الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 55 الرحمن > الآيات ١٤-٢٥
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 7 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ ﴾ يَعْنِي آدَمَ "مِن صَلْصالٍ" قَدْ ذَكَرْنا في [الحِجْرِ: ٢٦،٢٧] الصَّلْصالَ والجانَّ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ كالفَخّارِ ﴾ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: خُلِقَ مَن طِينٍ يابِسٍ لَمْ يُطْبَخْ، فَلَهُ صَوْتٌ إذا نُقِرَ، فَهو مِن يُبْسِهِ كالفَخّارِ.
والفَخّارُ: ما طُبِخَ بِالنّارِ.
فَأمّا المارِجُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ.
هو لِسانُ النّارِ الَّذِي يَكُونُ في طَرَفِها إذا التَهَبَتْ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو المُخْتَلِطُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ مِنَ اللَّهَبِ الأحْمَرِ والأصْفَرِ والأخْضَرِ الَّذِي يَعْلُو النّارَ إذا أُوقِدَتْ.
وقالَ مُقاتِلٌ: هو لَهَبُ النّارِ الصّافِي مِن غَيْرِ دُخانٍ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المارِجُ: خَلْطٌ مِنَ النّارِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المارِجُ: لَهَبُ النّارِ، مِن قَوْلِكَ: قَدْ مَرِجَ الشَّيْءُ: إذا اضْطَرَبَ ولَمْ يَسْتَقِرَّ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هو اللَّهَبُ المُخْتَلِطُ بِسَوادِ النّارِ.
فَإنْ قِيلَ: قَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِألْفاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَتارَةً يَقُولُ: ﴿ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ﴾ ، وتارَةً: ﴿ مِن صَلْصالٍ ﴾ وتارَةً: ﴿ مِن طِينٍ لازِبٍ ﴾ ، وتارَةً: ﴿ كالفَخّارِ ﴾ ، وتارَةً: ﴿ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾ ؛ فالجَوابُ: [أنَّ الأصْلَ التُّرابُ فَجُعِلَ طِينًا، ثُمَّ صارَ كالحَمَإ المَسْنُونِ، ثُمَّ صارَ صَلْصالًا كالفَخّارِ، هَذِهِ أخْبارٌ عَنْ حالاتِ أصْلِهِ.
فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في تَكْرارِ قَوْلِهِ: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تَكْذِبانِ " الجَوابُ] أنَّ ذَلِكَ التَّكْرِيرَ لِتَقْرِيرِ النِّعَمِ وتَأْكِيدِ التَّذْكِيرِ بِها.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مِن مَذاهِبِ العَرَبِ التَّكْرارُ لِلتَّوْكِيدِ والإفْهامِ، كَما أنَّ مِن مَذاهِبِهِمُ الِاخْتِصارَ [لِلتَّخْفِيفِ والإيجازِ، لِأنَّ افْتِنانَ المُتَكَلِّمِ والخَطِيبِ في الفُنُونِ أحْسَنُ مِنِ اقْتِصارِهِ] في المَقامِ عَلى فَنٍّ واحِدٍ، يَقُولُ القائِلُ مِنهُمْ: واللَّهِ لا أفْعَلُهُ، ثُمَّ واللَّهِ لا أفْعَلُهُ، إذا أرادَ التَّوْكِيدَ وحَسْمَ الأطْماعِ مِن أنْ يَفْعَلَهُ، كَما يَقُولُ: واللَّهِ أفْعَلُهُ بِإضْمارِ "لا" إذا أرادَ الِاخْتِصارَ، ويَقُولُ القائِلُ المُسْتَعْجِلُ: اعْجَلِ اعْجَلْ، ولِلرّامِي: ارْمِ ارْمِ، قالَ الشّاعِرُ: كَمْ نِعْمَةٍ كانَتْ لَهُ وكَمْ وكَمْ وَقالَ الآخَرُ: هَلّا سَألْتَ جُمُوعَ كِنْ ∗∗∗ دَةَ يَوْمَ ولَّوْا أيْنَ أيْنا وَرُبَّما جاءَتِ الصِّفَةُ فَأرادُوا تَوْكِيدَها، واسْتَوْحَشُوا مِن إعادَتِها ثانِيَةً لِأنَّها كَلِمَةٌ واحِدَةٌ، فَغَيَّرُوا مِنها حَرْفًا ثُمَّ أتْبَعُوها الأُولى، كَقَوْلِهِمْ: عَطْشانُ نَطْشانُ، وشَيْطانُ لَيْطانُ، وحَسَنٌ بَسَنٌ.
قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: ومِنَ الإتْباعِ: جائِعٌ نائِعٌ، ومَلِيحٌ قَرِيحٌ، وقَبِيحٌ شَقِيحٌ، وشَحِيحٌ نَحِيحٌ، وخَبِيثٌ نَبِيثٌ، وكَثِيرٌ بَثِيرٌ: وسَيِّغٌ لَيِّغٌ، وسائِغٌ لائِغٌ، وحَقِيرٌ نَقِيرٌ، وضَئِيلٌ بَئِيلٌ، وخَضِرٌ مَضِرٌ، وعِفْرِيتٌ نِفْرِيتٌ، وثِقَةٌ نِقَةٌ، وكِنٌّ إنٌّ، وواحِدٌ فاحِدٌ، وحائِرٌ بائِرٌ، وسَمْحٌ لَمْحٌ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَلَمّا عَدَّدَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ نَعْماءَهُ.
وَأذْكَرَ عِبادَهُ آلاءَهُ ونَبَّهَهم عَلى قُدْرَتِهِ، جَعَلَ كُلَّ كَلِمَةٍ مِن ذَلِكَ فاصِلَةً بَيْنَ كُلِّ نِعْمَتَيْنِ، لِيُفْهِمَهُمُ النِّعَمَ ويُقْرِّرَهم بِها، كَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ: ألَمْ أُبَوِّئْكَ مَنزِلًا وكُنْتَ طَرِيدًا؟
أفَتُنْكِرُ هَذا ؟
ألَمْ أحُجَّ بِكَ وأنْتَ صَرُورَةٌ؟
أفَتُنْكِرُ هَذا؟
.
وَرَوى الحاكِمُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ في "صَحِيحِهِ" مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «قَرَأ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ سُورَةَ الرَّحْمَنِ حَتّى خَتَمَها [ثُمَّ] قالَ: "مالِي أراكم سُكُوتًا؟!
لَلْجِنُّ كانُوا أحْسَنَ مِنكم رَدًّا، ما قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةَ مِن مَرَّةٍ "فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ" إلّا قالُوا: ولا بِشَيْءٍ مِن نِعَمِكَ رَبَّنا نُكَذِّبُ فَلَكَ الحَمْدُ.» قَوْلُهُ تَعالى ﴿ رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ﴾ قَرَأ أبُو رَجاءٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "رَبِّ المَشْرِقَيْنِ ورَبِّ المَغْرِبَيْنِ" بِالخَفْضِ، وهُما مَشْرِقُ الصَّيْفِ ومَشْرِقُ الشِّتاءِ ومَغْرِبُ الصَّيْفِ ومَغْرِبُ الشِّتاءِ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ جَمِيعًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَرَجَ البَحْرَيْنِ ﴾ أيْ: أرْسَلَ العَذْبَ والمِلْحَ وخَلّاهُما وجَعَلَهُما "يَلْتَقِيانِ" ﴿ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ ﴾ أيْ: حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿ يَبْغِيانِ ﴾ أيْ: لا يَخْتَلِطانِ فَيَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَحْرُ السَّماءِ وبَحْرُ الأرْضِ يَلْتَقِيانِ كُلَّ عامٍ.
قالَ الحَسَنُ: ﴿ مَرَجَ البَحْرَيْنِ ﴾ يَعْنِي [بَحْرَ] فارِسَ والرُّومِ، بَيْنَهُما بَرْزَخٌ، يَعْنِي الجَزائِرَ؛ وقَدْ سَبَقَ بَيانُ هَذا في [الفُرْقانِ: ٥٣] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ البَحْرِ المِلْحِ، وإنَّما جَمَعَهُما، لِأنَّهُ إذا خَرَجَ مِن أحَدِهِما فَقَدْ أُخْرِجَ مِنهُما، ومِثْلُهُ ﴿ وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا ﴾ .
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أرادَ: يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما، فَحُذِفَ المُضافُ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّما قالَ "مِنهُما" لِأنَّهُ يَخْرُجُ مِن أصْدافِ البَحْرِ عَنْ قَطْرِ السَّماءِ.
فَأمّا اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ، فَفِيهِما قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ المَرْجانَ: ما صَغُرَ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، واللُّؤْلُؤُ: العِظامُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ، مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والفَرّاءُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: اللُّؤْلُؤُ: اسْمٌ جامِعٌ لِلْحَبِّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ البَحْرِ، والمَرْجانُ: صِغارُهُ.
والثّانِي: أنَّ اللُّؤْلُؤَ: الصِّغارُ، والمَرْجانَ: الكِبارُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا أمْطَرَتِ السَّماءُ، فَتَحْتِ الأصْدافُ أفْواهَها، فَما وقَعَ فِيها مِن مَطَرٍ فَهو لُؤْلُؤٌ؛ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَيْثُ وقَعَتْ قَطْرَةٌ كانَتْ لُؤْلُؤَةً.
وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: ذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ المَرْجانَ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ.
قالَ أبُو بَكْرٍ، يَعْنِي ابْنَ دُرَيْدٍ: ولَمْ أسْمَعَ فِيهِ بِفِعْلٍ مُنْصَرِفٍ، وأحْرِ بِهِ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ.
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: المَرْجانُ: الخَرَزُ الأحْمَرُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: [المَرْجانُ] أبْيَضُ شَدِيدُ البَياضِ.
وحَكى القاضِي أبُو يَعْلى أنَّ المَرْجانَ: ضَرْبٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ كالقُضْبانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ الجَوارِ ﴾ يَعْنِي السُّفُنَ "المُنْشَآتُ" قالَ مُجاهِدٌ: هو ما قَدْ رُفِعَ قِلْعُهُ مِنَ السُّفُنِ دُونَ ما لَمْ يُرْفَعْ قِلْعُهُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هُنَّ اللَّواتِي أُنْشِئْنَ، أيِ: ابْتُدِئَ بِهِنَّ في "البَحْرِ" وقَرَأ حَمْزَةُ: "المُنْشِئاتُ"، فَجَعَلَهُنَّ اللَّواتِي ابْتَدَأْنَ، يُقالُ: أنْشَأتِ السَّحابَةُ تُمْطِرُ: إذا ابْتَدَأتْ، وأنْشَأ الشّاعِرُ يَقُولُ، والأعْلامُ: الجِبالُ، وقَدْ سَبَقَ هَذا [الشُّورى: ٣٢] .
<div class="verse-tafsir"