انَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ…

الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ٨٩٩

الحديث رقم ٨٩٩ من كتاب «كتاب الحج» في موطأ مالك، تحت باب: باب غسل المحرم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: يغسل رأسه وهو محرم؟ قال، فوضع أبو أيوب يده…

انَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ قَالَ، فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ، ثُمَّ قَالَ لِإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ: " اصْبُبْ. فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ. ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ "

سند حديث: ٤ - حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مالِكٍ، عَنْ…

٤ - حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالْأَبْوَاءِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ. وَقَالَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ. قَالَ فَأَرْسَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ. أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ أَسْأَلُكَ: كَيْفَ كَ

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: يغسل رأسه وهو محرم؟ قال، فوضع أبو أيوب يده…

تحاور عبدالله بن عباس وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ رضي الله عنهم في الغُسل للمُحرم هل يغسل المحرم رأسه أم لا وموضع الشبهة فيه أنه لو حرك شعر رأسه لأمكن أن يكون متسبباً في سقوط بعض الشعر، فأرسلا عبدالله بن حنين إلى أبي أيوب رضي الله عنه ، فوجده يغتسل، فقال له أرسلني إليك ابن عباس يسألك كيف كان رسول الله -عليه الصلاة والسلام- يغتسل، فقال للذي يصب عليه الماء: اصبُبْ. بعد أن طأطأ الثوب الذي يستره، حتى بدا رأسه، ثم حرك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل.
فلما جاء الرسول وأخبرهما بتصويب ما رآه عبد الله بن عباس -وكانوا يطلبون الحق-، رجع الْمِسْوَرُ رضي الله عنه ، واعترف بالفضل لصاحبه، فقال: لا أُمَارِيكَ أبداً.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • جواز غسل المحرم رأسه، وتحريكه بيديه.
  • جواز إمرار اليد على شعر الرأس بالغسل إذا لم ينتف شعراً، ويسقطه.
  • جواز المناظرة في المسائل الشرعية لإظهار الحق.
  • قبول خبر الواحد في المسائل الدينية، وأن العمل به سائغ شائع عند الصحابة.
  • الرجوع إلى النصوص الشرعية عند الاختلاف، وترك الاجتهاد والقياس عندها.
  • جواز توكيل الثقة في السؤال عن العلم وقبول خبره فيه.
  • عِلم ابن عباس السابق بالحكم الشرعي ولهذا جاء السؤال: كيف كان يغسل رأسه ولم يَقُل: هل كان يغسل رأسه.
  • جواز إلقاء السلام على المتطهر في وضوء أو غسل، ومحادثته عند الحاجة.
  • جواز الاغتسال أمام الناس، إذا كان مستور العورة.
  • استحباب التستر وقت الغسل، فإن خاف من ينظر إليه وجب الستر.
  • جواز الاستعانة في الطهارة بالغير.
  • أن الأولى تسمية الرجل نفسه لمن قال له من أنت؟
  • سلوك طريق التعليم بالفعل؛ لأنه أقرب للفهم وأرسخ في الذهن.
  • الاعتراف للفاضل بفضله.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: يغسل رأسه وهو محرم؟ قال، فوضع أبو أيوب يده…

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

[بَاب غُسْلِ الْمُحْرِمِ]

حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالْأَبْوَاءِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ «يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ» وَقَالَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ قَالَ فَأَرْسَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَنْ هَذَا فَقُلْتُ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ أَسْأَلُكَ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ قَالَ فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ ثُمَّ قَالَ لِإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ اصْبُبْ فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ

ــ

٢ - بَابُ غُسْلِ الْمُحْرِمِ

٧١٢ - ٧٠٦ - (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) الْعَدَوِيِّ مَوْلَى عُمَرَ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ النُّونِ الْأُولَى، الْهَاشِمِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ أَبِي إِسْحَاقَ، مَاتَ بَعْدَ الْمِائَةِ، (عَنْ أَبِيهِ) مَوْلَى الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْمَدَنِيِّ، مَاتَ فِي أَوَائِلِ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَدْخَلَ يَحْيَى بْنُ زَيْدٍ وَإِبْرَاهِيمُ نَافِعًا وَهُوَ خَطَأٌ - لَا شَكَّ فِيهِ - مِمَّا يُحْفَظُ مِنْ خَطَأِ يَحْيَى وَغَلَطِهِ فِي الْمُوَطَّأِ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ مِنْ رُوَاتِهِ وَقَدْ طَرَحَهُ ابْنُ وَضَّاحٍ وَغَيْرُهُ وَهُوَ الصَّوَابُ، (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَالْمِسْوَرَ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَخِفَّةِ الْوَاوِ، (ابْنَ مَخْرَمَةَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، ابْنِ نَوْفَلٍ الْقُرَشِيِّ لَهُ وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ، (اخْتَلَفَا) وَهُمَا نَازِلَانِ (بِالْأَبْوَاءِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمَدِّ، جَبَلٌ قُرْبَ مَكَّةَ وَعِنْدَهُ بَلْدَةٌ تُنْسَبُ إِلَيْهِ، قِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِوَبَائِهِ، وَهُوَ عَلَى الْقَلْبِ وَإِلَّا لَقِيلَ الْأَوْبَاءُ، وَقِيلَ: لِأَنَّ السُّيُولَ تَتَبَوَّؤُهُ أَيْ تَحُلُّهُ.

(فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ) بْنُ عَبَّاسٍ (يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأَسَهُ، وَقَالَ الْمِسْوَرَ بْنُ مَخْرَمَةَ: لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ) ، قَالَ الْأَبِيُّ: الظَّنُّ بِهِمَا أَنَّهُمَا لَا يَخْتَلِفَانِ إِلَّا وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا مُسْتَنَدٌ، قَالَ عِيَاضٌ: وَدَلَّ كَلَامُهُمَا أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي تَحْرِيكِ الشَّعْرِ إِذْ لَا خِلَافَ فِي غَسْلِ الْمُحْرِمِ رَأْسَهُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ صَبِّ الْمَاءِ، فَخَافَ الْمِسْوَرُ أَنْ يَكُونَ فِي تَحْرِيكِهِ بِالْيَدِ قَتْلُ بَعْضِ دَوَابٍّ أَوْ طَرْحُهَا، وَعَلِمَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ عِنْدَ أَبِي أَيُّوبَ عِلْمُ ذَلِكَ.

(قَالَ) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ (فَأَرْسَلَنِي

عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ) خَالِدِ بْنِ زَيْدٍ (الْأَنْصَارِيِّ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ) بِفَتْحِ الْقَافِ تَثْنِيَةُ قَرْنٍ، وَهُمَا الْخَشَبَتَانِ الْقَائِمَتَانِ عَلَى رَأْسِ الْبِئْرِ وَشِبْهُهُمَا مِنَ الْبِنَاءِ وَيُمَدُّ بَيْنَهُمَا خَشَبَةٌ يُجَرُّ عَلَيْهَا الْحَبْلُ الْمُسْتَقَى بِهِ وَيُعَلَّقُ عَلَيْهَا الْبَكَرَةُ، وَقَالَ الْقُتَبِيُّ: هُمَا مَنَارَتَانِ تُبْنَيَانِ مِنْ حِجَارَةٍ أَوْ مَدَرٍ عَلَى رَأْسِ الْبِئْرِ مِنْ جَانِبَيْهَا فَإِنْ كَانَتَا مِنْ خَشَبٍ فَهُمَا نُوقَانِ، (وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ) فَفِيهِ التَّسَتُّرُ فِي الْغُسْلِ، (فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ) ، قَالَ عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا: فِيهِ جَوَازُ السَّلَامِ عَلَى الْمُتَطَهِّرِ فِي حَالِ طَهَارَتِهِ بِخِلَافِ مَنْ هُوَ عَلَى الْحَدَثِ، وَتَعَقَّبَهُ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ بِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِأَنَّهُ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ بَلْ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَرُدْ لِقَوْلِهِ: (فَقَالَ: مَنْ هَذَا) بِفَاءِ التَّعْقِيبِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ سَلَامِهِ وَبَيْنَهَا بِشَيْءٍ فَيَدُلُّ عَلَى عَكْسِ مَا اسْتُدِلَّ بِهِ، فَإِنْ قِيلَ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ رَدَّ السَّلَامَ وَتَرْكَ ذِكْرَهُ لِوُضُوحِهِ فَإِنَّهُ أَمْرٌ مُقَرَّرٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلِ وُقُوعِهِ، وَأَمَّا الْفَاءُ فَهِيَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ} [الشعراء: ٦٣] (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: الْآيَةُ ٦٣) أَيْ فَضَرَبَ فَانْفَلَقَ، فَالِانْفِلَاقُ مُعْقِبٌ لِلضَّرْبِ لَا لِلْأَمْرِ بِالضَّرْبِ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ فِي الْآيَةِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ هُنَا أَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ رَدُّ السَّلَامِ عَلَى الْمُسِيءِ صِلَاتَهُ فِي أَكْثَرِ الطُّرُقِ، وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُ رَدَّ عَلَيْهِ، قُلْتُ: لَمَّا لَمْ يُصَرِّحُ بِذِكْرِ رَدِّ السَّلَامِ احْتُمِلَ الرَّدُّ وَعَدَمُهُ فَسَقَطَ الِاسْتِدْلَالُ لِلْجَانِبَيْنِ، انْتَهَى وَفِيهِ وَقْفَةٌ.

(فَقُلْتُ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ أَسْأَلُكَ) ، وَفِي رِوَايَةٍ: يَسْأَلُكَ (كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فِيهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمُ غَسْلِ رَأْسِ الْمُحْرِمِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْبَأَهُ أَبُو أَيُّوبَ أَوْ غَيْرُهُ لِأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ عَنِ الصَّحَابَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ: كَيْفَ كَانَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ؟ وَلَمْ يَقُلْ: هَلْ كَانَ يَغْسِلُ؟ وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِأَصْلِ الْغَسْلِ، فَإِنَّ السُّؤَالَ عَنْ كَيْفِيَّةِ الشَّيْءِ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِأَصْلِهِ، وَأَنَّ غَسْلَ الْبَدَنِ كَانَ عِنْدَهُ مُتَقَرِّرُ الْجَوَازِ إِذْ لَمْ يَسْأَلْ عَنْهُ وَإِنَّمَا سَأَلَ عَنْ كَيْفِيَّةِ غَسْلِ الرَّأْسِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْإِشْكَالِ، إِذِ الشَّعَرُ عَلَيْهِ وَتَحْرِيكُ الْيَدِ يُخَافُ مِنْهُ نَتْفُ الشَّعَرِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النِّزَاعَ بَيْنَهُمَا إِنَّمَا وَقَعَ فِي غَسْلِ الرَّأْسِ.

وَقَالَ الْحَافِظُ: لَمْ يَقُلْ: هَلْ كَانَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ لِيُوَافِقَ اخْتِلَافَهُمَا بَلْ سَأَلَ عَنِ الْكَيْفِيَّةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمَّا رَآهُ يَغْتَسِلُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ الْجَوَابَ، ثُمَّ أَحَبَّ أَنْ لَا يَرْجِعَ إِلَّا بِفَائِدَةٍ أُخْرَى فَسَأَلَهُ عَنِ الْكَيْفِيَّةِ.

(قَالَ: فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ فَطَأْطَأَهُ) أَيْ خَفَضَ الثَّوْبَ وَأَزَالَهُ عَنْ رَأْسِهِ، (حَتَّى بَدَا) بِالتَّخْفِيفِ، أَيْ ظَهَرَ (لِي رَأْسُهُ

ثُمَّ قَالَ لِإِنْسَانٍ) لَمْ يُسَمَّ، (يَصُبُّ عَلَيْهِ) ، زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَضَّاحٍ: الْمَاءَ، (اصْبُبْ فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ حَرَّكَ) أَبُو أَيُّوبَ (رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ) بِالتَّثْنِيَةِ، (فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ) فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ مَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى نَتْفِ الشَّعْرِ، وَالْبَيَانُ بِالْفِعْلِ وَهُوَ أَبْلَغُ مِنَ الْقَوْلِ.

(ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ) ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: فَأَمَرَّ أَبُو أَيُّوبَ بِيَدَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ جَمِيعًا عَلَى جَمِيعِ رَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ.

وَزَادَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: فَرَجَعْتُ إِلَيْهِمَا فَأَخْبَرْتُهُمَا، فَقَالَ الْمِسْوَرُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لَا أُمَارِيكَ أَبَدًا أَيْ لَا أُجَادِلُكَ، وَفِيهِ رُجُوعُ الْمُخْتَلِفَيْنِ إِلَى مَنْ يَظُنَّانِ أَنَّ عِنْدَهُ عِلْمَ مَا اخْتَلَفَا فِيهِ، وَقَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَأَنَّهُ كَانَ مَشْهُورًا عِنْدَ الصَّحَابَةِ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَرْسَلَ ابْنَ حُنَيْنٍ لِيَسْأَلَ أَبَا أَيُّوبَ، وَمِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ قَبُولُ خَبَرِ أَبِي أَيُّوبَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَبُولُ خَبَرِ ابْنِ حُنَيْنٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، وَالرُّجُوعُ إِلَى النَّصِّ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ، وَتَرْكُ الِاجْتِهَادِ وَالْقِيَاسِ عِنْدَ النَّصِّ.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَفِيهِ أَنَّ الصَّحَابَةَ إِذَا اخْتَلَفُوا لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا حُجَّةٌ عَلَى الْآخَرِ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَأَنَّ حَدِيثَ: " أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ " مَحَلُّهُ فِي النَّقْلِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَالَ أَهْلُ النَّظَرِ كَالْمُزْنِيِّ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ عَدْلٌ رَضِيٌّ لَا فِي الِاجْتِهَادِ وَالرَّأْيِ وَإِلَّا لَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِلْمَسْوَرِ: أَنْتَ نَجْمٌ وَأَنَا نَجْمٌ فَبِأَيِّنَا اقْتُدِيَ اهْتُدِيَ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى طَلَبِ الْبُرْهَانِ مِنَ السُّنَّةِ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِ، وَكَذَا حُكْمُ سَائِرِ الصَّحَابَةِ إِذَا اخْتَلَفُوا، وَفِيهِ الِاسْتِعَانَةُ فِي الطِّهَارَةِ لِقَوْلِهِ اصْبُبْ، قَالَ عِيَاضٌ: وَالْأَوْلَى تَرْكُهَا إِلَّا لِحَاجَةٍ.

وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَرَدَ فِي الِاسْتِعَانَةِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ، وَفِي تَرْكِهَا شَيْءٌ لَا يُقَابِلُهَا فِي الصِّحَّةِ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَمُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عِنْدَ مُسْلِمٍ.

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

[بَاب غُسْلِ الْمُحْرِمِ]

حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالْأَبْوَاءِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ «يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ» وَقَالَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ قَالَ فَأَرْسَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَنْ هَذَا فَقُلْتُ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ أَسْأَلُكَ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ قَالَ فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ ثُمَّ قَالَ لِإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ اصْبُبْ فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ

ــ

٢ - بَابُ غُسْلِ الْمُحْرِمِ

٧١٢ - ٧٠٦ - (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) الْعَدَوِيِّ مَوْلَى عُمَرَ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ النُّونِ الْأُولَى، الْهَاشِمِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ أَبِي إِسْحَاقَ، مَاتَ بَعْدَ الْمِائَةِ، (عَنْ أَبِيهِ) مَوْلَى الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْمَدَنِيِّ، مَاتَ فِي أَوَائِلِ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَدْخَلَ يَحْيَى بْنُ زَيْدٍ وَإِبْرَاهِيمُ نَافِعًا وَهُوَ خَطَأٌ - لَا شَكَّ فِيهِ - مِمَّا يُحْفَظُ مِنْ خَطَأِ يَحْيَى وَغَلَطِهِ فِي الْمُوَطَّأِ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ مِنْ رُوَاتِهِ وَقَدْ طَرَحَهُ ابْنُ وَضَّاحٍ وَغَيْرُهُ وَهُوَ الصَّوَابُ، (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَالْمِسْوَرَ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَخِفَّةِ الْوَاوِ، (ابْنَ مَخْرَمَةَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، ابْنِ نَوْفَلٍ الْقُرَشِيِّ لَهُ وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ، (اخْتَلَفَا) وَهُمَا نَازِلَانِ (بِالْأَبْوَاءِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمَدِّ، جَبَلٌ قُرْبَ مَكَّةَ وَعِنْدَهُ بَلْدَةٌ تُنْسَبُ إِلَيْهِ، قِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِوَبَائِهِ، وَهُوَ عَلَى الْقَلْبِ وَإِلَّا لَقِيلَ الْأَوْبَاءُ، وَقِيلَ: لِأَنَّ السُّيُولَ تَتَبَوَّؤُهُ أَيْ تَحُلُّهُ.

(فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ) بْنُ عَبَّاسٍ (يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأَسَهُ، وَقَالَ الْمِسْوَرَ بْنُ مَخْرَمَةَ: لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ) ، قَالَ الْأَبِيُّ: الظَّنُّ بِهِمَا أَنَّهُمَا لَا يَخْتَلِفَانِ إِلَّا وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا مُسْتَنَدٌ، قَالَ عِيَاضٌ: وَدَلَّ كَلَامُهُمَا أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي تَحْرِيكِ الشَّعْرِ إِذْ لَا خِلَافَ فِي غَسْلِ الْمُحْرِمِ رَأْسَهُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ صَبِّ الْمَاءِ، فَخَافَ الْمِسْوَرُ أَنْ يَكُونَ فِي تَحْرِيكِهِ بِالْيَدِ قَتْلُ بَعْضِ دَوَابٍّ أَوْ طَرْحُهَا، وَعَلِمَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ عِنْدَ أَبِي أَيُّوبَ عِلْمُ ذَلِكَ.

(قَالَ) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ (فَأَرْسَلَنِي

عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ) خَالِدِ بْنِ زَيْدٍ (الْأَنْصَارِيِّ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ) بِفَتْحِ الْقَافِ تَثْنِيَةُ قَرْنٍ، وَهُمَا الْخَشَبَتَانِ الْقَائِمَتَانِ عَلَى رَأْسِ الْبِئْرِ وَشِبْهُهُمَا مِنَ الْبِنَاءِ وَيُمَدُّ بَيْنَهُمَا خَشَبَةٌ يُجَرُّ عَلَيْهَا الْحَبْلُ الْمُسْتَقَى بِهِ وَيُعَلَّقُ عَلَيْهَا الْبَكَرَةُ، وَقَالَ الْقُتَبِيُّ: هُمَا مَنَارَتَانِ تُبْنَيَانِ مِنْ حِجَارَةٍ أَوْ مَدَرٍ عَلَى رَأْسِ الْبِئْرِ مِنْ جَانِبَيْهَا فَإِنْ كَانَتَا مِنْ خَشَبٍ فَهُمَا نُوقَانِ، (وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ) فَفِيهِ التَّسَتُّرُ فِي الْغُسْلِ، (فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ) ، قَالَ عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا: فِيهِ جَوَازُ السَّلَامِ عَلَى الْمُتَطَهِّرِ فِي حَالِ طَهَارَتِهِ بِخِلَافِ مَنْ هُوَ عَلَى الْحَدَثِ، وَتَعَقَّبَهُ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ بِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِأَنَّهُ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ بَلْ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَرُدْ لِقَوْلِهِ: (فَقَالَ: مَنْ هَذَا) بِفَاءِ التَّعْقِيبِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ سَلَامِهِ وَبَيْنَهَا بِشَيْءٍ فَيَدُلُّ عَلَى عَكْسِ مَا اسْتُدِلَّ بِهِ، فَإِنْ قِيلَ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ رَدَّ السَّلَامَ وَتَرْكَ ذِكْرَهُ لِوُضُوحِهِ فَإِنَّهُ أَمْرٌ مُقَرَّرٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلِ وُقُوعِهِ، وَأَمَّا الْفَاءُ فَهِيَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ} [الشعراء: ٦٣] (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: الْآيَةُ ٦٣) أَيْ فَضَرَبَ فَانْفَلَقَ، فَالِانْفِلَاقُ مُعْقِبٌ لِلضَّرْبِ لَا لِلْأَمْرِ بِالضَّرْبِ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ فِي الْآيَةِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ هُنَا أَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ رَدُّ السَّلَامِ عَلَى الْمُسِيءِ صِلَاتَهُ فِي أَكْثَرِ الطُّرُقِ، وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُ رَدَّ عَلَيْهِ، قُلْتُ: لَمَّا لَمْ يُصَرِّحُ بِذِكْرِ رَدِّ السَّلَامِ احْتُمِلَ الرَّدُّ وَعَدَمُهُ فَسَقَطَ الِاسْتِدْلَالُ لِلْجَانِبَيْنِ، انْتَهَى وَفِيهِ وَقْفَةٌ.

(فَقُلْتُ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ أَسْأَلُكَ) ، وَفِي رِوَايَةٍ: يَسْأَلُكَ (كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فِيهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمُ غَسْلِ رَأْسِ الْمُحْرِمِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْبَأَهُ أَبُو أَيُّوبَ أَوْ غَيْرُهُ لِأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ عَنِ الصَّحَابَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ: كَيْفَ كَانَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ؟ وَلَمْ يَقُلْ: هَلْ كَانَ يَغْسِلُ؟ وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِأَصْلِ الْغَسْلِ، فَإِنَّ السُّؤَالَ عَنْ كَيْفِيَّةِ الشَّيْءِ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِأَصْلِهِ، وَأَنَّ غَسْلَ الْبَدَنِ كَانَ عِنْدَهُ مُتَقَرِّرُ الْجَوَازِ إِذْ لَمْ يَسْأَلْ عَنْهُ وَإِنَّمَا سَأَلَ عَنْ كَيْفِيَّةِ غَسْلِ الرَّأْسِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْإِشْكَالِ، إِذِ الشَّعَرُ عَلَيْهِ وَتَحْرِيكُ الْيَدِ يُخَافُ مِنْهُ نَتْفُ الشَّعَرِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النِّزَاعَ بَيْنَهُمَا إِنَّمَا وَقَعَ فِي غَسْلِ الرَّأْسِ.

وَقَالَ الْحَافِظُ: لَمْ يَقُلْ: هَلْ كَانَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ لِيُوَافِقَ اخْتِلَافَهُمَا بَلْ سَأَلَ عَنِ الْكَيْفِيَّةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمَّا رَآهُ يَغْتَسِلُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ الْجَوَابَ، ثُمَّ أَحَبَّ أَنْ لَا يَرْجِعَ إِلَّا بِفَائِدَةٍ أُخْرَى فَسَأَلَهُ عَنِ الْكَيْفِيَّةِ.

(قَالَ: فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ فَطَأْطَأَهُ) أَيْ خَفَضَ الثَّوْبَ وَأَزَالَهُ عَنْ رَأْسِهِ، (حَتَّى بَدَا) بِالتَّخْفِيفِ، أَيْ ظَهَرَ (لِي رَأْسُهُ

ثُمَّ قَالَ لِإِنْسَانٍ) لَمْ يُسَمَّ، (يَصُبُّ عَلَيْهِ) ، زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَضَّاحٍ: الْمَاءَ، (اصْبُبْ فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ حَرَّكَ) أَبُو أَيُّوبَ (رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ) بِالتَّثْنِيَةِ، (فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ) فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ مَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى نَتْفِ الشَّعْرِ، وَالْبَيَانُ بِالْفِعْلِ وَهُوَ أَبْلَغُ مِنَ الْقَوْلِ.

(ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ) ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: فَأَمَرَّ أَبُو أَيُّوبَ بِيَدَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ جَمِيعًا عَلَى جَمِيعِ رَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ.

وَزَادَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: فَرَجَعْتُ إِلَيْهِمَا فَأَخْبَرْتُهُمَا، فَقَالَ الْمِسْوَرُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لَا أُمَارِيكَ أَبَدًا أَيْ لَا أُجَادِلُكَ، وَفِيهِ رُجُوعُ الْمُخْتَلِفَيْنِ إِلَى مَنْ يَظُنَّانِ أَنَّ عِنْدَهُ عِلْمَ مَا اخْتَلَفَا فِيهِ، وَقَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَأَنَّهُ كَانَ مَشْهُورًا عِنْدَ الصَّحَابَةِ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَرْسَلَ ابْنَ حُنَيْنٍ لِيَسْأَلَ أَبَا أَيُّوبَ، وَمِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ قَبُولُ خَبَرِ أَبِي أَيُّوبَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَبُولُ خَبَرِ ابْنِ حُنَيْنٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، وَالرُّجُوعُ إِلَى النَّصِّ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ، وَتَرْكُ الِاجْتِهَادِ وَالْقِيَاسِ عِنْدَ النَّصِّ.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَفِيهِ أَنَّ الصَّحَابَةَ إِذَا اخْتَلَفُوا لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا حُجَّةٌ عَلَى الْآخَرِ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَأَنَّ حَدِيثَ: " أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ " مَحَلُّهُ فِي النَّقْلِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَالَ أَهْلُ النَّظَرِ كَالْمُزْنِيِّ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ عَدْلٌ رَضِيٌّ لَا فِي الِاجْتِهَادِ وَالرَّأْيِ وَإِلَّا لَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِلْمَسْوَرِ: أَنْتَ نَجْمٌ وَأَنَا نَجْمٌ فَبِأَيِّنَا اقْتُدِيَ اهْتُدِيَ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى طَلَبِ الْبُرْهَانِ مِنَ السُّنَّةِ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِ، وَكَذَا حُكْمُ سَائِرِ الصَّحَابَةِ إِذَا اخْتَلَفُوا، وَفِيهِ الِاسْتِعَانَةُ فِي الطِّهَارَةِ لِقَوْلِهِ اصْبُبْ، قَالَ عِيَاضٌ: وَالْأَوْلَى تَرْكُهَا إِلَّا لِحَاجَةٍ.

وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَرَدَ فِي الِاسْتِعَانَةِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ، وَفِي تَرْكِهَا شَيْءٌ لَا يُقَابِلُهَا فِي الصِّحَّةِ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَمُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عِنْدَ مُسْلِمٍ.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.6 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
أستغفر الله