الإسلام > القرآن > تفسير > الوسيط > سورة 15 الحجر > الآية ٩
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةثم بين - سبحانه - أنه قد تكفل بحفظ هذا القرآن الذى سبق للكافرين أن استهزءوا به ، وبمن نزل عليه فقال - تعالى - : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) .أى : إنا نحن بقدرتنا وعظم شأننا نزلنا هذا القرآن الذى أنكرتموه؛ على قلب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ( وإنا ) لهذا القرآن ( لحافظون ) من كل ما يقدح فيه ، كالتحريف والتبديل ، والزيادة والنقصان والتناقض والاختلاف ، ولحافظون له بالإِعجاز ، فلا يقدر أحد على معارضته أو على الإِتيان بسورة من مثله ، ولحافظون له بقيام طائفة من أبناء هذه الأمة الإِسلامية باستظهاره وحفظه والذب عنه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .قال صاحب الكشاف : " قوله ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر ) رد لانكارهم واستهزائهم فى قولهم ( ياأيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ) ، ولذلك قال : إنا نحن ، فأكد عليهم أنه هو المنزل على القطع والبتات ، وأنه هو الذى بعث به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم ومن بين يديه ومن خلفه رصد حتى نزل وبلغ محفوظاً من الشياطين ، وهو حافظه فى كل وقت من كل زيادة ونقصان ..
.
" .وقال الآلوسى : ما ملخصه : " ولا يخفى ما فى سبك الجملتين - ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) من الدلالة على كمال الكبرياء والجلالة ، وعلى فخامة شأن التنزيل ، وقد اشتملتا على عدة من وجوه التأكيد .
و ( نحن ) ليس ضمير فصل لأنه لم يقع بين اسمين ، وإنما هو إما مبتدأ أو توكيد لاسم إن .
والضمير فى ( له ) للقرآن كما هو الظاهر ، وقيل هو للنبى صلى الله عليه وسلم .
.
.
" .هذا ونحن ننظر فى هذه الآية الكريمة ، من وراء القرون الطويلة منذ نزولها فنرى أن الله - تعالى - قد حقق وعده فى حفظ كتابه ، ومن مظاهر ذلك :1- أن ما أصاب المسلمين من ضعف ومن فتن ، ومن هزائم ، وعجزوا معها عن حفظ أنفسهم وأموالهم وأعراضهم .
.
هذا الذى أصابهم فى مختلف الأزمنة والأمكنة ، لم يكن له أى اثر على قداسة القرآن الكريم ، وعلى صيانته من أى تحريف .ومن أسباب هذه الصيانة أن الله - تعالى - قيض له فى كل زمان ومكان ، من أبناء هذه الأمة ، من حفظه عن ظهر قلب ، فاستقر بين الأمة بمسمع من النبى صلى الله عليه وسلم ، وصار حفاظه بالغين عدد التواتر فى كل مصر وفى كل عصر .قال الفخر الرازى : فإن قيل : فلماذا اشتغل الصحابة بجمع القرآن فى المصحف ، وقد وعد الله بحفظه ، وما حفظه الله فلا خوف عليه؟فالجواب : أن جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله - تعالى - إياه ، فإنه - سبحانه - لما أن حفظه قيضهم لذلك .
.
.
.
.2- أن أعداء هذا الدين - سواء أكانوا من الفرق الضالة المنتسبة للإِسلام أم من غيرهم - امتدت أيديهم الأثيمة إلى أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم فأدخلوا فيها ما ليس منها .
.
.
وبذل العلماء العدول الضابطون ما بذلوا من جهود لتنقية السنة النبوية مما فعله هؤلاء الأعداء .
.ولكن هؤلاء الأعداء ، لم يقدروا على شئ واحد ، وهو إحداث شئ فى هذا القرآن ، مع أنهم وأشباههم فى الضلال ، قد أحدثوا ما أحدثوا فى الكتب السماوية السابقة .
.قال بعض العلماء .
سئل القاضى إسماعيل البصرى عن السر فى تَطُّرق التغيير للكتب السالفة ، وسلامة القرآن من ذلك فأجاب بقوله : إن الله أوكل للأحبار حفظ كتبهم فقال : ( بِمَا استحفظوا مِن كِتَابِ الله ) وتولى - سبحانه - حفظ القرآن بذاته فقال : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) .وقد ذكر الإِمام القرطبى ما يشبه ذلك نقلاً عن سفيان بن عيينه فى قصة طويلة .والخلاصة ، أن سلامة القرآن من أى تحريف - رغم حرص الأعداء على تحريفه ورغم ما أصاب المسلمين من أحداث جسام ، ورغم تطاول القرون والدهور - دليل ساطع على أن هناك قوة خارقة - خارجة عن قوة البشر - قد تولت حفظ هذا القرآن ، وهذه القوة هى قوة الله - عز وجل - ولا يمارى فى ذلك إلا الجاحد الجهول ..
.