«بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٨

الحديث رقم ٨ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب دعاؤكم إيمانكم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا…

«بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ».

سند حديث: ٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى…

٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا…

شَبَّهَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الإسلامَ بِبِناءٍ مُحْكَمٍ بأركانه الخمسة الحاملة لذلك البُنيان، وبقية خصال الإسلام كتتمة البنيان، وأولُ هذه الأركان: الشهادتان؛ شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وهما ركن واحد؛ لا تنفك إحداهما عن الأخرى، ينطق العبد بهما معترفًا بوحدانية الله واستحقاقه للعبادة وحده دون ما سواه، وعاملًا بمقتضاها، ومؤمنًا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم مُتَّبِعًا له. والركن الثاني: إقامة الصلاة، وهي الصلوات الخمس المفروضات في اليوم والليلة: الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، بشروطها وأركانها وواجباتها. والركن الثالث: إخراج الزكاة المفروضة، وهي عبادة ماليَّة واجبة في كل مال بَلَغَ قَدْرًا مُحَدّدًا في الشرع، تُعطى لمستحقيها. والركن الرابع: الحج، وهو قَصْدُ مكة لإقامة المَناسك، تَعبُّدًا لله عز وجل. والركن الخامس: صوم رمضان، وهو الإمساك عن الأكل والشرب وغيرهما من المفطرات بِنِيَّةِ التعبُّد لله، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • تلازم الشهادتين، فلا تصح أحدهما إلا بالأخرى؛ لذا جعلهما ركنًا واحدًا.
  • الشهادتان هما أساس الدين، فلا يُقبل قولٌ ولا عملٌ إلا بهما.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَالشَّرِيعَةُ بِمَعْنًى، وَقَدْ شَرَعَ أَيْ: سَنَّ، فَعَلَى هَذَا فِيهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ غَيْرُ مُرَتَّبٍ.

فَإِنْ قِيلَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى الِاخْتِلَافِ وَالَّذِي قَبْلَهُ عَلَى الِاتِّحَادِ، أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَلَيْسَ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ فِيهِ اخْتِلَافٌ، وَهَذَا فِي الْفُرُوعِ وَهُوَ الَّذِي يَدْخُلُهُ النَّسْخُ.

٢ - باب دُعَاؤُكُمْ إِيمَانُكُمْ

٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ.

[الحديث ٨ - طرفه في: ٤٥١٥]

قَوْلُهُ: ﴿دُعَاؤُكُمْ﴾ إِيمَانُكُمْ) قَالَ النَّوَوِيُّ: يَقَعُ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ هُنَا بَابٌ، وَهُوَ غَلَطٌ فَاحِشٌ وَصَوَابُهُ بِحَذْفِهِ، وَلَا يَصِحُّ إِدْخَالُ بَابِ هُنَا إِذْ لَا تَعَلُّقَ لَهُ هُنَا. قُلْتُ: ثَبَتَ بَابٌ فِي كَثِيرٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ الْمُتَّصِلَةِ، مِنْهَا رِوَايَةُ أَبِي ذَرٍّ، وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ، لَكِنْ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: إِنَّهُ وَقَفَ عَلَى نُسْخَةٍ مَسْمُوعَةٍ عَلَى الْفَرَبْرِيِّ بِحَذْفِهِ، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: ﴿دُعَاؤُكُمْ﴾ إِيمَانُكُمْ. مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَطَفَهُ عَلَى مَا قَبْلِهِ كَعَادَتِهِ فِي حَذْفِ أَدَاةِ الْعَطْفِ حَيْثُ يُنْقَلُ التَّفْسِيرُ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ قَالَ يَقُولُ: لَوْلَا إِيمَانُكُمْ. أَخْبَرَ اللَّهُ الْكُفَّارَ أَنَّهُ لَا يَعْبَأُ بِهِمْ، وَلَوْلَا إِيمَانُ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَعْبَأْ بِهِمْ أَيْضًا. وَوَجْهُ الدِّلَالَةِ لِلْمُصَنِّفِ أَنَّ الدُّعَاءَ عَمَلٌ وَقَدْ أَطْلَقَهُ عَلَى الْإِيمَانِ فَيَصِحُّ إِطْلَاقُ أَنَّ الْإِيمَانَ عَمَلٌ، وَهَذَا عَلَى تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الدُّعَاءُ هنا مَصْدَرٌ مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ، وَالْمُرَادُ دُعَاءُ الرُّسُلِ الْخَلْقَ إِلَى الْإِيمَانِ، فَالْمَعْنَى لَيْسَ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ عُذْرٌ إِلَّا أَنْ يَدْعُوَكُمُ الرَّسُولُ فَيُؤْمِنُ مَنْ آمَنَ وَيَكْفُرُ مَنْ كَفَرَ، ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ أَنْتُمْ ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ﴾ الْعَذَابُ لَازِمًا لَكُمْ. وَقِيلَ: مَعْنَى الدُّعَاءِ هُنَا الطَّاعَةُ.

وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنُ بَشِيرٍ أَنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ.

قَوْلُهُ: (حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) هُوَ قُرَشِيٌّ مَكِّيٌّ مِنْ ذُرِّيَّةِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ الْجُمَحِيِّ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ هُوَ ابْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، وَهُوَ ثِقَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي طَبَقَتِهِ عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَلَمْ يُخَرِّجْ لَهُ الْبُخَارِيُّ، نَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِشِدَّةِ الْتِبَاسِهِ، وَيَفْتَرِقَانِ بِشُيُوخِهِمَا، وَلَمْ يُرْوَ الضَّعِيفُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ حَنْظَلَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ بْنَ خَالِدٍ يُحَدِّثُ طَاوُسًا أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَلَا تَغْزُو؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ. . . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

(فَائِدَةٌ): اسْمُ الرَّجُلِ السَّائِلِ حَكِيمٌ، ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ.

قَوْلُهُ: (عَلَى خَمْسٍ) أَيْ: دَعَائِمَ. وَصَرَّحَ بِهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي رِوَايَتِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَلَى خَمْسَةٍ أَيْ: أَرْكَانٍ. فَإِنْ قِيلَ الْأَرْبَعَةُ الْمَذْكُورَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الشَّهَادَةِ إِذْ لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا إِلَّا بَعْدَ وُجُودِهَا فَكَيْفَ يُضَمُّ مَبْنِيٌّ إِلَى مَبْنِيٍّ عَلَيْهِ فِي مُسَمًّى وَاحِدٍ؟ أُجِيبَ بِجَوَازِ ابْتِنَاءِ أَمْرٍ عَلَى أَمْرٍ يَنْبَنِي عَلَى الْأَمْرَيْنِ أَمْرٌ آخَرُ. فَإِنْ قِيلَ: الْمَبْنِيُّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ، أُجِيبَ: بِأَنَّ الْمَجْمُوعَ غَيْرٌ مِنْ حَيْثُ الِانْفِرَادِ، عَيْنٌ مِنْ حَيْثُ الْجَمْعِ. وَمِثَالُهُ الْبَيْتُ مِنِ الشِّعْرِ

يُجْعَلُ عَلَى خَمْسَةِ أَعْمِدَةٍ … أَحَدُهَا أَوْسَطُ وَالْبَقِيَّةُ أَرْكَانٌ

فَمَا دَامَ الْأَوْسَطُ قَائِمًا فَمُسَمَّى الْبَيْتِ مَوْجُودٌ وَلَوْ سَقَطَ مَهْمَا سَقَطَ مِنَ الْأَرْكَانِ، فَإِذَا سَقَطَ الْأَوْسَطُ سَقَطَ مُسَمَّى الْبَيْتِ، فَالْبَيْتُ بِالنَّظَرِ إِلَى مَجْمُوعِهِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَبِالنَّظَرِ إِلَى أَفْرَادِهِ أَشْيَاءُ. وَأَيْضًا فَبِالنَّظَرِ إِلَى أُسِّهِ وَأَرْكَانِهِ، الْأُسُّ أَصْلٌ، وَالْأَرْكَانُ تَبَعٌ وَتَكْمِلَةٌ.

(تَنْبِيهَاتٌ): أَحَدُهَا: لَمْ يُذْكَرِ الْجِهَادَ ; لِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَلَا يَتَعَيَّنُ إِلَّا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ،

وَلِهَذَا جَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ جَوَابَ السَّائِلِ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي آخِرِهِ: وَإِنَّ الْجِهَادَ مِنَ الْعَمَلِ الْحَسَنِ. وَأَغْرَبَ ابْنُ بَطَّالٍ فَزَعَمَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ كَانَ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ قَبْلَ فَرْضِ الْجِهَادِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ هُوَ خَطَأٌ ; لِأَنَّ فَرْضَ الْجِهَادِ كَانَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَبَدْرٌ كَانَتْ فِي رَمَضَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، وَفِيهَا فُرِضَ الصِّيَامُ وَالزَّكَاةُ بَعْدَ ذَلِكَ وَالْحَجُّ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ.

ثَانِيهَا: قَوْلُهُ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا بَعْدَهَا مَخْفُوضٌ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ خَمْسٍ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى حَذْفِ الْخَبَرِ، وَالتَّقْدِيرُ مِنْهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. أَوْ عَلَى حَذْفِ الْمُبْتَدَأِ، وَالتَّقْدِيرُ أَحَدُهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يَذْكُرِ الْإِيمَانَ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا تَضَمَّنَهُ سُؤَالُ جِبْرِيلَ ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّهَادَةِ تَصْدِيقُ الرَّسُولِ فِيمَا جَاءَ بِهِ، فَيَسْتَلْزِمُ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ مِنَ الْمُعْتَقَدَاتِ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مَا مُحَصَّلُهُ: هُوَ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِبَعْضِهِ كَمَا تَقُولُ: قَرَأْتُ الْحَمْدَ وَتُرِيدُ جَمِيعَ الْفَاتِحَةِ، وَكَذَا تَقُولُ مَثَلًا: شَهِدْتُ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ وَتُرِيدُ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ثَالِثُهَا: الْمُرَادُ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهَا أَوْ مُطْلَقُ الْإِتْيَانِ بِهَا، وَالْمُرَادُ بِإِيتَاءِ الزَّكَاةِ إِخْرَاجُ جُزْءٍ مِنَ الْمَالِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ.

رَابِعُهَا: اشْتَرَطَ الْبَاقِلَّانِيُّ فِي صِحَّةِ الْإِسْلَامِ تَقَدُّمَ الْإِقْرَارِ بِالتَّوْحِيدِ عَلَى الرِّسَالَةِ، وَلَمْ يُتَابَعْ، مَعَ أَنَّهُ إِذَا دُقِّقَ فِيهِ بَانَ وَجْهُهُ، وَيَزْدَادُ اتِّجَاهًا إِذَا فَرَّقَهُمَا، فَلْيُتَأَمَّلْ.

خَامِسُهَا: يُسْتَفَادُ مِنْهُ تَخْصِيصُ عُمُومِ مَفْهُومِ السُّنَّةِ بِخُصُوصِ مَنْطُوقِ الْقُرْآنِ ; لِأَنَّ عُمُومَ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي صِحَّةَ إِسْلَامِ مَنْ بَاشَرَ مَا ذُكِرَ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يُبَاشِرْهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ، وَهَذَا الْعُمُومُ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ.

سَادِسُهَا: وَقَعَ هُنَا تَقْدِيمُ الْحَجِّ عَلَى الصَّوْمِ، وَعَلَيْهِ بَنَى الْبُخَارِيُّ تَرْتِيبَهُ، لَكِنْ وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِتَقْدِيمِ الصَّوْمِ عَلَى الْحَجِّ، قَالَ، فَقَالَ رَجُلٌ: وَالْحَجُّ وَصِيَامُ رَمَضَانَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا، صِيَامُ رَمَضَانَ وَالْحَجُّ، هَكَذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ .، انْتَهَى. فَفِي هَذَا إِشْعَارٌ بِأَنَّ رِوَايَةَ حَنْظَلَةَ الَّتِي فِي الْبُخَارِيِّ مَرْوِيَّةٌ بِالْمَعْنَى، إِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ رَدَّ ابْنِ عُمَرَ عَلَى الرَّجُلِ لِتَعَدُّدِ الْمَجْلِسِ، أَوْ حَضَرَ ذَلِكَ ثُمَّ نَسِيَهُ. وَيَبْعُدُ مَا جَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَنَسِيَ أَحَدَهُمَا عِنْدَ رَدِّهِ عَلَى الرَّجُلِ، وَوَجْهُ بُعْدِهِ أَنَّ تَطَرُّقَ النِّسْيَانِ إِلَى الرَّاوِي عَنِ الصَّحَابِيِّ أَوْلَى مِنْ تَطَرُّقِهِ إِلَى الصَّحَابِيِّ، كَيْفَ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَنْظَلَةَ بِتَقْدِيمِ الصَّوْمِ عَلَى الْحَجِّ، وَلِأَبِي عَوَانَةَ - مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حَنْظَلَةَ - أَنَّهُ جَعَلَ صَوْمَ رَمَضَانَ قَبْلُ، فَتَنْوِيعُهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ رُوِيَ بِالْمَعْنَى. وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي التَّفْسِيرِ بِتَقْدِيمِ الصِّيَامِ عَلَى الزَّكَاةِ، أَفَيُقَالُ إِنَّ الصَّحَابِيَّ سَمِعَهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ؟ هَذَا مُسْتَبْعَدٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَائِدَةٌ): اسْمُ الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ يَزِيدُ بْنُ بِشْرٍ السَّكْسَكِيُّ، ذَكَرَهُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

٣ - بَاب أُمُورِ الْإِيمَانِ

وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ - ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الْآيَةَ

قَوْلُهُ: (بَابُ أُمُورِ الْإِيمَانِ)، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ أَمْرُ الْإِيمَانِ بِالْإِفْرَادِ عَلَى إِرَادَةِ الْجِنْسِ، وَالْمُرَادُ بَيَانُ الْأُمُورِ الَّتِي هِيَ الْإِيمَانُ وَالْأُمُورُ الَّتِي لِلْإِيمَانِ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى) بِالْخَفْضِ. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَمُنَاسَبَتُهَا لِحَدِيثِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

يَشْرَع شَرْعًا (١)، أي: سنَّ، فهو تفسيرٌ لـ ﴿شِرْعَةً﴾ فيكون من باب اللَّفِّ والنَّشر الغير المرتَّب، وسقطت «الواو» من «وقال» لابن عساكر، وهذا التَّعليق وصله عبد الرَّزَّاق في «تفسيره» بسندٍ صحيحٍ.

وقد وقع هنا في رواية أبي ذَرٍّ وغيره: «بابٌ» بالتَّنوين، وهو ثابتٌ في أصلٍ عليه خطُّ الحافظ قطب الدِّين الحلبيِّ، كما قال العينيُّ: إنَّه رآه، ورأيته أنا كذلك في فرع «اليونينيَّة» كهي، لكنه فيها ساقطٌ في رواية الأَصيليِّ وابن عساكر، وأيَّدَه قول الكِرمانيِّ: إنَّه وقف على أصلٍ مسموعٍ على الفَِرَبْريِّ بحذفه، بل قال النَّوويُّ: ويقع في كثيرٍ من النُّسخ هنا (٢): بابٌ، وهو غلطٌ فاحشٌ، وصوابه بحذفه، ولا يصحُّ إدخاله هنا لأنَّه لا تعلُّق له بما نحن فيه، ولأنَّه ترجم لقوله : «بُنِي الإسلام» ولم يذكره قبل هذا وإنَّما ذكره بعده، وليس مطابقًا للتَّرجمة، وعلى هذا فقوله: (دُعَاؤُكُمْ إِيمَانُكُمْ) من قول ابن عبَّاسٍ يشير به إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧] فسُمِّي الدُّعاء إيمانًا، والدُّعاء عملٌ، فاحتجَّ به على أنَّ الإيمان عملٌ، وعطفه على ما قبله كعادته في حذف أداة العطف حيث ينقل التَّفسير، وهذا التَّعليق وصله ابن جريرٍ من قول ابن عبَّاسٍ، وفي رواية أبي ذرٍّ: «لقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾»، ومعنى «الدُّعاء» في اللُّغة: الإيمان.

٨ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بالتَّصغير، وفي الفرع خلافًا لأصله: «وحدَّثنا محمَّد بن إسماعيل -يعني البخاريَّ- حدَّثنا عبيد الله» (بْنُ مُوسَى) بن باذام؛ بالمُوحَّدة

والذَّال المُعجمَة آخره ميمٌ، العَبْسيُّ؛ بفتح المُهمَلة وتسكين المُوحَّدة، الشِّيعيُّ الغير داعيةٍ، المُتوفَّى بالإسكندريَّة سنة ثلاثَ عشْرةَ أو أربعَ عشْرَة أو خَمْسَ عَشْرةَ ومئتين (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وفي رواية الهرويِّ: «حدَّثنا» (حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) بن عبد الرَّحمن الجمحيُّ المكيُّ القرشيُّ، المُتوفَّى سنة إحدى وخمسين ومئةٍ (عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ) يعني: ابن العاصي المخزوميِّ القرشيِّ، المُتوفَّى بمكَّة بعد عطاءٍ، وهو تُوفِّي سنة أربع عشرة أو خمس عشرة ومئة (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب عبد الله () هاجر به أبوه، واستُصغِر يومَ أحدٍ، وشهد الخندق وبيعة الرِّضوان والمشاهد، وكان واسعَ العلم، متينَ الدِّين، وافرَ الصَّلاح، وتُوفِّي سنة ثلاثٍ وسبعين، وله في «البخاريِّ» مئتان وسبعون حديثًا (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : بُنِيَ الإِسْلَامُ) الذي هو الانقياد (عَلَى خَمْسٍ) أي: خمسِ دعائمَ، وقال بعضهم: «على» بمعنى

«مِن» أي: بني الإسلام من خمسٍ، وبهذا يحصل الجواب عمَّا يُقَال: إنَّ هذه الخمس هي الإسلام، فكيف يكون الإسلام مبنيًّا عليها؟! والمبنيُّ لابدَّ أن يكون غير المبنيِّ عليه، ولا حاجة إلى جواب الكِرمانيِّ: بأنَّ الإسلام عبارةٌ عن المجموع، والمجموع غير كلِّ واحدٍ من أركانه: (شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَ) شهادةِ (أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وإِقَامِ الصَّلَاةِ) أي: المُداوَمة عليها، والمُرَاد: الإتيان بها بشروطها وأركانها (وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) أي: إعطائها مستحقِّيها بإخراج جزءٍ من المال على وجهٍ مخصوصٍ، كما سيأتي البحث فيه -إن شاء الله تعالى- في محلِّه بعون الله تعالى (وَالحَجِّ) إلى بيت الله الحرام (وَصَوْمِ) شهر (رَمَضَانَ) بخفض «شهادة» على البدل من «خمسٍ»، وكذا ما بعدها، ويجوز الرَّفع خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: وهي، والنَّصب بتقدير: أعني، قال البدر الدَّمامينيُّ: أمَّا وجه الرَّفع فواضحٌ، وأمَّا وجه الجرِّ فقد يُقال فيه: إنَّ البدل من «خمسٍ» هو مجموع (١) المجرورات المتعاطفة، لا كلُّ واحدٍ منها، فإن قلت: يكون كلٌّ منها بدلَ بعضٍ؛ قلت: حينئذٍ يحتاج إلى تقدير رابطٍ. انتهى.

و «لا» في قوله: «لا إله إلَّا الله» هي النَّافية للجنس، و «إله» اسمها مُركَّبٌ معها تركيبَ مَزْجٍ كأحدَ عَشَرَ، وفَتْحَتُه فتحةُ بناءٍ، وعند الزَّجَّاج: فتحةُ إعرابٍ؛ لأنَّه عنده منصوبٌ بها لفظًا، وخبرُها محذوفٌ اتِّفاقًا، تقديره: موجودٌ، و «إلَّا» حرف استثناءٍ، و «الاسم الكريم» مرفوعٌ على البدليَّة من الضَّمير المستتر في الخبر، وقِيل: مرفوعٌ على الخبريَّة لقوله: «لا»، وعليه جماعةٌ، وفي هذه المسألة مباحثُ ضربتُ عليها (١) بعد أن أَثْبَتُّها خوفَ الإطالة، ثمَّ إنَّ مثل هذا التَّركيب عند علماء المعاني يفيد القصر، وهو في هذه الكلمة من باب قصر الصِّفة على الموصوف، لا العكس، فإنَّ «إلهَ» في معنى الوصف، فإن قلت: لِمَ قُدِّمَ النَّفيُ على الإثبات؟ فقِيلَ: لا إله إلَّا الله، ولم يُقَلْ: الله لا إله (٢) إلَّا هو؛ بتقديم الإثبات على النَّفي؟ أُجِيب: بأنَّه إذا نفى أن يكون ثَمَّ إلهٌ غير الله؛ فقد فرَّغ قلبه ممَّا سوى الله تعالى بلسانه ليواطئ القلب، وليس مشغولًا بشيءٍ سوى الله تعالى، فيكون نفي الشَّريك عن الله تعالى بالجوارح الظَّاهرة والباطنة، ووجه الحصر في الخمسة: أنَّ العبادة؛ إمَّا قوليَّةٌ أو غيرها، الأولى: الشَّهادتان، والثَّانية: إمَّا تَرْكيَّةٌ أو فعليَّةٌ؛ الأولى: الصَّوم، والثَّانية: إمَّا بدنيَّةٌ أو ماليَّةٌ؛ الأولى: الصَّلاة، والثَّانية: الزَّكاة، أو مُركَّبةٌ منهما؛ وهي الحجُّ، وقد وقع ذكره مقدَّمًا على الصَّوم، وعليه بنى المصنِّف ترتيب (٣) جامعه هذا، لكن عند مسلمٍ من رواية سعد (٤) بن عبيدة عن ابن عمر تأخير (٥) الصَّوم عن الحجِّ، فقال رجلٌ -وهو يزيد بن بشرٍ السَّكسكيُّ-: والحجُّ وصوم رمضان، فقال ابن عمر: «لا، صيام رمضان والحجُّ» هكذا سمعته من رسول الله ، فيحتمل أن يكون حنظلة رواه هنا بالمعنى لكونه لم يسمع رَدّ ابن عمر على يزيد، أو سمعه ونسيه. نعم؛ رواه ابن عمر في «مسلم» من أربع

طرقٍ، تارةً بالتَّقديم، وتارةً بالتَّأخير، فإن قلت: لِمَ لَمْ يذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة وأسقط الجهاد؟ أُجِيب: بأنَّ الجهاد فرضُ كفايةٍ، ولا يتعيَّن إلَّا في بعض الأحوال، وإنَّما لم يذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة؛ لأنَّ المُرَادُ بالشَّهادة تصديقُ الرَّسول فيما جاء به، فيستلزم جميع ما ذُكِرَ من المعتقدات (١).

وفي قوله: «بُنِيَ … » إلى آخره، استعارةٌ بأن يقدِّر الاستعارة في «بُنِيَ»، والقرينة في «الإسلام»؛ شبَّه ثبات الإسلام واستقامته على هذه الأركان الخمسة ببناء الخباء على هذه الأعمدة الخمسة، ثمَّ تسري الاستعارة من المصدر إلى الفعل، أو تكون مكنيَّةً بأن تكون الاستعارة (٢) في الإسلام، والقرينةُ «بُنِيَ» على التَّخييل بأن شبَّه الإسلام بالبيت، ثمَّ خُيِّل كأنَّه بيتٌ على المُبالغَة، ثمَّ أطلق الإسلام على ذلك المُخيَّل، ثمَّ خُيِّل له ما يلازم الخباء المُشبَّه به من البناء، ثمَّ أثبت له ما هو لازمُ البيتِ من البناء على الاستعارة التَّخييليَّة، ثمَّ نسبه إليه؛ ليكون قرينةً مانعةً من إرادة الحقيقة، ويجوز أن تكون استعارة بالكناية لأنَّه شبَّه الإسلام بمبنًى له دعائمُ، فَذَكَرَ المُشبَّه، وطوى ذِكْرَ المُشبَّه به، وذكر ما هو من خواصِّ المشبَّه به، وهو البناء، ويُسمَّى هذا استعارةً ترشيحيَّةً، ويجوز أن تكون استعارةً تمثيليَّةً؛ فإنَّه مثَّل حالة الإسلام مع أركانه الخمسة بحالة خباءٍ أُقِيمَ على خمسة أعمدةٍ، وقطبُها التي تدور عليه هو شهادة أنْ لا إله إلَّا الله، وبقيَّةُ شعب الإيمان كالأوتاد للخباء (٣)، وقال في «الفتح»: فإن قلت: الأربعة المذكورة بعد الشَّهادة مبنيَّةٌ على الشَّهادة؛ إذ لا يصحُّ شيءٌ منها إلَّا بعد وجودها، فكيف يُضمُّ مبنيٌّ إلى مبنيٍّ عليه في مسمًّى واحدٍ؟ أُجِيب: بجواز ابتناء أمرٍ على أمرٍ، يُبتَنى على الأمرين أمرٌ آخرُ، فإن قلت: المبنيُّ لابدَّ أن يكون غير المبنيِّ عليه، فالجواب: أنَّ المجموع غيرٌ من حيث الانفراد، عينٌ من حيث الجمع، ومثاله: البيت من الشَّعر، يُجعل على خمسة أعمدةٍ، أحدها أوسطُ، والبقيَّة أركانٌ، فما دام الأوسط قائمًا فمُسمَّى البيت موجودٌ ولو سقط مهما سقط من الأركان، فإذا سقط الأوسط سقط مُسمَّى

البيت، فالبيت بالنَّظر إلى مجموعه شيءٌ واحدٌ، وبالنَّظر إلى أفراده أشياءُ، وأيضًا: فبالنَّظر إلى أسِّه وأركانه: الأسُّ أصلٌ والأركان تَبَعٌ وتكملةٌ له (١)، والله سبحانه الموفِّق.

ومن لطائف إسناد هذا الحديث: جمعه للتَّحديث والإخبار والعنعنة، وكلُّ رجاله مَكِّيُّون إلَّا عبيد الله فإنَّه كوفيٌّ، وهو من الرُّباعيَّات، وأخرج متنه المؤلِّف أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٥١٤]، ومسلمٌ في «الإيمان» خماسيَّ الإسناد. انتهى.

(٣) هذا (باب أُمُورِ الإِيمَانِ) بالإضافة البيانيَّة؛ لأنَّ المُرَاد بيان الأمور التي هي الإيمان؛ لأنَّ الأعمال عند المؤلِّف هي الإيمان، أو بمعنى: «اللَّام» أي: باب الأمور الثَّابتة للإيمان في تحقيق حقيقته وتكميل ذاته، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «أمرُ الإيمان» بالإفراد على إرادة الجنس (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على «أمورِ (٢)» وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «﷿» بدل قوله «تعالى»: (﴿لَّيْسَ الْبِرَّ﴾) وهو اسمٌ لكلِّ خيرٍ وفعلٍ مَرْضِيٍّ (﴿أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾) قال القاضي ناصر الدِّين البيضاويُّ: أي: ليس البرُّ مقصورًا على أمر القبلة، أو

ليس البِرُّ ما أنتم عليه؛ فإنَّه منسوخٌ (﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾) الذي ينبغي أن يُهتَمَّ به (﴿مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ﴾) القرآنِ أو أعمَّ (﴿وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾) تعالى أو حبِّ المال (﴿ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾) المحاويج منهم، ولم يقيِّده لعدم الإلباس (﴿وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾) المسافر أو الضَّيف (﴿وَالسَّآئِلِينَ﴾) أي: الذين ألجأَتْهمُ الحاجة إلى السُّؤال (﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾) أي: تخليصها بمعاونة المُكاتَبين، أو فكِّ الأسارى، أو ابتياع الرِّقاب لعتقها (﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾) المفروضتين، والمُرَاد بـ ﴿وَآتَى الْمَالَ﴾ بيانُ مصارِفِها (﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ﴾) عطفٌ على ﴿مَنْ آمَنَ﴾ (﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء﴾) نُصِبَ على المدح، ولم يُعطَف لفضل الصَّبر على سائر الأعمال، وعن الأزهريِّ (١): ﴿الْبَأْسَاء﴾ في الأموال؛ كالفقر، و ﴿والضَّرَّاء﴾ في الأنفس؛ كالمرض (﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾) وقتَ مجاهدة العدوِّ (﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾) في الدِّين واتِّباع الحقِّ وطلب البِرِّ (﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]) عن الكفر وسائر الرَّذائل، والآية -كما ترى- جامعةٌ للكمالات الإنسانيَّة بأَسْرِها، دالَّةٌ عليها صريحًا أو ضمنًا، فإنَّها (٢) بكثرتها وتشعُّبها منحصرةٌ في ثلاثةِ أشياءَ: صِحَّةِ الاعتقادِ، وحُسنِ المُعاشَرَةِ، وتهذيبِ النَّفسِ، وقد أُشِير إلى الأوَّل بقوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ … إلى: ﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾ وإلى الثَّاني بقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ﴾ … إلى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ وإلى الثَّالث بقوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ﴾ … إلى آخرها؛ ولذلك وُصِفَ المُستجمِع لها بالصِّدق نظرًا إلى إيمانه واعتقاده، وبالتَّقوى اعتبارًا لمُعاشرَته للخَلْق ومُعاملَته مع الحقِّ، وإليه أشار بقوله: «مَنْ عمل بهذه الآية فقدِ استكمل الإيمان»، وهذا وجه استدلال المؤلِّف بهذه الآية ومُناسبَتها لتبويبه، وفي حديث أبي ذَرٍّ عند عبد الرَّزَّاق بسندٍ رجالُهُ ثقاتٌ: أنَّه سأل النَّبيَّ عن الإيمان، فتلا عليه هذه الآية، ولم يذكره المؤلِّف لأنَّه ليس على شرطه، وقد سقط في

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

(وَقَالَ مُجَاهِد شرع لكم أوصيناك يَا مُحَمَّد وإياه دينا وَاحِدًا) مُجَاهِد هُوَ ابْن جُبَير بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره رَاء وَيُقَال جُبَير وَالْأول أصح المَخْزُومِي مولى عبد الله بن السَّائِب المَخْزُومِي وَقيل غَيره سمع ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَأَبا هُرَيْرَة وَجَابِر أَو عبد الله بن عَمْرو وَغَيرهم قَالَ مُجَاهِد عرضت الْقُرْآن على ابْن عَبَّاس ثَلَاثِينَ مرّة وَاتَّفَقُوا على توثيقه وجلالته وَهُوَ إِمَام فِي الْفِقْه وَالتَّفْسِير والْحَدِيث مَاتَ سنة مائَة وَقيل إِحْدَى وَقيل اثْنَتَيْنِ وَقيل أَربع وَمِائَة وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَثَمَانِينَ سنة بِمَكَّة وَهُوَ ساجد روى لَهُ الْجَمَاعَة وَأخرج أَثَره هَذَا عبد بن حميد فِي تَفْسِيره بِسَنَد صَحِيح عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ وَرَوَاهُ ابْن الْمُنْذر بِإِسْنَادِهِ بِلَفْظَة وصاه قَوْله وإياه يَعْنِي نوحًا عَلَيْهِ السَّلَام أَي هَذَا الَّذِي تظاهرت عَلَيْهِ أَدِلَّة الْكتاب وَالسّنة من زِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه هُوَ شرع الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام الَّذين قبل نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا هُوَ شرع نَبينَا لِأَن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ {شرع لكم من الدّين مَا وصّى بِهِ نوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك وَمَا وصينا بِهِ إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى} وَيُقَال جَاءَ نوح عَلَيْهِ السَّلَام بِتَحْرِيم الْحَرَام وَتَحْلِيل الْحَلَال وَهُوَ أول من جَاءَ من الْأَنْبِيَاء بِتَحْرِيم الْأُمَّهَات وَالْبَنَات وَالْأَخَوَات ونوح أول نَبِي جَاءَ بعد إِدْرِيس عَلَيْهِ السَّلَام وَقد قيل أَن الَّذِي وَقع فِي أثر مُجَاهِد تَصْحِيف وَالصَّوَاب أوصيناك يَا مُحَمَّد وأنبياءه وَكَيف يَقُول مُجَاهِد بإفراد الضَّمِير لنوح وَحده مَعَ أَن فِي السِّيَاق ذكر جمَاعَة قلت لَيْسَ بتصحيف بل هُوَ صَحِيح ونوح أفرد فِي الْآيَة وَبَقِيَّة الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام عطفت عَلَيْهِ وهم داخلون فِيمَا وصّى بِهِ نوحًا وَكلهمْ مشتركون فِي هَذِه الْوَصِيَّة فَذكر وَاحِد مِنْهُم يُغني عَن الْكل على أَن نوحًا أقرب الْمَذْكُورين وَهُوَ أولى بِعُود الضَّمِير إِلَيْهِ فَافْهَم (وَقَالَ ابْن عَبَّاس شرعة ومنهاجا سَبِيلا وَسنة) يَعْنِي عبد الله بن عَبَّاس فسر قَوْله تَعَالَى {شرعة ومنهاجا} بالسبيل وَالسّنة وَقَالَ الْجَوْهَرِي النهج الطَّرِيق الْوَاضِح وَكَذَا الْمِنْهَاج والشرعة الشَّرِيعَة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا} والشريعة مَا شَرعه الله لِعِبَادِهِ من الدّين وَقد شرع لَهُم يشرع شرعا أَي سنّ فعلى هَذَا هُوَ من بَاب اللف والنشر الْغَيْر الْمُرَتّب وَفِي بعض النّسخ سنة وسبيلا فَهُوَ مُرَتّب وَأخرج عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة شرعة ومنهاجا قَالَ الدّين وَاحِد والشريعة مُخْتَلفَة وَقَالَ ابْن إِسْحَق قَالَ بَعضهم الشرعة الدّين والمنهاج الطَّرِيق وَقيل هما جَمِيعًا الطَّرِيق وَالطَّرِيق هُنَا الدّين وَلَكِن اللَّفْظ إِذا اخْتلف أَتَى بِهِ بِأَلْفَاظ يُؤَكد بهَا الْقِصَّة وَقَالَ مُحَمَّد بن يزِيد شرعة مَعْنَاهَا ابْتِدَاء الطَّرِيق والمنهاج الطَّرِيق المستمر وآثر ابْن عَبَّاس هَذَا أخرجه الْأَزْهَرِي فِي تهذيبه عَن ابْن مَاهك عَن حَمْزَة عَن عبد الرَّزَّاق عَن الثَّوْريّ عَن أبي إِسْحَق عَن التَّمِيمِي يَعْنِي أربدة عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا بِهِ فَإِن قلت فِي الْآيَتَيْنِ تعَارض لِأَن الْآيَة الأولى تَقْتَضِي اتِّحَاد شرعة الْأَنْبِيَاء وَالثَّانيَِة تَقْتَضِي أَن لكل نَبِي شرعة قلت لَا تعَارض لِأَن الِاتِّحَاد فِي أصُول الدّين والتعدد فِي فروعه فَعِنْدَ اخْتِلَاف الْمحل لَا يثبت التَّعَارُض

(بَاب دعاؤكم إيمَانكُمْ)

يَعْنِي فسر ابْن عَبَّاس قَوْله تَعَالَى {قل لَهُ سَأَلتك عَن نسبه فَذكرت أَنه فِيكُم ذُو نسب فَكَذَلِك الرُّسُل تبْعَث فِي نسب قَومهَا وَسَأَلْتُك هَل قَالَ أحد مِنْكُم هَذَا القَوْل فَذكرت أَن لَا فَقلت لَو كَانَ أحد قَالَ هَذَا القَوْل قبله لَقلت رجل يأتسي بقول قيل قبله وَسَأَلْتُك هَل كَانَ من آبَائِهِ من ملك فَذكرت أَن لَا قلت فَلَو كَانَ من آبَائِهِ من ملك قلت رجل يطْلب ملك أَبِيه وَسَأَلْتُك هَل كُنْتُم تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قبل أَن يَقُول مَا يعبؤ بكم رَبِّي لَوْلَا دعاؤكم} فَقَالَ المُرَاد من الدُّعَاء الْإِيمَان فَمَعْنَى دعاؤكم إيمَانكُمْ وَأخرجه ابْن الْمُنْذر بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ أَنه قَالَ لَوْلَا دعاؤكم لَوْلَا إيمَانكُمْ وَقَالَ ابْن بطال لَوْلَا دعاؤكم الَّذِي هُوَ زِيَادَة فِي إيمَانكُمْ قَالَ النَّوَوِيّ وَهَذَا الَّذِي قَالَه حسن لِأَن أصل الدُّعَاء النداء والاستغاثة فَفِي الْجَامِع سُئِلَ ثَعْلَب عَنهُ فَقَالَ هُوَ النداء وَيُقَال دَعَا الله فلَان بدعوة فَاسْتَجَاب لَهُ وَقَالَ ابْن سَيّده هُوَ الرَّغْبَة إِلَى الله تَعَالَى دَعَاهُ دُعَاء وَدَعوى حَكَاهَا سِيبَوَيْهٍ وَفِي الغريبين الدُّعَاء الْغَوْث وَقد دَعَا أَي اسْتَغَاثَ قَالَ تَعَالَى {ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم} وَقَالَ بعض الشَّارِحين قَالَ البُخَارِيّ وَمعنى الدُّعَاء فِي اللُّغَة الْإِيمَان يَنْبَغِي أَن يثبت فِيهِ فَإِنِّي لم أره عِنْد أحد من أهل اللُّغَة وَقَالَ الْكرْمَانِي تَفْسِيره فِي الْآيَتَيْنِ يدل على أَنه قَابل للزِّيَادَة وَالنُّقْصَان أَو أَنه سمى الدُّعَاء إِيمَانًا وَالدُّعَاء عمل وَاعْلَم أَن من قَوْله وَقَالَ ابْن مَسْعُود إِلَى هُنَا غير ظَاهر الدّلَالَة على الدَّعْوَى وَهُوَ مَوضِع بحث وَنظر وَقَالَ النَّوَوِيّ اعْلَم أَنه خَارج لم أكن أَظن أَنه مِنْكُم فَلَو أَنِّي أعلم أَنِّي أخْلص إِلَيْهِ لتجشمت لقاءه وَلَو كنت عِنْده لغسلت عَن قَدَمَيْهِ ثمَّ دَعَا بِكِتَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي بعث بِهِ دحْيَة إِلَى عَظِيم بصرى فَدفعهُ إِلَى هِرقل فقرأه فَإِذا فِيهِ بِسم الله الرَّحِم ن الرَّحِيم من مُحَمَّد عبد الله وَرَسُوله إِلَى هِرقل عَظِيم الرّوم سَلام على من اتبع الْهدى أما بعد فَإِنِّي أَدْعُوك بِدِعَايَةِ الْإِسْلَام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرَّتَيْنِ فَإِن توليت فَإِن عَلَيْك إِثْم الأريسيين وَيَا أهل الْكتاب تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم أَن لَا نعْبد إِلَّا الله وَلَا نشْرك بِهِ شَيْئا وَلَا يتَّخذ بَعْضنَا بَعْضًا أَرْبَابًا من دون الله فَإِن توَلّوا فقولو اشْهَدُوا بِأَنا مُسلمُونَ آل عمرَان قَالَ أَبُو سُفْيَان فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ وَفرغ من قِرَاءَة الْكتاب كثر عِنْده الصخب وَارْتَفَعت الْأَصْوَات وأخرجنا فَقلت لِأَصْحَابِي حِين أخرجنَا لقد أَمر أَمر ابْن أبي كَبْشَة إِنَّه يخافه ملك بني الْأَصْفَر فَمَا زلت موقنا أَنه سَيظْهر حَتَّى أَدخل الله عَليّ الْإِسْلَام وَكَانَ ابْن الناظور صَاحب إيلياء وهرقل سقفا على نَصَارَى الشأم يحدث أَن هِرقل حِين قدم إيلياء أصبح يَوْمًا خَبِيث النَّفس فَقَالَ بعض بطارقته قد استنكرنا هيئتك قَالَ ابْن الناظور وَكَانَ هِرقل حزاء ينظر فِي كثير من نسخ البُخَارِيّ هَذَا بَاب دعاؤكم إيمَانكُمْ إِلَى آخر الحَدِيث بعده وَهَذَا غلط فَاحش وَصَوَابه مَا ذَكرْنَاهُ أَولا وَهُوَ دعاؤكم إيمَانكُمْ وَلَا يَصح إِدْخَال بَاب هُنَا لوجوه. مِنْهَا أَنه لَيْسَ لَهُ تعلق بِمَا نَحن فِيهِ. وَمِنْهَا أَنه ترْجم أَولا بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بني الْإِسْلَام وَلم يذكرهُ

قبل هَذَا وَإِنَّمَا ذكره بعده وَمِنْهَا أَنه ذكر الحَدِيث بعده وَلَيْسَ هُنَا مطابقا للتَّرْجَمَة وَقَالَ الْكرْمَانِي وَعِنْدنَا نُسْخَة مسموعة على الْفربرِي وَعَلَيْهَا خطة وَهُوَ هَكَذَا دعاؤكم إيمَانكُمْ بِلَا بَاب وَلَا وَاو قلت رَأَيْت نُسْخَة عَلَيْهَا خطّ الشَّيْخ قطب الدّين الْحلَبِي الشَّارِح وفيهَا بَاب دعاؤكم إيمَانكُمْ وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح وَعَلِيهِ مَشى شَيخنَا فِي شَرحه وَلَيْسَ ذَلِك بجيد لِأَنَّهُ لَيْسَ مطابقا للتَّرْجَمَة

١ - حَدثنَا عبيد الله بن مُوسَى قَالَ أخبرنَا حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان عَن عِكْرِمَة بن خَالِد عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بني الْإِسْلَام على خمس شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَالْحج وَصَوْم رَمَضَان) هَذَا الحَدِيث هُوَ تَرْجَمَة الْبَاب وَقد ذكرنَا أَن الصَّحِيح أَنه لَيْسَ بَينه وَبَين قَوْله بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بني الْإِسْلَام على خمس بَاب آخر فَافْهَم وَقَالَ النَّوَوِيّ أَدخل البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب لينبىء أَن الْإِسْلَام يُطلق على الْأَفْعَال وَأَن الْإِسْلَام وَالْإِيمَان قد يكون بِمَعْنى وَاحِد (بَيَان رِجَاله) وهم أَرْبَعَة الأول عبيد الله بن مُوسَى بن باذام بِالْبَاء الْمُوَحدَة والذال الْمُعْجَمَة وَلَو لفظ فَارسي وَمَعْنَاهُ اللوز الْعَبْسِي بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وتسكين الْبَاء الْمُوَحدَة مَوْلَاهُم الْكُوفِي الثِّقَة سمع الْأَعْمَش وخلقا من التَّابِعين وَعنهُ البُخَارِيّ وَأحمد وَغَيرهمَا وروى مُسلم وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة عَن رجل عَنهُ وَكَانَ عَالما بِالْقُرْآنِ رَأْسا فِيهِ توفّي بالإسكندرية سنة ثَلَاث عشرَة أَو أَربع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي المعارف كَانَ عبيد الله يسمع ويروي أَحَادِيث مُنكرَة فضعف بذلك عِنْد كثير من النَّاس وَقَالَ النَّوَوِيّ وَقع فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من كتب أَئِمَّة الحَدِيث الِاحْتِجَاج بِكَثِير من المبتدعة غير الدعاة إِلَى بدعتهم وَلم تزل السّلف وَالْخلف على قبُول الرِّوَايَة مِنْهُم وَالِاسْتِدْلَال بهَا وَالسَّمَاع مِنْهُم وأسماعهم من غير إِنْكَار الثَّانِي حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان بن عبد الرَّحْمَن بن صَفْوَان بن أُميَّة بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح الجُمَحِي الْمَكِّيّ الْقرشِي الثِّقَة الْحجَّة سمع عَطاء وَغَيره من التَّابِعين وَعنهُ الثَّوْريّ وَغَيره من الْأَعْلَام مَاتَ سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَة روى لَهُ الْجَمَاعَة وَقد قَالَ قطب الدّين إِلَّا ابْن مَاجَه وَلَيْسَ بِصَحِيح بل روى لَهُ ابْن مَاجَه أَيْضا كَمَا نبه عَلَيْهِ الْمزي الثَّالِث عِكْرِمَة بن خَالِد بن العَاصِي بن هِشَام بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عَمْرو بن مَخْزُوم الْقرشِي المَخْزُومِي الْمَكِّيّ الثِّقَة الْجَلِيل سمع ابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَغَيرهمَا روى عَنهُ عَمْرو بن دِينَار وَغَيره من التَّابِعين مَاتَ بِمَكَّة بعد عَطاء وَمَات عَطاء سنة أَربع عشرَة أَو خمس عشرَة وَمِائَة والعاصي جده هُوَ أَخُو أبي جهل قَتله عمر رَضِي الله عَنهُ ببدر كَافِرًا وَهُوَ خَال عمر على قَول وَفِي الصَّحَابَة عِكْرِمَة ثَلَاثَة لَا رَابِع لَهُم ابْن أبي جهل المَخْزُومِي وَابْن عَامر الْعَبدَرِي وَابْن عبيد الْخَولَانِيّ وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ من اسْمه عِكْرِمَة إِلَّا هَذَا وَعِكْرِمَة ابْن عبد الرَّحْمَن وَعِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس وروى مُسلم للأخير مَقْرُونا وَتكلم فِيهِ لرأيه وَعِكْرِمَة ابْن عمار أخرج لَهُ مُسلم فِي الْأُصُول وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ فِي كتاب الْبر والصلة قلت وَفِي طبقَة عِكْرِمَة بن خَالِد بن العَاصِي عِكْرِمَة بن خَالِد بن سَلمَة بن هِشَام بن الْمُغيرَة المَخْزُومِي وَهُوَ ضَعِيف وَلم يخرج لَهُ البُخَارِيّ وَهُوَ لم يرو عَن ابْن عمر وَيَنْبَغِي التَّنْبِيه لهَذَا فَإِنَّهُ مَوضِع الِاشْتِبَاه الرَّابِع عبد الله بن عمر وَقد ذكر عَن قريب (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة وَمِنْهَا أَن إِسْنَاده كلهم مكيون إِلَّا عبيد الله فَإِنَّهُ كُوفِي وَكله على شَرط السِّتَّة إِلَّا عِكْرِمَة بن خَالِد فَإِن ابْن مَاجَه لم يخرج لَهُ وَمِنْهَا أَنه من رباعيات البُخَارِيّ وَلمُسلم من الخماسيات فعلا البُخَارِيّ بِرَجُل (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير وَقَالَ فِيهِ وَزَاد عُثْمَان عَن ابْن وهب أَخْبرنِي فلَان وحيوة بن شُرَيْح عَن بكير بن عبد الله بن الْأَشَج عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن أَبِيه عَن حَنْظَلَة بِهِ وَعَن ابْن معَاذ عَن أَبِيه عَن عَاصِم بن مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر عَن أَبِيه عَن جده وَعَن ابْن نمير عَن أبي خَالِد الْأَحْمَر عَن سعد بن طَارق عَن سعد بن عبيد عَن ابْن عَمْرو عَن سهل بن عُثْمَان عَن يحيى بن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة عَن سعد بن طَارق بِهِ فَوَقع لمُسلم من جَمِيع طرقه خماسيا وللبخاري رباعيا كَمَا ذكرنَا وَزَاد فِي مُسلم فِي رِوَايَته عَن

حَنْظَلَة قَالَ سَمِعت عِكْرِمَة بن خَالِد يحدث طاوسا أَن رجلا قَالَ لعبد الله بن عمر أَلا تغزو فَقَالَ إِنِّي سَمِعت فَذكر الحَدِيث وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ اسْم الرجل السَّائِل حَكِيم (بَيَان اللُّغَات) قَوْله بني من بنى يَبْنِي بِنَاء يُقَال بنى فلَانا بَيْتا من الْبُنيان وَيُقَال بنيته بِنَاء وَبنى بِكَسْر الْبَاء وَبنى بِالضَّمِّ وبنية قَوْله وإقام الصَّلَاة فعلة من صلى كَالزَّكَاةِ من زكى قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ وكتبتها بِالْوَاو على لفظ المفخم وَحَقِيقَة صلى حرك الصلوين لِأَن الْمصلى يفعل ذَلِك قلت الصلوان تَثْنِيَة الصلا وَهُوَ مَا عَن يَمِين الذَّنب وشماله هَذَا أحد مَعَاني الصَّلَاة فِي اللُّغَة وَالثَّانيَِة الدُّعَاء قَالَ الْأَعْشَى

(وقابلها الرّيح فِي دنها ... وَصلى على دنها وارتسم)

وَالثَّالِثَة من صليت الْعَصَا بالنَّار إِذا لينتها وقومتها فالمصلى كَأَنَّهُ يسْعَى فِي تعديلها وإقامتها وَالرَّابِعَة من صليت الرجل النَّار إِذا أدخلته النَّار أَو من جعلته يصلاها أَي يلازمها فالمصلى يدْخل الصَّلَاة ويلازمها قَوْله وإيتاء الزَّكَاة أَي إعطائها من أَتَاهُ إيتَاء وَأما آتيته آتِيَا وإتيانا فَمَعْنَاه جِئْته وَالزَّكَاة فِي اللُّغَة عبارَة عَن الطَّهَارَة قَالَ تَعَالَى {قد أَفْلح من تزكّى} أَي تطهر وَعَن النَّمَاء يُقَال زكا الزَّرْع إِذا نما قَالَ الْجَوْهَرِي زكا الزَّرْع يزكو زكاء ممدودا أَي نما وَهَذَا الْأَمر لَا يزكو بفلان أَي لَا يَلِيق بِهِ وَيُقَال زكا الرجل يزكو زكوا إِذا تنعم وَكَانَ فِي خصب وزكى مَاله تَزْكِيَة إِذا أدّى عَنهُ زَكَاته وتزكى أَي تصدق وزكى نَفسه تَزْكِيَة مدحها وَفِي الشَّرِيعَة عبارَة عَن إيتَاء جُزْء من النّصاب الحولي إِلَى فَقير غير هاشمي ويراعى فِيهَا مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّة وَذَلِكَ أَن المَال يطهر بهَا أَو يطهره صَاحبه أَو هِيَ سَبَب نمائه وزيادته قَوْله وَالْحج فِي اللُّغَة الْقَصْد وَأَصله من قَوْلك حججْت فلَانا أحجه حجا إِذا عدت إِلَيْهِ مرّة بعد أُخْرَى فَقيل حج الْبَيْت لِأَن النَّاس يأتونه فِي كل سنة وَمِنْه قَول المخبل السَّعْدِيّ

(واشهد من عَوْف حؤولا كَثِيرَة ... يحجون سبّ الزبْرِقَان المزعفرا)

يَقُول يأتونه مرّة بعد أُخْرَى لسودده والسب بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة شقة من كتَّان رقيقَة وَأَرَادَ بِهِ الْعِمَامَة هَهُنَا قَالَ الصغاني هَذَا الأَصْل ثمَّ تعورف اسْتِعْمَاله فِي الْقَصْد إِلَى مَكَّة حرسها الله تَعَالَى للنسك تَقول حججْت الْبَيْت أحجه حجا فَأَنا حَاج وَيجمع على حجج مِثَال بازل وبزل والحجج بِالْكَسْرِ الِاسْم وَالْحجّة الْمرة الْوَاحِدَة وَهَذَا من الشواذ لِأَن الْقيَاس بِالْفَتْح وَفِي الشَّرِيعَة هُوَ قصد مَخْصُوص فِي وَقت مَخْصُوص إِلَى مَكَان مَخْصُوص قَوْله وَصَوْم رَمَضَان الصَّوْم فِي اللُّغَة الْإِمْسَاك عَن الطَّعَام وَقد صَامَ الرجل صوما وصياما وَقوم صَوْم بِالتَّشْدِيدِ وصيم أَيْضا وَرجل صومان أَي صَائِم وَصَامَ الْفرس صوما أَي قَامَ على غير اعتلاف قَالَ النَّابِغَة صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

(خيل صِيَام وخيل غير صَائِمَة ... تَحت العجاج وَأُخْرَى تعلك اللجما)

وَصَامَ النَّهَار صوما إِذا قَامَ قَائِم الظهيرة واعتدل وَالصَّوْم ركود الرّيح وَالصَّوْم السُّكُوت قَالَ تَعَالَى {إِنِّي نذرت للرحمن صوما} قَالَ ابْن عَبَّاس صمتا وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة كل مُمْسك عَن طَعَام أَو كَلَام أَو سير فَهُوَ صَائِم وَالصَّوْم ذرق النعامة وَالصَّوْم الْبيعَة وَالصَّوْم شجر فِي لُغَة هُذَيْل وَفِي الشَّرِيعَة إمْسَاك عَن المفطرات الثَّلَاث نَهَارا مَعَ النِّيَّة وَتَفْسِير رَمَضَان قد مر مرّة (بَيَان الصّرْف) قَوْله بنى فعل مَاض مَجْهُول قَوْله وَأقَام الصَّلَاة أَصله أَقوام لِأَنَّهُ من أَقَامَ يُقيم حذفت الْوَاو فَصَارَ إقاما وَلَكِن الْقَاعِدَة أَن يعوض عَنْهَا التَّاء فَيُقَال إِقَامَة وَقَالَ أهل الصّرْف لزم الْحَذف والتعويض فِي نَحْو إِجَارَة واستجارة فَإِن قلت فَلم لم يعوض هَهُنَا قلت المُرَاد من التعويض هُوَ أَن يكون بِالتَّاءِ وَغَيرهَا نَحْو الْإِضَافَة فَإِن الْمُضَاف إِلَيْهِ هَهُنَا عوض عَن الْمَحْذُوف وَفِي التَّنْزِيل {وأوحينا إِلَيْهِم فعل الْخيرَات وإقام الصَّلَاة} قَوْله وإيتاء من آتى بِالْمدِّ (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله الْإِسْلَام مَرْفُوع لإسناد بني إِلَيْهِ وَقد نَاب عَن الْفَاعِل وَقَوله على يتَعَلَّق بقوله بني قَوْله خمس أَي خمس دعائم وَصرح بِهِ عبد الرَّزَّاق فِي رِوَايَته أَو قَوَاعِد أَو خِصَال ويروي خَمْسَة وَهَكَذَا رِوَايَة مُسلم وَالتَّقْدِير خَمْسَة أَشْيَاء أَو أَرْكَان أَو أصُول وَيُقَال إِنَّمَا حذف الْهَاء لكَون الْأَشْيَاء لم تذكر كَقَوْلِه تَعَالَى {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا} أَي عشرَة أَشْيَاء وَكَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من صَامَ رَمَضَان فَأتبعهُ سِتا وَنَحْو ذَلِك قلت ذَلِك النُّحَاة أَن أَسمَاء الْعدَد إِنَّمَا يكون تذكيرها بِالتَّاءِ وتأنيثها بِسُقُوط التَّاء إِذا كَانَ الْمُمَيز مَذْكُورا أما إِذا لم يذكر فَيجوز الْأَمر أَن قَوْله

شَهَادَة مجرور لِأَنَّهُ بدل من قَوْله خمس بدل الْكل من الْكل وَيجوز رَفعه على أَن يكون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي وَهِي شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَيجوز نَصبه على تَقْدِير أَعنِي شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله قَوْله أَن بِالْفَتْح مُخَفّفَة من المثقلة وَلِهَذَا عطف عَلَيْهِ وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله قَوْله وإقام بِالْجَرِّ عطف على شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَمَا بعده عطف عَلَيْهِ (بَيَان الْمعَانِي وَالْبَيَان) قَوْله بني إِنَّمَا طوى ذكر الْفَاعِل لشهرته وَفِيه الِاسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ لِأَنَّهُ شبه الْإِسْلَام بمبنى لَهُ دعائم فَذكر الْمُشبه وطوى ذكر الْمُشبه بِهِ وَذكر مَا هُوَ من خَواص الْمُشبه بِهِ وَهُوَ الْبناء وَيُسمى هَذَا اسْتِعَارَة ترشيحية وَيجوز أَن يكون اسْتِعَارَة تمثيلية بِأَن تمثل حَالَة الْإِسْلَام مَعَ أَرْكَانه الْخَمْسَة بِحَالَة خباء أُقِيمَت على خَمْسَة أعمدة وقطبها الَّذِي تَدور عَلَيْهِ الْأَركان هُوَ شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَبَقِيَّة شعب الْإِيمَان كالأوتاد للخباء وَيجوز أَن تكون الِاسْتِعَارَة تَبَعِيَّة بِأَن تقدر الِاسْتِعَارَة فِي بني والقرينة الْإِسْلَام شبه ثبات الْإِسْلَام واستقامته على هَذِه الْأَركان بِبِنَاء الخباء على الأعمدة الْخَمْسَة ثمَّ تسري الِاسْتِعَارَة من الْمصدر إِلَى الْفِعْل وَقد علمت أَن الِاسْتِعَارَة التّبعِيَّة تقع أَولا فِي المصادر ومتعلقات مَعَاني الْحُرُوف ثمَّ تسري فِي الْأَفْعَال وَالصِّفَات والحروف وَالْأَظْهَر أَن تكون اسْتِعَارَة مكنية بِأَن تكون الِاسْتِعَارَة فِي الْإِسْلَام والقرينة بني على التخيل بِأَن شبه الْإِسْلَام بِالْبَيْتِ ثمَّ خيل كَأَنَّهُ بَيت على الْمُبَالغَة ثمَّ أطلق الْإِسْلَام على ذَلِك المخيل ثمَّ خيل لَهُ مَا يلازم الْبَيْت الْمُشبه بِهِ من الْبناء ثمَّ أثبت لَهُ مَا هُوَ لَازم الْبَيْت من الْبناء على الِاسْتِعَارَة التخييلية ثمَّ نسب إِلَيْهِ ليَكُون قرينَة مَانِعَة من إِرَادَة الْحَقِيقَة قَوْله وإقام الصَّلَاة كِنَايَة عَن الْإِتْيَان بهَا بشروطها وأركانها قَوْله وإيتاء الزَّكَاة فِيهِ شَيْئَانِ أَحدهمَا إِطْلَاق الزَّكَاة الَّذِي هُوَ فِي الأَصْل مصدر أَو اسْم مصدر على المَال الْمخْرج للْمُسْتَحقّ وَالْآخر حذف أحد المفعولين للْعلم بِهِ لِأَن الإيتاء مُتَعَدٍّ إِلَى مفعولين وَالتَّقْدِير إيتَاء الزَّكَاة مستحقيها قَوْله وَالْحج فِيهِ حذف أَيْضا أَي وَحج الْبَيْت وَالْألف وَاللَّام فِيهِ بدل من الْمُضَاف إِلَيْهِ قَوْله وَصَوْم رَمَضَان فِيهِ حذف أَيْضا أَي وَصَوْم شهر رَمَضَان فَإِن قلت مَا الْإِضَافَة فيهمَا قلت إِضَافَة الحكم إِلَى سَببه لِأَن سَبَب الْحَج الْبَيْت وَلِهَذَا لَا يتَكَرَّر لعدم تكَرر الْبَيْت والشهر يتَكَرَّر فيتكرر الصَّوْم (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) وَهُوَ على وُجُوه الأول يفهم من ظَاهر الحَدِيث أَن الشَّخْص لَا يكون مُسلما عِنْد ترك شَيْء مِنْهَا لَكِن الْإِجْمَاع مُنْعَقد على أَن العَبْد لَا يكفر بترك شَيْء مِنْهَا وَقتل تَارِك الصَّلَاة عِنْد الشَّافِعِي وَأحمد إِنَّمَا هُوَ حدا لَا كفرا وَإِن كَانَ رُوِيَ عَن أَحْمد وَبَعض الْمَالِكِيَّة كفرا وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من ترك صَلَاة مُتَعَمدا فقد كفر مَحْمُول على الزّجر والوعيد أَو مؤول أَي إِذا كَانَ مستحلا أَو المُرَاد كفران النِّعْمَة الثَّانِي أَن هَذِه الْأَشْيَاء الْخَمْسَة من فروض الْأَعْيَان لَا تسْقط بِإِقَامَة الْبَعْض عَن البَاقِينَ الثَّالِث فِيهِ جَوَاز إِطْلَاق رَمَضَان من غير ذكر شهر خلافًا لمن منع ذَلِك على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى (الأسئلة والأجوبة) الأول مَا قيل مَا وَجه الْحصْر فِي هَذِه الْخَمْسَة وَأجِيب بِأَن الْعِبَادَة إِمَّا قولية وَهِي الشَّهَادَة أَو غير قولية فَهِيَ إِمَّا تركي وَهُوَ الصَّوْم أَو فعلي وَهُوَ إِمَّا بدني وَهُوَ الصَّلَاة أَو مَالِي وَهُوَ الزَّكَاة أَو مركب مِنْهُمَا وَهُوَ الْحَج الثَّانِي مَا قيل مَا وَجه التَّرْتِيب بَينهَا وَأجِيب بِأَن الْوَاو لَا تدل على التَّرْتِيب وَلَكِن الْحِكْمَة فِي الذّكر أَن الْإِيمَان أصل للعبادات فَتعين تَقْدِيمه ثمَّ الصَّلَاة لِأَنَّهَا عماد الدّين ثمَّ الزَّكَاة لِأَنَّهَا قرينَة الصَّلَاة ثمَّ الْحَج للتغليظات الْوَارِدَة فِيهِ وَنَحْوهَا فبالضرورة يَقع الصَّوْم آخرا الثَّالِث مَا قيل الْإِسْلَام هُوَ الْكَلِمَة فَقَط وَلِهَذَا يحكم بِإِسْلَام من تلفظ بهَا فَلم ذكر الْأَخَوَات مَعهَا وَأجِيب تَعْظِيمًا لإخوانها وَقَالَ النَّوَوِيّ حكم الْإِسْلَام فِي الظَّاهِر يثبت بِالشَّهَادَتَيْنِ وَإِنَّمَا أضيف إِلَيْهِمَا الصَّلَاة وَنَحْوهَا لكَونهَا أظهر شَعَائِر الْإِسْلَام وَأَعْظَمهَا وبقيامه بهَا يتم إِسْلَامه وَتَركه لَهَا يشْعر بانحلال قيد انقياده أَو اختلاله الرَّابِع مَا قيل فعلي هَذَا التَّقْدِير الْإِسْلَام هُوَ هَذِه الْخَمْسَة والمبني لَا بُد أَن يكون غير الْمَبْنِيّ عَلَيْهِ وَأجِيب بِأَن الْإِسْلَام عبارَة عَن الْمَجْمُوع وَالْمَجْمُوع غير كل وَاحِد من أَرْكَانه الْخَامِس مَا قيل الْأَرْبَعَة الْأَخِيرَة مَبْنِيَّة على الشَّهَادَة إِذْ لَا يَصح شَيْء مِنْهَا إِلَّا بعد الْكَلِمَة فالأربعة مَبْنِيَّة وَالشَّهَادَة مَبْنِيّ عَلَيْهَا فَلَا يجوز إدخالها فِي سلك وَاحِد وَأجِيب بِأَنَّهُ لَا مَحْذُور فِي أَن يبْنى أَمر على أَمر ثمَّ الْأَمر أَن يكون عَلَيْهِمَا شَيْء آخر وَيُقَال لَا نسلم أَن الْأَرْبَعَة مَبْنِيَّة على الْكَلِمَة بل صِحَّتهَا مَوْقُوفَة عَلَيْهَا وَذَلِكَ غير معنى بِنَاء الْإِسْلَام على الْخمس وَقَالَ التَّيْمِيّ قَوْله بني الْإِسْلَام على خمس كَانَ ظَاهره أَن الْإِسْلَام مَبْنِيّ على

هَذِه وَإِنَّمَا هَذِه الْأَشْيَاء مَبْنِيَّة على الْإِسْلَام لِأَن الرجل مَا لم يشْهد لَا يُخَاطب بِهَذِهِ الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة وَلَو قَالَهَا فَإنَّا نحكم فِي الْوَقْت بِإِسْلَامِهِ ثمَّ إِذا أنكر حكما من هَذِه الْأَحْكَام الْمَذْكُورَة المبنية على الْإِسْلَام حكمنَا بِبُطْلَان إِسْلَامه إِلَّا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما أَرَادَ بَيَان أَن الْإِسْلَام لَا يتم إِلَّا بِهَذِهِ الْأَشْيَاء ووجودها مَعَه جعله مَبْنِيا عَلَيْهَا وَلِهَذَا الْمَعْنى سوى بَينهَا وَبَين الشَّهَادَة وَإِن كَانَت هِيَ الْإِسْلَام بِعَيْنِه وَقَالَ الْكرْمَانِي حَاصِل كَلَامه أَن الْمَقْصُود من الحَدِيث بَيَان كَمَال الْإِسْلَام وَتَمَامه فَلذَلِك ذكر هَذِه الْأُمُور مَعَ الشَّهَادَة لَا نفس الْإِسْلَام وَهُوَ حسن لَكِن قَوْله ثمَّ إِذا أنكر حكما من هَذِه حكمنَا بِبُطْلَان إِسْلَامه لَيْسَ من الْبَحْث إِذْ الْبَحْث فِي فعل هَذِه الْأُمُور وَتركهَا لَا فِي إنكارها وَكَيف وإنكار كل حكم من أَحْكَام الْإِسْلَام مُوجب للكفر فَلَا معنى للتخصيص بِهَذِهِ الْأَرْبَعَة قلت اسْتِدْرَاك الْكرْمَانِي لَا وَجه لَهُ فَافْهَم السَّادِس مَا قيل لم لم يذكر الْإِيمَان بالأنبياء وَالْمَلَائِكَة وَغير ذَلِك مِمَّا تضمنه سُؤال جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام أُجِيب بِأَن المُرَاد بِالشَّهَادَةِ تَصْدِيق الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا جَاءَ بِهِ فيستلزم جَمِيع مَا ذكر من المعتقدات السَّابِع مَا قيل لم لم يذكر فِيهِ الْجِهَاد أُجِيب بِأَنَّهُ لم يكن فرض وَقيل لِأَنَّهُ من فروض الكفايات وَتلك فَرَائض الْأَعْيَان قَالَ الدَّاودِيّ لما فتحت مَكَّة سقط فرض الْجِهَاد على من يعد من الْكفَّار وَهُوَ فرض على من يليهم وَكَانَ أَولا فرضا على الْأَعْيَان وَقيل هُوَ مَذْهَب ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا وَالثَّوْري وَابْن شبْرمَة إِلَّا أَن ينزل الْعَدو فيأمر الإِمَام بِالْجِهَادِ وَجَاء فِي البُخَارِيّ فِي هَذَا الحَدِيث فِي التَّفْسِير أَن رجلا قَالَ لِابْنِ عمر مَا حملك على أَن تحج عَاما وتعتمر عَاما وتترك الْجِهَاد وَفِي بَعْضهَا فِي أَوله أَن رجلا قَالَ لِابْنِ عمر أَلا نغزو قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ بني الْإِسْلَام على خمس الحَدِيث فَهَذَا يدل على أَن ابْن عمر كَانَ لَا يرى فرضيته إِمَّا مُطلقًا كَمَا نقل عَنهُ أَو فِي ذَلِك الْوَقْت وَجَاء هُنَا بني الْإِسْلَام على خمس شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَجَاء فِي بعض طرقه على أَن يوحد الله وَفِي أُخْرَى على أَن يعبد الله وَيكفر بِمَا دونه بدل الشَّهَادَة قَالَ بَعضهم جَاءَت الأولى على نقل اللَّفْظ وَمَا عَداهَا على الْمَعْنى وَقد اخْتلف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَهُوَ جَوَاز نقل الحَدِيث بِالْمَعْنَى من الْعَالم بمواقع الْأَلْفَاظ وتركيبها وَأما من لَا يعرف ذَلِك فَلَا خلاف فِي تَحْرِيمه عَلَيْهِ وَجَاء هَهُنَا وَالْحج وَصَوْم رَمَضَان بِتَقْدِيم الْحَج وَفِي طَرِيقين لمُسلم وَفِي بعض الطّرق بِتَقْدِيم رَمَضَان وَفِي بَعْضهَا فَقَالَ رجل الْحَج وَصِيَام رَمَضَان وَقَالَ ابْن عمر لَا صِيَام رَمَضَان وَالْحج هَكَذَا سمعته من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَاخْتلف النَّاس فِي الْجمع بَين الرِّوَايَات فَقَالَ الْمَازرِيّ تحمل مشاحة ابْن عمر على أَنه كَانَ لَا يرى رِوَايَة الحَدِيث بِالْمَعْنَى وَإِن أَدَّاهُ بِلَفْظ يحْتَمل أَو كَانَ يرى الْوَاو توجب التَّرْتِيب فَتجب الْمُحَافظَة على اللَّفْظ لِأَنَّهُ قد تتَعَلَّق بِهِ أَحْكَام وَقيل أَن ابْن عمر رَوَاهُ على الْأَمريْنِ وَلكنه لما رد عَلَيْهِ الرجل قَالَ لَا ترد على مَا لَا علم لَك بِهِ كَمَا رَوَاهُ فِي أَحدهمَا وَقيل يحْتَمل أَنه كَانَ نَاسِيا لِلْأُخْرَى عِنْد الْإِنْكَار وَمِنْهُم من قَالَ الصَّوَاب تَقْدِيم الصَّوْم وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى وهم لإنكار ابْن عمر وزجره عِنْد ذكرهَا واستضعف هَذَا بِأَنَّهُ يجر إِلَى توهين الرِّوَايَة الصَّحِيحَة وطر وَاحْتِمَال الْفساد عِنْد فَتحه لأَنا لَو فتحنا هَذَا الْبَاب لارتفع الوثوق بِكَثِير من الرِّوَايَات إِلَّا الْقَلِيل وَلِأَن الرِّوَايَتَيْنِ فِي الصَّحِيح وَلَا تنَافِي بَينهمَا كَمَا تقدم من جَوَاز رِوَايَة الْأَمريْنِ قَالَ القَاضِي وَقد يكون رد ابْن عمر الرجل إِلَى تَقْدِيم رَمَضَان لِأَن وجوب صَوْم رَمَضَان نزل فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة وفريضة الْحَج فِي سنة سِتّ وَقيل تسع بِالْمُثَنَّاةِ فجَاء لفظ ابْن عمر على نسقها فِي التَّارِيخ وَالله أعلم وَقَالَ ابْن صَلَاح مُحَافظَة ابْن عمر على مَا سَمعه حجَّة لمن قَالَ بترتيب الْوَاو قلت لِلْجُمْهُورِ أَن يجيبوا عَن ذَلِك بِأَن تَقْدِيم الصَّوْم لتقدم زَمَنه كَمَا ذَكرْنَاهُ وَفِي قَوْله واستضعف هَذَا إِلَى آخِره نظر وَقد وَقع فِي رِوَايَة ابْني عوَانَة فِي مستخرجه على مُسلم عكس مَا وَقع فِي الصَّحِيح وَهُوَ أَن ابْن عمر قَالَ للرجل اجْعَل صِيَام رَمَضَان آخِرهنَّ كَمَا سَمِعت وَأجَاب عَنهُ ابْن صَلَاح بقوله لَا تقاوم هَذِه رِوَايَة مُسلم وَقَالَ النَّوَوِيّ بِأَن الْقَضِيَّة لِرجلَيْنِ فَإِن قلت مَا تَقول فِي الرِّوَايَة الَّتِي اقتصرت على إِحْدَى الشَّهَادَتَيْنِ قلت إِمَّا اكْتِفَاء بِذكر إِحْدَاهمَا عَن الْأُخْرَى لدلالتها عَلَيْهَا وَإِمَّا لتقصير من الرَّاوِي فَزَاد عَلَيْهِ غَيره فَقبلت زِيَادَته فَافْهَم وَالرجل الْمَرْدُود عَلَيْهِ تَقْدِيمه الْحَج اسْمه يزِيد بن بشر السكْسكِي ذكره الْخَطِيب فِي الْأَسْمَاء المبهمة لَهُ

٣ - (بَاب أُمُورِ الإِيمَانِ)

وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المشْرِقِ والمغْرِبِ ولكِنّ

َ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْم الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتَابِ والنَّبِيينَ وَآتى المَال عَلَى حُبّهِ ذَوِي القُرْبى واليَتَامَى والمَساكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ والسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وأقَامَ الصَّلَاةَ وأتَى الزَّكَاةَ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذَا عَاهَدُوا والصَّابرينَ فِي البَأْسَاءِ والضَّرَاءِ وحِينَ البَأْسِ أُولئِكَ الذَينَ صَدَقُوا وأُولَئكَ هُمُ المتَّقُونَ} (الْبَقَرَة: ١٧٧) {قَدْ أفْلَحَ المؤمِنُونَ} (الْمُؤْمِنُونَ: ١) الآيَةَ.

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أُمُور الْإِيمَان، فَيكون ارْتِفَاع: بَاب، على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَالْمرَاد بالأمور هِيَ: الْإِيمَان، لِأَن الْأَعْمَال عِنْده هِيَ: الْإِيمَان، فعلى هَذَا، الْإِضَافَة فِيهِ بَيَانِيَّة، وَيجوز أَن يكون التَّقْدِير: بَاب الْأُمُور الَّتِي للْإيمَان فِي تَحْقِيق حَقِيقَته وتكميل ذَاته، فعلى هَذَا، الْإِضَافَة بِمَعْنى: اللَّام، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بَاب أَمر الْإِيمَان، بِالْإِفْرَادِ على إِرَادَة الْجِنْس؛ وَقَالَ ابْن بطال: التَّصْدِيق أول منَازِل الْإِيمَان، والاستكمال إِنَّمَا هُوَ بِهَذِهِ الْأُمُور. وَأَرَادَ البُخَارِيّ الاستكمال، وَلِهَذَا بوب أبوابه عَلَيْهِ فَقَالَ: بَاب أُمُور الْإِيمَان؛ و: بَاب الْجِهَاد من الْإِيمَان، و: بَاب الصَّلَاة من الْإِيمَان، و: بَاب الزَّكَاة من الْإِيمَان. وَأَرَادَ بِهَذِهِ الْأَبْوَاب كلهَا الرَّد على المرجئة الْقَائِلين، بِأَن الْإِيمَان قَول بِلَا عمل، وتبيين غلطهم ومخالفتهم الْكتاب وَالسّنة. وَقَالَ الْمَازرِيّ: اخْتلف النَّاس فِيمَن عصى الله من أهل الشَّهَادَتَيْنِ: فَقَالَت المرجئة: لَا تضر الْمعْصِيَة مَعَ الْإِيمَان، وَقَالَت الْخَوَارِج: تضره بهَا وَيكفر بهَا، وَقَالَت الْمُعْتَزلَة: يخلد بهَا فَاعل الْكَبِيرَة وَلَا يُوصف بِأَنَّهُ مُؤمن وَلَا كَافِر، لَكِن يُوصف بِأَنَّهُ فَاسق: وَقَالَت الأشعرية: بل هُوَ مُؤمن وَأَن عذب، وَلَا بُد من دُخُوله الْجنَّة. قَوْله: (وَقَول الله عز وَجل) بِالْجَرِّ عطف على الْأُمُور. فَإِن قلت: مَا الْمُنَاسبَة بَين هَذِه الْآيَة والتبويب؟ قلت: لِأَن الْآيَة حصرت الْمُتَّقِينَ على أَصْحَاب هَذِه الصِّفَات والأعمال، فَعلم مِنْهَا أَن الْإِيمَان الَّذِي بِهِ الْفَلاح والنجاة الْإِيمَان الَّذِي فِيهِ هَذِه الْأَعْمَال الْمَذْكُورَة، وَكَذَلِكَ الْآيَة الْأُخْرَى، وَهِي قَوْله: {قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون وَالَّذين هم عَن اللَّغْو معرضون وَالَّذين هم لِلزَّكَاةِ فاعلون وَالَّذين هم لفروجهم حافظون إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت إِيمَانهم فَإِنَّهُم غير ملومين فَمن ابْتغى وَرَاء ذَلِك فَأُولَئِك هم العادون} (الْمُؤْمِنُونَ: ١ ٧) وَذكر الْأُخْرَى فِي كتاب الشَّرِيعَة من حَدِيث المَسْعُودِيّ، عَن الْقَاسِم، عَن أبي ذَر، رَضِي الله عَنهُ: (أَن رجلا سَأَلَهُ عَن الْإِيمَان فَقَرَأَ عَلَيْهِ: {لَيْسَ بِالْبرِّ} (الْبَقَرَة: ١٧٧)) الْآيَة. فَقَالَ الرجل: لَيْسَ عَن الْبر سَأَلتك، فَقَالَ أَبُو ذَر: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَسَأَلَهُ كَمَا سَأَلتنِي فَقَرَأَ عَلَيْهِ كَمَا قَرَأت عَلَيْك، فَأبى أَن يرضى كَمَا أَبيت أَن ترْضى، فَقَالَ: ادن مني، فَدَنَا مِنْهُ فَقَالَ الْمُؤمن الَّذِي يعْمل حَسَنَة فتسره، ويرجو ثَوَابهَا، وَإِن عمل سَيِّئَة تسؤوه وَيخَاف عَاقبَتهَا. قَوْله: {لَيْسَ الْبر} (الْبَقَرَة: ١٧٧) أَي: لَيْسَ الْبر كه أَن تصلوا وَلَا تعملوا غير ذَلِك. {وَلَكِن الْبر} (الْبَقَرَة: ١٧٧) بر {من آمن بِاللَّه} (الْبَقَرَة: ١٧٧) الْآيَة كَذَا قدره سِيبَوَيْهٍ. وَقَالَ الزّجاج: وَلَكِن ذَا الْبر، فَحذف الْمُضَاف كَقَوْلِه {هم دَرَجَات عِنْد الله} (آل عمرَان: ١٦٣) أَي: ذَوُو دَرَجَات، وَمَا قدره سِيبَوَيْهٍ أولى، لِأَن الْمَنْفِيّ هُوَ الْبر، فَيكون هُوَ الْمُسْتَدْرك من جنسه. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ، رَحمَه الله: البراسم للخير، وَلكُل فعل مرضِي وَفِي (الغريبين) الْبر: الاتساع فِي الْإِحْسَان وَالزِّيَادَة مِنْهُ. وَقَالَ السّديّ: {لن تنالوا الْبر حَتَّى تتفقوا} (آل عمرَان: ٩٢) يَعْنِي: الْجنَّة وَالْبر: أَيْضا: الصِّلَة وَهُوَ اسْم جَامع للخير كُله، وَفِي (الْجَامِع) و (الْجَمْرَة) : الْبر ضد العقوق، وَفِي (مثلث) ابْن السَّيِّد: الْإِكْرَام، كَذَا نَقله عَنهُ فِي (الواعي) : وَذكر ابْن عديس عَنهُ: الْبر، بِالْكَسْرِ: الْخَيْر. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الخطابُ لأهل الْكتاب، لِأَن الْيَهُود تصلي قبل الْمغرب إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وَالنَّصَارَى قبل الْمشرق، وَذَلِكَ أَنهم أَكْثرُوا الْخَوْض فِي أَمر الْقبْلَة حِين تحول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الْكَعْبَة، وَزعم كل وَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ أَن الْبر التَّوَجُّه، إِلَى قبلته، فَرد عَلَيْهِم وَقَرَأَ: {لَيْسَ الْبر} (الْبَقَرَة: ١٧٧) بِالنّصب على أَنه خبر مقدم، وَقَرَأَ عبد الله: {بِأَن توَلّوا} على إِدْخَال الْبَاء على الْخَبَر للتَّأْكِيد. وَعَن الْمبرد: لَو كنت مِمَّن يقْرَأ الْقُرْآن لقرأت: {وَلَكِن الْبر} بِفَتْح الْبَاء، وقرىء وَلَكِن الْبَار، وَقَرَأَ ابْن عَامر وَنَافِع: وَلَكِن الْبر، بِالتَّخْفِيفِ {وَالْكتاب} (الْبَقَرَة: ١٧٧) جنس كتاب الله تَعَالَى، أَو الْقُرْآن: {على حبه} (الْبَقَرَة: ١٧٧) مَعَ حب المَال وَالشح بِهِ، وَقيل: على حب الله، وَقيل: على حب الإيتاء، وَقدم ذَوي الْقُرْبَى لِأَنَّهُ أَحَق، وَالْمرَاد: الْفُقَرَاء مِنْهُم لعدم الالتباس: {والمسكين} (الْبَقَرَة: ١٧٧) الدَّائِم السّكُون إِلَى النَّاس، لِأَنَّهُ لَا شَيْء لَهُ كالمسكير: الدَّائِم السكر. {وَابْن السَّبِيل} (الْبَقَرَة: ١٧٧) الْمُسَافِر الْمُنْقَطع، وَجعل ابْنا للسبيل لملازمته لَهُ، كَمَا يُقَال: للص الْقَاطِع: ابْن الطَّرِيق، وَقيل: هُوَ الضَّيْف لِأَن السَّبِيل ترعف بِهِ {والسائلين} (الْبَقَرَة: ١٧٧) المستطعمين. {وَفِي الرّقاب} (الْبَقَرَة: ١٧٧) وَفِي معاونة المكاتبين حَتَّى يفكوا رقابهم، وَقيل: فِي ابتياع الرّقاب وإعتاقها، وَقيل: فِي فك الْأُسَارَى والموفون

عطف على من: آمن، وَأخرج الصابرين مَنْصُوبًا على الِاخْتِصَاص والمدح إِظْهَارًا لفضل الصَّبْر فِي الشدائد، ومواطن الْقِتَال على سَائِر الْأَعْمَال، وقرىء: والصابرون، وقرىء: والموفين وَالصَّابِرِينَ {والبأساء} (الْبَقَرَة: ١٧٧) الْفقر والشدة وَالضَّرَّاء وَالْمَرَض والزمانة قَوْله: {قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ} (الْمُؤْمِنُونَ: ١) الْآيَة: هَذِه آيَة أُخْرَى، ذكر الْآيَتَيْنِ لاشتمالهما على أُمُور الْإِيمَان، وَالْبَاب مبوب عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا لم يقل: وَقَول الله عز وَجل {قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ} (الْمُؤْمِنُونَ: ١) كَمَا قَالَ فِي أول الْآيَة الأولى، وَقَول الله عز وَجل: {لَيْسَ الْبر} (الْبَقَرَة: ١٧٧) الخ لعدم الالتباس فِي ذَلِك، وَاكْتفى أَيْضا بِذكرِهِ فِي الأولى، وَقَالَ بَعضهم: ذكره بِلَا أَدَاة عطف، والحذف جَائِز، وَالتَّقْدِير: وَقَول الله عز وَجل: {قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ} (الْمُؤْمِنُونَ: ١) قلت: الْحَذف غير جَائِز، وَلَئِن سلمنَا فَذَاك فِي بَاب الشّعْر، وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَيحْتَمل أَن يكون تَفْسِيرا لقَوْله: المتقون هم الموصوفون بقوله: {قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ} (الْمُؤْمِنُونَ: ١) إِلَى آخرهَا. قلت: لَا يَصح هَذَا أَيْضا. لِأَن الله تَعَالَى ذكر فِي هَذِه الْآيَة من وصفوا بالأوصاف الْمَذْكُورَة فِيهَا، ثمَّ أَشَارَ إِلَيْهِم بقوله: {وَأُولَئِكَ هم المتقون} (الْبَقَرَة: ١٧٧) بَين أَن هَؤُلَاءِ الموصوفين هم المتقون، فَأَي شَيْء يحْتَاج بعد ذَلِك إِلَى تَفْسِير الْمُتَّقِينَ فِي هَذِه الْآيَة حَتَّى يفسرهم بقوله: {قد أَفْلح} (الْمُؤْمِنُونَ: ١) الخ، وَرُبمَا كَانَ يُمكن صِحَة هَذِه الدَّعْوَى لَو كَانَت الْآيَتَانِ متواليتين، فبينهما آيَات عديدة، بل سور كَثِيرَة، فَكيف يكون هَذَا من بَاب التَّفْسِير وَهَذَا كَلَام مستبعد جدا. قَوْله: (الْآيَة) يجوز فِيهَا: النصب، على معنى إقرأ الْآيَة: و: الرّفْع، على معنى الْآيَة بِتَمَامِهَا على أَنه مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر. قَوْله: {أَفْلح} أَي: دخل فِي الْفَلاح، وَهُوَ فعل لَازم، والفلاح الظفر بالمراد، وَقيل: الْبَقَاء فِي الْخَيْر. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: يُقَال: أفلحه أجاره إِلَى الْفَلاح، وَعَلِيهِ قِرَاءَة طَلْحَة بن مصرف: أَفْلح للْبِنَاء للْمَفْعُول، وَعنهُ أفلحوا على أكلوني البراغيث، أَو على الْإِبْهَام وَالتَّفْسِير: (والخشوع فِي الصَّلَاة) خشيَة الْقلب (واللغو) مَا لَا يَعْنِيك من قَول أَو فعل كاللعب والهزل، وَمَا توجب الْمُرُوءَة إلغاءه وإطراحه. قَوْله: {فاعلون} (الْمُؤْمِنُونَ: ١) أَي: مؤدون. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فَإِن قلت: هلا قيل: من ملكت؟ قلت: لِأَنَّهُ أُرِيد من جنس الْعُقَلَاء مَا يجرى مجْرى غير الْعُقَلَاء. وهم الْإِنَاث.

٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدثنَا أبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ قَالَ حَدثنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أبْيِ صَالِحٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ الإِيِمَانُ بِضْعٌ وسِتُّونَ شُعْبَةً والحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ.

قَالَ الشَّيْخ قطب الدّين؛ هَذَا مُتَعَلق بِالْبَابِ الَّذِي قبله، وَهُوَ أَن الْإِيمَان قَول وَعمل يزِيد وَينْقص، وَجه الدَّلِيل أَن الشَّرْع أطلق الْإِيمَان على أَشْيَاء كَثِيرَة من الْأَعْمَال كَمَا جَاءَ فِي الْآيَات والخبرين الَّذين ذكرهمَا فِي هَذَا الْبَاب، بِخِلَاف قَول المرجئة، فِي قَوْلهم: إِن الْإِيمَان قَول بِلَا عمل. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا الْكَلَام، وَإِنَّمَا هَذَا الْبَاب والأبواب الَّتِي بعده كلهَا مُتَعَلقَة بِالْبَابِ الأول، مبينَة أَن الْإِيمَان قَول وَعمل يزِيد وَينْقص على مَا لَا يخفى.

(بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة: الأول: أَبُو جَعْفَر عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن جَعْفَر بن الْيَمَان بن أخنس بن خُنَيْس الْجعْفِيّ البُخَارِيّ المسندي، بِضَم الْمِيم وَفتح النُّون، وَهُوَ ابْن عَم عبد الله بن سعيد بن جَعْفَر بن الْيَمَان، واليمان هَذَا هُوَ مولى أحد أجداد البُخَارِيّ، وَلَاء إِسْلَام، سمع وكيعاً وخلقاً، وَعنهُ الذهلي وَغَيره من الْحفاظ، مَاتَ سنة تسع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، إنفرد البُخَارِيّ بِهِ عَن أَصْحَاب الْكتب السِّتَّة، وروى التِّرْمِذِيّ عَن البُخَارِيّ عَنهُ. الثَّانِي: أَبُو عَامر عبد الْملك بن عَمْرو بن قيس الْعَقدي الْبَصْرِيّ، سمع مَالِكًا وَغَيره، وَعنهُ أَحْمد، وَاتفقَ الْحفاظ على جلالته وثقته، مَاتَ سنة خمس، وَقيل: أَربع وَمِائَتَيْنِ. الثَّالِث: أَبُو مُحَمَّد أَو أَبُو أَيُّوب سُلَيْمَان بن بِلَال الْقرشِي التَّيْمِيّ الْمدنِي، مولى آل الصّديق، سمع عبد الله بن دِينَار وجمعاً من التَّابِعين، وَعنهُ الْأَعْلَام كَابْن الْمُبَارك وَغَيره، وَقَالَ مُحَمَّد بن سعد: كَانَ بربرياً جميلاً حسن الْهَيْئَة عَاقِلا، وَكَانَ يُفْتِي بِالْبَلَدِ، وَولي خراج الْمَدِينَة، وَمَات بهَا سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَمِائَة، وَقَالَ البُخَارِيّ عَن هَارُون بن مُحَمَّد: سنة سبع وَسبعين وَمِائَة، وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة من اسْمه سُلَيْمَان بن هِلَال سوى هَذَا. الرَّابِع: أَبُو عبد الرَّحْمَن عبد الله بن دِينَار، أَخُو عَمْرو بن دِينَار، الْقرشِي الْعَدوي الْمدنِي، مولى ابْن عمر، سمع مَوْلَاهُ وَغَيره، وَعنهُ ابْنه عبد الرَّحْمَن وَغَيره، وَهُوَ ثِقَة بِاتِّفَاق، مَاتَ سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة، وَفِي الروَاة أَيْضا: عَمْرو بن دِينَار الْحِمصِي لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة: عَمْرو بن دِينَار، غَيرهمَا. الْخَامِس: أَبُو صَالح

ذكْوَان السمان الزيات الْمدنِي، كَانَ يجلب السّمن وَالزَّيْت إِلَى الْكُوفَة، مولى جوَيْرِية بنت الأحمس الْغَطَفَانِي، وَفِي شرح قطب الدّين: إِنَّه مولى جويرة بنت الْحَارِث، امْرَأَة من قيس، سمع جمعا من الصَّحَابَة وخلقاً من التَّابِعين، وَعنهُ جمع من التَّابِعين مِنْهُم: عَطاء، وَسمع الْأَعْمَش مِنْهُ ألف حَدِيث، وروى عَنهُ أَيْضا بنوه: عبد الله وَسُهيْل وَصَالح، وَاتَّفَقُوا على توثيقه، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة إِحْدَى وَمِائَة، وَأَبُو صَالح فِي الروَاة جمَاعَة، قد مضى ذكرهم فِي الحَدِيث الرَّابِع من بَاب بَدْء الْوَحْي. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة اخْتلف فِي اسْمه وَاسم أَبِيه على نَحْو ثَلَاثِينَ قولا، وأقربها: عبد الله، أَو عبد الرَّحْمَن بن صَخْر الدوسي، وَهُوَ أول من كني بِهَذِهِ الكنية لهرة كَانَ يلْعَب بهَا، كناه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك، وَقيل: وَالِده، وَكَانَ عريف أهل الصّفة، أسلم عَام خَيْبَر بالِاتِّفَاقِ وشهدها مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: لم يخْتَلف فِي اسْم أحد فِي الْجَاهِلِيَّة وَلَا فِي الْإِسْلَام كالاختلاف فِيهِ، وروى أَنه قَالَ: كَانَ يُسمى فِي الْجَاهِلِيَّة: عبد شمس، وَسمي فِي الْإِسْلَام: عبد الرَّحْمَن، وَاسم أمه مَيْمُونَة، وَقيل: أُميَّة، وَقد أسلمت بِدُعَاء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: نشأت يَتِيما، وَهَاجَرت مِسْكينا، وَكنت أَجِيرا لبسرة بنت غَزوَان خَادِمًا لَهَا، فزوجنيها الله تَعَالَى، فَالْحَمْد لله الَّذِي جعل الدّين قواماً، وَجعل أَبَا هُرَيْرَة إِمَامًا. قَالَ: وَكنت أرعى غنما، وَكَانَ لي هرة صَغِيرَة أَلعَب بهَا فكنوني بهَا وَقيل: رَآهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِي كمه هرة، فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَة، وَهُوَ أَكثر الصَّحَابَة رِوَايَة بِإِجْمَاع، رُوِيَ لَهُ خَمْسَة آلَاف حَدِيث وثلثمائة وَأَرْبَعَة وَسَبْعُونَ حَدِيثا، اتفقَا على ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة وَعشْرين، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِثَلَاثَة وَتِسْعين، وَمُسلم بِمِائَة وَتِسْعين روى عَنهُ أَكثر من ثَمَانمِائَة رجل من صَاحب وتابع، مِنْهُم: ابْن عَبَّاس وَجَابِر وَأنس؛ وَهُوَ أزدي دوسي يماني، ثمَّ مدنِي كَانَ ينزل بِذِي الحليفة بِقرب الْمَدِينَة، لَهُ بهَا دَار تصدق بهَا على موَالِيه، وَمن الروَاة عَنهُ: ابْنه الْمُحَرر، بحاء مُهْملَة ثمَّ رَاء مكررة، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة تسع وَخمسين، وَقيل: ثَمَان، وَقيل: سبع، وَدفن بِالبَقِيعِ وَهُوَ ابْن ثَمَان وَسبعين سنة، وَالَّذِي يَقُوله النَّاس: إِن قَبره بِقرب عسقلان لَا أصل لَهُ فاجتنبه، نعم هُنَاكَ قبر خيسعة بن جندرة الصَّحَابِيّ؛ وَأَبُو هُرَيْرَة من الْأَفْرَاد لَيْسَ فِي الصَّحَابَة من اكتنى بِهَذِهِ الكنية سواهُ، وَفِي الروَاة آخر اكتنى بِهَذِهِ الكنية، يروي عَن مَكْحُول وَعنهُ أَبُو الْمليح الرقي، لَا يعرف. وَآخر اسْمه مُحَمَّد بن فرَاش الضبعِي، روى لَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه، مَاتَ سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَفِي الشَّافِعِيَّة آخر اكتنى بِهَذِهِ الكنية، واسْمه ثَابت بن شبْل، قَالَ عبد الْغفار فِي حَقه: شيخ فَاضل مناظر.

(بَيَان الْأَنْسَاب) الْجعْفِيّ: فِي مذْحج ينْسب إِلَى جعفي بن سعد الْعَشِيرَة بن مَالك: وَمَالك هُوَ جماع مذْحج، والعقدي نِسْبَة إِلَى العقد، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالْقَاف المفتوحتين، وهم قوم من قيس، وهم بطن من الأزد، كَذَا فِي (التَّهْذِيب) وَتَبعهُ النَّوَوِيّ فِي شَرحه، وَفِي شرح قطب الدّين: إِن العقد بطن من نخيلة، وَقيل: من قيس بِالْوَلَاءِ، قَالَ أَبُو الشَّيْخ الْحَافِظ: إِنَّمَا سموا عقدا لأَنهم كَانُوا لِئَامًا، وَقَالَ الْحَاكِم: العقد مولى الْحَارِث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثَعْلَبَة، وَقَالَ صَاحب (الْعين) : العقد قَبيلَة من الْيمن من بني عبد شمس بن سعد، وَقَالَ الرشاطي: الْعَقدي فِي قيس بن ثَعْلَبَة، وَحكى أَبُو عَليّ الغساني، عَن أبي عمر قَالَ: العقديون بطن من قيس؛ والمسندي، بِضَم الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح النُّون، هُوَ عبد الله بن مُحَمَّد شيخ البُخَارِيّ، سمي بذلك لِأَنَّهُ كَانَ يطْلب المسندات ويرغب عَن الْمُرْسل والمنقطات، وَقَالَ صَاحب (الْإِرْشَاد) : كَانَ يتحَرَّى المسانيد من الْأَخْبَار، وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله: عرف بذلك لِأَنَّهُ أول من جمع مُسْند الصَّحَابَة على التراجم بِمَا وَرَاء النَّهر؛ والتيمي فِي قبائل، فَفِي قُرَيْش: تيم بن مرّة، وَفِي الربَاب: تيم بن عبد مَنَاة بن أد بن طابخة، وَفِي النمر بن قاسط: تيم الله بن النمر بن قاسط، وَفِي شَيبَان ابْن ذهل: تيم بن شَيبَان، وَفِي ربيعَة بن نذار: تيم الله بن ثَعْلَبَة، وَفِي قضاعة: تيم الله بن رفيدة، وَفِي ضبة: تيم بن ذهل. والعدوي نِسْبَة إِلَى عدي بن كَعْب، وَهُوَ فِي قُرَيْش، وَفِي الربَاب: عدي بن عبد مَنَاة، وَفِي خُزَاعَة: عدي بن عَمْرو، وَفِي الْأَنْصَار: عدي بطن بن النجار، وَفِي طَيء: عدي بن أخرم، وَفِي قضاعة: عدي بن خباب، والدوسي فِي الأزد ينْسب إِلَى دوس بن عدنان بن عبد الله.

(بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا: الأسناد كلهم مدنيون إِلَّا الْعَقدي فَإِنَّهُ بَصرِي، وإلَاّ المسندي. وَمِنْهَا: أَن كلهم على شَرط السِّتَّة إلَاّ المسندي كَمَا بَيناهُ. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ، وَهُوَ عبد الله بن دِينَار، عَن أبي صَالح.

(بَيَان من أخرجه غَيره) أخرجه مُسلم عَن عبيد الله بن سعيد، وَعبد بن حميد، عَن الْعَقدي بِهِ. وَرَوَاهُ أَيْضا عَن زُهَيْر،

عَن جرير، عَن سهل بن عبد الله، عَن ابْن دِينَار، عَنهُ. وَرَوَاهُ بَقِيَّة الْجَمَاعَة أَيْضا: فَأَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، عَن حَمَّاد عَن سُهَيْل بِهِ. و: التِّرْمِذِيّ فِي الْإِيمَان عَن أبي كريب، عَن وَكِيع، عَن سُفْيَان، عَن سُهَيْل بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح. و: النَّسَائِيّ فِي الْإِيمَان أَيْضا عَن مُحَمَّد بن عبد الله المحرمي، عَن أبي عَامر الْعَقدي بِهِ؛ وَعَن أَحْمد بن سُلَيْمَان، عَن أبي دَاوُد الْحَفرِي. و: أبي نعيم كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ. وَعَن يحيى بن حبيب بن عَرَبِيّ عَن خَالِد بن الْحَارِث، عَن ابْن عجلَان عَنهُ، بِبَعْضِه: (الْحيَاء من الْإِيمَان) ، وَابْن مَاجَه فِي السّنة عَن عَليّ بن مُحَمَّد الطنافسي، عَن وَكِيع بِهِ. وَعَن عَمْرو بن رَافع، عَن جرير بِهِ. وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة، عَن أبي جمال الْأَحْمَر، عَن ابْن عجلَان نَحوه.

(بَيَان اخْتِلَاف الرِّوَايَات) : كَذَا وَقع هُنَا من طَرِيق أبي زيد الْمروزِي: (الْإِيمَان بضع وَسِتُّونَ شُعْبَة) ، وَفِي مُسلم وَغَيره من حَدِيث سُهَيْل، عَن عبد الله بن دِينَار: (بضع وَسَبْعُونَ أَو بضع وَسِتُّونَ) ، وَرَوَاهُ أَيْضا من حَدِيث الْعَقدي، عَن سُلَيْمَان: (بضع وَسَبْعُونَ شُعْبَة) . وَكَذَا وَقع فِي البُخَارِيّ من طَرِيق أبي ذَر الْهَرَوِيّ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهمَا من رِوَايَة سُهَيْل: (بضع وَسَبْعُونَ) بِلَا شكّ، ورجحها القَاضِي عِيَاض، وَقَالَ إِنَّهَا الصَّوَاب. وَكَذَا رجحها الْحَلِيمِيّ وجماعات مِنْهُم: النَّوَوِيّ لِأَنَّهَا زِيَادَة من ثِقَة فَقبلت، وقدمت وَلَيْسَ فِي رِوَايَة الْأَقَل مَا يمْنَعهَا. وَقَالَ ابْن الصّلاح: الْأَشْبَه تَرْجِيح الْأَقَل لِأَنَّهُ الْمُتَيَقن، وَالشَّكّ من سُهَيْل، كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ. وَقد رُوِيَ عَن سُهَيْل عَن جرير: (وَسَبْعُونَ) من غير شكّ، وَكَذَا رِوَايَة سُلَيْمَان ابْن بِلَال فِي مُسلم وَفِي البُخَارِيّ (بضع وَسِتُّونَ) وَقَالَ ابْن الصّلاح: فِي البُخَارِيّ فِي نسخ بِلَادنَا: (إلَاّ سِتُّونَ) ، وَفِي لفظ لمُسلم: (فأفضلها قَول: لَا إِلَه إِلَّا الله، وَأَدْنَاهَا إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق، وَالْحيَاء شُعْبَة من الْإِيمَان) . وَفِي لفظ ابْن مَاجَه: (فأرفعها) ، وَلَفظ اللالكائي: (ادناها إمَاطَة الْعظم عَن الطَّرِيق) ؛ وَفِي كتاب ابْن شاهين: (خِصَال الْإِيمَان أفضلهَا قَول لَا إِلَه إِلَّا الله) ، وَفِي لفظ التِّرْمِذِيّ: (بضع وَسَبْعُونَ بَابا) ، وَقَالَ: حسن صَحِيح، وَرَوَاهُ مُحَمَّد بن عجلَان، عَن عبد الله بن دِينَار، عَن أبي صَالح: (الْإِيمَان سِتُّونَ بَابا أَو سَبْعُونَ أَو بضع) . وَاحِد من العددين، وَرِوَايَة قُتَيْبَة، عَن بكر بن مُضر، عَن عمَارَة بن عربة، عَن أبي صَالح: (الْإِيمَان أَربع وَسِتُّونَ بَابا) ، وَمن حَدِيث الْمُغيرَة بن عبد الله بن عُبَيْدَة، قَالَ: حَدثنِي أبي، عَن جدي، وَكَانَت لَهُ صُحْبَة: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (الْإِيمَان ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ شَرِيعَة، من وافى الله بشريعة مِنْهَا دخل الْجنَّة) . وَفِي كتاب ابْن شاهين من حَدِيث الإفْرِيقِي، عَن عبد الله بن رَاشد مولى عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله عَنهُ، يَقُول: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن بَين يَدي الرَّحْمَن عز وَجل لوحاً فِيهِ ثَلَاثمِائَة وتسع عشرَة شَرِيعَة يَقُول عز وَجل: وَلَا يجيبني عبد من عبَادي لَا يُشْرك بِي شَيْئا فِيهِ وَاحِدَة مِنْهُنَّ إلَاّ أدخلته الْجنَّة) . وَمن حَدِيث عبد الْوَاحِد بن زيد عَن عبد الله بن رَاشد، عَن مَوْلَاهُ عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ: سَمِعت أَبَا سعيد رَضِي الله عَنهُ، يَقُول: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن بَين يَدي الرَّحْمَن عز وَجل لوحاً فِيهِ ثَلَاثمِائَة وتسع عشرَة شَرِيعَة، يَقُول عز وَجل: لَا يجيئني عبد من عبَادي لَا يُشْرك بِي شَيْئا فِيهِ وَاحِدَة مِنْهَا إلَاّ أدخلته الْجنَّة) . وَمن حَدِيث عبد الْوَاحِد بن زيد، عَن عبد الله بن رَاشد، عَن مَوْلَاهُ عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن لله تَعَالَى مائَة خلق، من أَتَى بِخلق مِنْهَا دخل الْجنَّة) . قَالَ لنا أَحْمد: سُئِلَ إِسْحَاق: مَا معنى الْأَخْلَاق؟ قَالَ: يكون فِي الْإِنْسَان حَيَاء، يكون فِيهِ رَحْمَة، يكون فِيهِ سخاء، يكون فِيهِ تسَامح، هَذَا من أَخْلَاق الله عز وَجل، وَفِي (كتاب الديباج) للخيلي، من حَدِيث نوح بن فضَالة، عَن مَالك بن زِيَاد الْأَشْجَعِيّ: (الْإِسْلَام ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة عشر سَهْما، فَإِذا كَانَ فِي جَاءَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْت السَّلَام، وَإِنَّمَا الْإِسْلَام من جَاءَ متمسكاً بِسَهْم من سهامي، فَأدْخلهُ الْجنَّة) قَالَ رسته: حَدثنَا ابْن مهْدي، عَن إِسْرَائِيل، عَن أبي إِسْحَاق، عَن صلَة عَن حُذَيْفَة: (الْإِسْلَام ثَمَانِيَة أسْهم: الْإِسْلَام سهم، وَالصَّلَاة سهم، وَالزَّكَاة سهم، وَصَوْم رَمَضَان سهم، وَالْحج سهم، وَالْجهَاد سهم وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ، سهم وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، سهم وَقد خَابَ من لَا سهم لَهُ) .

(بَيَان اللُّغَات) قَوْله: (بضع) ذكر ابْن الْبنانِيّ فِي (الموعب) عَن الْأَصْمَعِي: الْبضْع، مِثَال عِلم: مَا بَين اثْنَيْنِ إِلَى عشرَة

واثني عشرَة إِلَى عشْرين فَمَا فَوق ذَلِك يُقَال: بضعَة عشر فِي جمع الْمُذكر، وبضع عشرَة فِي جمع الْمُؤَنَّث. قَالَ تَعَالَى: {فِي بضع سِنِين} (الرّوم: ٤) وَلَا يُقَال فِي: أحد عشر وَلَا اثنى عشر، إِنَّمَا الْبضْع من الثَّلَاث إِلَى الْعشْر. وَقَالَ صَاحب (الْعين) : الْبضْع سَبْعَة، وَقَالَ قطرب: أخبرنَا الثِّقَة، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: ( {فِي بضع سِنِين} (الرّوم: ٤) مَا بَين خمس إِلَى سبع) . وَقَالُوا: مَا بَين الثَّلَاث إِلَى الْخمس. وَقَالَ الْفراء: الْبضْع نَيف مَا بَين الثَّلَاث إِلَى التسع، كَذَلِك رَأَيْت الْعَرَب تفعل، وَلَا يَقُولُونَ: بضع وَمِائَة، وَلَا بضع وَألف، وَلَا يذكر مَعَ عشر وَمَعَ الْعشْرين إِلَى التسعين. وَقَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُ الْقطعَة من الْعدَد تجْعَل لما دون الْعشْرَة من الثَّلَاث إِلَى التسع، وَهُوَ الصَّحِيح، وَهُوَ قَول الْأَصْمَعِي. وَقَالَ غَيره: الْبضْع من الثَّلَاث إِلَى التسع؛ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هُوَ مَا بَين نصف الْعشْر، يُرِيد مَا بَين الْوَاحِد إِلَى الْأَرْبَعَة؛ وَقَالَ يَعْقُوب، عَن أبي زيد: بِضع وبَضع، مِثَال: علِم وصَقر؛ وَفِي (الْمُحكم) الْبضْع مَا بَين الثَّلَاث إِلَى الْعشْر، وبالهاء من الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة، يُضَاف إِلَى مَا يُضَاف إِلَيْهِ: الْآحَاد، ويبنى مَعَ الْعشْرَة، كَمَا يبْنى سَائِر الْآحَاد، وَلم يمْتَنع عشرَة؛ وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: بضع سِنِين قِطْعَة من السنين، وَهُوَ يجْرِي فِي الْعدَد مجْرى مَا دون الْعشْرَة. وَقَالَ قوم: قَوْله تَعَالَى: {فَلبث فِي السجْن بضع سِنِين} (يُوسُف: ٤٢) يدل على أَن الْبضْع سبع سِنِين، لِأَن يُوسُف، عَلَيْهِ السَّلَام، إِنَّمَا لبث فِي السجْن سبع سِنِين. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: لَيْسَ الْبضْع العقد وَلَا نصف العقد؛ يذهب إِلَى أَنه من الْوَاحِد إِلَى الْأَرْبَعَة. وَفِي (الصِّحَاح) : لَا تَقول بضع وَعِشْرُونَ. وَقَالَ المطرزي فِي شَرحه: الْبضْع من أَرْبَعَة إِلَى تِسْعَة، هَذَا الَّذِي حصلناه من الْعلمَاء الْبَصرِيين والكوفيين، وَفِيه خلاف، إلَاّ أَن هَذَا هُوَ الإختيار. والنيف: من وَاحِد إِلَى ثَلَاثَة، وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي (المثلث) الْبضْع، بِالْفَتْح وَالْكَسْر؛ مَا بَين وَاحِد إِلَى خَمْسَة فِي قَول أبي عُبَيْدَة، وَقَالَ غَيره: مَا بَين وَاحِد إِلَى عشرَة، وَهُوَ الصَّحِيح وَفِي (الغريبين) للهروي: الْبضْع والبضعة وَاحِد، ومعناهما الْقطعَة من الْعدَد، زَاد عِيَاض، بِكَسْر الْبَاء فيهمَا وبفتحهما، وَفِي (الْعباب) قَالَ أَبُو زيد: أَقمت بضع سِنِين، بِالْفَتْح، وَجَلَست فِي بقْعَة طيبَة، وأقمت بُرْهَة كلهَا بِالْفَتْح. وَهُوَ مَا بَين الثَّلَاث إِلَى التسع. وروى الْأَثْرَم عَن أبي عُبَيْدَة: أَن الْبضْع مَا بَين الثَّلَاث إِلَى الْخمس. وَتقول: بضع سِنِين وَبضْعَة عشر رجلا، وبضع عشرَة امْرَأَة، فَإِذا جَاوَزت لفظ الْعشْر ذهب الْبضْع، لَا تَقول: بضع وَعِشْرُونَ، وَقيل: هَذَا غلط، بل يُقَال ذَلِك. وَقَالَ أَبُو زيد: يُقَال لَهُ بضعَة وَعِشْرُونَ رجلا وبضع وَعِشْرُونَ امْرَأَة، والبضع من الْعدَد فِي الأَصْل غير مَحْدُود، وَإِنَّمَا صَار مُبْهما لِأَنَّهُ بِمَعْنى الْقطعَة، والقطعة غير محدودة. قَوْله: (شُعْبَة) ، بِضَم الشين، وَهِي الْقطعَة والفرقة، وَهِي وَاحِدَة الشّعب، وَهِي أَغْصَان الشَّجَرَة. قَالَ ابْن سَيّده: الشعبة الْفرْقَة والطائفة من الشَّيْء، وَمِنْه شعب الْآبَاء، وَشعب الْقَبَائِل، وشعبها الْأَرْبَع، وَوَاحِد شعب الْقَبَائِل شعب، بِالْفَتْح، وَقيل: بِالْكَسْرِ، وَهِي الْعِظَام. وَكَذَا شعب الْإِنَاء، صدعه بِالْفَتْح أَيْضا، وَقَالَ الْخَلِيل: الشّعب الإجتماع والافتراق، أَي: هما ضدان، وَالْمرَاد بالشعبة فِي الحَدِيث: الْخصْلَة، أَي: أَن الْإِيمَان ذُو خِصَال مُتعَدِّدَة. قَوْله: (وَالْحيَاء) ممدوداً، هُوَ الاستحياء، واشتقاقه من الْحَيَاة. يُقَال: حيى الرجل، إِذا انْتقصَ حَيَاته، وانتكس قوته، كَمَا يُقَال: نسي نساه أَي: الْعرق الَّذِي فِي الْفَخْذ، وَحشِي إِذا اعتل حشاه، فَمَعْنَى الْحَيّ: المؤف من خوف المذمة، وَقد حيى مِنْهُ حَيَاء واستحى واستحيى، حذفوا الْيَاء الْأَخِيرَة كَرَاهِيَة التقاء الساكنين، والأخيران يتعديان بِحرف وَبِغير حرف، يَقُولُونَ: استحيى مِنْك، واستحياك، وَرجل حييّ: ذُو حَيَاء، وَالْأُنْثَى بِالتَّاءِ، وَالْحيَاء تغير وانكسار يعتري الْإِنْسَان من خوف مَا يعاب بِهِ ويذم، وَقد يعرف أَيْضا بِأَنَّهُ انحصار النَّفس خوف ارْتِكَاب القبائح.

(بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله: (الْإِيمَان) مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (بضع وَسِتُّونَ شُعْبَة) . قَالَ الْكرْمَانِي: بضع، هَكَذَا فِي بعض الْأُصُول، وبضعه بِالْهَاءِ فِي أَكْثَرهَا، وَقَالَ بَعضهم: وَقع فِي بعض الرِّوَايَات بضعَة، بتاء التَّأْنِيث. قلت: الصَّوَاب مَعَ الْكرْمَانِي، وَكَذَا قَالَ بعض الشُّرَّاح: كَذَا وَقع هُنَا فِي بعض الْأُصُول: بضع، وَفِي أَكْثَرهَا: بضعَة، بِالْهَاءِ، وَأكْثر الرِّوَايَات فِي غير هَذَا الْموضع بضع بِلَا هَاء وَهُوَ الْجَارِي على اللُّغَة الْمَشْهُورَة، وَرِوَايَة الْهَاء صَحِيحَة أَيْضا على التَّأْوِيل. قلت: لَا شكّ أَن بضعاً للمؤنث، وَبضْعَة للمذكر، وَشعْبَة يؤنث فَيَنْبَغِي أَن يُقَال: بضع، بِلَا هَاء، وَلَكِن لما جَاءَت الرِّوَايَة: ببضعة يحْتَاج أَن تؤول الشعبة، بالنوع إِذا فسرت الشعبة: بالطائفة من الشَّيْء، وبالخلق إِذا فسرت بالخصلة والخلة. قَوْله: (وَالْحيَاء) مُبْتَدأ وَخَبره (شُعْبَة) وَقَوله: (من الْإِيمَان) فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا صفة: شُعْبَة.

(بَيَان الْمعَانِي وَالْبَيَان) : لَا شكّ أَن تَعْرِيف الْمسند إِلَيْهِ إِنَّمَا يقْصد إِلَى تَعْرِيفه لإتمام فَائِدَة السَّامع، لِأَن فَائِدَته من الْخَبَر إِمَّا الحكم أَو لَازمه، كَمَا بَين فِي مَوْضِعه وَفِيه الْفَصْل بَين الجملتين بِالْوَاو، لِأَنَّهُ قصد التَّشْرِيك وَتَعْيِين الْوَاو لدلالتها على الْجمع، وَفِيه تَشْبِيه الْإِيمَان بشجرة ذَات أَغْصَان، وَشعب، كَمَا شبه فِي الحَدِيث السَّابِق الْإِسْلَام بخباء ذَات أعمدة وأطناب، ومبناه على الْمجَاز، وَذَلِكَ لِأَن الْإِيمَان فِي اللُّغَة التَّصْدِيق، وَفِي عرف الشَّرْع: تَصْدِيق الْقلب وَاللِّسَان، وَتَمَامه وكماله بالطاعات، فحينئذٍ الْإِخْبَار عَن الْإِيمَان بِأَنَّهُ بضع وَسِتُّونَ شُعْبَة، أَو بضع وَسَبْعُونَ، وَنَحْو ذَلِك يكون من بَاب إِطْلَاق الأَصْل على الْفَرْع، وَذَلِكَ لِأَن الْإِيمَان هُوَ الأَصْل، والأعمال فروع مِنْهُ. وَإِطْلَاق الْإِيمَان على الْأَعْمَال مجَاز، لِأَنَّهَا تكون عَن الْإِيمَان، وَقد اتّفق أهل السّنة من الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء والمتكلمين على أَن الْمُؤمن الَّذِي يحكم بإيمانه، وَأَنه من أهل الْقبْلَة، وَلَا يخلد فِي النَّار، هُوَ الَّذِي يعْتَقد بِقَلْبِه دين الْإِسْلَام اعتقاداً جَازِمًا خَالِيا من الشكوك، ونطق بِالشَّهَادَتَيْنِ، فَإِن اقْتصر على أَحدهمَا لم يكن من أهل الْقبْلَة إلَاّ إِذا عجز عَن النُّطْق، فَإِنَّهُ يكون مُؤمنا إلاّ مَا حَكَاهُ القَاضِي عِيَاض فِي (كتاب الشِّفَاء) فِي أَن: من اعْتقد دين الْإِسْلَام بِقَلْبِه، وَلم ينْطق بِالشَّهَادَتَيْنِ من غير عذر مَنعه من القَوْل، إِن ذَلِك نافعه فِي الدَّار الْآخِرَة، على قَول ضَعِيف. وَقد يكون فائزاً، لكنه غير الْمَشْهُور، وَالله أعلم.

(بَيَان استنباط الْفَوَائِد) وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِي تعْيين السِّتين على مَا جَاءَ هَهُنَا، وَفِي تعْيين السّبْعين على مَا جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى من (الصَّحِيح) ، وَرِوَايَة أَصْحَاب السّنَن، أما الْحِكْمَة فِي تعْيين السِّتين وتخصيصها، فَهِيَ: أَن الْعدَد إِمَّا زَائِد: وَهُوَ مَا أجزاؤه أَكثر مِنْهُ، كالاثني عشر، فَإِن لَهَا: نصفا وَثلثا وربعاً وسدساً وَنصف سدس، ومجموع هَذِه الْأَجْزَاء أَكثر من اثْنَي عشر، فَإِنَّهُ سِتَّة عشر، وَإِمَّا نَاقص: وَهُوَ مَا أجزاؤه أقل مِنْهُ، كالأربعة فَإِن لَهَا: الرّبع وَالنّصف فَقَط، وَإِمَّا تَامّ: وَهُوَ مَا أجزاؤه مثله كالستة، فَإِن أجزاءها: النّصْف وَالثلث وَالسُّدُس، وَهِي مُسَاوِيَة للستة، وَالْفضل من بَين الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة للتام، فَلَمَّا أُرِيد الْمُبَالغَة فِيهِ جعلت آحادها أعشاراً، وَهِي: السِّتُّونَ. وَأما الْحِكْمَة فِي تعْيين السّبْعين فَهِيَ: أَن السَّبْعَة تشْتَمل على جملَة أَقسَام الْعدَد، فَإِنَّهُ يَنْقَسِم إِلَى: فَرد وَزوج، وكل مِنْهُمَا إِلَى: أول ومركب، والفرد الأول: ثَلَاثَة، والمركب: خَمْسَة، وَالزَّوْج الأول: اثْنَان، والمركب: أَرْبَعَة، وينقسم أَيْضا إِلَى منطق كالأربعة، وأصم كالستة، فَلَمَّا أُرِيد الْمُبَالغَة فِيهِ جعلت آحادها أعشاراً. وَهِي: السبعون. وَأما زِيَادَة الْبضْع على النَّوْعَيْنِ فقد علم أَنه يُطلق على السِّت وعَلى السَّبع، لِأَنَّهُ مَا بَين اثْنَيْنِ إِلَى عشرَة، وَمَا فَوْقهَا كَمَا نَص عَلَيْهِ صَاحب (الموعب) فَفِي الأول السِّتَّة أصل للستين وَفِي الثَّانِي، السَّبْعَة أصل للسبعين، كَمَا ذَكرْنَاهُ، فَهَذَا وَجه تعْيين أحد هذَيْن العددين. الثَّانِي: أَن المُرَاد من هذَيْن العددين: هَل هُوَ حَقِيقَة أم ذكرا على سَبِيل الْمُبَالغَة؟ فَقَالَ بَعضهم: أُرِيد بِهِ التكثير دون التعديد، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن تستغفر لَهُم سبعين مرّة} (التَّوْبَة: ٨٠) وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: الْأَظْهر معنى التكثير، وَيكون ذكر الْبضْع للترقي، يَعْنِي أَن شعب الْأَيْمَان أعداد مُبْهمَة وَلَا نِهَايَة لكثرتها، إِذْ لَو أُرِيد التَّحْدِيد لم يبهم. وَقَالَ بَعضهم: الْعَرَب تسْتَعْمل السّبْعين كثيرا فِي بَاب الْمُبَالغَة، وَزِيَادَة السَّبع عَلَيْهَا الَّتِي عبر عَنْهَا بالبضع لأجل أَن السَّبْعَة أكمل الْأَعْدَاد، لِأَن السِّتَّة أول عدد تَامّ، وَهِي مَعَ الْوَاحِد سَبْعَة، فَكَانَت كَامِلَة، إِذْ لَيْسَ بعد التَّمام سوى الْكَمَال. وَسمي الْأسد: سَبُعاً لكَمَال قوته، وَالسَّبْعُونَ غَايَة الْغَايَة إِذْ الْآحَاد غايتها العشرات. فَإِن قلت: قد قلت: إِن الْبضْع لما بَين اثْنَيْنِ إِلَى عشرَة وَمَا فَوْقهَا، فَمن أَيْن تَقول: إِن المُرَاد من الْبضْع السَّبع حَتَّى بنى الْقَائِل الْمَذْكُور كَلَامه على هَذَا؟ قلت: قد نَص صَاحب (الْعين) على: أَن الْبضْع سَبْعَة، كَمَا ذكرنَا، وَقَالَ بَعضهم: هَذَا الْقدر الْمَذْكُور هُوَ شعب الْإِيمَان، وَالْمرَاد مِنْهُ تعداد الْخِصَال حَقِيقَة. فَإِن قلت: إِذا كَانَ المُرَاد بَيَان تعداد الْخِصَال، فَمَا الِاخْتِلَاف الْمَذْكُور؟ قلت: يجوز أَن يكون شعب الْإِيمَان بضعاً وَسِتِّينَ وَقت تنصيصه على هَذَا الْمِقْدَار، فَذكره لبَيَان الْوَاقِع، ثمَّ بعد ذَلِك نَص على بضع وَسبعين، بِحَسب تعدد الْعشْرَة على ذَلِك الْمِقْدَار، فَافْهَم، فَإِنَّهُ مَوضِع فِيهِ دقة. الثَّالِث: فِي بَيَان الْعدَد الْمَذْكُور قَالَ الإِمَام أَبُو حَاتِم بن حبَان بِكَسْر الْحَاء وَتَشْديد الْمُوَحدَة، البستي، فِي كتاب (وصف الْإِيمَان وشعبه) تتبعت معنى هَذَا الحَدِيث مُدَّة، وعددت الطَّاعَات فَإِذا هِيَ تزيد على هَذَا الْعدَد شَيْئا كثيرا، فَرَجَعت إِلَى السّنَن، فعددت كل طَاعَة عَددهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من الْإِيمَان، فَإِذا هِيَ تنقص على الْبضْع وَالسبْعين، فَرَجَعت إِلَى كتاب الله تَعَالَى، فعددت كل طَاعَة عدهَا الله من الْإِيمَان فَإِذا هِيَ تنقص عَن الْبضْع وَالسبْعين، فضممت إِلَى الْكتاب السّنَن، واسقطت الْعَاد، فَإِذا كل شَيْء عده الله وَرَسُوله عَلَيْهِ السَّلَام، من الْإِيمَان بضع وَسَبْعُونَ، لَا يزِيد عَلَيْهَا وَلَا ينقص.

فَعلمت أَن مُرَاد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؛ أَن هَذَا الْعدَد فِي الْكتاب وَالسّنة انْتهى. وَقد تكلفت جمَاعَة فِي بَيَان هَذَا الْعدَد بطرِيق الِاجْتِهَاد، وَفِي الحكم بِكَوْن المُرَاد ذَلِك نظر وصعوبة. قَالَ القَاضِي عِيَاض: وَلَا يقْدَح عدم معرفَة ذَلِك على التَّفْصِيل فِي الْإِيمَان، إِذْ أصُول الْإِيمَان وفروعه مَعْلُومَة مُحَققَة، وَالْإِيمَان بِأَن هَذَا الْعدَد وَاجِب على الْجُمْلَة، وتفصيل تِلْكَ الْأُصُول وتعيينها على هَذَا الْعدَد يحْتَاج إِلَى تَوْقِيف. وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذِه منحصرة فِي علم الله وَعلم رَسُوله، مَوْجُودَة فِي الشَّرِيعَة، غير أَن الشَّرْع لم يوقفنا عَلَيْهَا، وَذَلِكَ لَا يضرنا فِي علمنَا بتفاصيل مَا كلفنا بِهِ، فَمَا أمرنَا بِالْعلمِ بِهِ عَملنَا، وَمَا نَهَانَا عَنهُ انتهينا، وَإِن لم نحط بحصر أعداده. وَقَالَ أَيْضا: الْإِيمَان اسْم يتشعب إِلَى أُمُور ذَوَات عدد جِمَاعهَا الطَّاعَة، وَلِهَذَا صَار من صَار من الْعلمَاء إِلَى أَن النَّاس مفاضلون فِي درج الْإِيمَان، وَإِن كَانُوا متساوين فِي اسْمه. وَكَانَ بَدْء الْإِيمَان كلمة الشَّهَادَة، وَأقَام رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَقِيَّة عمره يَدْعُو النَّاس إِلَيْهَا، وسمى من أَجَابَهُ إِلَى ذَلِك مُؤمنا إِلَى أَن نزلت الْفَرَائِض، وَبِهَذَا الِاسْم خوطبوا عِنْد إِيجَابهَا عَلَيْهِم، فَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة} (الْمَائِدَة: ٦) وَهَذَا الحكم مُسْتَمر فِي كل اسْم يَقع على أَمر ذِي شعب: كَالصَّلَاةِ، فَإِن رجلا لَو مر على مَسْجِد وَفِيه قوم مِنْهُم من يستفتح الصَّلَاة، وَمِنْهُم من هُوَ رَاكِع أَو ساجد، فَقَالَ: رَأَيْتهمْ يصلونَ كَانَ صَادِقا مَعَ اخْتِلَاف أَحْوَالهم فِي الصَّلَاة، وتفاضل أفعالهم فِيهَا. فَإِن قيل: إِذا كَانَ الْإِيمَان بضعاً وَسبعين شُعْبَة، فَهَل يمكنكم أَن تسموها بأسمائها؟ وَإِن عجزتم عَن تفصيلها، فَهَل يَصح إيمَانكُمْ بِمَا هُوَ مَجْهُول؟ قُلْنَا: إيمَاننَا بِمَا كلفناه صَحِيح، وَالْعلم بِهِ حَاصِل، وَذَلِكَ من وَجْهَيْن. الأول: أَنه قد نَص على أَعلَى الْإِيمَان وَأَدْنَاهُ باسم أَعلَى الطَّاعَات وَأَدْنَاهَا، فَدخل فِيهِ جَمِيع مَا يَقع بَينهمَا من جنس الطَّاعَات كلهَا، وجنس الطَّاعَات مَعْلُوم. وَالثَّانِي: أَنه لم يُوجب علينا معرفَة هَذِه الْأَشْيَاء بخواص أسمائها حَتَّى يلْزمنَا تَسْمِيَتهَا فِي عقد الْإِيمَان، وكلفنا التَّصْدِيق بجملتها كَمَا كلفنا الْإِيمَان بملائكته وَإِن كُنَّا لَا نعلم أَسمَاء أَكْثَرهم وَلَا أعيانهم. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَقد بَين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَعلَى هَذِه الشّعب وَأَدْنَاهَا، كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح، من قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَعْلَاهَا لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَدْنَاهَا أماطة الأذي عَن الطَّرِيق) فَبين أَن أَعْلَاهَا التَّوْحِيد الْمُتَعَيّن على كل مُكَلّف، وَالَّذِي لَا يَصح شَيْء غَيره من الشّعب إلَاّ بعد صِحَّته، وَأَن أدناها دفع مَا يتَوَقَّع بِهِ ضَرَر الْمُسلمين، وَبَقِي بَينهمَا تَمام الْعدَد، فَيجب علينا الْإِيمَان بِهِ وَإِن لم نَعْرِف أَعْيَان جَمِيع أَفْرَاده، كَمَا نؤمن بِالْمَلَائِكَةِ وَإِن لم نَعْرِف أعيانهم وأسماءهم. انْتهى.

وَقد صنف فِي تعْيين هَذِه الشّعب جمَاعَة، مِنْهُم: الإِمَام أَبُو عبد الله الْحَلِيمِيّ صنف فِيهَا كتابا أسماه: (فَوَائِد الْمِنْهَاج) ، والحافظ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ وَسَماهُ: (شعب الْإِيمَان) ، وَإِسْحَاق ابْن الْقُرْطُبِيّ وَسَماهُ: (كتاب النصايح) ، وَالْإِمَام أَبُو حَاتِم وَسَماهُ: (وصف الْإِيمَان وشعبه) . وَلم أر أحدا مِنْهُم شفى العليل، وَلَا أروى الغليل. فَنَقُول مُلَخصا بعون الله تَعَالَى وتوفيقه: إِن أصل الْإِيمَان هُوَ: التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ، وَلَكِن الْإِيمَان الْكَامِل التَّام هُوَ التَّصْدِيق وَالْإِقْرَار وَالْعَمَل، فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَقسَام. فَالْأول: يرجع إِلَى الاعتقاديات، وَهِي تتشعب إِلَى ثَلَاثِينَ شُعْبَة. الأولى: الْإِيمَان بِاللَّه تَعَالَى، وَيدخل فِيهِ الْإِيمَان بِذَاتِهِ وَصِفَاته وتوحيده بِأَن لَيْسَ كمثله شَيْء. الثَّانِيَة: اعْتِقَاد حُدُوث مَا سوى الله تَعَالَى. الثَّالِثَة: الْإِيمَان بملائكته. الرَّابِعَة: الْإِيمَان بكتبه. الْخَامِسَة: الْإِيمَان برسله. السَّادِسَة: الْإِيمَان بِالْقدرِ خَيره وشره. السَّابِعَة: الْإِيمَان بِالْيَوْمِ الآخر، وَيدخل فِيهِ السُّؤَال بالقبر وعذابه، والبعث والنشور والحساب وَالْمِيزَان والصراط. الثَّامِنَة: الوثوق على وعد الْجنَّة وَالْخُلُود فِيهَا. التَّاسِعَة: الْيَقِين بوعيد النَّار وعذابها وَأَنَّهَا لَا تفنى. الْعَاشِرَة: محبَّة الله تَعَالَى. الْحَادِيَة عشر: الْحبّ فِي الله والبغض فِي الله، وَيدخل فِيهِ حب الصَّحَابَة الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، وَحب آل الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. الثَّانِيَة عشر: محبَّة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَيدخل فِيهِ الصَّلَاة عَلَيْهِ وَاتِّبَاع سنته. الثَّالِثَة عشر: الْإِخْلَاص، وَيدخل فِيهِ ترك الرِّيَاء والنفاق. الرَّابِعَة عشر: التَّوْبَة والندم. الْخَامِسَة عشر: الْخَوْف. السَّادِسَة عشر: الرَّجَاء. السَّابِعَة عشر: ترك الْيَأْس والقنوط. الثَّامِنَة عشر: الشُّكْر. التَّاسِعَة عشر: الْوَفَاء. الْعشْرُونَ: الصَّبْر. الْحَادِيَة وَالْعشْرُونَ. التَّوَاضُع، وَيدخل فِيهِ توقير الأكابر. الثَّانِيَة وَالْعشْرُونَ: الرَّحْمَة والشفقة، وَيدخل فِيهِ الشَّفَقَة على الأصاغر. الثَّالِث وَالْعشْرُونَ: الرضاء بِالْقضَاءِ. الرَّابِعَة وَالْعشْرُونَ: التَّوَكُّل. الْخَامِسَة وَالْعشْرُونَ: ترك الْعجب والزهو، وَيدخل فِيهِ ترك مدح نَفسه وتزكيتها. السَّادِسَة وَالْعشْرُونَ: ترك الْحَسَد. السَّابِعَة وَالْعشْرُونَ: ترك الحقد

والضغن. الثَّامِنَة وَالْعشْرُونَ: ترك الْغَضَب. التَّاسِعَة وَالْعشْرُونَ: ترك الْغِشّ، وَيدخل فِيهِ الظَّن السوء وَالْمَكْر. الثَّلَاثُونَ: ترك حب الدُّنْيَا، وَيدخل فِيهِ: ترك حب المَال وَحب الجاه، فَإِذا وجدت شَيْئا من أَعمال الْقلب من الْفَضَائِل والرذائل خَارِجا عَمَّا ذكر بِحَسب الظَّاهِر، فَإِنَّهُ فِي الْحَقِيقَة دَاخل فِي فصل من الْفُصُول يظْهر ذَلِك عِنْد التَّأَمُّل. وَالْقسم الثَّانِي: يرجع إِلَى أَعمال اللِّسَان، وَهِي تتشعب إِلَى سبع شعب. الأولى: التَّلَفُّظ بِالتَّوْحِيدِ. الثَّانِيَة: تِلَاوَة الْقُرْآن. الثَّالِثَة: تعلم الْعلم. الرَّابِعَة: تَعْلِيم الْعلم. الْخَامِسَة: الدُّعَاء. السَّادِسَة: الذّكر وَيدخل فِيهِ الاسْتِغْفَار. السَّابِعَة: اجْتِنَاب اللَّغْو. وَالْقسم الثَّالِث: يرجع إِلَى أَعمال الْبدن، وَهِي تتشعب إِلَى أَرْبَعِينَ شُعْبَة، وَهِي على ثَلَاثَة أَنْوَاع. الأول: مَا يخْتَص بالأعيان وَهِي سِتَّة عشر شُعْبَة. الأولى: التطهر، وَيدخل فِيهِ طَهَارَة الْبدن وَالثَّوْب وَالْمَكَان، وَيدخل فِي طَهَارَة الْبدن الْوضُوء من الْحَدث، والاغتسال من الْجَنَابَة وَالْحيض وَالنّفاس. الثَّانِيَة: إِقَامَة الصَّلَاة، وَيدخل فِيهَا الْفَرْض وَالنَّفْل وَالْقَضَاء. الثَّالِثَة: أَدَاء الزَّكَاة، وَيدخل فِيهَا الصَّدَقَة، وَيدخل فِيهَا أَدَاء الزَّكَاة، وَيدخل فِيهَا صَدَقَة الْفطر، وَيدخل فِي هَذَا الْبَاب الْجُود وإطعام الطَّعَام وإكرام الضَّيْف. الرَّابِعَة: الصَّوْم فرضا ونفلاً. الْخَامِسَة: الْحَج، وَيدخل فِيهِ الْعمرَة. السَّادِسَة: الِاعْتِكَاف، وَيدخل فِيهِ التمَاس لَيْلَة الْقدر. السَّابِعَة: الْفِرَار بِالدّينِ، وَيدخل فِيهِ الْهِجْرَة من دَار الشّرك. الثَّامِنَة: الْوَفَاء بِالنذرِ. التَّاسِعَة: التَّحَرِّي فِي الْإِيمَان. الْعَاشِرَة: أَدَاء الْكَفَّارَة. الْحَادِيَة عشر: ستر الْعَوْرَة فِي الصَّلَاة وخارجها. الثَّانِيَة عشرَة: ذبح الضَّحَايَا وَالْقِيَام بهَا إِذا كَانَت منذورة. الثَّالِثَة عشر: الْقيام بِأَمْر الْجَنَائِز. الرَّابِعَة عشر: أَدَاء الدّين. الْخَامِسَة عشر: الصدْق فِي الْمُعَامَلَات والاحتراز عَن الرِّيَاء. السَّادِسَة عشر: أَدَاء الشَّهَادَة بِالْحَقِّ وَترك كتمانها. النَّوْع الثَّانِي: مَا يخْتَص بالاتباع، وَهُوَ سِتّ شعب. الأولى: التعفف بِالنِّكَاحِ. الثَّانِيَة: الْقيام بِحُقُوق الْعِيَال، وَيدخل فِيهِ الرِّفْق بالخدم. الثَّالِثَة: بر الْوَالِدين، وَيدخل فِيهِ الاجتناب عَن العقوق، الرَّابِعَة: تربية الْأَوْلَاد. الْخَامِسَة: صلَة الرَّحِم. السَّادِسَة: طَاعَة الموَالِي. النَّوْع الثَّالِث: مَا يتَعَلَّق بالعامة، وَهُوَ ثَمَانِي عشرَة شُعْبَة. الأولى: الْقيام بالإمارة مَعَ الْعدْل. الثَّانِيَة: مُتَابعَة الْجَمَاعَة. الثَّالِثَة: طَاعَة أولي الْأَمر. الرَّابِعَة: الْإِصْلَاح بَين النَّاس، وَيدخل فِيهِ قتال الْخَوَارِج والبغاة. الْخَامِسَة: المعاونة على الْبر. السَّادِسَة: الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر. السَّابِعَة: إِقَامَة الْحُدُود. الثَّامِنَة: الْجِهَاد، وَيدخل فِيهِ المرابطة. التَّاسِعَة: أَدَاء الْأَمَانَة، وَيدخل فِيهِ أَدَاء الْخمس. الْعَاشِرَة: الْقَرْض مَعَ الْوَفَاء بِهِ. الْحَادِيَة عشرَة: إكرام الْجَار. الثَّانِيَة عشرَة: حسن الْمُعَامَلَة، وَيدخل فِيهِ جمع المَال من حلّه. الثَّالِثَة عشر: إِنْفَاق المَال فِي حَقه، وَيدخل فِيهِ ترك التبذير والإسراف. الرَّابِعَة عشر: رد السَّلَام. الْخَامِسَة عشر: تشميت الْعَاطِس. السَّادِسَة عشر: كف الضَّرَر عَن النَّاس. السَّابِعَة عشر: اجْتِنَاب اللَّهْو، الثَّامِنَة عشر: إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق، فَهَذِهِ سبع وَسَبْعُونَ شُعْبَة.

(الأسئلة والأجوبة) مِنْهَا مَا قيل: لم جعل الْحيَاء من الْإِيمَان؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ باعث على أَفعَال الْخَيْر، ومانع عَن الْمعاصِي، وَلكنه رُبمَا يكون تخلقا واكتساباً كَسَائِر أَعمال الْبر، وَرُبمَا يكون غريزة، لَكِن اسْتِعْمَاله على قانون الشَّرْع يحْتَاج إِلَى اكْتِسَاب وَنِيَّة، فَهُوَ من الْإِيمَان لهَذَا. الثَّانِي: مَا قيل: إِنَّه قد ورد: (الْحيَاء لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَير) وَورد: (الْحيَاء خير كُله) ، فَصَاحب الْحيَاء قد يستحي أَن يواجه بِالْحَقِّ فَيتْرك أمره بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيه عَن الْمُنكر، فَكيف يكون هَذَا من الْإِيمَان؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَيْسَ بحياء حَقِيقَة، بل هُوَ عجز ومهانة، وَإِنَّمَا تَسْمِيَته حَيَاء من إِطْلَاق بعض أهل الْعرف، أَطْلقُوهُ مجَازًا لمشابهته الْحيَاء الْحَقِيقِيّ، وَحَقِيقَته: خلق يبْعَث على اجْتِنَاب الْقَبِيح، وَيمْنَع من التَّقْصِير فِي حق ذِي الْحق وَنَحْوه، وَأولى الْحيَاء: الْحيَاء من الله تَعَالَى، وَهُوَ أَن لَا يراك الله حَيْثُ نهاك، وَذَاكَ إِنَّمَا يكون عَن معرفَة ومراقبة، وَهُوَ المُرَاد بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك) ، وَقد خرج التِّرْمِذِيّ عَنهُ عَلَيْهِ السَّلَام، أَنه قَالَ: (اسْتَحْيوا من الله حق الْحيَاء. قَالُوا: إِنَّا نستحي وَالْحَمْد لله، فَقَالَ: لَيْسَ ذَلِك، وَلَكِن الاستحياء من الله تَعَالَى حق الْحيَاء أَن تحفظ الرَّأْس وَمَا حوى والبطن وَمَا وعى، وتذكر الْمَوْت والبلى، فَمن فعل ذَلِك فقد استحيى من الله حق الْحيَاء) . وَقَالَ الْجُنَيْد: رُؤْيَة الآلاء أَي: النعم، ورؤية التَّقْصِير يتَوَلَّد بَينهمَا حَالَة تسمى الْحيَاء الثَّالِث. مَا قيل: لِمَ أفرد الْحيَاء بِالذكر من بَين سَائِر الشّعب؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ كالداعي إِلَى سَائِر الشّعب، فَإِن الْحَيّ يخَاف فضيحة

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَالشَّرِيعَةُ بِمَعْنًى، وَقَدْ شَرَعَ أَيْ: سَنَّ، فَعَلَى هَذَا فِيهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ غَيْرُ مُرَتَّبٍ.

فَإِنْ قِيلَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى الِاخْتِلَافِ وَالَّذِي قَبْلَهُ عَلَى الِاتِّحَادِ، أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَلَيْسَ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ فِيهِ اخْتِلَافٌ، وَهَذَا فِي الْفُرُوعِ وَهُوَ الَّذِي يَدْخُلُهُ النَّسْخُ.

٢ - باب دُعَاؤُكُمْ إِيمَانُكُمْ

٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ.

[الحديث ٨ - طرفه في: ٤٥١٥]

قَوْلُهُ: ﴿دُعَاؤُكُمْ﴾ إِيمَانُكُمْ) قَالَ النَّوَوِيُّ: يَقَعُ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ هُنَا بَابٌ، وَهُوَ غَلَطٌ فَاحِشٌ وَصَوَابُهُ بِحَذْفِهِ، وَلَا يَصِحُّ إِدْخَالُ بَابِ هُنَا إِذْ لَا تَعَلُّقَ لَهُ هُنَا. قُلْتُ: ثَبَتَ بَابٌ فِي كَثِيرٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ الْمُتَّصِلَةِ، مِنْهَا رِوَايَةُ أَبِي ذَرٍّ، وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ، لَكِنْ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: إِنَّهُ وَقَفَ عَلَى نُسْخَةٍ مَسْمُوعَةٍ عَلَى الْفَرَبْرِيِّ بِحَذْفِهِ، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: ﴿دُعَاؤُكُمْ﴾ إِيمَانُكُمْ. مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَطَفَهُ عَلَى مَا قَبْلِهِ كَعَادَتِهِ فِي حَذْفِ أَدَاةِ الْعَطْفِ حَيْثُ يُنْقَلُ التَّفْسِيرُ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ قَالَ يَقُولُ: لَوْلَا إِيمَانُكُمْ. أَخْبَرَ اللَّهُ الْكُفَّارَ أَنَّهُ لَا يَعْبَأُ بِهِمْ، وَلَوْلَا إِيمَانُ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَعْبَأْ بِهِمْ أَيْضًا. وَوَجْهُ الدِّلَالَةِ لِلْمُصَنِّفِ أَنَّ الدُّعَاءَ عَمَلٌ وَقَدْ أَطْلَقَهُ عَلَى الْإِيمَانِ فَيَصِحُّ إِطْلَاقُ أَنَّ الْإِيمَانَ عَمَلٌ، وَهَذَا عَلَى تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الدُّعَاءُ هنا مَصْدَرٌ مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ، وَالْمُرَادُ دُعَاءُ الرُّسُلِ الْخَلْقَ إِلَى الْإِيمَانِ، فَالْمَعْنَى لَيْسَ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ عُذْرٌ إِلَّا أَنْ يَدْعُوَكُمُ الرَّسُولُ فَيُؤْمِنُ مَنْ آمَنَ وَيَكْفُرُ مَنْ كَفَرَ، ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ أَنْتُمْ ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ﴾ الْعَذَابُ لَازِمًا لَكُمْ. وَقِيلَ: مَعْنَى الدُّعَاءِ هُنَا الطَّاعَةُ.

وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنُ بَشِيرٍ أَنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ.

قَوْلُهُ: (حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) هُوَ قُرَشِيٌّ مَكِّيٌّ مِنْ ذُرِّيَّةِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ الْجُمَحِيِّ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ هُوَ ابْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، وَهُوَ ثِقَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي طَبَقَتِهِ عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَلَمْ يُخَرِّجْ لَهُ الْبُخَارِيُّ، نَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِشِدَّةِ الْتِبَاسِهِ، وَيَفْتَرِقَانِ بِشُيُوخِهِمَا، وَلَمْ يُرْوَ الضَّعِيفُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ حَنْظَلَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ بْنَ خَالِدٍ يُحَدِّثُ طَاوُسًا أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَلَا تَغْزُو؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ. . . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

(فَائِدَةٌ): اسْمُ الرَّجُلِ السَّائِلِ حَكِيمٌ، ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ.

قَوْلُهُ: (عَلَى خَمْسٍ) أَيْ: دَعَائِمَ. وَصَرَّحَ بِهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي رِوَايَتِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَلَى خَمْسَةٍ أَيْ: أَرْكَانٍ. فَإِنْ قِيلَ الْأَرْبَعَةُ الْمَذْكُورَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الشَّهَادَةِ إِذْ لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا إِلَّا بَعْدَ وُجُودِهَا فَكَيْفَ يُضَمُّ مَبْنِيٌّ إِلَى مَبْنِيٍّ عَلَيْهِ فِي مُسَمًّى وَاحِدٍ؟ أُجِيبَ بِجَوَازِ ابْتِنَاءِ أَمْرٍ عَلَى أَمْرٍ يَنْبَنِي عَلَى الْأَمْرَيْنِ أَمْرٌ آخَرُ. فَإِنْ قِيلَ: الْمَبْنِيُّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ، أُجِيبَ: بِأَنَّ الْمَجْمُوعَ غَيْرٌ مِنْ حَيْثُ الِانْفِرَادِ، عَيْنٌ مِنْ حَيْثُ الْجَمْعِ. وَمِثَالُهُ الْبَيْتُ مِنِ الشِّعْرِ

يُجْعَلُ عَلَى خَمْسَةِ أَعْمِدَةٍ … أَحَدُهَا أَوْسَطُ وَالْبَقِيَّةُ أَرْكَانٌ

فَمَا دَامَ الْأَوْسَطُ قَائِمًا فَمُسَمَّى الْبَيْتِ مَوْجُودٌ وَلَوْ سَقَطَ مَهْمَا سَقَطَ مِنَ الْأَرْكَانِ، فَإِذَا سَقَطَ الْأَوْسَطُ سَقَطَ مُسَمَّى الْبَيْتِ، فَالْبَيْتُ بِالنَّظَرِ إِلَى مَجْمُوعِهِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَبِالنَّظَرِ إِلَى أَفْرَادِهِ أَشْيَاءُ. وَأَيْضًا فَبِالنَّظَرِ إِلَى أُسِّهِ وَأَرْكَانِهِ، الْأُسُّ أَصْلٌ، وَالْأَرْكَانُ تَبَعٌ وَتَكْمِلَةٌ.

(تَنْبِيهَاتٌ): أَحَدُهَا: لَمْ يُذْكَرِ الْجِهَادَ ; لِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَلَا يَتَعَيَّنُ إِلَّا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ،

وَلِهَذَا جَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ جَوَابَ السَّائِلِ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي آخِرِهِ: وَإِنَّ الْجِهَادَ مِنَ الْعَمَلِ الْحَسَنِ. وَأَغْرَبَ ابْنُ بَطَّالٍ فَزَعَمَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ كَانَ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ قَبْلَ فَرْضِ الْجِهَادِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ هُوَ خَطَأٌ ; لِأَنَّ فَرْضَ الْجِهَادِ كَانَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَبَدْرٌ كَانَتْ فِي رَمَضَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، وَفِيهَا فُرِضَ الصِّيَامُ وَالزَّكَاةُ بَعْدَ ذَلِكَ وَالْحَجُّ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ.

ثَانِيهَا: قَوْلُهُ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا بَعْدَهَا مَخْفُوضٌ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ خَمْسٍ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى حَذْفِ الْخَبَرِ، وَالتَّقْدِيرُ مِنْهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. أَوْ عَلَى حَذْفِ الْمُبْتَدَأِ، وَالتَّقْدِيرُ أَحَدُهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يَذْكُرِ الْإِيمَانَ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا تَضَمَّنَهُ سُؤَالُ جِبْرِيلَ ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّهَادَةِ تَصْدِيقُ الرَّسُولِ فِيمَا جَاءَ بِهِ، فَيَسْتَلْزِمُ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ مِنَ الْمُعْتَقَدَاتِ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مَا مُحَصَّلُهُ: هُوَ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِبَعْضِهِ كَمَا تَقُولُ: قَرَأْتُ الْحَمْدَ وَتُرِيدُ جَمِيعَ الْفَاتِحَةِ، وَكَذَا تَقُولُ مَثَلًا: شَهِدْتُ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ وَتُرِيدُ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ثَالِثُهَا: الْمُرَادُ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهَا أَوْ مُطْلَقُ الْإِتْيَانِ بِهَا، وَالْمُرَادُ بِإِيتَاءِ الزَّكَاةِ إِخْرَاجُ جُزْءٍ مِنَ الْمَالِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ.

رَابِعُهَا: اشْتَرَطَ الْبَاقِلَّانِيُّ فِي صِحَّةِ الْإِسْلَامِ تَقَدُّمَ الْإِقْرَارِ بِالتَّوْحِيدِ عَلَى الرِّسَالَةِ، وَلَمْ يُتَابَعْ، مَعَ أَنَّهُ إِذَا دُقِّقَ فِيهِ بَانَ وَجْهُهُ، وَيَزْدَادُ اتِّجَاهًا إِذَا فَرَّقَهُمَا، فَلْيُتَأَمَّلْ.

خَامِسُهَا: يُسْتَفَادُ مِنْهُ تَخْصِيصُ عُمُومِ مَفْهُومِ السُّنَّةِ بِخُصُوصِ مَنْطُوقِ الْقُرْآنِ ; لِأَنَّ عُمُومَ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي صِحَّةَ إِسْلَامِ مَنْ بَاشَرَ مَا ذُكِرَ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يُبَاشِرْهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ، وَهَذَا الْعُمُومُ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ.

سَادِسُهَا: وَقَعَ هُنَا تَقْدِيمُ الْحَجِّ عَلَى الصَّوْمِ، وَعَلَيْهِ بَنَى الْبُخَارِيُّ تَرْتِيبَهُ، لَكِنْ وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِتَقْدِيمِ الصَّوْمِ عَلَى الْحَجِّ، قَالَ، فَقَالَ رَجُلٌ: وَالْحَجُّ وَصِيَامُ رَمَضَانَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا، صِيَامُ رَمَضَانَ وَالْحَجُّ، هَكَذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ .، انْتَهَى. فَفِي هَذَا إِشْعَارٌ بِأَنَّ رِوَايَةَ حَنْظَلَةَ الَّتِي فِي الْبُخَارِيِّ مَرْوِيَّةٌ بِالْمَعْنَى، إِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ رَدَّ ابْنِ عُمَرَ عَلَى الرَّجُلِ لِتَعَدُّدِ الْمَجْلِسِ، أَوْ حَضَرَ ذَلِكَ ثُمَّ نَسِيَهُ. وَيَبْعُدُ مَا جَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَنَسِيَ أَحَدَهُمَا عِنْدَ رَدِّهِ عَلَى الرَّجُلِ، وَوَجْهُ بُعْدِهِ أَنَّ تَطَرُّقَ النِّسْيَانِ إِلَى الرَّاوِي عَنِ الصَّحَابِيِّ أَوْلَى مِنْ تَطَرُّقِهِ إِلَى الصَّحَابِيِّ، كَيْفَ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَنْظَلَةَ بِتَقْدِيمِ الصَّوْمِ عَلَى الْحَجِّ، وَلِأَبِي عَوَانَةَ - مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حَنْظَلَةَ - أَنَّهُ جَعَلَ صَوْمَ رَمَضَانَ قَبْلُ، فَتَنْوِيعُهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ رُوِيَ بِالْمَعْنَى. وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي التَّفْسِيرِ بِتَقْدِيمِ الصِّيَامِ عَلَى الزَّكَاةِ، أَفَيُقَالُ إِنَّ الصَّحَابِيَّ سَمِعَهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ؟ هَذَا مُسْتَبْعَدٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَائِدَةٌ): اسْمُ الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ يَزِيدُ بْنُ بِشْرٍ السَّكْسَكِيُّ، ذَكَرَهُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

٣ - بَاب أُمُورِ الْإِيمَانِ

وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ - ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الْآيَةَ

قَوْلُهُ: (بَابُ أُمُورِ الْإِيمَانِ)، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ أَمْرُ الْإِيمَانِ بِالْإِفْرَادِ عَلَى إِرَادَةِ الْجِنْسِ، وَالْمُرَادُ بَيَانُ الْأُمُورِ الَّتِي هِيَ الْإِيمَانُ وَالْأُمُورُ الَّتِي لِلْإِيمَانِ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى) بِالْخَفْضِ. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَمُنَاسَبَتُهَا لِحَدِيثِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

يَشْرَع شَرْعًا (١)، أي: سنَّ، فهو تفسيرٌ لـ ﴿شِرْعَةً﴾ فيكون من باب اللَّفِّ والنَّشر الغير المرتَّب، وسقطت «الواو» من «وقال» لابن عساكر، وهذا التَّعليق وصله عبد الرَّزَّاق في «تفسيره» بسندٍ صحيحٍ.

وقد وقع هنا في رواية أبي ذَرٍّ وغيره: «بابٌ» بالتَّنوين، وهو ثابتٌ في أصلٍ عليه خطُّ الحافظ قطب الدِّين الحلبيِّ، كما قال العينيُّ: إنَّه رآه، ورأيته أنا كذلك في فرع «اليونينيَّة» كهي، لكنه فيها ساقطٌ في رواية الأَصيليِّ وابن عساكر، وأيَّدَه قول الكِرمانيِّ: إنَّه وقف على أصلٍ مسموعٍ على الفَِرَبْريِّ بحذفه، بل قال النَّوويُّ: ويقع في كثيرٍ من النُّسخ هنا (٢): بابٌ، وهو غلطٌ فاحشٌ، وصوابه بحذفه، ولا يصحُّ إدخاله هنا لأنَّه لا تعلُّق له بما نحن فيه، ولأنَّه ترجم لقوله : «بُنِي الإسلام» ولم يذكره قبل هذا وإنَّما ذكره بعده، وليس مطابقًا للتَّرجمة، وعلى هذا فقوله: (دُعَاؤُكُمْ إِيمَانُكُمْ) من قول ابن عبَّاسٍ يشير به إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧] فسُمِّي الدُّعاء إيمانًا، والدُّعاء عملٌ، فاحتجَّ به على أنَّ الإيمان عملٌ، وعطفه على ما قبله كعادته في حذف أداة العطف حيث ينقل التَّفسير، وهذا التَّعليق وصله ابن جريرٍ من قول ابن عبَّاسٍ، وفي رواية أبي ذرٍّ: «لقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾»، ومعنى «الدُّعاء» في اللُّغة: الإيمان.

٨ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بالتَّصغير، وفي الفرع خلافًا لأصله: «وحدَّثنا محمَّد بن إسماعيل -يعني البخاريَّ- حدَّثنا عبيد الله» (بْنُ مُوسَى) بن باذام؛ بالمُوحَّدة

والذَّال المُعجمَة آخره ميمٌ، العَبْسيُّ؛ بفتح المُهمَلة وتسكين المُوحَّدة، الشِّيعيُّ الغير داعيةٍ، المُتوفَّى بالإسكندريَّة سنة ثلاثَ عشْرةَ أو أربعَ عشْرَة أو خَمْسَ عَشْرةَ ومئتين (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وفي رواية الهرويِّ: «حدَّثنا» (حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) بن عبد الرَّحمن الجمحيُّ المكيُّ القرشيُّ، المُتوفَّى سنة إحدى وخمسين ومئةٍ (عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ) يعني: ابن العاصي المخزوميِّ القرشيِّ، المُتوفَّى بمكَّة بعد عطاءٍ، وهو تُوفِّي سنة أربع عشرة أو خمس عشرة ومئة (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب عبد الله () هاجر به أبوه، واستُصغِر يومَ أحدٍ، وشهد الخندق وبيعة الرِّضوان والمشاهد، وكان واسعَ العلم، متينَ الدِّين، وافرَ الصَّلاح، وتُوفِّي سنة ثلاثٍ وسبعين، وله في «البخاريِّ» مئتان وسبعون حديثًا (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : بُنِيَ الإِسْلَامُ) الذي هو الانقياد (عَلَى خَمْسٍ) أي: خمسِ دعائمَ، وقال بعضهم: «على» بمعنى

«مِن» أي: بني الإسلام من خمسٍ، وبهذا يحصل الجواب عمَّا يُقَال: إنَّ هذه الخمس هي الإسلام، فكيف يكون الإسلام مبنيًّا عليها؟! والمبنيُّ لابدَّ أن يكون غير المبنيِّ عليه، ولا حاجة إلى جواب الكِرمانيِّ: بأنَّ الإسلام عبارةٌ عن المجموع، والمجموع غير كلِّ واحدٍ من أركانه: (شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَ) شهادةِ (أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وإِقَامِ الصَّلَاةِ) أي: المُداوَمة عليها، والمُرَاد: الإتيان بها بشروطها وأركانها (وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) أي: إعطائها مستحقِّيها بإخراج جزءٍ من المال على وجهٍ مخصوصٍ، كما سيأتي البحث فيه -إن شاء الله تعالى- في محلِّه بعون الله تعالى (وَالحَجِّ) إلى بيت الله الحرام (وَصَوْمِ) شهر (رَمَضَانَ) بخفض «شهادة» على البدل من «خمسٍ»، وكذا ما بعدها، ويجوز الرَّفع خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: وهي، والنَّصب بتقدير: أعني، قال البدر الدَّمامينيُّ: أمَّا وجه الرَّفع فواضحٌ، وأمَّا وجه الجرِّ فقد يُقال فيه: إنَّ البدل من «خمسٍ» هو مجموع (١) المجرورات المتعاطفة، لا كلُّ واحدٍ منها، فإن قلت: يكون كلٌّ منها بدلَ بعضٍ؛ قلت: حينئذٍ يحتاج إلى تقدير رابطٍ. انتهى.

و «لا» في قوله: «لا إله إلَّا الله» هي النَّافية للجنس، و «إله» اسمها مُركَّبٌ معها تركيبَ مَزْجٍ كأحدَ عَشَرَ، وفَتْحَتُه فتحةُ بناءٍ، وعند الزَّجَّاج: فتحةُ إعرابٍ؛ لأنَّه عنده منصوبٌ بها لفظًا، وخبرُها محذوفٌ اتِّفاقًا، تقديره: موجودٌ، و «إلَّا» حرف استثناءٍ، و «الاسم الكريم» مرفوعٌ على البدليَّة من الضَّمير المستتر في الخبر، وقِيل: مرفوعٌ على الخبريَّة لقوله: «لا»، وعليه جماعةٌ، وفي هذه المسألة مباحثُ ضربتُ عليها (١) بعد أن أَثْبَتُّها خوفَ الإطالة، ثمَّ إنَّ مثل هذا التَّركيب عند علماء المعاني يفيد القصر، وهو في هذه الكلمة من باب قصر الصِّفة على الموصوف، لا العكس، فإنَّ «إلهَ» في معنى الوصف، فإن قلت: لِمَ قُدِّمَ النَّفيُ على الإثبات؟ فقِيلَ: لا إله إلَّا الله، ولم يُقَلْ: الله لا إله (٢) إلَّا هو؛ بتقديم الإثبات على النَّفي؟ أُجِيب: بأنَّه إذا نفى أن يكون ثَمَّ إلهٌ غير الله؛ فقد فرَّغ قلبه ممَّا سوى الله تعالى بلسانه ليواطئ القلب، وليس مشغولًا بشيءٍ سوى الله تعالى، فيكون نفي الشَّريك عن الله تعالى بالجوارح الظَّاهرة والباطنة، ووجه الحصر في الخمسة: أنَّ العبادة؛ إمَّا قوليَّةٌ أو غيرها، الأولى: الشَّهادتان، والثَّانية: إمَّا تَرْكيَّةٌ أو فعليَّةٌ؛ الأولى: الصَّوم، والثَّانية: إمَّا بدنيَّةٌ أو ماليَّةٌ؛ الأولى: الصَّلاة، والثَّانية: الزَّكاة، أو مُركَّبةٌ منهما؛ وهي الحجُّ، وقد وقع ذكره مقدَّمًا على الصَّوم، وعليه بنى المصنِّف ترتيب (٣) جامعه هذا، لكن عند مسلمٍ من رواية سعد (٤) بن عبيدة عن ابن عمر تأخير (٥) الصَّوم عن الحجِّ، فقال رجلٌ -وهو يزيد بن بشرٍ السَّكسكيُّ-: والحجُّ وصوم رمضان، فقال ابن عمر: «لا، صيام رمضان والحجُّ» هكذا سمعته من رسول الله ، فيحتمل أن يكون حنظلة رواه هنا بالمعنى لكونه لم يسمع رَدّ ابن عمر على يزيد، أو سمعه ونسيه. نعم؛ رواه ابن عمر في «مسلم» من أربع

طرقٍ، تارةً بالتَّقديم، وتارةً بالتَّأخير، فإن قلت: لِمَ لَمْ يذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة وأسقط الجهاد؟ أُجِيب: بأنَّ الجهاد فرضُ كفايةٍ، ولا يتعيَّن إلَّا في بعض الأحوال، وإنَّما لم يذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة؛ لأنَّ المُرَادُ بالشَّهادة تصديقُ الرَّسول فيما جاء به، فيستلزم جميع ما ذُكِرَ من المعتقدات (١).

وفي قوله: «بُنِيَ … » إلى آخره، استعارةٌ بأن يقدِّر الاستعارة في «بُنِيَ»، والقرينة في «الإسلام»؛ شبَّه ثبات الإسلام واستقامته على هذه الأركان الخمسة ببناء الخباء على هذه الأعمدة الخمسة، ثمَّ تسري الاستعارة من المصدر إلى الفعل، أو تكون مكنيَّةً بأن تكون الاستعارة (٢) في الإسلام، والقرينةُ «بُنِيَ» على التَّخييل بأن شبَّه الإسلام بالبيت، ثمَّ خُيِّل كأنَّه بيتٌ على المُبالغَة، ثمَّ أطلق الإسلام على ذلك المُخيَّل، ثمَّ خُيِّل له ما يلازم الخباء المُشبَّه به من البناء، ثمَّ أثبت له ما هو لازمُ البيتِ من البناء على الاستعارة التَّخييليَّة، ثمَّ نسبه إليه؛ ليكون قرينةً مانعةً من إرادة الحقيقة، ويجوز أن تكون استعارة بالكناية لأنَّه شبَّه الإسلام بمبنًى له دعائمُ، فَذَكَرَ المُشبَّه، وطوى ذِكْرَ المُشبَّه به، وذكر ما هو من خواصِّ المشبَّه به، وهو البناء، ويُسمَّى هذا استعارةً ترشيحيَّةً، ويجوز أن تكون استعارةً تمثيليَّةً؛ فإنَّه مثَّل حالة الإسلام مع أركانه الخمسة بحالة خباءٍ أُقِيمَ على خمسة أعمدةٍ، وقطبُها التي تدور عليه هو شهادة أنْ لا إله إلَّا الله، وبقيَّةُ شعب الإيمان كالأوتاد للخباء (٣)، وقال في «الفتح»: فإن قلت: الأربعة المذكورة بعد الشَّهادة مبنيَّةٌ على الشَّهادة؛ إذ لا يصحُّ شيءٌ منها إلَّا بعد وجودها، فكيف يُضمُّ مبنيٌّ إلى مبنيٍّ عليه في مسمًّى واحدٍ؟ أُجِيب: بجواز ابتناء أمرٍ على أمرٍ، يُبتَنى على الأمرين أمرٌ آخرُ، فإن قلت: المبنيُّ لابدَّ أن يكون غير المبنيِّ عليه، فالجواب: أنَّ المجموع غيرٌ من حيث الانفراد، عينٌ من حيث الجمع، ومثاله: البيت من الشَّعر، يُجعل على خمسة أعمدةٍ، أحدها أوسطُ، والبقيَّة أركانٌ، فما دام الأوسط قائمًا فمُسمَّى البيت موجودٌ ولو سقط مهما سقط من الأركان، فإذا سقط الأوسط سقط مُسمَّى

البيت، فالبيت بالنَّظر إلى مجموعه شيءٌ واحدٌ، وبالنَّظر إلى أفراده أشياءُ، وأيضًا: فبالنَّظر إلى أسِّه وأركانه: الأسُّ أصلٌ والأركان تَبَعٌ وتكملةٌ له (١)، والله سبحانه الموفِّق.

ومن لطائف إسناد هذا الحديث: جمعه للتَّحديث والإخبار والعنعنة، وكلُّ رجاله مَكِّيُّون إلَّا عبيد الله فإنَّه كوفيٌّ، وهو من الرُّباعيَّات، وأخرج متنه المؤلِّف أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٥١٤]، ومسلمٌ في «الإيمان» خماسيَّ الإسناد. انتهى.

(٣) هذا (باب أُمُورِ الإِيمَانِ) بالإضافة البيانيَّة؛ لأنَّ المُرَاد بيان الأمور التي هي الإيمان؛ لأنَّ الأعمال عند المؤلِّف هي الإيمان، أو بمعنى: «اللَّام» أي: باب الأمور الثَّابتة للإيمان في تحقيق حقيقته وتكميل ذاته، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «أمرُ الإيمان» بالإفراد على إرادة الجنس (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على «أمورِ (٢)» وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «﷿» بدل قوله «تعالى»: (﴿لَّيْسَ الْبِرَّ﴾) وهو اسمٌ لكلِّ خيرٍ وفعلٍ مَرْضِيٍّ (﴿أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾) قال القاضي ناصر الدِّين البيضاويُّ: أي: ليس البرُّ مقصورًا على أمر القبلة، أو

ليس البِرُّ ما أنتم عليه؛ فإنَّه منسوخٌ (﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾) الذي ينبغي أن يُهتَمَّ به (﴿مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ﴾) القرآنِ أو أعمَّ (﴿وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾) تعالى أو حبِّ المال (﴿ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾) المحاويج منهم، ولم يقيِّده لعدم الإلباس (﴿وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾) المسافر أو الضَّيف (﴿وَالسَّآئِلِينَ﴾) أي: الذين ألجأَتْهمُ الحاجة إلى السُّؤال (﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾) أي: تخليصها بمعاونة المُكاتَبين، أو فكِّ الأسارى، أو ابتياع الرِّقاب لعتقها (﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾) المفروضتين، والمُرَاد بـ ﴿وَآتَى الْمَالَ﴾ بيانُ مصارِفِها (﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ﴾) عطفٌ على ﴿مَنْ آمَنَ﴾ (﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء﴾) نُصِبَ على المدح، ولم يُعطَف لفضل الصَّبر على سائر الأعمال، وعن الأزهريِّ (١): ﴿الْبَأْسَاء﴾ في الأموال؛ كالفقر، و ﴿والضَّرَّاء﴾ في الأنفس؛ كالمرض (﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾) وقتَ مجاهدة العدوِّ (﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾) في الدِّين واتِّباع الحقِّ وطلب البِرِّ (﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]) عن الكفر وسائر الرَّذائل، والآية -كما ترى- جامعةٌ للكمالات الإنسانيَّة بأَسْرِها، دالَّةٌ عليها صريحًا أو ضمنًا، فإنَّها (٢) بكثرتها وتشعُّبها منحصرةٌ في ثلاثةِ أشياءَ: صِحَّةِ الاعتقادِ، وحُسنِ المُعاشَرَةِ، وتهذيبِ النَّفسِ، وقد أُشِير إلى الأوَّل بقوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ … إلى: ﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾ وإلى الثَّاني بقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ﴾ … إلى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ وإلى الثَّالث بقوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ﴾ … إلى آخرها؛ ولذلك وُصِفَ المُستجمِع لها بالصِّدق نظرًا إلى إيمانه واعتقاده، وبالتَّقوى اعتبارًا لمُعاشرَته للخَلْق ومُعاملَته مع الحقِّ، وإليه أشار بقوله: «مَنْ عمل بهذه الآية فقدِ استكمل الإيمان»، وهذا وجه استدلال المؤلِّف بهذه الآية ومُناسبَتها لتبويبه، وفي حديث أبي ذَرٍّ عند عبد الرَّزَّاق بسندٍ رجالُهُ ثقاتٌ: أنَّه سأل النَّبيَّ عن الإيمان، فتلا عليه هذه الآية، ولم يذكره المؤلِّف لأنَّه ليس على شرطه، وقد سقط في

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

(وَقَالَ مُجَاهِد شرع لكم أوصيناك يَا مُحَمَّد وإياه دينا وَاحِدًا) مُجَاهِد هُوَ ابْن جُبَير بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره رَاء وَيُقَال جُبَير وَالْأول أصح المَخْزُومِي مولى عبد الله بن السَّائِب المَخْزُومِي وَقيل غَيره سمع ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَأَبا هُرَيْرَة وَجَابِر أَو عبد الله بن عَمْرو وَغَيرهم قَالَ مُجَاهِد عرضت الْقُرْآن على ابْن عَبَّاس ثَلَاثِينَ مرّة وَاتَّفَقُوا على توثيقه وجلالته وَهُوَ إِمَام فِي الْفِقْه وَالتَّفْسِير والْحَدِيث مَاتَ سنة مائَة وَقيل إِحْدَى وَقيل اثْنَتَيْنِ وَقيل أَربع وَمِائَة وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَثَمَانِينَ سنة بِمَكَّة وَهُوَ ساجد روى لَهُ الْجَمَاعَة وَأخرج أَثَره هَذَا عبد بن حميد فِي تَفْسِيره بِسَنَد صَحِيح عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ وَرَوَاهُ ابْن الْمُنْذر بِإِسْنَادِهِ بِلَفْظَة وصاه قَوْله وإياه يَعْنِي نوحًا عَلَيْهِ السَّلَام أَي هَذَا الَّذِي تظاهرت عَلَيْهِ أَدِلَّة الْكتاب وَالسّنة من زِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه هُوَ شرع الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام الَّذين قبل نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا هُوَ شرع نَبينَا لِأَن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ {شرع لكم من الدّين مَا وصّى بِهِ نوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك وَمَا وصينا بِهِ إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى} وَيُقَال جَاءَ نوح عَلَيْهِ السَّلَام بِتَحْرِيم الْحَرَام وَتَحْلِيل الْحَلَال وَهُوَ أول من جَاءَ من الْأَنْبِيَاء بِتَحْرِيم الْأُمَّهَات وَالْبَنَات وَالْأَخَوَات ونوح أول نَبِي جَاءَ بعد إِدْرِيس عَلَيْهِ السَّلَام وَقد قيل أَن الَّذِي وَقع فِي أثر مُجَاهِد تَصْحِيف وَالصَّوَاب أوصيناك يَا مُحَمَّد وأنبياءه وَكَيف يَقُول مُجَاهِد بإفراد الضَّمِير لنوح وَحده مَعَ أَن فِي السِّيَاق ذكر جمَاعَة قلت لَيْسَ بتصحيف بل هُوَ صَحِيح ونوح أفرد فِي الْآيَة وَبَقِيَّة الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام عطفت عَلَيْهِ وهم داخلون فِيمَا وصّى بِهِ نوحًا وَكلهمْ مشتركون فِي هَذِه الْوَصِيَّة فَذكر وَاحِد مِنْهُم يُغني عَن الْكل على أَن نوحًا أقرب الْمَذْكُورين وَهُوَ أولى بِعُود الضَّمِير إِلَيْهِ فَافْهَم (وَقَالَ ابْن عَبَّاس شرعة ومنهاجا سَبِيلا وَسنة) يَعْنِي عبد الله بن عَبَّاس فسر قَوْله تَعَالَى {شرعة ومنهاجا} بالسبيل وَالسّنة وَقَالَ الْجَوْهَرِي النهج الطَّرِيق الْوَاضِح وَكَذَا الْمِنْهَاج والشرعة الشَّرِيعَة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا} والشريعة مَا شَرعه الله لِعِبَادِهِ من الدّين وَقد شرع لَهُم يشرع شرعا أَي سنّ فعلى هَذَا هُوَ من بَاب اللف والنشر الْغَيْر الْمُرَتّب وَفِي بعض النّسخ سنة وسبيلا فَهُوَ مُرَتّب وَأخرج عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة شرعة ومنهاجا قَالَ الدّين وَاحِد والشريعة مُخْتَلفَة وَقَالَ ابْن إِسْحَق قَالَ بَعضهم الشرعة الدّين والمنهاج الطَّرِيق وَقيل هما جَمِيعًا الطَّرِيق وَالطَّرِيق هُنَا الدّين وَلَكِن اللَّفْظ إِذا اخْتلف أَتَى بِهِ بِأَلْفَاظ يُؤَكد بهَا الْقِصَّة وَقَالَ مُحَمَّد بن يزِيد شرعة مَعْنَاهَا ابْتِدَاء الطَّرِيق والمنهاج الطَّرِيق المستمر وآثر ابْن عَبَّاس هَذَا أخرجه الْأَزْهَرِي فِي تهذيبه عَن ابْن مَاهك عَن حَمْزَة عَن عبد الرَّزَّاق عَن الثَّوْريّ عَن أبي إِسْحَق عَن التَّمِيمِي يَعْنِي أربدة عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا بِهِ فَإِن قلت فِي الْآيَتَيْنِ تعَارض لِأَن الْآيَة الأولى تَقْتَضِي اتِّحَاد شرعة الْأَنْبِيَاء وَالثَّانيَِة تَقْتَضِي أَن لكل نَبِي شرعة قلت لَا تعَارض لِأَن الِاتِّحَاد فِي أصُول الدّين والتعدد فِي فروعه فَعِنْدَ اخْتِلَاف الْمحل لَا يثبت التَّعَارُض

(بَاب دعاؤكم إيمَانكُمْ)

يَعْنِي فسر ابْن عَبَّاس قَوْله تَعَالَى {قل لَهُ سَأَلتك عَن نسبه فَذكرت أَنه فِيكُم ذُو نسب فَكَذَلِك الرُّسُل تبْعَث فِي نسب قَومهَا وَسَأَلْتُك هَل قَالَ أحد مِنْكُم هَذَا القَوْل فَذكرت أَن لَا فَقلت لَو كَانَ أحد قَالَ هَذَا القَوْل قبله لَقلت رجل يأتسي بقول قيل قبله وَسَأَلْتُك هَل كَانَ من آبَائِهِ من ملك فَذكرت أَن لَا قلت فَلَو كَانَ من آبَائِهِ من ملك قلت رجل يطْلب ملك أَبِيه وَسَأَلْتُك هَل كُنْتُم تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قبل أَن يَقُول مَا يعبؤ بكم رَبِّي لَوْلَا دعاؤكم} فَقَالَ المُرَاد من الدُّعَاء الْإِيمَان فَمَعْنَى دعاؤكم إيمَانكُمْ وَأخرجه ابْن الْمُنْذر بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ أَنه قَالَ لَوْلَا دعاؤكم لَوْلَا إيمَانكُمْ وَقَالَ ابْن بطال لَوْلَا دعاؤكم الَّذِي هُوَ زِيَادَة فِي إيمَانكُمْ قَالَ النَّوَوِيّ وَهَذَا الَّذِي قَالَه حسن لِأَن أصل الدُّعَاء النداء والاستغاثة فَفِي الْجَامِع سُئِلَ ثَعْلَب عَنهُ فَقَالَ هُوَ النداء وَيُقَال دَعَا الله فلَان بدعوة فَاسْتَجَاب لَهُ وَقَالَ ابْن سَيّده هُوَ الرَّغْبَة إِلَى الله تَعَالَى دَعَاهُ دُعَاء وَدَعوى حَكَاهَا سِيبَوَيْهٍ وَفِي الغريبين الدُّعَاء الْغَوْث وَقد دَعَا أَي اسْتَغَاثَ قَالَ تَعَالَى {ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم} وَقَالَ بعض الشَّارِحين قَالَ البُخَارِيّ وَمعنى الدُّعَاء فِي اللُّغَة الْإِيمَان يَنْبَغِي أَن يثبت فِيهِ فَإِنِّي لم أره عِنْد أحد من أهل اللُّغَة وَقَالَ الْكرْمَانِي تَفْسِيره فِي الْآيَتَيْنِ يدل على أَنه قَابل للزِّيَادَة وَالنُّقْصَان أَو أَنه سمى الدُّعَاء إِيمَانًا وَالدُّعَاء عمل وَاعْلَم أَن من قَوْله وَقَالَ ابْن مَسْعُود إِلَى هُنَا غير ظَاهر الدّلَالَة على الدَّعْوَى وَهُوَ مَوضِع بحث وَنظر وَقَالَ النَّوَوِيّ اعْلَم أَنه خَارج لم أكن أَظن أَنه مِنْكُم فَلَو أَنِّي أعلم أَنِّي أخْلص إِلَيْهِ لتجشمت لقاءه وَلَو كنت عِنْده لغسلت عَن قَدَمَيْهِ ثمَّ دَعَا بِكِتَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي بعث بِهِ دحْيَة إِلَى عَظِيم بصرى فَدفعهُ إِلَى هِرقل فقرأه فَإِذا فِيهِ بِسم الله الرَّحِم ن الرَّحِيم من مُحَمَّد عبد الله وَرَسُوله إِلَى هِرقل عَظِيم الرّوم سَلام على من اتبع الْهدى أما بعد فَإِنِّي أَدْعُوك بِدِعَايَةِ الْإِسْلَام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرَّتَيْنِ فَإِن توليت فَإِن عَلَيْك إِثْم الأريسيين وَيَا أهل الْكتاب تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم أَن لَا نعْبد إِلَّا الله وَلَا نشْرك بِهِ شَيْئا وَلَا يتَّخذ بَعْضنَا بَعْضًا أَرْبَابًا من دون الله فَإِن توَلّوا فقولو اشْهَدُوا بِأَنا مُسلمُونَ آل عمرَان قَالَ أَبُو سُفْيَان فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ وَفرغ من قِرَاءَة الْكتاب كثر عِنْده الصخب وَارْتَفَعت الْأَصْوَات وأخرجنا فَقلت لِأَصْحَابِي حِين أخرجنَا لقد أَمر أَمر ابْن أبي كَبْشَة إِنَّه يخافه ملك بني الْأَصْفَر فَمَا زلت موقنا أَنه سَيظْهر حَتَّى أَدخل الله عَليّ الْإِسْلَام وَكَانَ ابْن الناظور صَاحب إيلياء وهرقل سقفا على نَصَارَى الشأم يحدث أَن هِرقل حِين قدم إيلياء أصبح يَوْمًا خَبِيث النَّفس فَقَالَ بعض بطارقته قد استنكرنا هيئتك قَالَ ابْن الناظور وَكَانَ هِرقل حزاء ينظر فِي كثير من نسخ البُخَارِيّ هَذَا بَاب دعاؤكم إيمَانكُمْ إِلَى آخر الحَدِيث بعده وَهَذَا غلط فَاحش وَصَوَابه مَا ذَكرْنَاهُ أَولا وَهُوَ دعاؤكم إيمَانكُمْ وَلَا يَصح إِدْخَال بَاب هُنَا لوجوه. مِنْهَا أَنه لَيْسَ لَهُ تعلق بِمَا نَحن فِيهِ. وَمِنْهَا أَنه ترْجم أَولا بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بني الْإِسْلَام وَلم يذكرهُ

قبل هَذَا وَإِنَّمَا ذكره بعده وَمِنْهَا أَنه ذكر الحَدِيث بعده وَلَيْسَ هُنَا مطابقا للتَّرْجَمَة وَقَالَ الْكرْمَانِي وَعِنْدنَا نُسْخَة مسموعة على الْفربرِي وَعَلَيْهَا خطة وَهُوَ هَكَذَا دعاؤكم إيمَانكُمْ بِلَا بَاب وَلَا وَاو قلت رَأَيْت نُسْخَة عَلَيْهَا خطّ الشَّيْخ قطب الدّين الْحلَبِي الشَّارِح وفيهَا بَاب دعاؤكم إيمَانكُمْ وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح وَعَلِيهِ مَشى شَيخنَا فِي شَرحه وَلَيْسَ ذَلِك بجيد لِأَنَّهُ لَيْسَ مطابقا للتَّرْجَمَة

١ - حَدثنَا عبيد الله بن مُوسَى قَالَ أخبرنَا حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان عَن عِكْرِمَة بن خَالِد عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بني الْإِسْلَام على خمس شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَالْحج وَصَوْم رَمَضَان) هَذَا الحَدِيث هُوَ تَرْجَمَة الْبَاب وَقد ذكرنَا أَن الصَّحِيح أَنه لَيْسَ بَينه وَبَين قَوْله بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بني الْإِسْلَام على خمس بَاب آخر فَافْهَم وَقَالَ النَّوَوِيّ أَدخل البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب لينبىء أَن الْإِسْلَام يُطلق على الْأَفْعَال وَأَن الْإِسْلَام وَالْإِيمَان قد يكون بِمَعْنى وَاحِد (بَيَان رِجَاله) وهم أَرْبَعَة الأول عبيد الله بن مُوسَى بن باذام بِالْبَاء الْمُوَحدَة والذال الْمُعْجَمَة وَلَو لفظ فَارسي وَمَعْنَاهُ اللوز الْعَبْسِي بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وتسكين الْبَاء الْمُوَحدَة مَوْلَاهُم الْكُوفِي الثِّقَة سمع الْأَعْمَش وخلقا من التَّابِعين وَعنهُ البُخَارِيّ وَأحمد وَغَيرهمَا وروى مُسلم وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة عَن رجل عَنهُ وَكَانَ عَالما بِالْقُرْآنِ رَأْسا فِيهِ توفّي بالإسكندرية سنة ثَلَاث عشرَة أَو أَربع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي المعارف كَانَ عبيد الله يسمع ويروي أَحَادِيث مُنكرَة فضعف بذلك عِنْد كثير من النَّاس وَقَالَ النَّوَوِيّ وَقع فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من كتب أَئِمَّة الحَدِيث الِاحْتِجَاج بِكَثِير من المبتدعة غير الدعاة إِلَى بدعتهم وَلم تزل السّلف وَالْخلف على قبُول الرِّوَايَة مِنْهُم وَالِاسْتِدْلَال بهَا وَالسَّمَاع مِنْهُم وأسماعهم من غير إِنْكَار الثَّانِي حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان بن عبد الرَّحْمَن بن صَفْوَان بن أُميَّة بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح الجُمَحِي الْمَكِّيّ الْقرشِي الثِّقَة الْحجَّة سمع عَطاء وَغَيره من التَّابِعين وَعنهُ الثَّوْريّ وَغَيره من الْأَعْلَام مَاتَ سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَة روى لَهُ الْجَمَاعَة وَقد قَالَ قطب الدّين إِلَّا ابْن مَاجَه وَلَيْسَ بِصَحِيح بل روى لَهُ ابْن مَاجَه أَيْضا كَمَا نبه عَلَيْهِ الْمزي الثَّالِث عِكْرِمَة بن خَالِد بن العَاصِي بن هِشَام بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عَمْرو بن مَخْزُوم الْقرشِي المَخْزُومِي الْمَكِّيّ الثِّقَة الْجَلِيل سمع ابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَغَيرهمَا روى عَنهُ عَمْرو بن دِينَار وَغَيره من التَّابِعين مَاتَ بِمَكَّة بعد عَطاء وَمَات عَطاء سنة أَربع عشرَة أَو خمس عشرَة وَمِائَة والعاصي جده هُوَ أَخُو أبي جهل قَتله عمر رَضِي الله عَنهُ ببدر كَافِرًا وَهُوَ خَال عمر على قَول وَفِي الصَّحَابَة عِكْرِمَة ثَلَاثَة لَا رَابِع لَهُم ابْن أبي جهل المَخْزُومِي وَابْن عَامر الْعَبدَرِي وَابْن عبيد الْخَولَانِيّ وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ من اسْمه عِكْرِمَة إِلَّا هَذَا وَعِكْرِمَة ابْن عبد الرَّحْمَن وَعِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس وروى مُسلم للأخير مَقْرُونا وَتكلم فِيهِ لرأيه وَعِكْرِمَة ابْن عمار أخرج لَهُ مُسلم فِي الْأُصُول وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ فِي كتاب الْبر والصلة قلت وَفِي طبقَة عِكْرِمَة بن خَالِد بن العَاصِي عِكْرِمَة بن خَالِد بن سَلمَة بن هِشَام بن الْمُغيرَة المَخْزُومِي وَهُوَ ضَعِيف وَلم يخرج لَهُ البُخَارِيّ وَهُوَ لم يرو عَن ابْن عمر وَيَنْبَغِي التَّنْبِيه لهَذَا فَإِنَّهُ مَوضِع الِاشْتِبَاه الرَّابِع عبد الله بن عمر وَقد ذكر عَن قريب (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة وَمِنْهَا أَن إِسْنَاده كلهم مكيون إِلَّا عبيد الله فَإِنَّهُ كُوفِي وَكله على شَرط السِّتَّة إِلَّا عِكْرِمَة بن خَالِد فَإِن ابْن مَاجَه لم يخرج لَهُ وَمِنْهَا أَنه من رباعيات البُخَارِيّ وَلمُسلم من الخماسيات فعلا البُخَارِيّ بِرَجُل (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير وَقَالَ فِيهِ وَزَاد عُثْمَان عَن ابْن وهب أَخْبرنِي فلَان وحيوة بن شُرَيْح عَن بكير بن عبد الله بن الْأَشَج عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن أَبِيه عَن حَنْظَلَة بِهِ وَعَن ابْن معَاذ عَن أَبِيه عَن عَاصِم بن مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر عَن أَبِيه عَن جده وَعَن ابْن نمير عَن أبي خَالِد الْأَحْمَر عَن سعد بن طَارق عَن سعد بن عبيد عَن ابْن عَمْرو عَن سهل بن عُثْمَان عَن يحيى بن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة عَن سعد بن طَارق بِهِ فَوَقع لمُسلم من جَمِيع طرقه خماسيا وللبخاري رباعيا كَمَا ذكرنَا وَزَاد فِي مُسلم فِي رِوَايَته عَن

حَنْظَلَة قَالَ سَمِعت عِكْرِمَة بن خَالِد يحدث طاوسا أَن رجلا قَالَ لعبد الله بن عمر أَلا تغزو فَقَالَ إِنِّي سَمِعت فَذكر الحَدِيث وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ اسْم الرجل السَّائِل حَكِيم (بَيَان اللُّغَات) قَوْله بني من بنى يَبْنِي بِنَاء يُقَال بنى فلَانا بَيْتا من الْبُنيان وَيُقَال بنيته بِنَاء وَبنى بِكَسْر الْبَاء وَبنى بِالضَّمِّ وبنية قَوْله وإقام الصَّلَاة فعلة من صلى كَالزَّكَاةِ من زكى قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ وكتبتها بِالْوَاو على لفظ المفخم وَحَقِيقَة صلى حرك الصلوين لِأَن الْمصلى يفعل ذَلِك قلت الصلوان تَثْنِيَة الصلا وَهُوَ مَا عَن يَمِين الذَّنب وشماله هَذَا أحد مَعَاني الصَّلَاة فِي اللُّغَة وَالثَّانيَِة الدُّعَاء قَالَ الْأَعْشَى

(وقابلها الرّيح فِي دنها ... وَصلى على دنها وارتسم)

وَالثَّالِثَة من صليت الْعَصَا بالنَّار إِذا لينتها وقومتها فالمصلى كَأَنَّهُ يسْعَى فِي تعديلها وإقامتها وَالرَّابِعَة من صليت الرجل النَّار إِذا أدخلته النَّار أَو من جعلته يصلاها أَي يلازمها فالمصلى يدْخل الصَّلَاة ويلازمها قَوْله وإيتاء الزَّكَاة أَي إعطائها من أَتَاهُ إيتَاء وَأما آتيته آتِيَا وإتيانا فَمَعْنَاه جِئْته وَالزَّكَاة فِي اللُّغَة عبارَة عَن الطَّهَارَة قَالَ تَعَالَى {قد أَفْلح من تزكّى} أَي تطهر وَعَن النَّمَاء يُقَال زكا الزَّرْع إِذا نما قَالَ الْجَوْهَرِي زكا الزَّرْع يزكو زكاء ممدودا أَي نما وَهَذَا الْأَمر لَا يزكو بفلان أَي لَا يَلِيق بِهِ وَيُقَال زكا الرجل يزكو زكوا إِذا تنعم وَكَانَ فِي خصب وزكى مَاله تَزْكِيَة إِذا أدّى عَنهُ زَكَاته وتزكى أَي تصدق وزكى نَفسه تَزْكِيَة مدحها وَفِي الشَّرِيعَة عبارَة عَن إيتَاء جُزْء من النّصاب الحولي إِلَى فَقير غير هاشمي ويراعى فِيهَا مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّة وَذَلِكَ أَن المَال يطهر بهَا أَو يطهره صَاحبه أَو هِيَ سَبَب نمائه وزيادته قَوْله وَالْحج فِي اللُّغَة الْقَصْد وَأَصله من قَوْلك حججْت فلَانا أحجه حجا إِذا عدت إِلَيْهِ مرّة بعد أُخْرَى فَقيل حج الْبَيْت لِأَن النَّاس يأتونه فِي كل سنة وَمِنْه قَول المخبل السَّعْدِيّ

(واشهد من عَوْف حؤولا كَثِيرَة ... يحجون سبّ الزبْرِقَان المزعفرا)

يَقُول يأتونه مرّة بعد أُخْرَى لسودده والسب بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة شقة من كتَّان رقيقَة وَأَرَادَ بِهِ الْعِمَامَة هَهُنَا قَالَ الصغاني هَذَا الأَصْل ثمَّ تعورف اسْتِعْمَاله فِي الْقَصْد إِلَى مَكَّة حرسها الله تَعَالَى للنسك تَقول حججْت الْبَيْت أحجه حجا فَأَنا حَاج وَيجمع على حجج مِثَال بازل وبزل والحجج بِالْكَسْرِ الِاسْم وَالْحجّة الْمرة الْوَاحِدَة وَهَذَا من الشواذ لِأَن الْقيَاس بِالْفَتْح وَفِي الشَّرِيعَة هُوَ قصد مَخْصُوص فِي وَقت مَخْصُوص إِلَى مَكَان مَخْصُوص قَوْله وَصَوْم رَمَضَان الصَّوْم فِي اللُّغَة الْإِمْسَاك عَن الطَّعَام وَقد صَامَ الرجل صوما وصياما وَقوم صَوْم بِالتَّشْدِيدِ وصيم أَيْضا وَرجل صومان أَي صَائِم وَصَامَ الْفرس صوما أَي قَامَ على غير اعتلاف قَالَ النَّابِغَة صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

(خيل صِيَام وخيل غير صَائِمَة ... تَحت العجاج وَأُخْرَى تعلك اللجما)

وَصَامَ النَّهَار صوما إِذا قَامَ قَائِم الظهيرة واعتدل وَالصَّوْم ركود الرّيح وَالصَّوْم السُّكُوت قَالَ تَعَالَى {إِنِّي نذرت للرحمن صوما} قَالَ ابْن عَبَّاس صمتا وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة كل مُمْسك عَن طَعَام أَو كَلَام أَو سير فَهُوَ صَائِم وَالصَّوْم ذرق النعامة وَالصَّوْم الْبيعَة وَالصَّوْم شجر فِي لُغَة هُذَيْل وَفِي الشَّرِيعَة إمْسَاك عَن المفطرات الثَّلَاث نَهَارا مَعَ النِّيَّة وَتَفْسِير رَمَضَان قد مر مرّة (بَيَان الصّرْف) قَوْله بنى فعل مَاض مَجْهُول قَوْله وَأقَام الصَّلَاة أَصله أَقوام لِأَنَّهُ من أَقَامَ يُقيم حذفت الْوَاو فَصَارَ إقاما وَلَكِن الْقَاعِدَة أَن يعوض عَنْهَا التَّاء فَيُقَال إِقَامَة وَقَالَ أهل الصّرْف لزم الْحَذف والتعويض فِي نَحْو إِجَارَة واستجارة فَإِن قلت فَلم لم يعوض هَهُنَا قلت المُرَاد من التعويض هُوَ أَن يكون بِالتَّاءِ وَغَيرهَا نَحْو الْإِضَافَة فَإِن الْمُضَاف إِلَيْهِ هَهُنَا عوض عَن الْمَحْذُوف وَفِي التَّنْزِيل {وأوحينا إِلَيْهِم فعل الْخيرَات وإقام الصَّلَاة} قَوْله وإيتاء من آتى بِالْمدِّ (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله الْإِسْلَام مَرْفُوع لإسناد بني إِلَيْهِ وَقد نَاب عَن الْفَاعِل وَقَوله على يتَعَلَّق بقوله بني قَوْله خمس أَي خمس دعائم وَصرح بِهِ عبد الرَّزَّاق فِي رِوَايَته أَو قَوَاعِد أَو خِصَال ويروي خَمْسَة وَهَكَذَا رِوَايَة مُسلم وَالتَّقْدِير خَمْسَة أَشْيَاء أَو أَرْكَان أَو أصُول وَيُقَال إِنَّمَا حذف الْهَاء لكَون الْأَشْيَاء لم تذكر كَقَوْلِه تَعَالَى {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا} أَي عشرَة أَشْيَاء وَكَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من صَامَ رَمَضَان فَأتبعهُ سِتا وَنَحْو ذَلِك قلت ذَلِك النُّحَاة أَن أَسمَاء الْعدَد إِنَّمَا يكون تذكيرها بِالتَّاءِ وتأنيثها بِسُقُوط التَّاء إِذا كَانَ الْمُمَيز مَذْكُورا أما إِذا لم يذكر فَيجوز الْأَمر أَن قَوْله

شَهَادَة مجرور لِأَنَّهُ بدل من قَوْله خمس بدل الْكل من الْكل وَيجوز رَفعه على أَن يكون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي وَهِي شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَيجوز نَصبه على تَقْدِير أَعنِي شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله قَوْله أَن بِالْفَتْح مُخَفّفَة من المثقلة وَلِهَذَا عطف عَلَيْهِ وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله قَوْله وإقام بِالْجَرِّ عطف على شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَمَا بعده عطف عَلَيْهِ (بَيَان الْمعَانِي وَالْبَيَان) قَوْله بني إِنَّمَا طوى ذكر الْفَاعِل لشهرته وَفِيه الِاسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ لِأَنَّهُ شبه الْإِسْلَام بمبنى لَهُ دعائم فَذكر الْمُشبه وطوى ذكر الْمُشبه بِهِ وَذكر مَا هُوَ من خَواص الْمُشبه بِهِ وَهُوَ الْبناء وَيُسمى هَذَا اسْتِعَارَة ترشيحية وَيجوز أَن يكون اسْتِعَارَة تمثيلية بِأَن تمثل حَالَة الْإِسْلَام مَعَ أَرْكَانه الْخَمْسَة بِحَالَة خباء أُقِيمَت على خَمْسَة أعمدة وقطبها الَّذِي تَدور عَلَيْهِ الْأَركان هُوَ شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَبَقِيَّة شعب الْإِيمَان كالأوتاد للخباء وَيجوز أَن تكون الِاسْتِعَارَة تَبَعِيَّة بِأَن تقدر الِاسْتِعَارَة فِي بني والقرينة الْإِسْلَام شبه ثبات الْإِسْلَام واستقامته على هَذِه الْأَركان بِبِنَاء الخباء على الأعمدة الْخَمْسَة ثمَّ تسري الِاسْتِعَارَة من الْمصدر إِلَى الْفِعْل وَقد علمت أَن الِاسْتِعَارَة التّبعِيَّة تقع أَولا فِي المصادر ومتعلقات مَعَاني الْحُرُوف ثمَّ تسري فِي الْأَفْعَال وَالصِّفَات والحروف وَالْأَظْهَر أَن تكون اسْتِعَارَة مكنية بِأَن تكون الِاسْتِعَارَة فِي الْإِسْلَام والقرينة بني على التخيل بِأَن شبه الْإِسْلَام بِالْبَيْتِ ثمَّ خيل كَأَنَّهُ بَيت على الْمُبَالغَة ثمَّ أطلق الْإِسْلَام على ذَلِك المخيل ثمَّ خيل لَهُ مَا يلازم الْبَيْت الْمُشبه بِهِ من الْبناء ثمَّ أثبت لَهُ مَا هُوَ لَازم الْبَيْت من الْبناء على الِاسْتِعَارَة التخييلية ثمَّ نسب إِلَيْهِ ليَكُون قرينَة مَانِعَة من إِرَادَة الْحَقِيقَة قَوْله وإقام الصَّلَاة كِنَايَة عَن الْإِتْيَان بهَا بشروطها وأركانها قَوْله وإيتاء الزَّكَاة فِيهِ شَيْئَانِ أَحدهمَا إِطْلَاق الزَّكَاة الَّذِي هُوَ فِي الأَصْل مصدر أَو اسْم مصدر على المَال الْمخْرج للْمُسْتَحقّ وَالْآخر حذف أحد المفعولين للْعلم بِهِ لِأَن الإيتاء مُتَعَدٍّ إِلَى مفعولين وَالتَّقْدِير إيتَاء الزَّكَاة مستحقيها قَوْله وَالْحج فِيهِ حذف أَيْضا أَي وَحج الْبَيْت وَالْألف وَاللَّام فِيهِ بدل من الْمُضَاف إِلَيْهِ قَوْله وَصَوْم رَمَضَان فِيهِ حذف أَيْضا أَي وَصَوْم شهر رَمَضَان فَإِن قلت مَا الْإِضَافَة فيهمَا قلت إِضَافَة الحكم إِلَى سَببه لِأَن سَبَب الْحَج الْبَيْت وَلِهَذَا لَا يتَكَرَّر لعدم تكَرر الْبَيْت والشهر يتَكَرَّر فيتكرر الصَّوْم (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) وَهُوَ على وُجُوه الأول يفهم من ظَاهر الحَدِيث أَن الشَّخْص لَا يكون مُسلما عِنْد ترك شَيْء مِنْهَا لَكِن الْإِجْمَاع مُنْعَقد على أَن العَبْد لَا يكفر بترك شَيْء مِنْهَا وَقتل تَارِك الصَّلَاة عِنْد الشَّافِعِي وَأحمد إِنَّمَا هُوَ حدا لَا كفرا وَإِن كَانَ رُوِيَ عَن أَحْمد وَبَعض الْمَالِكِيَّة كفرا وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من ترك صَلَاة مُتَعَمدا فقد كفر مَحْمُول على الزّجر والوعيد أَو مؤول أَي إِذا كَانَ مستحلا أَو المُرَاد كفران النِّعْمَة الثَّانِي أَن هَذِه الْأَشْيَاء الْخَمْسَة من فروض الْأَعْيَان لَا تسْقط بِإِقَامَة الْبَعْض عَن البَاقِينَ الثَّالِث فِيهِ جَوَاز إِطْلَاق رَمَضَان من غير ذكر شهر خلافًا لمن منع ذَلِك على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى (الأسئلة والأجوبة) الأول مَا قيل مَا وَجه الْحصْر فِي هَذِه الْخَمْسَة وَأجِيب بِأَن الْعِبَادَة إِمَّا قولية وَهِي الشَّهَادَة أَو غير قولية فَهِيَ إِمَّا تركي وَهُوَ الصَّوْم أَو فعلي وَهُوَ إِمَّا بدني وَهُوَ الصَّلَاة أَو مَالِي وَهُوَ الزَّكَاة أَو مركب مِنْهُمَا وَهُوَ الْحَج الثَّانِي مَا قيل مَا وَجه التَّرْتِيب بَينهَا وَأجِيب بِأَن الْوَاو لَا تدل على التَّرْتِيب وَلَكِن الْحِكْمَة فِي الذّكر أَن الْإِيمَان أصل للعبادات فَتعين تَقْدِيمه ثمَّ الصَّلَاة لِأَنَّهَا عماد الدّين ثمَّ الزَّكَاة لِأَنَّهَا قرينَة الصَّلَاة ثمَّ الْحَج للتغليظات الْوَارِدَة فِيهِ وَنَحْوهَا فبالضرورة يَقع الصَّوْم آخرا الثَّالِث مَا قيل الْإِسْلَام هُوَ الْكَلِمَة فَقَط وَلِهَذَا يحكم بِإِسْلَام من تلفظ بهَا فَلم ذكر الْأَخَوَات مَعهَا وَأجِيب تَعْظِيمًا لإخوانها وَقَالَ النَّوَوِيّ حكم الْإِسْلَام فِي الظَّاهِر يثبت بِالشَّهَادَتَيْنِ وَإِنَّمَا أضيف إِلَيْهِمَا الصَّلَاة وَنَحْوهَا لكَونهَا أظهر شَعَائِر الْإِسْلَام وَأَعْظَمهَا وبقيامه بهَا يتم إِسْلَامه وَتَركه لَهَا يشْعر بانحلال قيد انقياده أَو اختلاله الرَّابِع مَا قيل فعلي هَذَا التَّقْدِير الْإِسْلَام هُوَ هَذِه الْخَمْسَة والمبني لَا بُد أَن يكون غير الْمَبْنِيّ عَلَيْهِ وَأجِيب بِأَن الْإِسْلَام عبارَة عَن الْمَجْمُوع وَالْمَجْمُوع غير كل وَاحِد من أَرْكَانه الْخَامِس مَا قيل الْأَرْبَعَة الْأَخِيرَة مَبْنِيَّة على الشَّهَادَة إِذْ لَا يَصح شَيْء مِنْهَا إِلَّا بعد الْكَلِمَة فالأربعة مَبْنِيَّة وَالشَّهَادَة مَبْنِيّ عَلَيْهَا فَلَا يجوز إدخالها فِي سلك وَاحِد وَأجِيب بِأَنَّهُ لَا مَحْذُور فِي أَن يبْنى أَمر على أَمر ثمَّ الْأَمر أَن يكون عَلَيْهِمَا شَيْء آخر وَيُقَال لَا نسلم أَن الْأَرْبَعَة مَبْنِيَّة على الْكَلِمَة بل صِحَّتهَا مَوْقُوفَة عَلَيْهَا وَذَلِكَ غير معنى بِنَاء الْإِسْلَام على الْخمس وَقَالَ التَّيْمِيّ قَوْله بني الْإِسْلَام على خمس كَانَ ظَاهره أَن الْإِسْلَام مَبْنِيّ على

هَذِه وَإِنَّمَا هَذِه الْأَشْيَاء مَبْنِيَّة على الْإِسْلَام لِأَن الرجل مَا لم يشْهد لَا يُخَاطب بِهَذِهِ الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة وَلَو قَالَهَا فَإنَّا نحكم فِي الْوَقْت بِإِسْلَامِهِ ثمَّ إِذا أنكر حكما من هَذِه الْأَحْكَام الْمَذْكُورَة المبنية على الْإِسْلَام حكمنَا بِبُطْلَان إِسْلَامه إِلَّا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما أَرَادَ بَيَان أَن الْإِسْلَام لَا يتم إِلَّا بِهَذِهِ الْأَشْيَاء ووجودها مَعَه جعله مَبْنِيا عَلَيْهَا وَلِهَذَا الْمَعْنى سوى بَينهَا وَبَين الشَّهَادَة وَإِن كَانَت هِيَ الْإِسْلَام بِعَيْنِه وَقَالَ الْكرْمَانِي حَاصِل كَلَامه أَن الْمَقْصُود من الحَدِيث بَيَان كَمَال الْإِسْلَام وَتَمَامه فَلذَلِك ذكر هَذِه الْأُمُور مَعَ الشَّهَادَة لَا نفس الْإِسْلَام وَهُوَ حسن لَكِن قَوْله ثمَّ إِذا أنكر حكما من هَذِه حكمنَا بِبُطْلَان إِسْلَامه لَيْسَ من الْبَحْث إِذْ الْبَحْث فِي فعل هَذِه الْأُمُور وَتركهَا لَا فِي إنكارها وَكَيف وإنكار كل حكم من أَحْكَام الْإِسْلَام مُوجب للكفر فَلَا معنى للتخصيص بِهَذِهِ الْأَرْبَعَة قلت اسْتِدْرَاك الْكرْمَانِي لَا وَجه لَهُ فَافْهَم السَّادِس مَا قيل لم لم يذكر الْإِيمَان بالأنبياء وَالْمَلَائِكَة وَغير ذَلِك مِمَّا تضمنه سُؤال جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام أُجِيب بِأَن المُرَاد بِالشَّهَادَةِ تَصْدِيق الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا جَاءَ بِهِ فيستلزم جَمِيع مَا ذكر من المعتقدات السَّابِع مَا قيل لم لم يذكر فِيهِ الْجِهَاد أُجِيب بِأَنَّهُ لم يكن فرض وَقيل لِأَنَّهُ من فروض الكفايات وَتلك فَرَائض الْأَعْيَان قَالَ الدَّاودِيّ لما فتحت مَكَّة سقط فرض الْجِهَاد على من يعد من الْكفَّار وَهُوَ فرض على من يليهم وَكَانَ أَولا فرضا على الْأَعْيَان وَقيل هُوَ مَذْهَب ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا وَالثَّوْري وَابْن شبْرمَة إِلَّا أَن ينزل الْعَدو فيأمر الإِمَام بِالْجِهَادِ وَجَاء فِي البُخَارِيّ فِي هَذَا الحَدِيث فِي التَّفْسِير أَن رجلا قَالَ لِابْنِ عمر مَا حملك على أَن تحج عَاما وتعتمر عَاما وتترك الْجِهَاد وَفِي بَعْضهَا فِي أَوله أَن رجلا قَالَ لِابْنِ عمر أَلا نغزو قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ بني الْإِسْلَام على خمس الحَدِيث فَهَذَا يدل على أَن ابْن عمر كَانَ لَا يرى فرضيته إِمَّا مُطلقًا كَمَا نقل عَنهُ أَو فِي ذَلِك الْوَقْت وَجَاء هُنَا بني الْإِسْلَام على خمس شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَجَاء فِي بعض طرقه على أَن يوحد الله وَفِي أُخْرَى على أَن يعبد الله وَيكفر بِمَا دونه بدل الشَّهَادَة قَالَ بَعضهم جَاءَت الأولى على نقل اللَّفْظ وَمَا عَداهَا على الْمَعْنى وَقد اخْتلف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَهُوَ جَوَاز نقل الحَدِيث بِالْمَعْنَى من الْعَالم بمواقع الْأَلْفَاظ وتركيبها وَأما من لَا يعرف ذَلِك فَلَا خلاف فِي تَحْرِيمه عَلَيْهِ وَجَاء هَهُنَا وَالْحج وَصَوْم رَمَضَان بِتَقْدِيم الْحَج وَفِي طَرِيقين لمُسلم وَفِي بعض الطّرق بِتَقْدِيم رَمَضَان وَفِي بَعْضهَا فَقَالَ رجل الْحَج وَصِيَام رَمَضَان وَقَالَ ابْن عمر لَا صِيَام رَمَضَان وَالْحج هَكَذَا سمعته من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَاخْتلف النَّاس فِي الْجمع بَين الرِّوَايَات فَقَالَ الْمَازرِيّ تحمل مشاحة ابْن عمر على أَنه كَانَ لَا يرى رِوَايَة الحَدِيث بِالْمَعْنَى وَإِن أَدَّاهُ بِلَفْظ يحْتَمل أَو كَانَ يرى الْوَاو توجب التَّرْتِيب فَتجب الْمُحَافظَة على اللَّفْظ لِأَنَّهُ قد تتَعَلَّق بِهِ أَحْكَام وَقيل أَن ابْن عمر رَوَاهُ على الْأَمريْنِ وَلكنه لما رد عَلَيْهِ الرجل قَالَ لَا ترد على مَا لَا علم لَك بِهِ كَمَا رَوَاهُ فِي أَحدهمَا وَقيل يحْتَمل أَنه كَانَ نَاسِيا لِلْأُخْرَى عِنْد الْإِنْكَار وَمِنْهُم من قَالَ الصَّوَاب تَقْدِيم الصَّوْم وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى وهم لإنكار ابْن عمر وزجره عِنْد ذكرهَا واستضعف هَذَا بِأَنَّهُ يجر إِلَى توهين الرِّوَايَة الصَّحِيحَة وطر وَاحْتِمَال الْفساد عِنْد فَتحه لأَنا لَو فتحنا هَذَا الْبَاب لارتفع الوثوق بِكَثِير من الرِّوَايَات إِلَّا الْقَلِيل وَلِأَن الرِّوَايَتَيْنِ فِي الصَّحِيح وَلَا تنَافِي بَينهمَا كَمَا تقدم من جَوَاز رِوَايَة الْأَمريْنِ قَالَ القَاضِي وَقد يكون رد ابْن عمر الرجل إِلَى تَقْدِيم رَمَضَان لِأَن وجوب صَوْم رَمَضَان نزل فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة وفريضة الْحَج فِي سنة سِتّ وَقيل تسع بِالْمُثَنَّاةِ فجَاء لفظ ابْن عمر على نسقها فِي التَّارِيخ وَالله أعلم وَقَالَ ابْن صَلَاح مُحَافظَة ابْن عمر على مَا سَمعه حجَّة لمن قَالَ بترتيب الْوَاو قلت لِلْجُمْهُورِ أَن يجيبوا عَن ذَلِك بِأَن تَقْدِيم الصَّوْم لتقدم زَمَنه كَمَا ذَكرْنَاهُ وَفِي قَوْله واستضعف هَذَا إِلَى آخِره نظر وَقد وَقع فِي رِوَايَة ابْني عوَانَة فِي مستخرجه على مُسلم عكس مَا وَقع فِي الصَّحِيح وَهُوَ أَن ابْن عمر قَالَ للرجل اجْعَل صِيَام رَمَضَان آخِرهنَّ كَمَا سَمِعت وَأجَاب عَنهُ ابْن صَلَاح بقوله لَا تقاوم هَذِه رِوَايَة مُسلم وَقَالَ النَّوَوِيّ بِأَن الْقَضِيَّة لِرجلَيْنِ فَإِن قلت مَا تَقول فِي الرِّوَايَة الَّتِي اقتصرت على إِحْدَى الشَّهَادَتَيْنِ قلت إِمَّا اكْتِفَاء بِذكر إِحْدَاهمَا عَن الْأُخْرَى لدلالتها عَلَيْهَا وَإِمَّا لتقصير من الرَّاوِي فَزَاد عَلَيْهِ غَيره فَقبلت زِيَادَته فَافْهَم وَالرجل الْمَرْدُود عَلَيْهِ تَقْدِيمه الْحَج اسْمه يزِيد بن بشر السكْسكِي ذكره الْخَطِيب فِي الْأَسْمَاء المبهمة لَهُ

٣ - (بَاب أُمُورِ الإِيمَانِ)

وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المشْرِقِ والمغْرِبِ ولكِنّ

َ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْم الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتَابِ والنَّبِيينَ وَآتى المَال عَلَى حُبّهِ ذَوِي القُرْبى واليَتَامَى والمَساكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ والسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وأقَامَ الصَّلَاةَ وأتَى الزَّكَاةَ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذَا عَاهَدُوا والصَّابرينَ فِي البَأْسَاءِ والضَّرَاءِ وحِينَ البَأْسِ أُولئِكَ الذَينَ صَدَقُوا وأُولَئكَ هُمُ المتَّقُونَ} (الْبَقَرَة: ١٧٧) {قَدْ أفْلَحَ المؤمِنُونَ} (الْمُؤْمِنُونَ: ١) الآيَةَ.

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أُمُور الْإِيمَان، فَيكون ارْتِفَاع: بَاب، على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَالْمرَاد بالأمور هِيَ: الْإِيمَان، لِأَن الْأَعْمَال عِنْده هِيَ: الْإِيمَان، فعلى هَذَا، الْإِضَافَة فِيهِ بَيَانِيَّة، وَيجوز أَن يكون التَّقْدِير: بَاب الْأُمُور الَّتِي للْإيمَان فِي تَحْقِيق حَقِيقَته وتكميل ذَاته، فعلى هَذَا، الْإِضَافَة بِمَعْنى: اللَّام، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بَاب أَمر الْإِيمَان، بِالْإِفْرَادِ على إِرَادَة الْجِنْس؛ وَقَالَ ابْن بطال: التَّصْدِيق أول منَازِل الْإِيمَان، والاستكمال إِنَّمَا هُوَ بِهَذِهِ الْأُمُور. وَأَرَادَ البُخَارِيّ الاستكمال، وَلِهَذَا بوب أبوابه عَلَيْهِ فَقَالَ: بَاب أُمُور الْإِيمَان؛ و: بَاب الْجِهَاد من الْإِيمَان، و: بَاب الصَّلَاة من الْإِيمَان، و: بَاب الزَّكَاة من الْإِيمَان. وَأَرَادَ بِهَذِهِ الْأَبْوَاب كلهَا الرَّد على المرجئة الْقَائِلين، بِأَن الْإِيمَان قَول بِلَا عمل، وتبيين غلطهم ومخالفتهم الْكتاب وَالسّنة. وَقَالَ الْمَازرِيّ: اخْتلف النَّاس فِيمَن عصى الله من أهل الشَّهَادَتَيْنِ: فَقَالَت المرجئة: لَا تضر الْمعْصِيَة مَعَ الْإِيمَان، وَقَالَت الْخَوَارِج: تضره بهَا وَيكفر بهَا، وَقَالَت الْمُعْتَزلَة: يخلد بهَا فَاعل الْكَبِيرَة وَلَا يُوصف بِأَنَّهُ مُؤمن وَلَا كَافِر، لَكِن يُوصف بِأَنَّهُ فَاسق: وَقَالَت الأشعرية: بل هُوَ مُؤمن وَأَن عذب، وَلَا بُد من دُخُوله الْجنَّة. قَوْله: (وَقَول الله عز وَجل) بِالْجَرِّ عطف على الْأُمُور. فَإِن قلت: مَا الْمُنَاسبَة بَين هَذِه الْآيَة والتبويب؟ قلت: لِأَن الْآيَة حصرت الْمُتَّقِينَ على أَصْحَاب هَذِه الصِّفَات والأعمال، فَعلم مِنْهَا أَن الْإِيمَان الَّذِي بِهِ الْفَلاح والنجاة الْإِيمَان الَّذِي فِيهِ هَذِه الْأَعْمَال الْمَذْكُورَة، وَكَذَلِكَ الْآيَة الْأُخْرَى، وَهِي قَوْله: {قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون وَالَّذين هم عَن اللَّغْو معرضون وَالَّذين هم لِلزَّكَاةِ فاعلون وَالَّذين هم لفروجهم حافظون إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت إِيمَانهم فَإِنَّهُم غير ملومين فَمن ابْتغى وَرَاء ذَلِك فَأُولَئِك هم العادون} (الْمُؤْمِنُونَ: ١ ٧) وَذكر الْأُخْرَى فِي كتاب الشَّرِيعَة من حَدِيث المَسْعُودِيّ، عَن الْقَاسِم، عَن أبي ذَر، رَضِي الله عَنهُ: (أَن رجلا سَأَلَهُ عَن الْإِيمَان فَقَرَأَ عَلَيْهِ: {لَيْسَ بِالْبرِّ} (الْبَقَرَة: ١٧٧)) الْآيَة. فَقَالَ الرجل: لَيْسَ عَن الْبر سَأَلتك، فَقَالَ أَبُو ذَر: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَسَأَلَهُ كَمَا سَأَلتنِي فَقَرَأَ عَلَيْهِ كَمَا قَرَأت عَلَيْك، فَأبى أَن يرضى كَمَا أَبيت أَن ترْضى، فَقَالَ: ادن مني، فَدَنَا مِنْهُ فَقَالَ الْمُؤمن الَّذِي يعْمل حَسَنَة فتسره، ويرجو ثَوَابهَا، وَإِن عمل سَيِّئَة تسؤوه وَيخَاف عَاقبَتهَا. قَوْله: {لَيْسَ الْبر} (الْبَقَرَة: ١٧٧) أَي: لَيْسَ الْبر كه أَن تصلوا وَلَا تعملوا غير ذَلِك. {وَلَكِن الْبر} (الْبَقَرَة: ١٧٧) بر {من آمن بِاللَّه} (الْبَقَرَة: ١٧٧) الْآيَة كَذَا قدره سِيبَوَيْهٍ. وَقَالَ الزّجاج: وَلَكِن ذَا الْبر، فَحذف الْمُضَاف كَقَوْلِه {هم دَرَجَات عِنْد الله} (آل عمرَان: ١٦٣) أَي: ذَوُو دَرَجَات، وَمَا قدره سِيبَوَيْهٍ أولى، لِأَن الْمَنْفِيّ هُوَ الْبر، فَيكون هُوَ الْمُسْتَدْرك من جنسه. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ، رَحمَه الله: البراسم للخير، وَلكُل فعل مرضِي وَفِي (الغريبين) الْبر: الاتساع فِي الْإِحْسَان وَالزِّيَادَة مِنْهُ. وَقَالَ السّديّ: {لن تنالوا الْبر حَتَّى تتفقوا} (آل عمرَان: ٩٢) يَعْنِي: الْجنَّة وَالْبر: أَيْضا: الصِّلَة وَهُوَ اسْم جَامع للخير كُله، وَفِي (الْجَامِع) و (الْجَمْرَة) : الْبر ضد العقوق، وَفِي (مثلث) ابْن السَّيِّد: الْإِكْرَام، كَذَا نَقله عَنهُ فِي (الواعي) : وَذكر ابْن عديس عَنهُ: الْبر، بِالْكَسْرِ: الْخَيْر. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الخطابُ لأهل الْكتاب، لِأَن الْيَهُود تصلي قبل الْمغرب إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وَالنَّصَارَى قبل الْمشرق، وَذَلِكَ أَنهم أَكْثرُوا الْخَوْض فِي أَمر الْقبْلَة حِين تحول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الْكَعْبَة، وَزعم كل وَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ أَن الْبر التَّوَجُّه، إِلَى قبلته، فَرد عَلَيْهِم وَقَرَأَ: {لَيْسَ الْبر} (الْبَقَرَة: ١٧٧) بِالنّصب على أَنه خبر مقدم، وَقَرَأَ عبد الله: {بِأَن توَلّوا} على إِدْخَال الْبَاء على الْخَبَر للتَّأْكِيد. وَعَن الْمبرد: لَو كنت مِمَّن يقْرَأ الْقُرْآن لقرأت: {وَلَكِن الْبر} بِفَتْح الْبَاء، وقرىء وَلَكِن الْبَار، وَقَرَأَ ابْن عَامر وَنَافِع: وَلَكِن الْبر، بِالتَّخْفِيفِ {وَالْكتاب} (الْبَقَرَة: ١٧٧) جنس كتاب الله تَعَالَى، أَو الْقُرْآن: {على حبه} (الْبَقَرَة: ١٧٧) مَعَ حب المَال وَالشح بِهِ، وَقيل: على حب الله، وَقيل: على حب الإيتاء، وَقدم ذَوي الْقُرْبَى لِأَنَّهُ أَحَق، وَالْمرَاد: الْفُقَرَاء مِنْهُم لعدم الالتباس: {والمسكين} (الْبَقَرَة: ١٧٧) الدَّائِم السّكُون إِلَى النَّاس، لِأَنَّهُ لَا شَيْء لَهُ كالمسكير: الدَّائِم السكر. {وَابْن السَّبِيل} (الْبَقَرَة: ١٧٧) الْمُسَافِر الْمُنْقَطع، وَجعل ابْنا للسبيل لملازمته لَهُ، كَمَا يُقَال: للص الْقَاطِع: ابْن الطَّرِيق، وَقيل: هُوَ الضَّيْف لِأَن السَّبِيل ترعف بِهِ {والسائلين} (الْبَقَرَة: ١٧٧) المستطعمين. {وَفِي الرّقاب} (الْبَقَرَة: ١٧٧) وَفِي معاونة المكاتبين حَتَّى يفكوا رقابهم، وَقيل: فِي ابتياع الرّقاب وإعتاقها، وَقيل: فِي فك الْأُسَارَى والموفون

عطف على من: آمن، وَأخرج الصابرين مَنْصُوبًا على الِاخْتِصَاص والمدح إِظْهَارًا لفضل الصَّبْر فِي الشدائد، ومواطن الْقِتَال على سَائِر الْأَعْمَال، وقرىء: والصابرون، وقرىء: والموفين وَالصَّابِرِينَ {والبأساء} (الْبَقَرَة: ١٧٧) الْفقر والشدة وَالضَّرَّاء وَالْمَرَض والزمانة قَوْله: {قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ} (الْمُؤْمِنُونَ: ١) الْآيَة: هَذِه آيَة أُخْرَى، ذكر الْآيَتَيْنِ لاشتمالهما على أُمُور الْإِيمَان، وَالْبَاب مبوب عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا لم يقل: وَقَول الله عز وَجل {قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ} (الْمُؤْمِنُونَ: ١) كَمَا قَالَ فِي أول الْآيَة الأولى، وَقَول الله عز وَجل: {لَيْسَ الْبر} (الْبَقَرَة: ١٧٧) الخ لعدم الالتباس فِي ذَلِك، وَاكْتفى أَيْضا بِذكرِهِ فِي الأولى، وَقَالَ بَعضهم: ذكره بِلَا أَدَاة عطف، والحذف جَائِز، وَالتَّقْدِير: وَقَول الله عز وَجل: {قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ} (الْمُؤْمِنُونَ: ١) قلت: الْحَذف غير جَائِز، وَلَئِن سلمنَا فَذَاك فِي بَاب الشّعْر، وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَيحْتَمل أَن يكون تَفْسِيرا لقَوْله: المتقون هم الموصوفون بقوله: {قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ} (الْمُؤْمِنُونَ: ١) إِلَى آخرهَا. قلت: لَا يَصح هَذَا أَيْضا. لِأَن الله تَعَالَى ذكر فِي هَذِه الْآيَة من وصفوا بالأوصاف الْمَذْكُورَة فِيهَا، ثمَّ أَشَارَ إِلَيْهِم بقوله: {وَأُولَئِكَ هم المتقون} (الْبَقَرَة: ١٧٧) بَين أَن هَؤُلَاءِ الموصوفين هم المتقون، فَأَي شَيْء يحْتَاج بعد ذَلِك إِلَى تَفْسِير الْمُتَّقِينَ فِي هَذِه الْآيَة حَتَّى يفسرهم بقوله: {قد أَفْلح} (الْمُؤْمِنُونَ: ١) الخ، وَرُبمَا كَانَ يُمكن صِحَة هَذِه الدَّعْوَى لَو كَانَت الْآيَتَانِ متواليتين، فبينهما آيَات عديدة، بل سور كَثِيرَة، فَكيف يكون هَذَا من بَاب التَّفْسِير وَهَذَا كَلَام مستبعد جدا. قَوْله: (الْآيَة) يجوز فِيهَا: النصب، على معنى إقرأ الْآيَة: و: الرّفْع، على معنى الْآيَة بِتَمَامِهَا على أَنه مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر. قَوْله: {أَفْلح} أَي: دخل فِي الْفَلاح، وَهُوَ فعل لَازم، والفلاح الظفر بالمراد، وَقيل: الْبَقَاء فِي الْخَيْر. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: يُقَال: أفلحه أجاره إِلَى الْفَلاح، وَعَلِيهِ قِرَاءَة طَلْحَة بن مصرف: أَفْلح للْبِنَاء للْمَفْعُول، وَعنهُ أفلحوا على أكلوني البراغيث، أَو على الْإِبْهَام وَالتَّفْسِير: (والخشوع فِي الصَّلَاة) خشيَة الْقلب (واللغو) مَا لَا يَعْنِيك من قَول أَو فعل كاللعب والهزل، وَمَا توجب الْمُرُوءَة إلغاءه وإطراحه. قَوْله: {فاعلون} (الْمُؤْمِنُونَ: ١) أَي: مؤدون. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فَإِن قلت: هلا قيل: من ملكت؟ قلت: لِأَنَّهُ أُرِيد من جنس الْعُقَلَاء مَا يجرى مجْرى غير الْعُقَلَاء. وهم الْإِنَاث.

٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدثنَا أبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ قَالَ حَدثنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أبْيِ صَالِحٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ الإِيِمَانُ بِضْعٌ وسِتُّونَ شُعْبَةً والحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ.

قَالَ الشَّيْخ قطب الدّين؛ هَذَا مُتَعَلق بِالْبَابِ الَّذِي قبله، وَهُوَ أَن الْإِيمَان قَول وَعمل يزِيد وَينْقص، وَجه الدَّلِيل أَن الشَّرْع أطلق الْإِيمَان على أَشْيَاء كَثِيرَة من الْأَعْمَال كَمَا جَاءَ فِي الْآيَات والخبرين الَّذين ذكرهمَا فِي هَذَا الْبَاب، بِخِلَاف قَول المرجئة، فِي قَوْلهم: إِن الْإِيمَان قَول بِلَا عمل. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا الْكَلَام، وَإِنَّمَا هَذَا الْبَاب والأبواب الَّتِي بعده كلهَا مُتَعَلقَة بِالْبَابِ الأول، مبينَة أَن الْإِيمَان قَول وَعمل يزِيد وَينْقص على مَا لَا يخفى.

(بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة: الأول: أَبُو جَعْفَر عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن جَعْفَر بن الْيَمَان بن أخنس بن خُنَيْس الْجعْفِيّ البُخَارِيّ المسندي، بِضَم الْمِيم وَفتح النُّون، وَهُوَ ابْن عَم عبد الله بن سعيد بن جَعْفَر بن الْيَمَان، واليمان هَذَا هُوَ مولى أحد أجداد البُخَارِيّ، وَلَاء إِسْلَام، سمع وكيعاً وخلقاً، وَعنهُ الذهلي وَغَيره من الْحفاظ، مَاتَ سنة تسع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، إنفرد البُخَارِيّ بِهِ عَن أَصْحَاب الْكتب السِّتَّة، وروى التِّرْمِذِيّ عَن البُخَارِيّ عَنهُ. الثَّانِي: أَبُو عَامر عبد الْملك بن عَمْرو بن قيس الْعَقدي الْبَصْرِيّ، سمع مَالِكًا وَغَيره، وَعنهُ أَحْمد، وَاتفقَ الْحفاظ على جلالته وثقته، مَاتَ سنة خمس، وَقيل: أَربع وَمِائَتَيْنِ. الثَّالِث: أَبُو مُحَمَّد أَو أَبُو أَيُّوب سُلَيْمَان بن بِلَال الْقرشِي التَّيْمِيّ الْمدنِي، مولى آل الصّديق، سمع عبد الله بن دِينَار وجمعاً من التَّابِعين، وَعنهُ الْأَعْلَام كَابْن الْمُبَارك وَغَيره، وَقَالَ مُحَمَّد بن سعد: كَانَ بربرياً جميلاً حسن الْهَيْئَة عَاقِلا، وَكَانَ يُفْتِي بِالْبَلَدِ، وَولي خراج الْمَدِينَة، وَمَات بهَا سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَمِائَة، وَقَالَ البُخَارِيّ عَن هَارُون بن مُحَمَّد: سنة سبع وَسبعين وَمِائَة، وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة من اسْمه سُلَيْمَان بن هِلَال سوى هَذَا. الرَّابِع: أَبُو عبد الرَّحْمَن عبد الله بن دِينَار، أَخُو عَمْرو بن دِينَار، الْقرشِي الْعَدوي الْمدنِي، مولى ابْن عمر، سمع مَوْلَاهُ وَغَيره، وَعنهُ ابْنه عبد الرَّحْمَن وَغَيره، وَهُوَ ثِقَة بِاتِّفَاق، مَاتَ سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة، وَفِي الروَاة أَيْضا: عَمْرو بن دِينَار الْحِمصِي لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة: عَمْرو بن دِينَار، غَيرهمَا. الْخَامِس: أَبُو صَالح

ذكْوَان السمان الزيات الْمدنِي، كَانَ يجلب السّمن وَالزَّيْت إِلَى الْكُوفَة، مولى جوَيْرِية بنت الأحمس الْغَطَفَانِي، وَفِي شرح قطب الدّين: إِنَّه مولى جويرة بنت الْحَارِث، امْرَأَة من قيس، سمع جمعا من الصَّحَابَة وخلقاً من التَّابِعين، وَعنهُ جمع من التَّابِعين مِنْهُم: عَطاء، وَسمع الْأَعْمَش مِنْهُ ألف حَدِيث، وروى عَنهُ أَيْضا بنوه: عبد الله وَسُهيْل وَصَالح، وَاتَّفَقُوا على توثيقه، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة إِحْدَى وَمِائَة، وَأَبُو صَالح فِي الروَاة جمَاعَة، قد مضى ذكرهم فِي الحَدِيث الرَّابِع من بَاب بَدْء الْوَحْي. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة اخْتلف فِي اسْمه وَاسم أَبِيه على نَحْو ثَلَاثِينَ قولا، وأقربها: عبد الله، أَو عبد الرَّحْمَن بن صَخْر الدوسي، وَهُوَ أول من كني بِهَذِهِ الكنية لهرة كَانَ يلْعَب بهَا، كناه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك، وَقيل: وَالِده، وَكَانَ عريف أهل الصّفة، أسلم عَام خَيْبَر بالِاتِّفَاقِ وشهدها مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: لم يخْتَلف فِي اسْم أحد فِي الْجَاهِلِيَّة وَلَا فِي الْإِسْلَام كالاختلاف فِيهِ، وروى أَنه قَالَ: كَانَ يُسمى فِي الْجَاهِلِيَّة: عبد شمس، وَسمي فِي الْإِسْلَام: عبد الرَّحْمَن، وَاسم أمه مَيْمُونَة، وَقيل: أُميَّة، وَقد أسلمت بِدُعَاء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: نشأت يَتِيما، وَهَاجَرت مِسْكينا، وَكنت أَجِيرا لبسرة بنت غَزوَان خَادِمًا لَهَا، فزوجنيها الله تَعَالَى، فَالْحَمْد لله الَّذِي جعل الدّين قواماً، وَجعل أَبَا هُرَيْرَة إِمَامًا. قَالَ: وَكنت أرعى غنما، وَكَانَ لي هرة صَغِيرَة أَلعَب بهَا فكنوني بهَا وَقيل: رَآهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِي كمه هرة، فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَة، وَهُوَ أَكثر الصَّحَابَة رِوَايَة بِإِجْمَاع، رُوِيَ لَهُ خَمْسَة آلَاف حَدِيث وثلثمائة وَأَرْبَعَة وَسَبْعُونَ حَدِيثا، اتفقَا على ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة وَعشْرين، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِثَلَاثَة وَتِسْعين، وَمُسلم بِمِائَة وَتِسْعين روى عَنهُ أَكثر من ثَمَانمِائَة رجل من صَاحب وتابع، مِنْهُم: ابْن عَبَّاس وَجَابِر وَأنس؛ وَهُوَ أزدي دوسي يماني، ثمَّ مدنِي كَانَ ينزل بِذِي الحليفة بِقرب الْمَدِينَة، لَهُ بهَا دَار تصدق بهَا على موَالِيه، وَمن الروَاة عَنهُ: ابْنه الْمُحَرر، بحاء مُهْملَة ثمَّ رَاء مكررة، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة تسع وَخمسين، وَقيل: ثَمَان، وَقيل: سبع، وَدفن بِالبَقِيعِ وَهُوَ ابْن ثَمَان وَسبعين سنة، وَالَّذِي يَقُوله النَّاس: إِن قَبره بِقرب عسقلان لَا أصل لَهُ فاجتنبه، نعم هُنَاكَ قبر خيسعة بن جندرة الصَّحَابِيّ؛ وَأَبُو هُرَيْرَة من الْأَفْرَاد لَيْسَ فِي الصَّحَابَة من اكتنى بِهَذِهِ الكنية سواهُ، وَفِي الروَاة آخر اكتنى بِهَذِهِ الكنية، يروي عَن مَكْحُول وَعنهُ أَبُو الْمليح الرقي، لَا يعرف. وَآخر اسْمه مُحَمَّد بن فرَاش الضبعِي، روى لَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه، مَاتَ سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَفِي الشَّافِعِيَّة آخر اكتنى بِهَذِهِ الكنية، واسْمه ثَابت بن شبْل، قَالَ عبد الْغفار فِي حَقه: شيخ فَاضل مناظر.

(بَيَان الْأَنْسَاب) الْجعْفِيّ: فِي مذْحج ينْسب إِلَى جعفي بن سعد الْعَشِيرَة بن مَالك: وَمَالك هُوَ جماع مذْحج، والعقدي نِسْبَة إِلَى العقد، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالْقَاف المفتوحتين، وهم قوم من قيس، وهم بطن من الأزد، كَذَا فِي (التَّهْذِيب) وَتَبعهُ النَّوَوِيّ فِي شَرحه، وَفِي شرح قطب الدّين: إِن العقد بطن من نخيلة، وَقيل: من قيس بِالْوَلَاءِ، قَالَ أَبُو الشَّيْخ الْحَافِظ: إِنَّمَا سموا عقدا لأَنهم كَانُوا لِئَامًا، وَقَالَ الْحَاكِم: العقد مولى الْحَارِث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثَعْلَبَة، وَقَالَ صَاحب (الْعين) : العقد قَبيلَة من الْيمن من بني عبد شمس بن سعد، وَقَالَ الرشاطي: الْعَقدي فِي قيس بن ثَعْلَبَة، وَحكى أَبُو عَليّ الغساني، عَن أبي عمر قَالَ: العقديون بطن من قيس؛ والمسندي، بِضَم الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح النُّون، هُوَ عبد الله بن مُحَمَّد شيخ البُخَارِيّ، سمي بذلك لِأَنَّهُ كَانَ يطْلب المسندات ويرغب عَن الْمُرْسل والمنقطات، وَقَالَ صَاحب (الْإِرْشَاد) : كَانَ يتحَرَّى المسانيد من الْأَخْبَار، وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله: عرف بذلك لِأَنَّهُ أول من جمع مُسْند الصَّحَابَة على التراجم بِمَا وَرَاء النَّهر؛ والتيمي فِي قبائل، فَفِي قُرَيْش: تيم بن مرّة، وَفِي الربَاب: تيم بن عبد مَنَاة بن أد بن طابخة، وَفِي النمر بن قاسط: تيم الله بن النمر بن قاسط، وَفِي شَيبَان ابْن ذهل: تيم بن شَيبَان، وَفِي ربيعَة بن نذار: تيم الله بن ثَعْلَبَة، وَفِي قضاعة: تيم الله بن رفيدة، وَفِي ضبة: تيم بن ذهل. والعدوي نِسْبَة إِلَى عدي بن كَعْب، وَهُوَ فِي قُرَيْش، وَفِي الربَاب: عدي بن عبد مَنَاة، وَفِي خُزَاعَة: عدي بن عَمْرو، وَفِي الْأَنْصَار: عدي بطن بن النجار، وَفِي طَيء: عدي بن أخرم، وَفِي قضاعة: عدي بن خباب، والدوسي فِي الأزد ينْسب إِلَى دوس بن عدنان بن عبد الله.

(بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا: الأسناد كلهم مدنيون إِلَّا الْعَقدي فَإِنَّهُ بَصرِي، وإلَاّ المسندي. وَمِنْهَا: أَن كلهم على شَرط السِّتَّة إلَاّ المسندي كَمَا بَيناهُ. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ، وَهُوَ عبد الله بن دِينَار، عَن أبي صَالح.

(بَيَان من أخرجه غَيره) أخرجه مُسلم عَن عبيد الله بن سعيد، وَعبد بن حميد، عَن الْعَقدي بِهِ. وَرَوَاهُ أَيْضا عَن زُهَيْر،

عَن جرير، عَن سهل بن عبد الله، عَن ابْن دِينَار، عَنهُ. وَرَوَاهُ بَقِيَّة الْجَمَاعَة أَيْضا: فَأَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، عَن حَمَّاد عَن سُهَيْل بِهِ. و: التِّرْمِذِيّ فِي الْإِيمَان عَن أبي كريب، عَن وَكِيع، عَن سُفْيَان، عَن سُهَيْل بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح. و: النَّسَائِيّ فِي الْإِيمَان أَيْضا عَن مُحَمَّد بن عبد الله المحرمي، عَن أبي عَامر الْعَقدي بِهِ؛ وَعَن أَحْمد بن سُلَيْمَان، عَن أبي دَاوُد الْحَفرِي. و: أبي نعيم كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ. وَعَن يحيى بن حبيب بن عَرَبِيّ عَن خَالِد بن الْحَارِث، عَن ابْن عجلَان عَنهُ، بِبَعْضِه: (الْحيَاء من الْإِيمَان) ، وَابْن مَاجَه فِي السّنة عَن عَليّ بن مُحَمَّد الطنافسي، عَن وَكِيع بِهِ. وَعَن عَمْرو بن رَافع، عَن جرير بِهِ. وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة، عَن أبي جمال الْأَحْمَر، عَن ابْن عجلَان نَحوه.

(بَيَان اخْتِلَاف الرِّوَايَات) : كَذَا وَقع هُنَا من طَرِيق أبي زيد الْمروزِي: (الْإِيمَان بضع وَسِتُّونَ شُعْبَة) ، وَفِي مُسلم وَغَيره من حَدِيث سُهَيْل، عَن عبد الله بن دِينَار: (بضع وَسَبْعُونَ أَو بضع وَسِتُّونَ) ، وَرَوَاهُ أَيْضا من حَدِيث الْعَقدي، عَن سُلَيْمَان: (بضع وَسَبْعُونَ شُعْبَة) . وَكَذَا وَقع فِي البُخَارِيّ من طَرِيق أبي ذَر الْهَرَوِيّ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهمَا من رِوَايَة سُهَيْل: (بضع وَسَبْعُونَ) بِلَا شكّ، ورجحها القَاضِي عِيَاض، وَقَالَ إِنَّهَا الصَّوَاب. وَكَذَا رجحها الْحَلِيمِيّ وجماعات مِنْهُم: النَّوَوِيّ لِأَنَّهَا زِيَادَة من ثِقَة فَقبلت، وقدمت وَلَيْسَ فِي رِوَايَة الْأَقَل مَا يمْنَعهَا. وَقَالَ ابْن الصّلاح: الْأَشْبَه تَرْجِيح الْأَقَل لِأَنَّهُ الْمُتَيَقن، وَالشَّكّ من سُهَيْل، كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ. وَقد رُوِيَ عَن سُهَيْل عَن جرير: (وَسَبْعُونَ) من غير شكّ، وَكَذَا رِوَايَة سُلَيْمَان ابْن بِلَال فِي مُسلم وَفِي البُخَارِيّ (بضع وَسِتُّونَ) وَقَالَ ابْن الصّلاح: فِي البُخَارِيّ فِي نسخ بِلَادنَا: (إلَاّ سِتُّونَ) ، وَفِي لفظ لمُسلم: (فأفضلها قَول: لَا إِلَه إِلَّا الله، وَأَدْنَاهَا إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق، وَالْحيَاء شُعْبَة من الْإِيمَان) . وَفِي لفظ ابْن مَاجَه: (فأرفعها) ، وَلَفظ اللالكائي: (ادناها إمَاطَة الْعظم عَن الطَّرِيق) ؛ وَفِي كتاب ابْن شاهين: (خِصَال الْإِيمَان أفضلهَا قَول لَا إِلَه إِلَّا الله) ، وَفِي لفظ التِّرْمِذِيّ: (بضع وَسَبْعُونَ بَابا) ، وَقَالَ: حسن صَحِيح، وَرَوَاهُ مُحَمَّد بن عجلَان، عَن عبد الله بن دِينَار، عَن أبي صَالح: (الْإِيمَان سِتُّونَ بَابا أَو سَبْعُونَ أَو بضع) . وَاحِد من العددين، وَرِوَايَة قُتَيْبَة، عَن بكر بن مُضر، عَن عمَارَة بن عربة، عَن أبي صَالح: (الْإِيمَان أَربع وَسِتُّونَ بَابا) ، وَمن حَدِيث الْمُغيرَة بن عبد الله بن عُبَيْدَة، قَالَ: حَدثنِي أبي، عَن جدي، وَكَانَت لَهُ صُحْبَة: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (الْإِيمَان ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ شَرِيعَة، من وافى الله بشريعة مِنْهَا دخل الْجنَّة) . وَفِي كتاب ابْن شاهين من حَدِيث الإفْرِيقِي، عَن عبد الله بن رَاشد مولى عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله عَنهُ، يَقُول: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن بَين يَدي الرَّحْمَن عز وَجل لوحاً فِيهِ ثَلَاثمِائَة وتسع عشرَة شَرِيعَة يَقُول عز وَجل: وَلَا يجيبني عبد من عبَادي لَا يُشْرك بِي شَيْئا فِيهِ وَاحِدَة مِنْهُنَّ إلَاّ أدخلته الْجنَّة) . وَمن حَدِيث عبد الْوَاحِد بن زيد عَن عبد الله بن رَاشد، عَن مَوْلَاهُ عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ: سَمِعت أَبَا سعيد رَضِي الله عَنهُ، يَقُول: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن بَين يَدي الرَّحْمَن عز وَجل لوحاً فِيهِ ثَلَاثمِائَة وتسع عشرَة شَرِيعَة، يَقُول عز وَجل: لَا يجيئني عبد من عبَادي لَا يُشْرك بِي شَيْئا فِيهِ وَاحِدَة مِنْهَا إلَاّ أدخلته الْجنَّة) . وَمن حَدِيث عبد الْوَاحِد بن زيد، عَن عبد الله بن رَاشد، عَن مَوْلَاهُ عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن لله تَعَالَى مائَة خلق، من أَتَى بِخلق مِنْهَا دخل الْجنَّة) . قَالَ لنا أَحْمد: سُئِلَ إِسْحَاق: مَا معنى الْأَخْلَاق؟ قَالَ: يكون فِي الْإِنْسَان حَيَاء، يكون فِيهِ رَحْمَة، يكون فِيهِ سخاء، يكون فِيهِ تسَامح، هَذَا من أَخْلَاق الله عز وَجل، وَفِي (كتاب الديباج) للخيلي، من حَدِيث نوح بن فضَالة، عَن مَالك بن زِيَاد الْأَشْجَعِيّ: (الْإِسْلَام ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة عشر سَهْما، فَإِذا كَانَ فِي جَاءَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْت السَّلَام، وَإِنَّمَا الْإِسْلَام من جَاءَ متمسكاً بِسَهْم من سهامي، فَأدْخلهُ الْجنَّة) قَالَ رسته: حَدثنَا ابْن مهْدي، عَن إِسْرَائِيل، عَن أبي إِسْحَاق، عَن صلَة عَن حُذَيْفَة: (الْإِسْلَام ثَمَانِيَة أسْهم: الْإِسْلَام سهم، وَالصَّلَاة سهم، وَالزَّكَاة سهم، وَصَوْم رَمَضَان سهم، وَالْحج سهم، وَالْجهَاد سهم وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ، سهم وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، سهم وَقد خَابَ من لَا سهم لَهُ) .

(بَيَان اللُّغَات) قَوْله: (بضع) ذكر ابْن الْبنانِيّ فِي (الموعب) عَن الْأَصْمَعِي: الْبضْع، مِثَال عِلم: مَا بَين اثْنَيْنِ إِلَى عشرَة

واثني عشرَة إِلَى عشْرين فَمَا فَوق ذَلِك يُقَال: بضعَة عشر فِي جمع الْمُذكر، وبضع عشرَة فِي جمع الْمُؤَنَّث. قَالَ تَعَالَى: {فِي بضع سِنِين} (الرّوم: ٤) وَلَا يُقَال فِي: أحد عشر وَلَا اثنى عشر، إِنَّمَا الْبضْع من الثَّلَاث إِلَى الْعشْر. وَقَالَ صَاحب (الْعين) : الْبضْع سَبْعَة، وَقَالَ قطرب: أخبرنَا الثِّقَة، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: ( {فِي بضع سِنِين} (الرّوم: ٤) مَا بَين خمس إِلَى سبع) . وَقَالُوا: مَا بَين الثَّلَاث إِلَى الْخمس. وَقَالَ الْفراء: الْبضْع نَيف مَا بَين الثَّلَاث إِلَى التسع، كَذَلِك رَأَيْت الْعَرَب تفعل، وَلَا يَقُولُونَ: بضع وَمِائَة، وَلَا بضع وَألف، وَلَا يذكر مَعَ عشر وَمَعَ الْعشْرين إِلَى التسعين. وَقَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُ الْقطعَة من الْعدَد تجْعَل لما دون الْعشْرَة من الثَّلَاث إِلَى التسع، وَهُوَ الصَّحِيح، وَهُوَ قَول الْأَصْمَعِي. وَقَالَ غَيره: الْبضْع من الثَّلَاث إِلَى التسع؛ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هُوَ مَا بَين نصف الْعشْر، يُرِيد مَا بَين الْوَاحِد إِلَى الْأَرْبَعَة؛ وَقَالَ يَعْقُوب، عَن أبي زيد: بِضع وبَضع، مِثَال: علِم وصَقر؛ وَفِي (الْمُحكم) الْبضْع مَا بَين الثَّلَاث إِلَى الْعشْر، وبالهاء من الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة، يُضَاف إِلَى مَا يُضَاف إِلَيْهِ: الْآحَاد، ويبنى مَعَ الْعشْرَة، كَمَا يبْنى سَائِر الْآحَاد، وَلم يمْتَنع عشرَة؛ وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: بضع سِنِين قِطْعَة من السنين، وَهُوَ يجْرِي فِي الْعدَد مجْرى مَا دون الْعشْرَة. وَقَالَ قوم: قَوْله تَعَالَى: {فَلبث فِي السجْن بضع سِنِين} (يُوسُف: ٤٢) يدل على أَن الْبضْع سبع سِنِين، لِأَن يُوسُف، عَلَيْهِ السَّلَام، إِنَّمَا لبث فِي السجْن سبع سِنِين. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: لَيْسَ الْبضْع العقد وَلَا نصف العقد؛ يذهب إِلَى أَنه من الْوَاحِد إِلَى الْأَرْبَعَة. وَفِي (الصِّحَاح) : لَا تَقول بضع وَعِشْرُونَ. وَقَالَ المطرزي فِي شَرحه: الْبضْع من أَرْبَعَة إِلَى تِسْعَة، هَذَا الَّذِي حصلناه من الْعلمَاء الْبَصرِيين والكوفيين، وَفِيه خلاف، إلَاّ أَن هَذَا هُوَ الإختيار. والنيف: من وَاحِد إِلَى ثَلَاثَة، وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي (المثلث) الْبضْع، بِالْفَتْح وَالْكَسْر؛ مَا بَين وَاحِد إِلَى خَمْسَة فِي قَول أبي عُبَيْدَة، وَقَالَ غَيره: مَا بَين وَاحِد إِلَى عشرَة، وَهُوَ الصَّحِيح وَفِي (الغريبين) للهروي: الْبضْع والبضعة وَاحِد، ومعناهما الْقطعَة من الْعدَد، زَاد عِيَاض، بِكَسْر الْبَاء فيهمَا وبفتحهما، وَفِي (الْعباب) قَالَ أَبُو زيد: أَقمت بضع سِنِين، بِالْفَتْح، وَجَلَست فِي بقْعَة طيبَة، وأقمت بُرْهَة كلهَا بِالْفَتْح. وَهُوَ مَا بَين الثَّلَاث إِلَى التسع. وروى الْأَثْرَم عَن أبي عُبَيْدَة: أَن الْبضْع مَا بَين الثَّلَاث إِلَى الْخمس. وَتقول: بضع سِنِين وَبضْعَة عشر رجلا، وبضع عشرَة امْرَأَة، فَإِذا جَاوَزت لفظ الْعشْر ذهب الْبضْع، لَا تَقول: بضع وَعِشْرُونَ، وَقيل: هَذَا غلط، بل يُقَال ذَلِك. وَقَالَ أَبُو زيد: يُقَال لَهُ بضعَة وَعِشْرُونَ رجلا وبضع وَعِشْرُونَ امْرَأَة، والبضع من الْعدَد فِي الأَصْل غير مَحْدُود، وَإِنَّمَا صَار مُبْهما لِأَنَّهُ بِمَعْنى الْقطعَة، والقطعة غير محدودة. قَوْله: (شُعْبَة) ، بِضَم الشين، وَهِي الْقطعَة والفرقة، وَهِي وَاحِدَة الشّعب، وَهِي أَغْصَان الشَّجَرَة. قَالَ ابْن سَيّده: الشعبة الْفرْقَة والطائفة من الشَّيْء، وَمِنْه شعب الْآبَاء، وَشعب الْقَبَائِل، وشعبها الْأَرْبَع، وَوَاحِد شعب الْقَبَائِل شعب، بِالْفَتْح، وَقيل: بِالْكَسْرِ، وَهِي الْعِظَام. وَكَذَا شعب الْإِنَاء، صدعه بِالْفَتْح أَيْضا، وَقَالَ الْخَلِيل: الشّعب الإجتماع والافتراق، أَي: هما ضدان، وَالْمرَاد بالشعبة فِي الحَدِيث: الْخصْلَة، أَي: أَن الْإِيمَان ذُو خِصَال مُتعَدِّدَة. قَوْله: (وَالْحيَاء) ممدوداً، هُوَ الاستحياء، واشتقاقه من الْحَيَاة. يُقَال: حيى الرجل، إِذا انْتقصَ حَيَاته، وانتكس قوته، كَمَا يُقَال: نسي نساه أَي: الْعرق الَّذِي فِي الْفَخْذ، وَحشِي إِذا اعتل حشاه، فَمَعْنَى الْحَيّ: المؤف من خوف المذمة، وَقد حيى مِنْهُ حَيَاء واستحى واستحيى، حذفوا الْيَاء الْأَخِيرَة كَرَاهِيَة التقاء الساكنين، والأخيران يتعديان بِحرف وَبِغير حرف، يَقُولُونَ: استحيى مِنْك، واستحياك، وَرجل حييّ: ذُو حَيَاء، وَالْأُنْثَى بِالتَّاءِ، وَالْحيَاء تغير وانكسار يعتري الْإِنْسَان من خوف مَا يعاب بِهِ ويذم، وَقد يعرف أَيْضا بِأَنَّهُ انحصار النَّفس خوف ارْتِكَاب القبائح.

(بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله: (الْإِيمَان) مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (بضع وَسِتُّونَ شُعْبَة) . قَالَ الْكرْمَانِي: بضع، هَكَذَا فِي بعض الْأُصُول، وبضعه بِالْهَاءِ فِي أَكْثَرهَا، وَقَالَ بَعضهم: وَقع فِي بعض الرِّوَايَات بضعَة، بتاء التَّأْنِيث. قلت: الصَّوَاب مَعَ الْكرْمَانِي، وَكَذَا قَالَ بعض الشُّرَّاح: كَذَا وَقع هُنَا فِي بعض الْأُصُول: بضع، وَفِي أَكْثَرهَا: بضعَة، بِالْهَاءِ، وَأكْثر الرِّوَايَات فِي غير هَذَا الْموضع بضع بِلَا هَاء وَهُوَ الْجَارِي على اللُّغَة الْمَشْهُورَة، وَرِوَايَة الْهَاء صَحِيحَة أَيْضا على التَّأْوِيل. قلت: لَا شكّ أَن بضعاً للمؤنث، وَبضْعَة للمذكر، وَشعْبَة يؤنث فَيَنْبَغِي أَن يُقَال: بضع، بِلَا هَاء، وَلَكِن لما جَاءَت الرِّوَايَة: ببضعة يحْتَاج أَن تؤول الشعبة، بالنوع إِذا فسرت الشعبة: بالطائفة من الشَّيْء، وبالخلق إِذا فسرت بالخصلة والخلة. قَوْله: (وَالْحيَاء) مُبْتَدأ وَخَبره (شُعْبَة) وَقَوله: (من الْإِيمَان) فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا صفة: شُعْبَة.

(بَيَان الْمعَانِي وَالْبَيَان) : لَا شكّ أَن تَعْرِيف الْمسند إِلَيْهِ إِنَّمَا يقْصد إِلَى تَعْرِيفه لإتمام فَائِدَة السَّامع، لِأَن فَائِدَته من الْخَبَر إِمَّا الحكم أَو لَازمه، كَمَا بَين فِي مَوْضِعه وَفِيه الْفَصْل بَين الجملتين بِالْوَاو، لِأَنَّهُ قصد التَّشْرِيك وَتَعْيِين الْوَاو لدلالتها على الْجمع، وَفِيه تَشْبِيه الْإِيمَان بشجرة ذَات أَغْصَان، وَشعب، كَمَا شبه فِي الحَدِيث السَّابِق الْإِسْلَام بخباء ذَات أعمدة وأطناب، ومبناه على الْمجَاز، وَذَلِكَ لِأَن الْإِيمَان فِي اللُّغَة التَّصْدِيق، وَفِي عرف الشَّرْع: تَصْدِيق الْقلب وَاللِّسَان، وَتَمَامه وكماله بالطاعات، فحينئذٍ الْإِخْبَار عَن الْإِيمَان بِأَنَّهُ بضع وَسِتُّونَ شُعْبَة، أَو بضع وَسَبْعُونَ، وَنَحْو ذَلِك يكون من بَاب إِطْلَاق الأَصْل على الْفَرْع، وَذَلِكَ لِأَن الْإِيمَان هُوَ الأَصْل، والأعمال فروع مِنْهُ. وَإِطْلَاق الْإِيمَان على الْأَعْمَال مجَاز، لِأَنَّهَا تكون عَن الْإِيمَان، وَقد اتّفق أهل السّنة من الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء والمتكلمين على أَن الْمُؤمن الَّذِي يحكم بإيمانه، وَأَنه من أهل الْقبْلَة، وَلَا يخلد فِي النَّار، هُوَ الَّذِي يعْتَقد بِقَلْبِه دين الْإِسْلَام اعتقاداً جَازِمًا خَالِيا من الشكوك، ونطق بِالشَّهَادَتَيْنِ، فَإِن اقْتصر على أَحدهمَا لم يكن من أهل الْقبْلَة إلَاّ إِذا عجز عَن النُّطْق، فَإِنَّهُ يكون مُؤمنا إلاّ مَا حَكَاهُ القَاضِي عِيَاض فِي (كتاب الشِّفَاء) فِي أَن: من اعْتقد دين الْإِسْلَام بِقَلْبِه، وَلم ينْطق بِالشَّهَادَتَيْنِ من غير عذر مَنعه من القَوْل، إِن ذَلِك نافعه فِي الدَّار الْآخِرَة، على قَول ضَعِيف. وَقد يكون فائزاً، لكنه غير الْمَشْهُور، وَالله أعلم.

(بَيَان استنباط الْفَوَائِد) وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِي تعْيين السِّتين على مَا جَاءَ هَهُنَا، وَفِي تعْيين السّبْعين على مَا جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى من (الصَّحِيح) ، وَرِوَايَة أَصْحَاب السّنَن، أما الْحِكْمَة فِي تعْيين السِّتين وتخصيصها، فَهِيَ: أَن الْعدَد إِمَّا زَائِد: وَهُوَ مَا أجزاؤه أَكثر مِنْهُ، كالاثني عشر، فَإِن لَهَا: نصفا وَثلثا وربعاً وسدساً وَنصف سدس، ومجموع هَذِه الْأَجْزَاء أَكثر من اثْنَي عشر، فَإِنَّهُ سِتَّة عشر، وَإِمَّا نَاقص: وَهُوَ مَا أجزاؤه أقل مِنْهُ، كالأربعة فَإِن لَهَا: الرّبع وَالنّصف فَقَط، وَإِمَّا تَامّ: وَهُوَ مَا أجزاؤه مثله كالستة، فَإِن أجزاءها: النّصْف وَالثلث وَالسُّدُس، وَهِي مُسَاوِيَة للستة، وَالْفضل من بَين الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة للتام، فَلَمَّا أُرِيد الْمُبَالغَة فِيهِ جعلت آحادها أعشاراً، وَهِي: السِّتُّونَ. وَأما الْحِكْمَة فِي تعْيين السّبْعين فَهِيَ: أَن السَّبْعَة تشْتَمل على جملَة أَقسَام الْعدَد، فَإِنَّهُ يَنْقَسِم إِلَى: فَرد وَزوج، وكل مِنْهُمَا إِلَى: أول ومركب، والفرد الأول: ثَلَاثَة، والمركب: خَمْسَة، وَالزَّوْج الأول: اثْنَان، والمركب: أَرْبَعَة، وينقسم أَيْضا إِلَى منطق كالأربعة، وأصم كالستة، فَلَمَّا أُرِيد الْمُبَالغَة فِيهِ جعلت آحادها أعشاراً. وَهِي: السبعون. وَأما زِيَادَة الْبضْع على النَّوْعَيْنِ فقد علم أَنه يُطلق على السِّت وعَلى السَّبع، لِأَنَّهُ مَا بَين اثْنَيْنِ إِلَى عشرَة، وَمَا فَوْقهَا كَمَا نَص عَلَيْهِ صَاحب (الموعب) فَفِي الأول السِّتَّة أصل للستين وَفِي الثَّانِي، السَّبْعَة أصل للسبعين، كَمَا ذَكرْنَاهُ، فَهَذَا وَجه تعْيين أحد هذَيْن العددين. الثَّانِي: أَن المُرَاد من هذَيْن العددين: هَل هُوَ حَقِيقَة أم ذكرا على سَبِيل الْمُبَالغَة؟ فَقَالَ بَعضهم: أُرِيد بِهِ التكثير دون التعديد، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن تستغفر لَهُم سبعين مرّة} (التَّوْبَة: ٨٠) وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: الْأَظْهر معنى التكثير، وَيكون ذكر الْبضْع للترقي، يَعْنِي أَن شعب الْأَيْمَان أعداد مُبْهمَة وَلَا نِهَايَة لكثرتها، إِذْ لَو أُرِيد التَّحْدِيد لم يبهم. وَقَالَ بَعضهم: الْعَرَب تسْتَعْمل السّبْعين كثيرا فِي بَاب الْمُبَالغَة، وَزِيَادَة السَّبع عَلَيْهَا الَّتِي عبر عَنْهَا بالبضع لأجل أَن السَّبْعَة أكمل الْأَعْدَاد، لِأَن السِّتَّة أول عدد تَامّ، وَهِي مَعَ الْوَاحِد سَبْعَة، فَكَانَت كَامِلَة، إِذْ لَيْسَ بعد التَّمام سوى الْكَمَال. وَسمي الْأسد: سَبُعاً لكَمَال قوته، وَالسَّبْعُونَ غَايَة الْغَايَة إِذْ الْآحَاد غايتها العشرات. فَإِن قلت: قد قلت: إِن الْبضْع لما بَين اثْنَيْنِ إِلَى عشرَة وَمَا فَوْقهَا، فَمن أَيْن تَقول: إِن المُرَاد من الْبضْع السَّبع حَتَّى بنى الْقَائِل الْمَذْكُور كَلَامه على هَذَا؟ قلت: قد نَص صَاحب (الْعين) على: أَن الْبضْع سَبْعَة، كَمَا ذكرنَا، وَقَالَ بَعضهم: هَذَا الْقدر الْمَذْكُور هُوَ شعب الْإِيمَان، وَالْمرَاد مِنْهُ تعداد الْخِصَال حَقِيقَة. فَإِن قلت: إِذا كَانَ المُرَاد بَيَان تعداد الْخِصَال، فَمَا الِاخْتِلَاف الْمَذْكُور؟ قلت: يجوز أَن يكون شعب الْإِيمَان بضعاً وَسِتِّينَ وَقت تنصيصه على هَذَا الْمِقْدَار، فَذكره لبَيَان الْوَاقِع، ثمَّ بعد ذَلِك نَص على بضع وَسبعين، بِحَسب تعدد الْعشْرَة على ذَلِك الْمِقْدَار، فَافْهَم، فَإِنَّهُ مَوضِع فِيهِ دقة. الثَّالِث: فِي بَيَان الْعدَد الْمَذْكُور قَالَ الإِمَام أَبُو حَاتِم بن حبَان بِكَسْر الْحَاء وَتَشْديد الْمُوَحدَة، البستي، فِي كتاب (وصف الْإِيمَان وشعبه) تتبعت معنى هَذَا الحَدِيث مُدَّة، وعددت الطَّاعَات فَإِذا هِيَ تزيد على هَذَا الْعدَد شَيْئا كثيرا، فَرَجَعت إِلَى السّنَن، فعددت كل طَاعَة عَددهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من الْإِيمَان، فَإِذا هِيَ تنقص على الْبضْع وَالسبْعين، فَرَجَعت إِلَى كتاب الله تَعَالَى، فعددت كل طَاعَة عدهَا الله من الْإِيمَان فَإِذا هِيَ تنقص عَن الْبضْع وَالسبْعين، فضممت إِلَى الْكتاب السّنَن، واسقطت الْعَاد، فَإِذا كل شَيْء عده الله وَرَسُوله عَلَيْهِ السَّلَام، من الْإِيمَان بضع وَسَبْعُونَ، لَا يزِيد عَلَيْهَا وَلَا ينقص.

فَعلمت أَن مُرَاد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؛ أَن هَذَا الْعدَد فِي الْكتاب وَالسّنة انْتهى. وَقد تكلفت جمَاعَة فِي بَيَان هَذَا الْعدَد بطرِيق الِاجْتِهَاد، وَفِي الحكم بِكَوْن المُرَاد ذَلِك نظر وصعوبة. قَالَ القَاضِي عِيَاض: وَلَا يقْدَح عدم معرفَة ذَلِك على التَّفْصِيل فِي الْإِيمَان، إِذْ أصُول الْإِيمَان وفروعه مَعْلُومَة مُحَققَة، وَالْإِيمَان بِأَن هَذَا الْعدَد وَاجِب على الْجُمْلَة، وتفصيل تِلْكَ الْأُصُول وتعيينها على هَذَا الْعدَد يحْتَاج إِلَى تَوْقِيف. وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذِه منحصرة فِي علم الله وَعلم رَسُوله، مَوْجُودَة فِي الشَّرِيعَة، غير أَن الشَّرْع لم يوقفنا عَلَيْهَا، وَذَلِكَ لَا يضرنا فِي علمنَا بتفاصيل مَا كلفنا بِهِ، فَمَا أمرنَا بِالْعلمِ بِهِ عَملنَا، وَمَا نَهَانَا عَنهُ انتهينا، وَإِن لم نحط بحصر أعداده. وَقَالَ أَيْضا: الْإِيمَان اسْم يتشعب إِلَى أُمُور ذَوَات عدد جِمَاعهَا الطَّاعَة، وَلِهَذَا صَار من صَار من الْعلمَاء إِلَى أَن النَّاس مفاضلون فِي درج الْإِيمَان، وَإِن كَانُوا متساوين فِي اسْمه. وَكَانَ بَدْء الْإِيمَان كلمة الشَّهَادَة، وَأقَام رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَقِيَّة عمره يَدْعُو النَّاس إِلَيْهَا، وسمى من أَجَابَهُ إِلَى ذَلِك مُؤمنا إِلَى أَن نزلت الْفَرَائِض، وَبِهَذَا الِاسْم خوطبوا عِنْد إِيجَابهَا عَلَيْهِم، فَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة} (الْمَائِدَة: ٦) وَهَذَا الحكم مُسْتَمر فِي كل اسْم يَقع على أَمر ذِي شعب: كَالصَّلَاةِ، فَإِن رجلا لَو مر على مَسْجِد وَفِيه قوم مِنْهُم من يستفتح الصَّلَاة، وَمِنْهُم من هُوَ رَاكِع أَو ساجد، فَقَالَ: رَأَيْتهمْ يصلونَ كَانَ صَادِقا مَعَ اخْتِلَاف أَحْوَالهم فِي الصَّلَاة، وتفاضل أفعالهم فِيهَا. فَإِن قيل: إِذا كَانَ الْإِيمَان بضعاً وَسبعين شُعْبَة، فَهَل يمكنكم أَن تسموها بأسمائها؟ وَإِن عجزتم عَن تفصيلها، فَهَل يَصح إيمَانكُمْ بِمَا هُوَ مَجْهُول؟ قُلْنَا: إيمَاننَا بِمَا كلفناه صَحِيح، وَالْعلم بِهِ حَاصِل، وَذَلِكَ من وَجْهَيْن. الأول: أَنه قد نَص على أَعلَى الْإِيمَان وَأَدْنَاهُ باسم أَعلَى الطَّاعَات وَأَدْنَاهَا، فَدخل فِيهِ جَمِيع مَا يَقع بَينهمَا من جنس الطَّاعَات كلهَا، وجنس الطَّاعَات مَعْلُوم. وَالثَّانِي: أَنه لم يُوجب علينا معرفَة هَذِه الْأَشْيَاء بخواص أسمائها حَتَّى يلْزمنَا تَسْمِيَتهَا فِي عقد الْإِيمَان، وكلفنا التَّصْدِيق بجملتها كَمَا كلفنا الْإِيمَان بملائكته وَإِن كُنَّا لَا نعلم أَسمَاء أَكْثَرهم وَلَا أعيانهم. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَقد بَين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَعلَى هَذِه الشّعب وَأَدْنَاهَا، كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح، من قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَعْلَاهَا لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَدْنَاهَا أماطة الأذي عَن الطَّرِيق) فَبين أَن أَعْلَاهَا التَّوْحِيد الْمُتَعَيّن على كل مُكَلّف، وَالَّذِي لَا يَصح شَيْء غَيره من الشّعب إلَاّ بعد صِحَّته، وَأَن أدناها دفع مَا يتَوَقَّع بِهِ ضَرَر الْمُسلمين، وَبَقِي بَينهمَا تَمام الْعدَد، فَيجب علينا الْإِيمَان بِهِ وَإِن لم نَعْرِف أَعْيَان جَمِيع أَفْرَاده، كَمَا نؤمن بِالْمَلَائِكَةِ وَإِن لم نَعْرِف أعيانهم وأسماءهم. انْتهى.

وَقد صنف فِي تعْيين هَذِه الشّعب جمَاعَة، مِنْهُم: الإِمَام أَبُو عبد الله الْحَلِيمِيّ صنف فِيهَا كتابا أسماه: (فَوَائِد الْمِنْهَاج) ، والحافظ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ وَسَماهُ: (شعب الْإِيمَان) ، وَإِسْحَاق ابْن الْقُرْطُبِيّ وَسَماهُ: (كتاب النصايح) ، وَالْإِمَام أَبُو حَاتِم وَسَماهُ: (وصف الْإِيمَان وشعبه) . وَلم أر أحدا مِنْهُم شفى العليل، وَلَا أروى الغليل. فَنَقُول مُلَخصا بعون الله تَعَالَى وتوفيقه: إِن أصل الْإِيمَان هُوَ: التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ، وَلَكِن الْإِيمَان الْكَامِل التَّام هُوَ التَّصْدِيق وَالْإِقْرَار وَالْعَمَل، فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَقسَام. فَالْأول: يرجع إِلَى الاعتقاديات، وَهِي تتشعب إِلَى ثَلَاثِينَ شُعْبَة. الأولى: الْإِيمَان بِاللَّه تَعَالَى، وَيدخل فِيهِ الْإِيمَان بِذَاتِهِ وَصِفَاته وتوحيده بِأَن لَيْسَ كمثله شَيْء. الثَّانِيَة: اعْتِقَاد حُدُوث مَا سوى الله تَعَالَى. الثَّالِثَة: الْإِيمَان بملائكته. الرَّابِعَة: الْإِيمَان بكتبه. الْخَامِسَة: الْإِيمَان برسله. السَّادِسَة: الْإِيمَان بِالْقدرِ خَيره وشره. السَّابِعَة: الْإِيمَان بِالْيَوْمِ الآخر، وَيدخل فِيهِ السُّؤَال بالقبر وعذابه، والبعث والنشور والحساب وَالْمِيزَان والصراط. الثَّامِنَة: الوثوق على وعد الْجنَّة وَالْخُلُود فِيهَا. التَّاسِعَة: الْيَقِين بوعيد النَّار وعذابها وَأَنَّهَا لَا تفنى. الْعَاشِرَة: محبَّة الله تَعَالَى. الْحَادِيَة عشر: الْحبّ فِي الله والبغض فِي الله، وَيدخل فِيهِ حب الصَّحَابَة الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، وَحب آل الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. الثَّانِيَة عشر: محبَّة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَيدخل فِيهِ الصَّلَاة عَلَيْهِ وَاتِّبَاع سنته. الثَّالِثَة عشر: الْإِخْلَاص، وَيدخل فِيهِ ترك الرِّيَاء والنفاق. الرَّابِعَة عشر: التَّوْبَة والندم. الْخَامِسَة عشر: الْخَوْف. السَّادِسَة عشر: الرَّجَاء. السَّابِعَة عشر: ترك الْيَأْس والقنوط. الثَّامِنَة عشر: الشُّكْر. التَّاسِعَة عشر: الْوَفَاء. الْعشْرُونَ: الصَّبْر. الْحَادِيَة وَالْعشْرُونَ. التَّوَاضُع، وَيدخل فِيهِ توقير الأكابر. الثَّانِيَة وَالْعشْرُونَ: الرَّحْمَة والشفقة، وَيدخل فِيهِ الشَّفَقَة على الأصاغر. الثَّالِث وَالْعشْرُونَ: الرضاء بِالْقضَاءِ. الرَّابِعَة وَالْعشْرُونَ: التَّوَكُّل. الْخَامِسَة وَالْعشْرُونَ: ترك الْعجب والزهو، وَيدخل فِيهِ ترك مدح نَفسه وتزكيتها. السَّادِسَة وَالْعشْرُونَ: ترك الْحَسَد. السَّابِعَة وَالْعشْرُونَ: ترك الحقد

والضغن. الثَّامِنَة وَالْعشْرُونَ: ترك الْغَضَب. التَّاسِعَة وَالْعشْرُونَ: ترك الْغِشّ، وَيدخل فِيهِ الظَّن السوء وَالْمَكْر. الثَّلَاثُونَ: ترك حب الدُّنْيَا، وَيدخل فِيهِ: ترك حب المَال وَحب الجاه، فَإِذا وجدت شَيْئا من أَعمال الْقلب من الْفَضَائِل والرذائل خَارِجا عَمَّا ذكر بِحَسب الظَّاهِر، فَإِنَّهُ فِي الْحَقِيقَة دَاخل فِي فصل من الْفُصُول يظْهر ذَلِك عِنْد التَّأَمُّل. وَالْقسم الثَّانِي: يرجع إِلَى أَعمال اللِّسَان، وَهِي تتشعب إِلَى سبع شعب. الأولى: التَّلَفُّظ بِالتَّوْحِيدِ. الثَّانِيَة: تِلَاوَة الْقُرْآن. الثَّالِثَة: تعلم الْعلم. الرَّابِعَة: تَعْلِيم الْعلم. الْخَامِسَة: الدُّعَاء. السَّادِسَة: الذّكر وَيدخل فِيهِ الاسْتِغْفَار. السَّابِعَة: اجْتِنَاب اللَّغْو. وَالْقسم الثَّالِث: يرجع إِلَى أَعمال الْبدن، وَهِي تتشعب إِلَى أَرْبَعِينَ شُعْبَة، وَهِي على ثَلَاثَة أَنْوَاع. الأول: مَا يخْتَص بالأعيان وَهِي سِتَّة عشر شُعْبَة. الأولى: التطهر، وَيدخل فِيهِ طَهَارَة الْبدن وَالثَّوْب وَالْمَكَان، وَيدخل فِي طَهَارَة الْبدن الْوضُوء من الْحَدث، والاغتسال من الْجَنَابَة وَالْحيض وَالنّفاس. الثَّانِيَة: إِقَامَة الصَّلَاة، وَيدخل فِيهَا الْفَرْض وَالنَّفْل وَالْقَضَاء. الثَّالِثَة: أَدَاء الزَّكَاة، وَيدخل فِيهَا الصَّدَقَة، وَيدخل فِيهَا أَدَاء الزَّكَاة، وَيدخل فِيهَا صَدَقَة الْفطر، وَيدخل فِي هَذَا الْبَاب الْجُود وإطعام الطَّعَام وإكرام الضَّيْف. الرَّابِعَة: الصَّوْم فرضا ونفلاً. الْخَامِسَة: الْحَج، وَيدخل فِيهِ الْعمرَة. السَّادِسَة: الِاعْتِكَاف، وَيدخل فِيهِ التمَاس لَيْلَة الْقدر. السَّابِعَة: الْفِرَار بِالدّينِ، وَيدخل فِيهِ الْهِجْرَة من دَار الشّرك. الثَّامِنَة: الْوَفَاء بِالنذرِ. التَّاسِعَة: التَّحَرِّي فِي الْإِيمَان. الْعَاشِرَة: أَدَاء الْكَفَّارَة. الْحَادِيَة عشر: ستر الْعَوْرَة فِي الصَّلَاة وخارجها. الثَّانِيَة عشرَة: ذبح الضَّحَايَا وَالْقِيَام بهَا إِذا كَانَت منذورة. الثَّالِثَة عشر: الْقيام بِأَمْر الْجَنَائِز. الرَّابِعَة عشر: أَدَاء الدّين. الْخَامِسَة عشر: الصدْق فِي الْمُعَامَلَات والاحتراز عَن الرِّيَاء. السَّادِسَة عشر: أَدَاء الشَّهَادَة بِالْحَقِّ وَترك كتمانها. النَّوْع الثَّانِي: مَا يخْتَص بالاتباع، وَهُوَ سِتّ شعب. الأولى: التعفف بِالنِّكَاحِ. الثَّانِيَة: الْقيام بِحُقُوق الْعِيَال، وَيدخل فِيهِ الرِّفْق بالخدم. الثَّالِثَة: بر الْوَالِدين، وَيدخل فِيهِ الاجتناب عَن العقوق، الرَّابِعَة: تربية الْأَوْلَاد. الْخَامِسَة: صلَة الرَّحِم. السَّادِسَة: طَاعَة الموَالِي. النَّوْع الثَّالِث: مَا يتَعَلَّق بالعامة، وَهُوَ ثَمَانِي عشرَة شُعْبَة. الأولى: الْقيام بالإمارة مَعَ الْعدْل. الثَّانِيَة: مُتَابعَة الْجَمَاعَة. الثَّالِثَة: طَاعَة أولي الْأَمر. الرَّابِعَة: الْإِصْلَاح بَين النَّاس، وَيدخل فِيهِ قتال الْخَوَارِج والبغاة. الْخَامِسَة: المعاونة على الْبر. السَّادِسَة: الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر. السَّابِعَة: إِقَامَة الْحُدُود. الثَّامِنَة: الْجِهَاد، وَيدخل فِيهِ المرابطة. التَّاسِعَة: أَدَاء الْأَمَانَة، وَيدخل فِيهِ أَدَاء الْخمس. الْعَاشِرَة: الْقَرْض مَعَ الْوَفَاء بِهِ. الْحَادِيَة عشرَة: إكرام الْجَار. الثَّانِيَة عشرَة: حسن الْمُعَامَلَة، وَيدخل فِيهِ جمع المَال من حلّه. الثَّالِثَة عشر: إِنْفَاق المَال فِي حَقه، وَيدخل فِيهِ ترك التبذير والإسراف. الرَّابِعَة عشر: رد السَّلَام. الْخَامِسَة عشر: تشميت الْعَاطِس. السَّادِسَة عشر: كف الضَّرَر عَن النَّاس. السَّابِعَة عشر: اجْتِنَاب اللَّهْو، الثَّامِنَة عشر: إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق، فَهَذِهِ سبع وَسَبْعُونَ شُعْبَة.

(الأسئلة والأجوبة) مِنْهَا مَا قيل: لم جعل الْحيَاء من الْإِيمَان؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ باعث على أَفعَال الْخَيْر، ومانع عَن الْمعاصِي، وَلكنه رُبمَا يكون تخلقا واكتساباً كَسَائِر أَعمال الْبر، وَرُبمَا يكون غريزة، لَكِن اسْتِعْمَاله على قانون الشَّرْع يحْتَاج إِلَى اكْتِسَاب وَنِيَّة، فَهُوَ من الْإِيمَان لهَذَا. الثَّانِي: مَا قيل: إِنَّه قد ورد: (الْحيَاء لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَير) وَورد: (الْحيَاء خير كُله) ، فَصَاحب الْحيَاء قد يستحي أَن يواجه بِالْحَقِّ فَيتْرك أمره بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيه عَن الْمُنكر، فَكيف يكون هَذَا من الْإِيمَان؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَيْسَ بحياء حَقِيقَة، بل هُوَ عجز ومهانة، وَإِنَّمَا تَسْمِيَته حَيَاء من إِطْلَاق بعض أهل الْعرف، أَطْلقُوهُ مجَازًا لمشابهته الْحيَاء الْحَقِيقِيّ، وَحَقِيقَته: خلق يبْعَث على اجْتِنَاب الْقَبِيح، وَيمْنَع من التَّقْصِير فِي حق ذِي الْحق وَنَحْوه، وَأولى الْحيَاء: الْحيَاء من الله تَعَالَى، وَهُوَ أَن لَا يراك الله حَيْثُ نهاك، وَذَاكَ إِنَّمَا يكون عَن معرفَة ومراقبة، وَهُوَ المُرَاد بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك) ، وَقد خرج التِّرْمِذِيّ عَنهُ عَلَيْهِ السَّلَام، أَنه قَالَ: (اسْتَحْيوا من الله حق الْحيَاء. قَالُوا: إِنَّا نستحي وَالْحَمْد لله، فَقَالَ: لَيْسَ ذَلِك، وَلَكِن الاستحياء من الله تَعَالَى حق الْحيَاء أَن تحفظ الرَّأْس وَمَا حوى والبطن وَمَا وعى، وتذكر الْمَوْت والبلى، فَمن فعل ذَلِك فقد استحيى من الله حق الْحيَاء) . وَقَالَ الْجُنَيْد: رُؤْيَة الآلاء أَي: النعم، ورؤية التَّقْصِير يتَوَلَّد بَينهمَا حَالَة تسمى الْحيَاء الثَّالِث. مَا قيل: لِمَ أفرد الْحيَاء بِالذكر من بَين سَائِر الشّعب؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ كالداعي إِلَى سَائِر الشّعب، فَإِن الْحَيّ يخَاف فضيحة

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19 / 29.5
الإضاءة 81%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
اللهم صل على محمد