الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > تفسير سورة الحجرات
تفسيرُ سورةِ الحجرات كاملةً من التفسير البسيط (الواحدي) (أبو الحسن الواحدي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 51 دقيقة قراءة﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ الآية، قَدَّم هاهنا: بمعنى: تقدم وهو لازم لا يقتضي مفعولاً، يدل عليه قراءة الضحاك ويعقوب: (لا تَقَدَّموا) بفتح التاء والدال من المتقدم ومعناهما واحد (١) قال الفراء: يقال قَدَمت في أمر كذا، وكذا وتقدَّمت (٢) وقال الأزهري: يقال قَدَّم يُقدِّم، وتَقدّم يَتقدّم، وأقدم يُقْدِمُ، واستَقدم يستقدم بمعنى واحد (٣) وقال أبو [عبيد] (٤) (٥) إذا حَوّل الظِّل العَشِي رأيتَه ...
حَنِيفاً وفي قَرْنِ الضُّحَى يَتَنصَّرُ (٦) واختلفوا في سبب نزول هذه الآية، قال الكلبي والسدي والمقاتلان وعطاء الخراساني: نزلت [..] (٧) (٨) - وقال: "بئسما صنعتما هما رجلان من بني سليم (٩) (١٠) (١١) وقال ابن الزبير: قدم المدينة ركب من بني تميم (١٢) -[..]، (١٣) (١٤) (١٥) وقال جابر بن عبد الله: نزلت في النهي عن الذبح يوم الأضحى قبل الصلاة، وذلك أن ناساً من المسلمين ذبحوا قبل صلاة النبي - - فأمرهم أن ييدوا الذبح.
وهو قول الحسن (١٦) (١٧) وروى مسروق عن عائشة ا أنها نزلت في النهي عن صوم يوم الشك، قالت: لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم (١٨) وأما التفسير: فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة (١٩) (٢٠) وقال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله بشيء حتى يقضيه الله على لسانه (٢١) (٢٢) وقال الكلبي: لا تسبقوا رسول الله - - بقول ولا فعل حتى يكون هو الذي يأمركم (٢٣) وهذه عبارات المفسرين ومعناها واحد.
(١) انظر كتاب: "التذكرة في القراءات" 2/ 689، "الدر المصون" 6/ 168.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 69.
(٣) انظر: "تهذيب اللغة" (قدم) 9/ 49.
(٤) كذا في الأصل والصواب (عبيدة).
(٥) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 219 (٦) انظر: "ديوان ذي الرمة" ص 229، وانظر: "تهذيب اللغة" (ولى) 15/ 452، قال الأزهري: أراد تحول الظل بالعشي.
(٧) كذا في الأصل وقد سقط حرف (في).
(٨) بئر معونة: قال ابن إسحاق: (بئر معونة بين أرض بني عامر وحرة بني سليم، وقال: كلا البلدين منها قريب إلا أنها إلى حرة بني سليم أقرب، وقيل: بثر معونة بين جبال يقال لها: أبْلَى في طريق المصعد من المدينة إلى مكة وهي لبني سليم)، وقال الواقدي: (بئر معونة في اْرض بني سليم وأرض بني كلاب، وعندها كانت قصة الرجيع) والله أعلم، انظر: "معجم البلدان" 1/ 302.
(٩) بنو سليم: بضم السين- قبيلة عظيمة من قيس عيلان والنسبة إليهم سلمى، وهم بنو سليم بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس، قال الحمداني: وهم أكثر قبائل قيس، وكان لسليم من الولد بهتة ومنه جميع أولاده، قال في العبر: وكانت منازلهم في عالية نجد بالقرب من خيبر، قال: وليس لهم الآن عدد ولا بقية في بلادهم.
انظر: "نهاية الأرب" ص 271.
(١٠) أورد ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 157 أونسبه للسدي وعطاء الخراساني، وانظر: "تفسير مقاتل" 4/ 87، "تفسير الماوردي" 5/ 326 ونسبه للضحاك عن ابن عباس، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 301، "تفسير الألوسي" 26/ 133.
(١١) ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 157 ب.
(١٢) بنو تميم: بطن من طابخة وطابخة من العدنانية وهم بنو تميم بن مر بن أد بن طابخة، والتميم في اللغة الشديد، وكان لتميم من الولد زيد مناة وعمرو بن الحارث، قال في العبر: وكانت منازلهم بأرض نجد من هنالك على البصرة واليمامة وامتدت إلى الغري من أرض الكوفة.
انظر: "نهاية الأرب" ص 177.
(١٣) سقط من الأصل قوله: (فقال: أبو بكر أمر القعقاع بن معبد وقال عمر أمر الأقرع ابن حابس).
(١٤) أخرجه عن عبد الله بن الزبير البخاري في التفسير، باب إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون 6/ 47، والطبري 13/ 119، وأخرجه الثعلبي 10/ 157 أ، والمؤلف في "أسباب النزول" ص 406، والبغوي 7/ 334.
(١٥) وهي التي سبقت الإشارة إليها في قصة بئر معونة وقتل الرجلين.
(١٦) أخرج ذلك الثعلبي 10/ 156 ب عن جابر بن عبد الله، وأشار أيضًا أنه اختيار الحسن البصري، ونسبه في "الوسيط" 4/ 150 لجابر، ونسبه الطبري 13/ 117، والماوردي 5/ 325، وابن الجوزي 7/ 454، والقرطبي 16/ 301 للحسن.
(١٧) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 31.
(١٨) أخرج ذلك الثعلبي 10/ 156 ب عن عائشة، ونسبه إليها البغوي 7/ 334، وابن الجوزي 7/ 455، وعزاه السيوطي في "الدر" 7/ 547 إلى الطبراني في الأوسط وابن مردويه، ونسبه في "الوسيط" 4/ 150 لمسروق عن عائشة.
(١٩) أخرج ذلك الطبري 13/ 116 عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ونسبه الثعلبي في "تفسيره" 10/ 156 ب لابن عباس عن علي بن أبي طلحة.
(٢٠) أخرج ذلك الطبري 13/ 116 عن ابن عباس، ونسبه الماوردي 5/ 352 لابن عباس، ونسبه ابن الجوزي 7/ 455 للعوفي، وذكره السيوطي في "الدر" 7/ 546.
ونسبه للطبري وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس.
(٢١) انظر: "تفسير مجاهد" ص 610، وأخرجه الطبري 13/ 116، ونسبه الثعلبي 10/ 157 أ، ونسبه البغوي 7/ 334، والقرطبي 16/ 301 لمجاهد.
(٢٢) نسب هذا القول للضحاك، الثعلبي 10/ 157/ أ، والبغوي 7/ 334.
(٢٣) نسب الثعلبي 10/ 157 أهذا القول للكلبي، "تنوير المقباس" ص 515.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﴾ قال ابن عباس: في رواية عطاء والكلبي والمقاتلان: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، كان إذا تكلم عند النبي - - رفع صوته فربما كان ينادي رسول الله - - بصوته (١) قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ﴾ قال مقاتل: يقول: لا تدعوه باسمه يا محمد بن عبد الله، كما يدعو الرجل منكم غيره باسمه: يا فلان ويا فلان، ولكن عظّموه وقولوا: يا رسول الله، يؤدبهم (٢) وقال مجاهد: لا تنادوه ولا تقولوا: يا محمد، ولكن قولوا: قولاً ليناً: يا رسول الله (٣) وقال أبو إسحاق: أمرهم الله عز وجل بتبجيل نبيه وأن يغضوا أصواتهم ويخاطبوه بالسكينة والوقار، وأن يفضلوه في المخاطبة قال: ومعنى (كجهر بعضكم لبعض) أي: لا تنزلوه بمنزلة بعضكم من بعض فتقولوا: يا محمد، خاطبوه بالنبوة والسكينة والإعظام (٤) قوله تعالى: ﴿ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ ﴾ قال ابن قتيبة: لئلا تحبط (٥) (٦) قال مقاتل: يعني أن تبطل حسناتكم وأنتم لا تشعرون (٧) قال أبو إسحاق: هذا إعلام أن النبي - - يجب أن يجل ويعظم غاية الإجلال والإعظام، وأنه قد يفعل الشيء مما لا يشعر به في أمر النبي - - فيكون ذلك مهلكاً لفاعله أو قائله، ولذلك قال بعض الفقهاء: من قال: إن زِرَّ رسول الله - - وسخ، يريد به النقص وجب قتله، هذا مذهب مالك وأصحابه، انتهى كلامه (٨) قال المفسرون: فلما نزلت هذه الآية انطلق ثابت مهموماً حزيناً فمكث في بيته أياماً مخافة أن يكون قد حبط عمله، وكان سعد بن عبادة جاره فانطلق سعد حتى أتى النبي - - فأخبره بقول ثابت أنه قد حبط عمله وأنه في النار فقال: "اذهبْ فأخبره أنه ليس مِنْ أهل النار وأنه من أهلِ الجنة" (٩) - فكان بعد ذلك إذا كان عند النبي - - خفض صوته فلا يسمع من يليه فنزلت فيه.
(١) أخرج البخاري عن أنس بن مالك قصة فقد الرسول - - لثابت بن قيس وسؤاله عنه وذكر قيس سبب تخلفه وهي هذه الآية، انظر: "صحيح البخاري"، كتاب: التفسير 46/ 6، وأخرجه مسلم في الإيمان باب مخافة المؤمن أن يحبط عمله 1/ 110، والطبري 13/ 118 عن أنس، وذكر الثعلبي أنها نزلت في قيس بن شماس ولم ينسبه 10/ 158 أ، وأخرجه البغوي 7/ 335 عن أنس، ونسبه في "الوسيط" 4/ 150 لأنس، وانظر: "تفسير مقاتل" 4/ 89.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 90.
(٣) أخرج ذلك الطبري 13/ 118 عن مجاهد، وذكر الماوردي هذا المعنى ولم ينسبه، انظر: "تفسيره" 5/ 326 - 327، وانظر: "تفسير مجاهد" ص 610.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 32.
(٥) انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 415.
(٦) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 695، ونص عبارته (أي مخافة أن تحبط أعمالكم، وقد يقال: (اسْمُك الحائط أن يميل).
(٧) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 90.
(٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 32.
(٩) أخرج ذلك البخاري عن أنس بن مالك.
انظر: "صحح البخاري" -كتاب التفسير- سورة الحجرات 6/ 46.
وأخرجه الطبري 13/ 119 عن عكرمة، وأورده الثعلي في "تفسيره" 10/ 158 أ - ب، وذكره القرطبي في "الجامع" 16/ 305.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﴾ وقال عطاء عن ابن عباس: لما نزل قوله: ﴿ لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ ﴾ تألَّى أبو بكر ألا يكلم رسول الله - - إلا كأخي السرار، فأنزل الله تعالى في أبي بكر: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ ﴾ (١) (٢) وقال ابن الزبير: ما حدث عمر النبي - - بعد قوله: ﴿ لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ ﴾ فسمع النبي - - كلامه حتى يستفهمه بما يخفض صوته فأنزل الله فيه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ ﴾ (٣) والغض: النقص من كل شيء، ومنه غض البصر وغض الصوت (٤) ﴿ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ ﴾ ، قال مقاتل: يخفضون كلامهم عند رسول الله (٥) (٦) قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى ﴾ قال مقاتل ومجاهد وقتادة: أخلص الله قلوبهم (٧) (٨) قال عطاء عن ابن عباس: يريد طهَّر قلوبهم من كل قبيح، وجعل التقوى في قلوبهم والخوف من الله (٩) (١٠) (١١) وقال أبو سعيد الضرير: محنت الأديم محنًا إذا مددته حتى توسعه، قال: ومعنى قوله: ﴿ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى ﴾ شرح الله قلوبهم، كان معناه وسَّع الله قلوبهم للتقوى (١٢) - إذ امتحن الله قلبي للتقوى، وجعل لي مغفرة وأجراً عظيمًا (١٣) (١) ذكر ذلك الهيثمي في "مجمع الزوائد" وقال رواه البزار وفيه حصين بن عمر الأحمسي وهو متروك، وقد وثقه العجلي، وبقية رجاله رجال الصحيح، انظر: "مجمع الزوائد" 7/ 108، وذكره الماوردي 5/ 326، البغوي 4/ 336، والقرطبي 16/ 308، وذكره في "الوسيط" 4/ 151.
(٢) أخرج ذلك الثعلبي 10/ 159 أعن أبي هريرة وأخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
انظر: "المستدرك" -كتاب التفسير- سورة الحجرات 2/ 462، وذكره البغوي في "تفسيره" 7/ 336.
(٣) أخرج ذلك البخاري في "تفسيره".
انظر: "صحيح البخاري" كتاب: التفسير 6/ 46، وذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" عن ابن الزبير 10/ 159 أ، البغوي في "تفسيره" 7/ 337، وذكره القرطبي في "الجامع" 16/ 308، ولا مانع من نزول الآية في جميع من ذكر لما اتحد فعلهم.
(٤) انظر: "تهذيب اللغة" (غض) 16/ 36، "اللسان" (غضض) 7/ 197.
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 90.
(٦) انظر: "تفسير الوسيط" 4/ 151.
(٧) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 90، "تفسير الطبري" 13/ 120، و"الوسيط" 4/ 151.
(٨) انظر: "تهذيب اللغة" (محن) 5/ 121، "اللسان" (عن) 13/ 401.
(٩) انظر: ذلك القرطبي في "الجامع" 16/ 308 عن ابن عباس.
(١٠) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 70.
(١١) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 219.
(١٢) انظر: "تهذيب اللغة" (عن) 5/ 121 - 122، "اللسان" (عن) 13/ 401.
(١٣) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 90 - 91.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ أكثر المفسرين على أن الآية نزلت في قوم حفاة أجلاف من بني تميم قدموا على النبي - - لفداء ذرارٍ لهم سبيت، وكان النبي - - قد نام للقائلة، فجحلوا ينادونه: يا محمد اخرج إلينا، ولم يعلموا في أي حجرة هو من حجر نسائه، فكانوا يطوفون على الحجر وينادونه: يا محمد اخرج إلينا، وهذا قول جابر (١) (٢) (٣) (٤) (٥) وروي لنا مرفوعاً أن النبي - - سئل عن قوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ ﴾ الآية قال: "هم الجفاة من بني تميم" (٦) وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ﴾ .
قال الفراء: وأصل الحجر المنع، وكل ما منعت من أن توصل إليه فقد حجرت عليه، وكذلك الحجرة التي ينزلها الناس هو ما حوطوا عليه (٧) (٨) وقوله: ﴿ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ وصفهم الله بالجهل، وقلة العقل ونَعَى عليهم قلة صبرهم فقال: (١) أخرجه الثعلبي عن جابر.
انظر 10/ 159 ب، وذكره البغوي 7/ 338، كما أخرجه المؤلف في "أسباب النزول" ص 409، وذكره ابن حجر في "الكافي الشاف" ص 156، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 458.
(٢) أورد ذلك البغوي 7/ 337 ونسبه لابن عباس، وكذلك ابن حجر في "الكاف الشاف" ص 156، وابن الجوزي 7/ 459.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 91.
(٤) "تفسير مجاهد" ص 610، وأخرجه الطبري 13/ 122، وذكره القرطبي 16/ 309.
(٥) انظر: "تنوير المقباس" ص 515.
(٦) أخرج ذلك الطبري 13/ 122 عن مجاهد ونسه القرطبي 16/ 309 لمجاهد.
(٧) هذا النص لم أقف عليه في "معاني القرآن" للفراء وهو في "تهذيب اللغة" منسوبًا == لأبي إسحاق.
انظر: "تهذيب اللغة" (حجر) 4/ 132.
(٨) كذا في الأصل، وعند أبي عبيدة (عبَّا كفيا لدارهم).
انظر: "مجاز القرآن" 2/ 219، وعند الطبري 13/ 121 (عباد كفيئا لدارم).
وكذا أيضًا عند المبرد في "الكامل" 1/ 64 ولم أقف عليه عند الفرزدق.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ وذلك أن رسول الله - - فاداهم نصف ذراريهم، وأعتق نصفهم، يقول الله: ولو صبروا كنت تعتق كلهم.
قال مقاتل: يعني بالخير أنهم لو صبروا لخلى سبيلهم بغير فداء (١) (٢) قوله: ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ قال ابن عباس: يريد لمن تاب منهم (٣) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 92.
(٢) ذكر ذلك الثعلبي 10/ 162 أ، وذكره السمرقندي 3/ 262، الماوردي 5/ 328، والقرطبي 16/ 311.
(٣) ذكر هذا المعنى في "الوسيط" 4/ 152 ولم ينسبه.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ ﴾ قال ابن عباس وقتادة ومجاهد (١) (٢) - مصدقاً إلى بني المصطلق (٣) - وقال: إنهم قد منعوا الصدقة وارتدوا، فبعث إليهم رسول الله - - خالد بن الوليد، فلما دنا خالد منهم بعث عيوناً ليلاً فإذا هم ينادون ويصلون، فأتاهم خالد فلم ير منهم إلا طاعة وخيراً، فرجع إلى النبي - - فأخبره ونزلت الآية.
وذكرنا القراءة في قوله: ﴿ فَتَبَيَّنُوا ﴾ في سورة النساء (٤) قوله: ﴿ أَنْ تُصِيبُوا ﴾ يعني: لئلا تصيبوا، وكراهة أن تصيبوا (٥) وقوله: ﴿ بِجَهَالَةٍ ﴾ أي: بجهالة بحالهم، وما هم عليه من الإسلام والطاعة.
﴿ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ قال مقاتل: يعني الذين انتدبوا لقتال بني المصطلق (٦) (١) أخرج ذلك الطبري 13/ 124 عن ابن عباس وقتادة ومجاهد.
وأخرجه الإمام أحمد عن الحرث بن ضرار الخزاعي.
انظر: "مسند أحمد" 4/ 279، وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" وعزاه للإمام أحمد.
وقال: رجال أحمد ثقات 7/ 109، وأخرجه عبد الرزاق عن قتادة.
انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 231، وقال الحافظ ابن حجر في "الكاف الشاف" ص 156: رواه ابن إسحاق والطبراني من حديث أم سلمة وفيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 92.
(٣) بنو المصطلق: حي من خزاعة، حاربهم رسول الله - - في غزوة المريسيع في شعبان سنة ست من الهجرة.
انظر: "سيرة ابن هشام" 3/ 333، "البداية والنهاية" 4/ 156.
(٤) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر: ﴿ فَتَبَيَّنُوا ﴾ بالنون، وكذلك في الحجرات: 6، وقرأ حمزة والكسائي: (فتثبتوا) بالتاء وكذلك في الحجرات، انظر: "الحجة" لأبي علي 3/ 173، "تفسير الطبري" 13/ 123.
(٥) انظر: "البحر المحيط" 8/ 109.
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 93.
<div class="verse-tafsir"
ثم وعظهم فقال: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ ومعناه: اتقوا أن تكذبوه أو تقولوا باطلاً، فإن الله يخبره فتفتضحوا، يعني: أنهم إذا لم يراعوا هذا كانوا كأنهم لم يعلموا أن رسول الله بين أظهرهم؛ لأنهم لم يعملوا على موجب ما علموا، فقال لهم: اعلموا ذلك علماً تعملون به فتتقوا الكذب.
ثم قال: ﴿ لَوْ يُطِيعُكُمْ ﴾ أي: رسول الله ﴿ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ ﴾ أي: مما تخبرونه فيه بالباطل (لعنتم) لوقعتم في عنت، وهو الإثم والهلاك.
قال مقاتل: لأنهم (١) - ولا يخبرونه بالباطل فقال: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ ﴾ جعله أحبَّ الأديان إليكم حتى أحببتموه ﴿ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ حتى اخترتموه ﴿ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ ﴾ جعل الكفر تكرهونه وتجتنبونه (والفسوق) قال ابن عباس: يريد الكذب (٢) ثم عاد إلى الخبر فقال: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني المهتدين في محاسن أمورهم (٣) ﴿ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ ﴾ الآية [الروم: 39].
ثم بين أن جميع ذلك بفضل من الله فقال: ﴿ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ﴾ قال أبو إسحاق: (فضلاً) منصوب مفعول له، المعنى: فعل الله بكم ذلك فضلاً أي للفضل والنعمة (٤) قال ابن عباس: يريد تفضلاً مني عليهم، ورحمة مني لهم (٥) ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ بما في قلوبهم (حكيم) فيهم بعلمه.
وقال مقاتل: عليم بخلقه حكيم في أمره (٦) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 93، ونصها: (لأثمتم في دينكم).
(٢) ذكر ذلك البغوي 7/ 339 ونسبه لابن عباس 7/ 339، ونسبه الماوردي 5/ 329 لابن زيد 5/ 329، ونسبه القرطبي 16/ 314 لابن عباس وابن زيد، ونسبه في "الوسيط" 4/ 153 لابن عباس.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 93، وذكر هذا المعنى في "الوسيط" 4/ 153 ولم (٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 35.
(٥) ذكر ذلك في "الوسيط" منسوبًا لابن عباس، انظر 4/ 153.
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 93.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ﴾ قال المفسرون: نزلت في حَيَّيْن من الأنصار كان بينهما قتال بالنعال والأيدي.
قال أبو مالك: اقتتل رجلان فاقتتل حياهما، فاقتتلوا بالنعال والعصي، فأنزل الله ما قد سمعتم (١) (٢) (٣) (٤) ﴿ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ﴾ أي: بالدعاء إلى حكم كتاب الله، والرضاء بما فيه لهما وعليهما.
وقوله: ﴿ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ﴾ أي: طلبت ما ليس لها، ولم ترجع إلى الصلح والرضا بحكم الله الذي حكم في كتابه.
قال أبو إسحاق: والباغية: التي تعدل عن الحق وما عليه أئمة المسلمين وجماعتهم (٥) قوله تعالى: ﴿ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ﴾ قال ابن عباس: ترجع إلى طاعة الله (٦) وقال مقاتل: ترجع إلى الصلح الذي أمر الله به (٧) قال أصحابنا: ودلت عليه هذه الآية، على أنه يجحب أن يقاتل المارق الباغي المشاقّ لما عليه الأمة (٨) (٩) - في أهل البغي (١٠) (١١) قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ فَاءَتْ ﴾ أي: رجعت الباغية إلى طاعة الله ﴿ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ ﴾ قال ابن عباس: بالديات التي فرضها الله، يعني: أنهم يدون الجرحى والقتلى، وذلك هو الإصلاح بين الفريقين، يؤخذ للعادل من الباغي دية الجراحة والقتل وغرم ما أتلف من المال (١٢) ﴿ وَأَقْسِطُوا ﴾ واعدلوا في الإصلاح بينهما وفي كل حكم ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ وذكرنا معنى الإقساط في أول سورة النساء [آية: 5].
ونزل في هذا أيضًا قوله: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ قال أبو إسحاق: أعلم الله -عز وجل- أن الدين يجمعهم وأنهم إخوة إذا كانوا متفقين في دينهم، فرجعوا بالاتفاق في الدين إلى أجل النسب لأنهم لآدم وحواء، فإن اختلفت أديانهم افترقوا في النسب وإن كانوا لأب ولأم، ألا ترى أنه لا يرث الولد المؤمن الأب الكافر، ولا الحميم المؤمن نسيبه الكافر (١٣) وقوله: ﴿ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ يعني: بين كل مسلمين تخاصما وتقاتلا.
وقال الكلبي ومقاتل (١٤) (١٥) وقال أبو علي الفارسي: اقتتلا بسبب عبد الله بن أبي، وعبد الله بن رواحة (١٦) (١٧) (١٨) وقال أبو علي الفارسي: يراد بالأخرين الطائفتان ونحوهما مما يكون كثرة، وإن كان اللفظ لفظ التثنية يرد والمراد به الكثرة والعموم (١٩) ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ .
وقال أبو عبيدة في قوله: (بين أخويكم): معنى الآيتين يأتي على الجميع إنما تأويله: على كل أخوين (٢٠) وفي قوله: ﴿ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ دليل على أن صفة البغي لا تزيل اسم الإيمان؛ لأن الله تعالى أثبت الأخوة بين المؤمنين بقوله: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ ثم سَمَّى الباغي والعادل أخوين فقال: ﴿ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ وجعلهما أخوين للمؤمنين، فالباغي أخو المؤمنين كما أن العادل أخوهم، ونحو هذا قال علي بن أبي طالب - - فيهم لما سأله الحارث (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (١) أخرجه الطبري 13/ 128 عن أبي مالك، وعزاه السيوطي في "الدر" 7/ 560 لسعيد ابن منصور وابن جرير وابن المنذر عن أبي مالك.
(٢) أخرجه الطبري عن الحسن، انظر: "تفسير الحسن" 2/ 296.
(٣) أخرجه الطبري 13/ 129 عن قتادة، ونسبه الماوردي 5/ 330، والبغوي 7/ 340، وابن الجوزي 7/ 463 لقتادة.
(٤) أخرجه الطبري 13/ 128 عن السدي، ونسبه الثعلبى 10/ 164 أ، والماوردي 5/ 330، والبغوي 7/ 340 للسدي.
(٥) انظر: "معاني الزجاج" 5/ 35.
(٦) لم أقف عليه.
(٧) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 94.
(٨) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 128، "تفسير البغوي" 7/ 342، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 317.
(٩) انظر: "تفسير البغوي" 7/ 342.
(١٠) أخرجه الحاكم عن أبي أمامة وقال: هذا صحيح الإسناد في هذا الباب، ووافقه الذهبي، انظر: "المستدرك" كتاب: قتال أهل البغي 2/ 155، وأخرجه البيهقي موقوفًا على علي، انظر: "سنن البيهقي" كتاب: قتال أهل البغي، باب أهل البغي إذا فاءوا لم يتبع مدبرهم ولم يقتل أسيرهم ولم يجهز على جريحهم ولم يستمتع بشيء من أموالهم 8/ 181.
وانظر: "التلخيص الحبير" لابن حجر 4/ 43.
(١١) انظر: "أحكام القرآن" للشافعي 1/ 292، "إرواء الغليل" للألباني 8/ 116، والقود: قتل القاتل بالقتيل، تقول: أقدْتُه واستقدتُ الحاكِم، وإذا أتى الإنسان إلى آخر أمرًا فالقم منه مثلها، قيل: استقادها منه.
انظر: "تهذيب اللغة" (قاد) 9/ 248.
(١٢) انظر: "أحكام القرآن" للشافعي 1/ 293، وكتاب: الأم، حكم أهل البغي في الأموال وغيرها 4/ 220.
(١٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 36.
(١٤) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 94، وذكر ذلك الماوردي 5/ 330، ونسبه لمقاتل والكلبي والفراء، انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 71.
(١٥) الأوس: بطن من مزيقيا من القحطانية وهم بنو الأوس بن حارثة بن تغلب بن مزيقيا وهم أحد قبيلتي الأنصار، وكان لهم ملك يثرب نزلوها عند خروجهم من اليمن وجاء الإسلام وهم بها، فكانوا أنصارًا للنبي - - انظر: "نهاية الأرب" للقلقشندي ص 65.
الخزرج: بطن من مزيقيا من الأزد غلب عليهم اسم أبيهم فقيل لهم الخزرج، وهم المراد عند الإطلاق لهذا الاسم وهم إحدى قبيلتي الأنصار أخوة الأوس ويقال لكليهما بنو قيلة.
انظر: "نهاية الأرب" ص 60، "جمهرة أنساب العرب" ص 362، "معجم قبائل العرب" 1/ 342.
(١٦) هو: عبد الله بن رواحة بن ثعلبة الأنصاري من الخزرج أبو محمد يعد من الأمراء والشعراء الراجزين، شهد العقبة مع السبعين من الأنصار، وكان أحد النقباء الاثني عر واستخلفه النبي - - في إحدى غزواته على المدينة، وكان أحد الأمراء في وقعة مؤتة فاستشهد فيها.
انظر: "حلية الأولياء" 1/ 118، "الاستيعاب" 2/ 293 ، "الإصابة" 2/ 306.
(١٧) لم أقف عليه.
(١٨) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 94.
(١٩) انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 209.
(٢٠) لم أقف عليه عند أبي عبيدة، وقد نسبه القرطبي 16/ 323 لأبي عبيدة.
(٢١) هو: الحارث بن عبد الله الأعور الهَمْداني الخارِفِي أبو زهير الكوفي، ويقال: الحارث بن عبيد، ويقال: الحوتي، وحوت بطن من همدان، روى عن علي وابن مسعود وزيد بن ثابت وروى عنه الشعبي وأبو إسحاق السبيعي وأبو البختري الطائي وغيرهم، وهو ضعيف في الحديث، توفي عام 65 هـ انظر: "ميزان الاعتدال" 1/ 435، "تهذيب التهذيب" 2/ 145.
(٢٢) صفين: بكسرتين وتشديد الفاء: هو موضع بقرب الرقة على شاطىء الفرات من الجانب الغربي بين الرقة وبالس وكانت وقعة صفين بين علي - - ومعاوية - - في سنة 37 هـ، في غرة صفر.
انظر: "معجم البلدان" 3/ 414.
(٢٣) قال الفراء: فَرّ فلان يَفِر فِرارًا إذا هَرَب، انظر "تهذيب اللغة" (فر) 15/ 172، وفي الحديث عنه - - قال لِعديّ بن حاتم: "ما يُفِرُّك إلا أن يقال لا إله إلا الله" أفْرَرْتُه أفِرَّه: فَعَلْتُ به ما يَفِر منه ويَهْرُب: أي: ما يحملك على الفرار إلا التوحيد.
انظر: "النهاية في غريب الحديث" 3/ 427.
(٢٤) ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" عن الحارث عن علي، انظر 10/ 164 أ، ب.
وأيضًا ذكره البغوي في "تفسيره" 7/ 341، والقرطبي في "الجامع" 16/ 323.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ ﴾ الآية، قال مقاتل: يقول: لا يستهزئ الرجل من أخيه فيقول: إنك رديء المعيشة، لئيم الحسب، وأشباه ذلك بما يتنقصه به، ولعله خير منه عند الله (١) ﴿ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ ﴾ ونحو هذا قال مجاهد (٢) (٣) (٤) وما أَدْرِي وسَوْفَ إِخالُ أدْرِي ...
أقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أم نِساءُ (٥) وعلى هذا تدل الآية لأن الله تعالى فصل بينهما فذكر الرجال بلفظ القوم، ثم ذكر النساء فقال: ﴿ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ ﴾ .
قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ يعني اللمز في اللغة: العيب (٦) ﴿ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ ﴾ ، قال ابن عباس والمفسرون كلهم: لا يطعن بعضكم على بعض (٧) ﴿ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ ، ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ ، وقد مر.
قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ﴾ التنابز: تفاعل من النبز، وهو المصدر والنبز الاسم، وهو كاللقب.
قال المبرد: ويقال: لبني فلان نبز يعرفون به إذا كان لقباً متابعاً (٨) (٩) قال عكرمة والحسن ومجاهد وقتادة: وهو أن يقول المسلم لأخيه المسلم يا فاسق يا منافق (١٠) وقال المقاتلان: لا تدعوا مسلماً بغير اسم أهل دينه، وهو أن تقول: يا يهودي يا نصراني، تدعوه بالدين الذي كان عليه في الشرك، نهاهم الله أن يتنابزوا بذلك (١١) وروي عن طلحة بن عمرو أنه قال: قلت لعطاء: يا أبا محمد ﴿ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ﴾ ما هذا الذي نهى عنه؟
قال: كل شيء أخرجت به أخاك من الإسلام، يا كلب يا حمار يا خنزير ونحو هذا (١٢) (١٣) وقال الشعبي: قال أبو جبيرة (١٤) - المدينة [وليس له رجل (١٥) - يدعو الرجل فيقول: يا فلان، فيقال: يا رسول الله إنه يغضب من هذا الاسم، قال: ففينا أنزل الله: ﴿ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ﴾ (١٦) (١٧) ﴿ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ﴾ قال أبو إسحاق: أي: بئس الاسم أن يقول له: يا يهودي يا نصراني، وقد آمن (١٨) وقال غيره: معنى هذا: أن من دعا أخاه بلقب يكرهه لزمه اسم الفسق لمخالفة النهي، والله تعالى يقول ﴿ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ﴾ من فعل ما نهى الله عنه من السخرية واللمز والنبز فسق بذلك (١٩) ﴿ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ ﴾ أي: من هذه الأشياء ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد: من لم يتب فهو ظالم (٢٠) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 94.
(٢) أخرجه الطبري 13/ 131 عن مجاهد، وانظر: "تفسير مجاهد" ص 611.
(٣) انظر كتاب: العين (قوم) 5/ 231، "تهذيب اللغة" (قوم) 9/ 356.
(٤) انظر: "تهذيب اللغة" (قوم) 9/ 356، "اللسان" (قوم) 12/ 505.
(٥) انظر: "ديوان زهير" ص 73، و"العين" (قوم) 5/ 231، "تهذيب اللغة" (قام) 9/ 356، "اللسان" (قوم) 12/ 505.
(٦) انظر: "تهذيب اللغة" (لمز) 13/ 220.
(٧) أخرج ذلك الطبري 13/ 132 عن ابن عباس، ونسبه الماوردي 5/ 332 لابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير، وأيضًا نسبه إلى هؤلاء القرطبي 16/ 327.
(٨) لم أقف عليه.
(٩) انظر: كتاب "العين" (لقلب) 5/ 172، "تهذيب اللغة" (لقلب) 9/ 177.
(١٠) أخرج ذلك الطبري 13/ 131 - 132 عن عكرمة ومجاهد وقتادة، ونسبه الثعلبي لقتادة وعكرمة 10/ 166 أ، ونسبه القرطبي 16/ 328 لقتادة ومجاهد والحسن.
(١١) أخرج ذلك الطبري 13/ 132 عن الحسن، وانظر: "تفسير مقاتل" 4/ 95، ونسب القرطبي 16/ 328 هذا القول للحسن ومجاهد.
(١٢) ذكر ذلك البغوي 7/ 344 ونسبه لعطاء، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 7/ 564 لعبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء، ونسبه في "الوسيط" 4/ 155 لعطاء.
(١٣) لم أقف عليه.
(١٤) هو: زيد بن جبيرة بن محمد بن أبي جبيرة بن الضحاك الأنصاري أبو جبيرة المدني، روى عن: أبيه ويحيى بن سعيد الأنصاري وأبي الطوالة، وعنه: سويد بن عبد العزيز ويحيى بن أيوب والليث ونافع بن يزيد، قال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث.
انظر: "ميزان الاعتدال" 2/ 99، "تهذيب التهذيب" 3/ 400.
(١٥) نص العبارة في تفسير الثعلبي: (وما منا رجل إلا له اسمان ...) وهو الأصوب.
انظر: 10/ 166 أ.
(١٦) أخرجه الترمذي عن أبي جبيرة، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، انظر: "سنن الترمذي" كتاب: تفسير القرآن باب (50) ومن سورة الحجرات 5/ 388، وأخرجه أبو يعلى في مسنده 12/ 253، وقال حسين سليم أسد محقق "المسند": إسناده صحيح.
(١٧) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 36.
(١٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 36.
(١٩) ذكر نحو ذلك الطبري في "تفسيره" 13/ 133 - 134، والبغوي في "تفسيره" 7/ 344، والقرطبي في "الجامع" 16/ 328.
(٢٠) انظر: "زاد المسير" 7/ 469 عن ابن عباس: بلفظ: (الضارون لأنفسهم بمعصيتهم).
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ ﴾ وهو أن يظن بأخيه المسلم سوءاً [كأنه] (١) ﴿ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ﴾ يعني: ما أعلن وأبدى مما ظن بأخيه، هذا قول المقاتلين (٢) وقال أبو إسحاق: أمر الله باجتناب كثير من الظن وهو أن يظن بأهل الخير سوءاً، فأما أهل السوء والفسق فلنا أن نظن بهم مثل الذي ظهر منهم (٣) قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَجَسَّسُوا ﴾ قال الليث: الجَسُّ: جَسُّ الخَبَر، والجَاسُوسُ: العينُ يَتَجَسَّسُ الأخبار، والتجسس: البحث (٤) وقال يحيى بن أبي كثير: التجسس البحث عن باطن أمور الناس، وأكثر ما يقال ذلك في الشر (٥) (٦) (٧) (٨) قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ﴾ يقال: اغتاب فلان فلاناً اغتياباً وغيبة يغتابه، قال الأزهري: وروي عن بعضهم أنه سمع: غابه يغيبه، إذا عابه وذكر منه ما يسوؤه مما هو فيه (٩) (١٠) وروي ذلك عن النبي - - قال:"من ذكر رجلاً بما فيه فقد اغتابه، ومن ذكره بما ليس فيه فقد بهته" (١١) قال مقاتل: ثم ضرب للغيبة مثلاً فقال: ﴿ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا ﴾ بقوله، فكما كرهتم أكل لحم الميت، فكذلك فاكرهوا الغيبة لإخوانكم (١٢) وقال أبو إسحاق: تأويله: إن ذِكْرَكَ بسوء من لم يحضرك بمنزلة أكل لحمه وهو ميت لا يحيى بذلك، ويقال للمغتاب: فلان يأكل لحوم الناس (١٣) وهذا استفهام معناه: التقرير، كأنه قيل لهم: لم تحبون أكل لحم أخيكم ميتاً؟
وعطف قوله (فكرهتموه) على معنى لفظ الاستفهام (١٤) ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴾ فقوله: ﴿ وَوَضَعْنَا ﴾ : عطف على معنى: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ ﴾ لا على لفظه، ألا ترى أنه لا يقال: ألم وضعنا، ولكن معنى (ألم نشرح) لا على لفظه ولكن معنى (ألم نشرح) قد شرحنا، فعطف على معناه، كذلك هذه الآية، قاله المبرد (١٥) (١٦) قال صاحب "النظم": التأويل: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً وقد كرهتم ذلك، أي: فاكرهوا الغيبة أيضًا، فإنها مثل أكلكم لحوم أخوانكم (١٧) وقال مجاهد: لما قيل لهم (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً؟)، قالوا: لا، فقيل: فكرهتموه أي: فكما كرهتم هذا فاجتنبوا ذكره بالسوء غائباً (١٨) ﴿ فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾ عطف على المعنى، كأنه لما قيل لهم: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً، قالوا: لا، فقيل لهم لما قالوا لا: فكرهتموه، أي: كرهتم أكل لحمه ميتاً، فكذلك فاكرهوا غيبته (١٩) قوله: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ معطوف على هذا الفعل المقدر، ولا يكون قوله (فكرهتموه) بمعنى فاكرهوه واتقوا الله؛ لأن لفظ الخبر لا يوضع للأمر في كل موضع، ولأن قوله فكرهتموه محمول على المعنى الذي ذكرنا، فمعنى الخبر فيه صحيح (٢٠) قال مقاتل: واتقوا الله في الغيبة ﴿ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ ﴾ علي من تاب ﴿ رَحِيمٌ ﴾ به (٢١) (١) كذا في الأصل، ولعلها: (لأنه).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 96، "تفسير الماوردي" 5/ 334، وقد نسبه لمقاتل بن حيان، ونسبه في "الوسيط" للمقاتلين، انظر 4/ 155.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 36 - 37.
(٤) انظر كتاب: العين (جسس) 6/ 5، "تهذيت اللغة" (جسس) 10/ 448.
(٥) ورد هذا القول في "اللسان" غير منسوب، انظر: "اللسان" (جسس) 6/ 38، وأورد نحوه ابن الجوزي في "زاد المسير" منسوبًا ليحيى بن أبي كثير 7/ 471.
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 96، وذكر هذا المعنى في "الوسيط" 4/ 156 ولم ينسبه.
(٧) أخرج ذلك الطبري 13/ 135 عن ابن عباس.
(٨) أخرج ذلك الطبري عن مجاهد.
(٩) انظر: "تهذيب اللغة" (غيب) 8/ 215.
(١٠) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 135، "الثعلبي" 10/ 168 أ، "الماوردي" 5/ 334، "زاد المسير" 7/ 471، "القرطبى" 16/ 334، "تفسير الوسيط" 4/ 156.
(١١) أخرج ذلك مسلم عن أبي هريرة بلفظ: "أتدرون ما الغيبة؟
" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "ذكرك أخاك بما يكره"، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟
قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته".
انظر: صحيح مسلم كتاب البر والصلة والآداب، باب (20) تحريم الغيبة 3/ 2001، وأخرجه الترمذي عن أبي هريرة، انظر: "سنن الترمذي" كتاب: البر والصلة باب (23) ما == جاء في "الغيبة" 4/ 329، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه أبو داود في سننه في كتاب: الأدب باب (40) في الغيبة 5/ 191، عن أبي هريرة، وأخرجه الطبري 13/ 137 عن أبي هريرة.
(١٢) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 96.
(١٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 37.
(١٤) انظر: "روح المعاني" للألوسي 26/ 158.
(١٥) لم أقف عليه، وقد ذكر قريبًا من هذا النحاس في "إعراب القرآن" 4/ 215.
(١٦) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 73.
(١٧) لم أقف عليه.
(١٨) أخرج نحوه الطبري 13/ 373 عن مجاهد، وانظر: "تفسير مجاهد" ص 612 ، وأورده البغوي 7/ 346 بهذا النص.
(١٩) انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 212.
(٢٠) المصدر السابق.
(٢١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 96.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ﴾ نزلت هذه الآية في الزجر عن التفاخر بالإنساب والتكاثر بالأموال والازدراء بالفقراء، وسبب نزولها على ما ذكره الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أن ثابت بن قيس بن شماس كان في أذنه وقر، وكان إذا أتى رسول الله - - أوسعوا له حتى يجلس إلى جنبه فيسمع ما يقول، فأتى ذات يوم وقد أخذ الناس في مجالسهم فجعل يتخطى رقاب الناس، فقال لرجل: تفسح، فقال: قد أصبت مجلساً فاجلس، فجلس مغضباً، ثم قال للرجل: من أنت؟
قال: أنا فلان، فقال له ثابت: ابن فلانة، وذكر أماً له كان يعير بها في الجاهلية، فنكس الرجل رأسه واستحيا، فقال رسول الله - -: "من الذاكر فلانة" فقام ثابت فقال: أنا يا رسول الله، فقال: "انظر في وجوه الناس" فنظر إليهم، فقال: "ما رأيتَ" قال: رأيتُ أبيض وأسود وأحمر، قال: "فإنك لا تفضلهم إلا في الدين والتقوى" وأنزل الله في ثابت هذه الآية (١) وقال مقاتل: نزلت في بلال المؤذن وفي أربعة نفر من قريش عابوه بسواده يوم فتح مكة، وذلك أن رسول الله - - أمره أن يؤذن على ظهر الكعبة ليذل المشركين بذلك، فلما أذن قالوا: ما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذناً (٢) ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ﴾ يعني: آدم وحواء، والمعنى: أنكم متساوون في النسب، ليس يفضل أحد غيره بنسبه؛ لأن كلكم مخلوق من آدم وحواء، ترجعون بالنسب إليهما، كما قال رسول الله - -: "كلكم بنو آدم وكلكم بنو رجل واحد كطف الصاع" (٣) ثم ذكر الله تعالى أنه إنما فرق أنساب الناس ليتعارفوا لا ليتفاخروا فقال: ﴿ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا ﴾ وهي: جمع الشعب وهو الحي العظيم، والقبائل دون ذلك، وهذا قول أبي عبيدة (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) ونحو هذا ذكر أبو الهيثم فقال: الشعب شعب الرأس، يعني: شأنه الذي يضم قبائله، وفي الرأس أربع قبائل (١٢) قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: الشعوب الجمهور مثل: ربيعة ومضر والقبائل والأفخاذ (١٣) (١٤) وقال مقاتل: الشعوب رؤوس القبائل مضر وربيعة والأزد، وقبائل يعني: الأفخاذ سعد وبنو عامر (١٥) قال الزبير بن بكار (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) وروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد بالشعوب: الموالي، وبالقبائل: العرب (٢٠) (٢١) قوله تعالى: (لتعارفوا) أي: ليعرف بعضكم بعضاً في قرب النسب وبعده، ثم أعلمهم أن أرفعهم عنده منزلة أتقاهم فقال: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ ، وقال مقاتل: يعني: بلالاً (٢٢) - قال: "إن الله -عز وجل- يقول يوم القيامة إني جعلت نسباً فجعلت أكرمكم أتقاكم، وأبيتم إلا أن تقولوا فلان بن فلان، وأنا اليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم، أين المتقون أين المتقون؟
" (٢٣) وقال أهل العلم: هذا في الزجر عن الازدراء بالناس والتحقير لهم لأجل النسب والاستطالة على من يكون حاصل (٢٤) -، أو سبب ثان وهو العلم الموروث عنه - -، وقد نبه على هذا بقوله: "كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي" (٢٥) (١) ذكره الثعلبي 10/ 165 أعن ابن عباس 10/ 165 أ، وأورده الماوردي في "تفسيره" 5/ 333 مختصرًا ونسبه للكلبي والفراء، ونسبه البغوي 7/ 342، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 465 لابن عباس، وذكره المؤلف في "أسباب النزول" بدون سند ص 415.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 96، "الدر المنثور" 7/ 563 وزاد نسبتة لابن أبي حاتم، وذكره البغوي 7/ 343، والقرطبي 16/ 341.
(٣) نص الحديث: "إن الله أذهب نخوة الجاهلية وتكبرها بآبائها كلكم لآدم وحواء، كطف الصالح بالصاع، وإن كرمكم عند الله أتقاكم فمن أتاكم، ترضون دينه وأمانته فزوجوه" انظر: "الدر المنثور" 7/ 579، وأخرج نحوه الطبري 13/ 140 عن عقبة بن عامر، قال أبو عبيد: الطف هو أن يقرب الإناء من الامتلاء من غير أن يمتلئ، يقال: هو طف المكيال وطفافه، إذا كرب أن يملأه، ومنه التطفيف في الكيل إنما هو نقصانه أي لم يملأ إلى شفته إنما هو إلى دون ذلك.
انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد الهروي 1/ 425، و"النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير 3/ 129.
(٤) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 220.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 72.
(٦) انظر (شعب) في: "تهذيب اللغة" 1/ 442، و"الصحاح" 1/ 155، "اللسان" 1/ 497.
(٧) مضر: قبيلة من العدنانية، وهم بنو مضر بن معد بن عدنان، قال في "العبر": وكانت مضر أهل الكثرة والغلب بالحجاز من سائر بني عدنان، وكانت لهم الرياسة بمكة والحرم، انظر: "نهاية الأرب" ص 377.
(٨) ربيعة: حي من مضر من العدنانية، وهم بنو ربيعة بن نزار بن مضر، وتعرف بربيعة الحمرا، قال في العبر: وديارهم ما بين اليمامة والبحرين والعراق، انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص 292، "نهاية الأرب" ص 242.
(٩) بنو بكر: بطن من ربيعة من العدنانية، وهم بنو بكر القحطاية، وهم بنو بكر بن عامر ابن عوف بن عذرة بن زيد اللات.
انظر: "نهاية الأرب" ص 170.
(١٠) انظر: "تهذيب اللغة" (شعب) 1/ 443.
(١١) انظر (شعب) في: "العين" 1/ 262، "تهذيب اللغة" 1/ 442، "اللسان" 1/ 500.
(١٢) انظر: "تهذيب اللغة" (شعب) 1/ 442، "اللسان" (شعب) 16/ 344.
(١٣) أخرجه الطبري 13/ 139 عن سعيد بن جبير، ونسبه القرطبي 16/ 344 لابن عباس.
(١٤) انظر: "تنوير المقباس" ص 517.
(١٥) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 97.
(١٦) هو: الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام ابن خولجد أبو عبد الله الأسدي المديني العلامة، عالم بالأنساب وأخبار العرب، ولد بالمدينة، وولي قضاء مكة، فتوفي فيها، له تصانيف منها "أخبار العرب وأيامها"، و"نسب قريش وأخبارها"، و"الأوس والخزرج"، وغيرها، مات سنة == 256 هـ، وعمره 84 سنة.
انظر: "تاريخ بغداد" 8/ 467، "ميزان الاعتدال" 2/ 66، "تهذيب التهذيب" 3/ 312.
(١٧) انظر: "اللسان" (شعب) نسب ذلك للزبير بن بكار 1/ 500.
(١٨) انظر: "اللسان" (شعب) 1/ 500 - 501.
(١٩) انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 170، 171، "تفسير البغوي" 7/ 348، "البحر المحيط" 8/ 104.
(٢٠) انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 171 أ، ولم ينسبه، والبغوي 7/ 348 من غير نسبة، ونسبه ابن الجوزي 7/ 474 لعطاء عن ابن عباس، وذكره القرطبي 16/ 344 من غير نسبة، ونسبه في "الوسيط" 4/ 158 لعطاء عن ابن عباس.
(٢١) ذكر ذلك القرطبي 16/ 344 ونسبه للقشيري، وذكره المؤلف في "الوسيط" 4/ 158 ولم ينسبه.
(٢٢) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 97.
(٢٣) أخرج ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 171 ب عن أبي هريرة، وأورده السمرقندي في "تفسيره" 3/ 266 ولم ينسبه، وأورده القرطبي في "الجامع" 16/ 345 ونسبه لأبي هريرة، وأخرجه الحاكم عن أبي هريرة وقال: هذا حديث عال غريب الإسناد والمتن ولم يخرجاه، وقال الذهبي: غريب، قلت: المخزومي ابن زبالة ساقط.
انظر: "المستدرك" كتاب التفسير، سورة الحجرات 2/ 463 - 464.
(٢٤) كذا رسمها في الأصل.
(٢٥) أخرجه الإمام أحمد في "المسند" 4/ 323 من حديث المسور بن مخرمة.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ﴾ نزلت في بني أسد بن خزيمة (١) - في سنة جدبة وأظهروا الإسلام ولم يكونوا مؤمنين في السر، إنما أتوا يطلبون الصدقة، هذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير (٢) وقال السدي ومقاتل: يعني: الأعراب الذين تخلفوا عن رسول الله - - عام الحديبية (٣) - التي كانت تمر بهم، والمعنى: أنهم يقولون: قد صدقنا بما جئت به، ﴿ قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ﴾ لم تصدقوا ﴿ وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ﴾ ، قال ابن عباس: أقررنا بالإيمان (٤) وقال مقاتل ومجاهد وقتادة: انقدنا واستسلمنا مخافة القتل والسبي (٥) ﴿ وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ .
قال أبو إسحاق: والإسلام: إظهار الخضوع وقبول ما أتى به النبي - -، وبذلك يحقن الدم، فإن كان مع ذلك الإظهار اعتقاد وتصديق بالقلب فذلك الإيمان، وصاحبه المؤمن المسلم حقاً، وأما من أظهر قبول الشريعة واستسلم لدفع المكروه فهو في الظاهر مسلم، والإيمان لا بد أن يكون صاحبه صديقاً؛ لأن قولك: آمنت بكذا، معناه: صدقت به، وقد أخرج الله هؤلاء من الإيمان فقال: ﴿ وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ أي: لم تصدقوا إني أسلمتم تعوذاً من القتل، والمسلم الذي أظهر الإسلام تعوذاً غير مؤمن في الحقيقة، إلا أن حكمه في الظاهر حكم المسلمين.
انتهى كلامه (٦) ومعنى الإيمان والإِسلام وحقيقتهما في اللغة قد سبق ذكره في سورة البقرة.
قوله: ﴿ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ قال ابن عباس: تخلصوا الإيمان (٧) ﴿ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ﴾ وقرأ أبو عمرو: (لا يألتكم) من ألت، وهما لغتان (٨) (٩) في ألت آلت يولت إيلاتاً (١٠) وحكى الزجاج في لات: ألات يُلِيْتُ، فاجتمع أربع لغات: أَلَت وآلَتَ ولاَتَ وأَلاَتَ، كلها معناها النقصان، وحجة أبي عمرو قوله: ﴿ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ ﴾ فالبناء مضارعه يألتكم، وحجة الباقين خط المصحف، قال أبو إسحاق: والمعنى فيهما واحد (١١) قال ابن عباس ومقاتل: لا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئاً (١٢) (١) هم: بنو أسد حي من بني خزيمة من العدنانية وهم بنو أسد بن خزيمة بن مدركة وكان لأسد هذا من الولد: دودان، وكاهل، وعمرو، وصعب، وحلمة، قال في العبر: وهم بطن كبير متسع وذو بطون قال وبلادهم مما يلي الكرخ من أرض نجد في مجاورة طي، قال: ويقال: إن بلاد طي كانت لبني أسد فلما خرج بنو طي من اليمن غلبوا على سلمى وأجا، وقد تفرقوا بعد ذلك في الأقطار ولم يبق لهم حي.
انظر: "نهاية الأرب" للقلقشندي ص 47.
(٢) أخرجه الطبري 13/ 141 عن مجاهد، وذكره الثعلبي 10/ 172 أولم ينسبه، وأخرجه النسائي عن سعيد بن جير، انظر: "السنن الكبرى" كتاب التفسير، قوله تعالى: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ﴾ 6/ 467، وذكره البغوي 7/ 349 ولم ينسبه، ونسبه ابن الجوزي 7/ 475 لمجا هد، وذكره القرطبي 16/ 348 ولم ينسبه، ونسبه أبو حيان في "البحر المحيط" 8/ 116 لمجاهد، وذكره المؤلف في "أسباب النزول" ص 419، و"الوسيط" 4/ 159 - 160 من غير إسناد.
(٣) ذكره الثعلبي 10/ 172 أ، والبغوي 7/ 350، وابن الجوزي 7/ 476، والقرطبي 16/ 348 ونسبوه للسدي، وانظر: "تفسير مقاتل" 4/ 97.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) "تفسير مقاتل" 4/ 98، وأخرجه الطبري 13/ 142 عن مجاهد وسعيد بن جبير.
(٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 38.
(٧) ذكر ذلك البغوي 7/ 355 عن ابن عباس، وابن الجوزي 7/ 477 عن ابن عباس، والقرطبي 16/ 348 من غير نسبة.
(٨) قراءة أبي عمرو: من ألتَ يألِتُ ألتا، مثل: ضرب يضرب ضربًا، وقرأ الباقون: يَلِتكم، من لات يَلِيتُ، إذا نقص، انظر: "الكشف عن وجوه القراءات" لمكي 2/ 284، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 676.
(٩) هو: عبد الله بن محمد بن هارون التوزي أبو محمد مولى قريش من أكابر أئمة اللغة، قال السيرافي: قرأ على الجرمي "كتاب" سيبويه، وكان أعلم من الرياشي والمازني وأكثرهم رواية، عن أبي عبيدة، وقد قرأ أيضًا على الأصمعي وغيره، صنف كتاب: الخيل والأمثال والأضداد، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين.
انظر: "بغية الوعاة" للسيوطي 2/ 61، "أخبار النحويين والبصريين" ص 85.
(١٠) انظر: "تهذيب اللغة" (لات وولت) 14/ 321، "المحتسب" لابن جني 2/ 290، "البحر المحيط" 8/ 104 - 149، "زاد المسير" 7/ 477.
(١١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 39.
(١٢) ذكر هذا الثعلبي 10/ 173 أ، والبغوي 7/ 350، والقرطبي 16/ 348 ولم ينسبوه، وانظر: "تفسير مقاتل" 4/ 98، ونسبه في "الوسيط" 4/ 160 لابن عباس ومقاتل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا ﴾ قال مقاتل: لم يشكوا في دينهم بعد الإيمان (١) -.
﴿ وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ (٢) (٣) - كان فرضاً في ذلك الوقت (٤) ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ في إيمانهم، قال المفسرون: فلما نزلت الآيتان أتوا رسول الله - - يحلفون أنهم مؤمنون صادقون، وعرف الله غير ذلك منهم (٥) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 99.
(٢) كذا في الأصل وقد سقط (بأموالهم وأنفسهم).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 38.
(٤) انظر: "زاد المسير" 7/ 477.
(٥) ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 173 ب، البغوي في "تفسيره" 7/ 351، السمرقندي في "تفسيره" 3/ 267.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ ﴾ أي: الذي أنتم عليه، وهذا يحمل على أحد وجهين: إما أن تكون الباء زائدة ويكون المعنى: أتعلمون الله دينكم؛ لأنه يقال: علمته الشيء، أو يحمل على أن علم هاهنا بمعنى أعلم، ذكر ذلك أبو العباس عن ابن الأعرابي قال: يكون علم بمعنى علم (١) ﴿ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ ﴾ ، وقد مر.
قال المفسرون: وكان هؤلاء النفر يقولون لرسول الله - - جئناك بالعإل والأثقال والذراري، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، يمنون عليك بذلك، فأنزل الله: (١) ذكر ذلك في "تفسير الوسيط" 4/ 161.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ﴾ (١) قال الفراء في قوله: ﴿ أَنْ أَسْلَمُوا ﴾ و ﴿ أَنْ هَدَاكُمْ ﴾ : موضعها نصب لا بوقوع الفعل، ولكن بسقوط الصفة (٢) (١) أخرج ذلك الطبري عن سعيد بن جبير وقتادة، انظر: "تفسيره" 13/ 145، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 112: رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه الحجاج ابن أرطأة، وهو ثقة ولكنه مدلس وبقية رجاله رجال الصحيح، وأورده السيوطي في "أساب النزول" وعزاه للطبراني والبزار، انظر: "أسباب النزول" ص 199.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 74.
<div class="verse-tafsir"