الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٨٩١
الحديث رقم ٦٨٩١ من كتاب «كتاب الديات» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب إذا قتل نفسه خطأ فلا دية له.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗٨⦘
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ، فَقَالَ: كَذَبَ مَنْ قَالَهَا، إِنَّ لَهُ لَأَجْرَيْنِ اثْنَيْنِ، إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ، وَأَيُّ قَتْلٍ يَزِيدُهُ عَلَيْهِ.»
بَابٌ: إِذَا عَضَّ رَجُلًا فَوَقَعَتْ ثَنَايَاهُ
٦٨٩١ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ قَتْلِ الْيَمَانِ وَالِدِ حُذَيْفَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَرِيبًا.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اخْتَلَفَ عَلِيٌّ، وَعُمَرُ هَلْ تَجِبُ دِيَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ أَوْ لَا؟ وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ أَيْ بِالْوُجُوبِ، وَتَوْجِيهُهُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ مَاتَ بِفِعْلِ قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَوَجَبَتْ دِيَتُهُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.
قُلْتُ: وَلَعَلَّ حُجَّتَهُ مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ قِصَّةِ حُذَيْفَةَ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ أَنَّ وَالِدَ حُذَيْفَةَ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، قَتَلَهُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ مَعَ إِرْسَالِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ شَاهِدٌ مُرْسَلٌ أَيْضًا فِي بَابِ الْعَفْوِ عَنِ الْخَطَأ، وَرَوَى مُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ مَذْكُورٍ أَنَّ رَجُلًا زُحِمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَمَاتَ فَوَدَاهُ عَلِيٌّ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ مَذَاهِبُ أُخْرَى مِنْهَا قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: إِنَّ دِيَتَهُ تَجِبُ عَلَى جَمِيعِ مَنْ حَضَرَ وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَتَوْجِيهُهُ أَنَّهُ مَاتَ بِفِعْلِهِمْ فَلَا يَتَعَدَّاهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ.
وَمِنْهَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ أنَّهُ يُقَالُ لِوَلِيِّهِ: ادَّعِ عَلَى مَنْ شِئْتَ وَاحْلِفْ فَإِنْ حَلَفْتَ اسْتَحْقَقْتَ الدِّيَةَ، وَإِنْ نَكَلْتَ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى النَّفْيِ وَسَقَطَتِ الْمُطَالَبَةُ، وَتَوْجِيهُهُ أَنَّ الدَّمَ لَا يَجِبُ إِلَّا بِالطَّلَبِ. وَمِنْهَا قَوْلُ مَالِكٍ: دَمُهُ هَدَرٌ، وَتَوْجِيهُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُعْلَمْ قَاتِلُهُ بِعَيْنِهِ اسْتَحَالَ أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ أَحَدٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى الرَّاجِحِ مِنْ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ فِي بَابِ الْعَفْوِ عَنِ الْخَطَأ.
قَوْلُهُ: (قَالَ هِشَامٌ أَخْبَرَنَا) مِنْ تَقْدِيمِ اسْمِ الرَّاوِي عَلَى الصِّيغَةِ وَهُوَ جَائِزٌ، وَهِشَامٌ الْمَذْكُورُ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ.
قَوْلُهُ: (فَنَظَرَ حُذَيْفَةُ فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ الْيَمَانِ) تَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَقَوْلُهُ: قَالَ عُرْوَةُ هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، وَقَوْلُهُ: فَمَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ مِنْهُ أَيْ مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَهُوَ الْعَفْوُ، ومِنْ سَبَبِيَّةٌ وَتَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ أَيْضًا.
١٧ - بَاب إِذَا قَتَلَ نَفْسَهُ خَطَأً فَلَا دِيَةَ لَهُ
٦٨٩١ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَسْمِعْنَا يَا عَامِرُ مِنْ هُنَياتِكَ، فَحَدَا بِهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ السَّائِقُ؟ قَالُوا: عَامِرٌ، فَقَالَ: ﵀، فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَلَّا أَمْتَعْتَنَا بِهِ؟ فَأُصِيبَ صَبِيحَةَ لَيْلَتِهِ، فَقَالَ الْقَوْمُ: حَبِطَ عَمَلُهُ؛ قَتَلَ نَفْسَهُ، فَلَمَّا رَجَعْتُ وَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ، فَجِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ، فَقَالَ: كَذَبَ مَنْ قَالَهَا، إِنَّ لَهُ لَأَجْرَيْنِ اثْنَيْنِ، إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ، وَأَيُّ قَتْلٍ يَزِيدُهُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (إِذَا قَتَلَ نَفْسَهُ خَطَأً فَلَا دِيَةَ لَهُ) قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: قُلْتُ: وَلَا إِذَا قَتَلَهَا عَمْدًا، يَعْنِي أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ خَطَأً وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْبَخُارِيَّ إِنَّمَا قَيَّدَ بِالْخَطَأ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْخِلَافِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: تَجِبُ دَيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، فَإِنْ عَاشَ فَهِيَ لَهُ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ مَاتَ فَهِيَ لِوَرَثَتِهِ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ، وَقِصَّةُ عَامِرٍ هَذِهِ حُجَّةٌ لَهُمْ؛ إِذْ لَمْ يَنْقِلْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْجَبَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ لَهُ شَيْئًا، وَلَوْ وَجَبَ لَبَيَّنَهَا؛ إِذْ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ طَرَفًا مِنْ أَطْرَافِهِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً لَا يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: (عَنْ سَلَمَةَ) هُوَ ابْنُ الْأَكْوَعِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ هُنَيَّاتِكَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَ النُّونِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي بِحَذْفِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي، وَعَامِرٌ هُوَ ابْنُ الْأَكْوَعِ فَهُوَ أَخُو سَلَمَةَ وَقِيلَ عَمُّهُ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٨٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظليُّ البلخيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) بضم العين، مولى سلمة بن الأكوع (عَنْ) مولاه (سَلَمَةَ) بن الأكوع أبي مسلم، واسم الأكوع سنان بن عبد الله (١) ﵁ أنَّه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ) قرية كانت لليهودِ على نحو أربع مراحلَ من المدينة (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ) هو: أسيدُ بن حُضير: (أَسْمِعْنَا) بكسر الميم (يَا عَامِرُ) هو: ابنُ سنان، عمُّ سلمة بن الأكوع (٢) (مِنْ هُنَيْهَاتِكَ) بضم الهاء وفتح النون وسكون التحتية بعدها هاء فألف ففوقية فكاف، أراجيزكَ، ولابن عساكرَ وأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «من هنيَّاتك» بتحتية مشددة بدل الهاء الثانية، تصغير هناتك، واحدة: هناة، وتقلبُ الياء هاء كما في الرِّواية الأولى (فَحَدَا) عامرٌ (بِهِمْ) أي: ساقَهم منشدًا للأراجيز، يقول: اللَّهمَّ لولا أنتَ ما اهتدينَا، إلى آخر الأبيات.
(فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنِ السَّائِقُ؟ قَالُوا): هو (عَامِرٌ، فَقَالَ) ﷺ: ﵀، فَقَالُوا (٣): يَا رَسُولَ اللهِ هَلَّا أَمْتَعْتَنَا بِهِ؟) بهمزة مفتوحة وسكون الميم، بحياة عامر قبل إسراعِ الموت له؛ لأنَّه ﷺ ما قال مثلَ ذلك لأحدٍ ولا استغفرَ لإنسانٍ قطُّ يخصُّه بالاستغفارِ عند القتال إلَّا استشهد، وفي غزوة خيبر [خ¦٤١٩٦]: قال رجلٌ من القومِ: وجبتْ يا نبيَّ الله لولا أمتعتنَا به، ووقع في مسلم: أنَّ هذا الرَّجل هو عمر بن الخطَّاب (فَأُصِيبَ) عامر (صَبِيحَةَ لَيْلَتِهِ) تلك، وذلك أنَّ سيفه كان قصيرًا فتناول به يهوديًا ليضربه، فرجع ذبابه فأصابَ ركبتَه، ولم يذكرْ في هذه الطَّريق كيفيَّة قتله على عادته ﵀ في ذكر التَّرجمة بالحكم، ويكون قد أوردَ ما يدلُّ على ذلك صريحًا في مكانٍ آخر حرصًا على عدم التِّكرار بغير فائدةٍ، وليبعث الطَّالب على تتبُّع طرقِ الحديث، والاستكثارِ منها ليتمكَّن من الاستنباط (فَقَالَ القَوْمُ) ومنهم أسيدُ بن حُضير، كما عند المؤلِّف في «الأدب» [خ¦٦١٤٨]
(حَبِطَ عَمَلُهُ) بكسر الموحدة، أي: بطل؛ لأنَّه (قَتَلَ نَفْسَهُ، فَلَمَّا رَجَعْتُ وَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ). قال سلمة: (فَجِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «يا رسول الله» (فَدَاكَ) بفتح الفاء (أَبِي وَأُمِّي، زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ، فَقَالَ) ﷺ (كَذَبَ مَنْ قَالَها) أي: كلمة: حبط عملهُ (إِنَّ لَهُ لأَجْرَيْنِ) أجر الجهد في الطَّاعة، وأجر الجهاد في سبيلِ الله، واللام في «لأجرين» للتَّأكيد (اثْنَيْنِ) تأكيدٌ «لأجرين» (إِنَّهُ لَجَاهِدٌ) مرتكبٌ للمشقَّة في الخير (مُجَاهِدٌ) في سبيل الله ﷿ (وَأَيُّ قَتْلٍ) بفتح القاف وسكون الفوقية (يَزِيدُهُ عَلَيْهِ) أي: يزيدُ الأجرَ على أجرهِ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وأيُّ قتيلٍ» بكسر الفوقية وزيادةِ تحتيَّة ساكنة «يزيدُ عليه» بإسقاط الهاء من يزيده، وللأَصيليِّ: «وأيُّ قتيلٍ يزيدهُ».
وهذا الحديث حجَّةٌ للجمهور أنَّ من قتل نفسه لا يجبُ فيه شيءٌ؛ إذ لم ينقلْ أنَّه ﷺ أوجبَ في هذه القصَّةِ شيئًا. وقال الكِرْمانيُّ: والظَّاهر أنَّ قوله -أي: في التَّرجمة-: «فلا ديةَ له»، لا وجهَ له، وموضعُه اللَّائق به التَّرجمة السَّابقة، أي: إذا ماتَ في الزِّحام فلا دية له على المزاحمين؛ لظهور أنَّ قاتل نفسهِ لا ديةَ له، ولعلَّه من تصرُّفات النَّقلة عن نسخةِ الأصل.
وهذا الحديثُ هو التَّاسع عشر من ثلاثيات البخاريِّ، وسبقَ في «المغازي» [خ¦٤١٩٦] و «الأدب» [خ¦٦١٤٨] و «المظالم» [خ¦٢٤٧٧] و «الذَّبائح» [خ¦٥٤٩٧] و «الدَّعوات» (١) [خ¦٦٣٣١]، وأخرجه مسلمٌ وابن ماجه.
(١٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا عَضَّ) رجلٌ (رَجُلًا فَوَقَعَتْ ثَنَايَاهُ) ثنايا العاضِّ.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ قَتْلِ الْيَمَانِ وَالِدِ حُذَيْفَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَرِيبًا.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اخْتَلَفَ عَلِيٌّ، وَعُمَرُ هَلْ تَجِبُ دِيَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ أَوْ لَا؟ وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ أَيْ بِالْوُجُوبِ، وَتَوْجِيهُهُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ مَاتَ بِفِعْلِ قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَوَجَبَتْ دِيَتُهُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.
قُلْتُ: وَلَعَلَّ حُجَّتَهُ مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ قِصَّةِ حُذَيْفَةَ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ أَنَّ وَالِدَ حُذَيْفَةَ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، قَتَلَهُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ مَعَ إِرْسَالِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ شَاهِدٌ مُرْسَلٌ أَيْضًا فِي بَابِ الْعَفْوِ عَنِ الْخَطَأ، وَرَوَى مُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ مَذْكُورٍ أَنَّ رَجُلًا زُحِمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَمَاتَ فَوَدَاهُ عَلِيٌّ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ مَذَاهِبُ أُخْرَى مِنْهَا قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: إِنَّ دِيَتَهُ تَجِبُ عَلَى جَمِيعِ مَنْ حَضَرَ وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَتَوْجِيهُهُ أَنَّهُ مَاتَ بِفِعْلِهِمْ فَلَا يَتَعَدَّاهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ.
وَمِنْهَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ أنَّهُ يُقَالُ لِوَلِيِّهِ: ادَّعِ عَلَى مَنْ شِئْتَ وَاحْلِفْ فَإِنْ حَلَفْتَ اسْتَحْقَقْتَ الدِّيَةَ، وَإِنْ نَكَلْتَ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى النَّفْيِ وَسَقَطَتِ الْمُطَالَبَةُ، وَتَوْجِيهُهُ أَنَّ الدَّمَ لَا يَجِبُ إِلَّا بِالطَّلَبِ. وَمِنْهَا قَوْلُ مَالِكٍ: دَمُهُ هَدَرٌ، وَتَوْجِيهُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُعْلَمْ قَاتِلُهُ بِعَيْنِهِ اسْتَحَالَ أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ أَحَدٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى الرَّاجِحِ مِنْ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ فِي بَابِ الْعَفْوِ عَنِ الْخَطَأ.
قَوْلُهُ: (قَالَ هِشَامٌ أَخْبَرَنَا) مِنْ تَقْدِيمِ اسْمِ الرَّاوِي عَلَى الصِّيغَةِ وَهُوَ جَائِزٌ، وَهِشَامٌ الْمَذْكُورُ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ.
قَوْلُهُ: (فَنَظَرَ حُذَيْفَةُ فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ الْيَمَانِ) تَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَقَوْلُهُ: قَالَ عُرْوَةُ هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، وَقَوْلُهُ: فَمَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ مِنْهُ أَيْ مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَهُوَ الْعَفْوُ، ومِنْ سَبَبِيَّةٌ وَتَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ أَيْضًا.
١٧ - بَاب إِذَا قَتَلَ نَفْسَهُ خَطَأً فَلَا دِيَةَ لَهُ
٦٨٩١ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَسْمِعْنَا يَا عَامِرُ مِنْ هُنَياتِكَ، فَحَدَا بِهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ السَّائِقُ؟ قَالُوا: عَامِرٌ، فَقَالَ: ﵀، فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَلَّا أَمْتَعْتَنَا بِهِ؟ فَأُصِيبَ صَبِيحَةَ لَيْلَتِهِ، فَقَالَ الْقَوْمُ: حَبِطَ عَمَلُهُ؛ قَتَلَ نَفْسَهُ، فَلَمَّا رَجَعْتُ وَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ، فَجِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ، فَقَالَ: كَذَبَ مَنْ قَالَهَا، إِنَّ لَهُ لَأَجْرَيْنِ اثْنَيْنِ، إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ، وَأَيُّ قَتْلٍ يَزِيدُهُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (إِذَا قَتَلَ نَفْسَهُ خَطَأً فَلَا دِيَةَ لَهُ) قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: قُلْتُ: وَلَا إِذَا قَتَلَهَا عَمْدًا، يَعْنِي أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ خَطَأً وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْبَخُارِيَّ إِنَّمَا قَيَّدَ بِالْخَطَأ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْخِلَافِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: تَجِبُ دَيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، فَإِنْ عَاشَ فَهِيَ لَهُ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ مَاتَ فَهِيَ لِوَرَثَتِهِ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ، وَقِصَّةُ عَامِرٍ هَذِهِ حُجَّةٌ لَهُمْ؛ إِذْ لَمْ يَنْقِلْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْجَبَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ لَهُ شَيْئًا، وَلَوْ وَجَبَ لَبَيَّنَهَا؛ إِذْ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ طَرَفًا مِنْ أَطْرَافِهِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً لَا يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: (عَنْ سَلَمَةَ) هُوَ ابْنُ الْأَكْوَعِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ هُنَيَّاتِكَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَ النُّونِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي بِحَذْفِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي، وَعَامِرٌ هُوَ ابْنُ الْأَكْوَعِ فَهُوَ أَخُو سَلَمَةَ وَقِيلَ عَمُّهُ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٨٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظليُّ البلخيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) بضم العين، مولى سلمة بن الأكوع (عَنْ) مولاه (سَلَمَةَ) بن الأكوع أبي مسلم، واسم الأكوع سنان بن عبد الله (١) ﵁ أنَّه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ) قرية كانت لليهودِ على نحو أربع مراحلَ من المدينة (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ) هو: أسيدُ بن حُضير: (أَسْمِعْنَا) بكسر الميم (يَا عَامِرُ) هو: ابنُ سنان، عمُّ سلمة بن الأكوع (٢) (مِنْ هُنَيْهَاتِكَ) بضم الهاء وفتح النون وسكون التحتية بعدها هاء فألف ففوقية فكاف، أراجيزكَ، ولابن عساكرَ وأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «من هنيَّاتك» بتحتية مشددة بدل الهاء الثانية، تصغير هناتك، واحدة: هناة، وتقلبُ الياء هاء كما في الرِّواية الأولى (فَحَدَا) عامرٌ (بِهِمْ) أي: ساقَهم منشدًا للأراجيز، يقول: اللَّهمَّ لولا أنتَ ما اهتدينَا، إلى آخر الأبيات.
(فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنِ السَّائِقُ؟ قَالُوا): هو (عَامِرٌ، فَقَالَ) ﷺ: ﵀، فَقَالُوا (٣): يَا رَسُولَ اللهِ هَلَّا أَمْتَعْتَنَا بِهِ؟) بهمزة مفتوحة وسكون الميم، بحياة عامر قبل إسراعِ الموت له؛ لأنَّه ﷺ ما قال مثلَ ذلك لأحدٍ ولا استغفرَ لإنسانٍ قطُّ يخصُّه بالاستغفارِ عند القتال إلَّا استشهد، وفي غزوة خيبر [خ¦٤١٩٦]: قال رجلٌ من القومِ: وجبتْ يا نبيَّ الله لولا أمتعتنَا به، ووقع في مسلم: أنَّ هذا الرَّجل هو عمر بن الخطَّاب (فَأُصِيبَ) عامر (صَبِيحَةَ لَيْلَتِهِ) تلك، وذلك أنَّ سيفه كان قصيرًا فتناول به يهوديًا ليضربه، فرجع ذبابه فأصابَ ركبتَه، ولم يذكرْ في هذه الطَّريق كيفيَّة قتله على عادته ﵀ في ذكر التَّرجمة بالحكم، ويكون قد أوردَ ما يدلُّ على ذلك صريحًا في مكانٍ آخر حرصًا على عدم التِّكرار بغير فائدةٍ، وليبعث الطَّالب على تتبُّع طرقِ الحديث، والاستكثارِ منها ليتمكَّن من الاستنباط (فَقَالَ القَوْمُ) ومنهم أسيدُ بن حُضير، كما عند المؤلِّف في «الأدب» [خ¦٦١٤٨]
(حَبِطَ عَمَلُهُ) بكسر الموحدة، أي: بطل؛ لأنَّه (قَتَلَ نَفْسَهُ، فَلَمَّا رَجَعْتُ وَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ). قال سلمة: (فَجِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «يا رسول الله» (فَدَاكَ) بفتح الفاء (أَبِي وَأُمِّي، زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ، فَقَالَ) ﷺ (كَذَبَ مَنْ قَالَها) أي: كلمة: حبط عملهُ (إِنَّ لَهُ لأَجْرَيْنِ) أجر الجهد في الطَّاعة، وأجر الجهاد في سبيلِ الله، واللام في «لأجرين» للتَّأكيد (اثْنَيْنِ) تأكيدٌ «لأجرين» (إِنَّهُ لَجَاهِدٌ) مرتكبٌ للمشقَّة في الخير (مُجَاهِدٌ) في سبيل الله ﷿ (وَأَيُّ قَتْلٍ) بفتح القاف وسكون الفوقية (يَزِيدُهُ عَلَيْهِ) أي: يزيدُ الأجرَ على أجرهِ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وأيُّ قتيلٍ» بكسر الفوقية وزيادةِ تحتيَّة ساكنة «يزيدُ عليه» بإسقاط الهاء من يزيده، وللأَصيليِّ: «وأيُّ قتيلٍ يزيدهُ».
وهذا الحديث حجَّةٌ للجمهور أنَّ من قتل نفسه لا يجبُ فيه شيءٌ؛ إذ لم ينقلْ أنَّه ﷺ أوجبَ في هذه القصَّةِ شيئًا. وقال الكِرْمانيُّ: والظَّاهر أنَّ قوله -أي: في التَّرجمة-: «فلا ديةَ له»، لا وجهَ له، وموضعُه اللَّائق به التَّرجمة السَّابقة، أي: إذا ماتَ في الزِّحام فلا دية له على المزاحمين؛ لظهور أنَّ قاتل نفسهِ لا ديةَ له، ولعلَّه من تصرُّفات النَّقلة عن نسخةِ الأصل.
وهذا الحديثُ هو التَّاسع عشر من ثلاثيات البخاريِّ، وسبقَ في «المغازي» [خ¦٤١٩٦] و «الأدب» [خ¦٦١٤٨] و «المظالم» [خ¦٢٤٧٧] و «الذَّبائح» [خ¦٥٤٩٧] و «الدَّعوات» (١) [خ¦٦٣٣١]، وأخرجه مسلمٌ وابن ماجه.
(١٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا عَضَّ) رجلٌ (رَجُلًا فَوَقَعَتْ ثَنَايَاهُ) ثنايا العاضِّ.