الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٧٧٠
الحديث رقم ٦٧٧٠ من كتاب «كتاب الفرائض» في صحيح البخاري، تحت باب: باب القائف.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٦٧٧٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
كان زيد بن حارثة أبيض اللون، وابنه أسامة أسمر، وكان الناس يرتابون فيهما -من أَجْلِ اختلاف لونيهما-، ويتكلمون في صحة نسبة أسامة إلى أبيه، بما يؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فمرَّ عليهما (مجزِّز المدلجي) القائف، وهما قد غَطَّيَا رَأسيْهما في قطيفة -أي رداء-، وبدت أرجلهما.
فقال إن بعض هذه الأقدام لَمنْ بعض، لما رأى بينهن من الشبه.
وكان كلام هذا القائف على سمع من النبي صلى الله عليه وسلم، فسُرَّ بذلك سرورا كثيرا، حتى دخل على عائشة وأسارير وجهه تَبْرق، فرحًا واستبشارًا للاطمئنان إلى صحة نسبة أسامة إلى أبيه، ولِدحْض كلام الذين يطلقون ألسنتهم في أعراض الناس بغير علم.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فَاخْتَلَفَتَا فِي أَيُّهُمَا الذَّاهِبُ، فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ، وَفِيهِ حُكْمُ سُلَيْمَانَ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي تَرْجَمَةِ سُلَيْمَانَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأُمَّ لَا تَسْتَلْحِقُ بِالزَّوْجِ مَا يُنْكِرُهُ، فَإِنْ أَقَامَتِ الْبَيِّنَةَ قُبِلَتْ حَيْثُ تَكُونُ فِي عِصْمَتِهِ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ زَوْجٍ وَقَالَتْ لِمَنْ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَبٌ: هَذَا ابْنِي وَلَمْ يُنَازِعْهَا فِيهِ أَحَدٌ فَإِنَّهُ يُعْمَلُ بِقَوْلِهَا وَتَرِثُهُ وَيَرِثُهَا وَيَرِثُهُ إِخْوَتُهُ لِأُمِّهِ.
وَنَازَعَهُ ابْنُ التِّينِ فَحَكَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا إِذَا ادَّعَتِ اللَّقِيطَ، وَقَدِ اسْتَنْبَطَ النَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَشْيَاءَ نَفِيسَةً فَتَرْجَمَ: نَقْضُ الْحَاكِمِ مَا حَكَمَ بِهِ غَيْرُهُ مِمَّنْ هُوَ مِثْلُهُ أَوْ أَجَلُّ إِذَا اقْتَضَى الْأَمْرُ ذَلِكَ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ شُعَيْبٍ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُورِ هُنَا، وَصَرَّحَ فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ بَيْنَ أَبِي الزِّنَادِ وَبَيْنَ الْأَعْرَجِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ نَحْوَ أَبِي الْيَمَانِ، وَتَرْجَمَ أَيْضًا الْحَاكِمُ بِخِلَافِ مَا يَعْتَرِفُ بِهِ الْمَحْكُومُ لَهُ إِذَا تَبَيَّنَ لِلْحَاكِمِ أَنَّ الْحَقَّ غَيْرُ مَا اعْتَرَفَ بِهِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ مِسْكِينِ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ شُعَيْبٍ وَفِيهِ: فَقَالَ اقْطَعُوهُ نِصْفَيْنِ لِهَذِهِ نِصْفٌ وَلِهَذِهِ نِصْفٌ، فَقَالَتِ الْكُبْرَى: نَعَمِ اقْطَعُوهُ، فَقَالَتِ الصُّغْرَى لَا تَقْطَعُوهُ هُوَ وَلَدُهَا فَقَضَى بِهِ لِلَّتِي أَبَتْ أَنْ يَقْطَعَهُ فَأَشَارَ إِلَى قَوْلِ الصُّغْرَى هُوَ وَلَدُهَا وَلَمْ يَعْمَلْ سُلَيْمَانُ بِهَذَا الْإِقْرَارِ، بَلْ قَضَى بِهِ لَهَا مَعَ إِقْرَارِهَا بِأَنَّهُ لِصَاحِبَتِهَا.
وَتَرْجَمَ لَهُ: التَّوْسِعَةُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَقُولَ لِلشَّيْءِ الَّذِي لَا يَفْعَلُهُ افْعَلْ لِيَسْتَبِينَ لَهُ الْحَقُّ، وَسَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ وَفِيهِ: فَقَالَ ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّ الْغُلَامَ بَيْنَهُمَا، فَقَالَتِ الصُّغْرَى أَتَشُقُّهُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَتْ: لَا تَفْعَلْ، حَظِّي مِنْهُ لَهَا وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ بَلْ أَحَالَ بِهِ عَلَى رِوَايَةِ وَرْقَاءَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ مَا فِيهَا فِي تَرْجَمَةِ سُلَيْمَانَ.
ثُمَّ تَرْجَمَ: الْفَهْمُ فِي الْقَضَاءِ وَالتَّدَبُّرُ فِيهِ وَالْحُكْمُ بِالِاسْتِدْلَالِ ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ مُخْتَصَرًا، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَقَالَ سُلَيْمَانُ - يَعْنِي لِلْكُبْرَى - لَوْ كَانَ ابْنَكِ لَمْ تَرْضَيْ أَنْ يُقْطَعَ.
٣١ - بَاب الْقَائِفِ
٦٧٧٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيَّ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ فَقَالَ: أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ؟
٦٧٧١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ "عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ مَسْرُورٌ فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ دَخَلَ عَلَيَّ فَرَأَى أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَزَيْدًا وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ"
قَوْلُهُ: (بَابُ الْقَائِفِ) هُوَ الَّذِي يَعْرِفُ الشَّبَهَ وَيُمَيِّزُ الْأَثَرَ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَقْفُو الْأَشْيَاءَ أَيْ يَتْبَعُهَا فَكَأَنَّهُ مَقْلُوبٌ مِنَ الْقَافِي، نَقَلَ الْأَصْمَعِيُّ: هُوَ الَّذِي يَقْفُو الْأَثَرَ، وَيقْتَافَهُ قَفْوًا وَقِيَافَةً وَالْجَمْعُ الْقَافَةُ، كَذَا وَقَعَ فِي الْغَرِيبَيْنِ وَالنِّهَايَةِ.
قوله: في الطرق الثانية: عن الزهري في رواية الحميدي عن سفيان، حدثنا الزهري، أخرجه أبو نعيم.
قَوْلُهُ: (دَخَلَ عَلَيَّ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ أَلَمْ تَرَيْ إِلَى مُجَزِّزٍ)
فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا وَالْمُرَادُ مِنَ الرُّؤْيَةِ هُنَا الْإِخْبَارُ أَوِ الْعِلْمُ، وَمَضَى فِي مَنَاقِبِ زَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ الْمُدْلِجِيُّ وَمَضَى فِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ: دَخَلَ عَلَيَّ قَائِفٌ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ فَسُرَّ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَعْجَبَهُ وَأَخْبَرَ بِهِ عَائِشَةَ.
وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: وَكَانَ مُجَزِّزٌ قَائِفًا وَمُجَزِّزٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الزَّايِ الثَّقِيلَةِ وَحُكِيَ فَتْحُهَا وَبَعْدَهَا زَايٌ أُخْرَى، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ثُمَّ زَايٍ، وَهُوَ ابْنُ الْأَعْوَرِ بْنِ جَعْدَةَ الْمُدْلِجِيُّ نِسْبَةٌ إِلَى مُدْلِجِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ كِنَانَةَ، وَكَانَتِ الْقِيَافَةُ فِيهِمْ وَفِي بَنِي أَسَدٍ، وَالْعَرَبُ تَعْتَرِفُ لَهُمْ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ خَاصًّا بِهِمْ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقَدْ أَخْرَجَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ فِي الْفَرَائِضِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ قَائِفًا أَوْرَدَهُ فِي قِصَّتِهِ، وَعُمَرُ قُرَشِيٌّ لَيْسَ مُدْلِجِيًّا وَلَا أَسَدِيًّا لَا أَسَدَ قُرَيْشٍ، وَلَا أَسَدَ خُزَيْمَةَ، وَمُجَزِّزٌ الْمَذْكُورُ هُوَ وَالِدُ عَلْقَمَةَ بْنِ مُجَزِّزٍ الْمَاضِي ذِكْرُهُ فِي بَابِ سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ مِنَ الْمَغَازِي، وَذَكَرَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ، وَالْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ سُمِّيَ مُجَزِّزًا لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا أَخَذَ أَسِيرًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ جَزَّ نَاصِيَتَهُ وَأَطْلَقَهُ، وَهَذَا يَدْفَعُ فَتْحَ الزَّايِ الْأُولَى مِنِ اسْمِهِ، وَعَلَى هَذَا فَكَانَ لَهُ اسْمٌ غَيْرُ مُجَزِّزٍ. لَكِنِّي لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ.
وَكَانَ مُجَزِّزٌ عَارِفًا بِالْقِيَافَةِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ فِيمَنْ شَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ لَهُ رِوَايَةً.
قَوْلُهُ: (نَظَرَ آنِفًا) بِالْمَدِّ وَيَجُوزُ الْقَصْرُ أَيْ قَرِيبًا أَوْ أَقْرَبَ وَقْتٍ.
قَوْلُهُ: (إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا دَخَلَ عَلَيَّ فَرَأَى أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَزَيْدًا وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ: وَأُسَامَةُ، وَزَيْدٌ مُضْطَجِعَانِ، وَفِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ دَفْعُ تَوَهُّمِ مَنْ يَقُولُ: لَعَلَّهُ حَابَاهُمَا بِذَلِكَ لِمَا عُرِفَ مِنْ كَوْنِهِمْ كَانُوا يَطْعَنُونَ فِي أُسَامَةَ.
قَوْلُهُ: (بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: لَمِنْ بَعْضٍ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: نَقَلَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ أَهْلِ النَّسَبِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَقْدَحُونَ فِي نَسَبِ أُسَامَةَ لِأَنَّهُ كَانَ أَسْوَدَ شَدِيدَ السَّوَادِ، وَكَانَ أَبُوهُ زَيْدٌ أَبْيَضَ مِنَ الْقُطْنِ، فَلَمَّا قَالَ الْقَائِفُ مَا قَالَ مَعَ اخْتِلَافِ اللَّوْنِ سُرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ كَافًّا لَهُمْ عَنِ الطَّعْنِ فِيهِ لِاعْتِقَادِهِمْ ذَلِكَ.
وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ، أَنَّ أُمَّ أُسَامَةَ - وَهِيَ أُمُّ أَيْمَنَ مَوْلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ سَوْدَاءَ فَلِهَذَا جَاءَ أُسَامَةُ أَسْوَدَ، وَقَدْ وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أُمَّ أَيْمَنَ كَانَتْ حَبَشِيَّةً وَصِيفَةً لِعَبْدِ اللَّهِ وَالِدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَيُقَالُ كَانَتْ مِنْ سَبْيِ الْحَبَشَةِ الَّذِينَ قَدِمُوا زَمَنَ الْفِيلِ، فَصَارَتْ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَوَهَبَهَا لِعَبْدِ اللَّهِ، وَتَزَوَّجَتْ قَبْلَ زَيْدٍ، عُبَيْدًا الْحَبَشِيَّ، فَوَلَدَتْ لَهُ أَيْمَنَ، فَكُنِيَتْ بِهِ وَاشْتَهَرَتْ بِذَلِكَ، وَكَانَ يُقَالُ لَهَا أُمُّ الظِّبَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهَا ذِكْرٌ فِي أَوَاخِرِ الْهِبَةِ.
قَالَ عِيَاضٌ: لَوْ صَحَّ أَنَّ أُمَّ أَيْمَنَ كَانَتْ سَوْدَاءَ لَمْ يُنْكِرُوا سَوَادَ ابْنِهَا أُسَامَةَ؛ لِأَنَّ السَّوْدَاءَ قَدْ تَلِدُ مِنَ الْأَبْيَضِ أَسْوَدَ.
قُلْتُ: يَحْتَمِلُ أَنَّهَا كَانَتْ صَافِيَةً فَجَاءَ أُسَامَةُ شَدِيدَ السَّوَادِ فَوَقَعَ الْإِنْكَارُ لِذَلِكَ، وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمُنْتَقِبَةِ وَالِاكْتِفَاءِ بِمَعْرِفَتِهَا مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةِ الْوَجْهِ، وَجَوَازُ اضْطِجَاعِ الرَّجُلِ مَعَ وَلَدِهِ فِي شِعَارٍ وَاحِدٍ، وَقَبُولُ شَهَادَةِ مَنْ يَشْهَدُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ عِنْدَ عَدَمِ التُّهْمَةِ، وَسُرُورُ الْحَاكِمِ لِظُهُورِ الْحَقِّ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ عِنْدَ السَّلَامَةِ مِنَ الْهَوَى، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ إِذَا عَرَّضَ بِنَفْيِ الْوَلَدِ مِنْ كِتَابِ اللِّعَانِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الَّذِي قَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ، وَفِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ وَمَضَى شَرْحُهُ هُنَاكَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(تَنْبِيهٌ):
وَجْهُ إِدْخَالِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقَائِفَ لَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ، فَإِنَّ مَنِ اعْتَبَرَ قَوْلَهُ فَعَمِلَ بِهِ لَزِمَ مِنْهُ حُصُولُ التَّوَارُثِ بَيْنَ الْمُلْحَقِ وَالْمُلْحَقِ بِهِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٧٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ، إمام المصريِّين (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيَّ) بتشديد الياء، البيت حالَ كونه (مَسْرُورًا) حالَ كونه (تَبْرُقُ): تضيءُ وتستنيرُ من السُّرور (أَسَارِيرُ وَجْهِهِ) وهي الخطوطُ الَّتي في الجبهة (١)، واحدُها: سِرٌّ وسَرَرٌ، وجمعُها: أَسْرَار وأسِرَّة، وجمع الجمع: أَسَارير (فَقَالَ) ﷺ: (أَلَمْ تَرَيْ) حرف جزمٍ، ومعها (٢) همزة التَّقرير، و «تَرَي» مجزومٌ به بحذفِ النون، والرُّؤية علميَّة، وسدَّتْ «أنَّ» في قوله: (أَنَّ مُجَزَِّزًا) مسدَّ مفعوليها، ولذا فتحت «أنَّ» و «مُجَزَِّزًا» بضم الميم وفتح الجيم وكسر الزاي الأولى المشدَّدة وتفتح، اسم «إنَّ» وسمِّي مجزِّزًا؛ لأنَّه كان يجزُّ ناصية الأسيرِ في زمن الجاهليَّة ويطلقه، وهو ابنُ الأعور بنِ جَعْدة المُدْلِجِيُّ (نَظَرَ آنِفًا) خبر «أنَّ» و «آنفًا» بالمدِّ ويُقصر، ظرف زمان، أي: السَّاعة (إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ (٣)) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «لمن» (بَعْضٍ) أي: لكائنة من بعضٍ، أو مخلوقةٌ من بعضٍ، كقوله تعالى: ﴿بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢٥] أي: مخلوقون من بعضٍ، وسبب سرورهِ ﵊ أنَّ الجاهليَّة كانت تقدحُ في نسبِ أسامة؛ لكونهِ أسودَ شديدَ السَّواد لكون أمِّه كانَت سوداء وزيدٌ أبيضُ من القطنِ، فلمَّا قال مجزِّزٌ ما قالَ مع اختلاف اللَّون سُرَّ ﷺ بذلك لكونهَ كافًّا لهم عن الطَّعن فيه لاعتقادِهم ذلك.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فَاخْتَلَفَتَا فِي أَيُّهُمَا الذَّاهِبُ، فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ، وَفِيهِ حُكْمُ سُلَيْمَانَ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي تَرْجَمَةِ سُلَيْمَانَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأُمَّ لَا تَسْتَلْحِقُ بِالزَّوْجِ مَا يُنْكِرُهُ، فَإِنْ أَقَامَتِ الْبَيِّنَةَ قُبِلَتْ حَيْثُ تَكُونُ فِي عِصْمَتِهِ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ زَوْجٍ وَقَالَتْ لِمَنْ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَبٌ: هَذَا ابْنِي وَلَمْ يُنَازِعْهَا فِيهِ أَحَدٌ فَإِنَّهُ يُعْمَلُ بِقَوْلِهَا وَتَرِثُهُ وَيَرِثُهَا وَيَرِثُهُ إِخْوَتُهُ لِأُمِّهِ.
وَنَازَعَهُ ابْنُ التِّينِ فَحَكَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا إِذَا ادَّعَتِ اللَّقِيطَ، وَقَدِ اسْتَنْبَطَ النَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَشْيَاءَ نَفِيسَةً فَتَرْجَمَ: نَقْضُ الْحَاكِمِ مَا حَكَمَ بِهِ غَيْرُهُ مِمَّنْ هُوَ مِثْلُهُ أَوْ أَجَلُّ إِذَا اقْتَضَى الْأَمْرُ ذَلِكَ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ شُعَيْبٍ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُورِ هُنَا، وَصَرَّحَ فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ بَيْنَ أَبِي الزِّنَادِ وَبَيْنَ الْأَعْرَجِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ نَحْوَ أَبِي الْيَمَانِ، وَتَرْجَمَ أَيْضًا الْحَاكِمُ بِخِلَافِ مَا يَعْتَرِفُ بِهِ الْمَحْكُومُ لَهُ إِذَا تَبَيَّنَ لِلْحَاكِمِ أَنَّ الْحَقَّ غَيْرُ مَا اعْتَرَفَ بِهِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ مِسْكِينِ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ شُعَيْبٍ وَفِيهِ: فَقَالَ اقْطَعُوهُ نِصْفَيْنِ لِهَذِهِ نِصْفٌ وَلِهَذِهِ نِصْفٌ، فَقَالَتِ الْكُبْرَى: نَعَمِ اقْطَعُوهُ، فَقَالَتِ الصُّغْرَى لَا تَقْطَعُوهُ هُوَ وَلَدُهَا فَقَضَى بِهِ لِلَّتِي أَبَتْ أَنْ يَقْطَعَهُ فَأَشَارَ إِلَى قَوْلِ الصُّغْرَى هُوَ وَلَدُهَا وَلَمْ يَعْمَلْ سُلَيْمَانُ بِهَذَا الْإِقْرَارِ، بَلْ قَضَى بِهِ لَهَا مَعَ إِقْرَارِهَا بِأَنَّهُ لِصَاحِبَتِهَا.
وَتَرْجَمَ لَهُ: التَّوْسِعَةُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَقُولَ لِلشَّيْءِ الَّذِي لَا يَفْعَلُهُ افْعَلْ لِيَسْتَبِينَ لَهُ الْحَقُّ، وَسَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ وَفِيهِ: فَقَالَ ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّ الْغُلَامَ بَيْنَهُمَا، فَقَالَتِ الصُّغْرَى أَتَشُقُّهُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَتْ: لَا تَفْعَلْ، حَظِّي مِنْهُ لَهَا وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ بَلْ أَحَالَ بِهِ عَلَى رِوَايَةِ وَرْقَاءَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ مَا فِيهَا فِي تَرْجَمَةِ سُلَيْمَانَ.
ثُمَّ تَرْجَمَ: الْفَهْمُ فِي الْقَضَاءِ وَالتَّدَبُّرُ فِيهِ وَالْحُكْمُ بِالِاسْتِدْلَالِ ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ مُخْتَصَرًا، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَقَالَ سُلَيْمَانُ - يَعْنِي لِلْكُبْرَى - لَوْ كَانَ ابْنَكِ لَمْ تَرْضَيْ أَنْ يُقْطَعَ.
٣١ - بَاب الْقَائِفِ
٦٧٧٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيَّ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ فَقَالَ: أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ؟
٦٧٧١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ "عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ مَسْرُورٌ فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ دَخَلَ عَلَيَّ فَرَأَى أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَزَيْدًا وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ"
قَوْلُهُ: (بَابُ الْقَائِفِ) هُوَ الَّذِي يَعْرِفُ الشَّبَهَ وَيُمَيِّزُ الْأَثَرَ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَقْفُو الْأَشْيَاءَ أَيْ يَتْبَعُهَا فَكَأَنَّهُ مَقْلُوبٌ مِنَ الْقَافِي، نَقَلَ الْأَصْمَعِيُّ: هُوَ الَّذِي يَقْفُو الْأَثَرَ، وَيقْتَافَهُ قَفْوًا وَقِيَافَةً وَالْجَمْعُ الْقَافَةُ، كَذَا وَقَعَ فِي الْغَرِيبَيْنِ وَالنِّهَايَةِ.
قوله: في الطرق الثانية: عن الزهري في رواية الحميدي عن سفيان، حدثنا الزهري، أخرجه أبو نعيم.
قَوْلُهُ: (دَخَلَ عَلَيَّ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ أَلَمْ تَرَيْ إِلَى مُجَزِّزٍ)
فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا وَالْمُرَادُ مِنَ الرُّؤْيَةِ هُنَا الْإِخْبَارُ أَوِ الْعِلْمُ، وَمَضَى فِي مَنَاقِبِ زَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ الْمُدْلِجِيُّ وَمَضَى فِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ: دَخَلَ عَلَيَّ قَائِفٌ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ فَسُرَّ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَعْجَبَهُ وَأَخْبَرَ بِهِ عَائِشَةَ.
وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: وَكَانَ مُجَزِّزٌ قَائِفًا وَمُجَزِّزٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الزَّايِ الثَّقِيلَةِ وَحُكِيَ فَتْحُهَا وَبَعْدَهَا زَايٌ أُخْرَى، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ثُمَّ زَايٍ، وَهُوَ ابْنُ الْأَعْوَرِ بْنِ جَعْدَةَ الْمُدْلِجِيُّ نِسْبَةٌ إِلَى مُدْلِجِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ كِنَانَةَ، وَكَانَتِ الْقِيَافَةُ فِيهِمْ وَفِي بَنِي أَسَدٍ، وَالْعَرَبُ تَعْتَرِفُ لَهُمْ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ خَاصًّا بِهِمْ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقَدْ أَخْرَجَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ فِي الْفَرَائِضِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ قَائِفًا أَوْرَدَهُ فِي قِصَّتِهِ، وَعُمَرُ قُرَشِيٌّ لَيْسَ مُدْلِجِيًّا وَلَا أَسَدِيًّا لَا أَسَدَ قُرَيْشٍ، وَلَا أَسَدَ خُزَيْمَةَ، وَمُجَزِّزٌ الْمَذْكُورُ هُوَ وَالِدُ عَلْقَمَةَ بْنِ مُجَزِّزٍ الْمَاضِي ذِكْرُهُ فِي بَابِ سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ مِنَ الْمَغَازِي، وَذَكَرَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ، وَالْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ سُمِّيَ مُجَزِّزًا لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا أَخَذَ أَسِيرًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ جَزَّ نَاصِيَتَهُ وَأَطْلَقَهُ، وَهَذَا يَدْفَعُ فَتْحَ الزَّايِ الْأُولَى مِنِ اسْمِهِ، وَعَلَى هَذَا فَكَانَ لَهُ اسْمٌ غَيْرُ مُجَزِّزٍ. لَكِنِّي لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ.
وَكَانَ مُجَزِّزٌ عَارِفًا بِالْقِيَافَةِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ فِيمَنْ شَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ لَهُ رِوَايَةً.
قَوْلُهُ: (نَظَرَ آنِفًا) بِالْمَدِّ وَيَجُوزُ الْقَصْرُ أَيْ قَرِيبًا أَوْ أَقْرَبَ وَقْتٍ.
قَوْلُهُ: (إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا دَخَلَ عَلَيَّ فَرَأَى أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَزَيْدًا وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ: وَأُسَامَةُ، وَزَيْدٌ مُضْطَجِعَانِ، وَفِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ دَفْعُ تَوَهُّمِ مَنْ يَقُولُ: لَعَلَّهُ حَابَاهُمَا بِذَلِكَ لِمَا عُرِفَ مِنْ كَوْنِهِمْ كَانُوا يَطْعَنُونَ فِي أُسَامَةَ.
قَوْلُهُ: (بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: لَمِنْ بَعْضٍ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: نَقَلَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ أَهْلِ النَّسَبِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَقْدَحُونَ فِي نَسَبِ أُسَامَةَ لِأَنَّهُ كَانَ أَسْوَدَ شَدِيدَ السَّوَادِ، وَكَانَ أَبُوهُ زَيْدٌ أَبْيَضَ مِنَ الْقُطْنِ، فَلَمَّا قَالَ الْقَائِفُ مَا قَالَ مَعَ اخْتِلَافِ اللَّوْنِ سُرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ كَافًّا لَهُمْ عَنِ الطَّعْنِ فِيهِ لِاعْتِقَادِهِمْ ذَلِكَ.
وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ، أَنَّ أُمَّ أُسَامَةَ - وَهِيَ أُمُّ أَيْمَنَ مَوْلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ سَوْدَاءَ فَلِهَذَا جَاءَ أُسَامَةُ أَسْوَدَ، وَقَدْ وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أُمَّ أَيْمَنَ كَانَتْ حَبَشِيَّةً وَصِيفَةً لِعَبْدِ اللَّهِ وَالِدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَيُقَالُ كَانَتْ مِنْ سَبْيِ الْحَبَشَةِ الَّذِينَ قَدِمُوا زَمَنَ الْفِيلِ، فَصَارَتْ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَوَهَبَهَا لِعَبْدِ اللَّهِ، وَتَزَوَّجَتْ قَبْلَ زَيْدٍ، عُبَيْدًا الْحَبَشِيَّ، فَوَلَدَتْ لَهُ أَيْمَنَ، فَكُنِيَتْ بِهِ وَاشْتَهَرَتْ بِذَلِكَ، وَكَانَ يُقَالُ لَهَا أُمُّ الظِّبَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهَا ذِكْرٌ فِي أَوَاخِرِ الْهِبَةِ.
قَالَ عِيَاضٌ: لَوْ صَحَّ أَنَّ أُمَّ أَيْمَنَ كَانَتْ سَوْدَاءَ لَمْ يُنْكِرُوا سَوَادَ ابْنِهَا أُسَامَةَ؛ لِأَنَّ السَّوْدَاءَ قَدْ تَلِدُ مِنَ الْأَبْيَضِ أَسْوَدَ.
قُلْتُ: يَحْتَمِلُ أَنَّهَا كَانَتْ صَافِيَةً فَجَاءَ أُسَامَةُ شَدِيدَ السَّوَادِ فَوَقَعَ الْإِنْكَارُ لِذَلِكَ، وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمُنْتَقِبَةِ وَالِاكْتِفَاءِ بِمَعْرِفَتِهَا مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةِ الْوَجْهِ، وَجَوَازُ اضْطِجَاعِ الرَّجُلِ مَعَ وَلَدِهِ فِي شِعَارٍ وَاحِدٍ، وَقَبُولُ شَهَادَةِ مَنْ يَشْهَدُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ عِنْدَ عَدَمِ التُّهْمَةِ، وَسُرُورُ الْحَاكِمِ لِظُهُورِ الْحَقِّ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ عِنْدَ السَّلَامَةِ مِنَ الْهَوَى، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ إِذَا عَرَّضَ بِنَفْيِ الْوَلَدِ مِنْ كِتَابِ اللِّعَانِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الَّذِي قَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ، وَفِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ وَمَضَى شَرْحُهُ هُنَاكَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(تَنْبِيهٌ):
وَجْهُ إِدْخَالِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقَائِفَ لَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ، فَإِنَّ مَنِ اعْتَبَرَ قَوْلَهُ فَعَمِلَ بِهِ لَزِمَ مِنْهُ حُصُولُ التَّوَارُثِ بَيْنَ الْمُلْحَقِ وَالْمُلْحَقِ بِهِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٧٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ، إمام المصريِّين (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيَّ) بتشديد الياء، البيت حالَ كونه (مَسْرُورًا) حالَ كونه (تَبْرُقُ): تضيءُ وتستنيرُ من السُّرور (أَسَارِيرُ وَجْهِهِ) وهي الخطوطُ الَّتي في الجبهة (١)، واحدُها: سِرٌّ وسَرَرٌ، وجمعُها: أَسْرَار وأسِرَّة، وجمع الجمع: أَسَارير (فَقَالَ) ﷺ: (أَلَمْ تَرَيْ) حرف جزمٍ، ومعها (٢) همزة التَّقرير، و «تَرَي» مجزومٌ به بحذفِ النون، والرُّؤية علميَّة، وسدَّتْ «أنَّ» في قوله: (أَنَّ مُجَزَِّزًا) مسدَّ مفعوليها، ولذا فتحت «أنَّ» و «مُجَزَِّزًا» بضم الميم وفتح الجيم وكسر الزاي الأولى المشدَّدة وتفتح، اسم «إنَّ» وسمِّي مجزِّزًا؛ لأنَّه كان يجزُّ ناصية الأسيرِ في زمن الجاهليَّة ويطلقه، وهو ابنُ الأعور بنِ جَعْدة المُدْلِجِيُّ (نَظَرَ آنِفًا) خبر «أنَّ» و «آنفًا» بالمدِّ ويُقصر، ظرف زمان، أي: السَّاعة (إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ (٣)) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «لمن» (بَعْضٍ) أي: لكائنة من بعضٍ، أو مخلوقةٌ من بعضٍ، كقوله تعالى: ﴿بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢٥] أي: مخلوقون من بعضٍ، وسبب سرورهِ ﵊ أنَّ الجاهليَّة كانت تقدحُ في نسبِ أسامة؛ لكونهِ أسودَ شديدَ السَّواد لكون أمِّه كانَت سوداء وزيدٌ أبيضُ من القطنِ، فلمَّا قال مجزِّزٌ ما قالَ مع اختلاف اللَّون سُرَّ ﷺ بذلك لكونهَ كافًّا لهم عن الطَّعن فيه لاعتقادِهم ذلك.