الإسلام > القرآن > تفسير > الثعالبي > سورة 6 الأنعام > الآيات ٥٤-٥٧
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 8 دقيقة قراءةوقوله تعالى: يُرِيدُونَ وَجْهَهُ قلتُ: قال الغَزَّالِيُّ في «الجَوَاهر» : النيةُ والعَمَلُ بهما تمامُ العبادةِ، فالنِّيَّة أحد جُزْأيِ العبَادةِ، لكنها خير الجزأَيْن، ومعنى النيَّة إرادةُ وَجْه اللَّه سبحانه بالعَمَلِ، قال اللَّه تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، ومعنى إخلاصها تصفيةُ الباعِثِ عن الشوائِبِ، ثم قال الغَزَّالِيُّ: وإذا عرفْتَ فَضْل النية، وأنَّها تحلُّ حَدَقَةَ المقْصود، فاجتهد أنْ تستكثر مِنَ النِّيَّة في جميع أعمالِكَ حتى تنوي بعملٍ واحدٍ نيَّاتٍ كثيرة، ولو صَدَقَتْ رغبتُكَ، لَهُدِيتَ لطريقِ رشدك.
انتهى.
وقوله سبحانه: مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، قال الحَسَنُ والجمهورُ: أيْ: مِنْ حسابِ عملهم، والمعنى: أنك لم تُكَلَّفْ شيئاً غيْرَ دعائهم «١» ، وقوله: فَتَطْرُدَهُمْ: هو جوابُ النفْيِ في قوله: مَا عَلَيْكَ، وقوله: فَتَكُونَ: جوابُ النهْيِ في قوله: وَلا تَطْرُدِ.
وفَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ، أي: ابتلينا، ولِيَقُولُوا: معناه: ليصيرَ بحُكْم القَدَرِ أمرُهُمْ إلى أن يقولُوا على جهة الاِستخْفَافِ والهُزْء: أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا، فاللامُ في لِيَقُولُوا: لامُ الصَّيْرورة.
وقوله سبحانه: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ، أي: يا أيّها المستخفُّون، ليس الأمر أمر استخفاف، فاللَّه أعلَمُ بمن يشكر نعمه.
وقوله سبحانه: وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ...
الآية: قال جمهور المفسِّرين: هؤلاءِ هم الذينَ نَهَى اللَّهُ عَنْ طردهم، وشَفَعَ ذلك بِأنْ أَمَرَ سبحانه أنْ يسلِّم النبيُّ- عليه السلام- عليهم، ويُؤْنِسَهُمْ، قال خَبَّابُ بْنُ الأَرَتَّ: لما نزلَتْ: وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا ...
الآية، فكنّا نأتي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فيقولُ لنا: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، ونقعُدُ معه، فإذا أراد أنْ يقوم، قَامَ، وتركَنا، فأنزل اللَّه تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ
يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ...
«١» [الكهف: ٢٨] الآية، فكان يَقْعُدُ معنا، فإذا بَلَغَ الوقْتَ الذي يقوم فيه، قمنا وتركناه، حتّى يقوم، وسَلامٌ عَلَيْكُمْ: ابتداءٌ، والتقديرُ: سَلاَمٌ ثابتٌ أو واجبٌ عليكم، والمعنَى: أمَنَةً لكُمْ مِنْ عذاب اللَّه في الدنيا والآخرة، ولفظه لفظُ الخَبَر، وهو في معنى الدُّعَاء، قال الفَخْر «٢» قوله تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ: النّفس هاهنا:
بمعنى الذَّات، والحقيقةِ، لا بمعنى الجِسْمِ، واللَّهُ تعالى مقدَّس عنه.
انتهى.
قلتُ: قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في كتاب «تفسير الأَفْعَال الواقعة في القُرآن» : قوله تعالى:
كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، قال علماؤنا: كَتَبَ: معناه أَوْجَبَ، وعندي أنه كتب حقيقة، قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ القَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكتب، فَكَتَبَ مَا يَكُونُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ» «٣» .
انتهى.
وقرأ عاصمٌ «١» ، وابنُ عَامِرٍ أنَّهُ- بفَتْحِ الهَمْزةِ في الأولى- والثانيةِ «فأنَّهُ» : الأولى بدلٌ من الرَّحْمَةَ، و «أنّه» الثانية: خبر ابتداء مضمر، تقديره: فأمره أنّه عفور رحيمٌ، هذا مذْهَبُ سيبَوَيْه، وقرأ ابنُ كَثِيرٍ، وأبو عَمْرٍو، وحمزة، والكسائي «إنَّهُ» - بكسر الهمزة في الأولى والثانية-، وقرأ نافعٌ بفَتْح الأولى وكَسْر الثانية، والجهالةُ في هذا الموضِعِ: تعمُّ التي تُضَادُّ العِلْمَ، والتي تُشَبَّه بها وذلك أنَّ المتعمِّد لفعْلِ الشيء الذي قَدْ نُهِيَ عنه تسمى معصيته تِلْكَ جِهَالَةً، قال مجاهدٌ: مِنَ الجهالةِ ألاَّ يعلم حَلاَلاً مِنْ حرامٍ «٢» ، ومن جهالته أنْ يركِّب الأمر.
قُلْتُ: أيْ: يتعمَّده، ومن الجهالة الَّتي لا تُضَادُّ العلم قوله صلّى الله عليه وسلّم في استعاذته: «أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ» «٣» ومنها قولُ الشَّاعر: [الوافر]
أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أحد علينا ...
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
«٤»
قال الفخْر «١» : قال الحَسَنُ: كُلُّ مَنْ عَمِلَ معصيةً، فهو جاهلٌ، فقيل: المعنى أنه جاهلٌ بمقدارِ ما فاتَهُ منَ الثَّواب، وما استحقه من العقابِ، قلْتُ: وأيضاً فهو جاهلٌ بقَدْر مَنْ عصاه.
انتهى.
والإشارةُ بقوله تعالى: وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ، إلى ما تقدَّم من النهْيِ عن طَرْدِ المؤمنين، وبَيَانِ فَسَادِ مَنْزَعِ العارضين لذلك، وتفضيل الآياتِ: تبيينُها وشَرْحُها وإظهارُها، قلْتُ: ومما يناسِبُ هذا المَحَلَّ ذِكْرُ شيء ممَّا ورد في فَضْلِ المُصَافَحَة، وقد أسند أبُو عُمَر في «التمهيد» ، عن عبد الرحْمَنِ بْنِ الأسود «٢» ، عن أَبِيهِ وعلقمة أنهما قَالاَ: «مَنْ تَمَامِ التَّحِيَّةِ المُصَافَحَةُ» ، وروى مالكٌ في «الموطإ» ، عن عطاءٍ الخراسانيّ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «تَصَافَحُوا يَذْهَبُ الغِلُّ، وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا، وَتَذْهَب «٣» الشَّحْنَاءُ» ، قال أبو عمر في «التمهيد» : هذا الحديث يتَّصلُ مِنْ وجوه شتى حِسَانٍ كلُّها، ثم أسند أبو عُمَر من طريقِ أبي دَاوُد وغَيْره، عن البَرَاءِ، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، فَيَتَصَافَحَانِ إلاَّ غُفِرَ لهما قبل أن يتفرّقا» «٤» ، ثم أسند أبو عُمَرَ عن البَرَاء بنِ عازب، قال:
«لقيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ كُنْتُ لأحْسِبُ أَنَّ المُصَافَحَةَ لِلْعَجَمِ فَقَالَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِالمُصَافَحَةِ مِنْهُمْ مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، فَيَأْخُذُ أَحَدُهُمَا بِيَدِ صَاحِبِهِ مَوَدَّةً بَيْنَهُمَا، ونَصِيحَةً، إلاَّ أُلْقِيَتْ ذُنُوبُهُمَا بَيْنَهُمَا» «٥» ، وأسند أبو عُمَرَ عن عمر بْنِ الخَطَّابِ، قال: قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذَا التقى المُسْلِمَانِ، فَتَصَافَحَا، أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيهِمَا مِائَةَ رَحْمَةٍ تِسْعُونَ مِنْهَا لِلَّذِي بَدَأَ بِالمُصَافَحَةِ، وَعَشَرَةٌ لِلَّذِي صُوفِحَ، وَكَانَ أَحَبَّهُمَا إلَى اللَّهِ أحسنهما بشرا بصاحبه» «٦» .
انتهى.
وقد ذكرنا/ طَرَفاً مِنْ آدَابِ المُصَافحة فِي غَيْرِ هذا الموضعِ، فَقِفْ عليه، واعمل به، تَرْشَدْ، فإنَّ العلْم إنما يرادُ للعَمَل، وباللَّه التوفيق.
وخُصَّ سبيلُ المُجْرمينَ بالذِّكْر لأنهم الذين آثَرُوا ما تقدَّم من الأقوال، وهو أهَمُّ في هذا الموضِعِ لأنها آياتُ رَدٍّ علَيْهم.
وأيضاً: فتَبْيِينُ سَبِيلِهِمْ يتضمَّن بيانَ سَبِيلِ المُؤْمنين، وتَأوَّلَ ابنُ زَيْد أنَّ قوله:
الْمُجْرِمِينَ مَعْنِيٌّ به الآمِرُونَ بطَرْد الضَّعَفَةِ «١» .
وقوله سبحانه: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ ...
الآية: أَمَرَ اللَّهُ سبحانه نَبيَّه- عليه السلام- أنْ يجاهرهم بالتبرّي ممّا هم فيه، وتَدْعُونَ: معناه تعبدون، ويْحْتَمَلُ أنْ يريدَ: تَدْعُونَ في أموركُمْ، وذلك مِنْ معنى العبَادةِ، واعتقادهم الأصنامَ آلهة.
وقوله تعالى: قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي: المعنى: قل إني على أمْر بيِّن، وَكَذَّبْتُمْ بِهِ، الضمير في «بِهِ» عائدٌ على «بَيِّن» ، أو علَى الرَّبِّ، وقيل: على القُرآن، وهو جليٌّ، وقال بعضُ المفسِّرين: الضميرُ في «به» الثانِي عائدٌ على «مَا» ، والمُرَادُ بها الآياتُ المقْتَرَحَةُ على ما قال بعض المفسِّرين، وقيل: المرادُ به العذابُ، وهو يترجَّح من وجْهَيْن:
أحدهما: مِنْ جهة المعنى وذلك أنَّ قوله: وَكَذَّبْتُمْ بِهِ يتضمَّن أنَّكم واقعتم مَا تَسْتَوْجِبُون به العَذَابَ إلاَّ أنه ليس عنْدِي.
والآخَرُ: مِنْ جهة لَفْظِ الاستعجالِ الذي لَمْ يأت في القُرآن إلاَّ للعذابِ.
وأما اقتراحهم للآيَاتِ، فَلمْ يكُنْ باستعجال.
وقوله: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ، أي: القضاء والإنفاذ، ويَقُصُّ الْحَقَّ، أيْ: يخبر به والمعنى: يقُصُّ القَصَص الحَقَّ، وقرأ حمزةُ «٢» والكِسَائيُّ وغيرهما: «يَقْضِي الحَقَّ» ، أي: ينفذه.