهُوَ حَنَفِيّ النّسَب لَا الْمَذْهَب، مَاتَ بهراة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة الْكُوفِي. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع: أَبُو عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: عَائِشَة الصديقة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين هروي وكوفي ومدني.

وَقد ذكرنَا أَكثر بَقِيَّة الْأَشْيَاء فِي بَاب الِاسْتِحَاضَة وَفِي بَاب غسل الدَّم مستقصىً.

قَوْله: (قَالَت: بَيَان لقولها: (سَأَلت) ، ويروى: (فَقَالَت) ، بِالْفَاءِ التفسيرية. قَوْله: (استحاض) بِضَم الْهمزَة على بِنَاء الْمَجْهُول، كَمَا يُقَال: استحيضت. وَلم يبن هَذَا الْفِعْل للْفَاعِل، وأصل الْكَلِمَة من الْحيض، والزوائد للْمُبَالَغَة. قَوْله: (أفأدع؟) سُؤال عَن اسْتِمْرَار حكم الْحَائِض فِي حَالَة دوَام الدَّم وإزالته، وَهُوَ كَلَام من تقرر عِنْده أَن الْحَائِض مَمْنُوعَة من الصَّلَاة. قَوْله: (إِن ذَلِك عرق) ، أَي: دم عرق، وَهُوَ يُسمى بالعاذل. قَوْله: (وَلَكِن) للاستدراك. فَإِن قيل: لَا بُد أَن يكون بَين كلامين متغايرين. أُجِيب: بِأَن مَعْنَاهُ: لَا تتركي الصَّلَاة فِي كل الْأَوْقَات، لَكِن اتركيها فِي مِقْدَار الْعَادة. وَلَفظ: قدر الْأَيَّام، مشْعر بِأَنَّهَا كَانَت مُعْتَادَة. قَوْله: (دعِي الصَّلَاة) أَي: اتركي الصَّلَاة قدر الْأَيَّام الَّتِي كنت تحيضين فِيهَا، مثلا إِن كَانَت عَادَتهَا من كل شهر عشرَة أَيَّام من أَولهَا، أَو من وَسطهَا، أَو من آخرهَا تتْرك الصَّلَاة عشرَة أَيَّام من هَذَا الشَّهْر، نَظِير ذَلِك فَإِن قلت من أَيْن كَانَت تحفظ فَاطِمَة عدد أَيَّامهَا الَّتِي كَانَت تحيضها أَيَّام الصِّحَّة؟ قلت: لَو لم تكن تحفظ ذَلِك لم يكن لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (دعِي الصَّلَاة قدر الْأَيَّام الَّتِي كنت تحيضين فِيهَا) من الشَّهْر، فَائِدَة. وَقد جَاءَ فِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَغَيره، فِي حَدِيث أم سلمةٍ (لتنظر عدَّة اللَّيَالِي وَالْأَيَّام

الَّتِي كَانَت تحيض من الشَّهْر قبل أَن يُصِيبهَا الَّذِي أَصَابَهَا، فلتترك الصَّلَاة قدر ذَلِك من الشَّهْر، فَإِذا خلفت ذَلِك فلتغتسل ثمَّ لتستثفر بِثَوْب ثمَّ لتصلي) . وَجَاء أَيْضا فِي حَدِيث فَاطِمَة بنت أبي حُبَيْش، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، فَقَالَ لَهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا كَانَ دم الْحَيْضَة فَإِنَّهُ دم أسود يعرف، فَإِذا كَانَ ذَلِك فأمسكي عَن الصَّلَاة، وَإِذا كَانَ الآخر فتوضئي، وَصلي، فَإِنَّمَا ذَلِك عرق) . فَإِن قلت: كَيفَ كَانَ الْأَمر فِيمَن لم تحفظ عدد أَيَّامهَا؟ قلت: هَذِه مَسْأَلَة مَشْهُورَة فِي الْفُرُوع، وَهِي أَنَّهَا تحسب من كل شهر عشرَة حَيْضهَا وَيكون الْبَاقِي اسْتِحَاضَة، وَاحْتج الرَّازِيّ لِأَصْحَابِنَا فِي (شرح مُخْتَصر الطَّحَاوِيّ) بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: قدر الْأَيَّام الَّتِي تحيضين فِيهَا على تَقْدِير أقل الْحيض وَأَكْثَره، لِأَن أقل مَا يتَنَاوَلهُ اسْم الْأَيَّام ثَلَاثَة، وَأَكْثَره عشرَة أَيَّام، لِأَن مَا دون الثَّلَاثَة لَا تسمى أَيَّامًا، ونقول ثَلَاثَة أَيَّام إِلَى عشرَة أَيَّام، ثمَّ نقُول: أحد عشر يَوْمًا.

٢٥ - (بابُ الصُّفْرَةِ والْكُدْرَةِ فِي غَيْرِ أيَّامِ الْحَيْضِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الصُّفْرَة والكدرة اللَّتَيْنِ تراهما الْمَرْأَة فِي غير أَيَّام حَيْضهَا، يَعْنِي: لَا يكون حيضا، وألوان الدَّم سِتَّة: السوَاد والحمرة والصفرة والكدرة والخضرة والتربية. أما الْحمرَة فَهُوَ اللَّوْن الْأَصْلِيّ للدم إلَاّ عِنْد غَلَبَة السوَاد يضْرب إِلَى السوَاد، وَعند غَلَبَة الصَّفْرَاء يضْرب إِلَى الصُّفْرَة، ويتبين ذَلِك لمن اقتصده، وَأما الصُّفْرَة فَهِيَ من ألوان الدَّم إِذا راق، وَقيل: هِيَ كصفرة الْبيض أَو كصفرة القز. وَفِي (فتاوي قاضيحان) : الصُّفْرَة تكون كلون القز أَو لون الْبُسْر أَو لون التِّبْن، فالسواد والحمرة والصفرة حيض، وَالْمَنْقُول عَن الشَّافِعِي فِي (مُخْتَصر الْمُزنِيّ) : أَن الصُّفْرَة والكدرة فِي أَيَّام الْحيض حيض. وَاخْتلف أَصْحَابه فِي ذَلِك على وُجُوه مَذْكُورَة فِي كتبهمْ. وَأما الكدرة فَهِيَ حيض عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد، سَوَاء رَأَتْ فِي أول أَيَّامهَا أَو فِي آخرهَا، وَهِي لون كلون الصديد يعلوه أصفرار. وَأما الخضرة فقد اخْتلف مَشَايِخنَا فِيهَا، فَقَالَ الإِمَام أَبُو مَنْصُور: إِن رأتها فِي أول الْحيض يكون حيضا. وَإِن رأتها فِي آخر الْحيض واتصل بهَا أَيَّام الْحيض لَا يكون حيضا، وَجُمْهُور الْأَصْحَاب على كَونهَا حيضا كَيفَ مَا كَانَ. وَأما التربية فَهِيَ الَّتِي تكون على لون التُّرَاب، وَهُوَ نوع من الكدرة، فَحكمهَا حكم الكدرة، وَهِي بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الرَّاء وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَيُقَال: الترابية. وَفِي (قاضيخان) : التربية على لون التربة. وَقيل فِيهَا: تربية على وزن تفعلة، من الرؤبة، وَقيل تريبة على وزن فعيلة، وَقيل: تربية بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف بِغَيْر همزَة.

٣٢٦ - ح دَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ عنْ أيُّوبَ عنْ مُحَمَّدٍ عنْ أمِّ عَطِيَّةَ قالَتْ كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ والصُّفْرَةَ شَيئا

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهِي أَن الصُّفْرَة والكدرة فِي غير أَيَّام الْحيض لَيْسَ بِشَيْء.

ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: قُتَيْبَة وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: إِسْمَاعِيل بن أبي علية تقدم فِي بَاب حب رَسُول الله من الْإِيمَان. الثَّالِث: أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ. الرَّابِع: مُحَمَّد بن سِيرِين. وَقد تكَرر ذكره. الْخَامِس: أم عَطِيَّة، قد مر ذكرهَا عَن قريب.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة من رأى أنس بن مَالك عَن الصحابية. وَفِيه: أَنه مَوْقُوف، كَذَا قَالَه ابْن عَسَاكِر، وَلَكِن قَوْلهَا: كُنَّا، يَعْنِي فِي زمن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَي: مَعَ علمه بذلك وَتَقْرِيره إياهن، وَهَذَا فِي حكم الْمَرْفُوع.

ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّهَارَة عَن مُسَدّد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن زُرَارَة. وَأخرجه ابْن ماجة فِيهِ عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن أَيُّوب بِهِ. وَقَالَ الْمدنِي: رَوَاهُ وهيب عَن أَيُّوب عَن حَفْصَة عَن أم عَطِيَّة، قَالَ مُحَمَّد بن يحيى: خبر وهيب أولاهما عندنَا. فَإِن قلت: مَا ذهب إِلَيْهِ البُخَارِيّ من تَصْحِيح رِوَايَة إِسْمَاعِيل أرجح لمتابعة معمر لَهُ عَن أَيُّوب، لِأَن إِسْمَاعِيل أحفظ لحَدِيث أَيُّوب من غَيره، وَيجوز أَن يكون أَيُّوب قد سَمعه من مُحَمَّد وَمن حَفْصَة كليهمَا.

ذكر استنباط الْأَحْكَام: يستنبط مِنْهُ أَن الكدرة والصفرة لَا تكون حيضا إِذا كَانَت فِي غير أَيَّام الْحيض، وَهُوَ معنى قَوْلهَا: (لَا نعد الكدرة والصفرة شَيْئا) أَي: شَيْئا معتدا بِهِ. وَإِنَّمَا قيدنَا بقولنَا: إِذا كَانَت فِي غير أَيَّام الْحيض، لِأَن المُرَاد من الحَدِيث هَكَذَا. ويوضحه رِوَايَة أبي دَاوُد عَن أم عَطِيَّة، وَكَانَت بَايَعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَت: (كُنَّا لَا نعد الكدرة والصفرة بعد

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْحَمْلُ أَوِ الْحَيْضُ، فَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ذَلِكَ لِتَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ وَلَا يَمْلِكَ الزَّوْجُ الرَّجْعَةَ إِذَا كَانَتْ لَهُ. وَرَوَى أَيْضًا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا يَحِلُّ لَهَا إِنْ كَانَتْ حَائِضًا أَنْ تَكْتُمَ حَيْضَهَا، وَلَا إِنْ كَانَتْ حَامِلًا أَنْ تَكْتُمَ حَمْلَهَا.

وَعَنْ مُجَاهِدٍ لَا تَقُولُ إِنِّي حَائِضٌ وَلَيْسَتْ بِحَائِضٍ، وَلَا لَسْتُ بِحَائِضٍ وَهِيَ حَائِضٌ وَكَذَا فِي الْحَبَلِ. وَمُطَابَقَةُ التَّرْجَمَةِ لِلْآيَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْآيَةَ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْإِظْهَارُ، فَلَوْ لَمْ تُصَدَّقْ فِيهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَائِدَةٌ.

قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنْ عَلِيٍّ) وَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ كَمَا سَيَأْتِي وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجْزِمْ بِهِ لِلتَّرَدُّدِ فِي سَمَاعِ الشَّعْبِيِّ مِنْ عَلِيٍّ، وَلَمْ يَقُلْ إِنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ شُرَيْحٍ فَيَكُونُ مَوْصُولًا.

قَوْلُهُ: (أنْ جَاءَتْ) فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ إِنِ امْرَأَةٌ جَاءَتْ بِكَسْرِ النُّونِ.

قَوْلُهُ: (بِبَيِّنَةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا) أَيْ خَوَاصِّهَا. قَالَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَشْهَدَ النِّسَاءُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ، وَإِنَّمَا هُوَ فِيمَا نَرَى أَنْ يَشْهَدْنَ أَنَّ هَذَا يَكُونُ، وَقَدْ كَانَ فِي نِسَائِهِنَّ. قُلْتُ: وَسِيَاقُ الْقِصَّةِ يَدْفَعُ هَذَا التَّأْوِيلَ، قَالَ الدَّارِمِيُّ: أَخْبَرَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ - هُوَ الشَّعْبِيُّ - قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى عَلِيٍّ تُخَاصِمُ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا فَقَالَتْ: حِضْتُ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ، لِشُرَيْحٍ: اقْضِ بَيْنَهُمَا. قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْتَ هَاهُنَا؟ قَالَ: اقْضِ بَيْنَهُمَا. قَالَ: إِنْ جَاءَتْ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ وَأَمَانَتُهُ تَزْعُمُ أَنَّهَا حَاضَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ تَطْهُرُ عِنْدَ كُلِّ قُرْءٍ وَتُصَلِّي جَازَ لَهَا وَإِلَّا فَلَا. قَالَ عَلِيٌّ: قَالُونُ قَالَ وَقَالُونُ بِلِسَانِ الرُّومِ أَحْسَنْتَ. فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يَشْهَدْنَ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ إِسْمَاعِيلُ رَدَّ هَذِهِ الْقِصَّةِ إِلَى مُوَافَقَةِ مَذْهَبِهِ، وَكَذَا قَالَ عَطَاءٌ إِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ عَادَتُهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (أَقْرَاؤُهَا) وَهُوَ بِالْمَدِّ جَمْعُ قُرْءٍ أَيْ فِي زَمَانِ الْعِدَّةِ (مَا كَانَتْ) أَيْ قَبْلَ الطَّلَاقِ، فَلَوِ ادَّعَتْ فِي الْعِدَّةِ مَا يُخَالِفُ مَا قَبْلَهَا لَمْ يُقْبَلْ. وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ.

قَوْلُهُ: (وَبِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ) يَعْنِي النَّخَعِيَّ، أَيْ قَالَ بِمَا قَالَ عَطَاءٌ، وَوَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ نَحْوَهُ. وَرَوَى الدَّارِمِيُّ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى إِبْرَاهِيمَ قَالَ إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِي شَهْرٍ أَوْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثَلَاثَ حِيَضٍ فَذَكَرَ نَحْوَ أَثَرِ شُرَيْحٍ، وَعَلَى هَذَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِ الْبُخَارِيِّ وَبِهِ يَعُودُ عَلَى أَثَرِ شُرَيْحٍ، أَوْ فِي النُّسْخَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، أَوْ لِإِبْرَاهِيمَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَطَاءٌ. . . إِلَخْ) وَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ قَالَ أَقْصَى الْحَيْضِ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَأَدْنَى الْحَيْضِ يَوْمٌ. وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِلَفْظِ أَدْنَى وَقْتِ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَأَكْثَرُ الْحَيْضِ خَمْسَ عَشْرَةَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُعْتَمِرٌ) يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيَّ. وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ مُعْتَمِرٍ.

٣٢٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ سَأَلَتْ النَّبِيَّ قَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: لَا إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ) بِفَتْحِ الْيَاءِ جَمْعُ حَيْضَةٍ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ) هُوَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَيُّوبَ الْهَرَوِيُّ يُكَنَّى أَبَا الْوَلِيدِ، وَهُوَ حَنَفِيُّ النَّسَبِ لَا الْمَذْهَبِ، وَقِصَّةُ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ تَقَدَّمَتْ فِي بَابِ الِاسْتِحَاضَةِ، وَمُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْلِهِ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا فَوَكَّلَ ذَلِكَ إِلَى أَمَانَتِهَا وَرَدَّهُ إِلَى عَادَتِهَا، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ وَأَقَلِّ الطُّهْرِ، وَنَقَلَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَكْثَرَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجْتَمِعُ أَقَلُّ الطُّهْرِ وَأَقَلُّ الْحَيْضِ مَعًا. فَأَقَلُّ مَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ عِنْدَهُ سِتُّونَ يَوْمًا، وَقَالَ صَاحِبَاهُ: تَنْقَضِي فِي تِسْعَةٍ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بكسر المُوحَّدة، أي: من خواصِّها (مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ) وأمانته بأن يكون عدلًا، يزعم (أَنَّهَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ) ولابن عساكر: «في كلِّ شهر» (ثلاثًا صُدِّقَتْ) وفي رواية الدَّارميِّ: أنَّها حاضت ثلاث حيضٍ، تطهر عند كلِّ قرءٍ وتصلِّي، جاز لها، وإلَّا فلا، قال عليٌّ : قالون، قال: و «قالون» بلسان الرُّوم: أحسنت، وليس عنده لفظة «ببيِّنةٍ» (١)، وطريق علم الشَّاهد بذلك -مع أنَّه أمرٌ باطنيٌّ- القرائنُ والعلامات، بل ذلك ممَّا يشاهده النِّساء فهو ظاهرٌ بالنِّسبة لهنَّ (وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عنِ ابن جريجٍ عنه: (أَقْرَاؤُهَا) جمع: قُرْءٍ، بضمِّ القاف وفتحها، في زمن العدَّة (مَا كَانَتْ) قبل العدَّة، فلوِ ادَّعت في زمن الطَّلاق أقراءً معدودةً في مدَّةٍ معيَّنةٍ في شهرٍ مثلًا، معتادةً لِمَا ادَّعته فذاك، وإنِ ادَّعت في العدَّة ما (٢) يخالف ما قبلها لم يُقبَل (وَبِهِ) أي: بما قال عطاءٌ (قَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ فيما وصله عبد الرَّزَّاق أيضًا.

(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ ممَّا وصله الدَّارميُّ أيضًا: (الحَيْضُ يَوْمٌ إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ) فاليوم مع ليلته أقلُّه، والخمسة عشر أكثره، ولابن عساكر وأبي ذَرٍّ: «إلى خمسة عشر» (وَقَالَ مُعْتَمِرٌ) هو ابن سليمان العابد، كان يصلِّي اللَّيل كلَّه بوضوء العشاء (عَنْ أَبِيهِ) سليمان بن طرخان ممَّا وصله الدَّارميُّ أيضًا: (سَأَلْتُ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ (٣): «قال: سألت»: (ابْنَ سِيرِينَ) محمَّد (عَنِ المَرْأَةِ تَرَى الدَّمَ بَعْدَ قَرْئِهَا) أي: طهرها، لا حيضها بقرينة رؤية الدم (بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ؟ قَالَ: النِّسَاءُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ).

٣٢٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ) بفتح الرَّاء وتخفيف الجيم مع المدِّ، عبد الله بن أيُّوب الهرويُّ حنفيُّ النَّسب، المُتوفَّى سنة اثنتين وثلاثين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ)

حمَّاد بن أسامة الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) : (أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ سَأَلَتِ النَّبِيَّ قَالَتْ) وفي بعض الأصول: «فقالت» بالفاء التَّفسيريَّة: (إِنِّي أُسْتَحَاضُ) بضمِّ الهمزة (فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ) أي: أترك (الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ) : (لَا) تدعيها (إِنَّ ذَلِكِ) بكسر الكاف (عِرْقٌ) أي: دم عرقٍ، وهو يُسمَّى: العاذل، بالذَّال المُعجَمة (وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي) ومعنى الاستدراك: لا تتركي الصَّلاة (١) في كلِّ الأوقات، لكن اتركيها في مقدار العادة.

ومناسبة الحديث للتَّرجمة في (٢) قوله: «قدر الأيَّام التي كنت تحيضين فيها» فَوَكَلَذلك إلى أمانتها (٣)، وردّه (٤) إلى عادتها، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص، وفيه دلالةٌ على أنَّ فاطمة كانت معتادةً، واختُلِف في أقلِّ الحيض وأقلِّ الطُّهر، فقال الشَّافعيُّ: القرء: الطُّهر، وأقلُّه خمسة عشر يومًا، وأقلُّ الحيض يومٌ وليلةٌ، فلا تنقضي عدَّتها في أقلّ منِ اثنين وثلاثين يومًا ولحظتين، بأن تُطلَّق وقد (٥) بقيَ من الطُّهر لحظةٌ، وتحيض يومًا وليلةً، وتطهر خمسة عشر يومًا (٦) ثمَّ ستَّة عشر كذلك، ولا بدَّ من الطَّعن في الحيضة الثَّالثة للتَّحقُّق، وقال أبو حنيفة: لا يجتمع أقلُّ الطُّهر وأقلُّ الحيض معًا، فأقلُّ ما تنقضي به العدَّة عنده ستُّون يومًا، وعند مالكٍ: لا حدَّ لأقلِّ الحيض ولا لأقلِّ الطُّهر إلَّا بما بيَّنته النِّساء.

ورواة هذا الحديث ما بين هرويٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والسَّماع.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ذكر استنباط الْأَحْكَام مِنْهَا: أَن الْحَائِض لَا تهجر ذكر الله تَعَالَى. وَمِنْهَا: مَا قَالَه [قعالخطابي [/ قع: أَنَّهُنَّ يشهدن مَوَاطِن الْخَيْر ومجالس الْعلم خلا أَنَّهُنَّ لَا يدخلن الْمَسَاجِد. وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ جَوَاز خُرُوج النِّسَاء الطاهرات وَالْحيض إِلَى الْعِيدَيْنِ، وشهود الْجَمَاعَات، وتعتزل الْحيض الْمصلى، وَليكن مِمَّن يَدْعُو أَو يُؤمن رَجَاء بركَة المشهد الْكَرِيم. قَالَ النَّوَوِيّ: قَالَ أَصْحَابنَا: يسْتَحبّ إِخْرَاج النِّسَاء فِي الْعِيدَيْنِ غير ذَوَات الهيئات والمستحسنات، وَأَجَابُوا عَن هَذَا الحَدِيث بِأَن الْمفْسدَة فِي ذَلِك الزَّمن كَانَت مَأْمُونَة بِخِلَاف الْيَوْم، وَقد صَحَّ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَت: (لَو رأى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا أحدث النِّسَاء بعده لمنعهن الْمَسَاجِد كَمَا منعت نسَاء بني إِسْرَائِيل) . وَقَالَ [قععياض [/ قع: وَقد اخْتلف السّلف فِي خروجهن، فَرَأى جمَاعَة ذَلِك حَقًا، مِنْهُم: أَبُو بكر وَعلي وَابْن عمر فِي آخَرين، رَضِي الله عَنْهُم، ومنعهن جمَاعَة، مِنْهُم: عُرْوَة وَالقَاسِم وَيحيى ابْن سعيد الْأنْصَارِيّ وَمَالك وَأَبُو يُوسُف؛ وَأَجَازَهُ [قعأبو حنيفَة [/ قع

مرّة وَمنعه مرّة، وَفِي التِّرْمِذِيّ: وَرُوِيَ عَن ابْن الْمُبَارك: أكره الْيَوْم خروجهن فِي الْعِيدَيْنِ، فَإِن أَبَت الْمَرْأَة إِلَّا أَن تخرج فلتخرج فِي أطمارها بِغَيْر زِينَة، فَإِن أَبى ذَلِك فَللزَّوْج أَن يمْنَعهَا. ويروى عَن الثَّوْريّ أَنه كره الْيَوْم خروجهن قلت: الْيَوْم الْفَتْوَى على الْمَنْع مُطلقًا، وَلَا سِيمَا فِي الديار المصرية. وَمِنْهَا: أَن بَعضهم استدلوا بِهَذَا على وجوب صَلَاة الْعِيدَيْنِ؛ وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَا يسْتَدلّ بذلك على الْوُجُوب لِأَن هَذَا إِنَّمَا توجه لمن لَيْسَ بمكلف بِالصَّلَاةِ بالِاتِّفَاقِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُود التدرب على الصَّلَاة والمشاركة فِي الْخَيْر وَإِظْهَار جمال الْإِسْلَام. وَقَالَ الْقشيرِي: لِأَن أهل الْإِسْلَام كَانُوا إِذْ ذَاك قليلين. وَمِنْهَا: جَوَاز اسْتِعَارَة الثِّيَاب لِلْخُرُوجِ إِلَى الطَّاعَات، وَجَوَاز اشْتِمَال الْمَرْأَتَيْنِ فِي ثوب وَاحِد لضَرُورَة الْخُرُوج إِلَى طَاعَة الله تَعَالَى. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ غَزْو النِّسَاء ومداواتهن للجرحى، وَإِن كَانُوا غير ذَوي محارم مِنْهُنَّ وَمِنْهَا: قبُول خبر الْمَرْأَة. وَمِنْهَا: أَن فِي قَوْلهَا: كُنَّا نداوي، جَوَاز نقل الْأَعْمَال الَّتِي كَانَت فِي زمن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَإِن كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لم يخبر بِشَيْء من ذَلِك. وَمِنْهَا: جَوَاز النَّقْل عَمَّن لَا يعرف اسْمه من الصَّحَابَة خَاصَّة وَغَيرهم إِذا بيّن مَسْكَنه وَدلّ عَلَيْهِ. وَمِنْهَا: امْتنَاع خُرُوج النِّسَاء بِدُونِ الجلاليب. وَمِنْهَا: جَوَاز تكْرَار: بِأبي، فِي الْكَلَام. وَمِنْهَا: جَوَاز السُّؤَال بعد رِوَايَة الْعدْل عَن غَيره تَقْوِيَة لذَلِك. وَمِنْهَا: جَوَاز شُهُود الْحَائِض عَرَفَة. وَمِنْهَا: اعتزال الْحيض من الْمصلى، وَاخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ الْجُمْهُور: هُوَ منع تَنْزِيه وَسَببه الصيانة والاحتراز عَن مُقَارنَة النِّسَاء للرِّجَال من غير حَاجَة وَلَا صَلَاة، وَإِنَّمَا لم يحرم لِأَنَّهُ لَيْسَ مَسْجِدا. وَقَالَ بَعضهم: يحرم الْمكْث فِي الْمصلى عَلَيْهَا كَمَا يحرم مكثها فِي الْمَسْجِد لِأَنَّهُ مَوضِع للصَّلَاة، فَأشبه الْمَسْجِد. وَالصَّوَاب الأول. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الْأَمر بالاعتزال للْوُجُوب، فَهَل الشُّهُود وَالْخُرُوج واجبان أَيْضا؟ قلت: ظَاهر الْأَمر الْوُجُوب، لَكِن علم من مَوضِع آخر أَنه هَهُنَا للنَّدْب. وَقَالَ بَعضهم: أغرب الْكرْمَانِي فَقَالَ: الاعتزال وَاجِب وَالْخُرُوج مَنْدُوب قلت: لم يقل بِوُجُوب الإعتزال وندبية الْخُرُوج من هَذَا الْموضع خَاصَّة حَتَّى يكون مغربا، وَإِنَّمَا صرح بقوله: إِن الْوُجُوب لِلْأَمْرِ بالإعتزال، وَأما ندبية الْخُرُوج فَمن مَوضِع آخر.

٢٤ - (بابٌ إذَا حاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ وَمَا يُصَدَّقُ النِّساءُ فِي الْحَيْضِ وَالْحَمْلِ فِيما يُمْكِنُ مِنَ الْحَيْضِ لِقَوْلِ الله تَعَالَى وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِي أرْحَامِهِنَّ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْحَائِض إِذا حَاضَت فِي شهر وَاحِد ثَلَاث حيض، بِكَسْر الْحَاء وَفتح الْيَاء: جمع حَيْضَة. قَوْله: (وَمَا يصدق) أَي: وَفِي بَيَان مَا يصدق النِّسَاء، بِضَم الْيَاء وَتَشْديد الدَّال. قَوْله: (فِي الْحيض) أَي: فِي مُدَّة الْحيض. قَوْله: (وَالْحمل) وَفِي نُسْخَة: (وَالْحَبل) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (فِيمَا يُمكن من الْحيض) يتَعَلَّق بقوله: (وَيصدق) ، أَي: تصدق فِيمَا يُمكن من تكْرَار الْحيض، وَلِهَذَا لم يقل: وَفِيمَا يُمكن من الْحَبل، لِأَنَّهُ لَا معنى للتصديق فِي تكْرَار الْحمل. قَوْله: (لقَوْل الله) تَعْلِيل للتصديق، وَوجه الدّلَالَة عَلَيْهِ أَنَّهَا إِذا لم يحل لَهَا الكتمان وَجب الْإِظْهَار، فَلَو لم تصدق فِيهِ لم يكن للإظهار فَائِدَة. وروى الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: بلغنَا أَن المُرَاد بِمَا خلق الله فِي أرحامهن الْحمل أَو الْحيض، وَلَا يحل لَهُنَّ أَن يكتمن ذَلِك لتنقضي الْعدة،

وَلَا يملك الزَّوْج الْعدة إِذا كَانَت لَهُ. وَرُوِيَ أَيْضا بِإِسْنَاد حسن عَن ابْن عمر، قَالَ: لَا يحل لَهَا إِذا كَانَت حَائِضًا أَن تكْتم حَيْضهَا، وَلَا إِن كَانَت حَامِلا أَن تكْتم حملهَا. وَعَن مُجَاهِد: لَا تَقول: إِنِّي حَائِض، وَلَيْسَت بحائض، وَلَا لست بحائض وَهِي حَائِض، وَكَذَا فِي الْحَبل.

وَيُذْكَرُ عنْ عَلِيٍّ وَشُرَيْحٍ إنِ امْرَأةٌ جاءَتْ بِبَيِّنَةٍ منْ بِطَانَةِ أهْلِهَا مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ أنَّهَا حاضَتْ ثَلَاثا فِي شَهْرٍ صُدِّقَتْ

الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع.

الأول: أَن عليا هَذَا هُوَ ابْن أبي طَالب، وشريحا هُوَ ابْن الْحَارِث بِالْمُثَلثَةِ الْكِنْدِيّ أَبُو أُميَّة الْكُوفِي، وَيُقَال: إِنَّه من أَوْلَاد الْفرس الَّذين كَانُوا بِالْيمن، أدْرك النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يلقه، استقضاه عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على الْكُوفَة وَأقرهُ من بعده إِلَى أَن ترك هُوَ بِنَفسِهِ زمن الْحجَّاج، كَانَ لَهُ مائَة وَعِشْرُونَ سنة، مَاتَ سنة ثَمَانِيَة وَتِسْعين، وَهُوَ أحد الْأَئِمَّة.

الثَّانِي: أَن هَذَا تَعْلِيق بِلَفْظ التمريض، وَوَصله الدَّارمِيّ: أخبرنَا يعلى بن عبيد أخبرنَا إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن عَامر هُوَ الشّعبِيّ، قَالَ: (جَاءَت امْرَأَة إِلَى عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، تخاصم زَوجهَا طَلقهَا، فَقَالَت: حِضْت فِي شهر ثَلَاث حيض، فَقَالَ عَليّ لشريح: إقض بَينهمَا. قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَأَنت هَاهُنَا؟ قَالَ: إقضِ بَينهمَا. قَالَ: إِن جَاءَت من بطانة أَهلهَا مِمَّن يرضى دينه وأمانته يزْعم أَنَّهَا حَاضَت ثَلَاث حيض تطهر عِنْد كل قرء وَتصلي جَازَ لَهَا. وإلَاّ فَلَا. قَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: قالون) . وَمَعْنَاهُ بِلِسَان الرّوم: أَحْسَنت. وَرَوَاهُ ابْن حزم، وَقَالَ: روينَاهُ عَن هشيم عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن الشّعبِيّ: (أَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَتَى بِرَجُل طلق امْرَأَته فَحَاضَت ثَلَاث حيض فِي شهر أَو خمس وَثَلَاثِينَ لَيْلَة، فَقَالَ عَليّ لشريح: إقض فِيهَا. فَقَالَ: إِن جَاءَت بِالْبَيِّنَةِ من النِّسَاء الْعُدُول من بطانة أَهلهَا مِمَّن يرضى صدقه وعدله أَنَّهَا رَأَتْ مَا يحرم عَلَيْهَا الصَّلَاة من الطُّهْر الَّذِي هُوَ الطمث، وتغتسل عِنْد كل قرء وَتصلي فِيهِ، فقد انْقَضتْ عدتهَا. وإلَاّ فَهِيَ كَاذِبَة. فَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب: قالون) . وَمَعْنَاهُ: أصبت. قَالَ ابْن حزم: هَذَا نَص قَوْلهَا. انْتهى. وَاخْتلف فِي سَماع الشّعبِيّ عَن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لم يسمع مِنْهُ إلَاّ حرفا مَا سمع غَيره. وَقَالَ الْحَازِمِي: لم تثبت أَئِمَّة الحَدِيث سَماع الشّعبِيّ من عَليّ. وَقَالَ ابْن الْقطَّان: مِنْهُم من يدْخل بَينه وَبَينه عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، وسنه مُحْتَملَة لإدراك عَليّ. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : فَكَأَن البُخَارِيّ لمح هَذَا فِي عَليّ لَا فِي شُرَيْح، لِأَنَّهُ مُصَرح فِيهِ بِسَمَاع الشّعبِيّ مِنْهُ، فَينْظر فِي تمريضه الْأَثر عَنهُ، على رَأْي من يَقُول: إِنَّه إِذا ذكر شَيْئا بِغَيْر صِيغَة الْجَزْم لَا يكون صَحِيحا عِنْده، وَكَأَنَّهُ غير جيد، لِأَنَّهُ ذكر فِي الْعَتَمَة. وَيذكر عَن أبي مُوسَى: كُنَّا نتناوب بِصِيغَة التمريض، وَهُوَ سَنَد صَحِيح عِنْده.

النَّوْع الثَّالِث: فِي مَعْنَاهُ: فَقَوله: (إِن جَاءَت) فِي رِوَايَة كَرِيمَة: (ان الْمَرْأَة جَاءَت) بِكَسْر النُّون (بِبَيِّنَة من بطانة أَهلهَا) أَي خواصها. وَقَالَ القَاضِي إِسْمَاعِيل: لَيْسَ المُرَاد أَن تشهد النِّسَاء أَن ذَلِك وَقع، وَإِنَّمَا هُوَ فِيمَا نرى أَن يشهدن أَن هَذَا يكون، وَقد كَانَ فِي نسائهن وَفِيه نظر، لِأَن سِيَاق هَذَا الحَدِيث يدْفع هَذَا التَّأْوِيل، لِأَن الظَّاهِر مِنْهُ أَن المُرَاد أَن يشهدن بِأَن ذَلِك وَقع مِنْهَا، وَكَأن مُرَاد إِسْمَاعِيل رد هَذِه الْقِصَّة إِلَى مُوَافقَة مذْهبه. وَمذهب أبي حنيفَة أَن الْمَرْأَة لَا تصدق فِي انْقِضَاء الْعدة فِي أقل من سِتِّينَ يَوْمًا. وَعَن مُحَمَّد بن الْحسن، فِيمَا حَكَاهُ ابْن حزم عَنهُ أَرْبَعَة وَخمسين يَوْمًا. وَعَن أبي يُوسُف: تصدق فِي تِسْعَة وَثَلَاثِينَ يَوْمًا. قَالَ ابْن بطال: وَبِه قَالَ مُحَمَّد بن الْحسن وَالثَّوْري. وَعَن الشَّافِعِي: تصدق فِي ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ يَوْمًا. وَعَن أبي ثَوْر: فِي سَبْعَة وَأَرْبَعين يَوْمًا. وَذكر ابْن أبي زيد عَن سَحْنُون: أقل الْعدة أَرْبَعُونَ يَوْمًا.

النَّوْع الرَّابِع: فِي أَن هَذَا الْأَثر يُطَابق التَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَمَا يصدق النِّسَاء) إِلَى آخِره، لِأَن المُرَاد: مَا يصدق النِّسَاء فِيمَا يُمكن من الْمدَّة، والشهر يُمكن فِيهِ ثَلَاث حيض خُصُوصا على مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ فَإِن أقل الْحيض عِنْد مَالك فِي حق الْعدة ثَلَاثَة أَيَّام، وَفِي ترك الصَّلَاة وَالصَّوْم وَتَحْرِيم الوطىء دفْعَة، وَعند الشَّافِعِي فِي الْأَشْهر إِن أَقَله يَوْم وَلَيْلَة، وَهُوَ قَول أَحْمد: فَإِن قلت عنْدكُمْ أَيهَا الْحَنَفِيَّة أقل الْحيض ثَلَاثَة أَيَّام، فَلِمَ شرطتم فِي تصديقها بستين يَوْمًا على مَذْهَب أبي حنيفَة؟ قلت: لِأَن أقل الطُّهْر عندنَا خَمْسَة عشر يَوْمًا، فَإِذا أقرَّت بِانْقِضَاء عدتهَا لم تصدق فِي أقل من سِتِّينَ يَوْمًا، لِأَنَّهُ يَجْعَل كَأَنَّهُ طَلقهَا أول الطُّهْر وَهُوَ خَمْسَة عشر، وحيضها خَمْسَة إعتبارا للْعَادَة، فَيحْتَاج إِلَى ثَلَاثَة أطهار وَثَلَاث حيض.

وقالَ عطَاءٌ أقْرَاؤُهَا مَا كانَتْ

أَي: عَطاء بن أبي رَبَاح، والإقراء جمع: قرء، بِضَم الْقَاف وَفتحهَا، مَعْنَاهُ إقراؤها فِي زمن الْعدة مَا كَانَت قبل الْعدة أَي: لَو ادَّعَت فِي زمن الِاعْتِدَاد أَقراء مَعْدُودَة فِي مُدَّة مُعينَة فِي شهر مثلا، فَإِن كَانَت مُعْتَادَة بِمَا ادعتها فَذَاك، وَإِن ادَّعَت فِي الْعدة مَا يُخَالف مَا قبلهَا لم تقبل، وَهَذَا الْأَثر الْمُعَلق وَصله عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج عَن عَطاء.

وبِهِ قالَ إبْرَاهِيمُ

أَي: بِمَا قَالَ عَطاء قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَوَصله عبد الرَّزَّاق أَيْضا عَن أبي مسعر عَن إِبْرَاهِيم نَحوه.

وقالَ عَطاءٌ الْحَيْضُ يَوْمٌ الَى خمْسَ عَشْرَةَ

هَذَا إِشَارَة إِلَى أَن أقل الْحيض عِنْد عَطاء يَوْم، وَأَكْثَره خَمْسَة عشر، يَعْنِي أقل الْحيض يَوْم وَأَكْثَره خَمْسَة عشر، وَهَذَا الْمُعَلق وَصله الدَّارمِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح، قَالَ: (أقْصَى الْحيض خَمْسَة عشر وَأدنى الْحيض يَوْم وَلَيْلَة)) . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ: حدثناالحسين حَدثنَا إِبْرَاهِيم حَدثنَا النُّفَيْلِي حَدثنَا معقل بن عبد الله عَن عَطاء: (أدنى وَقت الْحيض يَوْم وَأَكْثَره خَمْسَة عشر) . وَحدثنَا ابْن حَمَّاد حَدثنَا الحرمي حَدثنَا ابْن يحيى حَفْص عَن أَشْعَث عَن عَطاء. قَالَ: (أَكثر الْحيض خمس عشرَة) . وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي أقل مُدَّة الْحيض وَأَكْثَره، فمذهب أبي حنيفَة: أَقَله ثَلَاثَة أَيَّام وَمَا نقص عَن ذَلِك فَهُوَ اسْتِحَاضَة، وَأَكْثَره عشرَة أَيَّام. وَعَن أبي يُوسُف: أَقَله يَوْمَانِ وَالْأَكْثَر من الْيَوْم الثَّالِث، وَاسْتدلَّ أَبُو حنيفَة بِمَا رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ: (الْحيض ثَلَاث وَأَرْبع وَخمْس وست وَسبع وثمان وتسع وَعشر، فَإِن زَاد فَهِيَ مُسْتَحَاضَة) . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ: لم يروه غير هَارُون بن زِيَاد، وَهُوَ ضَعِيف الحَدِيث، وَبِمَا رُوِيَ عَن أبي أُمَامَة، رَضِي الله عَنهُ، أَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قَالَ: [حم (أقل الْحيض لِلْجَارِيَةِ الْبكر وَالثَّيِّب ثَلَاث، وَأَكْثَره مَا يكون عشرَة أَيَّام، فَإِذا زَاد فَهِيَ مُسْتَحَاضَة) [/ حم. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَفِي سَنَده عبد الْملك مَجْهُول، والْعَلَاء بن الْكثير ضَعِيف الحَدِيث، وَمَكْحُول لم يسمع من أبي أُمَامَة. وَبِمَا رُوِيَ عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أقل الْحيض ثَلَاثَة أَيَّام وَأَكْثَره عشرَة أَيَّام) . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَفِي سَنَده حَمَّاد بن منهال مَجْهُول، وَبِمَا رُوِيَ عَن معَاذ بن جبل أَنه سمع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: [حم (لَا حيض دون ثَلَاثَة أَيَّام، وَلَا حيض فَوق عشرَة أَيَّام، فَمَا زَاد على ذَلِك فَهِيَ اسْتِحَاضَة، تتوضأ لكل صَلَاة إلاّ أَيَّام إقرائها. وَلَا نِفَاس دون أسبوعين، وَلَا نِفَاس فَوق أَرْبَعِينَ يَوْمًا. فَإِن رَأَتْ النُّفَسَاء الطُّهْر دون الْأَرْبَعين صَامت وصلت وَلَا يَأْتِيهَا زَوجهَا إلاّ بعد أَرْبَعِينَ) [/ حم. رَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) وَفِي سَنَده مُحَمَّد بن سعيد عَن البُخَارِيّ، وَقَالَ ابْن معِين: إِنَّه يضع الحَدِيث، وَبِمَا رَوَاهُ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: [حم (أقل الْحيض ثَلَاث وَأَكْثَره عشر، وَأَقل مَا بَين الحيضتين خَمْسَة عشر يَوْمًا) [/ حم. وَرَوَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي (الْعِلَل المتناهية) وَفِيه أَبُو دَاوُد النَّخعِيّ واسْمه سُلَيْمَان، قَالَ ابْن حبَان: كَانَ يضع الحَدِيث. وَبِمَا روى أنس أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (الْحيض ثَلَاثَة أَيَّام وَأَرْبَعَة وَخَمْسَة وَسِتَّة وَسَبْعَة وَثَمَانِية وَتِسْعَة وَعشرَة، فَإِذا جَاوز الْعشْرَة فَهِيَ اسْتِحَاضَة) ، رَوَاهُ ابْن عدي، وَفِيه الْحسن بن دِينَار ضَعِيف. وَبِمَا رُوِيَ عَن عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (أَكثر الْحيض عشر وَأقله ثَلَاث) ، ذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي (التَّحْقِيق) ، وَفِيه حُسَيْن بن علوان، قَالَ ابْن حبَان: كَانَ يضع الحَدِيث. وَأجَاب الْقَدُورِيّ فِي (التَّجْرِيد) أَن ظَاهر الْإِسْلَام يَكْفِي لعدالة الرَّاوِي مَا لم يُوجد فِيهِ قَادِح، وَضعف الرَّاوِي لَا يقْدَح إلاّ أَن يُقَوي وَجه الضعْف. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح الْمُهَذّب) : إِن الحَدِيث إِذا رُوِيَ من طرق ومفرداتها ضِعَاف يحْتَج بِهِ، على أَنا نقُول: قد شهد لمذهبنا عدَّة أَحَادِيث من الصَّحَابَة بطرق مُخْتَلفَة كَثِيرَة يُقَوي بَعْضهَا بَعْضًا، وَإِن كَانَ كل وَاحِد ضَعِيفا، لَكِن يحدث عِنْد الِاجْتِمَاع مَا لَا بِحَدَث عِنْد الِانْفِرَاد، على أَن بعض طرقها صَحِيحَة، وَذَلِكَ يَكْفِي للاحتجاج، خُصُوصا فِي المقدرات، وَالْعَمَل بِهِ أولى من الْعَمَل بالبلاغات والحكايات المروية عَن نسَاء مَجْهُولَة، وَمَعَ هَذَا نَحن لَا نكتفي بِمَا ذكرنَا، بل نقُول: مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ بالآثار المنقولة عَن الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، فِي هَذَا الْبَاب، وَقد أمعنا الْكَلَام فِيهِ فِي (شرحنا للهداية) .

وقالَ مُعْتَمِرٌ عَنْ أبِيهِ سَأَلْتُ ابنَ سِيرِينَ عَنِ الْمَرْأةِ تَرَى الدَّمَ بَعْدَ قَرْئِهَا بِخَمْسَةِ أيَّامٍ قالَ النِّساءُ أعْلَمُ بِذَلِكَ.

مُعْتَمر هُوَ ابْن سُلَيْمَان، وَكَانَ أعبد أهل زَمَانه، وَأَبُو سُلَيْمَان بن طرحان، قَالَ شُعْبَة: مَا رَأَيْت أصدق من سُلَيْمَان، كَانَ إِذا حدث عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتَغَيَّر لَونه. وَقَالَ: شكه يَقِين، وَكَانَ يُصَلِّي اللَّيْل كُله بِوضُوء عشَاء الْآخِرَة. وَابْن سِيرِين هُوَ مُحَمَّد بن سِيرِين تقدم، وَوصل هَذَا الْأَثر الدَّارمِيّ عَن مُحَمَّد بن عِيسَى عَن مُعْتَمر، قَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله بعد قرئها أَي: طهرهَا لَا حَيْضهَا بِقَرِينَة لفظ الدَّم، وَالْغَرَض مِنْهُ أَن أقل الطُّهْر هَل يحْتَمل أَن يكون خَمْسَة أَيَّام أم لَا؟ . قلت: لَيْسَ الْمَعْنى هَكَذَا، وَإِنَّمَا الْمَعْنى أَن ابْن سِيرِين سُئِلَ عَن امْرَأَة كَانَ لَهَا حيض مُعْتَاد، ثمَّ رَأَتْ بعد أَيَّام عَادَتهَا خَمْسَة أَيَّام أَو أقل أَو أَكثر، فَكيف يكون حكم هَذِه الزِّيَادَة؟ فَقَالَ ابْن سِيرِين: هِيَ أعلم بذلك، يَعْنِي التَّمْيِيز بَين الدمين رَاجع إِلَيْهَا، فَيكون المرئي فِي أَيَّام عَادَتهَا حيضا، وَمَا زَاد على ذَلِك اسْتِحَاضَة، فَإِن لم يكن لَهَا علم بالتمييز يكون حَيْضهَا مَا ترَاهُ إِلَى أَكثر مُدَّة الْحيض، وَمَا زَاد عَلَيْهَا يكون اسْتِحَاضَة، وَلَيْسَ المُرَاد من قَوْله: بعد قرئها، أَي: طهرهَا، كَمَا قَالَ الْكرْمَانِي، بل المُرَاد: بعد حَيْضهَا الْمُعْتَاد، كَمَا ذكرنَا. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) ، بعد ذكر هَذَا الْأَثر عَن ابْن سِيرِين: وَهَذَا يشْهد لمن يَقُول: الْقُرْء الْحيض، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة. وَقَالَ السفاقسي: وَهُوَ قَول ابْن سِيرِين وَعَطَاء وَأحد عشر صحابيا وَالْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة وَابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود ومعاذ وَقَتَادَة وَأَبُو الدَّرْدَاء وَأنس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهُوَ قَول ابْن الْمسيب وَابْن جُبَير وطاووس وَالضَّحَّاك وَالنَّخَعِيّ وَالشعْبِيّ وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق وَأبي عبيد.

٣٢٥ - ح دّثنا أحْمَدُ بنُ أبِي رَجاءٍ قالَ حَدثنَا أبُو أسَامَةَ قالَ سَمِعْتُ هِشَامَ بنَ عُرْوَةَ قالَ أَخْبرنِي أبي عنْ عائِشَةَ أنَّ فاطِمَةَ بِنْتَ أبِي حُبَيْشٍ سألَتِ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالتْ انِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أطْهُرُ أفأدَعِ الصَّلاةَ فَقَالَ لَا إنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ ولَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأيَّامِ التِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي. .

وَجه مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وكل ذَلِك إِلَى أمانتها وعادتها، فقد يقل ذَلِك وَيكثر على قدر أَحْوَال النِّسَاء فِي أسنانهن وبلدانهن.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَحْمد بن أبي رَجَاء، بِفَتْح الرَّاء وَتَخْفِيف الْجِيم وبالمد، واسْمه عبد الله بن أَيُّوب الْهَرَوِيّ، ويكنى أَحْمد بِأبي الْوَلِيد، وَهُوَ حَنَفِيّ النّسَب لَا الْمَذْهَب، مَاتَ بهراة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة الْكُوفِي. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع: أَبُو عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: عَائِشَة الصديقة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين هروي وكوفي ومدني.

وَقد ذكرنَا أَكثر بَقِيَّة الْأَشْيَاء فِي بَاب الِاسْتِحَاضَة وَفِي بَاب غسل الدَّم مستقصىً.

قَوْله: (قَالَت: بَيَان لقولها: (سَأَلت) ، ويروى: (فَقَالَت) ، بِالْفَاءِ التفسيرية. قَوْله: (استحاض) بِضَم الْهمزَة على بِنَاء الْمَجْهُول، كَمَا يُقَال: استحيضت. وَلم يبن هَذَا الْفِعْل للْفَاعِل، وأصل الْكَلِمَة من الْحيض، والزوائد للْمُبَالَغَة. قَوْله: (أفأدع؟) سُؤال عَن اسْتِمْرَار حكم الْحَائِض فِي حَالَة دوَام الدَّم وإزالته، وَهُوَ كَلَام من تقرر عِنْده أَن الْحَائِض مَمْنُوعَة من الصَّلَاة. قَوْله: (إِن ذَلِك عرق) ، أَي: دم عرق، وَهُوَ يُسمى بالعاذل. قَوْله: (وَلَكِن) للاستدراك. فَإِن قيل: لَا بُد أَن يكون بَين كلامين متغايرين. أُجِيب: بِأَن مَعْنَاهُ: لَا تتركي الصَّلَاة فِي كل الْأَوْقَات، لَكِن اتركيها فِي مِقْدَار الْعَادة. وَلَفظ: قدر الْأَيَّام، مشْعر بِأَنَّهَا كَانَت مُعْتَادَة. قَوْله: (دعِي الصَّلَاة) أَي: اتركي الصَّلَاة قدر الْأَيَّام الَّتِي كنت تحيضين فِيهَا، مثلا إِن كَانَت عَادَتهَا من كل شهر عشرَة أَيَّام من أَولهَا، أَو من وَسطهَا، أَو من آخرهَا تتْرك الصَّلَاة عشرَة أَيَّام من هَذَا الشَّهْر، نَظِير ذَلِك فَإِن قلت من أَيْن كَانَت تحفظ فَاطِمَة عدد أَيَّامهَا الَّتِي كَانَت تحيضها أَيَّام الصِّحَّة؟ قلت: لَو لم تكن تحفظ ذَلِك لم يكن لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (دعِي الصَّلَاة قدر الْأَيَّام الَّتِي كنت تحيضين فِيهَا) من الشَّهْر، فَائِدَة. وَقد جَاءَ فِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَغَيره، فِي حَدِيث أم سلمةٍ (لتنظر عدَّة اللَّيَالِي وَالْأَيَّام

الَّتِي كَانَت تحيض من الشَّهْر قبل أَن يُصِيبهَا الَّذِي أَصَابَهَا، فلتترك الصَّلَاة قدر ذَلِك من الشَّهْر، فَإِذا خلفت ذَلِك فلتغتسل ثمَّ لتستثفر بِثَوْب ثمَّ لتصلي) . وَجَاء أَيْضا فِي حَدِيث فَاطِمَة بنت أبي حُبَيْش، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، فَقَالَ لَهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا كَانَ دم الْحَيْضَة فَإِنَّهُ دم أسود يعرف، فَإِذا كَانَ ذَلِك فأمسكي عَن الصَّلَاة، وَإِذا كَانَ الآخر فتوضئي، وَصلي، فَإِنَّمَا ذَلِك عرق) . فَإِن قلت: كَيفَ كَانَ الْأَمر فِيمَن لم تحفظ عدد أَيَّامهَا؟ قلت: هَذِه مَسْأَلَة مَشْهُورَة فِي الْفُرُوع، وَهِي أَنَّهَا تحسب من كل شهر عشرَة حَيْضهَا وَيكون الْبَاقِي اسْتِحَاضَة، وَاحْتج الرَّازِيّ لِأَصْحَابِنَا فِي (شرح مُخْتَصر الطَّحَاوِيّ) بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: قدر الْأَيَّام الَّتِي تحيضين فِيهَا على تَقْدِير أقل الْحيض وَأَكْثَره، لِأَن أقل مَا يتَنَاوَلهُ اسْم الْأَيَّام ثَلَاثَة، وَأَكْثَره عشرَة أَيَّام، لِأَن مَا دون الثَّلَاثَة لَا تسمى أَيَّامًا، ونقول ثَلَاثَة أَيَّام إِلَى عشرَة أَيَّام، ثمَّ نقُول: أحد عشر يَوْمًا.

٢٥ - (بابُ الصُّفْرَةِ والْكُدْرَةِ فِي غَيْرِ أيَّامِ الْحَيْضِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الصُّفْرَة والكدرة اللَّتَيْنِ تراهما الْمَرْأَة فِي غير أَيَّام حَيْضهَا، يَعْنِي: لَا يكون حيضا، وألوان الدَّم سِتَّة: السوَاد والحمرة والصفرة والكدرة والخضرة والتربية. أما الْحمرَة فَهُوَ اللَّوْن الْأَصْلِيّ للدم إلَاّ عِنْد غَلَبَة السوَاد يضْرب إِلَى السوَاد، وَعند غَلَبَة الصَّفْرَاء يضْرب إِلَى الصُّفْرَة، ويتبين ذَلِك لمن اقتصده، وَأما الصُّفْرَة فَهِيَ من ألوان الدَّم إِذا راق، وَقيل: هِيَ كصفرة الْبيض أَو كصفرة القز. وَفِي (فتاوي قاضيحان) : الصُّفْرَة تكون كلون القز أَو لون الْبُسْر أَو لون التِّبْن، فالسواد والحمرة والصفرة حيض، وَالْمَنْقُول عَن الشَّافِعِي فِي (مُخْتَصر الْمُزنِيّ) : أَن الصُّفْرَة والكدرة فِي أَيَّام الْحيض حيض. وَاخْتلف أَصْحَابه فِي ذَلِك على وُجُوه مَذْكُورَة فِي كتبهمْ. وَأما الكدرة فَهِيَ حيض عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد، سَوَاء رَأَتْ فِي أول أَيَّامهَا أَو فِي آخرهَا، وَهِي لون كلون الصديد يعلوه أصفرار. وَأما الخضرة فقد اخْتلف مَشَايِخنَا فِيهَا، فَقَالَ الإِمَام أَبُو مَنْصُور: إِن رأتها فِي أول الْحيض يكون حيضا. وَإِن رأتها فِي آخر الْحيض واتصل بهَا أَيَّام الْحيض لَا يكون حيضا، وَجُمْهُور الْأَصْحَاب على كَونهَا حيضا كَيفَ مَا كَانَ. وَأما التربية فَهِيَ الَّتِي تكون على لون التُّرَاب، وَهُوَ نوع من الكدرة، فَحكمهَا حكم الكدرة، وَهِي بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الرَّاء وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَيُقَال: الترابية. وَفِي (قاضيخان) : التربية على لون التربة. وَقيل فِيهَا: تربية على وزن تفعلة، من الرؤبة، وَقيل تريبة على وزن فعيلة، وَقيل: تربية بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف بِغَيْر همزَة.

٣٢٦ - ح دَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ عنْ أيُّوبَ عنْ مُحَمَّدٍ عنْ أمِّ عَطِيَّةَ قالَتْ كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ والصُّفْرَةَ شَيئا

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهِي أَن الصُّفْرَة والكدرة فِي غير أَيَّام الْحيض لَيْسَ بِشَيْء.

ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: قُتَيْبَة وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: إِسْمَاعِيل بن أبي علية تقدم فِي بَاب حب رَسُول الله من الْإِيمَان. الثَّالِث: أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ. الرَّابِع: مُحَمَّد بن سِيرِين. وَقد تكَرر ذكره. الْخَامِس: أم عَطِيَّة، قد مر ذكرهَا عَن قريب.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة من رأى أنس بن مَالك عَن الصحابية. وَفِيه: أَنه مَوْقُوف، كَذَا قَالَه ابْن عَسَاكِر، وَلَكِن قَوْلهَا: كُنَّا، يَعْنِي فِي زمن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَي: مَعَ علمه بذلك وَتَقْرِيره إياهن، وَهَذَا فِي حكم الْمَرْفُوع.

ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّهَارَة عَن مُسَدّد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن زُرَارَة. وَأخرجه ابْن ماجة فِيهِ عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن أَيُّوب بِهِ. وَقَالَ الْمدنِي: رَوَاهُ وهيب عَن أَيُّوب عَن حَفْصَة عَن أم عَطِيَّة، قَالَ مُحَمَّد بن يحيى: خبر وهيب أولاهما عندنَا. فَإِن قلت: مَا ذهب إِلَيْهِ البُخَارِيّ من تَصْحِيح رِوَايَة إِسْمَاعِيل أرجح لمتابعة معمر لَهُ عَن أَيُّوب، لِأَن إِسْمَاعِيل أحفظ لحَدِيث أَيُّوب من غَيره، وَيجوز أَن يكون أَيُّوب قد سَمعه من مُحَمَّد وَمن حَفْصَة كليهمَا.

ذكر استنباط الْأَحْكَام: يستنبط مِنْهُ أَن الكدرة والصفرة لَا تكون حيضا إِذا كَانَت فِي غير أَيَّام الْحيض، وَهُوَ معنى قَوْلهَا: (لَا نعد الكدرة والصفرة شَيْئا) أَي: شَيْئا معتدا بِهِ. وَإِنَّمَا قيدنَا بقولنَا: إِذا كَانَت فِي غير أَيَّام الْحيض، لِأَن المُرَاد من الحَدِيث هَكَذَا. ويوضحه رِوَايَة أبي دَاوُد عَن أم عَطِيَّة، وَكَانَت بَايَعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَت: (كُنَّا لَا نعد الكدرة والصفرة بعد

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.1 / 29.5
الإضاءة 61%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
اللهم صل على محمد