«مَا عِنْدَنَا كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ إِلَّا كِتَابُ اللهِ غَيْرَ هَذِهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٧٥٥

الحديث رقم ٦٧٥٥ من كتاب «كتاب الفرائض» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إثم من تبرأ من مواليه.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله غير هذه…

«مَا عِنْدَنَا كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ إِلَّا كِتَابُ اللهِ غَيْرَ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، قَالَ: فَأَخْرَجَهَا، فَإِذَا فِيهَا أَشْيَاءُ مِنَ الْجِرَاحَاتِ وَأَسْنَانِ الْإِبِلِ، قَالَ: وَفِيهَا: الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ

⦗١٥٥⦘

الْقِيَامَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ. وَمَنْ وَالَى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ. وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ.»

سند حديث: ٦٧٥٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ…

٦٧٥٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ :

شرح مبسّط لحديث: «ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله غير هذه…

قال علي رضي الله عنه وهو يخطب على المنبر: والله ليس عندنا كتاب نقرؤه غير كتاب الله عز وجل إلا هذا الكتاب، فبسطه فإذا فيها دية أسنان الإبل، ومسائل الجراحات وأحكامها، وفيها أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المدينة حرام كمكة، ما بين جبل عير إلى جبل ثور، فمن ابتدع فيها بدعة في الدين أو تسبب لإِحداث أذى المسلمين من جرم أو ظلامة، أو آوى محدثا فعليه لعنة الله بمنعه له من الرحمة، وسؤال الملائكة والناس أجمعين ذلك من الله تعالى ، ولا يقبل الله منه يوم القيامة فريضة ولا نافلة ولا توبة ولا فداء.
وأن أمان المسلم للكافر صحيح بشروطه المعروفة، فإذا وجدت حرم التعرض له، فمن نقض أمان مسلم وتعرض للكافر الذي أمَّنه فعليه لعنة الله بمنعه له من الرحمة وسؤال الملائكة والناس أجمعين ذلك من الله تعالى ، ولا يقبل الله منه يوم القيامة فريضة ولا نافلة ولا توبة ولا فداء.
ومن انتسب إلى غير أبيه أو انتمى معتق إلى غير مواليه فعليه لعنة الله بمنعه له من الرحمة وسؤال الملائكة والناس أجمعين ذلك من الله تعالى، ولا يقبل الله منه يوم القيامة فريضة ولا نافلة ولا توبة ولا فداء؛ لما فيه من كفر النعمة، وتضييع حقوق الإِرث والولاء والعقل وغير ذلك، مع ما فيه من القطيعة والعقوق.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • ذمة المسلمين سواء صدرت من واحد منهم أو أكثر شريف أو وضيع، فإذا أمن أحد من المسلمين كافراً وأعطاه ذمة لم يكن لأحد نقضه؛ لأن المسلمين كنفس واحدة.
  • تحريم نقض العهد وإخفار ذمة المسلم.
  • من نسب إلى غير من هو له كان كالدعي الذي تبرأ عمن هو منه، وألحق نفسه بغيره؛ فيستحق به الدعاء عليه بالطرد والإبعاد عن الرحمة.
  • المدينة حرم ما بين حرتيها وحماها كله؛ لا يختلي خلاها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها، ولا يقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره، ولا يحمل فيها سلاح لقتال.
  • تحريم إيواء أهل الجرائم وأهل البدع وتوقيرهم؛ لأن ذلك ثلم في الدين وتعظيم للفاسقين.
  • بيان شرف المدينة وفضلها ولذلك عظّم المعصية فيها.
  • جواز لعن أصحاب الكبائر من غير تعيين شخص.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله غير هذه…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (بَابُ مِيرَاثِ السَّائِبَةِ) بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ بِوَزْنِ فَاعِلَةٍ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُهَا فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ، وَالْمُرَادُ بِهَا فِي التَّرْجَمَةِ الْعَبْدُ الَّذِي يَقُولُ لَهُ سَيِّدُهُ: لَا وَلَاءَ لِأَحَدٍ عَلَيْكَ أَوْ أَنْتَ سَائِبَةٌ، يُرِيدُ بِذَلِكَ عِتْقَهُ، وَأَنْ لَا وَلَاءَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ وَقَدْ يَقُولُ لَهُ أَعْتَقْتُكَ سَائِبَةً أَوْ أَنْتَ حُرٌّ سَائِبَةً، فَفِي الصِّيغَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ يُفْتَقَرُ فِي عِتْقِهِ إِلَى نِيَّةٍ وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ يُعْتَقُ، وَاخْتُلِفَ فِي الشَّرْطِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى كَرَاهِيَتِهِ وَشَذَّ مَنْ قَالَ بِإِبَاحَتِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي وَلَائِهِ، وَسَأُبَيِّنُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (عَنْ هُزَيْلٍ) فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ الْعَدَنِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: حَدَّثَنِي هُزَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ وَهُوَ بِالزَّايِ مُصَغَّرٌ، وَوَهِمَ مَنْ قَالَهُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ قَرِيبًا، وَأَنَّ سُفْيَانَ فِي السَّنَدِ هُوَ الثَّوْرِيُّ وَأَنَّ أَبَا قَيْسٍ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ أَهْلَ الْإِسْلَامِ لَا يُسَيِّبُونَ، وَإِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يُسَيِّبُونَ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِتَمَامِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بِسَنَدِهِ هَذَا إِلَى هُزَيْلٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: إِنِّي أَعْتَقَتْ عَبْدًا لِي سَائِبَةً فَمَاتَ فَتَرَكَ مَالًا وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَذَكَرَ حَدِيثَ الْبَابِ وَزَادَ وَأَنْتَ وَلِيُّ نِعْمَتِهِ فَلَكَ مِيرَاثُهُ، فَإِنْ تَأَثَّمْتَ أَوْ تَحَرَّجْتَ فِي شَيْءٍ فَنَحْنُ نَقْبَلُهُ وَنَجْعَلُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَفِي رِوَايَةِ الْعَدَنِيِّ: فَإِنَّ تَحَرَّجْتَ وَلَمْ يَشُكَّ، وَقَالَ: فَأَرِنَا (١) نَجْعَلُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَمَعْنَى تَأَثَّمْتَ بِالْمُثَلَّثَةِ قَبْلَ الْمِيمِ: خَشِيتَ أَنْ تَقَعَ فِي الْإِثْمِ، وَتَحَرَّجْتَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْجِيمِ بِمَعْنَاهُ.

وَبِهَذَا الْحُكْمِ فِي السَّائِبَةِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالشَّافِعِيَّ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ الصَّحَابِيَّ الْمَشْهُورَ أَعْتَقَتْهُ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ سَائِبَةً وَقَالَتْ لَهُ: وَالِ مَنْ شِئْتَ، فَوَالَى أَبَا حُذَيْفَةَ، فَلَمَّا اسْتُشْهِدَ بِالْيَمَامَةِ دُفِعَ مِيرَاثُهُ لِلْأَنْصَارِيَّةِ أَوْ لِابْنِهَا.

وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَتَى بِمَالِ مَوْلًى لَهُ مَاتَ فَقَالَ: إِنَّا كُنَّا أَعْتَقْنَاهُ سَائِبَةً فَأَمَرَ أَنْ يُشْتَرَى بِثَمَنِهِ رِقَابًا فَتُعْتَقَ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ أَوْ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ، وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِهِ عَطَاءٌ فَقَالَ: إِذَا لَمْ يُخَلِّفِ السَّائِبَةُ وَارِثًا دُعِيَ الَّذِي أَعْتَقَهُ فَإِنْ قَبِلَ مَالَهُ وَإِلَّا ابْتِيعَتْ بِهِ رِقَابٌ فَأُعْتِقَتْ، وَفِيهِ مَذْهَبٌ آخَرُ أَنَّ وَلَاءَهُ لِلْمُسْلِمِينَ يَرِثُونَهُ وَيَعْقِلُونَ عَنْهُ، قَالَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالزُّهْرِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَعَنِ الشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالْكُوفِيِّينَ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ وَلَاءِ السَّائِبَةِ وَهِبَتِهِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَاتِّبَاعُ ظَاهِرِ قَوْلِهِ: الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ أَوْلَى.

قُلْتُ: وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ وَفِيهِ: فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، وَفِيهِ قَوْلُ الْأَسْوَدِ: إِنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ حُرًّا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ.

٢١ - بَاب إِثْمِ مَنْ تَبَرَّأَ مِنْ مَوَالِيهِ

٦٧٥٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ : مَا عِنْدَنَا كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ غَيْرَ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ قَالَ: فَأَخْرَجَهَا فَإِذَا فِيهَا أَشْيَاءُ مِنْ الْجِرَاحَاتِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٢١) (باب إِثْمِ مَنْ تَبَرَّأَ مِنْ مَوَالِيهِ).

٦٧٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بنِ مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) يزيدَ بن شريك بنِ طارق التَّيميِّ، أنَّه (قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ : ما عِنْدَنَا كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ) وفي «باب حرمِ المدينة» من آخر «كتاب الحجِّ»: «ما عندنا شيءٌ» [خ¦١٨٧٠] (إِلَّا كِتَابَ اللهِ) ﷿ (غَيْرَ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ) قال في «الكواكب»: «غيرَ» حالٌ، أو استثناءٌ آخر، وحرف العطف مقدَّر، كما قال الشَّافعيُّ رحمة الله عليه: «التَّحيات المباركات الصَّلوات» تقديره: والصَّلوات (قَالَ) يزيدُ بن شريك: (فَأَخْرَجَهَا) أي: الصَّحيفة (فَإِذَا فِيهَا أَشْيَاءُ) جمع: شيءٍ، لا ينصرفُ. قال الكسائيُّ: لكثرةِ استعمالها (١) (مِنَ الجِرَاحَاتِ) بكسر الجيم، أي: من أحكامِ الجراحاتِ (وَأَسْنَانِ الإِبِلِ) بفتح همزة «أَسنان» (٢) أي: إبل الدِّيات، أو الزَّكاة، أو أعمُّ (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال»: (وَفِيهَا المَدِينَةُ) طيبةُ (حَرَمٌ) بفتحتين، محرَّمة (مَا بَيْنَ عَيْرٍ) بفتح العين المهملة وسكون التحتية بعدها راء، جبلٌ بالمدينة (إِلَى ثَوْرٍ) بفتح المثلثة، قيل: إنَّه اسم جبلٍ بها أيضًا، وإن كان المشهورُ أنَّه بمكة، وقيل: الصَّحيح أن بدلَه أُحدٌ، أي: ما بين عَيْر إلى أُحدٍ. ولأبي ذرٍّ: «إلى

كذَا» بدل قوله: «إلى ثور»، (فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا) مخالفًا لما جاء به النَّبيُّ (أَوْ آوَى) بمدِّ الهمزة (مُحْدِثًا) بضم الميم وكسر الدال المهملة، أي: مَن نصرَ جانيًا وآواهُ وأجارَهُ (١) من خصمِهِ، وأحال (٢) بينه وبين أن يقتصَّ منه (فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ) أي: البعدُ من الجنَّة الَّتي هي دارُ الرَّحمة في أوَّل أمرهِ لا مطلقًا (وَ) لعنةُ (المَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ) بضم التحتية وفتح الموحدة (مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفٌ) فرضٌ (وَلَا عَدْلٌ) نفلٌ، أو بالعكسِ، أو غير ذلك ممَّا سبق في «الحجِّ» [خ¦١٨٧٠] (وَمَنْ وَالَى) بفتح اللام، اتَّخذ (قَوْمًا) مَوالي (بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ) ليسَ الإذنُ لتقييدِ الحكم بعدمِ الإذنِ والقصرِ عليه، وإنَّما ورد الكلامُ بذلك على أنَّه الغالب (فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ) بضم التَّحتية (مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ) ولأبي ذرٍّ: «لا يقبلُ اللهُ منهُ يومَ القيامةِ صَرْفًا ولا عَدْلًا» (وَذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ) أي: أمانُ المسلم للكافرِ صحيحٌ، والمسلمون كنفسٍ واحدةٍ فيه (يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ) كالعبد والمرأة، فإذا أمَّنَ أحدُهم حربيًّا لا يجوزُ لأحدٍ أن ينقضَ ذمَّته (فَمَنْ أَخْفَرَ) بخاء معجمة ساكنة وفتح الفاء (مُسْلِمًا) أي: نقضَ عهده (فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ).

وصحَّح ابنُ حبَّان من حديثِ عائشة مرفوعًا: «مَن تولَّى إلى غيرِ مَواليه فليتبوَّأ مقعدَه من النَّار». قال ابن بطَّال -فيما ذكره عنه في «فتح الباري» -: وفي الحديث: أنَّه لا يجوزُ للمعتق أن يكتبَ فلان بن فلان، بل يقول: فلانٌ مولى فلان، ويجوزُ (٣) له أن يُنْسَبَ إلى نسبهِ كالقرشيِّ. وقال غيرُه: الأولى أن يفصحَ بذلك أيضًا كأن يقول: القرشيُّ بالولاء، أو مَولاهم. قال: و (٤) فيه أنَّ من علم ذلك وفعلَه سقطَتْ شهادتُه لما يترتَّب عليه من الوعيدِ، وتجبُ عليه التَّوبة والاستغفار.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (بَابُ مِيرَاثِ السَّائِبَةِ) بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ بِوَزْنِ فَاعِلَةٍ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُهَا فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ، وَالْمُرَادُ بِهَا فِي التَّرْجَمَةِ الْعَبْدُ الَّذِي يَقُولُ لَهُ سَيِّدُهُ: لَا وَلَاءَ لِأَحَدٍ عَلَيْكَ أَوْ أَنْتَ سَائِبَةٌ، يُرِيدُ بِذَلِكَ عِتْقَهُ، وَأَنْ لَا وَلَاءَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ وَقَدْ يَقُولُ لَهُ أَعْتَقْتُكَ سَائِبَةً أَوْ أَنْتَ حُرٌّ سَائِبَةً، فَفِي الصِّيغَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ يُفْتَقَرُ فِي عِتْقِهِ إِلَى نِيَّةٍ وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ يُعْتَقُ، وَاخْتُلِفَ فِي الشَّرْطِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى كَرَاهِيَتِهِ وَشَذَّ مَنْ قَالَ بِإِبَاحَتِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي وَلَائِهِ، وَسَأُبَيِّنُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (عَنْ هُزَيْلٍ) فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ الْعَدَنِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: حَدَّثَنِي هُزَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ وَهُوَ بِالزَّايِ مُصَغَّرٌ، وَوَهِمَ مَنْ قَالَهُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ قَرِيبًا، وَأَنَّ سُفْيَانَ فِي السَّنَدِ هُوَ الثَّوْرِيُّ وَأَنَّ أَبَا قَيْسٍ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ أَهْلَ الْإِسْلَامِ لَا يُسَيِّبُونَ، وَإِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يُسَيِّبُونَ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِتَمَامِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بِسَنَدِهِ هَذَا إِلَى هُزَيْلٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: إِنِّي أَعْتَقَتْ عَبْدًا لِي سَائِبَةً فَمَاتَ فَتَرَكَ مَالًا وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَذَكَرَ حَدِيثَ الْبَابِ وَزَادَ وَأَنْتَ وَلِيُّ نِعْمَتِهِ فَلَكَ مِيرَاثُهُ، فَإِنْ تَأَثَّمْتَ أَوْ تَحَرَّجْتَ فِي شَيْءٍ فَنَحْنُ نَقْبَلُهُ وَنَجْعَلُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَفِي رِوَايَةِ الْعَدَنِيِّ: فَإِنَّ تَحَرَّجْتَ وَلَمْ يَشُكَّ، وَقَالَ: فَأَرِنَا (١) نَجْعَلُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَمَعْنَى تَأَثَّمْتَ بِالْمُثَلَّثَةِ قَبْلَ الْمِيمِ: خَشِيتَ أَنْ تَقَعَ فِي الْإِثْمِ، وَتَحَرَّجْتَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْجِيمِ بِمَعْنَاهُ.

وَبِهَذَا الْحُكْمِ فِي السَّائِبَةِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالشَّافِعِيَّ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ الصَّحَابِيَّ الْمَشْهُورَ أَعْتَقَتْهُ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ سَائِبَةً وَقَالَتْ لَهُ: وَالِ مَنْ شِئْتَ، فَوَالَى أَبَا حُذَيْفَةَ، فَلَمَّا اسْتُشْهِدَ بِالْيَمَامَةِ دُفِعَ مِيرَاثُهُ لِلْأَنْصَارِيَّةِ أَوْ لِابْنِهَا.

وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَتَى بِمَالِ مَوْلًى لَهُ مَاتَ فَقَالَ: إِنَّا كُنَّا أَعْتَقْنَاهُ سَائِبَةً فَأَمَرَ أَنْ يُشْتَرَى بِثَمَنِهِ رِقَابًا فَتُعْتَقَ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ أَوْ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ، وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِهِ عَطَاءٌ فَقَالَ: إِذَا لَمْ يُخَلِّفِ السَّائِبَةُ وَارِثًا دُعِيَ الَّذِي أَعْتَقَهُ فَإِنْ قَبِلَ مَالَهُ وَإِلَّا ابْتِيعَتْ بِهِ رِقَابٌ فَأُعْتِقَتْ، وَفِيهِ مَذْهَبٌ آخَرُ أَنَّ وَلَاءَهُ لِلْمُسْلِمِينَ يَرِثُونَهُ وَيَعْقِلُونَ عَنْهُ، قَالَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالزُّهْرِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَعَنِ الشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالْكُوفِيِّينَ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ وَلَاءِ السَّائِبَةِ وَهِبَتِهِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَاتِّبَاعُ ظَاهِرِ قَوْلِهِ: الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ أَوْلَى.

قُلْتُ: وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ وَفِيهِ: فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، وَفِيهِ قَوْلُ الْأَسْوَدِ: إِنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ حُرًّا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ.

٢١ - بَاب إِثْمِ مَنْ تَبَرَّأَ مِنْ مَوَالِيهِ

٦٧٥٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ : مَا عِنْدَنَا كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ غَيْرَ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ قَالَ: فَأَخْرَجَهَا فَإِذَا فِيهَا أَشْيَاءُ مِنْ الْجِرَاحَاتِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٢١) (باب إِثْمِ مَنْ تَبَرَّأَ مِنْ مَوَالِيهِ).

٦٧٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بنِ مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) يزيدَ بن شريك بنِ طارق التَّيميِّ، أنَّه (قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ : ما عِنْدَنَا كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ) وفي «باب حرمِ المدينة» من آخر «كتاب الحجِّ»: «ما عندنا شيءٌ» [خ¦١٨٧٠] (إِلَّا كِتَابَ اللهِ) ﷿ (غَيْرَ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ) قال في «الكواكب»: «غيرَ» حالٌ، أو استثناءٌ آخر، وحرف العطف مقدَّر، كما قال الشَّافعيُّ رحمة الله عليه: «التَّحيات المباركات الصَّلوات» تقديره: والصَّلوات (قَالَ) يزيدُ بن شريك: (فَأَخْرَجَهَا) أي: الصَّحيفة (فَإِذَا فِيهَا أَشْيَاءُ) جمع: شيءٍ، لا ينصرفُ. قال الكسائيُّ: لكثرةِ استعمالها (١) (مِنَ الجِرَاحَاتِ) بكسر الجيم، أي: من أحكامِ الجراحاتِ (وَأَسْنَانِ الإِبِلِ) بفتح همزة «أَسنان» (٢) أي: إبل الدِّيات، أو الزَّكاة، أو أعمُّ (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال»: (وَفِيهَا المَدِينَةُ) طيبةُ (حَرَمٌ) بفتحتين، محرَّمة (مَا بَيْنَ عَيْرٍ) بفتح العين المهملة وسكون التحتية بعدها راء، جبلٌ بالمدينة (إِلَى ثَوْرٍ) بفتح المثلثة، قيل: إنَّه اسم جبلٍ بها أيضًا، وإن كان المشهورُ أنَّه بمكة، وقيل: الصَّحيح أن بدلَه أُحدٌ، أي: ما بين عَيْر إلى أُحدٍ. ولأبي ذرٍّ: «إلى

كذَا» بدل قوله: «إلى ثور»، (فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا) مخالفًا لما جاء به النَّبيُّ (أَوْ آوَى) بمدِّ الهمزة (مُحْدِثًا) بضم الميم وكسر الدال المهملة، أي: مَن نصرَ جانيًا وآواهُ وأجارَهُ (١) من خصمِهِ، وأحال (٢) بينه وبين أن يقتصَّ منه (فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ) أي: البعدُ من الجنَّة الَّتي هي دارُ الرَّحمة في أوَّل أمرهِ لا مطلقًا (وَ) لعنةُ (المَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ) بضم التحتية وفتح الموحدة (مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفٌ) فرضٌ (وَلَا عَدْلٌ) نفلٌ، أو بالعكسِ، أو غير ذلك ممَّا سبق في «الحجِّ» [خ¦١٨٧٠] (وَمَنْ وَالَى) بفتح اللام، اتَّخذ (قَوْمًا) مَوالي (بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ) ليسَ الإذنُ لتقييدِ الحكم بعدمِ الإذنِ والقصرِ عليه، وإنَّما ورد الكلامُ بذلك على أنَّه الغالب (فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ) بضم التَّحتية (مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ) ولأبي ذرٍّ: «لا يقبلُ اللهُ منهُ يومَ القيامةِ صَرْفًا ولا عَدْلًا» (وَذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ) أي: أمانُ المسلم للكافرِ صحيحٌ، والمسلمون كنفسٍ واحدةٍ فيه (يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ) كالعبد والمرأة، فإذا أمَّنَ أحدُهم حربيًّا لا يجوزُ لأحدٍ أن ينقضَ ذمَّته (فَمَنْ أَخْفَرَ) بخاء معجمة ساكنة وفتح الفاء (مُسْلِمًا) أي: نقضَ عهده (فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ).

وصحَّح ابنُ حبَّان من حديثِ عائشة مرفوعًا: «مَن تولَّى إلى غيرِ مَواليه فليتبوَّأ مقعدَه من النَّار». قال ابن بطَّال -فيما ذكره عنه في «فتح الباري» -: وفي الحديث: أنَّه لا يجوزُ للمعتق أن يكتبَ فلان بن فلان، بل يقول: فلانٌ مولى فلان، ويجوزُ (٣) له أن يُنْسَبَ إلى نسبهِ كالقرشيِّ. وقال غيرُه: الأولى أن يفصحَ بذلك أيضًا كأن يقول: القرشيُّ بالولاء، أو مَولاهم. قال: و (٤) فيه أنَّ من علم ذلك وفعلَه سقطَتْ شهادتُه لما يترتَّب عليه من الوعيدِ، وتجبُ عليه التَّوبة والاستغفار.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.1 / 29.5
الإضاءة 71%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
أستغفر الله