الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٨٨٦
الحديث رقم ٨٨٦ من كتاب «كتاب الجمعة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب يلبس أحسن ما يجد.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٨٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ :
في زمن غزوة تبوك أصاب الناس مجاعةٌ، فقالوا: يا رسول الله، لو أذنت لنا فنحرنا إبلنا، فأكلنا لحومها، وادهنا بشحومها، فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: افعلوا. فجاء عمر رضي الله عنه ، فقال: يا رسول الله؛ إن فعلت ذلك نقصت الدواب التي تحملنا، وصارت قليلة، ولكن اجعلهم يأتون بباقي طعامهم، ثم ادع الله عليها بالبركة؛ لعل الله أن يجعل في ذلك الخير ويبارك في القليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم، فدعا ببساط من جلد فبسطه ثم دعا ببقية طعامهم، فجعل الرجل يجيء بذرة بمقدار الكف، وآخر بتمر، وآخر بقطعة خبز حتى اجتمع عليه من ذلك شيء يسير، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة، ثم قال: (خذوا في أوعيتكم)، فأخذوا حتى ما تركوا في الجيش وعاء إلا ملؤوه، فأكلوا حتى شبعوا وبقيت منه بقية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى اللهَ بهما عبدٌ بعد موته غير شاك فيمنع عن الجنة، بل لا بد له من دخولها، إما ابتداء مع الناجين، أو بعد إخراجٍ من النار.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْكَبَائِرِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْءِ صَغَائِرُ تُكَفَّرُ رُجِيَ لَهُ أَنْ يُكَفَّرَ عَنْهُ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَإِلَّا أُعْطِيَ مِنَ الثَّوَابِ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ، وَهُوَ جَارٍ فِي جَمِيعِ مَا وَرَدَ فِي نَظَائِرِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (ذَكَرُوا) لَمْ يُسَمِّ طَاوُسٌ مَنْ حَدَّثَهُ بِذَلِكَ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وَثَبَتَ ذِكْرُ الطِّيبِ أَيْضًا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَسَلْمَانَ، وَأَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (اغْتَسِلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا جُنُبًا) مَعْنَاهُ: اغْتَسِلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا لِلْجَنَابَةِ، وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا جُنُبًا لِلْجُمُعَةِ. وَأُخِذَ مِنْهُ أَنَّ الِاغْتِسَالَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِلْجَنَابَةِ يُجْزِئُ عَنِ الْجُمُعَةِ سَوَاءٌ نَوَاهُ لِلْجُمُعَةِ أَمْ لَا، وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى ذَلِكَ بُعْدٌ. نَعَمْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: اغْتَسِلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا جُنُبًا، وَهَذَا أَوْضَحُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَطْلُوبِ، لَكِنَّ رِوَايَةَ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَصَحُّ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: حَفِظْنَا الْإِجْزَاءَ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ اهـ. وَالْخِلَاف فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُنْتَشِرٌ فِي الْمَذَاهِبِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لِقَوْلِهِ: يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَطُلُوعُ الْفَجْرِ أَوَّلُ الْيَوْمِ شَرْعًا.
قَوْلُهُ: (وَاغْسِلُوا رُءُوسَكُمْ) هُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ الْغُسْلُ التَّامُّ لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّ إِفَاضَةَ الْمَاءِ دُونَ حَلِّ الشَّعْرِ مَثَلًا يُجْزِئُ فِي غُسْلِ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالثَّانِي الْمُبَالَغَةُ فِي التَّنْظِيفِ.
قَوْلُهُ: (وَأَصِيبُوا مِنَ الطِّيبِ) لَيْسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ذِكْرُ الدُّهْنِ الْمُتَرْجَمُ بِهِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَتِ الْعَادَةُ تَقْتَضِي اسْتِعْمَالَ الدُّهْنِ بَعْدَ غَسْلِ الرَّأْسِ أَشْعَرَ ذَلِكَ بِهِ، كَذَا وَجَّهَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ جَوَابًا لِقَوْلِ الدَّاوُدِيِّ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى التَّرْجَمَةِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ أَنَّ حَدِيثَ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَاحِدٌ ذَكَرَ فِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ الدُّهْنَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الزُّهْرِيُّ، وَزِيَادَةُ الثِّقَةِ الْحَافِظِ مَقْبُولَةٌ. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِإِيرَادِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَقِبَ حَدِيثِ سَلْمَانَ الْإِشَارَةَ إِلَى أَنَّ مَا عَدَا الْغُسْلَ مِنَ الطِّيبِ وَالدُّهْنِ وَالسِّوَاكِ وَغَيْرِهَا لَيْسَ هُوَ فِي التَّأَكُّدِ كَالْغُسْلِ، وَإِنْ كَانَ التَّرْغِيبُ وَرَدَ فِي الْجَمِيعِ، لَكِنَّ الْحُكْمَ يَخْتَلِفُ إِمَّا بِالْوُجُوبِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ أَوْ بِتَأْكِيدِ بَعْضِ الْمَنْدُوبَاتِ عَلَى بَعْضِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا الْغُسْلُ فَنَعَمْ، وَأَمَّا الطِّيبُ فَلَا أَدْرِي) هَذَا يُخَالِفُ مَا رَوَاهُ عُبَيْدُ بْنُ السَّبَّاقِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: مَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ وَإِنْ كَانَ لَهُ طِيبٌ فَلْيَمَسَّ مِنْهُ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدٍ، وَصَالِحٌ ضَعِيفٌ، وَقَدْ خَالَفَهُ مَالِكٌ فَرَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ بِمَعْنَاهُ مُرْسَلًا، فَإِنْ كَانَ صَالِحٌ حَفِظَ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَهُ بَعْدَمَا نَسِيَهُ أَوْ عَكْسَ ذَلِكَ، وَهِشَامٌ الْمَذْكُورُ فِي طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ الثَّانِيَةُ هُوَ ابْنُ يُوسُفَ الصَّنْعَانِيُّ.
٧ - بَاب يَلْبَسُ أَحْسَنَ مَا يَجِدُ
٨٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ. ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا حُلَلٌ فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ مِنْهَا حُلَّةً فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَوْتَنِيهَا وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٧) هذا (١) (بَابٌ) بالتَّنوين: (يَلْبَسُ) من أراد المجيء إلى صلاة الجمعة (أَحْسَنَ مَا يَجِدُ) من الثِّياب الجائز لبسها.
٨٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: «عن مالكٍ» (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ) أباه (عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ) ﵁ (رَأَى حُلَّةَ سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ المَسْجِدِ) بكسر السِّين المُهمَلة وفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة ثمَّ راءٍ ممدودةٍ، أي: حريرٌ بَحْتٌ، وأهل العربيَّة على إضافة «حلَّةٍ» لتاليه كثوبِ خزٍّ، وذكر ابن قُرقُول ضبطه كذلك عن المتقنين، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ (٢): «حلَّةً سِيرَاء» بالتَّنوين على الصِّفة أو
البدل، وعليه أكثر المحدِّثين، لكن قال سيبويه: لم يأت «فِعَلاء» وصفًا، والحلِّة لا تكون إلَّا من ثوبين، وسُمِّيت «سِيَراء» لما فيها من الخطوط الَّتي تشبه السُّيُور، كما يُقال: ناقةٌ عُشَرَاء إذا كمل لِحَمْلِها (١) عشرة أشهر. (فَقَالَ) عمر: (يَا رَسُولَ اللهِ، لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ) الحلَّة (فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ) لكان حسنًا، أو «لو» (٢): للتَّمنيِّ لا للشَّرط، فلا تحتاج (٣) للجزاء، وفي رواية البخاريِّ أيضًا: «فلبستها للعيد وللوفد» (٤) (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إَنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ) أي: الحلَّةَ الحريرَ (مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ) أي: من لا حظَّ له ولا نصيب له من الخير (فِي الآخِرَةِ) كلمة «مَنْ» تدلُّ على العموم، فيشمل الذُّكور والإناث، لكنَّ الحديث مخصوصٌ بالرِّجال لقيام دلائل أُخَر (٥) على إباحة الحرير للنِّساء.
(ثمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْهَا) أي: من جنس الحلَّة السِّيَرَاء (حُلَلٌ، فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ مِنْهَا) أي: من الحلل (حُلَّةً) ولأبي ذَرٍّ: «فأعطى منها عمر بن الخطَّاب ﵁ حلَّةً» (فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ) وللأَصيليِّ: «فقال عمر بن الخطَّاب: يا رسول الله» (كَسَوْتَنِيهَا) أي: الحلَّة (وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ) بضمِّ المُهمَلة وكسر الرَّاء، وهو ابن حاجب ابن زرارة
التَّميميُّ، قدم في وفد بني تميمٍ على رسول الله ﷺ، وأسلم وله صحبةٌ (مَا قُلْتَ؟) من أنه: «إنَّما (١) يلبسها من لا خلاق له» [خ¦٢١٠٤] (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) له: (إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا) بل لتنتفع بها في غير ذلك، وفيه دليلٌ على أنَّه يُقال: كَسَاهُ إذا أعطاه كسوةً، لبسها أم لا، ولـ «مسلمٍ»: «أعطيتكها تبيعها وتصيب بها حاجتك»، ولأحمد: «أعطيتكه تبيعه» فباعه بألفي درهم، لكنَّه يشكل بما هنا من قوله: (فَكَسَاهَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁ أَخًا لَهُ) من أمِّه، عثمان بن حكيمٍ، قاله المنذريُّ، أو هو أخو أخيه زيد بن الخطَّاب لأمِّه أسماء بنت وهبٍ، قاله الدِّمياطيُّ، أو كان أخاه من الرَّضاعة، وانتصاب «أخًا» على أنَّه مفعولٌ ثانٍ لـ «كسا»، يُقال: كسوته جبَّةً، فيتعدَّى إلى مفعولين، وقوله: «له» في محلِّ نصبٍ صفةٌ لقوله: «أخًا»، تقديره: أخًا كائنًا له، وكذا قوله: (بِمَكَّةَ مُشْرِكًا) نُصِبَ صفةً بعد صفةٍ، واختُلِفَ في إسلامه، فإن قلت: الصَّحيح أنَّ الكفَّار مُخاطَبون بفروع الشَّريعة، ومقتضاه تحريم لبس الحرير عليهم، فكيف كساها عمر أخاه المشرك؟ أجيب بأنَّه يُقال: كساه إذا أعطاه كسوةً لبسها أم لا كما مرَّ، فهو إنَّما أهداها له لينتفع بها، ولا يلزم منه لبسها.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة: من جهة دلالته على استحباب التَّجمُّل
يوم الجمعة، والتَّجمُّل يكون بأحسن الثِّياب، وإنكاره ﵊ على عمر لم يكن لأجل التَّجمُّل، بل لكون تلك الحلَّة كانت حريرًا.
تنبيهٌ: أفضل ألوان الثِّياب البياض لحديث: «البسوا من ثيابكم البياض، فإنَّها خير ثيابكم، وكفِّنوا فيها موتاكم» رواه التِّرمذيُّ وغيره وصحَّحوه، ثمَّ ما صُبِغ غزله قبل نسجه كالبُرد، لا ما صُبِغ منسوجًا، بل يُكرَه لبسه كما صرَّح به البَنْدَنِيجيُّ وغيره، ولم يلبسه ﷺ، ولبس البُرود، ففي «البيهقيِّ» عن جابرٍ: أنَّه ﷺ كان له بردٌ يلبسه في العيدين والجمعة، وهذا في غير المُزعفَر والمُعصفَر، والسُّنَّة أن يزيد الإمام في حُسن الهيئة والعِمَّة والارتداء للاتِّباع، ويترك السَّواد لأنَّه أَوْلى إلَّا إن خشي مفسدَةَ تترتَّب على تركه من سلطانٍ أو غيره.
وقد أخرج المؤلِّف الحديث في «الهبة» [خ¦٢٦١٢]، ومسلمٌ في «اللِّباس»، وأبو داود والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْكَبَائِرِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْءِ صَغَائِرُ تُكَفَّرُ رُجِيَ لَهُ أَنْ يُكَفَّرَ عَنْهُ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَإِلَّا أُعْطِيَ مِنَ الثَّوَابِ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ، وَهُوَ جَارٍ فِي جَمِيعِ مَا وَرَدَ فِي نَظَائِرِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (ذَكَرُوا) لَمْ يُسَمِّ طَاوُسٌ مَنْ حَدَّثَهُ بِذَلِكَ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وَثَبَتَ ذِكْرُ الطِّيبِ أَيْضًا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَسَلْمَانَ، وَأَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (اغْتَسِلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا جُنُبًا) مَعْنَاهُ: اغْتَسِلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا لِلْجَنَابَةِ، وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا جُنُبًا لِلْجُمُعَةِ. وَأُخِذَ مِنْهُ أَنَّ الِاغْتِسَالَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِلْجَنَابَةِ يُجْزِئُ عَنِ الْجُمُعَةِ سَوَاءٌ نَوَاهُ لِلْجُمُعَةِ أَمْ لَا، وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى ذَلِكَ بُعْدٌ. نَعَمْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: اغْتَسِلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا جُنُبًا، وَهَذَا أَوْضَحُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَطْلُوبِ، لَكِنَّ رِوَايَةَ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَصَحُّ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: حَفِظْنَا الْإِجْزَاءَ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ اهـ. وَالْخِلَاف فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُنْتَشِرٌ فِي الْمَذَاهِبِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لِقَوْلِهِ: يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَطُلُوعُ الْفَجْرِ أَوَّلُ الْيَوْمِ شَرْعًا.
قَوْلُهُ: (وَاغْسِلُوا رُءُوسَكُمْ) هُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ الْغُسْلُ التَّامُّ لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّ إِفَاضَةَ الْمَاءِ دُونَ حَلِّ الشَّعْرِ مَثَلًا يُجْزِئُ فِي غُسْلِ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالثَّانِي الْمُبَالَغَةُ فِي التَّنْظِيفِ.
قَوْلُهُ: (وَأَصِيبُوا مِنَ الطِّيبِ) لَيْسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ذِكْرُ الدُّهْنِ الْمُتَرْجَمُ بِهِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَتِ الْعَادَةُ تَقْتَضِي اسْتِعْمَالَ الدُّهْنِ بَعْدَ غَسْلِ الرَّأْسِ أَشْعَرَ ذَلِكَ بِهِ، كَذَا وَجَّهَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ جَوَابًا لِقَوْلِ الدَّاوُدِيِّ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى التَّرْجَمَةِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ أَنَّ حَدِيثَ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَاحِدٌ ذَكَرَ فِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ الدُّهْنَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الزُّهْرِيُّ، وَزِيَادَةُ الثِّقَةِ الْحَافِظِ مَقْبُولَةٌ. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِإِيرَادِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَقِبَ حَدِيثِ سَلْمَانَ الْإِشَارَةَ إِلَى أَنَّ مَا عَدَا الْغُسْلَ مِنَ الطِّيبِ وَالدُّهْنِ وَالسِّوَاكِ وَغَيْرِهَا لَيْسَ هُوَ فِي التَّأَكُّدِ كَالْغُسْلِ، وَإِنْ كَانَ التَّرْغِيبُ وَرَدَ فِي الْجَمِيعِ، لَكِنَّ الْحُكْمَ يَخْتَلِفُ إِمَّا بِالْوُجُوبِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ أَوْ بِتَأْكِيدِ بَعْضِ الْمَنْدُوبَاتِ عَلَى بَعْضِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا الْغُسْلُ فَنَعَمْ، وَأَمَّا الطِّيبُ فَلَا أَدْرِي) هَذَا يُخَالِفُ مَا رَوَاهُ عُبَيْدُ بْنُ السَّبَّاقِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: مَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ وَإِنْ كَانَ لَهُ طِيبٌ فَلْيَمَسَّ مِنْهُ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدٍ، وَصَالِحٌ ضَعِيفٌ، وَقَدْ خَالَفَهُ مَالِكٌ فَرَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ بِمَعْنَاهُ مُرْسَلًا، فَإِنْ كَانَ صَالِحٌ حَفِظَ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَهُ بَعْدَمَا نَسِيَهُ أَوْ عَكْسَ ذَلِكَ، وَهِشَامٌ الْمَذْكُورُ فِي طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ الثَّانِيَةُ هُوَ ابْنُ يُوسُفَ الصَّنْعَانِيُّ.
٧ - بَاب يَلْبَسُ أَحْسَنَ مَا يَجِدُ
٨٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ. ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا حُلَلٌ فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ مِنْهَا حُلَّةً فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَوْتَنِيهَا وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٧) هذا (١) (بَابٌ) بالتَّنوين: (يَلْبَسُ) من أراد المجيء إلى صلاة الجمعة (أَحْسَنَ مَا يَجِدُ) من الثِّياب الجائز لبسها.
٨٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: «عن مالكٍ» (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ) أباه (عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ) ﵁ (رَأَى حُلَّةَ سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ المَسْجِدِ) بكسر السِّين المُهمَلة وفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة ثمَّ راءٍ ممدودةٍ، أي: حريرٌ بَحْتٌ، وأهل العربيَّة على إضافة «حلَّةٍ» لتاليه كثوبِ خزٍّ، وذكر ابن قُرقُول ضبطه كذلك عن المتقنين، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ (٢): «حلَّةً سِيرَاء» بالتَّنوين على الصِّفة أو
البدل، وعليه أكثر المحدِّثين، لكن قال سيبويه: لم يأت «فِعَلاء» وصفًا، والحلِّة لا تكون إلَّا من ثوبين، وسُمِّيت «سِيَراء» لما فيها من الخطوط الَّتي تشبه السُّيُور، كما يُقال: ناقةٌ عُشَرَاء إذا كمل لِحَمْلِها (١) عشرة أشهر. (فَقَالَ) عمر: (يَا رَسُولَ اللهِ، لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ) الحلَّة (فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ) لكان حسنًا، أو «لو» (٢): للتَّمنيِّ لا للشَّرط، فلا تحتاج (٣) للجزاء، وفي رواية البخاريِّ أيضًا: «فلبستها للعيد وللوفد» (٤) (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إَنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ) أي: الحلَّةَ الحريرَ (مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ) أي: من لا حظَّ له ولا نصيب له من الخير (فِي الآخِرَةِ) كلمة «مَنْ» تدلُّ على العموم، فيشمل الذُّكور والإناث، لكنَّ الحديث مخصوصٌ بالرِّجال لقيام دلائل أُخَر (٥) على إباحة الحرير للنِّساء.
(ثمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْهَا) أي: من جنس الحلَّة السِّيَرَاء (حُلَلٌ، فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ مِنْهَا) أي: من الحلل (حُلَّةً) ولأبي ذَرٍّ: «فأعطى منها عمر بن الخطَّاب ﵁ حلَّةً» (فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ) وللأَصيليِّ: «فقال عمر بن الخطَّاب: يا رسول الله» (كَسَوْتَنِيهَا) أي: الحلَّة (وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ) بضمِّ المُهمَلة وكسر الرَّاء، وهو ابن حاجب ابن زرارة
التَّميميُّ، قدم في وفد بني تميمٍ على رسول الله ﷺ، وأسلم وله صحبةٌ (مَا قُلْتَ؟) من أنه: «إنَّما (١) يلبسها من لا خلاق له» [خ¦٢١٠٤] (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) له: (إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا) بل لتنتفع بها في غير ذلك، وفيه دليلٌ على أنَّه يُقال: كَسَاهُ إذا أعطاه كسوةً، لبسها أم لا، ولـ «مسلمٍ»: «أعطيتكها تبيعها وتصيب بها حاجتك»، ولأحمد: «أعطيتكه تبيعه» فباعه بألفي درهم، لكنَّه يشكل بما هنا من قوله: (فَكَسَاهَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁ أَخًا لَهُ) من أمِّه، عثمان بن حكيمٍ، قاله المنذريُّ، أو هو أخو أخيه زيد بن الخطَّاب لأمِّه أسماء بنت وهبٍ، قاله الدِّمياطيُّ، أو كان أخاه من الرَّضاعة، وانتصاب «أخًا» على أنَّه مفعولٌ ثانٍ لـ «كسا»، يُقال: كسوته جبَّةً، فيتعدَّى إلى مفعولين، وقوله: «له» في محلِّ نصبٍ صفةٌ لقوله: «أخًا»، تقديره: أخًا كائنًا له، وكذا قوله: (بِمَكَّةَ مُشْرِكًا) نُصِبَ صفةً بعد صفةٍ، واختُلِفَ في إسلامه، فإن قلت: الصَّحيح أنَّ الكفَّار مُخاطَبون بفروع الشَّريعة، ومقتضاه تحريم لبس الحرير عليهم، فكيف كساها عمر أخاه المشرك؟ أجيب بأنَّه يُقال: كساه إذا أعطاه كسوةً لبسها أم لا كما مرَّ، فهو إنَّما أهداها له لينتفع بها، ولا يلزم منه لبسها.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة: من جهة دلالته على استحباب التَّجمُّل
يوم الجمعة، والتَّجمُّل يكون بأحسن الثِّياب، وإنكاره ﵊ على عمر لم يكن لأجل التَّجمُّل، بل لكون تلك الحلَّة كانت حريرًا.
تنبيهٌ: أفضل ألوان الثِّياب البياض لحديث: «البسوا من ثيابكم البياض، فإنَّها خير ثيابكم، وكفِّنوا فيها موتاكم» رواه التِّرمذيُّ وغيره وصحَّحوه، ثمَّ ما صُبِغ غزله قبل نسجه كالبُرد، لا ما صُبِغ منسوجًا، بل يُكرَه لبسه كما صرَّح به البَنْدَنِيجيُّ وغيره، ولم يلبسه ﷺ، ولبس البُرود، ففي «البيهقيِّ» عن جابرٍ: أنَّه ﷺ كان له بردٌ يلبسه في العيدين والجمعة، وهذا في غير المُزعفَر والمُعصفَر، والسُّنَّة أن يزيد الإمام في حُسن الهيئة والعِمَّة والارتداء للاتِّباع، ويترك السَّواد لأنَّه أَوْلى إلَّا إن خشي مفسدَةَ تترتَّب على تركه من سلطانٍ أو غيره.
وقد أخرج المؤلِّف الحديث في «الهبة» [خ¦٢٦١٢]، ومسلمٌ في «اللِّباس»، وأبو داود والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».