«كَتَبَ الْمُغِيرَةُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٣٣٠

الحديث رقم ٦٣٣٠ من كتاب «كتاب الدعوات» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الدعاء بعد الصلاة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كتب المغيرة إلى معاوية بن أبي سفيان أن رسول…

«كَتَبَ الْمُغِيرَةُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ إِذَا سَلَّمَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» وَقَالَ شُعْبَةُ

⦗٧٣⦘

عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُسَيَّبَ.

سند حديث: ٦٣٣٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ…

٦٣٣٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «كتب المغيرة إلى معاوية بن أبي سفيان أن رسول…

كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول عَقِيب كلِّ صلاةِ فريضة: " لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ".

أي: أُقِرُّ واعترفُ بكلمة التَّوحيد لا إله إلا الله، فالعبادة الحَقَّة أُثْبِتُها لله، وأَنفيها عمّا سواه، فلا معبود بحق إلا الله، ومُقِرٌّ أنَّ المُلْك الحقيقيّ التام لله، وجميع حمد أهل السموات والأرض مُستَحقٌّ لله تعالى، حيث هو قادر على كل شيء، وما قدَّره الله مِن عطاءٍ أو منعٍ لا رادَّ له، وعنده لا ينفع ذا الغنى غِناه، إنما ينفعه العمل الصالح.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • استحباب هذا الذكر عقيب الصلوات لما اشتمل عليه من ألفاظ التوحيد والحمد.
  • المبادرة إلى امتثال السنن، وإشاعتها.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «كتب المغيرة إلى معاوية بن أبي سفيان أن رسول…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَتَحْمَدُونَ عَشْرًا، وَتُكَبِّرُونَ عَشْرًا.

تَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ سُمَيٍّ. وَرَوَاهُ ابْنُ عَجْلَانَ عَنْ سُمَيٍّ وَرَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ. وَرَوَاهُ جَرِيرٌ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ. وَرَوَاهُ سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ .

٦٣٣٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: كَتَبَ الْمُغِيرَةُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ إِذَا سَلَّمَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، قَدِيرٌ اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ.

وَقَالَ شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُسَيَّبَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الدُّعَاءِ بَعْدَ الصَّلَاةِ) أَيِ: الْمَكْتُوبَةِ، وَفِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الدُّعَاءَ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَا يُشْرَعُ، مُتَمَسِّكًا بِالْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَائِشَةَ: كَانَ النَّبِيُّ إِذَا سَلَّمَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا قَدْرَ مَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.

وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْيِ الْمَذْكُورِ نَفْيُ اسْتِمْرَارِهِ جَالِسًا عَلَى هَيْئَتِهِ قَبْلَ السَّلَامِ إِلَّا بِقَدْرِ أَنْ يَقُولَ مَا ذَكَرَ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَيُحْمَلُ مَا وَرَدَ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَقُولُهُ بَعْدَ أَنْ يُقْبِلَ بِوَجْهِهِ عَلَى أَصْحَابِهِ، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ: وَأَمَّا الدُّعَاءُ بَعْدَ السَّلَامِ مِنَ الصَّلَاةِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ سَوَاءٌ الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ وَالْمَأْمُومُ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ أَصْلًا، وَلَا رُوِيَ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا حَسَنٍ وَخَصَّ بَعْضَهُمْ ذَلِكَ بِصَلَاتَيِ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ، وَلَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ وَلَا الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ وَلَا أَرْشَدَ إِلَيْهِ أُمَّتَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِحْسَانٌ رَآهُ مَنْ رَآهُ عِوَضًا مِنَ السُّنَّةِ بَعْدَهُمَا، قَالَ: وَعَامَّةُ الْأَدْعِيَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالصَّلَاةِ إِنَّمَا فَعَلَهَا فِيهَا، وَأَمَرَ بِهَا فِيهَا، قَالَ: وَهَذَا اللَّائِقُ بِحَالِ الْمُصَلِّي؛ فَإِنَّهُ مُقْبِلٌ عَلَى رَبِّهِ مُنَاجِيهِ، فَإِذَا سَلَّمَ مِنْهَا انْقَطَعَتِ الْمُنَاجَاةُ، وَانْتَهَى مَوْقِفُهُ وَقُرْبُهُ، فَكَيْفَ يَتْرُكُ سُؤَالَهُ فِي حَالِ مُنَاجَاتِهِ وَالْقُرْبِ مِنْهُ وَهُوَ مُقْبِلٌ عَلَيْهِ ثُمَّ يَسْأَلُ إِذَا انْصَرَفَ عَنْهُ؟ ثُمَّ قَالَ: لَكِنَّ الْأَذْكَارَ الْوَارِدَةَ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَتَى بِهَا أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ بَعْدَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْهَا، وَيَدْعُوَ بِمَا شَاءَ، وَيَكُونُ دُعَاؤُهُ عَقِبَ هَذِهِ الْعِبَادَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ الذِّكْرُ، لَا لِكَوْنِهِ دُبُرَ الْمَكْتُوبَةِ.

قُلْتُ: وَمَا ادَّعَاهُ مِنَ النَّفْيِ مُطْلَقًا مَرْدُودٌ، فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لَهُ: يَا مُعَاذُ إِنِّي وَاللَّهِ لَأُحِبُّكَ، فَلَا تَدَعْ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَحَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ فِي قَوْلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ، كَانَ النَّبِيُّ يَدْعُو بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَحَدِيثُ سَعْدٍ الْآتِي فِي بَابِ التَّعَوُّذِ مِنَ الْبُخْلِ قَرِيبًا؛ فَإِنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ الْمَطْلُوبَ، وَحَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَدْعُو فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَحَدِيثُ صُهَيْبٍ رَفَعَهُ: كَانَ يَقُولُ إِذَا انْصَرَفَ مِنَ الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي، الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُ ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِدُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ قُرْبَ آخِرِهَا وَهُوَ التَّشَهُّدُ، قُلْنَا: قَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالذِّكْرِ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ وَالْمُرَادُ بِهِ بَعْدَ السَّلَامِ إِجْمَاعًا، فَكَذَا هَذَا حَتَّى يَثْبُتَ مَا يُخَالِفُهُ.

وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: جَوْفَ اللَّيْلِ الْأَخِيرَ، وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ وَقَالَ: حَسَنٌ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ قَالَ: الدُّعَاءُ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ أَفْضَلُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ النَّافِلَةِ، كَفَضْلِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى النَّافِلَةِ، وَفَهِمَ كَثِيرٌ مِمَّنْ لَقِينَاهُ مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ مُرَادَ ابْنِ الْقَيِّمِ نَفْيُ الدُّعَاءِ بَعْدَ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ حَاصِلَ كَلَامِهِ أَنَّهُ نَفَاهُ بِقَيْدِ اسْتِمْرَارِ اسْتِقْبَالِ الْمُصَلِّي الْقِبْلَةَ وَإِيرَادِهِ بَعْدَ السَّلَامِ، وَأَمَّا إِذَا انْتَقَلَ بِوَجْهِهِ أَوْ قَدَّمَ الْأَذْكَارَ الْمَشْرُوعَةَ فَلَا يَمْتَنِعُ عِنْدَهُ الْإِتْيَانُ بِالدُّعَاءِ حِينَئِذٍ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي التَّسْبِيحِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَحَدِيثَ الْمُغِيرَةِ فِي قَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَقَدْ تَرْجَمَ فِي أَوَاخِرِ الصَّلَاةِ بَابَ الذِّكْرِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَأَوْرَدَ فِيهِ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ وَتَقَدَّمَ شَرْحَهُمَا هُنَاكَ مُسْتَوْفًى، وَمُنَاسَبَةُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ لَهُمَا أَنَّ الذَّاكِرَ يَحْصُلُ لَهُ مَا يَحْصُلُ لِلدَّاعِي إِذَا شَغَلَهُ الذِّكْرُ عَنِ الطَّلَبِ، كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: يَقُولُ اللَّهُ - تَعَالَى -: مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي، أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ، وَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ: مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي، الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.

وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ أَوِ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَيَزِيدُ هُوَ ابْنُ هَارُونَ، وَوَرْقَاءُ هُوَ ابْنُ عُمَرَ الْيَشْكُرِيُّ، وَسُمَيٌّ هُوَ مَوْلَى أَبِي صَالِحٍ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) هُوَ الْعُمَرِيُّ (عَنْ سُمَيٍّ) يَعْنِي فِي إِسْنَادِهِ، وَفِي أَصْلِ الْحَدِيثِ لَا فِي الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ بَيَّنْتُ هُنَاكَ عِنْدَ شَرْحِهِ أَنَّ وَرْقَاءَ خَالَفَ غَيْرَهُ فِي قَوْلِهِ: عَشْرًا، وَأَنَّ الْكُلَّ قَالُوا: ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْمَجْمُوعُ هَذَا الْقَدْرُ، قُلْتُ: قَدْ وَرَدَ بِالذِّكْرِ الْعَشْرُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَجَمَاعَةٍ، وَحَدِيثُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا هُنَاكَ، وَأَغْرَبَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: لَمَّا جَاءَ هُنَاكَ بِلَفْظِ الدَّرَجَاتِ فَقَيَّدَهَا بِالْعُلَا، وَقَيَّدَ أَيْضًا زِيَادَةً فِي الْأَعْمَالِ مِنَ الصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ زَادَ فِي عِدَّةِ الْأَذْكَارِ - يَعْنِي: وَلَمَّا خَلَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ مِنْ ذَلِكَ نَقَصَ الْعَدَدُ - ثُمَّ قَالَ: عَلَى أَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ لَا اعْتِبَارَ بِهِ، انْتَهَى.

وَكِلَا الْجَوَابَيْنِ مُتَعَقَّبٌ؛ أَمَّا الْأَوَّلُ فَمَخْرَجُ الْحَدِيثَيْنِ وَاحِدٌ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ عَنْهُ فِي الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ، فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ وَإِلَّا فَيُؤْخَذُ بِالرَّاجِحِ، فَإِنِ اسْتَوَوْا فَالَّذِي حَفِظَ الزِّيَادَةَ مُقَدَّمٌ، وَأَظُنُّ سَبَبَ الْوَهَمِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَجْلَانَ: يُسَبِّحُونَ وَيُكَبِّرُونَ وَيَحْمَدُونَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً فَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الْعَدَدَ الْمَذْكُورَ مَقْسُومٌ عَلَى الْأَذْكَارِ الثَّلَاثَةِ، فَرَوَى الْحَدِيثَ بِلَفْظِ إِحْدَى عَشْرَةَ، وَأَلْغَى بَعْضُهُمُ الْكَسْرَ فَقَالَ: عَشَرٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الثَّانِي فَمُرَتَّبٌ عَلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ لَائِقٌ بِمَا إِذَا اخْتَلَفَ مَخَارِجُ الْحَدِيثِ، أَمَّا إِذَا اتَّحَدَ الْمَخْرَجُ فَهُوَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ، فَإِذَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ وَإِلَّا فَالتَّرْجِيحُ.

قَوْلُهُ: (وَرَوَاهُ ابْنُ عَجْلَانَ، عَنْ سُمَيٍّ، وَرَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ) وَصَلَهُ مُسْلِمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ فَذَكَرَهُ مَقْرُونًا بِرِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كِلَاهُمَا عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ بِهِ وَفِي آخِرِهِ: قَالَ ابْنُ عَجْلَانَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ رَجَاءَ بْنَ حَيْوَةَ، فَحَدَّثَنِي بِمِثْلِهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَوَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، وَسُمَيٍّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي صَالِحٍ بِهِ وَفِيهِ: تُسَبِّحُونَ اللَّهَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدُونَهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرُونَهُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ وَقَالَ فِي الْأَوْسَطِ: لَمْ يَرْوِهِ عَنْ رَجَاءٍ إِلَّا ابْنُ عَجْلَانَ.

قَوْلُهُ: (وَرَوَاهُ جَرِيرٌ) يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْحَمِيدِ (عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) وَصَلَهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنْهُ عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، وَوَصَلَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ بِهَذَا، وَفِيهِ مِثْلُ مَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَجْلَانَ مِنْ تَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ويقول: لا إله إلَّا الله وحدَهُ لا شريكَ له -يعني: تمام المئة- غفرتْ له خطاياهُ»، وهذا اختلافٌ شديدٌ على (١) سهيلٍ، والمعتمدُ في ذلك رواية سُميٍّ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، قاله في «الفتح».

وحديث الباب سبقَ في «الصَّلاة» [خ¦٨٤٣].

٦٣٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين، قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمرِ (عَنِ المُسَيَّبِ) بفتح الياء (٢) التَّحتية المشددة (ابْنِ رَافِعٍ) الكاهليِّ (عَنْ وَرَّادٍ) بفتح الواو والراء المشددة وبعد الألف دال مهملة (مَوْلَى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) وكاتبه، أنَّه (قَالَ: كَتَبَ المُغِيرَةُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ) لمَّا كتب له معاوية: اكتبْ لي بحديثٍ سمعتَه من رسول الله (أَنَّ رَسُولَ اللهِ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ) مكتوبةٍ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «صلاته» (إِذَا سَلَّمَ) منها: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ) تأكيدٌ لسابقه مع ما فيه من تكثيرِ حسنات الذَّاكر (لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ) زاد الطَّبرانيُّ من طريقٍ آخر (٣) عن المغيرة: «يُحيي ويُميت وهو حيٌّ لا يموت بيده الخير» (وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) هذا معدودٌ من العمومات الَّتي لم يطرقْها تخصيصٌ، ونازعَ بعضهم فيه من جهةِ تخصيصهِ بالمستحيلِ، لكنَّه مبنيٌّ على أنَّ لفظة «شيءٍ» تُطلق على المستحيلِ بل على المعدوم، وفيه خلافٌ مشهورٌ ومذهب أهل السُّنَّة المنع.

(اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ) يمنع من كلِّ أحدٍ (لِمَا أَعْطَيْتَ) أي (٤): لِمَا أردتَ إعطاءه، وإلَّا فبعد الإعطاء

من كلِّ أحدٍ (١) لا مانع له؛ إذ الواقع لا يرتفعُ بخلاف قوله: (وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ) فإنَّه لا يحتاجُ إلى هذا التَّأويل والرِّواية بفتح «مانعَ» و «مُعطيَ» واستُشكل: لأنَّ اسم «لا» إذا كان شبيهًا بالمضاف يُعرَّف فما وجه ترك التَّنوين؟ وأُجيب بأنَّ الفارسيَّ حكى لغة بإجراء الشَّبيه بالمضاف مُجرى المفرد، فيكون مبنيًّا، وجوَّز ابن كَيسان في المطوَّل التَّنوين وتركه، وقال: تركه أحسن.

(وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ) بفتح الجيم. قال ابنُ دقيق العيد: الَّذي ينبغِي أن يضمَّن «ينفعَ» معنى يمنع أو ما يقاربه، ولا يعود «منك» إلى الجدِّ على الوجه الَّذي يقال فيه: حظِّي منك كثيرٌ أو قليلٌ؛ بمعنى عنايتُك بي، أو رعايتك لي، فإن ذلك نافعٌ (٢).

قال ابن فَرحون: وإنَّما قال ذلك لأنَّ العناية من الله تعالى تنفع ولا بدَّ، وأمَّا «الجَدُّ» الثَّاني فإنَّه فاعل «ينفع»، أي: لا ينفع صاحب الحظِّ من نزولِ عذابك حظَّه، وإنَّما ينفعه عمله الصَّالح، فالألف واللَّام في «الجدِّ» الثَّاني عوضٌ عن الضَّمير، وقد سوَّغ الزَّمخشريُّ ذلك، واختاره (٣) كثيرٌ من البصريين والكوفيين في نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١].

والجمهورُ على أنَّ الجدَّ معناه: الحظُّ والغنى، أي: لا ينفع ذا الغنى (٤) والحظِّ منك غناهُ وحظّه، وإنَّما ينفعه العمل الصَّالح، وقيل: أراد بالجدِّ أبا الأب وأبا الأمِّ، أي: لا ينفع أحدًا نسبُه، وضبطه بعضهم بالكسر وهو الاجتهاد، أي: لا ينفع ذا الاجتهاد منك اجتهاده، وإنَّما ينفعه رحمتك (٥).

(وَقَالَ شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، بالسَّند المذكور (عَنْ مَنْصُورٍ) أي: ابن المعتمرِ (قَالَ: سَمِعْتُ المُسَيَّبَ) بن رافعٍ، ووصله أحمد عن محمَّد بن جعفرٍ: حدَّثنا شعبة به (٦) بلفظ: أنَّ رسول الله كان إذا سلَّم قال: «لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لَا شرِيكَ لهُ … » الحديث.

وحديثُ الباب سبق في «الصَّلاة» [خ¦٨٤٤].

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَتَحْمَدُونَ عَشْرًا، وَتُكَبِّرُونَ عَشْرًا.

تَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ سُمَيٍّ. وَرَوَاهُ ابْنُ عَجْلَانَ عَنْ سُمَيٍّ وَرَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ. وَرَوَاهُ جَرِيرٌ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ. وَرَوَاهُ سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ .

٦٣٣٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: كَتَبَ الْمُغِيرَةُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ إِذَا سَلَّمَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، قَدِيرٌ اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ.

وَقَالَ شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُسَيَّبَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الدُّعَاءِ بَعْدَ الصَّلَاةِ) أَيِ: الْمَكْتُوبَةِ، وَفِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الدُّعَاءَ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَا يُشْرَعُ، مُتَمَسِّكًا بِالْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَائِشَةَ: كَانَ النَّبِيُّ إِذَا سَلَّمَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا قَدْرَ مَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.

وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْيِ الْمَذْكُورِ نَفْيُ اسْتِمْرَارِهِ جَالِسًا عَلَى هَيْئَتِهِ قَبْلَ السَّلَامِ إِلَّا بِقَدْرِ أَنْ يَقُولَ مَا ذَكَرَ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَيُحْمَلُ مَا وَرَدَ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَقُولُهُ بَعْدَ أَنْ يُقْبِلَ بِوَجْهِهِ عَلَى أَصْحَابِهِ، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ: وَأَمَّا الدُّعَاءُ بَعْدَ السَّلَامِ مِنَ الصَّلَاةِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ سَوَاءٌ الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ وَالْمَأْمُومُ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ أَصْلًا، وَلَا رُوِيَ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا حَسَنٍ وَخَصَّ بَعْضَهُمْ ذَلِكَ بِصَلَاتَيِ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ، وَلَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ وَلَا الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ وَلَا أَرْشَدَ إِلَيْهِ أُمَّتَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِحْسَانٌ رَآهُ مَنْ رَآهُ عِوَضًا مِنَ السُّنَّةِ بَعْدَهُمَا، قَالَ: وَعَامَّةُ الْأَدْعِيَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالصَّلَاةِ إِنَّمَا فَعَلَهَا فِيهَا، وَأَمَرَ بِهَا فِيهَا، قَالَ: وَهَذَا اللَّائِقُ بِحَالِ الْمُصَلِّي؛ فَإِنَّهُ مُقْبِلٌ عَلَى رَبِّهِ مُنَاجِيهِ، فَإِذَا سَلَّمَ مِنْهَا انْقَطَعَتِ الْمُنَاجَاةُ، وَانْتَهَى مَوْقِفُهُ وَقُرْبُهُ، فَكَيْفَ يَتْرُكُ سُؤَالَهُ فِي حَالِ مُنَاجَاتِهِ وَالْقُرْبِ مِنْهُ وَهُوَ مُقْبِلٌ عَلَيْهِ ثُمَّ يَسْأَلُ إِذَا انْصَرَفَ عَنْهُ؟ ثُمَّ قَالَ: لَكِنَّ الْأَذْكَارَ الْوَارِدَةَ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَتَى بِهَا أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ بَعْدَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْهَا، وَيَدْعُوَ بِمَا شَاءَ، وَيَكُونُ دُعَاؤُهُ عَقِبَ هَذِهِ الْعِبَادَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ الذِّكْرُ، لَا لِكَوْنِهِ دُبُرَ الْمَكْتُوبَةِ.

قُلْتُ: وَمَا ادَّعَاهُ مِنَ النَّفْيِ مُطْلَقًا مَرْدُودٌ، فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لَهُ: يَا مُعَاذُ إِنِّي وَاللَّهِ لَأُحِبُّكَ، فَلَا تَدَعْ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَحَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ فِي قَوْلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ، كَانَ النَّبِيُّ يَدْعُو بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَحَدِيثُ سَعْدٍ الْآتِي فِي بَابِ التَّعَوُّذِ مِنَ الْبُخْلِ قَرِيبًا؛ فَإِنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ الْمَطْلُوبَ، وَحَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَدْعُو فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَحَدِيثُ صُهَيْبٍ رَفَعَهُ: كَانَ يَقُولُ إِذَا انْصَرَفَ مِنَ الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي، الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُ ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِدُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ قُرْبَ آخِرِهَا وَهُوَ التَّشَهُّدُ، قُلْنَا: قَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالذِّكْرِ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ وَالْمُرَادُ بِهِ بَعْدَ السَّلَامِ إِجْمَاعًا، فَكَذَا هَذَا حَتَّى يَثْبُتَ مَا يُخَالِفُهُ.

وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: جَوْفَ اللَّيْلِ الْأَخِيرَ، وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ وَقَالَ: حَسَنٌ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ قَالَ: الدُّعَاءُ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ أَفْضَلُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ النَّافِلَةِ، كَفَضْلِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى النَّافِلَةِ، وَفَهِمَ كَثِيرٌ مِمَّنْ لَقِينَاهُ مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ مُرَادَ ابْنِ الْقَيِّمِ نَفْيُ الدُّعَاءِ بَعْدَ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ حَاصِلَ كَلَامِهِ أَنَّهُ نَفَاهُ بِقَيْدِ اسْتِمْرَارِ اسْتِقْبَالِ الْمُصَلِّي الْقِبْلَةَ وَإِيرَادِهِ بَعْدَ السَّلَامِ، وَأَمَّا إِذَا انْتَقَلَ بِوَجْهِهِ أَوْ قَدَّمَ الْأَذْكَارَ الْمَشْرُوعَةَ فَلَا يَمْتَنِعُ عِنْدَهُ الْإِتْيَانُ بِالدُّعَاءِ حِينَئِذٍ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي التَّسْبِيحِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَحَدِيثَ الْمُغِيرَةِ فِي قَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَقَدْ تَرْجَمَ فِي أَوَاخِرِ الصَّلَاةِ بَابَ الذِّكْرِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَأَوْرَدَ فِيهِ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ وَتَقَدَّمَ شَرْحَهُمَا هُنَاكَ مُسْتَوْفًى، وَمُنَاسَبَةُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ لَهُمَا أَنَّ الذَّاكِرَ يَحْصُلُ لَهُ مَا يَحْصُلُ لِلدَّاعِي إِذَا شَغَلَهُ الذِّكْرُ عَنِ الطَّلَبِ، كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: يَقُولُ اللَّهُ - تَعَالَى -: مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي، أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ، وَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ: مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي، الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.

وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ أَوِ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَيَزِيدُ هُوَ ابْنُ هَارُونَ، وَوَرْقَاءُ هُوَ ابْنُ عُمَرَ الْيَشْكُرِيُّ، وَسُمَيٌّ هُوَ مَوْلَى أَبِي صَالِحٍ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) هُوَ الْعُمَرِيُّ (عَنْ سُمَيٍّ) يَعْنِي فِي إِسْنَادِهِ، وَفِي أَصْلِ الْحَدِيثِ لَا فِي الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ بَيَّنْتُ هُنَاكَ عِنْدَ شَرْحِهِ أَنَّ وَرْقَاءَ خَالَفَ غَيْرَهُ فِي قَوْلِهِ: عَشْرًا، وَأَنَّ الْكُلَّ قَالُوا: ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْمَجْمُوعُ هَذَا الْقَدْرُ، قُلْتُ: قَدْ وَرَدَ بِالذِّكْرِ الْعَشْرُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَجَمَاعَةٍ، وَحَدِيثُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا هُنَاكَ، وَأَغْرَبَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: لَمَّا جَاءَ هُنَاكَ بِلَفْظِ الدَّرَجَاتِ فَقَيَّدَهَا بِالْعُلَا، وَقَيَّدَ أَيْضًا زِيَادَةً فِي الْأَعْمَالِ مِنَ الصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ زَادَ فِي عِدَّةِ الْأَذْكَارِ - يَعْنِي: وَلَمَّا خَلَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ مِنْ ذَلِكَ نَقَصَ الْعَدَدُ - ثُمَّ قَالَ: عَلَى أَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ لَا اعْتِبَارَ بِهِ، انْتَهَى.

وَكِلَا الْجَوَابَيْنِ مُتَعَقَّبٌ؛ أَمَّا الْأَوَّلُ فَمَخْرَجُ الْحَدِيثَيْنِ وَاحِدٌ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ عَنْهُ فِي الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ، فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ وَإِلَّا فَيُؤْخَذُ بِالرَّاجِحِ، فَإِنِ اسْتَوَوْا فَالَّذِي حَفِظَ الزِّيَادَةَ مُقَدَّمٌ، وَأَظُنُّ سَبَبَ الْوَهَمِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَجْلَانَ: يُسَبِّحُونَ وَيُكَبِّرُونَ وَيَحْمَدُونَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً فَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الْعَدَدَ الْمَذْكُورَ مَقْسُومٌ عَلَى الْأَذْكَارِ الثَّلَاثَةِ، فَرَوَى الْحَدِيثَ بِلَفْظِ إِحْدَى عَشْرَةَ، وَأَلْغَى بَعْضُهُمُ الْكَسْرَ فَقَالَ: عَشَرٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الثَّانِي فَمُرَتَّبٌ عَلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ لَائِقٌ بِمَا إِذَا اخْتَلَفَ مَخَارِجُ الْحَدِيثِ، أَمَّا إِذَا اتَّحَدَ الْمَخْرَجُ فَهُوَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ، فَإِذَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ وَإِلَّا فَالتَّرْجِيحُ.

قَوْلُهُ: (وَرَوَاهُ ابْنُ عَجْلَانَ، عَنْ سُمَيٍّ، وَرَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ) وَصَلَهُ مُسْلِمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ فَذَكَرَهُ مَقْرُونًا بِرِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كِلَاهُمَا عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ بِهِ وَفِي آخِرِهِ: قَالَ ابْنُ عَجْلَانَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ رَجَاءَ بْنَ حَيْوَةَ، فَحَدَّثَنِي بِمِثْلِهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَوَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، وَسُمَيٍّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي صَالِحٍ بِهِ وَفِيهِ: تُسَبِّحُونَ اللَّهَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدُونَهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرُونَهُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ وَقَالَ فِي الْأَوْسَطِ: لَمْ يَرْوِهِ عَنْ رَجَاءٍ إِلَّا ابْنُ عَجْلَانَ.

قَوْلُهُ: (وَرَوَاهُ جَرِيرٌ) يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْحَمِيدِ (عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) وَصَلَهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنْهُ عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، وَوَصَلَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ بِهَذَا، وَفِيهِ مِثْلُ مَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَجْلَانَ مِنْ تَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ويقول: لا إله إلَّا الله وحدَهُ لا شريكَ له -يعني: تمام المئة- غفرتْ له خطاياهُ»، وهذا اختلافٌ شديدٌ على (١) سهيلٍ، والمعتمدُ في ذلك رواية سُميٍّ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، قاله في «الفتح».

وحديث الباب سبقَ في «الصَّلاة» [خ¦٨٤٣].

٦٣٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين، قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمرِ (عَنِ المُسَيَّبِ) بفتح الياء (٢) التَّحتية المشددة (ابْنِ رَافِعٍ) الكاهليِّ (عَنْ وَرَّادٍ) بفتح الواو والراء المشددة وبعد الألف دال مهملة (مَوْلَى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) وكاتبه، أنَّه (قَالَ: كَتَبَ المُغِيرَةُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ) لمَّا كتب له معاوية: اكتبْ لي بحديثٍ سمعتَه من رسول الله (أَنَّ رَسُولَ اللهِ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ) مكتوبةٍ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «صلاته» (إِذَا سَلَّمَ) منها: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ) تأكيدٌ لسابقه مع ما فيه من تكثيرِ حسنات الذَّاكر (لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ) زاد الطَّبرانيُّ من طريقٍ آخر (٣) عن المغيرة: «يُحيي ويُميت وهو حيٌّ لا يموت بيده الخير» (وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) هذا معدودٌ من العمومات الَّتي لم يطرقْها تخصيصٌ، ونازعَ بعضهم فيه من جهةِ تخصيصهِ بالمستحيلِ، لكنَّه مبنيٌّ على أنَّ لفظة «شيءٍ» تُطلق على المستحيلِ بل على المعدوم، وفيه خلافٌ مشهورٌ ومذهب أهل السُّنَّة المنع.

(اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ) يمنع من كلِّ أحدٍ (لِمَا أَعْطَيْتَ) أي (٤): لِمَا أردتَ إعطاءه، وإلَّا فبعد الإعطاء

من كلِّ أحدٍ (١) لا مانع له؛ إذ الواقع لا يرتفعُ بخلاف قوله: (وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ) فإنَّه لا يحتاجُ إلى هذا التَّأويل والرِّواية بفتح «مانعَ» و «مُعطيَ» واستُشكل: لأنَّ اسم «لا» إذا كان شبيهًا بالمضاف يُعرَّف فما وجه ترك التَّنوين؟ وأُجيب بأنَّ الفارسيَّ حكى لغة بإجراء الشَّبيه بالمضاف مُجرى المفرد، فيكون مبنيًّا، وجوَّز ابن كَيسان في المطوَّل التَّنوين وتركه، وقال: تركه أحسن.

(وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ) بفتح الجيم. قال ابنُ دقيق العيد: الَّذي ينبغِي أن يضمَّن «ينفعَ» معنى يمنع أو ما يقاربه، ولا يعود «منك» إلى الجدِّ على الوجه الَّذي يقال فيه: حظِّي منك كثيرٌ أو قليلٌ؛ بمعنى عنايتُك بي، أو رعايتك لي، فإن ذلك نافعٌ (٢).

قال ابن فَرحون: وإنَّما قال ذلك لأنَّ العناية من الله تعالى تنفع ولا بدَّ، وأمَّا «الجَدُّ» الثَّاني فإنَّه فاعل «ينفع»، أي: لا ينفع صاحب الحظِّ من نزولِ عذابك حظَّه، وإنَّما ينفعه عمله الصَّالح، فالألف واللَّام في «الجدِّ» الثَّاني عوضٌ عن الضَّمير، وقد سوَّغ الزَّمخشريُّ ذلك، واختاره (٣) كثيرٌ من البصريين والكوفيين في نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١].

والجمهورُ على أنَّ الجدَّ معناه: الحظُّ والغنى، أي: لا ينفع ذا الغنى (٤) والحظِّ منك غناهُ وحظّه، وإنَّما ينفعه العمل الصَّالح، وقيل: أراد بالجدِّ أبا الأب وأبا الأمِّ، أي: لا ينفع أحدًا نسبُه، وضبطه بعضهم بالكسر وهو الاجتهاد، أي: لا ينفع ذا الاجتهاد منك اجتهاده، وإنَّما ينفعه رحمتك (٥).

(وَقَالَ شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، بالسَّند المذكور (عَنْ مَنْصُورٍ) أي: ابن المعتمرِ (قَالَ: سَمِعْتُ المُسَيَّبَ) بن رافعٍ، ووصله أحمد عن محمَّد بن جعفرٍ: حدَّثنا شعبة به (٦) بلفظ: أنَّ رسول الله كان إذا سلَّم قال: «لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لَا شرِيكَ لهُ … » الحديث.

وحديثُ الباب سبق في «الصَّلاة» [خ¦٨٤٤].

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.4 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل