«وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ جَالِسًا، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُ أَوْ طَالِبُ حَاجَةٍ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٠٢٧

الحديث رقم ٦٠٢٧ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضا.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «وكان النبي ﷺ جالسا، إذ جاء رجل يسأل أو طالب…

«وَكَانَ النَّبِيُّ جَالِسًا، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُ أَوْ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ»

سند حديث: ٦٠٢٧ -

٦٠٢٧ -

شرح حديث: «وكان النبي ﷺ جالسا، إذ جاء رجل يسأل أو طالب…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي مُوسَى، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ.

٦٠٢٧ - وَكَانَ النَّبِيُّ جَالِسًا إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُ أَوْ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ تَعَاوُنِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا) بِجَرِّ بَعْضِهِمْ عَلَى الْبَدَلِ وَيَجُوزُ الضَّمُّ.

قوله سفيان هو الثوري وبريد بن أبي بردة بموحدة وراء مصغر هو ابن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى، نسب لجده، وكنية بريد أبو بردة أيضا. وقد أخرجه النسائي من طريق يحيى القطان: حدثنا سفيان، حدثني أبو بردة بن عبد الله بن أبي بردة. فذكره.

قَوْلُهُ: (الْمُؤْمِنُ للمؤمن كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا) اللَّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ، وَالْمُرَادُ بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ لِلْبَعْضِ، وَقَوْلُهُ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا بَيَانٌ لِوَجْهِ التَّشْبِيهِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: نَصَبَ بَعْضًا بِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ هُوَ مَفْعُولُ يَشُدُّ. قُلْتُ: وَلِكُلٍّ وَجْهٌ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَالْمُعَاوَنَةُ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ وَكَذَا فِي الْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ مِنَ الدُّنْيَا مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا، وَقَدْ ثَبَتَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ) هُوَ بَيَانٌ لِوَجْهِ التَّشْبِيهِ أَيْضًا أَيْ يَشُدُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِثْلَ هَذَا الشَّدِّ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الَّذِي يُرِيدُ الْمُبَالَغَةَ فِي بَيَانِ أَقْوَالِهِ يُمَثِّلُهَا بِحَرَكَاتِهِ لِيَكُونَ أَوْقَعَ فِي نَفْسِ السَّامِعِ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ النَّبِيُّ جَالِسًا إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُ أَوْ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: اشْفَعُوا) هَكَذَا وَقَعَ فِي النُّسَخِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَفِي تَرْكِيبِهِ قَلَقٌ، وَلَعَلَّهُ كان فِي الْأَصْلِ: كَانَ إِذَا كَانَ جَالِسًا إِذَا جَاءَ رَجُلٌ إِلَخْ، فَحُذِفَ اخْتِصَارًا أَوْ سَقَطَ عَلَى الرَّاوِيِ لَفْظُ إِذَا كَانَ عَلَى أَنَّنِي تَتَبَّعْتُ أَلْفَاظَ الْحَدِيثِ مِنَ الطُّرُقِ فَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا بِلَفْظِ جَالِسًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ زُرَيْقٍ، عَنِ الْفِرْيَابِيِّ بِلَفْظِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ أَوْ طَالِبُ الْحَاجَةِ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ الْحَدِيثَ، وَهَذَا السِّيَاقُ لَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ سُفْيَانَ مُخْتَصَرًا اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا إِلَخْ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، لَكِنَّهُ جَعَلَهُ كُلَّهُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ؛ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِنِّي أُوتَى فَأُسْأَلُ أَوْ تُطْلَبُ إِلَيَّ الْحَاجَةُ وَأَنْتُمْ عِنْدِي، فَاشْفَعُوا الْحَدِيثَ.

وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ، وَلَفْظُهُ عَنِ النَّبِيِّ : أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ أَوْ صَاحِبُ الْحَاجَةِ وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَتَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ بُرَيْدٍ بِلَفْظِ: كَانَ إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ أَوْ طُلِبتْ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، وَحَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ كِلَاهُمَا عَنْ بُرَيْدٍ بِلَفْظِ: كَانَ إِذَا أَتَاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ عَلَى جُلَسَائِهِ فَقَالَ فَذَكَرَهُ.

قَوْلُهُ: (فَلْتُؤْجَرُوا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ تُؤْجَرُوا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَقَعَ فِي أَصْلِ مُسْلِمٍ اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا بِالْجَزْمِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ الْمُضَمَّنِ مَعْنَى الشَّرْطِ، وَهُوَ وَاضِحٌ، وَجَاءَ بِلَفْظِ: فَلْتُؤْجَرُوا، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّامُ مَكْسُورَةً لِأَنَّهَا لَامُ كَيْ، وَتَكُونُ الْفَاءُ زَائِدَةً كَمَا زِيدَتْ فِي حَدِيثِ: قُومُوا فَلِأُصَلِّيَ لَكُمْ وَيَكُونُ مَعْنَى الْحَدِيثِ اشْفَعُوا كَيْ تُؤْجَرُوا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لَامُ الْأَمْرِ وَالْمَأْمُورُ بِهِ التَّعَرُّضُ لِلْأَجْرِ بِالشَّفَاعَةِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: اشْفَعُوا فَتُعَرَّضُوا بِذَلِكَ لِلْأَجْرِ، وَتُكْسَرُ هَذِهِ اللَّامُ عَلَى أَصْلِ لَامِ الْأَمْرِ، وَيَجُوزُ تَسْكِينُهَا تَخْفِيفًا لِأَجْلِ الْحَرَكَةِ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

إِن الله رَفِيق يحب الرِّفْق وَيُعْطِي على الرِّفْق مَا لَا يُعْطي على العنف قَوْله أَو لم تسمع بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام وواو الْعَطف قيل مَا مَعْنَاهُ والعطف يَقْتَضِي التَّشْرِيك وَهُوَ غير جَائِز وَأجِيب بِأَنَّهُ الْمُشَاركَة فِي الْمَوْت أَي نَحن وَأَنْتُم كلنا نموت أَو تكون الْوَاو للاستئناف لَا للْعَطْف أَو تَقْدِيره وَأَقُول عَلَيْكُم مَا تستحقونه وَإِنَّمَا اخْتَار هَذِه الصِّيغَة ليَكُون أبعد عَن الإيحاش وَأقرب إِلَى الرِّفْق وَاخْتلف هَل يُؤْتى بِالْوَاو فِي الرَّد أم لَا فَقَالَ ابْن حبيب لَا يُؤْتى بهَا لِأَن فِيهَا اشتراكا وَخَالفهُ ابْن الْجلاب وَالْقَاضِي أَبُو مُحَمَّد وَقيل يَقُول عَلَيْك السَّلَام بِالْكَسْرِ وَقَالَ طَاوس يرد وعلاك السام أَي ارْتَفع وَقَالَ النَّخعِيّ إِذا كَانَ لَهُ عِنْده حَاجَة تبدأ بِالسَّلَامِ وَلَا ترد عَلَيْهِ كَامِلا فَلَا يجب أَن يكرم كَالْمُسلمِ وسمح بَعضهم فِي رد السَّلَام عَلَيْكُم وَاحْتج بقوله تَعَالَى {فاصفح عَنْهُم وَقل سَلام} وَلَو كَانَ كَمَا قَالَ لقَالَ سَلاما بِالنّصب وَإِنَّمَا يَعْنِي بذلك على اللَّفْظ والحكاية وَأَيْضًا فقد قيل أَن الْآيَة مَنْسُوخَة بِآيَة السَّيْف وَاخْتلف هَل يكنى الْيَهُودِيّ فكرهه مَالك وَرخّص فِيهِ ابْن عبد الحكم وَاحْتج بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - انْزِلْ أَبَا وهب -

٦٠٢٥ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ حَدثنَا حمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ أنَّ أعْرَابِيًّا بَال فِي المسْجِد، فقامُوا إلَيْهِ فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تُزْرِمُوهُ، ثُمَّ دَعا بِدَلْوٍ مِنْ ماءٍ فَصُبَّ عَلَيْهِ. (انْظُر الحَدِيث ٢١٩ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَول الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَإِنَّهُ رفق بِهِ ونهاهم عَن قطع بَوْله.

والْحَدِيث قد مضى فِي الطَّهَارَة فِي: بَاب ترك النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالنَّاس الْأَعرَابِي حَتَّى فرغ من بَوْله، وَفِي: بَاب صب المَاء على الْبَوْل فِي الْمَسْجِد.

قَوْله: (فَقَامُوا إِلَيْهِ) أَي: ليؤذوه وليضربوه. قَوْله: (لَا تزرموه) من الإزرام بالزاي ثمَّ الرَّاء أَي: لَا تقطعوا عَلَيْهِ بَوْله، وزرم الْبَوْل أَي: انْقَطع. قَوْله: (فصب عَلَيْهِ) أَي: على الْموضع الَّذِي بَال عَلَيْهِ، وَمر الْبَحْث فِيهِ هُنَاكَ.

٣٦ - (بابُ تعاوُنِ المُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ بَعْضاً)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل معاونة الْمُؤمنِينَ بَعضهم بَعْضًا، وَالْأَجْر فِيهَا. قَوْله: (بَعضهم) بِالْجَرِّ على أَنه بدل من الْمُؤمنِينَ بدل الْبَعْض من الْكل، وَيجوز الضَّم أَيْضا. قَوْله: بَعْضًا، قَالَ الْكرْمَانِي: مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي: للْبَعْض. قلت: الْأَوْجه أَن يكون مفعول مصدر الْمُضَاف إِلَى فَاعله وَهُوَ لفظ التعاون لِأَن الْمصدر يعْمل عمل فعله.

٦٠٢٦ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حَدثنَا سُفْيانُ عَنْ أبي بُرْدَة بُريْدِ بنِ أبي بُرْدَةَ قَالَ: أَخْبرنِي جَدِّي أبُو بُرْدَةَ عَنْ أبِيهِ أبي مُوسَى عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كالْبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً، ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ. (انْظُر الحَدِيث ٤٨١ وطرفه) .

وكانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، جَالِسا إذْ جاءَ رَجُلٌ يَسألُ أوْ طالِبُ حاجَةٍ أقْبَلَ عَلَيْنا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ الله عَلَى لِسانِ نَبِيِّهِ مَا شاءَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ. وَمُحَمّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَأَبُو بردة: بِضَم الْبَاء وَسُكُون الرَّاء كنية بريد مصغر الْبرد ابْن عبد الله بن أبي بردة أَيْضا واسْمه عَامر بن مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ، فَأَبُو بردة يروي عَن جده أبي بردة وَهُوَ يروي عَن أَبِيه أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ.

والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ من طَرِيق يحيى الْقطَّان: حَدثنَا سُفْيَان حَدثنِي أَبُو بردة ابْن عبد الله بن أبي بردة ... فَذكره.

قَوْله: (وَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَالِسا)

إِلَى آخِره مضى فِي الزَّكَاة: حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا عبد الْوَاحِد حَدثنَا أَبُو بردة بن عبد الله بن أبي بردة حَدثنَا أَبُو بردة بن أبي مُوسَى عَن أَبِيه قَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا جَاءَهُ سَائل أَو: طلبت إِلَيْهِ حَاجَة قَالَ: اشفعوا تؤجروا وليقض الله على لِسَان نبيه مَا شَاءَ، وَأخرجه أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن أبي كريب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (الْمُؤمن) التَّعْرِيف فِيهِ للْجِنْس وَالْمرَاد: بعض الْمُؤمن للْبَعْض. قَوْله: (ويشد بعضه بَعْضًا) بَيَان لوجه التَّشْبِيه. قَوْله: (ثمَّ شَبكَ بَين أَصَابِعه) كالبيان للْوَجْه أَي: شداً مثل هَذَا الشد، وَقَالَ ابْن بطال: المعاونة فِي أُمُور الْآخِرَة، وَكَذَا فِي الْأُمُور الْمُبَاحَة من الدُّنْيَا مَنْدُوب إِلَيْهَا، وَقد ثَبت حَدِيث أبي هُرَيْرَة: وَالله فِي عون العَبْد مَا كَانَ الْبعد فِي عون أَخِيه. قَوْله: (وَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَالِسا) لفظ:

جَالِسا لَيْسَ بموجود فِي رِوَايَة الزَّكَاة، وَقَالَ بَعضهم: هَكَذَا وَقع فِي النّسخ من رِوَايَة مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَفِي تركيبه قلق، وَلَعَلَّه كَانَ فِي الأَصْل: كَانَ إِذا كَانَ جَالِسا إِذْ جَاءَهُ رجل ... إِلَى آخِره فَحذف اختصاراً، أَو سقط على الرَّاوِي لفظ: إِذا كَانَ، وَقد أخرجه أَبُو نعيم من رِوَايَة إِسْحَاق بن زُرَيْق عَن الْفرْيَابِيّ بِلَفْظ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا جَاءَهُ السَّائِل أَو طَالب الْحَاجة أقبل علينا بِوَجْهِهِ ... الحَدِيث، وَهَذَا السِّيَاق لَا إِشْكَال فِيهِ. قلت: لَا قلق فِي التَّرْكِيب أصلا، وَآفَة هَذَا الْكَلَام من ظن هَذَا الْقَائِل أَن: جَالِسا، خبر كَانَ وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا خبر كَانَ هُوَ قَوْله: (أقبل علينا) و: (جَالِسا) نصب على الْحَال من النَّبِي فَافْهَم. قَوْله: (تؤجروا) رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: فلتؤجروا، وَالْفَاء على هَذِه الرِّوَايَة هِيَ الْفَاء السبية الَّتِي ينْتَصب بعْدهَا الْفِعْل الْمُضَارع، وَاللَّام بِالْكَسْرِ بِمَعْنى: كي، وَجَاز اجْتِمَاعهمَا لأَنهم لأمر وَاحِد وَتَكون الْفَاء الجزائية لِكَوْنِهِمَا جَوَابا لِلْأَمْرِ وزائدة على مَذْهَب الْأَخْفَش هِيَ عاطفة على: اشفعوا، وَاللَّام لِلْأَمْرِ أَو على مُقَدّر أَي: إشفعوا لتؤجروا فلتؤجروا. نَحْو: { (٢) إيَّايَ فارهبون} (الْبَقَرَة: ٢٤٠، والنحل: ٥١) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا فَائِدَة اللَّام؟ قلت: اشفعوا تؤجروا، وَالشّرط مُتَضَمّن للسَّبَبِيَّة، فَإِذا ذكرت اللَّام فقد صرحت بالسببية. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: اللَّام وَالْفَاء مقحمان للتَّأْكِيد لِأَنَّهُ لَو قيل: اشفعوا تؤجروا، صَحَّ أَي: إِذا عرض الْمُحْتَاج حَاجَة عَليّ فاشفعوا لَهُ إِلَيّ فَإِنَّكُم إِذا شفعتم حصل لكم الْأجر سَوَاء قبلت شفاعتكم أَو لَا، وَيجْرِي الله على لساني مَا يَشَاء من مُوجبَات قَضَاء الْحَاجة أَو عدمهَا، أَي: إِن قضيتها أَو لم أقضها فَهُوَ بِتَقْدِير الله وقضائه. قَوْله: (وليقض الله) كَذَا ثَبت فِي هَذِه الرِّوَايَة. وليقض بِاللَّامِ وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي أُسَامَة الَّتِي بعْدهَا للكشميهني فَقَط، وللباقين بِغَيْر لَام، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق عَليّ بن مسْهر وَحَفْص بن غياث: فليقض أَيْضا.

٣٧ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقِيتاً} (النِّسَاء: ٨٥) كِفْلٌ: نَصِيبٌ. قَالَ أبُو مُوسَى: كِفْلَيْنِ أجْرَيْنِ، بالحَبَشِيَّةِ.)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله تَعَالَى ... إِلَى آخِره، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين الْآيَة بِتَمَامِهَا، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: {من يشفع شَفَاعَة حَسَنَة يكن لَهُ نصيب مِنْهَا} وَقَالَ مُجَاهِد وَغَيره: نزلت هَذِه الْآيَة فِي شَفَاعَة النَّاس بَعضهم لبَعض. قَوْله: {من يشفع شَفَاعَة حَسَنَة} يَعْنِي فِي الدُّنْيَا. {يكن لَهُ نصيب مِنْهَا} فِي الْآخِرَة. وَقيل: الشَّفَاعَة الْحَسَنَة الدُّعَاء للْمُؤْمِنين، والسيئة الدُّعَاء عَلَيْهِم، وَالْأَجْر على الشَّفَاعَة لَيْسَ على الْعُمُوم بل مَخْصُوص بِمَا تجوز فِيهِ الشَّفَاعَة، والشفاعة الْحَسَنَة ضابطها مَا أذن فِيهِ الشَّرْع دون مَا لم يَأْذَن فِيهِ، فالآية تدل عَلَيْهِ قَوْله: كفل، أَي: نصيب، وَكَذَا فسره البُخَارِيّ بقوله: (كفل: نصيب) وَهُوَ تَفْسِير أبي عُبَيْدَة، وَقَالَ الْحسن وَقَتَادَة: الكفل الْوزر وَالْإِثْم، وَقَالَ ابْن فَارس: الكفل الضعْف. قَوْله: {مقيتاً} أَي: شَاهدا ومطلعاً على كل شَيْء، من أقات الشَّيْء إِذا شهد عَلَيْهِ، وَيُقَال: المقيت خَالق الأفوات الْبَدَنِيَّة والروحانية وموصلها إِلَى الأشباح والأرواح. وَقيل: المقيت المقتدر بلغَة قُرَيْش. قَوْله: (قَالَ أَبُو مُوسَى) هُوَ الْأَشْعَرِيّ، واسْمه: عبد الله بن قيس، وَوصل تَعْلِيقه ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق أبي إِسْحَاق عَن أبي الْأَحْوَص عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: { (٧٥) يُؤْتكُم كِفْلَيْنِ من رَحمته} (الْحَدِيد: ٢٨) قَالَ: ضعفين، بالحبشية. يَعْنِي: لغتهم فِي ذَلِك وَافَقت لُغَة الْعَرَب.

٥٦ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن الْعَلَاء حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن بريد عَن أبي بردة عَن أبي مُوسَى عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنه كَانَ إِذا أَتَاهُ السَّائِل أَو صَاحب الْحَاجة قَالَ اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لِسَان رَسُوله مَا شَاءَ) اعاد الحَدِيث الَّذِي ذكره فِي الْبَاب السَّابِق عَن أبي مُوسَى عقيب الْآيَة الْمَذْكُورَة تَنْبِيها على أَن الشَّفَاعَة على نَوْعَيْنِ فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة كَمَا صرح بذلك وَمضى الْكَلَام فِي رِجَاله وَمَعْنَاهُ قَوْله أوصاحب الْحَاجة فِي رِوَايَة الكشمينى صَاحب حَاجَة بِدُونِ الالف وَاللَّام

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي مُوسَى، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ.

٦٠٢٧ - وَكَانَ النَّبِيُّ جَالِسًا إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُ أَوْ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ تَعَاوُنِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا) بِجَرِّ بَعْضِهِمْ عَلَى الْبَدَلِ وَيَجُوزُ الضَّمُّ.

قوله سفيان هو الثوري وبريد بن أبي بردة بموحدة وراء مصغر هو ابن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى، نسب لجده، وكنية بريد أبو بردة أيضا. وقد أخرجه النسائي من طريق يحيى القطان: حدثنا سفيان، حدثني أبو بردة بن عبد الله بن أبي بردة. فذكره.

قَوْلُهُ: (الْمُؤْمِنُ للمؤمن كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا) اللَّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ، وَالْمُرَادُ بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ لِلْبَعْضِ، وَقَوْلُهُ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا بَيَانٌ لِوَجْهِ التَّشْبِيهِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: نَصَبَ بَعْضًا بِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ هُوَ مَفْعُولُ يَشُدُّ. قُلْتُ: وَلِكُلٍّ وَجْهٌ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَالْمُعَاوَنَةُ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ وَكَذَا فِي الْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ مِنَ الدُّنْيَا مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا، وَقَدْ ثَبَتَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ) هُوَ بَيَانٌ لِوَجْهِ التَّشْبِيهِ أَيْضًا أَيْ يَشُدُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِثْلَ هَذَا الشَّدِّ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الَّذِي يُرِيدُ الْمُبَالَغَةَ فِي بَيَانِ أَقْوَالِهِ يُمَثِّلُهَا بِحَرَكَاتِهِ لِيَكُونَ أَوْقَعَ فِي نَفْسِ السَّامِعِ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ النَّبِيُّ جَالِسًا إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُ أَوْ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: اشْفَعُوا) هَكَذَا وَقَعَ فِي النُّسَخِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَفِي تَرْكِيبِهِ قَلَقٌ، وَلَعَلَّهُ كان فِي الْأَصْلِ: كَانَ إِذَا كَانَ جَالِسًا إِذَا جَاءَ رَجُلٌ إِلَخْ، فَحُذِفَ اخْتِصَارًا أَوْ سَقَطَ عَلَى الرَّاوِيِ لَفْظُ إِذَا كَانَ عَلَى أَنَّنِي تَتَبَّعْتُ أَلْفَاظَ الْحَدِيثِ مِنَ الطُّرُقِ فَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا بِلَفْظِ جَالِسًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ زُرَيْقٍ، عَنِ الْفِرْيَابِيِّ بِلَفْظِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ أَوْ طَالِبُ الْحَاجَةِ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ الْحَدِيثَ، وَهَذَا السِّيَاقُ لَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ سُفْيَانَ مُخْتَصَرًا اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا إِلَخْ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، لَكِنَّهُ جَعَلَهُ كُلَّهُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ؛ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِنِّي أُوتَى فَأُسْأَلُ أَوْ تُطْلَبُ إِلَيَّ الْحَاجَةُ وَأَنْتُمْ عِنْدِي، فَاشْفَعُوا الْحَدِيثَ.

وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ، وَلَفْظُهُ عَنِ النَّبِيِّ : أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ أَوْ صَاحِبُ الْحَاجَةِ وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَتَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ بُرَيْدٍ بِلَفْظِ: كَانَ إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ أَوْ طُلِبتْ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، وَحَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ كِلَاهُمَا عَنْ بُرَيْدٍ بِلَفْظِ: كَانَ إِذَا أَتَاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ عَلَى جُلَسَائِهِ فَقَالَ فَذَكَرَهُ.

قَوْلُهُ: (فَلْتُؤْجَرُوا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ تُؤْجَرُوا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَقَعَ فِي أَصْلِ مُسْلِمٍ اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا بِالْجَزْمِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ الْمُضَمَّنِ مَعْنَى الشَّرْطِ، وَهُوَ وَاضِحٌ، وَجَاءَ بِلَفْظِ: فَلْتُؤْجَرُوا، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّامُ مَكْسُورَةً لِأَنَّهَا لَامُ كَيْ، وَتَكُونُ الْفَاءُ زَائِدَةً كَمَا زِيدَتْ فِي حَدِيثِ: قُومُوا فَلِأُصَلِّيَ لَكُمْ وَيَكُونُ مَعْنَى الْحَدِيثِ اشْفَعُوا كَيْ تُؤْجَرُوا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لَامُ الْأَمْرِ وَالْمَأْمُورُ بِهِ التَّعَرُّضُ لِلْأَجْرِ بِالشَّفَاعَةِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: اشْفَعُوا فَتُعَرَّضُوا بِذَلِكَ لِلْأَجْرِ، وَتُكْسَرُ هَذِهِ اللَّامُ عَلَى أَصْلِ لَامِ الْأَمْرِ، وَيَجُوزُ تَسْكِينُهَا تَخْفِيفًا لِأَجْلِ الْحَرَكَةِ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

إِن الله رَفِيق يحب الرِّفْق وَيُعْطِي على الرِّفْق مَا لَا يُعْطي على العنف قَوْله أَو لم تسمع بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام وواو الْعَطف قيل مَا مَعْنَاهُ والعطف يَقْتَضِي التَّشْرِيك وَهُوَ غير جَائِز وَأجِيب بِأَنَّهُ الْمُشَاركَة فِي الْمَوْت أَي نَحن وَأَنْتُم كلنا نموت أَو تكون الْوَاو للاستئناف لَا للْعَطْف أَو تَقْدِيره وَأَقُول عَلَيْكُم مَا تستحقونه وَإِنَّمَا اخْتَار هَذِه الصِّيغَة ليَكُون أبعد عَن الإيحاش وَأقرب إِلَى الرِّفْق وَاخْتلف هَل يُؤْتى بِالْوَاو فِي الرَّد أم لَا فَقَالَ ابْن حبيب لَا يُؤْتى بهَا لِأَن فِيهَا اشتراكا وَخَالفهُ ابْن الْجلاب وَالْقَاضِي أَبُو مُحَمَّد وَقيل يَقُول عَلَيْك السَّلَام بِالْكَسْرِ وَقَالَ طَاوس يرد وعلاك السام أَي ارْتَفع وَقَالَ النَّخعِيّ إِذا كَانَ لَهُ عِنْده حَاجَة تبدأ بِالسَّلَامِ وَلَا ترد عَلَيْهِ كَامِلا فَلَا يجب أَن يكرم كَالْمُسلمِ وسمح بَعضهم فِي رد السَّلَام عَلَيْكُم وَاحْتج بقوله تَعَالَى {فاصفح عَنْهُم وَقل سَلام} وَلَو كَانَ كَمَا قَالَ لقَالَ سَلاما بِالنّصب وَإِنَّمَا يَعْنِي بذلك على اللَّفْظ والحكاية وَأَيْضًا فقد قيل أَن الْآيَة مَنْسُوخَة بِآيَة السَّيْف وَاخْتلف هَل يكنى الْيَهُودِيّ فكرهه مَالك وَرخّص فِيهِ ابْن عبد الحكم وَاحْتج بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - انْزِلْ أَبَا وهب -

٦٠٢٥ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ حَدثنَا حمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ أنَّ أعْرَابِيًّا بَال فِي المسْجِد، فقامُوا إلَيْهِ فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تُزْرِمُوهُ، ثُمَّ دَعا بِدَلْوٍ مِنْ ماءٍ فَصُبَّ عَلَيْهِ. (انْظُر الحَدِيث ٢١٩ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَول الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَإِنَّهُ رفق بِهِ ونهاهم عَن قطع بَوْله.

والْحَدِيث قد مضى فِي الطَّهَارَة فِي: بَاب ترك النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالنَّاس الْأَعرَابِي حَتَّى فرغ من بَوْله، وَفِي: بَاب صب المَاء على الْبَوْل فِي الْمَسْجِد.

قَوْله: (فَقَامُوا إِلَيْهِ) أَي: ليؤذوه وليضربوه. قَوْله: (لَا تزرموه) من الإزرام بالزاي ثمَّ الرَّاء أَي: لَا تقطعوا عَلَيْهِ بَوْله، وزرم الْبَوْل أَي: انْقَطع. قَوْله: (فصب عَلَيْهِ) أَي: على الْموضع الَّذِي بَال عَلَيْهِ، وَمر الْبَحْث فِيهِ هُنَاكَ.

٣٦ - (بابُ تعاوُنِ المُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ بَعْضاً)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل معاونة الْمُؤمنِينَ بَعضهم بَعْضًا، وَالْأَجْر فِيهَا. قَوْله: (بَعضهم) بِالْجَرِّ على أَنه بدل من الْمُؤمنِينَ بدل الْبَعْض من الْكل، وَيجوز الضَّم أَيْضا. قَوْله: بَعْضًا، قَالَ الْكرْمَانِي: مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي: للْبَعْض. قلت: الْأَوْجه أَن يكون مفعول مصدر الْمُضَاف إِلَى فَاعله وَهُوَ لفظ التعاون لِأَن الْمصدر يعْمل عمل فعله.

٦٠٢٦ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حَدثنَا سُفْيانُ عَنْ أبي بُرْدَة بُريْدِ بنِ أبي بُرْدَةَ قَالَ: أَخْبرنِي جَدِّي أبُو بُرْدَةَ عَنْ أبِيهِ أبي مُوسَى عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كالْبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً، ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ. (انْظُر الحَدِيث ٤٨١ وطرفه) .

وكانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، جَالِسا إذْ جاءَ رَجُلٌ يَسألُ أوْ طالِبُ حاجَةٍ أقْبَلَ عَلَيْنا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ الله عَلَى لِسانِ نَبِيِّهِ مَا شاءَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ. وَمُحَمّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَأَبُو بردة: بِضَم الْبَاء وَسُكُون الرَّاء كنية بريد مصغر الْبرد ابْن عبد الله بن أبي بردة أَيْضا واسْمه عَامر بن مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ، فَأَبُو بردة يروي عَن جده أبي بردة وَهُوَ يروي عَن أَبِيه أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ.

والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ من طَرِيق يحيى الْقطَّان: حَدثنَا سُفْيَان حَدثنِي أَبُو بردة ابْن عبد الله بن أبي بردة ... فَذكره.

قَوْله: (وَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَالِسا)

إِلَى آخِره مضى فِي الزَّكَاة: حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا عبد الْوَاحِد حَدثنَا أَبُو بردة بن عبد الله بن أبي بردة حَدثنَا أَبُو بردة بن أبي مُوسَى عَن أَبِيه قَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا جَاءَهُ سَائل أَو: طلبت إِلَيْهِ حَاجَة قَالَ: اشفعوا تؤجروا وليقض الله على لِسَان نبيه مَا شَاءَ، وَأخرجه أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن أبي كريب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (الْمُؤمن) التَّعْرِيف فِيهِ للْجِنْس وَالْمرَاد: بعض الْمُؤمن للْبَعْض. قَوْله: (ويشد بعضه بَعْضًا) بَيَان لوجه التَّشْبِيه. قَوْله: (ثمَّ شَبكَ بَين أَصَابِعه) كالبيان للْوَجْه أَي: شداً مثل هَذَا الشد، وَقَالَ ابْن بطال: المعاونة فِي أُمُور الْآخِرَة، وَكَذَا فِي الْأُمُور الْمُبَاحَة من الدُّنْيَا مَنْدُوب إِلَيْهَا، وَقد ثَبت حَدِيث أبي هُرَيْرَة: وَالله فِي عون العَبْد مَا كَانَ الْبعد فِي عون أَخِيه. قَوْله: (وَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَالِسا) لفظ:

جَالِسا لَيْسَ بموجود فِي رِوَايَة الزَّكَاة، وَقَالَ بَعضهم: هَكَذَا وَقع فِي النّسخ من رِوَايَة مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَفِي تركيبه قلق، وَلَعَلَّه كَانَ فِي الأَصْل: كَانَ إِذا كَانَ جَالِسا إِذْ جَاءَهُ رجل ... إِلَى آخِره فَحذف اختصاراً، أَو سقط على الرَّاوِي لفظ: إِذا كَانَ، وَقد أخرجه أَبُو نعيم من رِوَايَة إِسْحَاق بن زُرَيْق عَن الْفرْيَابِيّ بِلَفْظ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا جَاءَهُ السَّائِل أَو طَالب الْحَاجة أقبل علينا بِوَجْهِهِ ... الحَدِيث، وَهَذَا السِّيَاق لَا إِشْكَال فِيهِ. قلت: لَا قلق فِي التَّرْكِيب أصلا، وَآفَة هَذَا الْكَلَام من ظن هَذَا الْقَائِل أَن: جَالِسا، خبر كَانَ وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا خبر كَانَ هُوَ قَوْله: (أقبل علينا) و: (جَالِسا) نصب على الْحَال من النَّبِي فَافْهَم. قَوْله: (تؤجروا) رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: فلتؤجروا، وَالْفَاء على هَذِه الرِّوَايَة هِيَ الْفَاء السبية الَّتِي ينْتَصب بعْدهَا الْفِعْل الْمُضَارع، وَاللَّام بِالْكَسْرِ بِمَعْنى: كي، وَجَاز اجْتِمَاعهمَا لأَنهم لأمر وَاحِد وَتَكون الْفَاء الجزائية لِكَوْنِهِمَا جَوَابا لِلْأَمْرِ وزائدة على مَذْهَب الْأَخْفَش هِيَ عاطفة على: اشفعوا، وَاللَّام لِلْأَمْرِ أَو على مُقَدّر أَي: إشفعوا لتؤجروا فلتؤجروا. نَحْو: { (٢) إيَّايَ فارهبون} (الْبَقَرَة: ٢٤٠، والنحل: ٥١) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا فَائِدَة اللَّام؟ قلت: اشفعوا تؤجروا، وَالشّرط مُتَضَمّن للسَّبَبِيَّة، فَإِذا ذكرت اللَّام فقد صرحت بالسببية. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: اللَّام وَالْفَاء مقحمان للتَّأْكِيد لِأَنَّهُ لَو قيل: اشفعوا تؤجروا، صَحَّ أَي: إِذا عرض الْمُحْتَاج حَاجَة عَليّ فاشفعوا لَهُ إِلَيّ فَإِنَّكُم إِذا شفعتم حصل لكم الْأجر سَوَاء قبلت شفاعتكم أَو لَا، وَيجْرِي الله على لساني مَا يَشَاء من مُوجبَات قَضَاء الْحَاجة أَو عدمهَا، أَي: إِن قضيتها أَو لم أقضها فَهُوَ بِتَقْدِير الله وقضائه. قَوْله: (وليقض الله) كَذَا ثَبت فِي هَذِه الرِّوَايَة. وليقض بِاللَّامِ وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي أُسَامَة الَّتِي بعْدهَا للكشميهني فَقَط، وللباقين بِغَيْر لَام، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق عَليّ بن مسْهر وَحَفْص بن غياث: فليقض أَيْضا.

٣٧ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقِيتاً} (النِّسَاء: ٨٥) كِفْلٌ: نَصِيبٌ. قَالَ أبُو مُوسَى: كِفْلَيْنِ أجْرَيْنِ، بالحَبَشِيَّةِ.)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله تَعَالَى ... إِلَى آخِره، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين الْآيَة بِتَمَامِهَا، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: {من يشفع شَفَاعَة حَسَنَة يكن لَهُ نصيب مِنْهَا} وَقَالَ مُجَاهِد وَغَيره: نزلت هَذِه الْآيَة فِي شَفَاعَة النَّاس بَعضهم لبَعض. قَوْله: {من يشفع شَفَاعَة حَسَنَة} يَعْنِي فِي الدُّنْيَا. {يكن لَهُ نصيب مِنْهَا} فِي الْآخِرَة. وَقيل: الشَّفَاعَة الْحَسَنَة الدُّعَاء للْمُؤْمِنين، والسيئة الدُّعَاء عَلَيْهِم، وَالْأَجْر على الشَّفَاعَة لَيْسَ على الْعُمُوم بل مَخْصُوص بِمَا تجوز فِيهِ الشَّفَاعَة، والشفاعة الْحَسَنَة ضابطها مَا أذن فِيهِ الشَّرْع دون مَا لم يَأْذَن فِيهِ، فالآية تدل عَلَيْهِ قَوْله: كفل، أَي: نصيب، وَكَذَا فسره البُخَارِيّ بقوله: (كفل: نصيب) وَهُوَ تَفْسِير أبي عُبَيْدَة، وَقَالَ الْحسن وَقَتَادَة: الكفل الْوزر وَالْإِثْم، وَقَالَ ابْن فَارس: الكفل الضعْف. قَوْله: {مقيتاً} أَي: شَاهدا ومطلعاً على كل شَيْء، من أقات الشَّيْء إِذا شهد عَلَيْهِ، وَيُقَال: المقيت خَالق الأفوات الْبَدَنِيَّة والروحانية وموصلها إِلَى الأشباح والأرواح. وَقيل: المقيت المقتدر بلغَة قُرَيْش. قَوْله: (قَالَ أَبُو مُوسَى) هُوَ الْأَشْعَرِيّ، واسْمه: عبد الله بن قيس، وَوصل تَعْلِيقه ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق أبي إِسْحَاق عَن أبي الْأَحْوَص عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: { (٧٥) يُؤْتكُم كِفْلَيْنِ من رَحمته} (الْحَدِيد: ٢٨) قَالَ: ضعفين، بالحبشية. يَعْنِي: لغتهم فِي ذَلِك وَافَقت لُغَة الْعَرَب.

٥٦ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن الْعَلَاء حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن بريد عَن أبي بردة عَن أبي مُوسَى عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنه كَانَ إِذا أَتَاهُ السَّائِل أَو صَاحب الْحَاجة قَالَ اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لِسَان رَسُوله مَا شَاءَ) اعاد الحَدِيث الَّذِي ذكره فِي الْبَاب السَّابِق عَن أبي مُوسَى عقيب الْآيَة الْمَذْكُورَة تَنْبِيها على أَن الشَّفَاعَة على نَوْعَيْنِ فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة كَمَا صرح بذلك وَمضى الْكَلَام فِي رِجَاله وَمَعْنَاهُ قَوْله أوصاحب الْحَاجة فِي رِوَايَة الكشمينى صَاحب حَاجَة بِدُونِ الالف وَاللَّام

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 79%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
الحمد لله