الإسلام > القرآن > تفسير > الوسيط > سورة 22 الحج > الآية ٢٥
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةوبعد هذا الحديث المؤثر عن الخصمين وعن عاقبة كل منهما .
.
.
جاء الحديث عن المسجد الحرام ، وعن مكانته ، وعن الأمر ببنائه ، وعن وجوب الحج إليه ، وعن المنافع التى تعود على الحجاج ، وعن سوء مصير من يصد الناس عن هذا المسجد ، جاء قوله - تعالى - : ( إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ .
.
.
) .قال الإمام الرازى : اعلم أنه - تعالى - بعد أن فصل بين الكفار والمؤمنين ذكر عظم حرمة البيت ، وعظم كفر هؤلاء الكافرين فقال : ( إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله والمسجد الحرام ) .قال ابن عباس : الآية نزلت فى أبى سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية عن المسجد الحرام ، عن أن يحجوا ويعتمروا ، وينحروا الهدى .
فكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتالهم ، وكان محرما بعمرة ، ثم صالحوه على أن يعود فى العام القادم .
.
.وصح عطف المضارع وهو " يصدون " على الماضى وهو " كفروا " لأن المضارع هنا لم يقصد به زمن معين من حال أو استقبال ، وإنما المراد به مجرد الاستمرار ، كما فى قولهم : فلان يحسن إلى الفقراء ، فإن المراد به استمرار وجود إحسانه .ويجوز أن يكون قوله ( وَيَصُدُّونَ ) خبرا لمبتدأ محذوف ، أى : وهم يصدون عن المسجد الحرام .
وخبر إن فى قوله - سبحانه - : ( إِنَّ الذين كَفَرُواْ .
.
) محذوف لدلالة آخر الآية عليه .والمعنى : إن الذين أصروا على كفرهم بما أنزله الله - تعالى - على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - ، واستمروا على منع أهل الحق من أداء شعائر دين الله - تعالى - ، ومن زيارة المسجد الحرام .
.
.
هؤلاء الكافرون سوف نذيقهم عذابا أليما .ويصح أن يكون الخبر محذوفا للتهويل والإرهاب .
وكأن وصفهم بالكفر والصد كاف فى معرفة مصيرهم المهين .قال القرطبى : قوله - تعالى - : ( والمسجد الحرام ) قيل إنه المسجد نفسه وهو ظاهر القرآن ، لأنه لم يذكر غيره ، وقيل الحرم كله ، لأن المشركين صدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عنه عام الحديبية ، فنزل خارجا عنه .
.
.
وهذا صحيح لكنه قصد هنا بالذكر المهم المقصود من ذلك .وقوله - سبحانه - : ( الذي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً العاكف فِيهِ والباد .
.
.
) تشريف لهذا المكان حيث جعل الله - تعالى - الناس تحت سقفه سواء ، وتشنيع على الكافرين الذين صدوا المؤمنين عنه .ولفظ " سواء " قرأه جمهور القراء بالرفع على أنه خبر مقدم ، والعاكف : مبتدأ ، والباد معطوفة عليه أى : العاكف والباد سواء فيه .
أى مستويان فيه .وقرأه حفص عن عاصم بالنصب على أنه المفعول الثانى لقوله " جعلناه " بمعنى صيرناه .
أى : جعلناه مستويا فيه العاكف والباد .
ويصح أن يكون حالا من الهاء فى ( جَعَلْنَاهُ ) أى : وضعناه للناس حال كونه سواء العاكف فيه والباد .والمراد : بالعاكف فيه : المقيم فيه .
يقال : عكف فلان على الشىء ، إذا لازمه ولم يفارقه .
والباد : الطارىء عليه من مكان آخر .وأصله من يكون من أهل البوادى الذين يسكنون المضارب والخيام ، ويتنقلون من مكان إلى آخر .أى : جعلناه للناس على العموم ، يصلون فيه ، ويطوفون به ، ويحترمونه ويستوى تحت سقفه من كان مقيما فى جواره ، وملازما للتردد عليه ، ومن كان زائرا له وطارئا عليه من أهل البوادى أو من أهل البلاد الأخرى سوى مكة .فهذا المسجد الحرام يتساوى فيه عباد الله ، فلا يملكه أحد منهم ، ولا يمتاز فيه أحد منهم ، بل الكل فوق أرضه وتحت سقفه سواء .وقوله - تعالى - : ( وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) تهديد لكل من يحاول ارتكاب شىء نهى الله عنه فى هذا المسجد الحرام .والإلحاد الميل .
يقال : ألحد فلان فى دين الله ، أى : مال وحاد عنه .و " من " شرطية وجوابها " نذقه " ومفعول " يرد " محذوف لقصد التعميم .
أى : ومن يرد فيه مرادا بإلحاد ، ويصح أن يكون المفعول قوله ( بِإِلْحَادٍ ) على أن الباء زائدة .أى : ومن يرد فى هذا المسجد الحرام إلحادا ، أى : ميلا وحيدة عن أحكام الشريعة وآدابها بسبب طلمه وخروجه عن طاعتنا ، نذقه من عذاب أليم لا يقادر قدره ، ولا يكتنه كنهه .وقد جاء هذا التهديد فى أقصى درجاته لأن القرآن توعد بالعذاب الأليم كل من بنوى ويريد الميل فيه عن دين الله ، وإذا كان الأمر كذلك ، فمن ينوى ويفعل يكون عقابه أشد ، ومصيره أقبح .ويدخل تحت هذا التهديد كل ميل عن الحق إلى الباطل ، أو عن الخير إلى الشر كالاحتقار ، والغش .ولذا قال ابن جرير بعد أن ساق الأقوال فى ذلك : وأولى الأقوال التى ذكرناها فى تأويل ذلك بالصواب : القول الذى ذكرناه من أن المراد بالظلم فى هذا الموضع ، كل معصية لله ، وذلك لأن الله عم بقوله : ( وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ) ولم يخصص به ظلما دون ظلم فى خبر ولا عقل ، فهو على عمومه ، فإذا كان ذلك كذلك فتأويل الكلام : ومن يرد فى المسجد الحرام بأن يميل بظلم فيعصى الله فيه ، نذقه يوم القيامة من عذاب موجع له .