«إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٤٩٠

الحديث رقم ٦٤٩٠ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لينظر إلى من هو أسفل منه ولا ينظر إلى من هو فوقه.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال…

«إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ،

⦗١٠٣⦘

فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ.»

بَابُ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ أَوْ بِسَيِّئَةٍ

سند حديث: ٦٤٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ…

٦٤٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ وَفِي الْأَدَبِ.

قَوْلُهُ: أَصْدَقُ بَيْتٍ أَطْلَقَ الْبَيْتَ عَلَى بَعْضِهِ مَجَازًا، فَإِنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ نِصْفُهُ وَهُوَ الْمِصْرَاعُ الْأَوَّلُ الْمُسَمَّى عَرُوضَ الْبَيْتِ، وَأَمَّا نِصْفُهُ الثَّانِي وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالضَّرْبِ فَهُوَ

وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ الِاكْتِفَاءِ فَأَشَارَ بِأَوَّلِ الْبَيْتِ إِلَى بَقِيَّتِهِ وَالْمُرَادُ كُلُّهُ، وَعَكْسُهُ مَا مَضَى فِي بَابِ مَا يَجُوزُ مِنَ الشِّعْرِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ بِلَفْظِ أَصْدَقُ كَلِمَةٍ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْقَصِيدَةُ وَقَدْ أَطْلَقَهَا وَأَرَادَ الْبَيْتَ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَوْرَدَهُ فِيهَا أَيْضًا بِلَفْظِ أَصْدَقُ كَلِمَةٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.

وَذَكَرْتُ هُنَاكَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ شَرِيكٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ أَشْعَرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَتْ بِهَا الْعَرَبُ، وَبَحَثَ السُّهَيْلِيُّ فِي ذَلِكَ، وَذَكَرْتُ أَيْضًا مَا أَوْرَدَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ فِيمَا جَرَى لِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ مَعَ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ نَاظِمِ هَذَا الْبَيْتِ حَيْثُ قَالَ لَهُ لَمَّا أَنْشَدَ الْمِصْرَاعَ الْأَوَّلَ: صَدَقْتَ، وَلَمَّا أَنْشَدَ الْمِصْرَاعَ الثَّانِيَ: كَذَبْتَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: نَعِيمُ الْجَنَّةِ لَا يَزُولُ، وَذَكَرْتُ تَوْجِيهَ كُلٍّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ صَدَّقَ بِأَنَّ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ فَقَدْ صَدَّقَ بِبُطْلَانِ مَا سِوَاهُ، فَيَدْخُلُ نَعِيمُ الْجَنَّةِ، بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَاطِلِ هُنَا الْهَالِكُ، وَكُلُّ شَيْءٍ سِوَى اللَّهِ جَائِزٌ عَلَيْهِ الْفِنَاءُ، وَإِنْ خُلِقَ فِيهِ الْبَقَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ كَنَعِيمِ الْجَنَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ هُنَا: قَوْلُهُ: مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ لَفْظٌ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ، وَالْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ مَا قَرُبَ مِنَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِبَاطِلٍ، وَأَمَّا أُمُورُ الدُّنْيَا الَّتِي لَا تَئُولُ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ فَهِيَ الْبَاطِلُ، انْتَهَى وَلَعَلَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى.

(تَنْبِيهٌ): مُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ الثَّانِي لِلتَّرْجَمَةِ خَفِيَّةٌ، وَكَأَنَّ التَّرْجَمَةَ لَمَّا تَضَمَّنَتْ مَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلَى الطَّاعَةِ وَلَوْ قَلَّتْ وَالزَّجْرِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَلَوْ قَلَّتْ فَيُفْهَمُ أَنَّ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ إِنَّمَا يُخَالِفُهُ لِرَغْبَةٍ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، وَكُلُّ مَا فِي الدُّنْيَا بَاطِلٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَدِيثُ الثَّانِي، فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يُؤْثِرَ الْفَانِيَ عَلَى الْبَاقِي.

٣٠ - بَاب لِيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ، وَلَا يَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ

٦٤٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ ممن فضل عليه.

قَوْلُهُ: بَابُ لِيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ، وَلَا يَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ هَذَا لَفْظُ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ.

قَوْلُهُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ.

قَوْلُهُ: عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْغَرَائِبِ.

قَوْلُهُ: عَنِ الْأَعْرَجِ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ دَاوُدَ، عَنْ مَالِكٍ حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا، وَضَاقَ مَخْرَجُهُ عَلَى أَبِي نُعَيْمٍ فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا، عَنِ الْبُخَارِيِّ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ قُتَيْبَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ.

قَوْلُهُ: إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ بِالْفَاءِ وَالْمُعْجَمَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ.

قَوْلُهُ: فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ بِفَتْحِ الْخَاءِ أَيِ الصُّورَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَدْخُلَ فِي ذَلِكَ الْأَوْلَادُ وَالْأَتْبَاعُ وَكُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِزِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَرَأَيْتُهُ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ مِنَ الْغَرَائِبِ لِلدَّارَقُطْنِيِّ وَالْخُلُقُ بِضَمِّ الْخَاءِ وَاللَّامِ.

قَوْلُهُ: فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا. وَيَجُوزُ فِي أَسْفَلَ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا.

قَوْلُهُ: مِمَّنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ كَذَا ثَبَتَ فِي آخِرِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وأَطلقَ البيت وأرادَ به البعض، فإنَّ الَّذي ذكره هنا نصفه، وهو المصراع الأوَّل، أو المراد هو ومصراعه الآخر، وهو:

وكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَة زَائِلُ

وفي رواية شريكٍ -عند مسلمٍ-: «أشعرُ كلمةٍ تكلَّمت بها العرب».

ومطابقة الحديثِ للتَّرجمة من حيث إنَّ كلَّ شيءٍ (١) ما خلا الله في الدُّنيا الَّذي لا يؤولُ إلى طاعة الله، ولا يقرب منه، إذا كان باطلًا، يكون الاشتغالُ به مبعدًا من الجنَّة مع كونهَا أقرب إليه من شراك نعلهِ، والاشتغالُ بالأمورِ الَّتي هي داخلةٌ في أمرِ الله تعالى يكون مبعدًا من النَّار مع كونها أقرب إليه من شراكِ نعلِه، قاله في «عمدة القاري»، وقال: إنَّه من الفيض الإلهيِّ الَّذي وقع في خاطره.

وقال في «فتح الباري»: مناسبةُ الحديث الثَّاني للتَّرجمة خفيَّةٌ، وكأنَّ التَّرجمة لمَّا تضمَّنتْ ما في الحديثِ الأوَّل من التَّحريض على الطَّاعة ولو قَلَّتْ، والزَّجر عن المعصيةِ ولو قَلَّتْ، تضمَّنت (٢) أنَّ مَن خالف ذلك إنَّما يخالفه لرغبةٍ في أمرٍ من أمور الدُّنيا، وكلُّ ما في الدُّنيا باطلٌ، كما صرَّح به الحديث الثَّاني، فلا ينبغِي للعاقل أن يؤثرَ الفاني على الباقِي.

والحديث سبق في «أيَّام الجاهليَّة» [خ¦٣٨٤١].

(٣٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (لِيَنْظُرْ) أي: الإنسان (إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ) من النَّاس في الدُّنيا (وَلَا يَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ) فيها؛ ليشكرَ الله على ما أنعمَ به (٣) عليهِ.

٦٤٩٠ - وبه (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويس (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام الأصبحيُّ (عَنْ

أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بنِ ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنْ رَسُولِ اللهِ ) أنَّه (قَالَ: إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ) بضم الفاء وكسر الضاد المعجمة المشددة (فِي المَالِ وَالخَلْقِ) بفتح الخاء المعجمة، أي: الصُّورة، ويحتملُ أن يدخلَ فيه الأولاد والأتباع وكلُّ ما (١) يتعلَّق بزينةِ الحياة الدُّنيا. قال في «الفتح»: ورأيتُه في نسخةٍ معتمدةٍ من «الغرائب» للدَّارقطنيِّ: «والخُلُق» بضم المعجمة واللام (فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ) فيهما، و «أسفل» بفتح اللام مصحَّحًا عليها في الفرع، ويجوزُ الرفع. وزاد مسلمٌ من طريق أبي صالحٍ، عن أبي هريرة: «فهو أجدر أن لا تزدروا نعمةَ الله (٢) عليكم»، وفي حديث عبد (٣) الله ابن الشِّخِّير رفعه: «أقِلُّوا الدُّخولَ على الأغنيَاء، فإنَّهُ أحرَى أن لا تزدرُوا نعمةَ اللهِ عليكُم (٤)» رواه الحاكم، والازدراء: الاحتقارُ والانتقاص، ولا ريب أنَّ الشَّخص إذا نظر إلى مَن هو فوقه لم يأمنْ أن يؤثِّر ذلك فيه، فدواؤه أن يَنظر إلى مَن هو أسفلَ منه؛ ليكون ذلك داعيًا إلى الشُّكر.

وقال ابن بطَّال: لا يكون أحدٌ على حالةٍ سيِّئةٍ من الدُّنيا إلَّا يجدُ من أهلها مَن (٥) هو أسوأُ حالًا منه، فإذا تأمَّل ذلك علِمَ أنَّ نعمةَ الله وصلتْ إليه دون كثيرٍ ممَّن فضَّل الله عليه بذلك من غير إبرازِ حُبِّه، فيعظم (٦) اغتباطه بذلك. نعم يَنظر إلى مَن هو فوقه في الدِّين فيقتدِي به فيه، وفي نسخة عَمرو بن شُعيب، عن أبيهِ، عن جدِّه، رفعه: «خصلتان من كانتَا فيهِ كتبهُ اللهُ شاكرًا صابرًا: من نظرَ في دنياهُ إلى مَن هو دونهُ فحمدَ اللهَ عَلى ما فضَّلَهُ به عليهِ، ومَن نظرَ في دينِه إلى من هُو فوقَهُ فاقتدَى به».

(٣١) (بابُ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ أَوْ بِسَيِّئَةٍ).

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٧٨٤٦ - حدّثنا إسْماعِيلُ قَالَ: حدّثني مالِكٌ عنْ أبِي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (حُجبَتِ النَّارُ بالشَّهَوَاتِ وحُجِبَتِ الجَنَّةُ بالمَكارِهِ) .

التَّرْجَمَة جُزْء الحَدِيث وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. والْحَدِيث من أَفْرَاده.

قَوْله: (حجبت النَّار) كَذَا لجَمِيع الروَاة فِي الْمَوْضِعَيْنِ إلَاّ الْفَروِي فَقَالَ: حفت النَّار، فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَكَذَا هُوَ عِنْد مُسلم من رِوَايَة وَرْقَاء بن عمر عَن أبي الزِّنَاد، وَكَذَا أخرجه مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث أنس وَهَذَا من جَوَامِع كَلمه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي بديع بلاغته فِي ذمّ الشَّهَوَات وَإِن مَالَتْ إِلَيْهَا النُّفُوس، والحض على الطَّاعَات وَإِن كرهتها النُّفُوس وشق عَلَيْهَا. قَوْله: (حفت) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْفَاء من الحفاف وَهُوَ مَا يُحِيط بالشَّيْء حَتَّى لَا يتَوَصَّل إِلَيْهِ إلَاّ بتخطئه، فالجنة لَا يتَوَصَّل إِلَيْهَا إلاّ بِقطع مفاوز المكاره وَالنَّار لَا يُنجى مِنْهَا إلَاّ بترك الشَّهَوَات.

٩٢ - (بابٌ الجَنَّةُ أقرَبُ إِلَى أحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، والنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْجنَّة إِلَى آخِره. وَهَذِه التَّرْجَمَة حذفهَا ابْن بطال، وَذكر الْحَدِيثين اللَّذين فيهمَا فِي الْبَاب الَّذِي قبلهَا. ومناسبة ذَلِك ظَاهِرَة، وَلَكِن الَّذِي ثَبت فِي الْأُصُول التَّفْرِقَة.

٨٨٤٦ - حدّثني مُوسَى بنُ مَسْعُودٍ حَدثنَا سُفيانُ عنْ مَنْصُورٍ والأعْمَشِ عنْ أبي وائِلٍ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الجَنَّةُ أقْرَبُ إِلَى أحَدِكُمْ مِن شِرَاك نَعْلِهِ، والنارُ مِثْلُ ذَلِكَ) .

التَّرْجَمَة والْحَدِيث سَوَاء. ومُوسَى بن مَسْعُود أَبُو حُذَيْفَة النَّهْدِيّ بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْهَاء، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود. وَهَؤُلَاء كلهم كوفيون والْحَدِيث من أَفْرَاده.

قَوْله: (وَالْأَعْمَش) بِالْجَرِّ عطف على مَنْصُور.: (وشراك النَّعْل) هُوَ الَّذِي يدْخل فِيهِ إِصْبَع الرِّجل، وَيُطلق أَيْضا على كل سير وقى بِهِ الْقدَم.

وَفِيه: دَلِيل وَاضح على أَن الطَّاعَات موصلة إِلَى الْجنَّة والمعاصي مقربة من النَّار، فقد يكون فِي أيسر الْأَشْيَاء، وَيَنْبَغِي لِلْمُؤمنِ أَن لَا يزهد فِي قَلِيل من الْخَيْر وَلَا يسْتَقلّ قَلِيلا من الشَّرّ، فيحسبه هينا وَهُوَ عِنْد الله عَظِيم. فَإِن الْمُؤمن لَا يعلم الْحَسَنَة الَّتِي يرحمه الله بهَا، والسيئة الَّتِي يسْخط الله عَلَيْهِ بهَا.

٩٨٤٦ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حَدثنَا غنْدَرٌ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ عبْدِ المَلِكِ بنِ عُمَيْرِ عنْ أبي سَلَمَة عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أصْدَقُ بَيْتٍ قالَهُ الشَّاعِرُ:

(ألَا كلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا الله باطِلُ))

(انْظُر الحيث ١٤٨٣ وطرفه)

لم أر أحد من الشُّرَّاح ذكر وَجه إِيرَاد هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب، فَلذَلِك ذكره ابْن بطال فِي الْبَاب الَّذِي قبله، فَأَقُول: من الْفَيْض الإلهي الَّذِي وَقع فِي خاطري أَن كل شَيْء مَا خلا الله من أَمر الدُّنْيَا الَّذِي لَا يؤول إِلَى طَاعَة الله وَلَا يقرب مِنْهُ إِذا كَانَ بَاطِلا يكون الِاشْتِغَال بِهِ مُبْعدًا من الْجنَّة مَعَ كَونهَا أقرب إِلَيْهِ من شِرَاك نَعله. ولإشتغال بالأمور الي هِيَ دَاخِلَة فِي أَمر الله تعال يكون مُبْعدًا من النَّار مَعَ كزنها أقرب إِلَيْهِ من شِرَاك نَعله

وغندر بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر. والْحَدِيث قد مضى فِي الْأَدَب فِي: بَاب مَا يجوز من الشّعْر، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مستقصًى، وبسطنا الْكَلَام فِيهِ فِي شرحنا الْأَكْبَر للشواهد.

٠٣ - (بابٌ لِيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أسْفَلَ مِنْهُ وَلَا يَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُو فَوْقَهُ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ لينْظر إِلَى مَا هُوَ أَسْفَل مِنْهُ؟ .

٠٩٤٦ - حدّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ: حدّثني مالِكٌ عَن أبي الزِّنادِ عَن الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنْ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إذَا نَظَرَ أحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ علَيْهِ فِي المالِ والخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أسْفَلَ مِنْهُ) .

الْجُزْء الأول من التَّرْجَمَة من لفظ حَدِيث الْبَاب، وَقَالَ بَعضهم: هَذَا لفظ حَدِيث أخرجه مُسلم بِنَحْوِهِ من طَرِيق الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (انْظُرُوا إِلَى من هُوَ أَسْفَل مِنْكُم وَلَا تنظروا إِلَى من هُوَ فَوْقكُم) .

قلت: هَذَا أَلَيْسَ كَلَفْظِ حَدِيث مُسلم، بل هُوَ فِي الْمَعْنى مثله.

وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَأَبُو الزِّنَاد عبد الله، والأعرج عبد الرَّحْمَن، وَقد ذكرا عَن قريب. والْحَدِيث من أَفْرَاده.

قَوْله: (من فضل) على بِنَاء الْمَجْهُول. قَوْله: (والخلق) قَالَ الْكرْمَانِي: بِفَتْح الْمُعْجَمَة الصُّورَة أَو الْأَوْلَاد والاتباع، وكل مَا يتَعَلَّق بزينة الْحَيَاة الدُّنْيَا. قَوْله: (فَلْينْظر إِلَى من هُوَ أَسْفَل مِنْهُ) ليسهل عَلَيْهِ نقصانه ويفرح بِمَا أنعم الله عَلَيْهِ ويشكر عَلَيْهِ، وَأما فِي الدّين وَمَا يتَعَلَّق بِالآخِرَة فَلْينْظر إِلَى من هُوَ فَوْقه لتزيد رغبته فِي اكْتِسَاب الْفَضَائِل.

١٣ - (بابُ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ أوْ بِسَيِّئَةٍ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ من هم بحسنة، الْهم تَرْجِيح قصد الْفِعْل، تَقول: هَمَمْت بِكَذَا أَي: قصدته بهمتي وَهُوَ فَوق مُجَرّد خطور الشَّيْء بِالْقَلْبِ.

١٩٤٦ - حدّثنا أبُو مَعْمَرٍ حدّثنا عبْدُ الوَارِثِ حَدثنَا جَعْدٌ أبُو عُثْمانَ حَدثنَا أبُو رجاءٍ العُطارِدِيُّ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهُمَا، عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيما يَرْوِي عنْ ربِّهِ عَزَّ وجَلَّ، قَالَ: (قَالَ إنَّ الله كَتَبَ الحَسَناتِ والسَّيِّئات ثُمَّ بَيَّنَ ذالِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كَتَبَها الله لهُ عِنْدهُ حَسَنَةً كامِلَةً، فإنْ هُوَ هَمَّ بِها فَعَمِلَها كَتَبَها الله لهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، ومَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلمْ يَعْمَلِها كَتَبَها الله لهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً، فإنْ هُوَ هَمَّ بِها فَعَمِلَها كَتَبَها الله لهُ سَيِّئَةً واحِدَةً) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَمن هم بحسنة) وَقَوله: (وَمن هم بسيئة) .

وَأَبُو معمر عبد الله بن عَمْرو بن الْحجَّاج الْمنْقري بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون النُّون، وَفتح الْقَاف، وَعبد الْوَارِث هُوَ ابْن سعيد، وجعد بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة ابْن دِينَار، وكنيته أَبُو عُثْمَان الرَّازِيّ، وَأَبُو رَجَاء بِالْمدِّ وبالجيم اسْمه عُثْمَان بن تَمِيم العطاردي وَهَؤُلَاء كلهم بصريون.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن شَيبَان بن فروخ وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي النعوت وَفِي الرَّقَائِق عَن قُتَيْبَة.

قَوْله: (عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن مُسَدّد: عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فِيمَا يروي عَن ربه) هَذَا لبَيَان أَنه من الْأَحَادِيث القدسية، أَو بَيَان مَا فِيهِ من الْإِسْنَاد الصَّرِيح إِلَى الله تَعَالَى حَيْثُ قَالَ: قَوْله: (إِن الله قد كتب) أَو بَيَان الْوَاقِع وَلَيْسَ فِيهِ أَن غَيره لَيْسَ كَذَلِك، بل فِيهِ أَن غَيره كَذَلِك، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مَا ينْطق عَن الْهوى، أَو الْمَعْنى فِي جملَة مَا يرويهِ أَنه عز وَجل كتب الْحَسَنَات أَي قدرهَا وَجعلهَا حَسَنَة، وَكَذَلِكَ السَّيِّئَات قدرهَا وَجعلهَا سَيِّئَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِيه دلَالَة على بطلَان قَاعِدَة الْحسن والقبح العقليين وَأَن الْأَفْعَال لَيست بذواتها قبيحة أَو حَسَنَة، بل الْحسن والقبح شرعيان حَتَّى لَو أَرَادَ الشَّارِع التعكيس وَالْحكم بِأَن الصَّلَاة قبيحة وَالزِّنَا حسن كَانَ لَهُ ذَلِك، خلافًا للمعتزلة فَإِنَّهُم قَالُوا: الصَّلَاة فِي نَفسهَا حَسَنَة وَالزِّنَا فِي نَفسه قَبِيح، والشارع كاشف مُبين لَا مُثبت وَلَيْسَ لَهُ تعكيسها. قَوْله: (ثمَّ بَين ذَلِك) أَي: ثمَّ بَين الله عز وَجل الَّذِي كتب من الْحَسَنَات والسيئات. قَوْله: (فَمن همَّ) بَيَان ذَلِك بفاء الفصيحة. قَوْله: (فَلم يعملها) أَي: فَلم يعْمل الْحَسَنَة الَّتِي هم بهَا قَوْله: (كتبهَا الله لَهُ عِنْده) أَي: كتب الله تِلْكَ الْحَسَنَة الَّتِي هم بهَا، وَقيل: أَمر الْحفظَة بِأَن تكْتب ذَلِك، وَقيل: قدر ذَلِك وَعرف الكتبة من الْمَلَائِكَة ذَلِك التَّقْدِير. وَقَوله: (عِنْده) أَي: عِنْد الله، وَهَذِه إِشَارَة إِلَى الشّرف. قَوْله: (كَامِلَة) إِشَارَة إِلَى رفع توهم نَقصهَا لكَونهَا نشأت عَن الْهم الْمُجَرّد، وَقَالَ النَّوَوِيّ: أَشَارَ بقوله: عِنْده، إِلَى مزِيد الاعتناء بِهِ. وَبِقَوْلِهِ: كَامِلَة، إِلَى تَعْظِيم الْحَسَنَة وتأكيد أمرهَا، وَعكس ذَلِك فِي السَّيئَة فَلم يصفها بكاملة بل أكدها بقوله: (وَاحِدَة) إِشَارَة إِلَى تحقيقها مُبَالغَة فِي الْفضل وَالْإِحْسَان. قَوْله: (فَإِن هُوَ هم بهَا) ، أَي:

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ وَفِي الْأَدَبِ.

قَوْلُهُ: أَصْدَقُ بَيْتٍ أَطْلَقَ الْبَيْتَ عَلَى بَعْضِهِ مَجَازًا، فَإِنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ نِصْفُهُ وَهُوَ الْمِصْرَاعُ الْأَوَّلُ الْمُسَمَّى عَرُوضَ الْبَيْتِ، وَأَمَّا نِصْفُهُ الثَّانِي وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالضَّرْبِ فَهُوَ

وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ الِاكْتِفَاءِ فَأَشَارَ بِأَوَّلِ الْبَيْتِ إِلَى بَقِيَّتِهِ وَالْمُرَادُ كُلُّهُ، وَعَكْسُهُ مَا مَضَى فِي بَابِ مَا يَجُوزُ مِنَ الشِّعْرِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ بِلَفْظِ أَصْدَقُ كَلِمَةٍ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْقَصِيدَةُ وَقَدْ أَطْلَقَهَا وَأَرَادَ الْبَيْتَ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَوْرَدَهُ فِيهَا أَيْضًا بِلَفْظِ أَصْدَقُ كَلِمَةٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.

وَذَكَرْتُ هُنَاكَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ شَرِيكٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ أَشْعَرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَتْ بِهَا الْعَرَبُ، وَبَحَثَ السُّهَيْلِيُّ فِي ذَلِكَ، وَذَكَرْتُ أَيْضًا مَا أَوْرَدَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ فِيمَا جَرَى لِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ مَعَ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ نَاظِمِ هَذَا الْبَيْتِ حَيْثُ قَالَ لَهُ لَمَّا أَنْشَدَ الْمِصْرَاعَ الْأَوَّلَ: صَدَقْتَ، وَلَمَّا أَنْشَدَ الْمِصْرَاعَ الثَّانِيَ: كَذَبْتَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: نَعِيمُ الْجَنَّةِ لَا يَزُولُ، وَذَكَرْتُ تَوْجِيهَ كُلٍّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ صَدَّقَ بِأَنَّ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ فَقَدْ صَدَّقَ بِبُطْلَانِ مَا سِوَاهُ، فَيَدْخُلُ نَعِيمُ الْجَنَّةِ، بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَاطِلِ هُنَا الْهَالِكُ، وَكُلُّ شَيْءٍ سِوَى اللَّهِ جَائِزٌ عَلَيْهِ الْفِنَاءُ، وَإِنْ خُلِقَ فِيهِ الْبَقَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ كَنَعِيمِ الْجَنَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ هُنَا: قَوْلُهُ: مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ لَفْظٌ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ، وَالْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ مَا قَرُبَ مِنَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِبَاطِلٍ، وَأَمَّا أُمُورُ الدُّنْيَا الَّتِي لَا تَئُولُ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ فَهِيَ الْبَاطِلُ، انْتَهَى وَلَعَلَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى.

(تَنْبِيهٌ): مُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ الثَّانِي لِلتَّرْجَمَةِ خَفِيَّةٌ، وَكَأَنَّ التَّرْجَمَةَ لَمَّا تَضَمَّنَتْ مَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلَى الطَّاعَةِ وَلَوْ قَلَّتْ وَالزَّجْرِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَلَوْ قَلَّتْ فَيُفْهَمُ أَنَّ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ إِنَّمَا يُخَالِفُهُ لِرَغْبَةٍ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، وَكُلُّ مَا فِي الدُّنْيَا بَاطِلٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَدِيثُ الثَّانِي، فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يُؤْثِرَ الْفَانِيَ عَلَى الْبَاقِي.

٣٠ - بَاب لِيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ، وَلَا يَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ

٦٤٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ ممن فضل عليه.

قَوْلُهُ: بَابُ لِيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ، وَلَا يَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ هَذَا لَفْظُ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ.

قَوْلُهُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ.

قَوْلُهُ: عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْغَرَائِبِ.

قَوْلُهُ: عَنِ الْأَعْرَجِ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ دَاوُدَ، عَنْ مَالِكٍ حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا، وَضَاقَ مَخْرَجُهُ عَلَى أَبِي نُعَيْمٍ فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا، عَنِ الْبُخَارِيِّ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ قُتَيْبَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ.

قَوْلُهُ: إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ بِالْفَاءِ وَالْمُعْجَمَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ.

قَوْلُهُ: فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ بِفَتْحِ الْخَاءِ أَيِ الصُّورَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَدْخُلَ فِي ذَلِكَ الْأَوْلَادُ وَالْأَتْبَاعُ وَكُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِزِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَرَأَيْتُهُ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ مِنَ الْغَرَائِبِ لِلدَّارَقُطْنِيِّ وَالْخُلُقُ بِضَمِّ الْخَاءِ وَاللَّامِ.

قَوْلُهُ: فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا. وَيَجُوزُ فِي أَسْفَلَ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا.

قَوْلُهُ: مِمَّنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ كَذَا ثَبَتَ فِي آخِرِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وأَطلقَ البيت وأرادَ به البعض، فإنَّ الَّذي ذكره هنا نصفه، وهو المصراع الأوَّل، أو المراد هو ومصراعه الآخر، وهو:

وكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَة زَائِلُ

وفي رواية شريكٍ -عند مسلمٍ-: «أشعرُ كلمةٍ تكلَّمت بها العرب».

ومطابقة الحديثِ للتَّرجمة من حيث إنَّ كلَّ شيءٍ (١) ما خلا الله في الدُّنيا الَّذي لا يؤولُ إلى طاعة الله، ولا يقرب منه، إذا كان باطلًا، يكون الاشتغالُ به مبعدًا من الجنَّة مع كونهَا أقرب إليه من شراك نعلهِ، والاشتغالُ بالأمورِ الَّتي هي داخلةٌ في أمرِ الله تعالى يكون مبعدًا من النَّار مع كونها أقرب إليه من شراكِ نعلِه، قاله في «عمدة القاري»، وقال: إنَّه من الفيض الإلهيِّ الَّذي وقع في خاطره.

وقال في «فتح الباري»: مناسبةُ الحديث الثَّاني للتَّرجمة خفيَّةٌ، وكأنَّ التَّرجمة لمَّا تضمَّنتْ ما في الحديثِ الأوَّل من التَّحريض على الطَّاعة ولو قَلَّتْ، والزَّجر عن المعصيةِ ولو قَلَّتْ، تضمَّنت (٢) أنَّ مَن خالف ذلك إنَّما يخالفه لرغبةٍ في أمرٍ من أمور الدُّنيا، وكلُّ ما في الدُّنيا باطلٌ، كما صرَّح به الحديث الثَّاني، فلا ينبغِي للعاقل أن يؤثرَ الفاني على الباقِي.

والحديث سبق في «أيَّام الجاهليَّة» [خ¦٣٨٤١].

(٣٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (لِيَنْظُرْ) أي: الإنسان (إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ) من النَّاس في الدُّنيا (وَلَا يَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ) فيها؛ ليشكرَ الله على ما أنعمَ به (٣) عليهِ.

٦٤٩٠ - وبه (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويس (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام الأصبحيُّ (عَنْ

أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بنِ ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنْ رَسُولِ اللهِ ) أنَّه (قَالَ: إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ) بضم الفاء وكسر الضاد المعجمة المشددة (فِي المَالِ وَالخَلْقِ) بفتح الخاء المعجمة، أي: الصُّورة، ويحتملُ أن يدخلَ فيه الأولاد والأتباع وكلُّ ما (١) يتعلَّق بزينةِ الحياة الدُّنيا. قال في «الفتح»: ورأيتُه في نسخةٍ معتمدةٍ من «الغرائب» للدَّارقطنيِّ: «والخُلُق» بضم المعجمة واللام (فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ) فيهما، و «أسفل» بفتح اللام مصحَّحًا عليها في الفرع، ويجوزُ الرفع. وزاد مسلمٌ من طريق أبي صالحٍ، عن أبي هريرة: «فهو أجدر أن لا تزدروا نعمةَ الله (٢) عليكم»، وفي حديث عبد (٣) الله ابن الشِّخِّير رفعه: «أقِلُّوا الدُّخولَ على الأغنيَاء، فإنَّهُ أحرَى أن لا تزدرُوا نعمةَ اللهِ عليكُم (٤)» رواه الحاكم، والازدراء: الاحتقارُ والانتقاص، ولا ريب أنَّ الشَّخص إذا نظر إلى مَن هو فوقه لم يأمنْ أن يؤثِّر ذلك فيه، فدواؤه أن يَنظر إلى مَن هو أسفلَ منه؛ ليكون ذلك داعيًا إلى الشُّكر.

وقال ابن بطَّال: لا يكون أحدٌ على حالةٍ سيِّئةٍ من الدُّنيا إلَّا يجدُ من أهلها مَن (٥) هو أسوأُ حالًا منه، فإذا تأمَّل ذلك علِمَ أنَّ نعمةَ الله وصلتْ إليه دون كثيرٍ ممَّن فضَّل الله عليه بذلك من غير إبرازِ حُبِّه، فيعظم (٦) اغتباطه بذلك. نعم يَنظر إلى مَن هو فوقه في الدِّين فيقتدِي به فيه، وفي نسخة عَمرو بن شُعيب، عن أبيهِ، عن جدِّه، رفعه: «خصلتان من كانتَا فيهِ كتبهُ اللهُ شاكرًا صابرًا: من نظرَ في دنياهُ إلى مَن هو دونهُ فحمدَ اللهَ عَلى ما فضَّلَهُ به عليهِ، ومَن نظرَ في دينِه إلى من هُو فوقَهُ فاقتدَى به».

(٣١) (بابُ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ أَوْ بِسَيِّئَةٍ).

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٧٨٤٦ - حدّثنا إسْماعِيلُ قَالَ: حدّثني مالِكٌ عنْ أبِي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (حُجبَتِ النَّارُ بالشَّهَوَاتِ وحُجِبَتِ الجَنَّةُ بالمَكارِهِ) .

التَّرْجَمَة جُزْء الحَدِيث وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. والْحَدِيث من أَفْرَاده.

قَوْله: (حجبت النَّار) كَذَا لجَمِيع الروَاة فِي الْمَوْضِعَيْنِ إلَاّ الْفَروِي فَقَالَ: حفت النَّار، فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَكَذَا هُوَ عِنْد مُسلم من رِوَايَة وَرْقَاء بن عمر عَن أبي الزِّنَاد، وَكَذَا أخرجه مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث أنس وَهَذَا من جَوَامِع كَلمه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي بديع بلاغته فِي ذمّ الشَّهَوَات وَإِن مَالَتْ إِلَيْهَا النُّفُوس، والحض على الطَّاعَات وَإِن كرهتها النُّفُوس وشق عَلَيْهَا. قَوْله: (حفت) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْفَاء من الحفاف وَهُوَ مَا يُحِيط بالشَّيْء حَتَّى لَا يتَوَصَّل إِلَيْهِ إلَاّ بتخطئه، فالجنة لَا يتَوَصَّل إِلَيْهَا إلاّ بِقطع مفاوز المكاره وَالنَّار لَا يُنجى مِنْهَا إلَاّ بترك الشَّهَوَات.

٩٢ - (بابٌ الجَنَّةُ أقرَبُ إِلَى أحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، والنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْجنَّة إِلَى آخِره. وَهَذِه التَّرْجَمَة حذفهَا ابْن بطال، وَذكر الْحَدِيثين اللَّذين فيهمَا فِي الْبَاب الَّذِي قبلهَا. ومناسبة ذَلِك ظَاهِرَة، وَلَكِن الَّذِي ثَبت فِي الْأُصُول التَّفْرِقَة.

٨٨٤٦ - حدّثني مُوسَى بنُ مَسْعُودٍ حَدثنَا سُفيانُ عنْ مَنْصُورٍ والأعْمَشِ عنْ أبي وائِلٍ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الجَنَّةُ أقْرَبُ إِلَى أحَدِكُمْ مِن شِرَاك نَعْلِهِ، والنارُ مِثْلُ ذَلِكَ) .

التَّرْجَمَة والْحَدِيث سَوَاء. ومُوسَى بن مَسْعُود أَبُو حُذَيْفَة النَّهْدِيّ بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْهَاء، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود. وَهَؤُلَاء كلهم كوفيون والْحَدِيث من أَفْرَاده.

قَوْله: (وَالْأَعْمَش) بِالْجَرِّ عطف على مَنْصُور.: (وشراك النَّعْل) هُوَ الَّذِي يدْخل فِيهِ إِصْبَع الرِّجل، وَيُطلق أَيْضا على كل سير وقى بِهِ الْقدَم.

وَفِيه: دَلِيل وَاضح على أَن الطَّاعَات موصلة إِلَى الْجنَّة والمعاصي مقربة من النَّار، فقد يكون فِي أيسر الْأَشْيَاء، وَيَنْبَغِي لِلْمُؤمنِ أَن لَا يزهد فِي قَلِيل من الْخَيْر وَلَا يسْتَقلّ قَلِيلا من الشَّرّ، فيحسبه هينا وَهُوَ عِنْد الله عَظِيم. فَإِن الْمُؤمن لَا يعلم الْحَسَنَة الَّتِي يرحمه الله بهَا، والسيئة الَّتِي يسْخط الله عَلَيْهِ بهَا.

٩٨٤٦ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حَدثنَا غنْدَرٌ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ عبْدِ المَلِكِ بنِ عُمَيْرِ عنْ أبي سَلَمَة عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أصْدَقُ بَيْتٍ قالَهُ الشَّاعِرُ:

(ألَا كلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا الله باطِلُ))

(انْظُر الحيث ١٤٨٣ وطرفه)

لم أر أحد من الشُّرَّاح ذكر وَجه إِيرَاد هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب، فَلذَلِك ذكره ابْن بطال فِي الْبَاب الَّذِي قبله، فَأَقُول: من الْفَيْض الإلهي الَّذِي وَقع فِي خاطري أَن كل شَيْء مَا خلا الله من أَمر الدُّنْيَا الَّذِي لَا يؤول إِلَى طَاعَة الله وَلَا يقرب مِنْهُ إِذا كَانَ بَاطِلا يكون الِاشْتِغَال بِهِ مُبْعدًا من الْجنَّة مَعَ كَونهَا أقرب إِلَيْهِ من شِرَاك نَعله. ولإشتغال بالأمور الي هِيَ دَاخِلَة فِي أَمر الله تعال يكون مُبْعدًا من النَّار مَعَ كزنها أقرب إِلَيْهِ من شِرَاك نَعله

وغندر بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر. والْحَدِيث قد مضى فِي الْأَدَب فِي: بَاب مَا يجوز من الشّعْر، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مستقصًى، وبسطنا الْكَلَام فِيهِ فِي شرحنا الْأَكْبَر للشواهد.

٠٣ - (بابٌ لِيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أسْفَلَ مِنْهُ وَلَا يَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُو فَوْقَهُ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ لينْظر إِلَى مَا هُوَ أَسْفَل مِنْهُ؟ .

٠٩٤٦ - حدّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ: حدّثني مالِكٌ عَن أبي الزِّنادِ عَن الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنْ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إذَا نَظَرَ أحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ علَيْهِ فِي المالِ والخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أسْفَلَ مِنْهُ) .

الْجُزْء الأول من التَّرْجَمَة من لفظ حَدِيث الْبَاب، وَقَالَ بَعضهم: هَذَا لفظ حَدِيث أخرجه مُسلم بِنَحْوِهِ من طَرِيق الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (انْظُرُوا إِلَى من هُوَ أَسْفَل مِنْكُم وَلَا تنظروا إِلَى من هُوَ فَوْقكُم) .

قلت: هَذَا أَلَيْسَ كَلَفْظِ حَدِيث مُسلم، بل هُوَ فِي الْمَعْنى مثله.

وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَأَبُو الزِّنَاد عبد الله، والأعرج عبد الرَّحْمَن، وَقد ذكرا عَن قريب. والْحَدِيث من أَفْرَاده.

قَوْله: (من فضل) على بِنَاء الْمَجْهُول. قَوْله: (والخلق) قَالَ الْكرْمَانِي: بِفَتْح الْمُعْجَمَة الصُّورَة أَو الْأَوْلَاد والاتباع، وكل مَا يتَعَلَّق بزينة الْحَيَاة الدُّنْيَا. قَوْله: (فَلْينْظر إِلَى من هُوَ أَسْفَل مِنْهُ) ليسهل عَلَيْهِ نقصانه ويفرح بِمَا أنعم الله عَلَيْهِ ويشكر عَلَيْهِ، وَأما فِي الدّين وَمَا يتَعَلَّق بِالآخِرَة فَلْينْظر إِلَى من هُوَ فَوْقه لتزيد رغبته فِي اكْتِسَاب الْفَضَائِل.

١٣ - (بابُ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ أوْ بِسَيِّئَةٍ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ من هم بحسنة، الْهم تَرْجِيح قصد الْفِعْل، تَقول: هَمَمْت بِكَذَا أَي: قصدته بهمتي وَهُوَ فَوق مُجَرّد خطور الشَّيْء بِالْقَلْبِ.

١٩٤٦ - حدّثنا أبُو مَعْمَرٍ حدّثنا عبْدُ الوَارِثِ حَدثنَا جَعْدٌ أبُو عُثْمانَ حَدثنَا أبُو رجاءٍ العُطارِدِيُّ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهُمَا، عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيما يَرْوِي عنْ ربِّهِ عَزَّ وجَلَّ، قَالَ: (قَالَ إنَّ الله كَتَبَ الحَسَناتِ والسَّيِّئات ثُمَّ بَيَّنَ ذالِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كَتَبَها الله لهُ عِنْدهُ حَسَنَةً كامِلَةً، فإنْ هُوَ هَمَّ بِها فَعَمِلَها كَتَبَها الله لهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، ومَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلمْ يَعْمَلِها كَتَبَها الله لهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً، فإنْ هُوَ هَمَّ بِها فَعَمِلَها كَتَبَها الله لهُ سَيِّئَةً واحِدَةً) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَمن هم بحسنة) وَقَوله: (وَمن هم بسيئة) .

وَأَبُو معمر عبد الله بن عَمْرو بن الْحجَّاج الْمنْقري بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون النُّون، وَفتح الْقَاف، وَعبد الْوَارِث هُوَ ابْن سعيد، وجعد بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة ابْن دِينَار، وكنيته أَبُو عُثْمَان الرَّازِيّ، وَأَبُو رَجَاء بِالْمدِّ وبالجيم اسْمه عُثْمَان بن تَمِيم العطاردي وَهَؤُلَاء كلهم بصريون.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن شَيبَان بن فروخ وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي النعوت وَفِي الرَّقَائِق عَن قُتَيْبَة.

قَوْله: (عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن مُسَدّد: عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فِيمَا يروي عَن ربه) هَذَا لبَيَان أَنه من الْأَحَادِيث القدسية، أَو بَيَان مَا فِيهِ من الْإِسْنَاد الصَّرِيح إِلَى الله تَعَالَى حَيْثُ قَالَ: قَوْله: (إِن الله قد كتب) أَو بَيَان الْوَاقِع وَلَيْسَ فِيهِ أَن غَيره لَيْسَ كَذَلِك، بل فِيهِ أَن غَيره كَذَلِك، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مَا ينْطق عَن الْهوى، أَو الْمَعْنى فِي جملَة مَا يرويهِ أَنه عز وَجل كتب الْحَسَنَات أَي قدرهَا وَجعلهَا حَسَنَة، وَكَذَلِكَ السَّيِّئَات قدرهَا وَجعلهَا سَيِّئَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِيه دلَالَة على بطلَان قَاعِدَة الْحسن والقبح العقليين وَأَن الْأَفْعَال لَيست بذواتها قبيحة أَو حَسَنَة، بل الْحسن والقبح شرعيان حَتَّى لَو أَرَادَ الشَّارِع التعكيس وَالْحكم بِأَن الصَّلَاة قبيحة وَالزِّنَا حسن كَانَ لَهُ ذَلِك، خلافًا للمعتزلة فَإِنَّهُم قَالُوا: الصَّلَاة فِي نَفسهَا حَسَنَة وَالزِّنَا فِي نَفسه قَبِيح، والشارع كاشف مُبين لَا مُثبت وَلَيْسَ لَهُ تعكيسها. قَوْله: (ثمَّ بَين ذَلِك) أَي: ثمَّ بَين الله عز وَجل الَّذِي كتب من الْحَسَنَات والسيئات. قَوْله: (فَمن همَّ) بَيَان ذَلِك بفاء الفصيحة. قَوْله: (فَلم يعملها) أَي: فَلم يعْمل الْحَسَنَة الَّتِي هم بهَا قَوْله: (كتبهَا الله لَهُ عِنْده) أَي: كتب الله تِلْكَ الْحَسَنَة الَّتِي هم بهَا، وَقيل: أَمر الْحفظَة بِأَن تكْتب ذَلِك، وَقيل: قدر ذَلِك وَعرف الكتبة من الْمَلَائِكَة ذَلِك التَّقْدِير. وَقَوله: (عِنْده) أَي: عِنْد الله، وَهَذِه إِشَارَة إِلَى الشّرف. قَوْله: (كَامِلَة) إِشَارَة إِلَى رفع توهم نَقصهَا لكَونهَا نشأت عَن الْهم الْمُجَرّد، وَقَالَ النَّوَوِيّ: أَشَارَ بقوله: عِنْده، إِلَى مزِيد الاعتناء بِهِ. وَبِقَوْلِهِ: كَامِلَة، إِلَى تَعْظِيم الْحَسَنَة وتأكيد أمرهَا، وَعكس ذَلِك فِي السَّيئَة فَلم يصفها بكاملة بل أكدها بقوله: (وَاحِدَة) إِشَارَة إِلَى تحقيقها مُبَالغَة فِي الْفضل وَالْإِحْسَان. قَوْله: (فَإِن هُوَ هم بهَا) ، أَي:

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 79%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
الله أكبر