«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، فَقَالَ: أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٣٥٣

الحديث رقم ٤٣٥٣ من كتاب «كتاب المغازي» في صحيح البخاري، تحت باب: باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن النبي ﷺ أهل بعمرة وحجة، فقال: أهل النبي…

«أَنَّ النَّبِيَّ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، فَقَالَ: أَهَلَّ النَّبِيُّ بِالْحَجِّ، وَأَهْلَلْنَا بِهِ مَعَهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ: مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً، وَكَانَ مَعَ النَّبِيِّ هَدْيٌ، فَقَدِمَ عَلَيْنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الْيَمَنِ حَاجًّا، فَقَالَ النَّبِيُّ : بِمَ أَهْلَلْتَ، فَإِنَّ مَعَنَا أَهْلَكَ، قَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ، قَالَ: فَأَمْسِكْ فَإِنَّ مَعَنَا هَدْيًا».

غَزْوَةُ ذِي الْخَلَصَةِ

سند حديث: ٤٣٥٣ - ٤٣٥٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّد�…

٤٣٥٣ - ٤٣٥٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ: أَنَّهُ ذَكَرَ لِابْنِ عُمَرَ : أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن النبي ﷺ أهل بعمرة وحجة، فقال: أهل النبي…

بعث عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن بقطعة من الذهب في جلد مدبوغ بالقَرَض، لم تخلص قطعة الذهب من ترابها، قال:

فقسمها صلى الله عليه وسلم بين أربعة نفر:

عيينة بن بدر الفزاري، وأقرع بن حابس الحنظلي، وزيد الخيل النبهاني، وعلقمة بن علاثة العامري، فقال رجل من أصحابه:

كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء، قال:

فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال:

«ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً.»

قال: فقام رجل عيناه داخلتان في محاجرهما، بارز ومرتفع أعلى الخَدّ، مرتفع الجبهة، ولحيته كثيفة غير طويلة، محلوق الرأس، رافع إزاره الذي يغطي أسفل جسده، فقال:

يا رسول الله اتق الله، فقال صلى الله عليه وسلم:

«ويلك، أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟!»

قال: ثم ولّى الرجل، قال خالد بن الوليد:

يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟

قال: لا، عسى أن يكون يصلي، فقال خالد:

وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، قال صلى الله عليه وسلم:

إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم؛ إنما أمرت أن آخذ بظواهر أمورهم، قال:

ثم نظر إليه وهو مقف، فقال:

إنه يخرج من نَسل هذا وأصحابه أو قبيلته قوم حذاق في قراءة كتاب الله بصوت حسن، ألسنتهم رطبة من كثرة تلاوته، لا يجاوز القرآن حلوقهم فتعيه قلوبهم فيصلحها، ولا يرفعها الله ولا يقبلها، يخرجون من الإسلام كما يخرج السهم من الرمية سرعةً وخفةً.

وأظنه قال: لئن أدركت خروجهم على المسلمين بالسيف لأقتلنهم قتلًا شديدًا كقوم ثمود.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • حلم النبي صلى الله عليه وسلم وصبره على الأذى.
  • إثبات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وأن الذي أوتيه وحي من الله.
  • معاملة الناس بما ظهر منهم، والله يتولى سرائرهم.
  • تعظيم قدر الصلاة، وأن أهل الصلاة لا يُقتلون إلا بحق الإسلام.
  • خطر الخوارج، وأنهم إذا قاتلوا يشرع قتالهم لدفع أذاهم.
  • قال النووي: الحث على قتالهم وفضيلة لعلي رضي الله عنه في قتالهم.
  • أهمية تدبر القرآن وفهمه والعمل به والاستمساك به.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أن النبي ﷺ أهل بعمرة وحجة، فقال: أهل النبي…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِسِعَايَتِهِ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ : بِمَ أَهْلَلْتَ يَا عَلِيُّ، قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ قَالَ: فَأَهْدِ وَامْكُثْ حَرَامًا كَمَا أَنْتَ قَالَ: وَأَهْدَى لَهُ عَلِيٌّ هَدْيًا.

٤٣٥٣، ٤٣٥٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ أَنَّهُ ذَكَرَ لِابْنِ عُمَرَ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ فَقَالَ: أَهَلَّ النَّبِيُّ بِالْحَجِّ وَأَهْلَلْنَا بِهِ مَعَهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ: مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً، وَكَانَ مَعَ النَّبِيِّ هَدْيٌ فَقَدِمَ عَلَيْنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنْ الْيَمَنِ حَاجًّا فَقَالَ النَّبِيُّ : بِمَ أَهْلَلْتَ فَإِنَّ مَعَنَا أَهْلَكَ؟ قَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ قَالَ: فَأَمْسِكْ، فَإِنَّ مَعَنَا هَدْيًا. الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: حَدِيثُ جَابِرٍ فِي مَجِيءِ عَلِيٍّ مِنَ الْيَمَنِ إِلَى الْحَجِّ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِالسَّنَدَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ. وَقَوْلُهُ هُنَا: وَقَدِمَ عَلِيٌّ بِسِعَايَتِهِ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ يَعْنِي: وِلَايَتِهِ عَلَى الْيَمَنِ لَا بِسِعَايَةِ الصَّدَقَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ: لِأَنَّهُ كَانَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي قِصَّةِ طَلَبِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ أَنْ يَكُونَ عَامِلًا عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ إِنَّهَا أَوْسَاخُ النَّاسِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٦٢ - بَاب غَز وَةُ ذِي الْخَلَصَةِ

٤٣٥٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، حَدَّثَنَا بَيَانٌ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: كَانَ بَيْتٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُقَالُ لَهُ ذُو الْخَلَصَةِ، وَالْكَعْبَةُ الْيَمانِيَةُ، وَالْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ فَقَالَ لِي النَّبِيُّ : أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ، فَنَفَرْتُ فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ رَاكِبًا فَكَسَرْنَاهُ وَقَتَلْنَا مَنْ وَجَدْنَا عِنْدَهُ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ فَأَخْبَرْتُهُ، فَدَعَا لَنَا وَلِأَحْمَسَ.

٤٣٥٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا قَيْسٌ قَالَ قَالَ لِي جَرِيرٌ "قَالَ لِي النَّبِيُّ أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ وَكَانَ بَيْتًا فِي خَثْعَمَ يُسَمَّى الْكَعْبَةَ الْيَمانِيَةَ فَانْطَلَقْتُ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ فَارِسٍ مِنْ أَحْمَسَ وَكَانُوا أَصْحَابَ خَيْلٍ وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ فَضَرَبَ فِي صَدْرِي حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا فَانْطَلَقَ إِلَيْهَا فَكَسَرَهَا وَحَرَّقَهَا ثُمَّ بَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ جَرِيرٍ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْتُهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ قَالَ فَبَارَكَ فِي خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّات".

٤٣٥٧ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسٍ عَنْ جَرِيرٍ قَالَ "قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ فَقُلْتُ بَلَى فَانْطَلَقْتُ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ

فَارِسٍ مِنْ أَحْمَسَ وَكَانُوا أَصْحَابَ خَيْلٍ وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ فَضَرَبَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ يَدِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا" قَالَ فَمَا وَقَعْتُ عَنْ فَرَسٍ بَعْدُ قَالَ وَكَانَ ذُو الْخَلَصَةِ بَيْتًا بِالْيَمَنِ لِخَثْعَمَ وَبَجِيلَةَ فِيهِ نُصُبٌ تُعْبَدُ يُقَالُ لَهُ الْكَعْبَةُ قَالَ فَأَتَاهَا فَحَرَّقَهَا بِالنَّارِ وَكَسَرَهَا قَالَ وَلَمَّا قَدِمَ جَرِيرٌ الْيَمَنَ كَانَ بِهَا رَجُلٌ يَسْتَقْسِمُ بِالأَزْلَامِ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ هَا هُنَا فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْكَ ضَرَبَ عُنُقَكَ قَالَ فَبَيْنَمَا هُوَ يَضْرِبُ بِهَا إِذْ وَقَفَ عَلَيْهِ جَرِيرٌ فَقَالَ لَتَكْسِرَنَّهَا وَلَتَشْهَدَنَّ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ أَوْ لَاضْرِبَنَّ عُنُقَكَ قَالَ فَكَسَرَهَا وَشَهِدَ ثُمَّ بَعَثَ جَرِيرٌ رَجُلاً مِنْ أَحْمَسَ يُكْنَى أَبَا أَرْطَاةَ إِلَى النَّبِيِّ يُبَشِّرُهُ بِذَلِكَ فَلَمَّا أَتَى النَّبِيَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا جِئْتُ حَتَّى تَرَكْتُهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ قَالَ فَبَرَّكَ النَّبِيُّ عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّات".

قَوْلُهُ: (غَزْوَةُ ذِي الْخَلَصَةِ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ، وَحَكَى ابْنُ دُرَيْدٍ فَتْحَ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانَ ثَانِيهِ، وَحَكَى ابْنُ هِشَامٍ ضَمَّهَا، وَقِيلَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ ثَانِيهِ وَالْأَوَّلُ أَشْهُرُ. وَالْخَلَصَةُ نَبَاتٌ لَهُ حَبٌّ أَحْمَرُ كَخَرَزِ الْعَقِيقِ، وَذُو الْخَلَصَةِ اسْمٌ لِلْبَيْتِ الَّذِي كَانَ فِيهِ الصَّنَمُ، وَقِيلَ اسْمُ الْبَيْتِ الْخَلَصَةُ، وَاسْمُ الصَّنَمِ ذُو الْخَلَصَةِ، وَحَكَى الْمُبَرِّدُ أَنَّ مَوْضِعَ ذِي الْخَلَصَةِ صَارَ مَسْجِدًا جَامِعًا لِبَلْدَةٍ يُقَالُ لَهَا: الْعَبْلَاتُ مِنْ أَرْضِ خَثْعَمَ، وَوَهَمَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ فِي بِلَادِ فَارِسَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ، وَبَيَانٌ بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ خَفِيفَةٍ وَهُوَ ابْنُ بِشْرٍ، وَقَيْسٌ هُوَ ابْنُ أبي حَازِمٍ.

قَوْلُهُ: (كَانَ بَيْتٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُقَالُ لَهُ: ذُو الْخَلَصَةِ) فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا أَنَّهُ كَانَ فِي خَثْعَمَ بِمُعْجَمَةٍ وَمُثَلَّثَةٍ وَزْنُ جَعْفَرٍ، قَبِيلَةٌ شَهِيرَةٌ يَنْتَسِبُونَ إِلَى خَثْعَمَ بْنِ أَنْمَارٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ النُّونِ، أَيِ ابْنِ إِرَاشٍ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ، وَفِي آخِرِهِ مُعْجَمَةٌ ابْنِ عَنْزٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ بَعْدَهَا زَايٌ أَيِ ابْنِ وَائِلٍ يَنْتَهِي نَسَبُهُمْ إِلَى رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ إِخْوَةِ مُضَرَ بْنِ نِزَارٍ جَدِّ قُرَيْشٍ، وَقَدْ وَقَعَ ذِكْرُ ذِي الْخَلَصَةِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ مَرْفُوعًا لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبُ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ حَوْلَ ذِي الْخَلَصَةِ، وَكَانَ صَنَمًا تَعْبُدُهُ دَوْسٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ غَيْرُ الْمُرَادِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، وَإِنْ كَانَ السُّهَيْلِيُّ يُشِيرُ إِلَى اتِّحَادِهِمَا؛ لِأَنَّ دَوْسًا قَبِيلَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُمْ يَنْتَسِبُونَ إِلَى دَوْسِ بْنِ عُدْثَانَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَ الدَّالِ السَّاكِنَةِ مُثَلَّثَةٌ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَهْرَانَ، يَنْتَهِي نَسَبُهُمْ إِلَى الْأَزْدِ، فَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ خَثْعَمَ تَبَايُنٌ فِي النَّسَبِ وَالْبَلَدِ. وَذَكَرَ ابْنُ دِحْيَةَ أَنَّ ذَا الْخَلَصَةِ الْمُرَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ قَدْ نَصَبَهُ أَسْفَلَ مَكَّةَ، وَكَانُوا يُلْبِسُونَهُ الْقَلَائِدَ وَيَجْعَلُونَ عَلَيْهِ بَيْضَ النَّعَامِ وَيَذْبَحُونَ عِنْدَهُ، وَأَمَّا الَّذِي لِخَثْعَمَ فَكَانُوا قَدْ بَنَوْا بَيْتًا يُضَاهُونَ بِهِ الْكَعْبَةَ فَظَهَرَ الِافْتِرَاقُ وَقَوِيَ التَّعَدُّدُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَالْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَّةُ وَالْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ) كَذَا فِيهِ. قِيلَ: وَهُوَ غَلَطٌ وَالصَّوَابُ الْيَمَانِيَّةُ فَقَطْ، سَمُّوهَا بِذَلِكَ مُضَاهَاةً لِلْكَعْبَةِ، وَالْكَعْبَةُ الْبَيْتُ الْحَرَامُ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يَكُونُ جِهَةَ الْيَمَنِ شَامِيَّةٌ فَسَمُّوا الَّتِي بِمَكَّةَ شَامِيَّةً، وَالَّتِي عِنْدَهُمْ يَمَانِيَّةً تَفْرِيقًا بَيْنَهُمَا. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الَّذِي فِي الرِّوَايَةِ صَوَابٌ، وَأَنَّهَا كَانَ يُقَالُ لَهَا الْيَمَانِيَّةُ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهَا بِالْيَمَنِ، وَالشَّامِيَّةُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ جَعَلُوا بَابَهَا مُقَابِلَ الشَّامِ، وَقَدْ حَكَى عِيَاضٌ أَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: وَالْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَّةُ الْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ بِغَيْرِ وَاوٍ. قَالَ: وَفِيهِ إبْهَامٌ، قَالَ: وَالْمَعْنَى كَانَ يُقَالُ

لَهَا تَارَةً هَكَذَا وَتَارَةً هَكَذَا، وَهَذَا يُقَوِّي مَا قُلْتُهُ فَإِنَّ إِرَادَةَ ذَلِكَ مَعَ ثُبُوتِ الْوَاوِ أَوْلَى، وَقَالَ غَيْرُهُ: قَوْلُهُ: وَالْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الْخَبَرِ تَقْدِيرُهُ هِيَ الَّتِي بِمَكَّةَ، وَقِيلَ الْكَعْبَةُ مُبْتَدَأٌ والشَّامِيَّةُ خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ، وَالْمَعْنَى وَالْكَعْبَةُ هِيَ الشَّامِيَّةُ لَا غَيْرَ، وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ عَنْ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ أَنَّ لَهُ زَائِدَةٌ وَأَنَّ الصَّوَابَ كَانَ يُقَالُ الْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ أَيْ لِهَذَا الْبَيْتِ الْجَدِيدِ وَالْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَّةُ أَيْ لِلْبَيْتِ الْعَتِيقِ أَوْ بِالْعَكْسِ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَلَيْسَتْ فِيهِ زِيَادَةٌ، وَإِنَّمَا اللَّامُ بِمَعْنَى مِنْ أَجْلِ أَيْ كَانَ يُقَالُ مِنْ أَجْلِهِ الْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ وَالْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَّةُ، أَيْ إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ لِلْعَتِيقِ، وَالْأُخْرَى لِلْجَدِيدِ.

قَوْلُهُ: (أَلَا تُرِيحُنِي) هُوَ بِتَخْفِيفِ اللَّامِ، طَلَبٌ يَتَضَمَّنُ الْأَمْرَ وَخَصَّ جَرِيرًا بِذَلِكَ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي بِلَادِ قَوْمِهِ، وَكَانَ هُوَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، وَالْمُرَادُ بِالرَّاحَةِ رَاحَةُ الْقَلْبِ، وَمَا كَانَ شَيْءٌ أَتْعَبَ لِقَلْبِ النَّبِيِّ مِنْ بَقَاءِ مَا يُشْرَكُ بِهِ مِنْ دُونَ اللَّهِ تَعَالَى. وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ مِائَةُ رَجُلٍ مِنْ بَنِي بَجِيلَةَ، وَبَنِي قُشَيْرٍ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَسَأَلَهُ عَنْ بَنِي خَثْعَمَ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ أَبَوْا أَنْ يُجِيبُوا إِلَى الْإِسْلَامِ، فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى عَامَّةِ مَنْ كَانَ مَعَهُ، وَنَدَبَ مَعَهُ ثَلَاثَمِائَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَسِيرَ إِلَى خَثْعَمَ فَيَدْعُوهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ أَجَابُوا إِلَى الْإِسْلَامِ قَبِلَ مِنْهُمْ وَهَدَمَ صَنَمَهُمْ ذَا الْخَلَصَةِ، وَإِلَّا وَضَعَ فِيهِمُ السَّيْفَ.

قَوْلُهُ: (فَنَفَرْتُ) أَيْ خَرَجْتُ مُسْرِعًا.

قَوْلُهُ: (فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ رَاكِبًا) زَادَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا وَكَانُوا أَصْحَابَ خَيْلٍ أَيْ يَثْبُتُونَ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ فِي الطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُمْ كَانُوا سَبْعَمِائَةٍ، فَلَعَلَّهَا إِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً يَكُونُ الزَّائِدُ رَجَّالَةً وَأَتْبَاعًا. ثُمَّ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ لِابْنِ السَّكَنِ أَنَّهُمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَذُكِرَ عَنْ قَيْسِ بْنِ غَرَبَةَ الْأَحْمَسِيِّ أَنَّهُ وَفَدَ فِي خَمْسِمِائَةٍ، قَالَ: وَقَدِمَ جَرِيرٌ فِي قَوْمِهِ وَقَدِمَ الْحَجَّاجُ بْنُ ذِي الْأَعْيُنِ فِي مِائَتَيْنِ، قَالَ: وَضُمَّ إِلَيْنَا ثَلَاثُمِائَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَغَيْرِهِمْ، فَغَزَوْنَا بَنِي خَثْعَمَ. فَكَأَنَّ الْمِائَةَ وَالْخَمْسِينَ هُمْ قَوْمُ جَرِيرٍ وَتَكْمِلَةَ الْمِائَتَيْنِ أَتْبَاعُهُمْ، وَكَأَنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِيهَا سَبْعُمِائَةٍ مَنْ كَانَ مِنْ رَهْطِ جَرِيرٍ، وَقَيْسِ بْنِ غَرَبَةَ؛ لِأَنَّ الْخَمْسِينَ كَانُوا مِنْ قَبِيلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَغَرَبَةَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ضَبَطَهُ الْأَكْثَرُ.

قَوْلُهُ: (فَكَسَرْنَاهُ) أَيِ الْبَيْتَ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ بَعْدُ.

قَوْلُهُ: (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ فَأَخْبَرْتُهُ) كَذَا فِيهِ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ أَنَّ الَّذِي أَخْبَرَ النَّبِيَّ بِذَلِكَ رَسُولُ جَرِيرٍ، فَكَأَنَّهُ نُسِبَ إِلَى جَرِيرٍ مَجَازًا.

قَوْلُهُ: (فَدَعَا لَنَا وَلِأَحْمَسَ) بِمُهْمَلَةٍ وَزْنُ أَحْمَرَ، وَهُمْ إِخْوَةُ بَجِيلَةَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْجِيمِ رَهْطُ جَرِيرٍ يَنْتَسِبُونَ إِلَى أَحْمَسَ بْنِ الْغَوْثِ بْنِ أَنْمَارٍ، وَبَجِيلَةُ امْرَأَةٌ نُسِبَتْ إِلَيْهَا الْقَبِيلَةُ الْمَشْهُورَةُ، وَمَدَارُ نَسَبِهِمْ أَيْضًا عَلَى أَنْمَارٍ. وَفِي الْعَرَبِ قَبِيلَةٌ أُخْرَى يُقَالُ لَهَا أَحْمَسُ، لَيْسَتْ مُرَادَةً هُنَا، يَنْتَسِبُونَ إِلَى أَحْمَسَ بْنِ ضُبَيْعَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ. وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ فَبَارَكَ فِي خَيْلِ أَحْمَسَ وَرَجَّالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ أَيْ دَعَا لَهُمْ بِالْبَرَكَةِ. وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ فَدَعَا لِأَحْمَسَ بِالْبَرَكَةِ.

قَوْلُهُ: (وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ فَضَرَبَ عَلَى صَدْرِي، حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ فِي صَدْرِي) فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَشَكَا جَرِيرٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ الْقَلَعَ فَقَالَ: ادْنُ مِنِّي، فَدَنَا مِنْهُ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَهَا عَلَى وَجْهِهِ وَصَدْرِهِ حَتَّى بَلَغَ عَانَتَهُ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَأَرْسَلَهَا إلَى ظَهْرِهِ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَى أَلْيَتِهِ، وَهُوَ يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ، فَكَانَ ذَلِكَ لِلتَّبَرُّكِ بِيَدِهِ الْمُبَارَكَةِ.

(فَائِدَةٌ): الْقَلَعُ بِالْقَافِ ثُمَّ اللَّامِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ ضَبَطَهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ: الَّذِي لَا يَثْبُتُ عَلَى السَّرْجِ، وَقِيلَ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: رَجُلٌ قَلِعُ الْقَدَمِ بِالْكَسْرِ إِذَا كَانَتْ قَدَمُهُ لَا تَثْبُتُ عِنْدَ الْحَرْبِ، وَفُلَانٌ قَلِعَةٌ إِذَا كَانَ يَتَقَلَّعُ عَنْ سَرْجِهِ. وَسُئِلَ عَنِ الْحِكْمَةِ فِي قَوْلِهِ: خَمْسَ مَرَّاتٍ فَقِيلَ: مُبَالَغَةً وَاقْتِصَارًا عَلَى

الْوَتْرِ لِأَنَّهُ مَطْلُوبٌ، ثُمَّ ظَهَرَ لِي احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ دَعَا لِلْخَيْلِ وَالرِّجَالِ أَوْ لَهُمَا مَعًا. ثُمَّ أَرَادَ التَّأْكِيدَ فِي تَكْرِيرِ الدُّعَاءِ ثَلَاثًا، فَدَعَا لِلرِّجَالِ مَرَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، وَلِلْخَيْلِ مَرَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ لِيَكْمُلَ لِكُلٍّ مِنَ الصِّنْفَيْنِ ثَلَاثًا، فَكَانَ مَجْمُوعُ ذَلِكَ خَمْسَ مَرَّاتٍ.

قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا) قِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ هَادِيًا حَتَّى يَكُونَ مَهْدِيًّا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: كَامِلًا مُكَمَّلًا، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي حَالِ إِمْرَارِ يَدِهِ عَلَيْهِ فِي الْمَرَّتَيْنِ، وَزَادَ وَبَارِكْ فِيهِ وَفِي ذُرِّيَّتِهِ.

(تَنْبِيهٌ): كَلَامُ الْمِزِّيِّ فِي الْأَطْرَافِ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَهُ: وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ هُنَا مِنْ طَرِيقَيْنِ.

قَوْلُهُ: (فَكَسَرَهَا وَحَرَّقَهَا) أَيْ هَدَمَ بِنَاءَهَا وَرَمَى النَّارَ فِيمَا فِيهَا مِنَ الْخَشَبِ.

قَوْلُهُ في الرواية الثالثة: (وَلَمَّا قَدِمَ جَرِيرٌ الْيَمَنَ إِلَخْ) يُشْعِرُ بِاتِّحَادِ قِصَّتِهِ فِي غَزْوَةِ ذِي الْخَلَصَةِ بِقِصَّةِ ذَهَابِهِ إِلَى الْيَمَنِ، وَكَأَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَمْرِ ذِي الْخَلَصَةِ وَأَرْسَلَ رَسُولَهُ مُبَشِّرًا اسْتَمَرَّ ذَاهِبًا إِلَى الْيَمَنِ لِلسَّبَبِ الَّذِي سَيُذْكَرُ بَعْدَ بَابٍ، وَقَوْلُهُ: يَسْتَقْسِمُ أَيْ يَسْتَخْرِجُ غَيْبَ مَا يُرِيدُ فِعْلَهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ﴾ وَحَكَى أَبُو الْفَرْجِ الْأَصْبِهَانِيُّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَقْسِمُونَ عِنْدَ ذِي الْخَلَصَةِ، وَأَنَّ امْرَأَ الْقِيسِ لَمَّا خَرَجَ يَطْلُبُ بِثَأْرِ أَبِيهِ اسْتَقْسَمَ عِنْدهُ، فَخَرَجَ لَهُ مَا يَكْرَهُ، فَسَبَّ الصَّنَمَ وَرَمَاهُ بِالْحِجَارَةِ، وَأَنْشَدَ:

لَوْ كُنْتَ يَا ذَا الْخَلَصِ الْمَوْتُورَا … لَمْ تَنْهَ عَنْ قَتْلِ الْعُدَاةِ زُورًا قَالَ: فَلَمْ يَسْتَقْسِمْ عِنْدَهُ أَحَدٌ بَعْدُ حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَامُ. قُلْتُ: وَحَدِيثُ الْبَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا يَسْتَقْسِمُونَ عِنْدَهُ حَتَّى نَهَاهُمُ الْإِسْلَامُ، وَكَأَنَّ الَّذِي اسْتَقْسَى عِنْدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَبْلُغْهُ التَّحْرِيمُ أَوْ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ حَتَّى زَجَرَهُ جَرِيرٌ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ بَعَثَ جَرِيرٌ رَجُلًا مِنْ أَحْمَسَ يُكْنَى أَبَا أَرْطَاةَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدهَا مُهْمَلَةٌ وَبَعْدَ الْأَلْفِ هَاءُ تَأْنِيثٍ وَاسْمُ أَبِي أَرْطَاةَ هَذَا حُصَيْنُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَقَعَ مُسَمًّى فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَلِبَعْضِ رُوَاتِهِ: حُسَيْنٌ بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ بَدَلَ الصَّادِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَمَّاهُ حِصْنٌ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ وَقَلَبَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ فَقَالَ: رَبِيعَةُ بْنُ حُصَيْنٍ وَمِنْهُمْ مَنْ سَمَّاهُ أَرْطَاةَ وَالصَّوَابُ أَبُو أَرْطَاةَ حُصَيْنُ بْنُ رَبِيعَةَ وَهُوَ ابْنُ عَامِرِ بْنِ الْأَزْوَرِ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ بَجَلِيٌّ لَمْ أَرَ لَهُ ذِكْرًا إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ) بِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ. هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ نَزْعِ زِينَتِهَا وَإِذْهَابِ بَهْجَتِهَا. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُرَادُ أَنَّهَا صَارَتْ مِثْلَ الْجَمَلِ الْمَطْلِيِّ بِالْقَطِرَانِ مِنْ جَرَبِهِ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّهَا صَارَتْ سَوْدَاءَ لِمَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ التَّحْرِيقِ. وَوَقَعَ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ - وَقِيلَ: إِنَّهَا رِوَايَةُ مُسَدَّدٍ -: أَجْوَفُ بِوَاوٍ بَدَلَ الرَّاءِ وَفَاءٍ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا صَارَتْ صُورَةً بِغَيْرِ مَعْنَى، وَالْأَجْوَفُ الْخَالِي الْجَوْفِ مَعَ كِبْرِهِ فِي الظَّاهِرِ. وَوَقَعَ لِابْنِ بَطَّالٍ مَعْنَى قَوْلِهِ: أَجْرَبُ أَيْ أَسْوَدُ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: أَجْوَفُ أَيْ أَبْيَضُ، وَحَكَاهُ عَنْ ثَابِتٍ السَّرَقُسْطِيِّ، وَأَنْكَرَهُ عِيَاضٌ وَقَالَ: هُوَ تَصْحِيفٌ وَإِفْسَادٌ لِلْمَعْنَى، كَذَا قَالَ، فَإِنْ أَرَادَ إِنْكَارَ تَفْسِيرِ أَجْوَفَ بِأَبْيَضَ فَمَقْبُولٌ؛ لِأَنَّهُ يُضَادُّ مَعْنَى الْأَسْوَدِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ حَرَقَهَا وَالَّذِي يُحْرَقُ يَصِيرُ أَثَرُهُ أَسْوَدَ لَا مَحَالَةَ فِيهِ فَكَيْفَ يُوصَفُ بِكَوْنِهِ أَبْيَضَ، وَإِنْ أَرَادَ إِنْكَارَ لَفْظِ أَجْوَفَ فَلَا إِفْسَادَ فِيهِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ صَارَ خَالِيًا لَا شَيْءَ فِيهِ كَمَا قَرَّرْتُهُ. وَفِي الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ إِزَالَةِ مَا يُفْتَتَنُ بِهِ النَّاسُ مِنْ بِنَاءٍ وَغَيْرِهِ سَوَاءً كَانَ إِنْسَانًا أَوْ حَيَوَانًا أَوْ جَمَادًا، وَفِيهِ اسْتِمَالَةُ نُفُوسِ الْقَوْمِ بِتَأْمِيرِ مَنْ هُوَ مِنْهُمْ، وَالِاسْتِمَالَةُ بِالدُّعَاءِ وَالثَّنَاءِ وَالْبِشَارَةِ فِي الْفُتُوحِ، وَفَضْلُ رُكُوبِ الْخَيْلِ فِي الْحَرْبِ، وَقَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالْمُبَالَغَةُ فِي نِكَايَةِ الْعَدُوِّ، وَمَنَاقِبُ لِجَرِيرٍ وَلِقَوْمِهِ، وَبَرَكَةُ يَدِ النَّبِيِّ وَدُعَائِهِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَدْعُو وِتْرًا وَقَدْ يُجَاوِزُ الثَّلَاثَ.

وَفِيهِ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ل ابنِ عُمَرَ أنَّ أنسا حَدَّثَهُمْ أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أهَلَّ بِعُمْرَةٍ وحَجَّةٍ فَقَالَ أهَلَّ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالحَجِّ وأهلَلْنا بهِ معَهُ فلَمَّا قَدِمنا مَكَّةَ قَالَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فليَجْعَلْها عُمْرَةً وَكَانَ مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَدْيٌ فَقَدِمَ علَيْنا علِيُّ بنُ أبي طالِبٍ مِنَ اليَمَن حاجًّا فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَ أهْلَلْتَ فإنَّ مَعَنا أهْلَكَ قَالَ أهْلَلْتُ بِمَا أهَلَّ بهِ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فأمْسِكْ فإنَّ مَعَنَا هَدْياً.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَقدم علينا عَليّ بن أبي طَالب من الْيمن) ، وَبكر هُوَ ابْن عبد الله الْمُزنِيّ الْبَصْرِيّ. والْحَدِيث قد مر فِي الْحَج.

٦٢ - (غَزْوَةُ ذِي الخَلَصَةِ)

أَي هَذَا بَيَان غَزْوَة ذِي الخلصة، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَاللَّام وَالصَّاد الْمُهْملَة. وَحكى ابْن دُرَيْد فتح أَوله وَسُكُون ثَانِيَة، وَحكى ابْن هِشَام ضمهما، وَقيل بِفَتْح أَوله وَضم ثَانِيه، وَالْأول أشهر. وَفِي بعض النّسخ: بَاب غَزْوَة ذِي الخلصة، وَهُوَ اسْم الْبَيْت الَّذِي كَانَ فِيهِ الصَّنَم، وَقيل: اسْم الْبَيْت الخلصة. وَاسم الصَّنَم: ذُو الخلصة، وَقيل: هُوَ اسْم صنم لدوس سيعبد فِي آخر الزَّمَان، ثَبت فِي الحَدِيث: لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى تَصْطَفِق أليات نسَاء دوس وخثعم حول ذِي الْخصْلَة. وَفِي (التَّلْوِيح) : الخلصة فِي اللُّغَة نَبَات ينْبت نَبَات الْكَرم لَهُ حب كعنب الثَّعْلَب. وَله ورق أغبر رقاق مُدَوَّرَة وَاسِعَة وَله ورد كورد الموز وَهُوَ أَحْمَر كخرز العقيق وَلَا يُؤْكَل وَلكنه يرْعَى، وموضعه الْيَوْم مَسْجِد جَامع لبلدة يُقَال لَهَا: العبلات من أَرض خثعم، ذكره الْمبرد عَن أبي عُبَيْدَة وَبَعض الشَّارِحين وهم فِيهِ وَقَالَ: إِنَّه كَانَ فِي بِلَاد فَارس، فَافْهَم.

٤٣٥٥ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حدّثنا خالِدٌ حدّثنا بَيانٌ عنْ قَيْسٍ عنْ جَرِيرٍ قَالَ كانَ بَيْتٌ فِي الجاهِلِيَّةِ يُقالُ لَهُ ذُو الخَلَصَةِ والكَعْبَةُ اليَمانِيَةُ والكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ فَقَالَ لِي النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ألَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ فَنَفَرْتُ فِي مِائَةٍ وخَمْسِينَ رَاكِباً فَكَسَرْنَاهُ وقَتَلْنا مَنْ وجَدْنا عِنْدَهُ فأتَيْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأخْبَرْتُهُ فَدَعَا لَنا ولأِحْمَسَ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وخَالِد هُوَ ابْن عبد الله الطَّحَّان، وَبَيَان، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقيس هُوَ ابْن أبي حَازِم، وَجَرِير بن عبد الله البَجلِيّ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالْجِيم.

والْحَدِيث مضى فِي: بَاب ذكر جرير بن عبد الله البَجلِيّ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِسْحَاق الوَاسِطِيّ عَن خَالِد عَن بَيَان ... الخ بأتم مِنْهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن عبد الحميد عَن خَالِد بِهِ.

قَوْله: (يُقَال لَهُ: ذُو الخلصة والكعبة اليمانية والكعبة الشامية) ، قَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ إِشْكَال إِذْ كَانُوا يَقُولُونَ لَهُ: الْكَعْبَة اليمانية، فَقَط، وَأما الْكَعْبَة الشامية فَهِيَ الْكَعْبَة المعظمة الَّتِي بِمَكَّة، فَلَا بُد من التَّأْوِيل بِأَن يُقَال: كَانَ يُقَال لَهُ: الْكَعْبَة اليمانية، وَالَّتِي بِمَكَّة الْكَعْبَة الشامية، وَقَالَ: ذكر الشامية غلط. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن تكون الْكَعْبَة مُبْتَدأ. وَقَوله: (الشامية) . خَبره وَالْجُمْلَة حَال، وَمَعْنَاهَا: أَن الْكَعْبَة هِيَ الشامية لَا غير، وَعند مُسلم: وَكَانَ يُقَال لَهُ: الْكَعْبَة اليمانية والشامية، قَالَ السُّهيْلي: وَهَذَا مُشكل، وَمَعْنَاهُ: كَانَ يُقَال لَهُ: الْكَعْبَة والكعبة الشامية الْبَيْت، فَزِيَادَة: لَهُ، فِي الحَدِيث سَهْو وبإسقاطه يَصح الْمَعْنى، قَالَه بعض النَّحْوِيين، وَقَالَ: وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي بسهو وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: وَكَانَ يُقَال لَهُ، أَي: يُقَال من أَجله الْكَعْبَة اليمانية، وَله بِمَعْنى: من أَجله، لَا يُنكر فِي الْعَرَبيَّة وَقَالَ عِيَاض: وَفِي بعض الرِّوَايَات: والكعبة اليمانية الشامية، بِغَيْر وَاو، وَقَالَ: وَفِيه إِبْهَام، قَالَ: وَالْمعْنَى: كَانَ يُقَال لَهُ تَارَة هَكَذَا وَتارَة هَكَذَا. قَوْله: (أَلا تريحني) كلمة: أَلا، بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف اللَّام للتحضيض، وَقيل: طلب يتَضَمَّن الْأَمر، وتريحني، من الإراحة بالراء والحاء الْمُهْملَة والمرادا رَاحَة الْقلب، وَإِنَّمَا خص جَرِيرًا بذلك لِأَنَّهَا كَانَت فِي بِلَاد قومه

وَكَانَ هُوَ من أَشْرَافهم. قَوْله: (فنفرت) ، أَي: خرجت مسرعاً. قَوْله: (فكسرناه) ، أَي: الْبَيْت. قَوْله: (ولأحمس) على وزن أَحْمَر بالمهملتين، وأحمس أَخُو بخيلة، رَهْط جرير رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ينسبون إِلَى أحمس بن الْغَوْث بن أَنْمَار، وبجيلة امْرَأَة نسبت إِلَيْهَا الْقَبِيلَة، وقبيلة أُخْرَى يُقَال لَهَا: أحمس بن ضبيعة بن ربيعَة بن نزار، وَلَيْسَت هَذِه بمراده هَهُنَا.

٤٣٥٥ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حدّثنا خالِدٌ حدّثنا بَيانٌ عنْ قَيْسٍ عنْ جَرِيرٍ قَالَ كانَ بَيْتٌ فِي الجاهِلِيَّةِ يُقالُ لَهُ ذُو الخَلَصَةِ والكَعْبَةُ اليَمانِيَةُ والكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ فَقَالَ لِي النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ألَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ فَنَفَرْتُ فِي مِائَةٍ وخَمْسِينَ رَاكِباً فَكَسَرْنَاهُ وقَتَلْنا مَنْ وجَدْنا عِنْدَهُ فأتَيْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأخْبَرْتُهُ فَدَعَا لَنا ولأِحْمَسَ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وخَالِد هُوَ ابْن عبد الله الطَّحَّان، وَبَيَان، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقيس هُوَ ابْن أبي حَازِم، وَجَرِير بن عبد الله البَجلِيّ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالْجِيم.

والْحَدِيث مضى فِي: بَاب ذكر جرير بن عبد الله البَجلِيّ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِسْحَاق الوَاسِطِيّ عَن خَالِد عَن بَيَان ... الخ بأتم مِنْهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن عبد الحميد عَن خَالِد بِهِ.

قَوْله: (يُقَال لَهُ: ذُو الخلصة والكعبة اليمانية والكعبة الشامية) ، قَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ إِشْكَال إِذْ كَانُوا يَقُولُونَ لَهُ: الْكَعْبَة اليمانية، فَقَط، وَأما الْكَعْبَة الشامية فَهِيَ الْكَعْبَة المعظمة الَّتِي بِمَكَّة، فَلَا بُد من التَّأْوِيل بِأَن يُقَال: كَانَ يُقَال لَهُ: الْكَعْبَة اليمانية، وَالَّتِي بِمَكَّة الْكَعْبَة الشامية، وَقَالَ: ذكر الشامية غلط. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن تكون الْكَعْبَة مُبْتَدأ. وَقَوله: (الشامية) . خَبره وَالْجُمْلَة حَال، وَمَعْنَاهَا: أَن الْكَعْبَة هِيَ الشامية لَا غير، وَعند مُسلم: وَكَانَ يُقَال لَهُ: الْكَعْبَة اليمانية والشامية، قَالَ السُّهيْلي: وَهَذَا مُشكل، وَمَعْنَاهُ: كَانَ يُقَال لَهُ: الْكَعْبَة والكعبة الشامية الْبَيْت، فَزِيَادَة: لَهُ، فِي الحَدِيث سَهْو وبإسقاطه يَصح الْمَعْنى، قَالَه بعض النَّحْوِيين، وَقَالَ: وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي بسهو وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: وَكَانَ يُقَال لَهُ، أَي: يُقَال من أَجله الْكَعْبَة اليمانية، وَله بِمَعْنى: من أَجله، لَا يُنكر فِي الْعَرَبيَّة وَقَالَ عِيَاض: وَفِي بعض الرِّوَايَات: والكعبة اليمانية الشامية، بِغَيْر وَاو، وَقَالَ: وَفِيه إِبْهَام، قَالَ: وَالْمعْنَى: كَانَ يُقَال لَهُ تَارَة هَكَذَا وَتارَة هَكَذَا. قَوْله: (أَلا تريحني) كلمة: أَلا، بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف اللَّام للتحضيض، وَقيل: طلب يتَضَمَّن الْأَمر، وتريحني، من الإراحة بالراء والحاء الْمُهْملَة والمرادا رَاحَة الْقلب، وَإِنَّمَا خص جَرِيرًا بذلك لِأَنَّهَا كَانَت فِي بِلَاد قومه وَكَانَ هُوَ من أَشْرَافهم. قَوْله: (فنفرت) ، أَي: خرجت مسرعاً. قَوْله: (فكسرناه) ، أَي: الْبَيْت. قَوْله: (ولأحمس) على وزن أَحْمَر بالمهملتين، وأحمس أَخُو بخيلة، رَهْط جرير رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ينسبون إِلَى أحمس بن الْغَوْث بن أَنْمَار، وبجيلة امْرَأَة نسبت إِلَيْهَا الْقَبِيلَة، وقبيلة أُخْرَى يُقَال لَهَا: أحمس بن ضبيعة بن ربيعَة بن نزار، وَلَيْسَت هَذِه بمراده هَهُنَا.

٤٣٥٦ - ح دّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حدّثنا يَحيى حدَّثنا إسْماعِيلُ حَدثنَا قَيْسٌ قَالَ قَالَ لِي جَرِيرٌ رَضِي الله عَنهُ قَالَ لي النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ألَا ترِيحُنِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ وكانَ بَيْتاً فِي خَثْعَمَ يُسَمَّى الكَعْبَةَ اليَمانِيَةَ فَانْطَلَقْتُ فِي خَمْسِينَ ومِائَةِ فارِسٍ مِنْ أحْمَسَ وكانُوا أصْحَابَ خَيْلٍ وكُنْتُ لَا أثْبُتُ عَلى الخَيْلِ فَضَرَبَ فِي صَدْرِي حَتَّى رأيْتُ أثَرَ أصابِعِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ واجْعَلْهُ هادِياً مَهْدِيًّا فانْطَلَقَ إلَيْهَا فَكَسَرَهَا وحَرَّقَها ثُمَّ بَعَثَ إِلَى رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ رسُولُ جَرِيرٍ والَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ مَا جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْتُها كأنَّها جَمَلٌ أجْرَبُ قَالَ فَبَارَكَ فِي خَيْلِ أحْمسَ ورِجَالِها خَمْسَ مرَّاتٍ. .

هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد البَجلِيّ الْكُوفِي عَن قيس بن أبي حَازِم. والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد فِي: بَاب الْبشَارَة فِي الْفتُوح بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد.

قَوْله: (فِي خثعم) بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة: قَبيلَة بِالْيمن، وَقَالَ الرشاطي: هُوَ أقبل بن أَنْمَار بن أرش بن عَمْرو بن الْغَوْث بن نبت بن ملكان بن زيد بن كهلان، وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ عَن أَبِيه: إِنَّمَا سمي: أقبل، بخثعم بجمل لَهُ يُقَال لَهُ: خثعم. قَوْله: (جمل أجرب) بِالْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَهُوَ كِنَايَة عَن إِزَالَة بهجتها وإذهاب زينتها. وَقَالَ الْخطابِيّ: المُرَاد هَا صَارَت مثل الْجمل المطلي بالقطران من جربه، يَعْنِي: صَارَت سَوْدَاء لما وَقع فِيهَا من التحريق، وروى عَن مُسَدّد: أجوف، بِالْوَاو وَالْفَاء بدل: أجرب، فَإِن صحت الرِّوَايَة فَمَعْنَاه: صَارَت خَالِيَة لَا شَيْء فِيهَا.

٤٣٥٧ - ح دّثنا يُوسُفُ بنُ مُوسَى أخبرَنا أبُو أُسامَةَ عنْ إسْماعِيلَ بنِ أبي خالِدٍ عنْ قَيْسٍ عنْ جَرِيرٍ قَالَ قَالَ لي رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَلا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ فَقُلْتُ بَلى فانْطَلَقْتُ فِي خَمْسِينَ ومِائَةِ فارِسٍ مِنْ أحْمَسَ وكانُوا أصْحَابَ خَيْلٍ وكُنْتُ لَا أثْبُتُ عَلَى الخَيْلِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَضَرَبَ يَدَهُ عَلى صَدْرِي حَتَّى رأيْتُ أثَرَ يَدِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ واجْعلْهُ هادِياً مَهْدِيًّا قَالَ فَمَا وقَعْتُ عنْ فَرَسٍ بَعْدُ قَالَ وكانَ ذُو الخَلَصَةِ بَيْتاً باليْمَنِ لِخَثْعَمَ وبَجِيلَةَ فِيهِ نُصُبٌ تُعْبَدُ يُقالُ لهُ الكَعْبَةُ قَالَ فَأَتَاهَا فَحَرَّقَها بالنارِ وكَسَرَهَا قَالَ ولَّما قَدِمَ جَرِيرٌ اليَمَنَ كانَ بِها رجُلٌ يَسْتَقْسِمُ بالأزلَامِ فَقِيلَ لهُ إنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هاهُنا فإنْ قَدَرَ عَلَيْكَ ضَرَبَ عُنُقَكَ قَالَ فبيْنَمَا هُوَ يَضْرِبُ بِها إذْ وَقَفَ عَلَيْهِ جَرِيرٌ فَقَالَ لَتَكْسِرَنَّها وَلَتَشْهَدَنْ أنْ لَا إلاهَ إلَاّ الله أوْ لأضْرِبَنَّ عُنُقَك قَالَ فكَسَرَها وشَهِدَ ثُمَّ بَعَثَ جَرِيرٌ رجُلاً مِنْ أحْمَسَ يُكْنَى أَبَا أرْطاةَ إِلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُبْشِّرُهُ بِذَلِكَ فَلَمَّا أتَى النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يَا رسُولَ الله والّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ مَا جِئْتُ حَتَّى تَرَكْتُها كَأَنَّهَا جَمَلٌ أجْرَبُ قَالَ فبَرَّك النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلى خَيْلِ أحمَسَ ورِجالِها خَمْسَ مَرَّاتٍ. .

هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث السَّابِق أخرجه عَن يُوسُف بن مُوسَى بن رَاشد الْقطَّان الْكُوفِي، سكن بَغْدَاد، عَن أبي

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِسِعَايَتِهِ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ : بِمَ أَهْلَلْتَ يَا عَلِيُّ، قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ قَالَ: فَأَهْدِ وَامْكُثْ حَرَامًا كَمَا أَنْتَ قَالَ: وَأَهْدَى لَهُ عَلِيٌّ هَدْيًا.

٤٣٥٣، ٤٣٥٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ أَنَّهُ ذَكَرَ لِابْنِ عُمَرَ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ فَقَالَ: أَهَلَّ النَّبِيُّ بِالْحَجِّ وَأَهْلَلْنَا بِهِ مَعَهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ: مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً، وَكَانَ مَعَ النَّبِيِّ هَدْيٌ فَقَدِمَ عَلَيْنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنْ الْيَمَنِ حَاجًّا فَقَالَ النَّبِيُّ : بِمَ أَهْلَلْتَ فَإِنَّ مَعَنَا أَهْلَكَ؟ قَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ قَالَ: فَأَمْسِكْ، فَإِنَّ مَعَنَا هَدْيًا. الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: حَدِيثُ جَابِرٍ فِي مَجِيءِ عَلِيٍّ مِنَ الْيَمَنِ إِلَى الْحَجِّ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِالسَّنَدَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ. وَقَوْلُهُ هُنَا: وَقَدِمَ عَلِيٌّ بِسِعَايَتِهِ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ يَعْنِي: وِلَايَتِهِ عَلَى الْيَمَنِ لَا بِسِعَايَةِ الصَّدَقَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ: لِأَنَّهُ كَانَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي قِصَّةِ طَلَبِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ أَنْ يَكُونَ عَامِلًا عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ إِنَّهَا أَوْسَاخُ النَّاسِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٦٢ - بَاب غَز وَةُ ذِي الْخَلَصَةِ

٤٣٥٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، حَدَّثَنَا بَيَانٌ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: كَانَ بَيْتٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُقَالُ لَهُ ذُو الْخَلَصَةِ، وَالْكَعْبَةُ الْيَمانِيَةُ، وَالْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ فَقَالَ لِي النَّبِيُّ : أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ، فَنَفَرْتُ فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ رَاكِبًا فَكَسَرْنَاهُ وَقَتَلْنَا مَنْ وَجَدْنَا عِنْدَهُ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ فَأَخْبَرْتُهُ، فَدَعَا لَنَا وَلِأَحْمَسَ.

٤٣٥٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا قَيْسٌ قَالَ قَالَ لِي جَرِيرٌ "قَالَ لِي النَّبِيُّ أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ وَكَانَ بَيْتًا فِي خَثْعَمَ يُسَمَّى الْكَعْبَةَ الْيَمانِيَةَ فَانْطَلَقْتُ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ فَارِسٍ مِنْ أَحْمَسَ وَكَانُوا أَصْحَابَ خَيْلٍ وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ فَضَرَبَ فِي صَدْرِي حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا فَانْطَلَقَ إِلَيْهَا فَكَسَرَهَا وَحَرَّقَهَا ثُمَّ بَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ جَرِيرٍ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْتُهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ قَالَ فَبَارَكَ فِي خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّات".

٤٣٥٧ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسٍ عَنْ جَرِيرٍ قَالَ "قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ فَقُلْتُ بَلَى فَانْطَلَقْتُ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ

فَارِسٍ مِنْ أَحْمَسَ وَكَانُوا أَصْحَابَ خَيْلٍ وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ فَضَرَبَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ يَدِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا" قَالَ فَمَا وَقَعْتُ عَنْ فَرَسٍ بَعْدُ قَالَ وَكَانَ ذُو الْخَلَصَةِ بَيْتًا بِالْيَمَنِ لِخَثْعَمَ وَبَجِيلَةَ فِيهِ نُصُبٌ تُعْبَدُ يُقَالُ لَهُ الْكَعْبَةُ قَالَ فَأَتَاهَا فَحَرَّقَهَا بِالنَّارِ وَكَسَرَهَا قَالَ وَلَمَّا قَدِمَ جَرِيرٌ الْيَمَنَ كَانَ بِهَا رَجُلٌ يَسْتَقْسِمُ بِالأَزْلَامِ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ هَا هُنَا فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْكَ ضَرَبَ عُنُقَكَ قَالَ فَبَيْنَمَا هُوَ يَضْرِبُ بِهَا إِذْ وَقَفَ عَلَيْهِ جَرِيرٌ فَقَالَ لَتَكْسِرَنَّهَا وَلَتَشْهَدَنَّ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ أَوْ لَاضْرِبَنَّ عُنُقَكَ قَالَ فَكَسَرَهَا وَشَهِدَ ثُمَّ بَعَثَ جَرِيرٌ رَجُلاً مِنْ أَحْمَسَ يُكْنَى أَبَا أَرْطَاةَ إِلَى النَّبِيِّ يُبَشِّرُهُ بِذَلِكَ فَلَمَّا أَتَى النَّبِيَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا جِئْتُ حَتَّى تَرَكْتُهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ قَالَ فَبَرَّكَ النَّبِيُّ عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّات".

قَوْلُهُ: (غَزْوَةُ ذِي الْخَلَصَةِ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ، وَحَكَى ابْنُ دُرَيْدٍ فَتْحَ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانَ ثَانِيهِ، وَحَكَى ابْنُ هِشَامٍ ضَمَّهَا، وَقِيلَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ ثَانِيهِ وَالْأَوَّلُ أَشْهُرُ. وَالْخَلَصَةُ نَبَاتٌ لَهُ حَبٌّ أَحْمَرُ كَخَرَزِ الْعَقِيقِ، وَذُو الْخَلَصَةِ اسْمٌ لِلْبَيْتِ الَّذِي كَانَ فِيهِ الصَّنَمُ، وَقِيلَ اسْمُ الْبَيْتِ الْخَلَصَةُ، وَاسْمُ الصَّنَمِ ذُو الْخَلَصَةِ، وَحَكَى الْمُبَرِّدُ أَنَّ مَوْضِعَ ذِي الْخَلَصَةِ صَارَ مَسْجِدًا جَامِعًا لِبَلْدَةٍ يُقَالُ لَهَا: الْعَبْلَاتُ مِنْ أَرْضِ خَثْعَمَ، وَوَهَمَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ فِي بِلَادِ فَارِسَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ، وَبَيَانٌ بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ خَفِيفَةٍ وَهُوَ ابْنُ بِشْرٍ، وَقَيْسٌ هُوَ ابْنُ أبي حَازِمٍ.

قَوْلُهُ: (كَانَ بَيْتٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُقَالُ لَهُ: ذُو الْخَلَصَةِ) فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا أَنَّهُ كَانَ فِي خَثْعَمَ بِمُعْجَمَةٍ وَمُثَلَّثَةٍ وَزْنُ جَعْفَرٍ، قَبِيلَةٌ شَهِيرَةٌ يَنْتَسِبُونَ إِلَى خَثْعَمَ بْنِ أَنْمَارٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ النُّونِ، أَيِ ابْنِ إِرَاشٍ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ، وَفِي آخِرِهِ مُعْجَمَةٌ ابْنِ عَنْزٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ بَعْدَهَا زَايٌ أَيِ ابْنِ وَائِلٍ يَنْتَهِي نَسَبُهُمْ إِلَى رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ إِخْوَةِ مُضَرَ بْنِ نِزَارٍ جَدِّ قُرَيْشٍ، وَقَدْ وَقَعَ ذِكْرُ ذِي الْخَلَصَةِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ مَرْفُوعًا لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبُ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ حَوْلَ ذِي الْخَلَصَةِ، وَكَانَ صَنَمًا تَعْبُدُهُ دَوْسٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ غَيْرُ الْمُرَادِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، وَإِنْ كَانَ السُّهَيْلِيُّ يُشِيرُ إِلَى اتِّحَادِهِمَا؛ لِأَنَّ دَوْسًا قَبِيلَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُمْ يَنْتَسِبُونَ إِلَى دَوْسِ بْنِ عُدْثَانَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَ الدَّالِ السَّاكِنَةِ مُثَلَّثَةٌ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَهْرَانَ، يَنْتَهِي نَسَبُهُمْ إِلَى الْأَزْدِ، فَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ خَثْعَمَ تَبَايُنٌ فِي النَّسَبِ وَالْبَلَدِ. وَذَكَرَ ابْنُ دِحْيَةَ أَنَّ ذَا الْخَلَصَةِ الْمُرَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ قَدْ نَصَبَهُ أَسْفَلَ مَكَّةَ، وَكَانُوا يُلْبِسُونَهُ الْقَلَائِدَ وَيَجْعَلُونَ عَلَيْهِ بَيْضَ النَّعَامِ وَيَذْبَحُونَ عِنْدَهُ، وَأَمَّا الَّذِي لِخَثْعَمَ فَكَانُوا قَدْ بَنَوْا بَيْتًا يُضَاهُونَ بِهِ الْكَعْبَةَ فَظَهَرَ الِافْتِرَاقُ وَقَوِيَ التَّعَدُّدُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَالْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَّةُ وَالْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ) كَذَا فِيهِ. قِيلَ: وَهُوَ غَلَطٌ وَالصَّوَابُ الْيَمَانِيَّةُ فَقَطْ، سَمُّوهَا بِذَلِكَ مُضَاهَاةً لِلْكَعْبَةِ، وَالْكَعْبَةُ الْبَيْتُ الْحَرَامُ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يَكُونُ جِهَةَ الْيَمَنِ شَامِيَّةٌ فَسَمُّوا الَّتِي بِمَكَّةَ شَامِيَّةً، وَالَّتِي عِنْدَهُمْ يَمَانِيَّةً تَفْرِيقًا بَيْنَهُمَا. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الَّذِي فِي الرِّوَايَةِ صَوَابٌ، وَأَنَّهَا كَانَ يُقَالُ لَهَا الْيَمَانِيَّةُ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهَا بِالْيَمَنِ، وَالشَّامِيَّةُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ جَعَلُوا بَابَهَا مُقَابِلَ الشَّامِ، وَقَدْ حَكَى عِيَاضٌ أَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: وَالْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَّةُ الْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ بِغَيْرِ وَاوٍ. قَالَ: وَفِيهِ إبْهَامٌ، قَالَ: وَالْمَعْنَى كَانَ يُقَالُ

لَهَا تَارَةً هَكَذَا وَتَارَةً هَكَذَا، وَهَذَا يُقَوِّي مَا قُلْتُهُ فَإِنَّ إِرَادَةَ ذَلِكَ مَعَ ثُبُوتِ الْوَاوِ أَوْلَى، وَقَالَ غَيْرُهُ: قَوْلُهُ: وَالْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الْخَبَرِ تَقْدِيرُهُ هِيَ الَّتِي بِمَكَّةَ، وَقِيلَ الْكَعْبَةُ مُبْتَدَأٌ والشَّامِيَّةُ خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ، وَالْمَعْنَى وَالْكَعْبَةُ هِيَ الشَّامِيَّةُ لَا غَيْرَ، وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ عَنْ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ أَنَّ لَهُ زَائِدَةٌ وَأَنَّ الصَّوَابَ كَانَ يُقَالُ الْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ أَيْ لِهَذَا الْبَيْتِ الْجَدِيدِ وَالْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَّةُ أَيْ لِلْبَيْتِ الْعَتِيقِ أَوْ بِالْعَكْسِ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَلَيْسَتْ فِيهِ زِيَادَةٌ، وَإِنَّمَا اللَّامُ بِمَعْنَى مِنْ أَجْلِ أَيْ كَانَ يُقَالُ مِنْ أَجْلِهِ الْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ وَالْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَّةُ، أَيْ إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ لِلْعَتِيقِ، وَالْأُخْرَى لِلْجَدِيدِ.

قَوْلُهُ: (أَلَا تُرِيحُنِي) هُوَ بِتَخْفِيفِ اللَّامِ، طَلَبٌ يَتَضَمَّنُ الْأَمْرَ وَخَصَّ جَرِيرًا بِذَلِكَ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي بِلَادِ قَوْمِهِ، وَكَانَ هُوَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، وَالْمُرَادُ بِالرَّاحَةِ رَاحَةُ الْقَلْبِ، وَمَا كَانَ شَيْءٌ أَتْعَبَ لِقَلْبِ النَّبِيِّ مِنْ بَقَاءِ مَا يُشْرَكُ بِهِ مِنْ دُونَ اللَّهِ تَعَالَى. وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ مِائَةُ رَجُلٍ مِنْ بَنِي بَجِيلَةَ، وَبَنِي قُشَيْرٍ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَسَأَلَهُ عَنْ بَنِي خَثْعَمَ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ أَبَوْا أَنْ يُجِيبُوا إِلَى الْإِسْلَامِ، فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى عَامَّةِ مَنْ كَانَ مَعَهُ، وَنَدَبَ مَعَهُ ثَلَاثَمِائَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَسِيرَ إِلَى خَثْعَمَ فَيَدْعُوهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ أَجَابُوا إِلَى الْإِسْلَامِ قَبِلَ مِنْهُمْ وَهَدَمَ صَنَمَهُمْ ذَا الْخَلَصَةِ، وَإِلَّا وَضَعَ فِيهِمُ السَّيْفَ.

قَوْلُهُ: (فَنَفَرْتُ) أَيْ خَرَجْتُ مُسْرِعًا.

قَوْلُهُ: (فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ رَاكِبًا) زَادَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا وَكَانُوا أَصْحَابَ خَيْلٍ أَيْ يَثْبُتُونَ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ فِي الطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُمْ كَانُوا سَبْعَمِائَةٍ، فَلَعَلَّهَا إِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً يَكُونُ الزَّائِدُ رَجَّالَةً وَأَتْبَاعًا. ثُمَّ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ لِابْنِ السَّكَنِ أَنَّهُمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَذُكِرَ عَنْ قَيْسِ بْنِ غَرَبَةَ الْأَحْمَسِيِّ أَنَّهُ وَفَدَ فِي خَمْسِمِائَةٍ، قَالَ: وَقَدِمَ جَرِيرٌ فِي قَوْمِهِ وَقَدِمَ الْحَجَّاجُ بْنُ ذِي الْأَعْيُنِ فِي مِائَتَيْنِ، قَالَ: وَضُمَّ إِلَيْنَا ثَلَاثُمِائَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَغَيْرِهِمْ، فَغَزَوْنَا بَنِي خَثْعَمَ. فَكَأَنَّ الْمِائَةَ وَالْخَمْسِينَ هُمْ قَوْمُ جَرِيرٍ وَتَكْمِلَةَ الْمِائَتَيْنِ أَتْبَاعُهُمْ، وَكَأَنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِيهَا سَبْعُمِائَةٍ مَنْ كَانَ مِنْ رَهْطِ جَرِيرٍ، وَقَيْسِ بْنِ غَرَبَةَ؛ لِأَنَّ الْخَمْسِينَ كَانُوا مِنْ قَبِيلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَغَرَبَةَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ضَبَطَهُ الْأَكْثَرُ.

قَوْلُهُ: (فَكَسَرْنَاهُ) أَيِ الْبَيْتَ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ بَعْدُ.

قَوْلُهُ: (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ فَأَخْبَرْتُهُ) كَذَا فِيهِ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ أَنَّ الَّذِي أَخْبَرَ النَّبِيَّ بِذَلِكَ رَسُولُ جَرِيرٍ، فَكَأَنَّهُ نُسِبَ إِلَى جَرِيرٍ مَجَازًا.

قَوْلُهُ: (فَدَعَا لَنَا وَلِأَحْمَسَ) بِمُهْمَلَةٍ وَزْنُ أَحْمَرَ، وَهُمْ إِخْوَةُ بَجِيلَةَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْجِيمِ رَهْطُ جَرِيرٍ يَنْتَسِبُونَ إِلَى أَحْمَسَ بْنِ الْغَوْثِ بْنِ أَنْمَارٍ، وَبَجِيلَةُ امْرَأَةٌ نُسِبَتْ إِلَيْهَا الْقَبِيلَةُ الْمَشْهُورَةُ، وَمَدَارُ نَسَبِهِمْ أَيْضًا عَلَى أَنْمَارٍ. وَفِي الْعَرَبِ قَبِيلَةٌ أُخْرَى يُقَالُ لَهَا أَحْمَسُ، لَيْسَتْ مُرَادَةً هُنَا، يَنْتَسِبُونَ إِلَى أَحْمَسَ بْنِ ضُبَيْعَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ. وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ فَبَارَكَ فِي خَيْلِ أَحْمَسَ وَرَجَّالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ أَيْ دَعَا لَهُمْ بِالْبَرَكَةِ. وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ فَدَعَا لِأَحْمَسَ بِالْبَرَكَةِ.

قَوْلُهُ: (وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ فَضَرَبَ عَلَى صَدْرِي، حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ فِي صَدْرِي) فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَشَكَا جَرِيرٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ الْقَلَعَ فَقَالَ: ادْنُ مِنِّي، فَدَنَا مِنْهُ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَهَا عَلَى وَجْهِهِ وَصَدْرِهِ حَتَّى بَلَغَ عَانَتَهُ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَأَرْسَلَهَا إلَى ظَهْرِهِ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَى أَلْيَتِهِ، وَهُوَ يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ، فَكَانَ ذَلِكَ لِلتَّبَرُّكِ بِيَدِهِ الْمُبَارَكَةِ.

(فَائِدَةٌ): الْقَلَعُ بِالْقَافِ ثُمَّ اللَّامِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ ضَبَطَهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ: الَّذِي لَا يَثْبُتُ عَلَى السَّرْجِ، وَقِيلَ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: رَجُلٌ قَلِعُ الْقَدَمِ بِالْكَسْرِ إِذَا كَانَتْ قَدَمُهُ لَا تَثْبُتُ عِنْدَ الْحَرْبِ، وَفُلَانٌ قَلِعَةٌ إِذَا كَانَ يَتَقَلَّعُ عَنْ سَرْجِهِ. وَسُئِلَ عَنِ الْحِكْمَةِ فِي قَوْلِهِ: خَمْسَ مَرَّاتٍ فَقِيلَ: مُبَالَغَةً وَاقْتِصَارًا عَلَى

الْوَتْرِ لِأَنَّهُ مَطْلُوبٌ، ثُمَّ ظَهَرَ لِي احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ دَعَا لِلْخَيْلِ وَالرِّجَالِ أَوْ لَهُمَا مَعًا. ثُمَّ أَرَادَ التَّأْكِيدَ فِي تَكْرِيرِ الدُّعَاءِ ثَلَاثًا، فَدَعَا لِلرِّجَالِ مَرَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، وَلِلْخَيْلِ مَرَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ لِيَكْمُلَ لِكُلٍّ مِنَ الصِّنْفَيْنِ ثَلَاثًا، فَكَانَ مَجْمُوعُ ذَلِكَ خَمْسَ مَرَّاتٍ.

قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا) قِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ هَادِيًا حَتَّى يَكُونَ مَهْدِيًّا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: كَامِلًا مُكَمَّلًا، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي حَالِ إِمْرَارِ يَدِهِ عَلَيْهِ فِي الْمَرَّتَيْنِ، وَزَادَ وَبَارِكْ فِيهِ وَفِي ذُرِّيَّتِهِ.

(تَنْبِيهٌ): كَلَامُ الْمِزِّيِّ فِي الْأَطْرَافِ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَهُ: وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ هُنَا مِنْ طَرِيقَيْنِ.

قَوْلُهُ: (فَكَسَرَهَا وَحَرَّقَهَا) أَيْ هَدَمَ بِنَاءَهَا وَرَمَى النَّارَ فِيمَا فِيهَا مِنَ الْخَشَبِ.

قَوْلُهُ في الرواية الثالثة: (وَلَمَّا قَدِمَ جَرِيرٌ الْيَمَنَ إِلَخْ) يُشْعِرُ بِاتِّحَادِ قِصَّتِهِ فِي غَزْوَةِ ذِي الْخَلَصَةِ بِقِصَّةِ ذَهَابِهِ إِلَى الْيَمَنِ، وَكَأَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَمْرِ ذِي الْخَلَصَةِ وَأَرْسَلَ رَسُولَهُ مُبَشِّرًا اسْتَمَرَّ ذَاهِبًا إِلَى الْيَمَنِ لِلسَّبَبِ الَّذِي سَيُذْكَرُ بَعْدَ بَابٍ، وَقَوْلُهُ: يَسْتَقْسِمُ أَيْ يَسْتَخْرِجُ غَيْبَ مَا يُرِيدُ فِعْلَهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ﴾ وَحَكَى أَبُو الْفَرْجِ الْأَصْبِهَانِيُّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَقْسِمُونَ عِنْدَ ذِي الْخَلَصَةِ، وَأَنَّ امْرَأَ الْقِيسِ لَمَّا خَرَجَ يَطْلُبُ بِثَأْرِ أَبِيهِ اسْتَقْسَمَ عِنْدهُ، فَخَرَجَ لَهُ مَا يَكْرَهُ، فَسَبَّ الصَّنَمَ وَرَمَاهُ بِالْحِجَارَةِ، وَأَنْشَدَ:

لَوْ كُنْتَ يَا ذَا الْخَلَصِ الْمَوْتُورَا … لَمْ تَنْهَ عَنْ قَتْلِ الْعُدَاةِ زُورًا قَالَ: فَلَمْ يَسْتَقْسِمْ عِنْدَهُ أَحَدٌ بَعْدُ حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَامُ. قُلْتُ: وَحَدِيثُ الْبَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا يَسْتَقْسِمُونَ عِنْدَهُ حَتَّى نَهَاهُمُ الْإِسْلَامُ، وَكَأَنَّ الَّذِي اسْتَقْسَى عِنْدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَبْلُغْهُ التَّحْرِيمُ أَوْ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ حَتَّى زَجَرَهُ جَرِيرٌ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ بَعَثَ جَرِيرٌ رَجُلًا مِنْ أَحْمَسَ يُكْنَى أَبَا أَرْطَاةَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدهَا مُهْمَلَةٌ وَبَعْدَ الْأَلْفِ هَاءُ تَأْنِيثٍ وَاسْمُ أَبِي أَرْطَاةَ هَذَا حُصَيْنُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَقَعَ مُسَمًّى فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَلِبَعْضِ رُوَاتِهِ: حُسَيْنٌ بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ بَدَلَ الصَّادِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَمَّاهُ حِصْنٌ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ وَقَلَبَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ فَقَالَ: رَبِيعَةُ بْنُ حُصَيْنٍ وَمِنْهُمْ مَنْ سَمَّاهُ أَرْطَاةَ وَالصَّوَابُ أَبُو أَرْطَاةَ حُصَيْنُ بْنُ رَبِيعَةَ وَهُوَ ابْنُ عَامِرِ بْنِ الْأَزْوَرِ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ بَجَلِيٌّ لَمْ أَرَ لَهُ ذِكْرًا إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ) بِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ. هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ نَزْعِ زِينَتِهَا وَإِذْهَابِ بَهْجَتِهَا. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُرَادُ أَنَّهَا صَارَتْ مِثْلَ الْجَمَلِ الْمَطْلِيِّ بِالْقَطِرَانِ مِنْ جَرَبِهِ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّهَا صَارَتْ سَوْدَاءَ لِمَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ التَّحْرِيقِ. وَوَقَعَ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ - وَقِيلَ: إِنَّهَا رِوَايَةُ مُسَدَّدٍ -: أَجْوَفُ بِوَاوٍ بَدَلَ الرَّاءِ وَفَاءٍ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا صَارَتْ صُورَةً بِغَيْرِ مَعْنَى، وَالْأَجْوَفُ الْخَالِي الْجَوْفِ مَعَ كِبْرِهِ فِي الظَّاهِرِ. وَوَقَعَ لِابْنِ بَطَّالٍ مَعْنَى قَوْلِهِ: أَجْرَبُ أَيْ أَسْوَدُ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: أَجْوَفُ أَيْ أَبْيَضُ، وَحَكَاهُ عَنْ ثَابِتٍ السَّرَقُسْطِيِّ، وَأَنْكَرَهُ عِيَاضٌ وَقَالَ: هُوَ تَصْحِيفٌ وَإِفْسَادٌ لِلْمَعْنَى، كَذَا قَالَ، فَإِنْ أَرَادَ إِنْكَارَ تَفْسِيرِ أَجْوَفَ بِأَبْيَضَ فَمَقْبُولٌ؛ لِأَنَّهُ يُضَادُّ مَعْنَى الْأَسْوَدِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ حَرَقَهَا وَالَّذِي يُحْرَقُ يَصِيرُ أَثَرُهُ أَسْوَدَ لَا مَحَالَةَ فِيهِ فَكَيْفَ يُوصَفُ بِكَوْنِهِ أَبْيَضَ، وَإِنْ أَرَادَ إِنْكَارَ لَفْظِ أَجْوَفَ فَلَا إِفْسَادَ فِيهِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ صَارَ خَالِيًا لَا شَيْءَ فِيهِ كَمَا قَرَّرْتُهُ. وَفِي الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ إِزَالَةِ مَا يُفْتَتَنُ بِهِ النَّاسُ مِنْ بِنَاءٍ وَغَيْرِهِ سَوَاءً كَانَ إِنْسَانًا أَوْ حَيَوَانًا أَوْ جَمَادًا، وَفِيهِ اسْتِمَالَةُ نُفُوسِ الْقَوْمِ بِتَأْمِيرِ مَنْ هُوَ مِنْهُمْ، وَالِاسْتِمَالَةُ بِالدُّعَاءِ وَالثَّنَاءِ وَالْبِشَارَةِ فِي الْفُتُوحِ، وَفَضْلُ رُكُوبِ الْخَيْلِ فِي الْحَرْبِ، وَقَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالْمُبَالَغَةُ فِي نِكَايَةِ الْعَدُوِّ، وَمَنَاقِبُ لِجَرِيرٍ وَلِقَوْمِهِ، وَبَرَكَةُ يَدِ النَّبِيِّ وَدُعَائِهِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَدْعُو وِتْرًا وَقَدْ يُجَاوِزُ الثَّلَاثَ.

وَفِيهِ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ل ابنِ عُمَرَ أنَّ أنسا حَدَّثَهُمْ أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أهَلَّ بِعُمْرَةٍ وحَجَّةٍ فَقَالَ أهَلَّ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالحَجِّ وأهلَلْنا بهِ معَهُ فلَمَّا قَدِمنا مَكَّةَ قَالَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فليَجْعَلْها عُمْرَةً وَكَانَ مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَدْيٌ فَقَدِمَ علَيْنا علِيُّ بنُ أبي طالِبٍ مِنَ اليَمَن حاجًّا فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَ أهْلَلْتَ فإنَّ مَعَنا أهْلَكَ قَالَ أهْلَلْتُ بِمَا أهَلَّ بهِ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فأمْسِكْ فإنَّ مَعَنَا هَدْياً.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَقدم علينا عَليّ بن أبي طَالب من الْيمن) ، وَبكر هُوَ ابْن عبد الله الْمُزنِيّ الْبَصْرِيّ. والْحَدِيث قد مر فِي الْحَج.

٦٢ - (غَزْوَةُ ذِي الخَلَصَةِ)

أَي هَذَا بَيَان غَزْوَة ذِي الخلصة، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَاللَّام وَالصَّاد الْمُهْملَة. وَحكى ابْن دُرَيْد فتح أَوله وَسُكُون ثَانِيَة، وَحكى ابْن هِشَام ضمهما، وَقيل بِفَتْح أَوله وَضم ثَانِيه، وَالْأول أشهر. وَفِي بعض النّسخ: بَاب غَزْوَة ذِي الخلصة، وَهُوَ اسْم الْبَيْت الَّذِي كَانَ فِيهِ الصَّنَم، وَقيل: اسْم الْبَيْت الخلصة. وَاسم الصَّنَم: ذُو الخلصة، وَقيل: هُوَ اسْم صنم لدوس سيعبد فِي آخر الزَّمَان، ثَبت فِي الحَدِيث: لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى تَصْطَفِق أليات نسَاء دوس وخثعم حول ذِي الْخصْلَة. وَفِي (التَّلْوِيح) : الخلصة فِي اللُّغَة نَبَات ينْبت نَبَات الْكَرم لَهُ حب كعنب الثَّعْلَب. وَله ورق أغبر رقاق مُدَوَّرَة وَاسِعَة وَله ورد كورد الموز وَهُوَ أَحْمَر كخرز العقيق وَلَا يُؤْكَل وَلكنه يرْعَى، وموضعه الْيَوْم مَسْجِد جَامع لبلدة يُقَال لَهَا: العبلات من أَرض خثعم، ذكره الْمبرد عَن أبي عُبَيْدَة وَبَعض الشَّارِحين وهم فِيهِ وَقَالَ: إِنَّه كَانَ فِي بِلَاد فَارس، فَافْهَم.

٤٣٥٥ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حدّثنا خالِدٌ حدّثنا بَيانٌ عنْ قَيْسٍ عنْ جَرِيرٍ قَالَ كانَ بَيْتٌ فِي الجاهِلِيَّةِ يُقالُ لَهُ ذُو الخَلَصَةِ والكَعْبَةُ اليَمانِيَةُ والكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ فَقَالَ لِي النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ألَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ فَنَفَرْتُ فِي مِائَةٍ وخَمْسِينَ رَاكِباً فَكَسَرْنَاهُ وقَتَلْنا مَنْ وجَدْنا عِنْدَهُ فأتَيْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأخْبَرْتُهُ فَدَعَا لَنا ولأِحْمَسَ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وخَالِد هُوَ ابْن عبد الله الطَّحَّان، وَبَيَان، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقيس هُوَ ابْن أبي حَازِم، وَجَرِير بن عبد الله البَجلِيّ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالْجِيم.

والْحَدِيث مضى فِي: بَاب ذكر جرير بن عبد الله البَجلِيّ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِسْحَاق الوَاسِطِيّ عَن خَالِد عَن بَيَان ... الخ بأتم مِنْهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن عبد الحميد عَن خَالِد بِهِ.

قَوْله: (يُقَال لَهُ: ذُو الخلصة والكعبة اليمانية والكعبة الشامية) ، قَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ إِشْكَال إِذْ كَانُوا يَقُولُونَ لَهُ: الْكَعْبَة اليمانية، فَقَط، وَأما الْكَعْبَة الشامية فَهِيَ الْكَعْبَة المعظمة الَّتِي بِمَكَّة، فَلَا بُد من التَّأْوِيل بِأَن يُقَال: كَانَ يُقَال لَهُ: الْكَعْبَة اليمانية، وَالَّتِي بِمَكَّة الْكَعْبَة الشامية، وَقَالَ: ذكر الشامية غلط. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن تكون الْكَعْبَة مُبْتَدأ. وَقَوله: (الشامية) . خَبره وَالْجُمْلَة حَال، وَمَعْنَاهَا: أَن الْكَعْبَة هِيَ الشامية لَا غير، وَعند مُسلم: وَكَانَ يُقَال لَهُ: الْكَعْبَة اليمانية والشامية، قَالَ السُّهيْلي: وَهَذَا مُشكل، وَمَعْنَاهُ: كَانَ يُقَال لَهُ: الْكَعْبَة والكعبة الشامية الْبَيْت، فَزِيَادَة: لَهُ، فِي الحَدِيث سَهْو وبإسقاطه يَصح الْمَعْنى، قَالَه بعض النَّحْوِيين، وَقَالَ: وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي بسهو وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: وَكَانَ يُقَال لَهُ، أَي: يُقَال من أَجله الْكَعْبَة اليمانية، وَله بِمَعْنى: من أَجله، لَا يُنكر فِي الْعَرَبيَّة وَقَالَ عِيَاض: وَفِي بعض الرِّوَايَات: والكعبة اليمانية الشامية، بِغَيْر وَاو، وَقَالَ: وَفِيه إِبْهَام، قَالَ: وَالْمعْنَى: كَانَ يُقَال لَهُ تَارَة هَكَذَا وَتارَة هَكَذَا. قَوْله: (أَلا تريحني) كلمة: أَلا، بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف اللَّام للتحضيض، وَقيل: طلب يتَضَمَّن الْأَمر، وتريحني، من الإراحة بالراء والحاء الْمُهْملَة والمرادا رَاحَة الْقلب، وَإِنَّمَا خص جَرِيرًا بذلك لِأَنَّهَا كَانَت فِي بِلَاد قومه

وَكَانَ هُوَ من أَشْرَافهم. قَوْله: (فنفرت) ، أَي: خرجت مسرعاً. قَوْله: (فكسرناه) ، أَي: الْبَيْت. قَوْله: (ولأحمس) على وزن أَحْمَر بالمهملتين، وأحمس أَخُو بخيلة، رَهْط جرير رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ينسبون إِلَى أحمس بن الْغَوْث بن أَنْمَار، وبجيلة امْرَأَة نسبت إِلَيْهَا الْقَبِيلَة، وقبيلة أُخْرَى يُقَال لَهَا: أحمس بن ضبيعة بن ربيعَة بن نزار، وَلَيْسَت هَذِه بمراده هَهُنَا.

٤٣٥٥ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حدّثنا خالِدٌ حدّثنا بَيانٌ عنْ قَيْسٍ عنْ جَرِيرٍ قَالَ كانَ بَيْتٌ فِي الجاهِلِيَّةِ يُقالُ لَهُ ذُو الخَلَصَةِ والكَعْبَةُ اليَمانِيَةُ والكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ فَقَالَ لِي النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ألَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ فَنَفَرْتُ فِي مِائَةٍ وخَمْسِينَ رَاكِباً فَكَسَرْنَاهُ وقَتَلْنا مَنْ وجَدْنا عِنْدَهُ فأتَيْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأخْبَرْتُهُ فَدَعَا لَنا ولأِحْمَسَ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وخَالِد هُوَ ابْن عبد الله الطَّحَّان، وَبَيَان، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقيس هُوَ ابْن أبي حَازِم، وَجَرِير بن عبد الله البَجلِيّ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالْجِيم.

والْحَدِيث مضى فِي: بَاب ذكر جرير بن عبد الله البَجلِيّ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِسْحَاق الوَاسِطِيّ عَن خَالِد عَن بَيَان ... الخ بأتم مِنْهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن عبد الحميد عَن خَالِد بِهِ.

قَوْله: (يُقَال لَهُ: ذُو الخلصة والكعبة اليمانية والكعبة الشامية) ، قَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ إِشْكَال إِذْ كَانُوا يَقُولُونَ لَهُ: الْكَعْبَة اليمانية، فَقَط، وَأما الْكَعْبَة الشامية فَهِيَ الْكَعْبَة المعظمة الَّتِي بِمَكَّة، فَلَا بُد من التَّأْوِيل بِأَن يُقَال: كَانَ يُقَال لَهُ: الْكَعْبَة اليمانية، وَالَّتِي بِمَكَّة الْكَعْبَة الشامية، وَقَالَ: ذكر الشامية غلط. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن تكون الْكَعْبَة مُبْتَدأ. وَقَوله: (الشامية) . خَبره وَالْجُمْلَة حَال، وَمَعْنَاهَا: أَن الْكَعْبَة هِيَ الشامية لَا غير، وَعند مُسلم: وَكَانَ يُقَال لَهُ: الْكَعْبَة اليمانية والشامية، قَالَ السُّهيْلي: وَهَذَا مُشكل، وَمَعْنَاهُ: كَانَ يُقَال لَهُ: الْكَعْبَة والكعبة الشامية الْبَيْت، فَزِيَادَة: لَهُ، فِي الحَدِيث سَهْو وبإسقاطه يَصح الْمَعْنى، قَالَه بعض النَّحْوِيين، وَقَالَ: وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي بسهو وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: وَكَانَ يُقَال لَهُ، أَي: يُقَال من أَجله الْكَعْبَة اليمانية، وَله بِمَعْنى: من أَجله، لَا يُنكر فِي الْعَرَبيَّة وَقَالَ عِيَاض: وَفِي بعض الرِّوَايَات: والكعبة اليمانية الشامية، بِغَيْر وَاو، وَقَالَ: وَفِيه إِبْهَام، قَالَ: وَالْمعْنَى: كَانَ يُقَال لَهُ تَارَة هَكَذَا وَتارَة هَكَذَا. قَوْله: (أَلا تريحني) كلمة: أَلا، بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف اللَّام للتحضيض، وَقيل: طلب يتَضَمَّن الْأَمر، وتريحني، من الإراحة بالراء والحاء الْمُهْملَة والمرادا رَاحَة الْقلب، وَإِنَّمَا خص جَرِيرًا بذلك لِأَنَّهَا كَانَت فِي بِلَاد قومه وَكَانَ هُوَ من أَشْرَافهم. قَوْله: (فنفرت) ، أَي: خرجت مسرعاً. قَوْله: (فكسرناه) ، أَي: الْبَيْت. قَوْله: (ولأحمس) على وزن أَحْمَر بالمهملتين، وأحمس أَخُو بخيلة، رَهْط جرير رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ينسبون إِلَى أحمس بن الْغَوْث بن أَنْمَار، وبجيلة امْرَأَة نسبت إِلَيْهَا الْقَبِيلَة، وقبيلة أُخْرَى يُقَال لَهَا: أحمس بن ضبيعة بن ربيعَة بن نزار، وَلَيْسَت هَذِه بمراده هَهُنَا.

٤٣٥٦ - ح دّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حدّثنا يَحيى حدَّثنا إسْماعِيلُ حَدثنَا قَيْسٌ قَالَ قَالَ لِي جَرِيرٌ رَضِي الله عَنهُ قَالَ لي النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ألَا ترِيحُنِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ وكانَ بَيْتاً فِي خَثْعَمَ يُسَمَّى الكَعْبَةَ اليَمانِيَةَ فَانْطَلَقْتُ فِي خَمْسِينَ ومِائَةِ فارِسٍ مِنْ أحْمَسَ وكانُوا أصْحَابَ خَيْلٍ وكُنْتُ لَا أثْبُتُ عَلى الخَيْلِ فَضَرَبَ فِي صَدْرِي حَتَّى رأيْتُ أثَرَ أصابِعِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ واجْعَلْهُ هادِياً مَهْدِيًّا فانْطَلَقَ إلَيْهَا فَكَسَرَهَا وحَرَّقَها ثُمَّ بَعَثَ إِلَى رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ رسُولُ جَرِيرٍ والَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ مَا جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْتُها كأنَّها جَمَلٌ أجْرَبُ قَالَ فَبَارَكَ فِي خَيْلِ أحْمسَ ورِجَالِها خَمْسَ مرَّاتٍ. .

هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد البَجلِيّ الْكُوفِي عَن قيس بن أبي حَازِم. والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد فِي: بَاب الْبشَارَة فِي الْفتُوح بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد.

قَوْله: (فِي خثعم) بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة: قَبيلَة بِالْيمن، وَقَالَ الرشاطي: هُوَ أقبل بن أَنْمَار بن أرش بن عَمْرو بن الْغَوْث بن نبت بن ملكان بن زيد بن كهلان، وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ عَن أَبِيه: إِنَّمَا سمي: أقبل، بخثعم بجمل لَهُ يُقَال لَهُ: خثعم. قَوْله: (جمل أجرب) بِالْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَهُوَ كِنَايَة عَن إِزَالَة بهجتها وإذهاب زينتها. وَقَالَ الْخطابِيّ: المُرَاد هَا صَارَت مثل الْجمل المطلي بالقطران من جربه، يَعْنِي: صَارَت سَوْدَاء لما وَقع فِيهَا من التحريق، وروى عَن مُسَدّد: أجوف، بِالْوَاو وَالْفَاء بدل: أجرب، فَإِن صحت الرِّوَايَة فَمَعْنَاه: صَارَت خَالِيَة لَا شَيْء فِيهَا.

٤٣٥٧ - ح دّثنا يُوسُفُ بنُ مُوسَى أخبرَنا أبُو أُسامَةَ عنْ إسْماعِيلَ بنِ أبي خالِدٍ عنْ قَيْسٍ عنْ جَرِيرٍ قَالَ قَالَ لي رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَلا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ فَقُلْتُ بَلى فانْطَلَقْتُ فِي خَمْسِينَ ومِائَةِ فارِسٍ مِنْ أحْمَسَ وكانُوا أصْحَابَ خَيْلٍ وكُنْتُ لَا أثْبُتُ عَلَى الخَيْلِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَضَرَبَ يَدَهُ عَلى صَدْرِي حَتَّى رأيْتُ أثَرَ يَدِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ واجْعلْهُ هادِياً مَهْدِيًّا قَالَ فَمَا وقَعْتُ عنْ فَرَسٍ بَعْدُ قَالَ وكانَ ذُو الخَلَصَةِ بَيْتاً باليْمَنِ لِخَثْعَمَ وبَجِيلَةَ فِيهِ نُصُبٌ تُعْبَدُ يُقالُ لهُ الكَعْبَةُ قَالَ فَأَتَاهَا فَحَرَّقَها بالنارِ وكَسَرَهَا قَالَ ولَّما قَدِمَ جَرِيرٌ اليَمَنَ كانَ بِها رجُلٌ يَسْتَقْسِمُ بالأزلَامِ فَقِيلَ لهُ إنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هاهُنا فإنْ قَدَرَ عَلَيْكَ ضَرَبَ عُنُقَكَ قَالَ فبيْنَمَا هُوَ يَضْرِبُ بِها إذْ وَقَفَ عَلَيْهِ جَرِيرٌ فَقَالَ لَتَكْسِرَنَّها وَلَتَشْهَدَنْ أنْ لَا إلاهَ إلَاّ الله أوْ لأضْرِبَنَّ عُنُقَك قَالَ فكَسَرَها وشَهِدَ ثُمَّ بَعَثَ جَرِيرٌ رجُلاً مِنْ أحْمَسَ يُكْنَى أَبَا أرْطاةَ إِلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُبْشِّرُهُ بِذَلِكَ فَلَمَّا أتَى النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يَا رسُولَ الله والّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ مَا جِئْتُ حَتَّى تَرَكْتُها كَأَنَّهَا جَمَلٌ أجْرَبُ قَالَ فبَرَّك النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلى خَيْلِ أحمَسَ ورِجالِها خَمْسَ مَرَّاتٍ. .

هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث السَّابِق أخرجه عَن يُوسُف بن مُوسَى بن رَاشد الْقطَّان الْكُوفِي، سكن بَغْدَاد، عَن أبي

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.6 / 29.5
الإضاءة 76%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
سبحان الله