الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ٩٣٢
الحديث رقم ٩٣٢ من كتاب «كتاب الحج» في موطأ مالك، تحت باب: باب العمل في الإهلال.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٢٨ - حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
كانت تَلْبِيَةُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إذا أراد الدخول في نسك الحج أو العمرة أن يقول:
(لبيك اللهم لبيك) إجابة لازمة لك بعد إجابة فيما دعوتَنا من الإخلاص والتوحيد والحج وغيرها، (لبيك لا شريك لك لبيك) فأنت وحدك المُستحِق للعبادة لا شريك لك في ربوبيتك وألوهيتك وأسمائك وصفاتك، (إن الحمد) والشكر والثناء (والنعمة) منك وأنت معطيها (لك) تُصْرَف على كل حال، (والملك) كذلك لك، (لا شريك لك) فكلها لك وحدك.
وكان ابن عمر رضي الله عنهما يزيد فيها:
(لبيك لبيك وسعديك) أسعدني إسعادًا بعد إسعاد، (والخير بيديك) كلُّه ومِن فضلِك، (لبيك والرغباء إليك) والطلب والمسألة إلى مَن بيده الخير، (والعمل) لك فأنت المستحق للعبادة.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
[بَاب الْعَمَلِ فِي الْإِهْلَالِ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ» قَالَ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَا لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ
ــ
٩ - بَابُ الْعَمَلِ فِي الْإِهْلَالِ
هُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَكُلُّ رَافِعٍ صَوْتَهِ بِشَيْءٍ فَهُوَ مُهِلٌ بِهِ.
٧٣٨ - ٧٣١ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مَصْدَرُ لَبَّى، أَيْ قَالَ لَبَّيْكَ، وَلَا يَكُونُ عَامِلُهُ إِلَّا مُضْمَرًا.
وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " «كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ فَقَالَ» " وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ
طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ: " «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُهِلُّ مُلَبِّيًا» يَقُولُ (لَبَّيْكَ) لَفْظٌ مُثَنَّى عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَقَالَ يُونُسُ: اسْمٌ مُفْرَدٌ وَأَلِفُهُ إِنَّمَا انْقَلَبَتْ يَاءً لِاتِّصَالِهَا بِالضَّمِيرِ كَلَدَيَّ وَعَلَيَّ وَرُدَّ بِأَنَّهَا قُلِبَتْ يَاءً مَعَ الْمُظْهَرِ.
وَعَنِ الْفَرَّاءِ نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ وَأَصْلُهُ لَبَّا لَكَ فَثُنِّيَ عَلَى التَّأْكِيدِ أَيْ إِلْبَابًا بَعْدَ إِلْبَابٍ، وَهَذِهِ التَّثْنِيَةُ لَيْسَتْ حَقِيقِيَّةٌ بَلْ لِلتَّكْثِيرِ أَوْ لِلْمُبَالَغَةِ وَمَعْنَاهُ إِجَابَةٌ بَعْدَ إِجَابَةٍ لَازِمَةٍ.
قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَمِثْلُهُ حَنَانَيْكَ أَيْ تَحَنُّنًا بَعْدَ تَحَنُّنٍ.
وَقِيلَ: مَعْنَى لَبَّيْكَ اتِّجَاهِي وَقَصْدِي إِلَيْكَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ دَارِي تُلَبِّ دَارَكَ أَيْ تُجَاهَهَا، وَقِيلَ: مَحَبَّتِي لَكَ مِنْ قَوْلِهِمُ امْرَأَةٌ لَبَّةٌ أَيْ مُحِبَّةٌ، وَقِيلَ: إِخْلَاصِي لَكَ مِنْ قَوْلِهِمْ حَسَبٌ لُبَابٌ أَيْ خَالِصٌ، وَمِنْهُ لُبُّ الطَّعَامِ وَلُبَابُهُ، وَقِيلَ: أَنَا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِكَ مِنْ لَبَّ الرَّجُلُ بِالْمَكَانِ أَقَامَ، وَقِيلَ: قُرْبًا مِنْكَ مِنَ الْإِلْبَابِ وَهُوَ الْقُرْبُ، وَقِيلَ: خَاضِعًا لَكَ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَأَشْهَرُ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ مُسْتَجِيبٌ لِدُعَائِهِ تَعَالَى إِيَّاهُ فِي حَجِّ بَيْتِهِ.
(اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ) أَيْ يَا اللَّهُ أَجَبْنَاكَ فِيمَا دَعَوْتَنَا، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَعْنَى التَّلْبِيَةِ إِجَابَةُ دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، قَالَ الْحَافِظُ: وَهَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفَاسِيرِهِمْ بِأَسَانِيدَ قَوِيَّةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ، وَأَقْوَى مَا فِيهِ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَابُوسِ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " «لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ قِيلَ لَهُ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، قَالَ: يَا رَبِّ وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِي؟ قَالَ: أَذِّنْ وَعَلَيَّ الْبَلَاغُ، قَالَ: فَنَادَى إِبْرَاهِيمُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ فَسَمِعَهُ مَنْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَفَلَا تَرَوْنَ النَّاسَ يُجِيبُونَ مِنْ أَقْصَى الْأَرْضِ يُلَبُّونَ؟» "، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِيهِ: " «فَأَجَابُوهُ بِالتَّلْبِيَةِ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ» "، وَأَوَّلُ مَنْ أَجَابَهُ أَهْلُ الْيَمَنِ فَلَيْسَ حَاجٌّ يَحُجُّ مِنْ يَوْمِئِذٍ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ إِلَّا مَنْ كَانَ أَجَابَ إِبْرَاهِيمَ يَوْمَئِذٍ.
قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: وَفِي مَشْرُوعِيَّةِ التَّلْبِيَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى إِكْرَامِ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ بِأَنَّ وُفُودَهُمْ عَلَى بَيْتِهِ إِنَّمَا كَانَ بِاسْتِدْعَاءٍ مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، (لَبَّيْكَ) فِي ذِكْرِهِ ثَلَاثًا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ التَّأْكِيدَ اللَّفْظِيَّ لَا يُزَادُ فِيهِ عَلَى ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْبُلَغَاءُ، وَأَمَّا تَكْرِيرُ {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: ١٣] (سُورَةُ الرَّحْمَنِ: الْآيَةُ ١٣) وَ {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: ١٥] (سُورَةُ الْمُرْسَلَاتِ: الْآيَةُ ١٥) فَلَيْسَ مِنَ التَّأْكِيدِ فِي شَيْءٍ.
( «لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ» ) رُوِيَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ اسْتِئْنَافٌ وَفَتْحِهَا تَعْلِيلٌ وَالْكَسْرُ أَجْوَدُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، قَالَ ثَعْلَبٌ: لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَمَعْنَى الْفَتْحِ لِهَذَا السَّبَبِ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَهِجَ الْعَامَّةُ بِالْفَتْحِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْمَعْنَى عِنْدِي وَاحِدٌ لِأَنَّ مَنْ فَتَحَ أَرَادَ لَبَّيْكَ لِأَنَّ الْحَمْدَ لَكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَرُدَّ بِأَنَّ التَّقْيِيدَ لَيْسَ فِي الْحَمْدِ بَلْ فِي التَّلْبِيَةِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْكَسْرُ أَجْوَدُ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْإِجَابَةَ مُطْلَقَةٌ غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ، وَأَنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لِلَّهِ عَلَى
كُلِّ حَالٍ، وَالْفَتْحُ يَدُلُّ عَلَى التَّعْلِيلِ كَأَنَّهُ قِيلَ: أَجَبْتُكَ لِهَذَا السَّبَبِ، وَالْأَوَّلُ أَعَمُّ فَهُوَ أَكْثَرُ فَائِدَةً.
وَرَجَّحَ النَّوَوِيُّ الْكَسْرَ وَهُوَ خِلَافٌ.
نَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اخْتَارَ الْفَتْحَ، وَأَبَا حَنِيفَةَ اخْتَارَ الْكَسْرَ، وَابْنُ قُدَامَةَ عَنْ أَحْمَدَ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ اخْتِيَارِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، لَكِنْ قَالَ فِي اللَّامِعِ وَالْعُدَّةِ أَنَّهُ إِذَا كُسِرَ صَارَ لِلتَّعْلِيلِ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ اسْتِئْنَافٌ جَوَابًا عَنِ السُّؤَالِ عَنِ الْعِلَّةِ عَلَى مَا قَرَّرَ فِي الْبَيَانِ.
(وَالنِّعْمَةَ لَكَ) بِكَسْرِ النُّونِ، الْإِحْسَانُ وَالْمِنَّةِ مُطْلَقًا، وَبِالْفَتْحِ وَالتَّنْعِيمَ قَالَ تَعَالَى: {وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ} [المزمل: ١١] (سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ: الْآيَةُ ١١) أَيِ التَّنَعُّمِ فِي الدُّنْيَا وَبِالنَّصْبِ عَلَى الْمَشْهُورِ، قَالَ عِيَاضٌ: وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ مُسْتَقِرَّةٌ لَكَ، وَجَوَّزَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ أَنَّ الْمَوْجُودَ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ وَخَبَرُ إِنَّ هُوَ الْمَحْذُوفُ.
(وَالْمُلْكَ) بِالنَّصْبِ أَيْضًا عَلَى الْمَشْهُورِ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ أَيْ كَذَلِكَ أَوْ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْخَبَرِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ.
قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: قَرَنَ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ وَأَفْرَدَ الْمُلْكَ لِأَنَّ الْحَمْدَ مُتَعَلَّقُ النِّعْمَةِ وَلِهَذَا يُقَالُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نِعَمِهِ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا حَمْدَ إِلَّا لَكَ، وَأَمَّا الْمُلْكُ فَهُوَ مَعْنًى مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ ذُكِرَ لِتَحْقِيقِ أَنَّ النِّعْمَةَ كُلَّهَا لِلَّهِ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْمُلْكِ، (لَا شَرِيكَ لَكَ) فِي مُلْكِكَ (قَالَ) نَافِعٌ: (وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَا) فَيَقُولُ: (لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كَمَا فِي الْمَرْفُوعِ إِلَّا أَنَّ فِيهِ الْفَصْلَ بَيْنَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ بِلَفْظِ اللَّهُمَّ، (وَسَعْدَيْكَ) قَالَ عِيَاضٌ: إِفْرَادُهَا وَتَثْنِيَتُهَا كَلَبَّيْكَ، وَمَعْنَاهُ سَاعَدْتُ طَاعَتَكَ مُسَاعَدَةً بَعْدَ مُسَاعَدَةٍ وَإِسْعَادًا بَعْدَ إِسْعَادٍ وَلِذَا ثَنَّى، وَهُوَ مِنَ الْمَصَادِرِ الْمَنْصُوبَةِ بِفِعْلٍ لَا يَظْهَرُ فِي الِاسْتِعْمَالِ، قَالَ الْجِرْمِيُّ: لَمْ يُسْمَعْ سَعْدَيْكَ مُفْرَدًا، (وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ) أَيِ الْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدِ اللَّهِ وَمِنْ فَضْلِهِ أَيْ بِقُدْرَتِهِ وَكَرَمِهِ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهَذَا مِنْ إِصْلَاحِ الْمُخَاطَبَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: ٨٠] (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: الْآيَةُ ٨٠) (لَبَّيْكَ وَالرُّغْبَى إِلَيْكَ) ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: يُرْوَى بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمَدِّ وَبِضَمِّ الرَّاءِ مَعَ الْقَصْرِ، قَالَ: وَنَظِيرُهُ الْعَلْيَاءُ وَالْعُلْيَا وَالنَّعْمَاءُ وَالنُّعْمَى، قَالَ عِيَاضٌ: وَحَكَى أَبُو عَلِيٍّ فِيهِ أَيْضًا الْفَتْحَ مَعَ الْقَصْرِ مِثْلَ: سَكْرَى، وَمَعْنَاهَا الطَّلَبُ وَالْمَسْأَلَةُ إِلَى مَنْ بِيَدِهِ الْأَمْرُ وَالْمَقْصُودُ بِالْعَمَلِ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ.
(وَالْعَمَلُ) إِلَيْكَ أَيِ الْقَصْدُ بِهِ وَالِانْتِهَاءُ بِهِ إِلَيْكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَدَّرَ وَالْعَمَلُ لَكَ قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ زَادَ ابْنُ عُمَرَ فِي التَّلْبِيَةِ مَا لَيْسَ مِنْهَا مَعَ أَنَّهُ كَانَ شَدِيدَ التَّحَرِّي لِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ، وَفِي حَدِيثٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ سَالِمٍ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَزِيدُ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ أَيِ الْمَذْكُورَةِ أَوَّلًا، أَجَابَ الْأَبِيُّ بِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ لَيْسَتْ نَسْخًا، وَأَنَّ الشَّيْءَ وَحْدَهُ كَذَلِكَ هُوَ مَعَ غَيْرِهِ فَزِيَادَتُهُ لَا تَمْنَعُ مِنْ إِتْيَانِهِ بِتَلْبِيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ فَهِمَ عَدَمَ الْقَصْرِ عَلَى أُولَئِكَ الْكَلِمَاتِ، وَأَنَّ الثَّوَابَ يَتَضَاعَفُ بِكَثْرَةِ الْعَمَلِ، وَاقْتِصَارُ الْمُصْطَفَى بَيَانٌ لِأَقَلِّ مَا يَكْفِي.
وَأَجَابَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ خَلْطُ السُّنَّةِ
بِغَيْرِهَا، بَلْ لَمَّا أَتَى بِمَا سَمِعَهُ ضَمَّ إِلَيْهِ ذِكْرًا آخَرَ فِي مَعْنَاهُ، وَبَابُ الْأَذْكَارِ لَا تَحْجِيرَ فِيهِ إِذَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى تَحْرِيفِ مَا قَالَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ الذِّكْرَ خَيْرُ مَوْضُوعٍ وَالِاسْتِكْثَارَ مِنْهُ حَسَنٌ، عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ هَذَا الَّذِي زَادَهُ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُهُ فِي دُعَاءِ اسْتِفْتَاحِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ: " «لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» "، انْتَهَى.
وَالْجَوَابَانِ مُتَقَارِبَانِ.
وَفِي مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: كَانَ عُمَرُ يُهِلُّ بِإِهْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ وَيَقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ إِلَى آخِرِ مَا زَادَهُ هُنَا.
قَالَ الْحَافِظُ: فَعُرِفَ أَنَّهُ اقْتَدَى بِأَبِيهِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: كَانَتْ تَلْبِيَةُ عُمَرَ فَذَكَرَ مِثْلَ الْمَرْفُوعِ، وَزَادَ: لَبَّيْكَ مَرْغُوبًا وَمَرْهُوبًا إِلَيْكَ ذَا النَّعْمَاءِ وَالْفَضْلِ الْحَسَنِ انْتَهَى.
وَقَدِ اسْتَحَبَّ الْعُلَمَاءُ الِاقْتِصَارَ عَلَى تَلْبِيَةِ الرَّسُولِ وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا وَكَرَاهَتِهَا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَهُمُ التَّلْبِيَةَ كَمَا فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ ثُمَّ فَعَلَهَا هُوَ، وَلَمْ يَقُلْ: لَبُّوا بِمَا شِئْتُمْ مِمَّا هُوَ مِنْ جِنْسِ هَذَا، بَلْ عَلَّمَهُمْ كَمَا عَلَّمَهُمُ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَدَّى فِي ذَلِكَ شَيْئًا مِمَّا عَلِمَهُ.
وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ ذَا الْمَعَارِجِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَذُو الْمَعَارِجِ وَمَا هَكَذَا كُنَّا نُلَبِّي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: يَجُوزُ بِلَا كَرَاهَةٍ لِفِعْلِ عُمَرَ وَابْنِهِ.
وَفِي النَّسَائِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُلَبِّي بِغَيْرِهَا وَلَهُ وَلِابْنِ مَاجَهْ وَابْنِ حِبَّانَ وَالْحَاكِمِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ» ".
وَلِلْحَاكِمِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ فَلَمَّا قَالَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، قَالَ: إِنَّمَا الْخَيْرُ خَيْرُ الْآخِرَةِ» "، وِلِلدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْعِلَلِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: " «لَبَّيْكَ حَجًّا حَقًّا تَعَبُّدًا وَرِقًّا» "، وَفِي مُسْلِمٍ فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ عَنْ جَابِرٍ «حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ» إِلَى آخِرِهِ.
قَالَ: وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ فَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ وَلَزِمَ تَلْبِيَتَهُ.
وَفِي أَبِي دَاوُدَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ التَّلْبِيَةَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: وَالنَّاسُ يَزِيدُونَ ذَا الْمَعَارِجِ وَنَحْوَهُ مِنَ الْكَلَامِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْمَعُ فَلَا يَقُولُ لَهُمْ شَيْئًا» ، وَفِي ابْنِ مَاجَهْ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ.
وَأَجَابَ مَنْ قَالَ بِالْكَرَاهَةِ بِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى تَلْبِيَةِ الرَّسُولِ أَفْضَلُ لِمُدَاوَمَتِهِ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا، وَأَمَّا عَدَمُ نَهْيِهِمْ عَنِ الزِّيَادَةِ فَلِئَلَّا يُتَوَهَّمَ الْمَنْعُ، كَمَا أَنَّ زِيَادَتَهُ هُوَ مَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ التَّلْبِيَةِ وَهُوَ إِجْمَاعٌ، وَأَوْجَبَهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَيَجْزِي عِنْدَهُ مَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ تَسْبِيحٍ وَتَهْلِيلٍ وَسَائِرِ الْأَذْكَارِ كَمَا قَالَهُ هُوَ أَنَّ التَّسْبِيحَ وَغَيْرَهُ يَقُومُ فِي الْإِحْرَامِ بِالصَّلَاةِ مَقَامَ التَّكْبِيرِ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: سُنَّةٌ ثُمَّ اخْتَلَفَا، فَأَوْجَبُ مَالِكٌ فِي تَرْكِهَا الدَّمَ وَلَمْ يُوجِبْهُ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ بِوُجُوبِهَا ابْنُ حَبِيبٍ وَالْبَاجِيُّ، وَقَالَ: قَوْلُ أَصْحَابِنَا سُنَّةٌ مَعْنَاهُ عِنْدِي أَنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْحَجِّ وَإِلَّا فَهِيَ
وَاجِبَةٌ بِدَلِيلِ أَنَّ فِي تَرْكِهَا الدَّمَ فَهِيَ وَاجِبَةٌ غَيْرُ شَرْطٍ فَهُوَ فَرْقُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهَا عِنْدَهُ وَاجِبَةٌ شَرْطًا، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَتَعَيَّنُ عِنْدَهُ لَفْظُهَا بَلْ يَكْفِي مَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ ذِكْرٍ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، إِلَّا أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَذْكُرْ زِيَادَةَ ابْنِ عُمَرَ، وَتَابَعَ مَالِكًا اللَّيْثُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ بِهِ.
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
[بَاب الْعَمَلِ فِي الْإِهْلَالِ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ» قَالَ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَا لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ
ــ
٩ - بَابُ الْعَمَلِ فِي الْإِهْلَالِ
هُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَكُلُّ رَافِعٍ صَوْتَهِ بِشَيْءٍ فَهُوَ مُهِلٌ بِهِ.
٧٣٨ - ٧٣١ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مَصْدَرُ لَبَّى، أَيْ قَالَ لَبَّيْكَ، وَلَا يَكُونُ عَامِلُهُ إِلَّا مُضْمَرًا.
وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " «كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ فَقَالَ» " وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ
طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ: " «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُهِلُّ مُلَبِّيًا» يَقُولُ (لَبَّيْكَ) لَفْظٌ مُثَنَّى عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَقَالَ يُونُسُ: اسْمٌ مُفْرَدٌ وَأَلِفُهُ إِنَّمَا انْقَلَبَتْ يَاءً لِاتِّصَالِهَا بِالضَّمِيرِ كَلَدَيَّ وَعَلَيَّ وَرُدَّ بِأَنَّهَا قُلِبَتْ يَاءً مَعَ الْمُظْهَرِ.
وَعَنِ الْفَرَّاءِ نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ وَأَصْلُهُ لَبَّا لَكَ فَثُنِّيَ عَلَى التَّأْكِيدِ أَيْ إِلْبَابًا بَعْدَ إِلْبَابٍ، وَهَذِهِ التَّثْنِيَةُ لَيْسَتْ حَقِيقِيَّةٌ بَلْ لِلتَّكْثِيرِ أَوْ لِلْمُبَالَغَةِ وَمَعْنَاهُ إِجَابَةٌ بَعْدَ إِجَابَةٍ لَازِمَةٍ.
قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَمِثْلُهُ حَنَانَيْكَ أَيْ تَحَنُّنًا بَعْدَ تَحَنُّنٍ.
وَقِيلَ: مَعْنَى لَبَّيْكَ اتِّجَاهِي وَقَصْدِي إِلَيْكَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ دَارِي تُلَبِّ دَارَكَ أَيْ تُجَاهَهَا، وَقِيلَ: مَحَبَّتِي لَكَ مِنْ قَوْلِهِمُ امْرَأَةٌ لَبَّةٌ أَيْ مُحِبَّةٌ، وَقِيلَ: إِخْلَاصِي لَكَ مِنْ قَوْلِهِمْ حَسَبٌ لُبَابٌ أَيْ خَالِصٌ، وَمِنْهُ لُبُّ الطَّعَامِ وَلُبَابُهُ، وَقِيلَ: أَنَا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِكَ مِنْ لَبَّ الرَّجُلُ بِالْمَكَانِ أَقَامَ، وَقِيلَ: قُرْبًا مِنْكَ مِنَ الْإِلْبَابِ وَهُوَ الْقُرْبُ، وَقِيلَ: خَاضِعًا لَكَ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَأَشْهَرُ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ مُسْتَجِيبٌ لِدُعَائِهِ تَعَالَى إِيَّاهُ فِي حَجِّ بَيْتِهِ.
(اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ) أَيْ يَا اللَّهُ أَجَبْنَاكَ فِيمَا دَعَوْتَنَا، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَعْنَى التَّلْبِيَةِ إِجَابَةُ دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، قَالَ الْحَافِظُ: وَهَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفَاسِيرِهِمْ بِأَسَانِيدَ قَوِيَّةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ، وَأَقْوَى مَا فِيهِ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَابُوسِ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " «لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ قِيلَ لَهُ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، قَالَ: يَا رَبِّ وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِي؟ قَالَ: أَذِّنْ وَعَلَيَّ الْبَلَاغُ، قَالَ: فَنَادَى إِبْرَاهِيمُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ فَسَمِعَهُ مَنْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَفَلَا تَرَوْنَ النَّاسَ يُجِيبُونَ مِنْ أَقْصَى الْأَرْضِ يُلَبُّونَ؟» "، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِيهِ: " «فَأَجَابُوهُ بِالتَّلْبِيَةِ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ» "، وَأَوَّلُ مَنْ أَجَابَهُ أَهْلُ الْيَمَنِ فَلَيْسَ حَاجٌّ يَحُجُّ مِنْ يَوْمِئِذٍ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ إِلَّا مَنْ كَانَ أَجَابَ إِبْرَاهِيمَ يَوْمَئِذٍ.
قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: وَفِي مَشْرُوعِيَّةِ التَّلْبِيَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى إِكْرَامِ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ بِأَنَّ وُفُودَهُمْ عَلَى بَيْتِهِ إِنَّمَا كَانَ بِاسْتِدْعَاءٍ مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، (لَبَّيْكَ) فِي ذِكْرِهِ ثَلَاثًا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ التَّأْكِيدَ اللَّفْظِيَّ لَا يُزَادُ فِيهِ عَلَى ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْبُلَغَاءُ، وَأَمَّا تَكْرِيرُ {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: ١٣] (سُورَةُ الرَّحْمَنِ: الْآيَةُ ١٣) وَ {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: ١٥] (سُورَةُ الْمُرْسَلَاتِ: الْآيَةُ ١٥) فَلَيْسَ مِنَ التَّأْكِيدِ فِي شَيْءٍ.
( «لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ» ) رُوِيَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ اسْتِئْنَافٌ وَفَتْحِهَا تَعْلِيلٌ وَالْكَسْرُ أَجْوَدُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، قَالَ ثَعْلَبٌ: لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَمَعْنَى الْفَتْحِ لِهَذَا السَّبَبِ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَهِجَ الْعَامَّةُ بِالْفَتْحِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْمَعْنَى عِنْدِي وَاحِدٌ لِأَنَّ مَنْ فَتَحَ أَرَادَ لَبَّيْكَ لِأَنَّ الْحَمْدَ لَكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَرُدَّ بِأَنَّ التَّقْيِيدَ لَيْسَ فِي الْحَمْدِ بَلْ فِي التَّلْبِيَةِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْكَسْرُ أَجْوَدُ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْإِجَابَةَ مُطْلَقَةٌ غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ، وَأَنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لِلَّهِ عَلَى
كُلِّ حَالٍ، وَالْفَتْحُ يَدُلُّ عَلَى التَّعْلِيلِ كَأَنَّهُ قِيلَ: أَجَبْتُكَ لِهَذَا السَّبَبِ، وَالْأَوَّلُ أَعَمُّ فَهُوَ أَكْثَرُ فَائِدَةً.
وَرَجَّحَ النَّوَوِيُّ الْكَسْرَ وَهُوَ خِلَافٌ.
نَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اخْتَارَ الْفَتْحَ، وَأَبَا حَنِيفَةَ اخْتَارَ الْكَسْرَ، وَابْنُ قُدَامَةَ عَنْ أَحْمَدَ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ اخْتِيَارِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، لَكِنْ قَالَ فِي اللَّامِعِ وَالْعُدَّةِ أَنَّهُ إِذَا كُسِرَ صَارَ لِلتَّعْلِيلِ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ اسْتِئْنَافٌ جَوَابًا عَنِ السُّؤَالِ عَنِ الْعِلَّةِ عَلَى مَا قَرَّرَ فِي الْبَيَانِ.
(وَالنِّعْمَةَ لَكَ) بِكَسْرِ النُّونِ، الْإِحْسَانُ وَالْمِنَّةِ مُطْلَقًا، وَبِالْفَتْحِ وَالتَّنْعِيمَ قَالَ تَعَالَى: {وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ} [المزمل: ١١] (سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ: الْآيَةُ ١١) أَيِ التَّنَعُّمِ فِي الدُّنْيَا وَبِالنَّصْبِ عَلَى الْمَشْهُورِ، قَالَ عِيَاضٌ: وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ مُسْتَقِرَّةٌ لَكَ، وَجَوَّزَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ أَنَّ الْمَوْجُودَ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ وَخَبَرُ إِنَّ هُوَ الْمَحْذُوفُ.
(وَالْمُلْكَ) بِالنَّصْبِ أَيْضًا عَلَى الْمَشْهُورِ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ أَيْ كَذَلِكَ أَوْ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْخَبَرِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ.
قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: قَرَنَ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ وَأَفْرَدَ الْمُلْكَ لِأَنَّ الْحَمْدَ مُتَعَلَّقُ النِّعْمَةِ وَلِهَذَا يُقَالُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نِعَمِهِ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا حَمْدَ إِلَّا لَكَ، وَأَمَّا الْمُلْكُ فَهُوَ مَعْنًى مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ ذُكِرَ لِتَحْقِيقِ أَنَّ النِّعْمَةَ كُلَّهَا لِلَّهِ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْمُلْكِ، (لَا شَرِيكَ لَكَ) فِي مُلْكِكَ (قَالَ) نَافِعٌ: (وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَا) فَيَقُولُ: (لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كَمَا فِي الْمَرْفُوعِ إِلَّا أَنَّ فِيهِ الْفَصْلَ بَيْنَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ بِلَفْظِ اللَّهُمَّ، (وَسَعْدَيْكَ) قَالَ عِيَاضٌ: إِفْرَادُهَا وَتَثْنِيَتُهَا كَلَبَّيْكَ، وَمَعْنَاهُ سَاعَدْتُ طَاعَتَكَ مُسَاعَدَةً بَعْدَ مُسَاعَدَةٍ وَإِسْعَادًا بَعْدَ إِسْعَادٍ وَلِذَا ثَنَّى، وَهُوَ مِنَ الْمَصَادِرِ الْمَنْصُوبَةِ بِفِعْلٍ لَا يَظْهَرُ فِي الِاسْتِعْمَالِ، قَالَ الْجِرْمِيُّ: لَمْ يُسْمَعْ سَعْدَيْكَ مُفْرَدًا، (وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ) أَيِ الْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدِ اللَّهِ وَمِنْ فَضْلِهِ أَيْ بِقُدْرَتِهِ وَكَرَمِهِ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهَذَا مِنْ إِصْلَاحِ الْمُخَاطَبَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: ٨٠] (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: الْآيَةُ ٨٠) (لَبَّيْكَ وَالرُّغْبَى إِلَيْكَ) ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: يُرْوَى بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمَدِّ وَبِضَمِّ الرَّاءِ مَعَ الْقَصْرِ، قَالَ: وَنَظِيرُهُ الْعَلْيَاءُ وَالْعُلْيَا وَالنَّعْمَاءُ وَالنُّعْمَى، قَالَ عِيَاضٌ: وَحَكَى أَبُو عَلِيٍّ فِيهِ أَيْضًا الْفَتْحَ مَعَ الْقَصْرِ مِثْلَ: سَكْرَى، وَمَعْنَاهَا الطَّلَبُ وَالْمَسْأَلَةُ إِلَى مَنْ بِيَدِهِ الْأَمْرُ وَالْمَقْصُودُ بِالْعَمَلِ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ.
(وَالْعَمَلُ) إِلَيْكَ أَيِ الْقَصْدُ بِهِ وَالِانْتِهَاءُ بِهِ إِلَيْكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَدَّرَ وَالْعَمَلُ لَكَ قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ زَادَ ابْنُ عُمَرَ فِي التَّلْبِيَةِ مَا لَيْسَ مِنْهَا مَعَ أَنَّهُ كَانَ شَدِيدَ التَّحَرِّي لِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ، وَفِي حَدِيثٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ سَالِمٍ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَزِيدُ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ أَيِ الْمَذْكُورَةِ أَوَّلًا، أَجَابَ الْأَبِيُّ بِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ لَيْسَتْ نَسْخًا، وَأَنَّ الشَّيْءَ وَحْدَهُ كَذَلِكَ هُوَ مَعَ غَيْرِهِ فَزِيَادَتُهُ لَا تَمْنَعُ مِنْ إِتْيَانِهِ بِتَلْبِيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ فَهِمَ عَدَمَ الْقَصْرِ عَلَى أُولَئِكَ الْكَلِمَاتِ، وَأَنَّ الثَّوَابَ يَتَضَاعَفُ بِكَثْرَةِ الْعَمَلِ، وَاقْتِصَارُ الْمُصْطَفَى بَيَانٌ لِأَقَلِّ مَا يَكْفِي.
وَأَجَابَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ خَلْطُ السُّنَّةِ
بِغَيْرِهَا، بَلْ لَمَّا أَتَى بِمَا سَمِعَهُ ضَمَّ إِلَيْهِ ذِكْرًا آخَرَ فِي مَعْنَاهُ، وَبَابُ الْأَذْكَارِ لَا تَحْجِيرَ فِيهِ إِذَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى تَحْرِيفِ مَا قَالَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ الذِّكْرَ خَيْرُ مَوْضُوعٍ وَالِاسْتِكْثَارَ مِنْهُ حَسَنٌ، عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ هَذَا الَّذِي زَادَهُ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُهُ فِي دُعَاءِ اسْتِفْتَاحِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ: " «لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» "، انْتَهَى.
وَالْجَوَابَانِ مُتَقَارِبَانِ.
وَفِي مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: كَانَ عُمَرُ يُهِلُّ بِإِهْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ وَيَقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ إِلَى آخِرِ مَا زَادَهُ هُنَا.
قَالَ الْحَافِظُ: فَعُرِفَ أَنَّهُ اقْتَدَى بِأَبِيهِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: كَانَتْ تَلْبِيَةُ عُمَرَ فَذَكَرَ مِثْلَ الْمَرْفُوعِ، وَزَادَ: لَبَّيْكَ مَرْغُوبًا وَمَرْهُوبًا إِلَيْكَ ذَا النَّعْمَاءِ وَالْفَضْلِ الْحَسَنِ انْتَهَى.
وَقَدِ اسْتَحَبَّ الْعُلَمَاءُ الِاقْتِصَارَ عَلَى تَلْبِيَةِ الرَّسُولِ وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا وَكَرَاهَتِهَا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَهُمُ التَّلْبِيَةَ كَمَا فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ ثُمَّ فَعَلَهَا هُوَ، وَلَمْ يَقُلْ: لَبُّوا بِمَا شِئْتُمْ مِمَّا هُوَ مِنْ جِنْسِ هَذَا، بَلْ عَلَّمَهُمْ كَمَا عَلَّمَهُمُ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَدَّى فِي ذَلِكَ شَيْئًا مِمَّا عَلِمَهُ.
وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ ذَا الْمَعَارِجِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَذُو الْمَعَارِجِ وَمَا هَكَذَا كُنَّا نُلَبِّي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: يَجُوزُ بِلَا كَرَاهَةٍ لِفِعْلِ عُمَرَ وَابْنِهِ.
وَفِي النَّسَائِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُلَبِّي بِغَيْرِهَا وَلَهُ وَلِابْنِ مَاجَهْ وَابْنِ حِبَّانَ وَالْحَاكِمِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ» ".
وَلِلْحَاكِمِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ فَلَمَّا قَالَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، قَالَ: إِنَّمَا الْخَيْرُ خَيْرُ الْآخِرَةِ» "، وِلِلدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْعِلَلِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: " «لَبَّيْكَ حَجًّا حَقًّا تَعَبُّدًا وَرِقًّا» "، وَفِي مُسْلِمٍ فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ عَنْ جَابِرٍ «حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ» إِلَى آخِرِهِ.
قَالَ: وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ فَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ وَلَزِمَ تَلْبِيَتَهُ.
وَفِي أَبِي دَاوُدَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ التَّلْبِيَةَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: وَالنَّاسُ يَزِيدُونَ ذَا الْمَعَارِجِ وَنَحْوَهُ مِنَ الْكَلَامِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْمَعُ فَلَا يَقُولُ لَهُمْ شَيْئًا» ، وَفِي ابْنِ مَاجَهْ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ.
وَأَجَابَ مَنْ قَالَ بِالْكَرَاهَةِ بِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى تَلْبِيَةِ الرَّسُولِ أَفْضَلُ لِمُدَاوَمَتِهِ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا، وَأَمَّا عَدَمُ نَهْيِهِمْ عَنِ الزِّيَادَةِ فَلِئَلَّا يُتَوَهَّمَ الْمَنْعُ، كَمَا أَنَّ زِيَادَتَهُ هُوَ مَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ التَّلْبِيَةِ وَهُوَ إِجْمَاعٌ، وَأَوْجَبَهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَيَجْزِي عِنْدَهُ مَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ تَسْبِيحٍ وَتَهْلِيلٍ وَسَائِرِ الْأَذْكَارِ كَمَا قَالَهُ هُوَ أَنَّ التَّسْبِيحَ وَغَيْرَهُ يَقُومُ فِي الْإِحْرَامِ بِالصَّلَاةِ مَقَامَ التَّكْبِيرِ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: سُنَّةٌ ثُمَّ اخْتَلَفَا، فَأَوْجَبُ مَالِكٌ فِي تَرْكِهَا الدَّمَ وَلَمْ يُوجِبْهُ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ بِوُجُوبِهَا ابْنُ حَبِيبٍ وَالْبَاجِيُّ، وَقَالَ: قَوْلُ أَصْحَابِنَا سُنَّةٌ مَعْنَاهُ عِنْدِي أَنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْحَجِّ وَإِلَّا فَهِيَ
وَاجِبَةٌ بِدَلِيلِ أَنَّ فِي تَرْكِهَا الدَّمَ فَهِيَ وَاجِبَةٌ غَيْرُ شَرْطٍ فَهُوَ فَرْقُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهَا عِنْدَهُ وَاجِبَةٌ شَرْطًا، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَتَعَيَّنُ عِنْدَهُ لَفْظُهَا بَلْ يَكْفِي مَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ ذِكْرٍ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، إِلَّا أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَذْكُرْ زِيَادَةَ ابْنِ عُمَرَ، وَتَابَعَ مَالِكًا اللَّيْثُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ بِهِ.