«أَتَيْتُ عُثْمَانَ بِطَهُورٍ وَهْوَ جَالِسٌ عَلَى الْمَقَاعِدِ، فَتَوَضَّأَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٤٣٣

الحديث رقم ٦٤٣٣ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى يا أيها الناس إن وعد الله حق.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أتيت عثمان بطهور وهو جالس على المقاعد…

«أَتَيْتُ عُثْمَانَ بِطَهُورٍ وَهْوَ جَالِسٌ عَلَى الْمَقَاعِدِ، فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ تَوَضَّأَ وَهْوَ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ مِثْلَ هَذَا الْوُضُوءِ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، قَالَ: وَقَالَ النَّبِيُّ لَا تَغْتَرُّوا.»

سند حديث: ٦٤٣٣ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ…

٦٤٣٣ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْقُرَشِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُعَاذُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ ابْنَ أَبَانَ أَخْبَرَهُ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أتيت عثمان بطهور وهو جالس على المقاعد…

يبين هذا الحديث أن عثمان بن عفان رضي الله عنه بعد أن أتى بالوضوء على كماله المشروع، ذكر أنه رأى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم توضأ مثل وضوئه، ثم أخبر -أي النبي صلى الله عليه وسلم- أن من توضأ مثل هذا الوضوء، تفضَّل الله تعالى عليه وغفر له الذي تقدم من ذنوبه الصغائر المتعلقة بحق اللّه تعالى ، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد أجرًا زائدًا على مغفرة الذنوب.
وصفة الوضوء المشار إليه جاء عن حمران، مولى عثمان أنه رأى عثمان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاث مرات ويديه إلى المرفقين ثلاث مرات، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرات.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • أن الوضوء من مكفرات الذنوب.
  • الوضوء لا يكفر الذنوب إلا أن كان موافقًا لصفة وضوء النبي -صلى الله عليه وسلم-.
  • تحصيل الحسنات الكثيرة بالمشي إلى المسجد، والصلاة فيه.
  • كرم الله -تعالى- وسعة رحمته بأن يزيد المسلم من فضله فتكون صلاته وخروجه إلى المسجد نافلة في الأجر وزيادة.
  • الذنوب التي يكفرها الوضوء الصغائر المتعلقة بحق الله -تعالى-.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أتيت عثمان بطهور وهو جالس على المقاعد…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾، جَمْعُهُ سُعُرٌ. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الْغَرُورُ﴾ الشَّيْطَانُ.

٦٤٣٣ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْقُرَشِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُعَاذُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ ابْنَ أَبَانَ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَتَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بِطَهُورٍ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى الْمَقَاعِدِ فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ تَوَضَّأَ، وَهُوَ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ مِثْلَ هَذَا الْوُضُوءِ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. قَالَ: وَقَالَ النَّبِيُّ : لَا تَغْتَرُّوا.

قَوْلُهُ (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ الْآيَةَ، إِلَى قَوْلِهِ ﴿السَّعِيرِ﴾) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَتَيْنِ.

قَوْلُهُ (جَمْعُهُ سُعُرٌ) بِضَمَّتَيْنِ يَعْنِي السَّعِيرَ، وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ مِنَ السَّعْرِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ، وَهُوَ الشِّهَابُ مِنَ النَّارِ.

قَوْلُهُ (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْغَرُورُ الشَّيْطَانُ) ثَبَتَ هَذَا الْأَثَرُ هُنَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ، وَوَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَهُوَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾، وَهُوَ فَعُولٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ تَقُولُ غَرَرْتُ فُلَانًا أَصَبْتُ غُرَّتَهُ وَنِلْتُ مَا أَرَدْتُ مِنْهُ، وَالْغِرَّةُ بِالْكَسْرِ غَفْلَةٌ فِي الْيَقَظَةِ، وَالْغَرُورُ كُلُّ مَا يَغُرُّ الْإِنْسَانَ، وَإِنَّمَا فُسِّرَ بِالشَّيْطَانِ لِأَنَّهُ رَأْسٌ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ (شَيْبَانُ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَ (يَحْيَى) هُوَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَ (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ التَّيْمِيُّ، وَاسْمُ جَدِّهِ الْحَارِثُ بْنُ خَالِدٍ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ.

قَوْلُهُ (أَخْبَرَنِي مُعَاذُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أَيِ ابْنِ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ، وَعُثْمَانُ جَدُّهُ هُوَ أَخُو طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَوَالِدُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ صَحَابِيٌّ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ وَكَانَ يُلَقَّبُ شَارِبَ الذَّهَبِ وَقُتِلَ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ. هَذِهِ رِوَايَةُ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ بِسَنَدِهِ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بَدَلَ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ. قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ: رِوَايَةُ الْوَلِيدِ أَصْوَبُ. قُلْتُ: وَرِوَايَةُ شَيْبَانَ أَرْجَحُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ؛ لِأَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ وَافَقَا مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيَّ فِي رِوَايَتِهِ لَهُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الطَّرِيقَانِ مَحْفُوظَيْنِ لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ صَاحِبُ حَدِيثٍ فَلَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْ مُعَاذٍ وَمِنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ وَكُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ رَهْطِهِ وَمِنْ بَلَدِهِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَأَمَّا شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ فَلَيْسَ مِنْ رَهْطِهِ وَلَا مِنْ بَلَدِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ (أَنَّ ابْنَ أَبَانٍ أَخْبَرَهُ) قَالَ عِيَاضٌ: وَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ وَالْكَافَّةِ أَنَّ ابْنَ أَبَانٍ أَخْبَرَهُ وَوَقَعَ لِابْنِ السَّكَنِ أَنَّ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانٍ، وَوَقَعَ لِلجُّرْجَانِيِّ وَحْدَهُ أَنَّ أَبَان أَخْبَرَهُ وَهُوَ خَطَأٌ. قُلْتُ: وَوَقَعَ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ ابْنَ أَبَانٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ بِسَنَدِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، وَوَقَعَ عِنْدَهُ أَنَّ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانٍ أَخْبَرَهُ.

قَوْلُهُ (فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ) فِي رِوَايَةِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ حُمْرَانَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، وَتَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حُمْرَانَ بَيَانُ صِفَةِ الْإِسْبَاغِ الْمَذْكُورِ وَالتَّثْلِيثِ فِيهِ وَقَوْلُ عُرْوَةَ إِنَّ هَذَا أَسْبَغَ الْوُضُوءَ.

قَوْلُهُ (ثُمَّ قَالَ مَنْ تَوَضَّأَ مِثْلَ هَذَا الْوُضُوءِ) تَقَدَّمَ هُنَاكَ تَوْجِيهُهُ وَتُعُقِّبَ مَنْ نَفَى وُرُودَ الرِّوَايَةِ بِلَفْظِ مِثْلَ وَأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي وُرُودِهَا بِلَفْظِ نَحْوَ التَّعَذُّرُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِ وُضُوءِ النَّبِيِّ .

قَوْلُهُ (ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ) هَكَذَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

فالغرورُ (١) كلُّ ما يغرُّ الإنسان من مالٍ وجاهٍ وشهوةٍ وشيطانٍ، وقد فُسِّر بالشَّيطان إذ هو أخبثُ الغارِّين، وقرئ بضم الغين، وهو مصدر، وعن بعضهم: الغُرور -بالضم-: الأباطيلُ، وثبتَ قوله: «قال مجاهد … » إلى آخره للكُشميهنيِّ، وسقطَ لغيرهِ.

٦٤٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ) بسكون العين، الطَّلْحِيُّ مولاهم الكوفيُّ المعروف بالضَّخم قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بالشين المعجمة، ابن عبد الرَّحمن أبو معاوية النَّحْويُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارثِ (القُرَشِيِّ، قال: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مُعَاذُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عثمانَ التَّيميُّ (٢) (أَنَّ ابْنَ أَبَانَ) ولأبي ذرٍّ: «أنَّ حُمْران بن أبان» -بضم الحاء المهملة وسكون الميم- مولى عُثمان بن عفَّان اشتراهُ في زمنِ أبي بكرٍ الصِّدِّيق (أَخْبَرَهُ) أي: أخبر معاذ بن عبد الرَّحمن (قَالَ: أَتَيْتُ عُثْمَانَ) ولأبي ذرٍّ: «(٣) عُثمان بن عفَّان » (بِطَهُورٍ) بفتح الطاء، بماء يُتطهَّر به (وَهْوَ جَالِسٌ عَلَى المَقَاعِدِ) موضعٌ بالمدينةِ (فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ تَوَضَّأَ) بلفظ الماضي، ولأبي ذرٍّ: «يتوضأ» (وَهْوَ فِي هَذَا المَجْلِسِ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ) وضوءًا (مِثْلَ هَذَا الوُضُوءِ) وسبق في «الطهارة» [خ¦١٥٩] بلفظ: «من توضَّأ نحو وضوئي هذا» و «نحو» إن قُدِّرت بمعنى قريب، فتكون ظرفًا على التَّوسُّع في المكان، أي: قاربَ فعلي فعله، بمعنى: أنَّ من قاربتهُ فقد قاربكَ، وإن قُدِّرت بمعنى «مثل» كان فيه تجوُّز أيضًا؛ لأنَّه لا يقدر أحدٌ على مثلِ وضوء النَّبيِّ من كلِّ وجهٍ لا في نيَّته، ولا في إخلاصهِ، ولا في

علمهِ (١) بكمال طهارتهِ، واستيعاب غسلِ أعضائهِ. والنَّحو: لغة القصدُ والمثل، تقول (٢): هذا نحو زيدٍ، أي: مثل زيدٍ، ومتى قدَّرتها بمعنى «مثل» كان نعتًا لمصدرٍ محذوف، أي: توضَّأ وضوءًا مثل وضوئي، واختارَ سيبويه أن تكون حالًا؛ لأنَّ حذف الموصوفِ دون الصِّفة لا يجوز إلَّا في مواضع معدودة، وتقديرُ الحال هنا من محذوفٍ، أي: توضَّأ الوضوء مثل وضوئي، فإن قُدِّرت «نحو» بمعنى قريبًا كانت ظرفًا ويكون قُرْبًا مجازيًا، وفي ورود الرِّواية هنا بلفظ «مثل» ردٌّ على نافيها (٣) (ثُمَّ أَتَى المَسْجِدَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ) ولمسلمٍ من طريق نافع بن جبيرٍ، عن حمران: «ثمَّ مشى إلى الصَّلاة المكتوبةِ فصلَّاها مع النَّاس، أو في المسجد» وفي رواية هشام بن عروة، عن أبيهِ، عن حمران -عندهُ أيضًا-: «فيصلِّي صلاةً» وفي أخرى له عنه: «فيصلِّي الصَّلاة المكتوبة» (ثُمَّ جَلَسَ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) ولمسلمٍ من رواية هشام: «إلَّا غُفِر له ما بينها وبين الصلاة التي تليها» أي: التي سبقتها، وأصرح منه رواية أبي صخرٍ، عن حمران -عند مسلم أيضًا-: «فيصلِّي هذه الصَّلوات الخمس إلَّا كانت كفَّارةً لما بينهنَّ» (قَالَ) عُثمان: (وَقَالَ النَّبِيُّ : لَا تَغْتَرُّوا) لا تحملوا الغفران على عمومهِ في جميع الذُّنوب، فتسترسلوا في الذُّنوب اتِّكالًا على غُفْرانها بالصَّلاة، فإن الصلاة الَّتي تُكفِّر الذُّنوب هي المقبولة، ولا اطِّلاع لأحدٍ عليه، أو أنَّ المكفَّر بالصَّلاة الصَّغائر، فلا تغترّوا فتعملوا الكبائر بناء على تكفيرِ الذُّنوب بالصَّلاة فإنَّه خاصٌّ بالصَّغائر (٤)، والمطابقة في قوله: «لا تغترّوا».

وأخرج الحديثَ مسلمٌ في «الطَّهارة» والنَّسائيُّ في «الصَّلاةِ».

(٩) (باب ذَهَابِ الصَّالِحِينَ) بالموتِ (وَيُقَالُ: الذِّهَابُ) بكسر المعجمة (المَطَرُ) قال في «المحكم»: والذِّهْبَة: المطرة الضَّعيفة، وقيل: الجودُ، والجمع ذِهابٌ -بالكسر-. قال ذو الرُّمَّة يصف روضة:

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ مِنْ بَعْدِهِمْ قَوْمٌ تَسْبقَ شَهادَتُهُمْ أيْمانَهُمْ وأيْمَانُهُمْ شَهادَتُهُمْ.

طابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَلم تنقصهم الدُّنْيَا)

إِلَى آخِره يستخرجها من أمعن النّظر فِيهِ.

وَيحيى بن مُوسَى بن عبد ربه الْبَلْخِي يُقَال لَهُ: خت، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد، وَقيس هُوَ ابْن أبي حَازِم، وخباب هُوَ ابْن الْأَرَت.

والْحَدِيث مضى فِي كتاب المرضى فِي: بَاب تمني الْمَرِيض الْمَوْت، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن آدم عَن شُعْبَة عَن إِسْمَاعِيل الخ.

قَوْله: (وَلم تنقصهم الدُّنْيَا) أَي: لم تدخل الدُّنْيَا فيهم نقصا بِوَجْه من الْوُجُوه، أَي: لم يشتغلوا بِجمع المَال بِحَيْثُ يلْزم فِي كمالهم نُقْصَان. قَوْله: (إلاّ التُّرَاب) أَرَادَ بِهِ بِنَاء الْحِيطَان، بِقَرِينَة قَوْله فِي الحَدِيث الَّذِي يَلِيهِ: وَهُوَ يَبْنِي حَائِطا، ول وَلَا ذَلِك لَكَانَ اللَّفْظ مُحْتملا لإِرَادَة الْكَنْز وَدفن الذَّهَب فِي الأَرْض، وَقَالَ الدَّاودِيّ: يَعْنِي لَا يكَاد ينجو من فتْنَة المَال إلَاّ من مَاتَ وَصَارَ إِلَى التُّرَاب.

١٩ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى حَدثنَا يحيى عَن إِسْمَاعِيل قَالَ حَدثنِي قيس قَالَ أتيت خبابا وَهُوَ يَبْنِي حَائِطا لَهُ فَقَالَ إِن أَصْحَابنَا الَّذين مضوا لم تنقصهم الدُّنْيَا شَيْئا وَإِنَّا أصبْنَا من بعدهمْ شَيْئا لَا نجد لَهُ موضعا إِلَّا التُّرَاب) هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث السَّابِق عَن مُحَمَّد بن الْمثنى ضد الْمُفْرد عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد إِلَى آخِره قَوْله شَيْئا ويروى بِشَيْء

٢٠ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان عَن الْأَعْمَش عَن أبي وَائِل عَن خباب رَضِي الله عَنهُ قَالَ هاجرنا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: قصه) مُحَمَّد بن كثير ضد الْقَلِيل وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة قَوْله قصه كَذَا لأبي ذَر أَي قصّ الحَدِيث رَاوِيه وَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَا أخرجه بِتَمَامِهِ فِي أول الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة عَن مُحَمَّد بن كثير بالسند الْمَذْكُور هَهُنَا

(بَاب قَول الله تَعَالَى {يَا أَيهَا النَّاس إِن وعد الله حق فَلَا تغرنكم الْحَيَاة الدُّنْيَا وَلَا يَغُرنكُمْ بِاللَّه الْغرُور إِن الشَّيْطَان لكم عَدو فاتخذوه عدوا إِنَّمَا يَدْعُو حزبه ليكونوا من أَصْحَاب السعير} )

أَي هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى الخ وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة هَكَذَا سقيت الْآيَتَانِ المذكورتان وَفِي رِوَايَة أبي ذَر هَكَذَا {يَا أَيهَا النَّاس إِن وعد الله حق} الْآيَة إِلَى قَوْله {السعير} قَوْله {إِن وعد الله حق} أَي بِالْبَعْثِ وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب قَوْله {وَلَا يَغُرنكُمْ بِاللَّه الْغرُور} وَهُوَ أَن يغتر بِاللَّه فَيعْمل الْمعْصِيَة ويتمنى الْمَغْفِرَة وَيُقَال الْغرُور الشَّيْطَان وَقد نهى الله عَن الاغترار بِهِ وَبَين لنا عداوته لِئَلَّا نلتفت إِلَى تسويله وتزيينه لنا الشَّهَوَات الرَّديئَة قَوْله {فاتخذوه عدوا} أَي أنزلوه من أَنفسكُم منزلَة الْأَعْدَاء وتجنبوا طَاعَته قَوْله {إِنَّمَا يَدْعُو حزبه} أَي شيعته إِلَى الْكفْر قَوْله {ليكونوا من أَصْحَاب السعير} أَي النَّار

(جمعه سعر) أَي جمع السعير سعر على وزن فعل بِضَمَّتَيْنِ والسعير على وزن فعيل بِمَعْنى مفعول من السّعر بِفَتْح السِّين وَسُكُون الْعين وَهُوَ التهاب النَّار

(قَالَ مُجَاهِد الْغرُور الشَّيْطَان) أثر مُجَاهِد هَذَا لم يثبت هُنَا إِلَّا فِي رِوَايَة الْكشميهني وَحده وَوَصله الْفرْيَابِيّ فِي تَفْسِيره عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد وَهُوَ تَفْسِير قَوْله تَعَالَى {وَلَا يَغُرنكُمْ بِاللَّه الْغرُور} وَهُوَ على وزن فعول بِمَعْنى فَاعل تَقول غررت فلَانا أصبت غرته ونلت مَا أردْت مِنْهُ والغرة بِالْكَسْرِ غَفلَة فِي الْيَقَظَة والغرور كل مَا يغر الْإِنْسَان وَإِنَّمَا فسر بالشيطان لِأَنَّهُ رَأس ذَلِك

٢١ - (حَدثنَا سعد بن حَفْص حَدثنَا شَيبَان عَن يحيى عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْقرشِي قَالَ أَخْبرنِي معَاذ بن عبد الرَّحْمَن أَن ابْن أبان أخبرهُ قَالَ أتيت عُثْمَان بِطهُور وَهُوَ جَالس على المقاعد فَتَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ قَالَ رَأَيْت النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تَوَضَّأ وَهُوَ فِي هَذَا الْمجْلس فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ قَالَ من تَوَضَّأ مثل هَذَا الْوضُوء ثمَّ أَتَى الْمَسْجِد فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثمَّ جلس غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه قَالَ وَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا تغتروا) مطابقته لِلْآيَةِ الَّتِي هِيَ التَّرْجَمَة فِي قَوْله لَا تغتروا وَسعد بن حَفْص أَبُو مُحَمَّد الطلحي الْكُوفِي يُقَال لَهُ الضخم وشيبان بن عبد الرَّحْمَن أَبُو مُعَاوِيَة النَّحْوِيّ وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير ضد الْقَلِيل وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث بن خَالِد التَّيْمِيّ ولجده الْحَارِث صُحْبَة ومعاذ بن عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان بن عبيد الله التَّيْمِيّ وَعُثْمَان جده هُوَ أَخُو طَلْحَة بن عبيد الله الصَّحَابِيّ وَعبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان صَحَابِيّ أَيْضا أخرج لَهُ مُسلم وَكَانَ يلقب بشارب الذَّهَب وَقتل مَعَ ابْن الزبير رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم بِمَكَّة فِي يَوْم وَاحِد وَأما عبد الرَّحْمَن بن عبيد الله بن عُثْمَان أَخُو طَلْحَة بن عبيد الله فَلهُ صُحْبَة أَيْضا قتل يَوْم الْجمل وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَابْن أبان كَذَا وَقع لأبي ذَر والنسفي وَغَيرهمَا أَن ابْن أبان أخبرهُ وَوَقع لِابْنِ السكن أَن حمْرَان بن أبان وَوَقع للجرجاني وَحده أَن أبان أخبرهُ وَهُوَ خطأ والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وَغَيره وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن سُلَيْمَان بن دَاوُد قَوْله " بِطهُور " بِفَتْح الطَّاء وَهُوَ المَاء الَّذِي يتَطَهَّر بِهِ قَوْله " وَهُوَ جَالس " الْوَاو فِيهِ للْحَال قَوْله " على المقاعد " بِوَزْن الْمَسَاجِد بِالْقَافِ والمهملتين مَوضِع بِالْمَدِينَةِ قَوْله " فَأحْسن الْوضُوء " وَفِي رِوَايَة نَافِع بن جُبَير عَن حمْرَان " فأسبغ الْوضُوء " قَوْله " ثمَّ قَالَ من تَوَضَّأ " أَي النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَوْله " مثل هَذَا الْوضُوء " المثلية لَا تَسْتَلْزِم أَن يكون وضوؤه مثل وضوء النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من كل وَجه لتعذر ذَلِك قَوْله " فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ " هَكَذَا أطلق من غير تَقْيِيد بالمكتوبة وَقَيده مُسلم فِي رِوَايَته من طَرِيق نَافِع بن جُبَير عَن حمْرَان بِلَفْظ " ثمَّ مَشى

إِلَى الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة فَصلاهَا مَعَ النَّاس أَو فِي الْمَسْجِد " وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن حمْرَان فَيصَلي الْمَكْتُوبَة وَفِي رِوَايَة أبي صَخْرَة عَن حمْرَان " مَا من مُسلم يتَطَهَّر فَيتم الطّهُور الَّذِي كتب عَلَيْهِ فَيصَلي هَذِه الصَّلَوَات الْخمس إِلَّا كَانَت كَفَّارَة لما بَينهُنَّ " قَوْله غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه يَعْنِي الذَّنب الَّذِي بَينه وَبَين الله تَعَالَى وَأما مَا بَينه وَبَين الْعباد فَلَا يغْفر إِلَّا بإرضاء الْخصم قَوْله لَا تغتروا فتجسرون على الذُّنُوب معتمدين على الْمَغْفِرَة للذنوب فَإِن ذَلِك بِمَشِيئَة الله عز وَجل

(بَاب ذهَاب الصَّالِحين)

أَي هَذَا بَاب فِي ذكر ذهَاب الصَّالِحين أَي مَوْتهمْ وَذَهَاب الصَّالِحين من أَشْرَاط السَّاعَة وَقرب فنَاء الدُّنْيَا

(وَيُقَال الذّهاب الْمَطَر) ثَبت هَذَا فِي رِوَايَة السَّرخسِيّ وَحده وَقَالَ بَعضهم مُرَاده أَن لفظ الذّهاب مُشْتَرك بَين الْمُضِيّ والمطر قلت لَيْسَ كَذَلِك لِأَن الذّهاب بِمَعْنى الْمُضِيّ بِفَتْح الذَّال والذهاب بِمَعْنى الْمَطَر بِكَسْرِهَا قَالَ صَاحب الْمُحكم الذهبة بِالْكَسْرِ المطرة الضعيفة وَالْجمع الذّهاب

٢٢ - (حَدثنِي يحيى بن حَمَّاد حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن بَيَان عَن قيس بن أبي حَازِم عَن مرداس الْأَسْلَمِيّ قَالَ قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يذهب الصالحون الأول فَالْأول وَتبقى حفالة كحفالة الشّعير أَو التَّمْر لَا يباليهم الله بالة) مطابتقه للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَيحيى بن حَمَّاد الشَّيْبَانِيّ الْبَصْرِيّ روى البُخَارِيّ عَنهُ فِي الْحيض بِوَاسِطَة الْحسن بن مدرك وَأَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْوَاو وَالنُّون واسْمه الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي وَبَيَان بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون ابْن بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وبالشين الْمُعْجَمَة الأحمسي بالمهملتين وَقيس بن أبي حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي ومرداس بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الرَّاء ابْن مَالك الْأَسْلَمِيّ وَكَانَ مِمَّن بَايع تَحت الشَّجَرَة ثمَّ سكن الْكُوفَة وَهُوَ مَعْدُود فِي أَهلهَا والْحَدِيث مضى فِي الْمَغَازِي عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى عَن عِيسَى بن يُونُس الخ قَوْله يذهب وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ يقبض بدل يذهب أَي يقبض أَرْوَاحهم قَوْله الأول أَي يذهب الأول فَالْأول عطف عَلَيْهِ قَوْله حفالة بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْفَاء وَهِي الرذائل من كل شَيْء وَيُقَال هِيَ مَا يبْقى من آخر الشّعير وَمن التَّمْر أردؤه وَقَالَ ابْن التِّين الحفالة سقط النَّاس وَأَصلهَا مَا يتساقط من قشور التَّمْر وَالشعِير وَغَيرهمَا وَقَالَ الدَّاودِيّ الحفالة مَا يسْقط من الشّعير عِنْد الغربلة وَيبقى من التَّمْر بعد الْأكل قَوْله أَو التَّمْر يحْتَمل الشَّك والتنويع وَوَقع فِي رِوَايَة عبد الحميد كحثالة الشّعير فَقَط وَفِي رِوَايَة يحيى لَا يبْقى إِلَّا مثل حثالة التَّمْر وَالشعِير والحثالة بالثاء الْمُثَلَّثَة مثل الحفالة يتعاقبان كَقَوْلِهِم فوم وثوم قَوْله لَا يباليهم الله قَالَ الْخطابِيّ أَي لَا يرفع لَهُم قدر أَو لَا يُقيم لَهُم وزنا وَفِي رِوَايَة عِيسَى بن يُونُس عَن بَيَان تقدّمت فِي الْمَغَازِي بِلَفْظ لَا يعبأ الله بهم شَيْئا وَفِي رِوَايَة عبد الْوَاحِد لَا يُبَالِي الله عَنْهُم وَكلمَة عَن هَهُنَا بِمَعْنى الْبَاء يُقَال مَا باليت بِهِ وَمَا باليت عَنهُ قَوْله بالة اسْم لمصدر وَلَيْسَ مصدرا لباليت وَقيل أَصله بالية فحذفت الْيَاء تَخْفِيفًا كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي قلت يُقَال باليت بالشَّيْء مبالاة وبالة وبالية

(قَالَ أَبُو عبد الله يُقَال حفالة وحثالة) أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه وَأَرَادَ بِهِ أَن حفالة وحثالة بِالْفَاءِ والثاء الْمُثَلَّثَة بِمَعْنى وَاحِد

(بَاب مَا يتقى من فتْنَة المَال)

أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يتقى على صِيغَة الْمَجْهُول قَوْله " من فتْنَة المَال " أَي الِانْتِهَاء بِهِ وَمعنى الْفِتْنَة فِي كَلَام الْعَرَب الاختبار

والابتلاء والفتنة الإمالة عَن الْقَصْد وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَك} أَي ليميلونك والفتنة أَيْضا الاحتراق وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {يَوْم هم على النَّار يفتنون} أَي يحرقون قَالَه ابْن الْأَنْبَارِي والامتلاء والاختبار يجمع ذَلِك كُله

(وَقَول الله تَعَالَى {أَنما أَمْوَالكُم وَأَوْلَادكُمْ فتْنَة} ) وَقَول الله بِالْجَرِّ عطف على قَوْله من فتْنَة المَال وَقد أخبر الله تَعَالَى عَن الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد أَنَّهَا فتْنَة لِأَنَّهَا تشغل النَّاس عَن الطَّاعَة قَالَ الله تَعَالَى {أَلْهَاكُم التكاثر} أَي شغلكم التكاثر وَخرج لفظ الْخطاب بذلك على الْعُمُوم لِأَن الله تَعَالَى فطر الْعباد على حب المَال وَالْأَوْلَاد وَقد روى التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان وَالْحَاكِم وصححوه من حَدِيث كَعْب بن عِيَاض سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُول إِن لكل أمة فتْنَة وفتنة أمتِي المَال

٢٣ - (حَدثنِي يحيى بن يُوسُف أخبرنَا أَبُو بكر عَن أبي حُصَيْن عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تعس عبد الدِّينَار وَالدِّرْهَم والقطيفة والخيمصة إِن أعطي رَضِي وَإِن لم يُعْط لم يرض) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث وَيحيى بن يُوسُف الزمي بِكَسْر الزَّاي وَتَشْديد الْمِيم نِسْبَة إِلَى بَلْدَة يُقَال لَهَا زم وَيُقَال لَهُ ابْن أبي كَرِيمَة فَقيل هُوَ كنية أَبِيه وَقيل هُوَ جده واسْمه كنيته أخرج عَنهُ البُخَارِيّ بِغَيْر وَاسِطَة فِي الصَّحِيح وبواسطة خَارج الصَّحِيح وَأَبُو بكر هُوَ ابْن عَيَّاش بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة القارىء الْمُحدث وَأَبُو حُصَيْن بِفَتْح الْحَاء وَكسر الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ عُثْمَان بن عَاصِم وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد عَن يحيى أَيْضا متْنا وإسنادا فِي بَاب الحراسة فِي الْغَزْو وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن الْحسن بن حَمَّاد عَن يحيى بِهِ وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَافق أَبَا بكر على رَفعه شريك القَاضِي وَقيس بن الرّبيع عَن أبي حُصَيْن وَخَالفهُم إِسْرَائِيل فَرَوَاهُ عَن أبي حُصَيْن مَوْقُوفا قَوْله تعس بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَفتحهَا أَي سقط وَالْمرَاد هُنَا هلك وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي التعس الشَّرّ قَالَ تَعَالَى {فتعسا لَهُم} أَرَادَ ألزمهم الشَّرّ وَقيل التعس الْبعد أَي بعدا لَهُم وَقيل قَوْلهم تعسا لَهُ نقيض قَوْلهم لعا لَهُ فتعسا دُعَاء عَلَيْهِ بالعثرة ولعا دُعَاء لَهُ بالانتعاش قَوْله عبد الدِّينَار أَي طَالبه وخادمه والحريص على جمعه والقائم على حفظه فَكَأَنَّهُ لذَلِك عَبده وَقَالَ شيخ شَيخنَا الطَّيِّبِيّ خص العَبْد بِالذكر ليؤذن بانغماسه فِي محبَّة الدُّنْيَا وشهواتها كالأسير الَّذِي لَا يجد خلاصا وَلم يقل مَالك الدِّينَار وَلَا جَامع الدِّينَار لِأَن المذموم من الْملك وَالْجمع الزِّيَادَة على قدر الْحَاجة قَوْله والقطيفة الدثار المخمل وَهُوَ الثَّوْب الَّذِي لَهُ خمل والخميصة الكساء الْأسود المربع قَوْله إِن أعطي على صِيغَة الْمَجْهُول وَكَذَا وَإِن لم يُعْط قَالَ الله تَعَالَى {فَإِن أعْطوا مِنْهَا رَضوا وَإِن لم يُعْطوا مِنْهَا إِذا هم يسخطون}

٢٤ - (حَدثنَا أَبُو عَاصِم عَن ابْن جريج عَن عَطاء قَالَ سَمِعت ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا يَقُول سَمِعت النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُول لَو كَانَ لِابْنِ آدم واديان من مَال لابتغى ثَالِثا وَلَا يمْلَأ جَوف ابْن آدم إِلَّا التُّرَاب وَيَتُوب الله على من تَابَ) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَشَارَ بِهَذَا الْمثل إِلَى ذمّ الْحِرْص على الدُّنْيَا والشره والازدياد وَهَذِه آفَة يجب الاتقاء مِنْهَا وَأَبُو عَاصِم هُوَ الضَّحَّاك بن مخلد النَّبِيل الْبَصْرِيّ وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الْمَكِّيّ وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح يروي بِالسَّمَاعِ عَن ابْن عَبَّاس يَقُول سَمِعت النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهَذَا من الْأَحَادِيث الَّتِي صرح فِيهَا ابْن عَبَّاس بِسَمَاعِهِ من النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهِي قَليلَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مرويه عَنهُ فَإِنَّهُ أحد المكثرين وَمَعَ ذَلِك فتحمله كَانَ أَكْثَره عَن كبار الصَّحَابَة والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن زُهَيْر بن حَرْب وَهَارُون بن عبد الله قَوْله لَو كَانَ لِابْنِ آدم واديان وَفِي الحَدِيث يَلِيهِ لَو كَانَ لِابْنِ آدم مثل وَاد مَالا وَفِي الحَدِيث الآخر لَو أَن ابْن آدم أعطي وَاديا وَفِي الآخر

لَو أَن لِابْنِ آدم واديان قَوْله من مَال وَفِي الحَدِيث الثَّالِث مَلأ من ذهب وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَاديا من ذهب وَعند أَحْمد فِي حَدِيث زيد بن أَرقم " من ذهب وَفِضة " قَوْله " لابتغى " بالغين الْمُعْجَمَة من الابتغاء وَهُوَ الطّلب وَفِي الحَدِيث الثَّانِي " لأحب أَن لَهُ إِلَيْهِ مثله " وَفِي حَدِيث أنس " لتمنى مثله ثمَّ تمنى مثله حَتَّى يتَمَنَّى أَوديَة " وَفِي الحَدِيث الثَّالِث " أحب إِلَيْهِ ثَانِيًا " وَفِي الرَّابِع أحب إِلَيْهِ أَن يكون لَهُ وَاديا وَقَالَ الْكرْمَانِي فِي قَوْله لابتغى لَهما ثَالِثا فَزَاد لَفْظَة لَهما فِي شَرحه ثمَّ قَالَ فَإِن قلت الابتغاء لَا يسْتَعْمل بِاللَّامِ قلت هَذَا مُتَعَلق بقوله ثَالِثا أَي ثَالِثا لَهما أَي مثلثهما انْتهى قَوْله وَلَا يمْلَأ جَوف ابْن آدم وَفِي الحَدِيث الثَّانِي " وَلَا يمْلَأ عين ابْن آدم " وَفِي الثَّالِث " وَلَا يسد جَوف ابْن آدم " وَفِي الرَّابِع " وَلنْ يمْلَأ فَاه " وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن ابْن جريج لَا يمْلَأ نفس ابْن آدم وَفِي مُرْسل جُبَير بن يُغير وَلَا يشْبع جَوف ابْن آدم بِضَم الْيَاء من الإشباع وَفِي حَدِيث زيد بن أَرقم " وَلَا يمْلَأ بطن ابْن آدم " وَقَالَ الْكرْمَانِي مَا وَجه ذكره فِي الرِّوَايَة الأولى الْجوف وَفِي الثَّانِيَة الْعين وَفِي الثَّالِثَة الْفَم قلت لَيْسَ الْمَقْصُود مِنْهُ الْحَقِيقَة بِقَرِينَة عدم الانحصار على التُّرَاب إِذْ غَيره يملؤه أَيْضا بل هُوَ كِنَايَة عَن الْمَوْت لِأَنَّهُ مُسْتَلْزم للامتلاء فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا يشْبع سنّ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُوت فالغرض من الْعبارَات كلهَا وَاحِد لَيْسَ فِيهَا إِلَّا التفنن فِي الْكَلَام وَقَالَ بَعضهم هَذَا يحسن فِيمَا إِذا اخْتلفت مخارج الحَدِيث وَأما إِذا اتّحدت فَهُوَ من تصرف الروَاة انْتهى قلت إحالته على كَلَام الشَّارِع أولى من إحالته إِلَى تصرف الروَاة مَعَ أَن فِيهِ تَغْيِير لفظ الشَّارِع فَإِن قلت نِسْبَة الامتلاء إِلَى الْجوف والبطن وَاضِحَة فَمَا وَجههَا إِلَى النَّفس والفم وَالْعين قلت أما النَّفس فَعبر بهَا عَن الذَّات وَأَرَادَ الْبَطن من قبيل إِطْلَاق الْكل وَإِرَادَة الْجُزْء وَأما الْفَم فلكونه الطَّرِيق إِلَى الْوُصُول إِلَى الْجوف وَأما الْعين فَلِأَنَّهَا الأَصْل فِي الطّلب لِأَنَّهُ يرى مَا يُعجبهُ فيطلبه ليحوزه إِلَيْهِ وَخص الْبَطن فِي أَكثر الرِّوَايَات لِأَن أَكثر مَا يطْلب المَال لتَحْصِيل المستلذات وأكثرها تكْرَار للْأَكْل وَالشرب وَقَالَ الطَّيِّبِيّ وَقع قَوْله وَلَا يمْلَأ إِلَى آخِره موقع التذييل والتقرير للْكَلَام السَّابِق كَأَنَّهُ قيل وَلَا يشْبع من خلق من التُّرَاب إِلَّا بِالتُّرَابِ قَوْله وَيَتُوب الله على من تَابَ أَي من الْمعْصِيَة وَرجع عَنْهَا يَعْنِي يوفقه للتَّوْبَة أَو يرجع عَلَيْهِ من التَّشْدِيد إِلَى التَّخْفِيف أَو يرجع عَلَيْهِ بقبوله

٢٥ - (حَدثنَا مُحَمَّد أخبرنَا مخلد أخبرنَا ابْن جريج قَالَ سَمِعت عَطاء يَقُول سَمِعت ابْن عَبَّاس يَقُول سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُول لَو أَن لِابْنِ آدم مثل وَاد مَالا لأحب أَن لَهُ إِلَيْهِ مثله وَلَا يمْلَأ عين ابْن آدم إِلَّا التُّرَاب وَيَتُوب الله على من تَابَ: قَالَ ابْن عَبَّاس فَلَا أَدْرِي من الْقُرْآن هُوَ أم لَا قَالَ وَسمعت ابْن الزبير يَقُول ذَلِك على الْمِنْبَر) هَذَا طَرِيق آخر عَن مُحَمَّد هُوَ ابْن سَلام وَصرح بذلك فِي رِوَايَة أبي زيد الْمروزِي وَهُوَ يروي عَن مخلد بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح اللَّام ابْن يزِيد من الزِّيَادَة أَبُو الْحسن الْحَرَّانِي الْجَزرِي مَاتَ سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَة قَوْله مثل وَاد ويروى ملْء وَاد قَوْله قَالَ ابْن عَبَّاس فَلَا أَدْرِي من الْقُرْآن هُوَ أم لَا يَعْنِي الحَدِيث الْمَذْكُور يَعْنِي من الْقُرْآن الْمَنْسُوخ تِلَاوَته قَوْله قَالَ وَسمعت ابْن الزبير أَي قَالَ عَطاء سَمِعت عبد الله بن الزبير وَهُوَ مُتَّصِل بالسند الْمَذْكُور قَوْله يَقُول ذَلِك إِشَارَة إِلَى الحَدِيث وَقَالَ الْكرْمَانِي وَعبد الله بن الزبير كَانَ يَقُول قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ ذَلِك يَعْنِي لَو أَن لِابْنِ آدم إِلَى آخِره وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ قَول لَا أَدْرِي أَيْضا قَوْله على الْمِنْبَر أَي بِمَكَّة كَمَا يَأْتِي الْآن

٢٦ - (حَدثنَا أَبُو نعيم حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان بن الغسيل عَن عَبَّاس بن سهل بن سعد قَالَ سَمِعت ابْن الزبير على الْمِنْبَر بِمَكَّة فِي خطبَته يَقُول يَا أَيهَا النَّاس إِن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يَقُول لَو أَن ابْن آدم أعطي وَاديا مَلأ من ذهب أحب إِلَيْهِ ثَانِيًا وَلَو أعطي ثَانِيًا أحب إِلَيْهِ ثَالِثا وَلَا يسد جَوف ابْن آدم إِلَّا التُّرَاب وَيَتُوب الله على من تَابَ) أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن وَعبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان بن عبد الله بن حَنْظَلَة بن الغسيل أَي مغسول الْمَلَائِكَة حِين اسْتشْهد وَهُوَ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾، جَمْعُهُ سُعُرٌ. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الْغَرُورُ﴾ الشَّيْطَانُ.

٦٤٣٣ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْقُرَشِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُعَاذُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ ابْنَ أَبَانَ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَتَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بِطَهُورٍ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى الْمَقَاعِدِ فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ تَوَضَّأَ، وَهُوَ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ مِثْلَ هَذَا الْوُضُوءِ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. قَالَ: وَقَالَ النَّبِيُّ : لَا تَغْتَرُّوا.

قَوْلُهُ (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ الْآيَةَ، إِلَى قَوْلِهِ ﴿السَّعِيرِ﴾) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَتَيْنِ.

قَوْلُهُ (جَمْعُهُ سُعُرٌ) بِضَمَّتَيْنِ يَعْنِي السَّعِيرَ، وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ مِنَ السَّعْرِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ، وَهُوَ الشِّهَابُ مِنَ النَّارِ.

قَوْلُهُ (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْغَرُورُ الشَّيْطَانُ) ثَبَتَ هَذَا الْأَثَرُ هُنَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ، وَوَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَهُوَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾، وَهُوَ فَعُولٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ تَقُولُ غَرَرْتُ فُلَانًا أَصَبْتُ غُرَّتَهُ وَنِلْتُ مَا أَرَدْتُ مِنْهُ، وَالْغِرَّةُ بِالْكَسْرِ غَفْلَةٌ فِي الْيَقَظَةِ، وَالْغَرُورُ كُلُّ مَا يَغُرُّ الْإِنْسَانَ، وَإِنَّمَا فُسِّرَ بِالشَّيْطَانِ لِأَنَّهُ رَأْسٌ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ (شَيْبَانُ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَ (يَحْيَى) هُوَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَ (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ التَّيْمِيُّ، وَاسْمُ جَدِّهِ الْحَارِثُ بْنُ خَالِدٍ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ.

قَوْلُهُ (أَخْبَرَنِي مُعَاذُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أَيِ ابْنِ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ، وَعُثْمَانُ جَدُّهُ هُوَ أَخُو طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَوَالِدُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ صَحَابِيٌّ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ وَكَانَ يُلَقَّبُ شَارِبَ الذَّهَبِ وَقُتِلَ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ. هَذِهِ رِوَايَةُ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ بِسَنَدِهِ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بَدَلَ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ. قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ: رِوَايَةُ الْوَلِيدِ أَصْوَبُ. قُلْتُ: وَرِوَايَةُ شَيْبَانَ أَرْجَحُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ؛ لِأَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ وَافَقَا مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيَّ فِي رِوَايَتِهِ لَهُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الطَّرِيقَانِ مَحْفُوظَيْنِ لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ صَاحِبُ حَدِيثٍ فَلَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْ مُعَاذٍ وَمِنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ وَكُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ رَهْطِهِ وَمِنْ بَلَدِهِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَأَمَّا شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ فَلَيْسَ مِنْ رَهْطِهِ وَلَا مِنْ بَلَدِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ (أَنَّ ابْنَ أَبَانٍ أَخْبَرَهُ) قَالَ عِيَاضٌ: وَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ وَالْكَافَّةِ أَنَّ ابْنَ أَبَانٍ أَخْبَرَهُ وَوَقَعَ لِابْنِ السَّكَنِ أَنَّ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانٍ، وَوَقَعَ لِلجُّرْجَانِيِّ وَحْدَهُ أَنَّ أَبَان أَخْبَرَهُ وَهُوَ خَطَأٌ. قُلْتُ: وَوَقَعَ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ ابْنَ أَبَانٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ بِسَنَدِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، وَوَقَعَ عِنْدَهُ أَنَّ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانٍ أَخْبَرَهُ.

قَوْلُهُ (فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ) فِي رِوَايَةِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ حُمْرَانَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، وَتَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حُمْرَانَ بَيَانُ صِفَةِ الْإِسْبَاغِ الْمَذْكُورِ وَالتَّثْلِيثِ فِيهِ وَقَوْلُ عُرْوَةَ إِنَّ هَذَا أَسْبَغَ الْوُضُوءَ.

قَوْلُهُ (ثُمَّ قَالَ مَنْ تَوَضَّأَ مِثْلَ هَذَا الْوُضُوءِ) تَقَدَّمَ هُنَاكَ تَوْجِيهُهُ وَتُعُقِّبَ مَنْ نَفَى وُرُودَ الرِّوَايَةِ بِلَفْظِ مِثْلَ وَأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي وُرُودِهَا بِلَفْظِ نَحْوَ التَّعَذُّرُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِ وُضُوءِ النَّبِيِّ .

قَوْلُهُ (ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ) هَكَذَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

فالغرورُ (١) كلُّ ما يغرُّ الإنسان من مالٍ وجاهٍ وشهوةٍ وشيطانٍ، وقد فُسِّر بالشَّيطان إذ هو أخبثُ الغارِّين، وقرئ بضم الغين، وهو مصدر، وعن بعضهم: الغُرور -بالضم-: الأباطيلُ، وثبتَ قوله: «قال مجاهد … » إلى آخره للكُشميهنيِّ، وسقطَ لغيرهِ.

٦٤٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ) بسكون العين، الطَّلْحِيُّ مولاهم الكوفيُّ المعروف بالضَّخم قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بالشين المعجمة، ابن عبد الرَّحمن أبو معاوية النَّحْويُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارثِ (القُرَشِيِّ، قال: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مُعَاذُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عثمانَ التَّيميُّ (٢) (أَنَّ ابْنَ أَبَانَ) ولأبي ذرٍّ: «أنَّ حُمْران بن أبان» -بضم الحاء المهملة وسكون الميم- مولى عُثمان بن عفَّان اشتراهُ في زمنِ أبي بكرٍ الصِّدِّيق (أَخْبَرَهُ) أي: أخبر معاذ بن عبد الرَّحمن (قَالَ: أَتَيْتُ عُثْمَانَ) ولأبي ذرٍّ: «(٣) عُثمان بن عفَّان » (بِطَهُورٍ) بفتح الطاء، بماء يُتطهَّر به (وَهْوَ جَالِسٌ عَلَى المَقَاعِدِ) موضعٌ بالمدينةِ (فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ تَوَضَّأَ) بلفظ الماضي، ولأبي ذرٍّ: «يتوضأ» (وَهْوَ فِي هَذَا المَجْلِسِ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ) وضوءًا (مِثْلَ هَذَا الوُضُوءِ) وسبق في «الطهارة» [خ¦١٥٩] بلفظ: «من توضَّأ نحو وضوئي هذا» و «نحو» إن قُدِّرت بمعنى قريب، فتكون ظرفًا على التَّوسُّع في المكان، أي: قاربَ فعلي فعله، بمعنى: أنَّ من قاربتهُ فقد قاربكَ، وإن قُدِّرت بمعنى «مثل» كان فيه تجوُّز أيضًا؛ لأنَّه لا يقدر أحدٌ على مثلِ وضوء النَّبيِّ من كلِّ وجهٍ لا في نيَّته، ولا في إخلاصهِ، ولا في

علمهِ (١) بكمال طهارتهِ، واستيعاب غسلِ أعضائهِ. والنَّحو: لغة القصدُ والمثل، تقول (٢): هذا نحو زيدٍ، أي: مثل زيدٍ، ومتى قدَّرتها بمعنى «مثل» كان نعتًا لمصدرٍ محذوف، أي: توضَّأ وضوءًا مثل وضوئي، واختارَ سيبويه أن تكون حالًا؛ لأنَّ حذف الموصوفِ دون الصِّفة لا يجوز إلَّا في مواضع معدودة، وتقديرُ الحال هنا من محذوفٍ، أي: توضَّأ الوضوء مثل وضوئي، فإن قُدِّرت «نحو» بمعنى قريبًا كانت ظرفًا ويكون قُرْبًا مجازيًا، وفي ورود الرِّواية هنا بلفظ «مثل» ردٌّ على نافيها (٣) (ثُمَّ أَتَى المَسْجِدَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ) ولمسلمٍ من طريق نافع بن جبيرٍ، عن حمران: «ثمَّ مشى إلى الصَّلاة المكتوبةِ فصلَّاها مع النَّاس، أو في المسجد» وفي رواية هشام بن عروة، عن أبيهِ، عن حمران -عندهُ أيضًا-: «فيصلِّي صلاةً» وفي أخرى له عنه: «فيصلِّي الصَّلاة المكتوبة» (ثُمَّ جَلَسَ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) ولمسلمٍ من رواية هشام: «إلَّا غُفِر له ما بينها وبين الصلاة التي تليها» أي: التي سبقتها، وأصرح منه رواية أبي صخرٍ، عن حمران -عند مسلم أيضًا-: «فيصلِّي هذه الصَّلوات الخمس إلَّا كانت كفَّارةً لما بينهنَّ» (قَالَ) عُثمان: (وَقَالَ النَّبِيُّ : لَا تَغْتَرُّوا) لا تحملوا الغفران على عمومهِ في جميع الذُّنوب، فتسترسلوا في الذُّنوب اتِّكالًا على غُفْرانها بالصَّلاة، فإن الصلاة الَّتي تُكفِّر الذُّنوب هي المقبولة، ولا اطِّلاع لأحدٍ عليه، أو أنَّ المكفَّر بالصَّلاة الصَّغائر، فلا تغترّوا فتعملوا الكبائر بناء على تكفيرِ الذُّنوب بالصَّلاة فإنَّه خاصٌّ بالصَّغائر (٤)، والمطابقة في قوله: «لا تغترّوا».

وأخرج الحديثَ مسلمٌ في «الطَّهارة» والنَّسائيُّ في «الصَّلاةِ».

(٩) (باب ذَهَابِ الصَّالِحِينَ) بالموتِ (وَيُقَالُ: الذِّهَابُ) بكسر المعجمة (المَطَرُ) قال في «المحكم»: والذِّهْبَة: المطرة الضَّعيفة، وقيل: الجودُ، والجمع ذِهابٌ -بالكسر-. قال ذو الرُّمَّة يصف روضة:

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ مِنْ بَعْدِهِمْ قَوْمٌ تَسْبقَ شَهادَتُهُمْ أيْمانَهُمْ وأيْمَانُهُمْ شَهادَتُهُمْ.

طابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَلم تنقصهم الدُّنْيَا)

إِلَى آخِره يستخرجها من أمعن النّظر فِيهِ.

وَيحيى بن مُوسَى بن عبد ربه الْبَلْخِي يُقَال لَهُ: خت، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد، وَقيس هُوَ ابْن أبي حَازِم، وخباب هُوَ ابْن الْأَرَت.

والْحَدِيث مضى فِي كتاب المرضى فِي: بَاب تمني الْمَرِيض الْمَوْت، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن آدم عَن شُعْبَة عَن إِسْمَاعِيل الخ.

قَوْله: (وَلم تنقصهم الدُّنْيَا) أَي: لم تدخل الدُّنْيَا فيهم نقصا بِوَجْه من الْوُجُوه، أَي: لم يشتغلوا بِجمع المَال بِحَيْثُ يلْزم فِي كمالهم نُقْصَان. قَوْله: (إلاّ التُّرَاب) أَرَادَ بِهِ بِنَاء الْحِيطَان، بِقَرِينَة قَوْله فِي الحَدِيث الَّذِي يَلِيهِ: وَهُوَ يَبْنِي حَائِطا، ول وَلَا ذَلِك لَكَانَ اللَّفْظ مُحْتملا لإِرَادَة الْكَنْز وَدفن الذَّهَب فِي الأَرْض، وَقَالَ الدَّاودِيّ: يَعْنِي لَا يكَاد ينجو من فتْنَة المَال إلَاّ من مَاتَ وَصَارَ إِلَى التُّرَاب.

١٩ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى حَدثنَا يحيى عَن إِسْمَاعِيل قَالَ حَدثنِي قيس قَالَ أتيت خبابا وَهُوَ يَبْنِي حَائِطا لَهُ فَقَالَ إِن أَصْحَابنَا الَّذين مضوا لم تنقصهم الدُّنْيَا شَيْئا وَإِنَّا أصبْنَا من بعدهمْ شَيْئا لَا نجد لَهُ موضعا إِلَّا التُّرَاب) هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث السَّابِق عَن مُحَمَّد بن الْمثنى ضد الْمُفْرد عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد إِلَى آخِره قَوْله شَيْئا ويروى بِشَيْء

٢٠ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان عَن الْأَعْمَش عَن أبي وَائِل عَن خباب رَضِي الله عَنهُ قَالَ هاجرنا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: قصه) مُحَمَّد بن كثير ضد الْقَلِيل وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة قَوْله قصه كَذَا لأبي ذَر أَي قصّ الحَدِيث رَاوِيه وَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَا أخرجه بِتَمَامِهِ فِي أول الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة عَن مُحَمَّد بن كثير بالسند الْمَذْكُور هَهُنَا

(بَاب قَول الله تَعَالَى {يَا أَيهَا النَّاس إِن وعد الله حق فَلَا تغرنكم الْحَيَاة الدُّنْيَا وَلَا يَغُرنكُمْ بِاللَّه الْغرُور إِن الشَّيْطَان لكم عَدو فاتخذوه عدوا إِنَّمَا يَدْعُو حزبه ليكونوا من أَصْحَاب السعير} )

أَي هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى الخ وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة هَكَذَا سقيت الْآيَتَانِ المذكورتان وَفِي رِوَايَة أبي ذَر هَكَذَا {يَا أَيهَا النَّاس إِن وعد الله حق} الْآيَة إِلَى قَوْله {السعير} قَوْله {إِن وعد الله حق} أَي بِالْبَعْثِ وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب قَوْله {وَلَا يَغُرنكُمْ بِاللَّه الْغرُور} وَهُوَ أَن يغتر بِاللَّه فَيعْمل الْمعْصِيَة ويتمنى الْمَغْفِرَة وَيُقَال الْغرُور الشَّيْطَان وَقد نهى الله عَن الاغترار بِهِ وَبَين لنا عداوته لِئَلَّا نلتفت إِلَى تسويله وتزيينه لنا الشَّهَوَات الرَّديئَة قَوْله {فاتخذوه عدوا} أَي أنزلوه من أَنفسكُم منزلَة الْأَعْدَاء وتجنبوا طَاعَته قَوْله {إِنَّمَا يَدْعُو حزبه} أَي شيعته إِلَى الْكفْر قَوْله {ليكونوا من أَصْحَاب السعير} أَي النَّار

(جمعه سعر) أَي جمع السعير سعر على وزن فعل بِضَمَّتَيْنِ والسعير على وزن فعيل بِمَعْنى مفعول من السّعر بِفَتْح السِّين وَسُكُون الْعين وَهُوَ التهاب النَّار

(قَالَ مُجَاهِد الْغرُور الشَّيْطَان) أثر مُجَاهِد هَذَا لم يثبت هُنَا إِلَّا فِي رِوَايَة الْكشميهني وَحده وَوَصله الْفرْيَابِيّ فِي تَفْسِيره عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد وَهُوَ تَفْسِير قَوْله تَعَالَى {وَلَا يَغُرنكُمْ بِاللَّه الْغرُور} وَهُوَ على وزن فعول بِمَعْنى فَاعل تَقول غررت فلَانا أصبت غرته ونلت مَا أردْت مِنْهُ والغرة بِالْكَسْرِ غَفلَة فِي الْيَقَظَة والغرور كل مَا يغر الْإِنْسَان وَإِنَّمَا فسر بالشيطان لِأَنَّهُ رَأس ذَلِك

٢١ - (حَدثنَا سعد بن حَفْص حَدثنَا شَيبَان عَن يحيى عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْقرشِي قَالَ أَخْبرنِي معَاذ بن عبد الرَّحْمَن أَن ابْن أبان أخبرهُ قَالَ أتيت عُثْمَان بِطهُور وَهُوَ جَالس على المقاعد فَتَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ قَالَ رَأَيْت النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تَوَضَّأ وَهُوَ فِي هَذَا الْمجْلس فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ قَالَ من تَوَضَّأ مثل هَذَا الْوضُوء ثمَّ أَتَى الْمَسْجِد فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثمَّ جلس غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه قَالَ وَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا تغتروا) مطابقته لِلْآيَةِ الَّتِي هِيَ التَّرْجَمَة فِي قَوْله لَا تغتروا وَسعد بن حَفْص أَبُو مُحَمَّد الطلحي الْكُوفِي يُقَال لَهُ الضخم وشيبان بن عبد الرَّحْمَن أَبُو مُعَاوِيَة النَّحْوِيّ وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير ضد الْقَلِيل وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث بن خَالِد التَّيْمِيّ ولجده الْحَارِث صُحْبَة ومعاذ بن عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان بن عبيد الله التَّيْمِيّ وَعُثْمَان جده هُوَ أَخُو طَلْحَة بن عبيد الله الصَّحَابِيّ وَعبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان صَحَابِيّ أَيْضا أخرج لَهُ مُسلم وَكَانَ يلقب بشارب الذَّهَب وَقتل مَعَ ابْن الزبير رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم بِمَكَّة فِي يَوْم وَاحِد وَأما عبد الرَّحْمَن بن عبيد الله بن عُثْمَان أَخُو طَلْحَة بن عبيد الله فَلهُ صُحْبَة أَيْضا قتل يَوْم الْجمل وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَابْن أبان كَذَا وَقع لأبي ذَر والنسفي وَغَيرهمَا أَن ابْن أبان أخبرهُ وَوَقع لِابْنِ السكن أَن حمْرَان بن أبان وَوَقع للجرجاني وَحده أَن أبان أخبرهُ وَهُوَ خطأ والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وَغَيره وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن سُلَيْمَان بن دَاوُد قَوْله " بِطهُور " بِفَتْح الطَّاء وَهُوَ المَاء الَّذِي يتَطَهَّر بِهِ قَوْله " وَهُوَ جَالس " الْوَاو فِيهِ للْحَال قَوْله " على المقاعد " بِوَزْن الْمَسَاجِد بِالْقَافِ والمهملتين مَوضِع بِالْمَدِينَةِ قَوْله " فَأحْسن الْوضُوء " وَفِي رِوَايَة نَافِع بن جُبَير عَن حمْرَان " فأسبغ الْوضُوء " قَوْله " ثمَّ قَالَ من تَوَضَّأ " أَي النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَوْله " مثل هَذَا الْوضُوء " المثلية لَا تَسْتَلْزِم أَن يكون وضوؤه مثل وضوء النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من كل وَجه لتعذر ذَلِك قَوْله " فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ " هَكَذَا أطلق من غير تَقْيِيد بالمكتوبة وَقَيده مُسلم فِي رِوَايَته من طَرِيق نَافِع بن جُبَير عَن حمْرَان بِلَفْظ " ثمَّ مَشى

إِلَى الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة فَصلاهَا مَعَ النَّاس أَو فِي الْمَسْجِد " وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن حمْرَان فَيصَلي الْمَكْتُوبَة وَفِي رِوَايَة أبي صَخْرَة عَن حمْرَان " مَا من مُسلم يتَطَهَّر فَيتم الطّهُور الَّذِي كتب عَلَيْهِ فَيصَلي هَذِه الصَّلَوَات الْخمس إِلَّا كَانَت كَفَّارَة لما بَينهُنَّ " قَوْله غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه يَعْنِي الذَّنب الَّذِي بَينه وَبَين الله تَعَالَى وَأما مَا بَينه وَبَين الْعباد فَلَا يغْفر إِلَّا بإرضاء الْخصم قَوْله لَا تغتروا فتجسرون على الذُّنُوب معتمدين على الْمَغْفِرَة للذنوب فَإِن ذَلِك بِمَشِيئَة الله عز وَجل

(بَاب ذهَاب الصَّالِحين)

أَي هَذَا بَاب فِي ذكر ذهَاب الصَّالِحين أَي مَوْتهمْ وَذَهَاب الصَّالِحين من أَشْرَاط السَّاعَة وَقرب فنَاء الدُّنْيَا

(وَيُقَال الذّهاب الْمَطَر) ثَبت هَذَا فِي رِوَايَة السَّرخسِيّ وَحده وَقَالَ بَعضهم مُرَاده أَن لفظ الذّهاب مُشْتَرك بَين الْمُضِيّ والمطر قلت لَيْسَ كَذَلِك لِأَن الذّهاب بِمَعْنى الْمُضِيّ بِفَتْح الذَّال والذهاب بِمَعْنى الْمَطَر بِكَسْرِهَا قَالَ صَاحب الْمُحكم الذهبة بِالْكَسْرِ المطرة الضعيفة وَالْجمع الذّهاب

٢٢ - (حَدثنِي يحيى بن حَمَّاد حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن بَيَان عَن قيس بن أبي حَازِم عَن مرداس الْأَسْلَمِيّ قَالَ قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يذهب الصالحون الأول فَالْأول وَتبقى حفالة كحفالة الشّعير أَو التَّمْر لَا يباليهم الله بالة) مطابتقه للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَيحيى بن حَمَّاد الشَّيْبَانِيّ الْبَصْرِيّ روى البُخَارِيّ عَنهُ فِي الْحيض بِوَاسِطَة الْحسن بن مدرك وَأَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْوَاو وَالنُّون واسْمه الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي وَبَيَان بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون ابْن بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وبالشين الْمُعْجَمَة الأحمسي بالمهملتين وَقيس بن أبي حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي ومرداس بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الرَّاء ابْن مَالك الْأَسْلَمِيّ وَكَانَ مِمَّن بَايع تَحت الشَّجَرَة ثمَّ سكن الْكُوفَة وَهُوَ مَعْدُود فِي أَهلهَا والْحَدِيث مضى فِي الْمَغَازِي عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى عَن عِيسَى بن يُونُس الخ قَوْله يذهب وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ يقبض بدل يذهب أَي يقبض أَرْوَاحهم قَوْله الأول أَي يذهب الأول فَالْأول عطف عَلَيْهِ قَوْله حفالة بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْفَاء وَهِي الرذائل من كل شَيْء وَيُقَال هِيَ مَا يبْقى من آخر الشّعير وَمن التَّمْر أردؤه وَقَالَ ابْن التِّين الحفالة سقط النَّاس وَأَصلهَا مَا يتساقط من قشور التَّمْر وَالشعِير وَغَيرهمَا وَقَالَ الدَّاودِيّ الحفالة مَا يسْقط من الشّعير عِنْد الغربلة وَيبقى من التَّمْر بعد الْأكل قَوْله أَو التَّمْر يحْتَمل الشَّك والتنويع وَوَقع فِي رِوَايَة عبد الحميد كحثالة الشّعير فَقَط وَفِي رِوَايَة يحيى لَا يبْقى إِلَّا مثل حثالة التَّمْر وَالشعِير والحثالة بالثاء الْمُثَلَّثَة مثل الحفالة يتعاقبان كَقَوْلِهِم فوم وثوم قَوْله لَا يباليهم الله قَالَ الْخطابِيّ أَي لَا يرفع لَهُم قدر أَو لَا يُقيم لَهُم وزنا وَفِي رِوَايَة عِيسَى بن يُونُس عَن بَيَان تقدّمت فِي الْمَغَازِي بِلَفْظ لَا يعبأ الله بهم شَيْئا وَفِي رِوَايَة عبد الْوَاحِد لَا يُبَالِي الله عَنْهُم وَكلمَة عَن هَهُنَا بِمَعْنى الْبَاء يُقَال مَا باليت بِهِ وَمَا باليت عَنهُ قَوْله بالة اسْم لمصدر وَلَيْسَ مصدرا لباليت وَقيل أَصله بالية فحذفت الْيَاء تَخْفِيفًا كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي قلت يُقَال باليت بالشَّيْء مبالاة وبالة وبالية

(قَالَ أَبُو عبد الله يُقَال حفالة وحثالة) أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه وَأَرَادَ بِهِ أَن حفالة وحثالة بِالْفَاءِ والثاء الْمُثَلَّثَة بِمَعْنى وَاحِد

(بَاب مَا يتقى من فتْنَة المَال)

أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يتقى على صِيغَة الْمَجْهُول قَوْله " من فتْنَة المَال " أَي الِانْتِهَاء بِهِ وَمعنى الْفِتْنَة فِي كَلَام الْعَرَب الاختبار

والابتلاء والفتنة الإمالة عَن الْقَصْد وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَك} أَي ليميلونك والفتنة أَيْضا الاحتراق وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {يَوْم هم على النَّار يفتنون} أَي يحرقون قَالَه ابْن الْأَنْبَارِي والامتلاء والاختبار يجمع ذَلِك كُله

(وَقَول الله تَعَالَى {أَنما أَمْوَالكُم وَأَوْلَادكُمْ فتْنَة} ) وَقَول الله بِالْجَرِّ عطف على قَوْله من فتْنَة المَال وَقد أخبر الله تَعَالَى عَن الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد أَنَّهَا فتْنَة لِأَنَّهَا تشغل النَّاس عَن الطَّاعَة قَالَ الله تَعَالَى {أَلْهَاكُم التكاثر} أَي شغلكم التكاثر وَخرج لفظ الْخطاب بذلك على الْعُمُوم لِأَن الله تَعَالَى فطر الْعباد على حب المَال وَالْأَوْلَاد وَقد روى التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان وَالْحَاكِم وصححوه من حَدِيث كَعْب بن عِيَاض سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُول إِن لكل أمة فتْنَة وفتنة أمتِي المَال

٢٣ - (حَدثنِي يحيى بن يُوسُف أخبرنَا أَبُو بكر عَن أبي حُصَيْن عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تعس عبد الدِّينَار وَالدِّرْهَم والقطيفة والخيمصة إِن أعطي رَضِي وَإِن لم يُعْط لم يرض) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث وَيحيى بن يُوسُف الزمي بِكَسْر الزَّاي وَتَشْديد الْمِيم نِسْبَة إِلَى بَلْدَة يُقَال لَهَا زم وَيُقَال لَهُ ابْن أبي كَرِيمَة فَقيل هُوَ كنية أَبِيه وَقيل هُوَ جده واسْمه كنيته أخرج عَنهُ البُخَارِيّ بِغَيْر وَاسِطَة فِي الصَّحِيح وبواسطة خَارج الصَّحِيح وَأَبُو بكر هُوَ ابْن عَيَّاش بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة القارىء الْمُحدث وَأَبُو حُصَيْن بِفَتْح الْحَاء وَكسر الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ عُثْمَان بن عَاصِم وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد عَن يحيى أَيْضا متْنا وإسنادا فِي بَاب الحراسة فِي الْغَزْو وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن الْحسن بن حَمَّاد عَن يحيى بِهِ وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَافق أَبَا بكر على رَفعه شريك القَاضِي وَقيس بن الرّبيع عَن أبي حُصَيْن وَخَالفهُم إِسْرَائِيل فَرَوَاهُ عَن أبي حُصَيْن مَوْقُوفا قَوْله تعس بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَفتحهَا أَي سقط وَالْمرَاد هُنَا هلك وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي التعس الشَّرّ قَالَ تَعَالَى {فتعسا لَهُم} أَرَادَ ألزمهم الشَّرّ وَقيل التعس الْبعد أَي بعدا لَهُم وَقيل قَوْلهم تعسا لَهُ نقيض قَوْلهم لعا لَهُ فتعسا دُعَاء عَلَيْهِ بالعثرة ولعا دُعَاء لَهُ بالانتعاش قَوْله عبد الدِّينَار أَي طَالبه وخادمه والحريص على جمعه والقائم على حفظه فَكَأَنَّهُ لذَلِك عَبده وَقَالَ شيخ شَيخنَا الطَّيِّبِيّ خص العَبْد بِالذكر ليؤذن بانغماسه فِي محبَّة الدُّنْيَا وشهواتها كالأسير الَّذِي لَا يجد خلاصا وَلم يقل مَالك الدِّينَار وَلَا جَامع الدِّينَار لِأَن المذموم من الْملك وَالْجمع الزِّيَادَة على قدر الْحَاجة قَوْله والقطيفة الدثار المخمل وَهُوَ الثَّوْب الَّذِي لَهُ خمل والخميصة الكساء الْأسود المربع قَوْله إِن أعطي على صِيغَة الْمَجْهُول وَكَذَا وَإِن لم يُعْط قَالَ الله تَعَالَى {فَإِن أعْطوا مِنْهَا رَضوا وَإِن لم يُعْطوا مِنْهَا إِذا هم يسخطون}

٢٤ - (حَدثنَا أَبُو عَاصِم عَن ابْن جريج عَن عَطاء قَالَ سَمِعت ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا يَقُول سَمِعت النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُول لَو كَانَ لِابْنِ آدم واديان من مَال لابتغى ثَالِثا وَلَا يمْلَأ جَوف ابْن آدم إِلَّا التُّرَاب وَيَتُوب الله على من تَابَ) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَشَارَ بِهَذَا الْمثل إِلَى ذمّ الْحِرْص على الدُّنْيَا والشره والازدياد وَهَذِه آفَة يجب الاتقاء مِنْهَا وَأَبُو عَاصِم هُوَ الضَّحَّاك بن مخلد النَّبِيل الْبَصْرِيّ وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الْمَكِّيّ وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح يروي بِالسَّمَاعِ عَن ابْن عَبَّاس يَقُول سَمِعت النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهَذَا من الْأَحَادِيث الَّتِي صرح فِيهَا ابْن عَبَّاس بِسَمَاعِهِ من النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهِي قَليلَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مرويه عَنهُ فَإِنَّهُ أحد المكثرين وَمَعَ ذَلِك فتحمله كَانَ أَكْثَره عَن كبار الصَّحَابَة والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن زُهَيْر بن حَرْب وَهَارُون بن عبد الله قَوْله لَو كَانَ لِابْنِ آدم واديان وَفِي الحَدِيث يَلِيهِ لَو كَانَ لِابْنِ آدم مثل وَاد مَالا وَفِي الحَدِيث الآخر لَو أَن ابْن آدم أعطي وَاديا وَفِي الآخر

لَو أَن لِابْنِ آدم واديان قَوْله من مَال وَفِي الحَدِيث الثَّالِث مَلأ من ذهب وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَاديا من ذهب وَعند أَحْمد فِي حَدِيث زيد بن أَرقم " من ذهب وَفِضة " قَوْله " لابتغى " بالغين الْمُعْجَمَة من الابتغاء وَهُوَ الطّلب وَفِي الحَدِيث الثَّانِي " لأحب أَن لَهُ إِلَيْهِ مثله " وَفِي حَدِيث أنس " لتمنى مثله ثمَّ تمنى مثله حَتَّى يتَمَنَّى أَوديَة " وَفِي الحَدِيث الثَّالِث " أحب إِلَيْهِ ثَانِيًا " وَفِي الرَّابِع أحب إِلَيْهِ أَن يكون لَهُ وَاديا وَقَالَ الْكرْمَانِي فِي قَوْله لابتغى لَهما ثَالِثا فَزَاد لَفْظَة لَهما فِي شَرحه ثمَّ قَالَ فَإِن قلت الابتغاء لَا يسْتَعْمل بِاللَّامِ قلت هَذَا مُتَعَلق بقوله ثَالِثا أَي ثَالِثا لَهما أَي مثلثهما انْتهى قَوْله وَلَا يمْلَأ جَوف ابْن آدم وَفِي الحَدِيث الثَّانِي " وَلَا يمْلَأ عين ابْن آدم " وَفِي الثَّالِث " وَلَا يسد جَوف ابْن آدم " وَفِي الرَّابِع " وَلنْ يمْلَأ فَاه " وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن ابْن جريج لَا يمْلَأ نفس ابْن آدم وَفِي مُرْسل جُبَير بن يُغير وَلَا يشْبع جَوف ابْن آدم بِضَم الْيَاء من الإشباع وَفِي حَدِيث زيد بن أَرقم " وَلَا يمْلَأ بطن ابْن آدم " وَقَالَ الْكرْمَانِي مَا وَجه ذكره فِي الرِّوَايَة الأولى الْجوف وَفِي الثَّانِيَة الْعين وَفِي الثَّالِثَة الْفَم قلت لَيْسَ الْمَقْصُود مِنْهُ الْحَقِيقَة بِقَرِينَة عدم الانحصار على التُّرَاب إِذْ غَيره يملؤه أَيْضا بل هُوَ كِنَايَة عَن الْمَوْت لِأَنَّهُ مُسْتَلْزم للامتلاء فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا يشْبع سنّ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُوت فالغرض من الْعبارَات كلهَا وَاحِد لَيْسَ فِيهَا إِلَّا التفنن فِي الْكَلَام وَقَالَ بَعضهم هَذَا يحسن فِيمَا إِذا اخْتلفت مخارج الحَدِيث وَأما إِذا اتّحدت فَهُوَ من تصرف الروَاة انْتهى قلت إحالته على كَلَام الشَّارِع أولى من إحالته إِلَى تصرف الروَاة مَعَ أَن فِيهِ تَغْيِير لفظ الشَّارِع فَإِن قلت نِسْبَة الامتلاء إِلَى الْجوف والبطن وَاضِحَة فَمَا وَجههَا إِلَى النَّفس والفم وَالْعين قلت أما النَّفس فَعبر بهَا عَن الذَّات وَأَرَادَ الْبَطن من قبيل إِطْلَاق الْكل وَإِرَادَة الْجُزْء وَأما الْفَم فلكونه الطَّرِيق إِلَى الْوُصُول إِلَى الْجوف وَأما الْعين فَلِأَنَّهَا الأَصْل فِي الطّلب لِأَنَّهُ يرى مَا يُعجبهُ فيطلبه ليحوزه إِلَيْهِ وَخص الْبَطن فِي أَكثر الرِّوَايَات لِأَن أَكثر مَا يطْلب المَال لتَحْصِيل المستلذات وأكثرها تكْرَار للْأَكْل وَالشرب وَقَالَ الطَّيِّبِيّ وَقع قَوْله وَلَا يمْلَأ إِلَى آخِره موقع التذييل والتقرير للْكَلَام السَّابِق كَأَنَّهُ قيل وَلَا يشْبع من خلق من التُّرَاب إِلَّا بِالتُّرَابِ قَوْله وَيَتُوب الله على من تَابَ أَي من الْمعْصِيَة وَرجع عَنْهَا يَعْنِي يوفقه للتَّوْبَة أَو يرجع عَلَيْهِ من التَّشْدِيد إِلَى التَّخْفِيف أَو يرجع عَلَيْهِ بقبوله

٢٥ - (حَدثنَا مُحَمَّد أخبرنَا مخلد أخبرنَا ابْن جريج قَالَ سَمِعت عَطاء يَقُول سَمِعت ابْن عَبَّاس يَقُول سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُول لَو أَن لِابْنِ آدم مثل وَاد مَالا لأحب أَن لَهُ إِلَيْهِ مثله وَلَا يمْلَأ عين ابْن آدم إِلَّا التُّرَاب وَيَتُوب الله على من تَابَ: قَالَ ابْن عَبَّاس فَلَا أَدْرِي من الْقُرْآن هُوَ أم لَا قَالَ وَسمعت ابْن الزبير يَقُول ذَلِك على الْمِنْبَر) هَذَا طَرِيق آخر عَن مُحَمَّد هُوَ ابْن سَلام وَصرح بذلك فِي رِوَايَة أبي زيد الْمروزِي وَهُوَ يروي عَن مخلد بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح اللَّام ابْن يزِيد من الزِّيَادَة أَبُو الْحسن الْحَرَّانِي الْجَزرِي مَاتَ سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَة قَوْله مثل وَاد ويروى ملْء وَاد قَوْله قَالَ ابْن عَبَّاس فَلَا أَدْرِي من الْقُرْآن هُوَ أم لَا يَعْنِي الحَدِيث الْمَذْكُور يَعْنِي من الْقُرْآن الْمَنْسُوخ تِلَاوَته قَوْله قَالَ وَسمعت ابْن الزبير أَي قَالَ عَطاء سَمِعت عبد الله بن الزبير وَهُوَ مُتَّصِل بالسند الْمَذْكُور قَوْله يَقُول ذَلِك إِشَارَة إِلَى الحَدِيث وَقَالَ الْكرْمَانِي وَعبد الله بن الزبير كَانَ يَقُول قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ ذَلِك يَعْنِي لَو أَن لِابْنِ آدم إِلَى آخِره وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ قَول لَا أَدْرِي أَيْضا قَوْله على الْمِنْبَر أَي بِمَكَّة كَمَا يَأْتِي الْآن

٢٦ - (حَدثنَا أَبُو نعيم حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان بن الغسيل عَن عَبَّاس بن سهل بن سعد قَالَ سَمِعت ابْن الزبير على الْمِنْبَر بِمَكَّة فِي خطبَته يَقُول يَا أَيهَا النَّاس إِن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يَقُول لَو أَن ابْن آدم أعطي وَاديا مَلأ من ذهب أحب إِلَيْهِ ثَانِيًا وَلَو أعطي ثَانِيًا أحب إِلَيْهِ ثَالِثا وَلَا يسد جَوف ابْن آدم إِلَّا التُّرَاب وَيَتُوب الله على من تَابَ) أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن وَعبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان بن عبد الله بن حَنْظَلَة بن الغسيل أَي مغسول الْمَلَائِكَة حِين اسْتشْهد وَهُوَ

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.3 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله