الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 23 المؤمنون > الآيات ١-١١
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةسُورَةُ المُؤْمِنُونَ سُورَةُ المُؤْمِنُونَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ.
رَوى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: " «لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْنا عَشْرُ آياتٍ مَن أقامَهُنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ ﴾ إلى عَشْرِ آياتٍ "»، رَواهُ الحاكِمُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ في " صَحِيحِهِ " .
ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: " «إنَّ اللَّهَ تَعالى حاطَ حائِطَ الجَنَّةِ لَبِنَةً مِن ذَهَبٍ ولَبِنَةٍ مِن فِضَّةٍ، وغَرَسَ غَرْسَها بِيَدِهِ، فَقالَ لَها: تَكَلَّمِي، فَقالَتْ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ، فَقالَ لَها: طُوبى لَكِ مَنزِلَ المُلُوكِ» " .
قالَ الفَرّاءُ: " قَدْ " هاهُنا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَأْكِيدًا لِفَلاحِ المُؤْمِنِينَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَقْرِيبًا لِلْماضِي مِنَ الحالِ؛ لِأنَّ " قَدْ " تُقَرِّبُ الماضِيَ مِنَ الحالِ حَتّى تُلْحِقَهُ بِحُكْمِهِ، ألا تَراهم يَقُولُونَ: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، قَبْلَ حالِ قِيامِها، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ: إنَّ الفَلّاحَ قَدْ حَصَلَ لَهم، وإنَّهم عَلَيْهِ في الحالِ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعِكْرِمَةُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وطِلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: ( قَدْ أُفْلِحَ ) بِضَمِّ الألْفِ وكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِ الحاءِ، عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الآيَةِ: قَدْ نالَ المُؤْمِنُونَ البَقاءَ الدّائِمَ في الخَيْرِ.
ومَن قَرَأ: ( قَدْ أُفْلِحَ ) بِضَمِّ الألْفِ، كانَ مَعْناهُ: قَدْ أُصِيرُوا إلى الفَلاحِ.
وأصِلُ الخُشُوعِ في اللُّغَةِ: الخُضُوعُ والتَّواضُعُ.
وَفِي المُرادِ بِالخُشُوعِ في الصَّلاةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ النَّظَرُ إلى مَوْضِعِ السُّجُودِ.
رَوى أبُو هُرَيْرَةَ، قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ إذا صَلّى رَفَعَ بَصَرَهُ إلى السَّماءِ، فَنَزَلَتِ: " الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ " فَنَكَّسَ رَأْسَهُ» .
وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ مُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ تَرْكُ الِالتِفاتِ في الصَّلاةِ، وأنْ تُلِينَ كَنَفَكَ لِلرَّجُلِ المُسْلِمِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ السُّكُونُ في الصَّلاةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ، والزُّهْرِيُّ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الخَوْفُ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَفِي المُرادِ بِاللَّغْوِ هاهُنا خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: الشِّرْكُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الباطِلُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: المَعاصِي، قالَهُ الحَسَنُ.
والرّابِعُ: الكَذِبُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والخامِسُ: الشَّتْمُ والأذى الَّذِي كانُوا يَسْمَعُونَهُ مِنَ الكُفّارِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: واللَّغْوُ: كُلُّ لَعِبٍ ولَهْوٍ، وكُلُّ مَعْصِيَةٍ فَهي مُطَّرَحَةٌ مُلْغاةٌ؛ فالمَعْنى: شَغَلَهُمُ الجِدُّ فِيما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ عَنِ اللَّغْوِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ ﴾ ؛ أيْ: مُؤَدُّونَ، فَعَبَّرَ عَنِ التَّأْدِيَةِ بِالفِعْلِ؛ لِأنَّهُ فَعَلَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا عَلى أزْواجِهِمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: " عَلى " بِمَعْنى " مِن " .
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّهم يُلامُونَ في إطْلاقِ ما حُظِرَ عَلَيْهِمْ وأُمِرُوا بِحِفْظِهِ، إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم لا يُلامُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَنِ ابْتَغى ﴾ ؛ أيْ: طَلَبَ، ﴿ وَراءَ ذَلِكَ ﴾ ؛ أيْ: سِوى الأزْواجِ والمَمْلُوكاتِ، ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ ﴾ يَعْنِي: الجائِرِينَ الظّالِمِينَ؛ لِأنَّهم قَدْ تَجاوَزُوا إلى ما لا يَحِلُّ.
﴿ والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( لِأمانَتِهِمْ ) وهو اسْمُ جِنْسٍ، والمَعْنى: لِلْأماناتِ الَّتِي ائْتُمِنُوا عَلَيْها، فَتارَةً تَكُونُ الأمانَةُ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ، وتارَةً تَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَ جِنْسِهِ، فَعَلَيْهِ مُراعاةُ الكُلِّ، وكَذَلِكَ العَهْدُ.
ومَعْنى ﴿ راعُونَ ﴾ : حافِظُونَ.
قالَ الزَّجّاجُ: وأصِلُ الرَّعْيِ في اللُّغَةِ: القِيامُ عَلى إصْلاحِ ما يَتَوَلّاهُ الرّاعِي مِن كُلِّ شَيْءٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى صَلَواتِهِمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( صَلَواتِهِمْ ) عَلى الجَمْعِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( صَلاتِهِمْ ) عَلى التَّوْحِيدِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ.
والمُحافَظَةُ عَلى الصَّلَواتِ: أداؤُها في أوْقاتِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ ﴾ ذَكَرَ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَرْفَعُ لِلْكُفّارِ الجَنَّةَ، فَيَنْظُرُونَ إلى بُيُوتِهِمْ فِيها لَوْ أنَّهم أطاعُوا، ثُمَّ تُقَسَّمُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ فَيَرِثُونَهم، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ ﴾ .
وقَدْ شَرَحْنا هَذا في ( الأعْرافِ: ٤٣ ) عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ أُورِثْتُمُوها ﴾ ، وشَرَحْنا مَعْنى الفِرْدَوْسِ في ( الكَهْفِ: ١٠٧ ) .
<div class="verse-tafsir"