الآية ١ من سورة الماعون

الإسلام > القرآن > سور > سورة 107 الماعون > الآية ١ من سورة الماعون

أَرَءَيْتَ ٱلَّذِى يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 72 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة الماعون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ١ من سورة الماعون عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

مكية يقول تعالى : أرأيت - يا محمد - الذي يكذب بالدين ؟

وهو : المعاد والجزاء

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) يعني تعالى ذكره بقوله: (أرأيت الذي يكذب بالدين) أرأيت يا محمد الذي يكذّب بثواب الله وعقابه, فلا يطيعه في أمره ونهيه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, في قوله: ( أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ) قال: الذي يكذّب بحكم الله عز وجلّ.

حدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء, عن ابن جُرَيج ( يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ) قال: بالحساب.

وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله: " أرأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ الدِّينَ" فالباء في قراءته صلة, دخولها في الكلام وخروجها واحد.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

تفسير سورة الماعونوهي سبع آياتوهي مكية في قول عطاء وجابر وأحد قولي ابن عباس وغيره ومدنية في قول له آخر وهو قول قتادةبسم الله الرحمن الرحيمأرأيت الذي يكذب بالدينقوله تعالى : أرأيت الذي يكذب بالدين أي بالجزاء والحساب في الآخرة ; وقد تقدم في ( الفاتحة ) .

وأرأيت بإثبات الهمزة الثانية ; إذ لا يقال في أرأيت : ريت ، ولكن ألف الاستفهام سهلت الهمزة ألفا ; ذكره الزجاج .

وفي الكلام حذف ; والمعنى : أرأيت الذي يكذب بالدين : أمصيب هو أم مخطئ .

واختلف فيمن نزل هذا فيه ; فذكر أبو صالح عن ابن عباس قال : نزلت في العاص بن وائل السهمي ; وقاله الكلبي ومقاتل .

وروى الضحاك عنه قال : نزلت في رجل من المنافقين .

وقال السدي : نزلت في الوليد بن المغيرة .

وقيل في أبي جهل .

الضحاك : في عمرو بن عائذ .

قال ابن جريج : نزلت في أبي سفيان ، وكان ينحر في [ ص: 188 ] كل أسبوع جزورا ، فطلب منه يتيم شيئا ، فقرعه بعصاه ; فأنزل الله هذه السورة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى ذامًا لمن ترك حقوقه وحقوق عبادة: { أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ } أي: بالبعث والجزاء، فلا يؤمن بما جاءت به الرسل.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

مكية ( أرأيت الذي يكذب بالدين ) قال مقاتل : نزلت في العاص بن وائل السهمي وقال السدي ومقاتل بن حيان وابن كيسان : في الوليد بن المغيرة .

قال الضحاك : في [ عمرو ] بن عائذ المخزومي .

وقال عطاء عن ابن عباس : في رجل من المنافقين .

ومعنى " يكذب بالدين " أي بالجزاء والحساب .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أرأيت الذي يُكذِّب بالدين» بالجزاء والحساب، أي هل عرفته وإن لم تعرفه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أرأيت حال ذلك الذي يكذِّب بالبعث والجزاء؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( فَذَلِكَ الذي يَدُعُّ اليتيم )أى : فذلك الذى يكذب بالبعث والحساب والجزاء ، من أبرز صفاته القبيحة .

أنه " يدع اليتيم " أى : يقسو عليه ، ويزجره زجرا عنيفا ، ويسد كل باب خير فى وجهه ، ويمع كل حق له .

.فقوله : ( يَدُعُّ ) من الدع وهو الدفع الشديد ، والتعنيف الشنيع للغير .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ بعضهم (أريت) بحذف الهمزة، قال الزجاج: وهذا ليس بالاختيار، لأن الهمزة إنما طرحت من المستقبل نحو يرى وأرى وترى، فأما رأيت فليس يصح عن العرب فيها ريت، ولكن حرف الاستفهام لما كان في أول الكلام سهل إلغاء الهمزة، ونظيره: صاح هل ريت أو سمعت براع *** رد في الضرع ما قرى في العلاب وقرأ ابن مسعود (أرأيتك) بزيادة حرف الخطاب كقوله: ﴿ أَرَءيْتَكَ هذا الذي كرمت على  ﴾ .

المسألة الثانية: قوله: ﴿ أَرَأَيْتَ ﴾ معناه هل عرفت الذي يكذب بالجزاء من هو، فإن لم تعرفه: فهو الذي يَدُعُّ اليتيم.

واعلم أن هذا اللفظ وإن كان في صورة الاستفهام، لكن الغرض بمثله المبالغة في التعجب كقولك: أرأيت فلاناً ماذا ارتكب ولماذا عرض نفسه؟

ثم قيل: إنه خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، وقيل: بل خطاب لكل عاقل أي أرأيت يا عاقل هذا الذي يكذب بالدين بعد ظهور دلائله ووضوح تبيانه أيفعل ذلك لا لغرض، فكيف يليق بالعاقل جر العقوبة الأبدية إلى نفسه من غير غرض أو لأجل الدنيا، فكيف يليق بالعاقل أن يبيع الكثير الباقي بالقليل الفاني.

المسألة الثالثة: في الآية قولان: أحدهما: أنها مختصة بشخص معين، وعلى هذا القول ذكروا أشخاصاً، فقال ابن جريج: نزلت في أبي سفيان كان ينحر جزورين في كل أسبوع، فأتاه يتيم فسأله لحماً فقرعه بعصاه، وقال مقاتل: نزلت في العاص بن وائل السهمي، وكان من صفته الجمع بين التكذيب بيوم القيامة، والإتيان بالأفعال القبيحة، وقال السدي: نزلت في الوليد بن المغيرة، وحكى الماوردي أنها نزلت في أبي جهل، وروي أنه كان وصياً ليتيم، فجاءه وهو عريان يسأله شيئاً من مال نفسه، فدفعه ولم يعبأ به فأيس الصبي، فقال له أكابر قريش: قل لمحمد يشفع لك، وكان غرضهم الاستهزاء ولم يعرف اليتيم ذلك، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم والتمس منه ذلك، وهو عليه الصلاة والسلام ما كان يرد محتاجاً فذهب معه إلى أبي جهل فرحب به وبذل المال لليتيم فعيره قريش، فقالوا: صبوت، فقال: لا والله ما صبوت، لكن رأيت عن يمينه وعن يساره حربة خفت إن لم أجبه يطعنها في، وروي عن ابن عباس أنها نزلت في منافق جمع بين البخل والمراءاة والقول الثاني: أنه عام لكل من كان مكذباً بيوم الدين، وذلك لأن إقدام الإنسان على الطاعات وإحجامه عن المحظورات إنما يكون للرغبة في الثواب والرهبة عن العقاب، فإذا كان منكراً للقيامة لم يترك شيئاً من المشتهيات واللذات، فثبت أن إنكار القيامة كالأصل لجميع أنواع الكفر والمعاصي.

المسألة الرابعة: في تفسير الدين وجوه: أحدها: أن يكون المراد من يكذب بنفس الدين والإسلام إما لأنه كان منكراً للصانع، أو لأنه كان منكراً للنبوة، أو لأنه كان منكراً للمعاد أو لشيء من الشرائع، فإن قيل: كيف يمكن حمله على هذا الوجه، ولا بد وأن يكون لكل أحد دين والجواب: من وجوه: أحدها: أن الدين المطلق في اصطلاح أهل الإسلام، والقرآن هو الإسلام قال: الله تعالى: ﴿ إِنَّ الدّينَ عِندَ الله الإسلام  ﴾ أما سائر المذاهب فلا تسمى ديناً إلا بضرب من التقييد كدين النصارى واليهود.

وثانيها: أن يقال: هذه المقالات الباطلة ليست بدين، لأن الدين هو الخضوع لله وهذه المذاهب إنما هي خضوع للشهوة أو للشبهة.

وثالثها: وهو قول أكثر المفسرين.

أن المراد أرأيت الذي يكذب بالحساب والجزاء، قالوا: وحمله على هذا الوجه أولى لأن من ينكر الإسلام قد يأتي بالأفعال الحميدة ويحترز عن مقابحها إذا كان مقراً بالقيامة والبعث، أما المقدم على كل قبيح من غير مبالاة فليس هو إلا المنكر للبعث والقيامة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: ﴿ أريت ﴾ ، بحذف الهمزة، وليس بالاختيار؛ لأنّ حذفها مختص بالمضارع، ولم يصحّ عن العرب: ريت، ولكن الذي سهل من أمرها وقوع حرف الاستفهام في أوّل الكلام.

ونحوه: صَاحِ هَلْ رَيْتَ أَوْ سَمِعْتَ بِرَاعٍ ** رَدَّ فِي الضَّرْعِ مَا قَرَى فِي الْحِلاَبِ وقرأ ابن مسعود: ﴿ أرأيتك ﴾ بزيادة حرف الخطاب، كقوله: ﴿ أرأيتك هذا الذي كرّمت عليّ ﴾ [الإسراء: 62] والمعنى: هل عرفت الذي يكذب بالجزاء من هو؟

إن لم تعرفه ﴿ فَذَلِكَ الذى ﴾ يكذب بالجزاء، هو الذي ﴿ يَدُعُّ اليتيم ﴾ أي: يدفعه دفعاً عنيفاً بجفوة وأذى، ويردّه ردّاً قبيحاً بزجر وخشونة.

وقرئ: ﴿ يدع ﴾ أي: يترك ويجفو ﴿ وَلاَ يَحُضُّ ﴾ ولا يبعث أهله على بذل طعام المسكين، جعل علم التكذيب بالجزاء منع المعروف والإقدام على إيذاء الضعيف، يعني: أنه لو آمن بالجزاء وأيقن بالوعيد، لخشي الله تعالى وعقابه ولم يقدم على ذلك، فحين أقدم عليه: علم أنه مكذب، فما أشدّه من كلام، وأما أخوفه من مقام.

وما أبلغه في التحذير من المعصية وأنها جديرة بأن يستدلّ بها على ضعف الإيمان ورخاوة عقد اليقين، ثم وصل به قوله ﴿ فَوَيْلٌ لّلْمُصَلّينَ ﴾ كأنه قال: فإذا كان الأمر كذلك، فويل للمصلين الذين يسهون عن الصلاة قلة مبالاة بها، حتى تفوتهم أو يخرج وقتها، أو لا يصلونها كما صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف ولكن ينقرونها نقراً من غير خشوع وإخبات ولا اجتناب لما يكره فيها: من العبث باللحية والثياب وكثرة التثاؤب والالتفات، لا يدري الواحد منهم عن كم انصرف، ولا ما قرأ من السور، وكما ترى صلاة أكثر من ترى الذين عادتهم الرياء بأعمالهم ومنع حقوق أموالهم.

والمعنى: أن هؤلاء أحق بأن يكون سهوهم عن الصلاة- التي هي عماد الدين، والفارق بين الإيمان والكفر والرياء الذي هو شعبة من الشرك، ومنع الزكاة التي هي شقيقة الصلاة وقنطرة الإسلام- علماً على أنهم مكذبون بالدين.

وكم ترى من المتسمين بالإسلام، بل من العلماء منهم من هو على هذه الصفة، فيا مصيبتاه.

وطريقة أخرى: أن يكون ﴿ فَذَلِكَ ﴾ عطفاً على ﴿ الذى يُكَذّبُ ﴾ إمّا عطف ذات على ذات، أوصفة على صفة، ويكون جواب ﴿ أَرَءَيْتَ ﴾ محذوفاً لدلالة ما بعده عليه، كأنه قيل: أخبرني، وما تقول فيمن يكذب بالجزاء؟

وفيمن يؤذي اليتيم ولا يطعم المسكين؟

أنِعم ما يصنع؟

ثم قال: ﴿ فَوَيْلٌ لّلْمُصَلّينَ ﴾ أي: إذا علم أنه مسيء، فويل للمصلين، على معنى: فويل لهم، إلا أنه وضع صفتهم موضع ضميرهم؛ لأنهم مع التكذيب وما أضيف إليهم ساهين عن الصلاة مرائين، غير مزكين أموالهم.

فإن قلت: كيف جعلت المصلين قائماً مقام ضمير الذي يكذب، وهو واحد؟

قلت: معناه الجمع، لأنّ المراد به الجنس.

فإن قلت: أيّ فرق بين قوله: ﴿ عَن صلاتهم ﴾ وبين قولك: (في صلاتهم)؟

قلت: معنى: (عن): أنهم ساهون عنها سهو ترك لها وقلة التفات إليها؛ وذلك فعل المنافقين أو الفسقة الشطار من المسلمين.

ومعنى (في): أنّ السهو يعتريهم فيها بوسوسة شيطان أو حديث نفس، وذلك لا يكاد يخلو منه مسلم.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع له السهو في صلاته فضلاً عن غيره؛ ومن ثم أثبت الفقهاء باب سجود السهو في كتبهم.

وعن أنس رضي الله عنه: الحمد لله على أن لم يقل في صلاتهم.

وقرأ ابن مسعود: ﴿ لاهون ﴾ فإن قلت: ما معنى المراآة قلت: هي مفاعلة من الإراءة، لأنّ المرائي يري الناس عمله، وهم يرونه الثناء عليه والإعجاب به، ولا يكون الرجل مرائياً بإظهار العمل الصالح إن كان فريضة، فمن حقّ الفرائض الإعلان بها وتشهيرها، لقوله عليه الصلاة السلام: «ولا غمة في فرائض الله» لأنها أعلام الإسلام وشعائر الدين؛ ولأن تاركها يستحق الذمّ والمقت، فوجب إماطة التهمة بالإظهار؛ وإن كان تطوعاً، فحقه أن يخفي، لأنه مما لا يلام برتكه ولا تهمة فيه؛ فإن أظهره قاصداً للاقتداء به كان جميلاً، وإنما الرياء أن يقصد بالإظهار أن تراه الأعين، فيثنى عليه بالصلاح.

وعن بعضهم: أنه رأى رجلاً في المسجد قد سجد سجدة الشكر وأطالها، فقال: ما أحسن هذا لو كان في بيتك؛ وإنما قال هذا لأنه توسم فيه الرياء والسمعة؛ على أن اجتناب الرياء صعب إلاّ على المرتاضين بالإخلاص.

ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرياء أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة المظلمة على المسح الأسود» ﴿ الماعون ﴾ الزكاة، قال الراعي: قِوْمٌ عَلَى الإسْلاَمِ لما يَمْنَعُوا ** مَاعُونَهُمْ وِيُضَيِّعُوا التَّهْلِيلاَ وعن ابن مسعود: ما يتعاور في العادة من الفأس والقدر والدلو والمقدحة ونحوها.

وعن عائشة الماء والنار والملح؛ وقد يكون منع هذه الأشياء محظوراً في الشريعة إذا استعيرت عن اضطرار، وقبيحاً في المروءة في غير حال الضرورة.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة أرأيت غفر الله له إن كان للزكاة مؤديا» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ الماعُونِ مُخْتَلَفٌ فِيها، وآيُها سَبْعُ آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ أرَأيْتَ ﴾ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّعَجُّبُ، وقُرِئَ «أرَيْتَ» بِلا هَمْزٍ إلْحاقًا بِالمُضارِعِ، ولَعَلَّ تَصْدِيرَها بِحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ سَهَّلَ أمْرَها و «أرَأيْتُكَ» بِزِيادَةِ الكافِ.

﴿ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴾ بِالجَزاءِ أوِ الإسْلامِ والَّذِي يَحْتَمِلُ الجِنْسَ والعَهْدَ ويُؤَيِّدُ الثّانِيَ قَوْلُهُ: ﴿ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ ﴾ يَدْفَعُهُ دَفْعًا عَنِيفًا وهو أبُو جَهْلٍ كانَ وصِيًّا لِيَتِيمٍ فَجاءَهُ عُرْيانًا يَسْألُهُ مِن مالِ نَفْسِهِ فَدَفَعَهُ، أوْ أبُو سُفْيانَ نَحَرَ جَزُورًا فَسَألَهُ يَتِيمٌ لَحْمًا فَقَرَعَهُ بِعَصاهُ، أوِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، أوْ مُنافِقٌ بَخِيلٌ.

وَقُرِئَ «يَدَعُ» أيْ يَتْرُكُ.

﴿ وَلا يَحُضُّ ﴾ أهْلَهُ وغَيْرَهم.

﴿ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ ﴾ لِعَدَمِ اعْتِقادِهِ بِالجَزاءِ ولِذَلِكَ رَتَّبَ الجُمْلَةَ عَلى يُكَذِّبُ بِالفاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَذَلِكَ الذى} يكذب بالجزاء هو الذي {يَدُعُّ اليتيم} أي يدفعه دفعاً عنيفاً بجفوة وأذى ويرده رداً قبيحاً بزجر وخشونة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ الماعُونِ وتُسَمّى سُورَةَ أرَأيْتَ والدِّينِ والتَّكْذِيبِ.

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ كَما في الدُّرِّ المَنثُورِ.

وفي البَحْرِ أنَّها مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وحُكِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ الضَّحّاكِ.

وقالَ هِبَةُ اللَّهِ المُفَسِّرُ الضَّرِيرُ: نَزَلَ نِصْفُها بِمَكَّةَ في العاصِ بْنِ وائِلٍ، ونِصْفُها في المَدِينَةِ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ المُنافِقِ.

وآيُها سَبْعٌ في العِراقِيِّ وسِتٌّ في الباقِيَةِ.

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ في سُورَةِ قُرَيْشٍ: ﴿ أطْعَمَهم مِن جُوعٍ ﴾ ذَمَّ عَزَّ وجَلَّ هُنا مَن لَمْ يَحُضَّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ، ولَمّا قالَ تَعالى هُناكَ: ( لْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ ) ذَمَّ سُبْحانَهُ هُنا مَن سَها عَنْ صَلاتِهِ أوْ لَمّا عَدَّدَ نِعَمَهُ تَعالى عَلى قُرَيْشٍ وكانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ أتْبَعَ سُبْحانَهُ امْتِنانَهُ عَلَيْهِمْ بِتَهْدِيدِهِمْ بِالجَزاءِ وتَخْوِيفِهِمْ مِن عَذابِهِ فَقالَ عَزَّ قائِلٌ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴾ اسْتِفْهامٌ أُرِيدَ بِهِ تَشْوِيقُ السّامِعِ إلى تَعَرُّفِ المُكَذِّبِ وأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَجِبُ عَلى المُتَدَيِّنِ لِيَحْتَرِزَ عَنْهُ وعَنْ فِعْلِهِ، وفِيهِ أيْضًا تَعْجِيبٌ مِنهُ والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، والرُّؤْيَةُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ المُتَعَدِّيَةِ لِواحِدٍ.

وقالَ الحُوفِيُّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَصَرِيَّةً، وعَلى الوَجْهَيْنِ يَجُوزُ أنْ يُتَجَوَّزَ بِذَلِكَ عَنِ الإخْبارِ فَيَكُونُ المُرادُ بِ أرَأيْتَ أخْبِرْنِي وحِينَئِذٍ تَكُونَ مُتَعَدِّيَةً لِاثْنَيْنِ أوَّلُهُما المَوْصُولُ وثانِيهِما مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مَن هو أوَألَيْسَ مُسْتَحِقًّا لِلْعَذابِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ لا تَكُونُ الرُّؤْيَةُ المُتَجَوَّزُ بِها إلّا بَصَرِيَّةً فِيهِ نَظَرٌ، وكَذا إطْلاقُ القَوْلِ بِأنَّ كافَ الخِطابِ لا تَلْحَقُ البَصَرِيَّةَ؛ إذْ لا مانِعَ مِن ذَلِكَ بَعْدَ التَّجَوُّزِ فَلا يُرَجَّحُ كَوْنُها عِلْمِيَّةً قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: «أرَأيْتُكَ» بِكافِ الخِطابِ المَزِيدَةِ لِتَأْكِيدِ التّاءِ.

و(الدِّينِ) الجَزاءُ وهو أحَدُ مَعانِيهِ ومِنهُ: كَما تَدِينُ تُدانُ.

وفي مَعْناهُ قَوْلُ مُجاهِدٍ: الحِسابُ أوِ الإسْلامُ.

كَما هو الأشْهَرُ ولَعَلَّهُ مُرادُ مَن فَسَّرَهُ بِالقُرْآنِ.

وكَذا مَن فَسَّرَهُ كابْنِ عَبّاسٍ بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ: «أرَيْتَ» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ كَأنَّهُ حَمَلَ الماضِيَ في حَذْفِ هَمْزَتِهِ عَلى مُضارِعِهِ المُطَّرِدِ فِيهِ حَذْفُها، وهَذا كَما أُلْحِقَ تَعَدَّ بِيَعِدُ في الإعْلالِ، ولَعَلَّ تَصْدِيرَ الفِعْلِ هُنا بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ سَهَّلَ أمْرَ الحَذْفِ فِيهِ لِمُشابَهَتِهِ لِلَفْظِ المُضارِعِ المَبْدُوءِ بِالهَمْزَةِ، ومِن هَنا كانَتْ هَذِهِ القِراءَةُ أقْوى تَوْجِيهًا مِمّا في قَوْلِهِ: صاحِ هَلْ رَيْتَ أوْ سَمِعْتَ بِراعٍ رَدَّ في الضَّرْعِ ما قَرى في العِلابِ وقِيلَ: أُلْحِقَ بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ بِأرى ماضِي الأفْعالِ لِشَدَّةِ مُشابَهَتِهِ بِهِ وعَدَمِ التَّفاوُتِ إلّا بِفَتْحَةٍ هي لِخِفَّتِها في حُكْمِ السُّكُونِ ولَيْسَ بِذاكَ، وإنْ زُعِمَ أنَّهُ الأوْجَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

مختلف فيها وهي سبع آيات مكية قوله تعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ قرأ الكسائي، أَرَأَيْتَ بغير ألف.

وقرأ نافع بالألف بغير همزة، والباقون بالألف والهمزة، أَرَأَيْتَ.

وهذه كلها لغات العرب، واللغة المعروفة بالألف والهمزة، ومعناه ألا ترى يا محمد  هذا الكافر الذي يكذب بالدين يعني: بيوم القيامة.

وقال: معناه ما تقول يا محمد في هذا الكافر، الذي يكذب بيوم القيامة، فكيف يكون حاله يوم القيامة.

وقال قتادة: نزلت في وهب بن عايل، وقال جعدة بن هبيرة: نزلت في العاص بن وائل، ويقال: هذا تهديد لجميع الكفار.

ثم قال عز وجل: فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ يعني: يدفع اليتيم عن حقه، ويقال: يمنع اليتيم حقه ويظلمه وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ يعني: لا يحث على طعام المسكين، ويقال: لا يطعم المسكين.

ثم قال عز وجل: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ يعني: للمنافقين الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ يعني: لاهين عنها حتى يذهب وقتها.

الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ الناس بالصلاة، ولا يريدون بها وجه الله تعالى، حتى إذا رأوا الناس صلوا، وإذا لم يروا الناس لم يصلوا.

قوله تعالى: وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ قال مقاتل: يمنعون الزكاة، والماعون بلغة الحبش المال.

وعن علي بن أبي طالب-  - أنه قال: يراءون بصلاتهم، ويمنعون الزكاة.

ويقال: الماعون يعني: المعروف كله، الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم.

وعن أبي عبيد قال: سألت عبد الله بن مسعود، -  - عن الماعون، قال: الماعون ما يتعاطاه الناس فيما بينهم، مثل الفأس والقدوم والقدر والدلو ونحو ذلك.

وروى وكيع، عن سالم بن عبد الله.

قال: سمعت عكرمة يقول: الماعون: الفأس، والقدوم، والقدر، والدلو.

قلت: من منع هذا فله الويل.

قال من راءى بصلاة وسها عنها، ومنع هذا فله الويل.

وقال القتبي: الماعون الزكاة، ويقال: الماعون هو الماء والكلأ.

وروي عن الفراء أنه قال: هو المال، والله تعالى أعلم بالصواب.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تفسير سورة «الماعون»

وهي مكّيّة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧)

قوله سبحانه: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ الآية، توقيفٌ وتنبيهٌ لِتَتَذكَّرَ نَفْسُ السامعِ كلَّ من تعرفُه بهذه الصفةِ، والدينُ: الجزاءُ.

ودعُّ اليتيِمِ: دَفْعُه بعُنْفٍ إمَّا عن إطعامهِ والإحْسَانِ إليه، وإما عن حقِّه ومالِه، وهو أشد، ويُرْوَى أَن هذهِ الآيةَ نزلتْ في بعضِ المُضْطَرِبِينَ في الإسلام بمكةَ، لم يُحَقِّقُوا فيه، وفُتِنُوا فَافْتَتَنُوا، وربَّمَا كَانَ يصلى بعضُهم أحياناً مع المسلمينَ مدافعَةً وحَيْرَةً، فقال تعالى فيهم: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الآية، ونقل الثعلبي عن ابن عباس وغيره أنَّ الآيةَ نزلتْ في العاصِ بن وائلٍ، انتهى «١» ، وقال السهيليّ: قال أهل التفسير: نَزَلَ أولُ السورةِ بمكةَ في أبي جهلٍ، وهو الذي يكذِّبُ/ بالدينِ، ونزل آخرُها بالمدينةِ في عبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبيٍّ ابن سَلُولَ وأصحابه، وهم الذين يُرَاؤُونَ ويَمْنَعُونَ الماعون، انتهى، قال سعد بن أبي وقاصٍ: سألتُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ، فَقَالَ: «همُ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَهَا عَنْ وَقْتِها» «٢» ، يريدُ- واللَّه أعلم- تَأْخِيرَ تَرْكٍ وإهْمَالٍ، وإلى هذَا نَحَا مجاهد «٣» ، وقال

عطاء بن يَسَارٍ: الحمدُ للَّهِ الَّذِي قَال: عَنْ صَلاتِهِمْ وَلَمْ يَقُلْ: في صَلاَتِهِمْ «١» .

وقوله تعالى: الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ بيانُ أنَّ صلاةَ هؤلاءِ لَيْسَتْ للَّهِ تعالى بإيمانٍ، وإنَّمَا هي رياءٌ للبشر، فلاَ قَبُولَ لها.

وقوله تعالى: وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ وصفٌ لهم بِقِلَّةِ النفعِ لعبادِ اللَّهِ، وتلكَ شَرُّ خِصْلَةٍ، وقال عليٌّ وابن عمر: الْماعُونَ: الزكاة «٢» ، وقَالَ ابنُ مسعودٍ وابن عباس وجماعة: هُو مَا يَتَعَاطَاهُ النَّاسُ كَالفَأْسِ، والدَّلْوِ، والآنِيَةِ، والمقَصِّ ونحوه «٣» ، وسئل النبي صلّى الله عليه وسلّم: مَا الشَّيْءُ الَّذِي لاَ يَحِلُّ مَنْعُهُ فَقَالَ: المَاءُ وَالنَّارُ، والمِلْحُ، ورَوَتْهُ عَائِشَةُ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-، وفي بَعْضِ الطُّرُقِ زيادَة الإبْرَةِ، والخَمِيرِ، قال البخاريُّ:

المَاعُونُ: المعروفُ كلُّه، وقال بعضُ العربِ: الماعونُ: الماءُ، وقال عكرمةُ: أعلاه الزكاةُ المفروضة، وأدناه عاريّة المتاع، انتهى «٤» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الماعُونِ وَيُقالُ لَها: سُورَةُ أرَأيْتَ وَفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مَكِّيَّةٌ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: مَدَنِيَّةٌ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.

وقالَ هِبَةَ اللَّهِ المُفَسِّرُ: نَزَلَ نِصْفُها بِمَكَّةَ في العاصِ بْنِ وائِلٍ، ونِصْفُها بِالمَدِينَةِ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي المُنافِقِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى سِتَّةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: نَزَلَتْ في عَمْرِو بْنِ عائِذٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: في العاصِ بْنِ وائِلٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والخامِسُ: في أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والسّادِسُ: في أبِي جَهْلٍ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

وَفِي " الدِّينِ " أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الحِسابُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: الجَزاءُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

والرّابِعُ: القُرْآنُ، حَكاهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

و " يَدُعُّ " بِمَعْنى يَدْفَعُ.

وقَدْ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ  ﴾ .

والمَعْنى: أنَّهُ يَدْفَعُ اليَتِيمَ عَنْ حَقِّهِ دَفْعًا عَنِيفًا لِيَأْخُذَ مالَهُ.

وقَدْ بَيَّنّا فِيما سَبَقَ أنَّهم كانُوا لا يُورِّثُونَ الصَّغِيرَ، وقِيلَ: يَدْفَعُ اليَتِيمَ إبْعادًا لَهُ، لِأنَّهُ لا يَرْجُو ثَوابَ إطْعامِهِ ﴿ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ ﴾ أيْ: لا يُطْعِمُهُ، ولا يَأْمُرُ بِإطْعامِهِ لِأنَّهُ مُكَذِّبٌ بِالجَزاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ﴾ نَزَلَ هَذا في المُنافِقِينَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِصَلاتِهِمْ ثَوابًا، ولا يَخافُونَ عَلى تَرْكِها عِقابًا.

فَإنْ كانُوا مَعَ النَّبِيِّ  صَلَّوْا رِياءً، وإنْ لَمْ يَكُونُوا مَعَهُ لَمْ يُصَلُّوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ هم يُراءُونَ ﴾ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: واللَّهِ ما تَرَكُوها البَتَّةَ ولَوْ تَرَكُوها البَتَّةَ كانُوا كُفّارًا، ولَكِنْ تَرَكُوا المُحافَظَةَ عَلى أوْقاتِها.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُؤَخِّرُونَها عَنْ وقْتِها.

ونُقِلَ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ قالَ: هو الَّذِي لا يَدْرِي عَنْ كَمِ انْصَرَفَ، عَنْ شَفْعٍ، أوْ عَنْ وتْرٍ.

ورَدَّ هَذا بَعْضُ العُلَماءِ فَقالَ: هَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَدْ سَها في صِلاتِهِ، ولِأنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿ عَنْ صَلاتِهِمْ ﴾ ولَمْ يَقُلْ: في صَلاتِهِمْ، ولِأنَّ ذاكَ لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ طَوْقِ ابْنِ آدَمَ.

قالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ: قُلْتُ: ولا أظُنُّ أبا العالِيَةِ أرادَ السَّهْوَ النّادِرَ، وإنَّما أرادَ السَّهْوَ الدّائِمَ، وذَلِكَ يُنْبِئُنا عَنِ التِفاتِ القَلْبِ عَنِ احْتِرامِ الصَّلاةِ، فَيَتَوَجَّهُ الذَّمُّ إلى ذَلِكَ لا إلى السَّهْوِ.

وَفِي ﴿ الماعُونَ ﴾ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الإبْرَةُ، والماءُ، والنّارُ، والفَأْسُ، وما يَكُونُ في البَيْتِ مِن هَذا النَّحْوِ، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  ، وإلى نَحْوِهِ ذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ.

ورَوى عَنْهُ أبُو صالِحٍ أنَّهُ قالَ: الماعُونُ: المَعْرُوفُ كُلُّهُ حَتّى ذَكَرَ القِدْرَ، والقَصْعَةَ، والفَأْسَ.

وقالَ عِكْرِمَةُ: لَيْسَ الوَيْلُ لِمَن مَنَعَ هَذا، إنَّما الوَيْلُ لِمَن جَمَعَهُنَّ، فَراءى في صِلاتِهِ، وسَها عَنْها، ومَنَعَ هَذا.

قالَ الزَّجّاجُ: والماعُونُ في الجاهِلِيَّةِ: كُلُّ ما كانَ فِيهِ مَنفَعَةٌ كالفَأْسِ، والقِدْرِ، والدَّلْوِ، والقَدّاحَةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وفي الإسْلامِ أيْضًا.

والثّانِي: أنَّهُ الزَّكاةُ، قالَهُ عَلِيٌّ، وابْنُ يَعْمَرَ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الطّاعَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ.

والرّابِعُ: المالُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، والزُّهْرِيُّ.

والخامِسُ: المَعْرُوفُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

والسّادِسُ: الماءُ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ قالَ: وأنْشَدَنِي: يَمُجُّ صَبِيرُهُ الماعُونَ صَبّا والصَّبِيرُ: السَّحابُ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الماعُونِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ عَلِمْتُهُ، وقالَ الثَعْلَبِيُّ: هي مَدَنِيَّةٌ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِينِ ﴾ ﴿ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ ﴾ ﴿ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ ﴾ ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ هم عن صَلاتِهِمْ ساهُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ هم يُراءُونَ ﴾ ﴿ وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ ﴾ هَذا تَوْقِيفٌ وتَنْبِيهٌ لِتَذْكُرَ نَفْسُ السامِعِ كُلُّ مَن يَعْرِفُهُ بِهَذِهِ الصِفَةِ، وهَمَزَ أبُو عَمْرٍو "أرَأيْتَ" -بِخِلافٍ عنهُ-، ولَمْ يَهْمِزْها نافِعٌ وغَيْرُهُ.

و"الدِينِ": الجَزاءُ ثَوابًا وعِقابًا، والحِسابُ هُنا قَرِيبٌ مِنَ الجَزاءِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ ﴾ أيْ: راقَبَ فِيهِ هَذِهِ الخِلال السَيِّئَةَ تَجِدُها، و"دَعِ اليَتِيمَ": دَفْعُهُ بِعُنْفٍ، وذَلِكَ إمّا أنْ يَكُونَ المَعْنى: عن إطْعامِهِ والإحْسانِ إلَيْهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ: عن حَقِّهِ ومالِهِ، فَهَذا أشَدُّ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "يَدَعُ" بِفَتْحِ الدالِ خَفِيفٌ، بِمَعْنى: لا يُحْسِنُ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ ﴾ أيْ لا يَأْمُرُ بِصَدَقَةٍ، ولا يَرى ذَلِكَ صَوابًا.

ويُرْوى أنَّ هَذِهِ السُورَةَ نَزَلَتْ في بَعْضِ المُضْطَرِّينَ في الإسْلامِ بِمَكَّةَ الَّذِينَ لَمْ يُحَقِّقُوا فِيهِ، وفُتِنُوا فافْتُتِنُوا، وكانُوا عَلى هَذا الخُلُقِ مِنَ الغَشْمِ وغِلْظِ العِشْرَةِ والفَظاظَةِ عَلى المَساكِينِ، ورُبَّما كانَ بَعْضُهم يُصَلِّي أحْيانًا مَعَ المُسْلِمِينَ مُدافَعَةً وحَيْرَةً، فَقالَ اللهُ تَعالى فِيهِمْ ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ هم عن صَلاتِهِمْ ساهُونَ ﴾ ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَ أبُو سُفْيانَ يَنْحَرُ كُلَّ أُسْبُوعٍ جَزُورًا فَجاءَهُ يَتِيمٌ فَقَرَعَهُ بِعَصًا، فَنَزَلَتِ السُورَةُ فِيهِ، قالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «سَألْتُ النَبِيَّ  عَنِ الَّذِينَ هم عن صَلاتِهِمْ ساهُونَ، قالَ: "هُمُ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَها عن وقْتِها"،» يُرِيدُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسُلَّمٍ -واللهُ تَعالى أعْلَمُ- تَأْخِيرُ تَرْكٍ وإهْمالٍ، وإلى هَذا نَحا مُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ "ساهُونَ"، هُمُ التارِكُونَ لَها، أو هُمُ الغافِلُونَ الَّذِينَ لا يُبالِي أحَدُهم صَلّى أمْ لَمْ يُصَلِّ، وقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قالَ "عن صَلاتِهِمْ"، ولَمْ يَقُلْ: "فِي صَلاتِهِمْ"، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "لاهُونَ" بَدَلُ "ساهُونَ".

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ هم يُراءُونَ ﴾ بَيانُ أنَّ صَلاةَ هَؤُلاءِ لَيْسَتْ لِلَّهِ تَعالى بَيِّنَةَ إيمانٍ، وإنَّما هي رِياءٌ لِلْبَشَرِ، فَلا قَبُولَ لَها، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو الأشْهَبِ: "يُرَؤُّنَ" مَهْمُوزَةً مَقْصُورَةً مُشَدَّدَةَ الهَمْزَةِ، ورَوى ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "يُرَؤُنَ" بِغَيْرِ شَدٍّ في الهَمْزَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ ﴾ وصْفٌ لَهم بِقِلَّةِ النَفْعِ لِعِبادِ اللهِ، وتِلْكَ شَرُّ خُلَّةٍ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: الماعُونَ: الزَكاةُ، قالَ الراعِي: قَوْمٌ عَلى الإسْلامِ لَمّا يَمْنَعُوا ماعُونَهم ويُضَيِّعُوا التَهْلِيلا وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو ما يَتَعاطاهُ الناسُ بَيْنَهم كالفَأْسِ والدَلْوِ والآنِيَةِ والمِقَصِّ ونَحْوِهِ، وقالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ، وابْنُ زَيْدٍ، والضَحّاكُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: الماعُونُ -بِلُغَةِ قُرَيْشٍ- المالُ، «وَسُئِلَ النَبِيُّ  : ما الشَيْءُ الَّذِي لا يَحِلُّ مَنعُهُ؟

فَقالَ: "الماءُ والنارُ والمِلْحُ"،» رَوَتْهُ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها، وفي بَعْضِ الطُرُقِ زِيادَةٌ " "والإبْرَةُ والخَمِيرُ"، وحَكى الفَرّاءُ عن بَعْضِ العَرَبِ أنَّ الماعُونَ الماءُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «كُنّا نُعِدُّ الماعُونَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ  عارِيَةَ القِدْرِ والدَلْوِ ونَحْوِها.» كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الماعُونِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الاستفهام مستعمل في التعجيب من حال المكذبين بالجزاء، وما أورثهم التكذيب من سوء الصنيع.

فالتعجيب من تكذيبهم بالدين وما تفرع عليه من دَعّ اليتيم وعدم الحضّ على طعام المسكين، وقد صيغ هذا التعجيب في نظم مشوِّق لأن الاستفهام عن رؤية من ثبتت له صلة الموصول يذهب بذهن السامع مذاهب شتى من تعرف المقصد بهذا الاستفهام، فإن التكذيب بالدين شائع فيهم فلا يكون مثاراً للتعجب فيترقب السامع ماذا يَرِد بعده وهو قوله: ﴿ فذلك الذي يدع اليتيم ﴾ .

وفي إقحام اسم الإِشارة واسم الموصول بعد الفاء زيادة تشويق حتى تقرع الصلة سمع السامع فتتمكن منه كَمَالَ تَمكُّن.

وأصل ظاهر الكلام أن يقال: أرأيت الذي يكذب بالدين فَيدُع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين.

والإِشارة إلى الذي يكذب بالدين باسم الإِشارة لتمييزه أكملَ تمييز حتى يتبصر السامع فيه وفي صفته، أو لتنزيله منزلة الظاهر الواضح بحيث يشار إليه.

والفاء لعطف الصفة الثانية على الأولى لإفادة تسبب مجموع الصفتين في الحكم المقصود من الكلام، وذلك شأنها في عطف الصفات إذا كان موصوفها واحداً مثل قوله تعالى: ﴿ والصافات صفاً فالزاجرات زجراً فالتاليات ذكراً ﴾ [الصافات: 1 3].

فمعنى الآية عطفُ صفتي: دَع اليتيم، وعدم إطعام المسكين على جزم التكذيب بالدين.

وهذا يفيد تشويه إنكار البعث بما ينشأ عن إنكاره من المذام ومن مخالفة للحق ومنَافياً لما تقتضيه الحكمة من التكليف، وفي ذلك كناية عن تحذير المسلمين من الاقتراب من إحدى هاتين الصفتين بأنهما من صفات الذين لا يؤمنون بالجزاء.

وجيء في ﴿ يكذب ﴾ ، و ﴿ يدُعّ ﴾ ، و ﴿ يَحُضّ ﴾ بصيغة المضارع لإفادة تكرر ذلك منه ودوامه.

وهذا إيذان بأن الإِيمان بالبعث والجزاء هو الوازع الحق الذي يغرس في النفس جذور الإقبال على الأعمال الصالحة حتى يصير ذلك لها خلقاً إذا شبت عليه، فزكت وانساقت إلى الخير بدون كلفة ولا احتياج إلى آمر ولا إلى مخافة ممن يقيم عليه العقوبات حتى إذا اختلى بنفسه وآمن الرقباء جاء بالفحشاء والأعمال النَّكراء.

والرؤية بصرية يتعدى فعلها إلى مفعول واحد، فإن المكذبين بالدين معروفون وأعمالهم مشهورة، فنزّلت شهرتهم بذلك منزلة الأمر المبصَر المشاهد.

وقرأ نافع بتسهيل الهمزة التي بعد الراء من ﴿ أرأيت ﴾ ألفاً.

وروى المصريون عن ورش عن نافع إبدالها ألفاً وهو الذي قرأنا به في تونس، وهكذا في فعل (رأى) كلما وقع بعد همزة استفهام، وذلك فرار من تحقيق الهمزتين، وقرأه الجمهور بتحقيقهما.

وقرأه الكسائي بإسقاط الهمزة التي بعد الراء في كل فعل من هذا القبيل.

واسم الموصول وصلتُه مراد بهما جنس من اتصف بذلك.

وأكثر المفسرين درجوا على ذلك.

وقيل: نزلت في العاص بن وائل السهمي، وقيل: في الوليد بن المغيرة المخزومي، وقيل: في عمرو بن عائذ المخزومي، وقيل: في أبي سفيان بن حرب قبل إسلامه بسبب أنه كان يَنحر كل أسبوع جَزوراً فجاءه مرة يتيم فسأله من لحمها فقرعه بعصا.

وقيل: في أبي جهل: كان وصياً على يتيم فأتاه عرياناً يسأله من مال نفسه فدفعه دفعاً شنيعاً.

والذين جعلوا السورة مدنية قالوا: نزلت في منافق لم يسموه، وهذه أقوال معزو بعضها إلى بعض التابعين ولو تعينت لشخص معين لم يكن سبب نزولها مخصِّصاً حكمَها بمن نزلتْ بسببه.

ومعنى ﴿ يدع ﴾ يدفع بعنف وقهر، قال تعالى: ﴿ يوم يدعون إلى نار جهنم دعاً ﴾ [الطور: 13].

والحض: الحث، وهو أن تطلب غيرك فعلاً بتأكيد.

والطعام: اسم الإِطعام، وهو اسم مصدر مضاف إلى مفعوله إضافة لفظية.

ويجوز أن يكون الطعام مراداً به ما يطعم كما في قوله تعالى: ﴿ فانظر إلى طعامك وشرابك ﴾ [البقرة: 259] فتكون إضافة طعام إلى المسكين معنوية على معنى اللام، أي الطعام الذي هو حقه على الأغنياء ويكون فيه تقدير مضاف مجرور ب (على) تقديره: على إعطاء طعام المسكين.

وكنى بنفي الحضّ عن نفي الإِطعام لأن الذي يشحّ بالحض على الإِطعام هو بالإِطعام أشح كما تقدم في قوله: ﴿ ولا تحاضون على طعام المسكين ﴾ في سورة الفجر (18) وقوله: ﴿ ولا يحض على طعام المسكين ﴾ في سورة الحاقة (34).

والمسكين: الفقير، ويطلق على الشديد الفقرِ، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ إنما الصدقات للفقراء والمساكين ﴾ في سورة التوبة (60).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الماعُونِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ عَطاءٍ وجابِرٍ، ومَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي بِالحِسابِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: بِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: بِالجَزاءِ الثَّوابِ والعِقابِ.

واخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَ هَذا فِيهِ عَلى خَمْسَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.

الثّانِي: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: في أبِي جَهْلٍ.

الرّابِعُ: في عَمْرِو بْنِ عائِذٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الخامِسُ: في أبِي سُفْيانَ وقَدْ نَحَرَ جَزُورًا، فَأتاهُ يَتِيمٌ، فَسَألَهُ مِنها، فَقَرَعَهُ بِعَصًا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

﴿ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِمَعْنى يُحَقِّرُ البَيْتَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: يَظْلِمُ اليَتِيمَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: يَدْفَعُ اليَتِيمَ دَفْعًا شَدِيدًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ﴾ أيْ يُدْفَعُونَ إلَيْها دَفْعًا.

وَفي دَفْعِهِ اليَتِيمَ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَدْفَعُهُ عَنْ حَقِّهِ ويَمْنَعُهُ مِن مالِهِ ظُلْمًا لَهُ وطَمَعًا فِيهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: يَدْفَعُهُ إبْعادًا لَهُ وزَجْرًا، وقَدْ قُرِئَ (يَدَعُ اليَتِيمَ) مُخَفَّفَةً، وتَأْوِيلُهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَتْرُكُ اليَتِيمَ فَلا يُراعِيهِ إطْراحًا لَهُ وإعْراضًا عَنْهُ.

وَيَحْتَمِلُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَأْوِيلًا ثالِثًا: يَدَعُّ اليَتِيمَ لِاسْتِخْدامِهِ وامْتِهانِهِ قَهْرًا واسْتِطالَةً.

﴿ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ ﴾ أيْ لا يَفْعَلُهُ ولا يَأْمُرُ بِهِ، ولَيْسَ الذَّمُّ عامًّا حَتّى يَتَناوَلَ مَن تَرَكَهُ عَجْزًا، ولَكِنَّهم كانُوا يَبْخَلُونَ ويَعْتَذِرُونَ لِأنْفُسِهِمْ يَقُولُونَ ﴿ أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ ﴾ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ، ويَكُونُ مَعْنى الكَلامِ لا يَفْعَلُونَهُ إنْ قَدَرُوا، ولا يَحُثُّونَ عَلَيْهِ إنْ عَجَزُوا.

﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴾ الآيَةَ، وفي إطْلاقِ هَذا الذَّمِّ إضْمارٌ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُنافِقُ، إنْ صَلّاها لِوَقْتِها لَمْ يَرْجُ ثَوابَها، وإنْ صَلّاها لِغَيْرِ وقْتِها لَمْ يَخْشَ عِقابَها، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّ إضْمارَهُ ظاهِرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ هُمْ ﴾ الآيَةَ.

وَإتْمامُ الآيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴾ ما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ﴾ إضْمارًا فِيها وإنْ كانَ نُطْقًا ظاهِرًا.

وَلَيْسَ السَّهْوُ الَّذِي يَطْرَأُ عَلَيْهِ في صَلاتِهِ ولا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ هو الَّذِي ذُمَّ بِهِ، لِأنَّهُ عَفْوٌ.

وَفي تَأْوِيلِ ما اسْتَحَقَّ بِهِ هَذا الذَّمَّ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْنى ساهُونَ أيْ لاهُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: غافِلُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنْ لا يُصَلِّيَها سِرًّا ويُصَلِّيَها عَلانِيَةً رِياءً لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: هو الَّذِي يَلْتَفِتُ يُمْنَةً ويُسْرَةً وهَوانًا بِصَلاتِهِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

الخامِسُ: هو ألّا يَقْرَأ ولا يَذْكُرَ اللَّهَ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

السّادِسُ: هو ما رَوى مُصْعَبُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ  عَنِ ﴿ الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ﴾ فَقالَ: (هُمُ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ عَنْ مَواقِيتِها)» .

﴿ الَّذِينَ هم يُراءُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المُنافِقُونَ الَّذِينَ يُراءُونَ بِصَلاتِهِمْ، يُصَلُّونَها مَعَ النّاسِ إذا حَضَرُوا، ولا يُصَلُّونَها إذا غابُوا، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في ذَمِّ كُلِّ مَن راءى لِعَمَلِهِ ولَمْ يَقْصِدْ بِهِ إخْلاصًا لِوَجْهِ رَبِّهِ.

رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: مَن عَمِلَ عَمَلًا لِغَيْرِي فَقَدْ أشْرَكَ بِي وأنا أغْنى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ)» .

﴿ وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الماعُونَ الزَّكاةُ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عُمَرَ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ، قالَ الرّاعِي: أخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إنّا مَعْشَرٌ حُنَفاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وأصِيلًا.

∗∗∗ عَرَبٌ نَرى لِلَّهِ في أمْوالِنا ∗∗∗ حُقَّ الزَّكاةِ مُنَزَّلًا تَنْزِيلًا ∗∗∗ قَوْمٌ عَلى الإسْلامِ لَمّا يَمْنَعُوا ∗∗∗ ماعُونَهم ويُضَيِّعُوا التَّهْلِيلا الثّانِي: أنَّهُ المَعْرُوفُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الطّاعَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ المالُ بِلِسانِ قُرَيْشٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبُ والزُّهْرِيُّ.

الخامِسُ: أنَّهُ الماءُ إذا احْتِيجَ إلَيْهِ ومِنهُ الماءُ المَعِينُ وهو الجارِي، قالَ الأعْشى بِأجْوَدِ مِنّا بِماعُونِهِ ∗∗∗ إذا ما سَماؤُهم لَمْ تَغِمْ السّادِسُ: أنَّهُ ما يَتَعاوَرُهُ النّاسُ بَيْنَهم، مِثْلُ الدَّلْوِ والقِدْرِ والفَأْسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَدْ رُوِيَ مَأْثُورًا.

السّابِعُ: أنَّهُ مَنعُ الحَقِّ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ.

الثّامِنُ: أنَّهُ المُسْتَغَلُّ مِن مَنافِعِ الأمْوالِ، مَأْخُوذٌ مِنَ المَعْنى وهو القَلِيلُ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ وابْنُ عِيسى.

وَيَحْتَمِلُ تاسِعًا: أنَّهُ المَعُونَةُ بِما خَفَّ فِعْلُهُ وقَلَّ ثِقَلُهُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: أنزلت ﴿ أرأيت الذي يكذب ﴾ بمكة.

وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ أرأيت الذي يكذب بالدين ﴾ قال: الكافر.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج ﴿ أرأيت الذي يكذب بالدين ﴾ قال: بالحساب.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ أرأيت الذي بالدين ﴾ قال: يكذب بحكم الله ﴿ فذلك الذي يدعّ اليتيم ﴾ قال: يدفعه عن حقه.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ فذلك الذي يدعّ اليتيم ﴾ قال: يدفعه عن حقه.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت أبا طالب يقول: يقسم حقاً لليتيم ولم يكن ** يدعّ لذي يسارهن الأصاغر وأخرج سعيد بن منصور عن محمد بن كعب ﴿ يدع اليتيم ﴾ قال: يدفعه.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ يدع اليتيم ﴾ قال: يظلمه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس ﴿ فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون ﴾ قال: هم المنافقون يراؤون الناس بصلاتهم إذا حضروا ويتركونها إذا غابوا ويمنعونهم العارية بغضاً لهم وهي الماعون.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ الذين هم عن صلاتهم ساهون ﴾ قال: هم المنافقون يتركون الصلاة في السر، ويصلون في العلانية.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ الذين هم عن صلاتهم ساهون ﴾ قال: هم المنافقون.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في سننه عن مصعب بن سعد قال: قلت لأبي: أرأيت قول الله: ﴿ الذين هم عن صلاتهم ساهون ﴾ أينا لا يسهو، وأينا لا يحدث نفسه؟

قال: إنه ليس ذلك، إنه إضاعة الوقت.

وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن مردويه والبيهقي في سننه عن سعد بن أبي وقاص قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: ﴿ الذين هم عن صلاتهم ساهون ﴾ قال: هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها قال الحاكم والبيهقي الموقوف أصح.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي برزة الأسلمي قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿ الذين هم عن صلاتهم ساهون ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر هذه الآية خير لكم من أن يعطى كل رجل منكم جميع الدنيا، هو الذي إن صلى لم يرج خير صلاته، وإن تركها لم يخف ربه» .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ الذين هم عن صلاتهم ساهون ﴾ قال: الذين يؤخرونها عن وقتها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مسروق ﴿ عن صلاتهم ساهون ﴾ قال: تضييع ميقاتها.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن مالك بن دينار قال: سأل رجل أبا العالية عن قوله: ﴿ الذين هم عن صلاتهم ساهون ﴾ ما هو؟

فقال أبو العالية: هو الذي لا يدري عن كم انصرف عن شفع أو عن وتر، فقال الحسن: مه هو الذي يسهو عن ميقاتها حتى تفوت.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ عن صلاتهم ساهون ﴾ قال: لاهون.

وأخرج ابن الأنباري في المصاحف والبيهقي في سننه والخطيب في تالي التلخيص عن ابن مسعود أنه قرأ: ﴿ الذين هم عن صلاتهم لاهون ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن عطاء بن يسار قال: الحمد لله الذي قال: ﴿ هم عن صلاتهم ساهون ﴾ ولم يقل في صلاتهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية ﴿ عن صلاتهم ساهون ﴾ قال: هو الذي يصلي ويقول: هكذا وهكذا يعني يلتفت عن يمينه وعن يساره.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم ﴿ عن صلاتهم ساهون ﴾ قال: يصلون رياء وليس الصلاة من شأنهم.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة ﴿ عن صلاتهم ساهون ﴾ قال: لا يبالي عنها أصلى أم لم يصلّ.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن علي بن أبي طالب ﴿ الذين هم يراؤون ﴾ قال: يراؤون بصلاتهم.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن مردويه والبيهقي في سننه من طرق عن ابن مسعود قال: كنا نعد الماعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عارية الدلو والقدر والفأس والميزان وما تتعاطون بينكم.

وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نتحدث أن الماعون الدلو والقدر والفأس ولا يستغني عنهن.

وأخرج الفريابي والبيهقي عن ابن مسعود في قوله: ﴿ الماعون ﴾ قال: الفأس والقدر والدلو ونحوها.

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كان المسلمون يستعيرون من المنافقين الدلو والقدر والفأس وشبهه فيمنعونهم فأنزل الله: ﴿ ويمنعون الماعون ﴾ .

وأخرج أبو نعيم والديلمي وابن عساكر «عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ ويمنعون الماعون ﴾ قال: ما تعاون الناس بينهم الفأس والقدر والدلو وأشباهه» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه «عن قرة بن دعموص النميري أنهم وفدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ما تعهد إلينا؟

قال: لا تمنعوا الماعون.

قالوا: وما الماعون؟

قال: في الحجر وفي الحديدة وفي الماء.

قال: فأي الحديدة؟

قال: قدوركم النحاس وحديد الناس الذي يمتهنون به.

قالوا: ما الحجر؟

قال: قدوركم الحجارة» .

وأخرج الباوردي عن الحرث بن شريح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم لا يمنعه الماعون، قالوا: يا رسول الله، ما الماعون؟

قال: في الحجر وفي الماء وفي الحديد، قالوا أي الحديد؟

قال: قدر النحاس وحديد الفأس الذي تمتهنون به.

قالوا: فما هذا الحجر؟

قال: القدر الذي من الحجارة» .

وأخرج ابن قانع عن علي بن أبي طالب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المسلم أخو المسلم إذا لقيه حياه بالسلام ويرد عليه ما هو خير منه، لا يمنع الماعون.

قلت: يا رسول الله ما الماعون؟

قال: الحجر والحديد والماء وأشباه ذلك» .

وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن حفصة بنت سيرين: قالت لنا أم عطية: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نمنع الماعون.

قلت: وما الماعون؟

قالت: هو ما يتعاطاه الناس بينهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن سعيد بن عياض عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: الماعون والفأس والقدر والدلو.

وأخرج آدم وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله: ﴿ ويمنعون الماعون ﴾ قال: عارية متاع البيت.

وأخرج الفريابي عن سعيد بن جبير قال: الماعون العارية.

وأخرج الفريابي وابن المنذر والبيهقي عن عكرمة أنه سئل عن الماعون فقال: هي العارية، فقيل: فمن يمنع متاع بيته فله الويل؟

قال: لا ولكن إذا جمعهن ثلاثهن فله الويل إذا سهى عن الصلاة ورايا ومنع الماعون.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في سننه عن علي بن أبي طالب قال: الماعون الزكاة المفروضة يراؤون بصلاتهم ويمنعون زكاتهم.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ ويمنعون الماعون ﴾ قال: أولئك المنافقون ظهرت الصلاة فصلوها وخفيت الزكاة فمنعوها.

وأخرج البيهقي عن ابن عباس ﴿ ويمنعون الماعون ﴾ قال: الزكاة.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن أبي المغيرة قال: قال ابن عمر: المال الذي لا يعطى حقه.

قلت له: إن ابن مسعود قال: هو ما يتعطاه الناس بينهم من الخير.

قال: ذلك ما أقول لك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: رأس الماعون زكاة المال وأدناه المنخل والدلو والإِبرة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال: الماعون بلسان قريش المال.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك وابن الحنفية قالا: الماعون الزكاة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب قال: الماعون المعروف.

وأخرج ابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ويمنعون الماعون ﴾ قال: اختلف الناس في ذلك، فمنهم من قال: يمنعون الزكاة، ومنهم من قال: يمنعون الطاعة، ومنهم من قال: يمنعون العارية.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ويمنعون الماعون ﴾ قال: ما جاء هؤلاء بعد.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴾ قال أبو إسحاق: الاختيار (أرأيت) بإثبات الهمزة الثانية، لأن الهمزة إنما طرحت من المستقبل نحو: ترى، وأرى، ويرى.

فأما (رأيت) فليس يصح عن العرب فيها (ريت)، ولكن ألف الاستفهام لما (١) (٢) (٣) (٤) قال (عطاء عن) (٥) (٦) (٧) وقال الكلبي: نزلت في العاص بن وائل السهمي (٨) (وقال السدي (٩) (١٠) (١١) ومعنى ﴿ يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴾ قال ابن عباس: بالحساب والجزاء (١٢) وقال أهل المعاني: التكذيب بالجزاء أضر شيء على صاحبه؛ لأنه يعدم به أكثر الدواعي إلى الخير، والصوارف عن الشر؛ لأنه لا يخاف عائد الضر، ولا يرجو (١٣) (١٤) ثم أخبر عن المكذب بقوله: (قوله) (١٥) ﴿ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾ أي يدفعه عن حقه دفعًا بعنف وجفوة كقوله: ﴿ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ﴾ (١٦) (١٧) قال المفسرون: يظلمه ويدفعه عن حقه فلا يعطيه (١٨) قوله: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3)﴾ أي: لا يطعم المسكين، ولا يأمر بإطعامه.

قال الكلبي: لا يحافظ (١٩) (٢٠) وقال مقاتل: لا يحض نفسه على طعام المسكين، يعني لا يطعم مسكينًا (٢١) وقال أهل المعاني: لا يحض عليه بخلًا به، وتكذيبًا بجزائه، ولذلك ذم به (٢٢) قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4)﴾ قال الكلبي (٢٣) (٢٤) (٢٥) ثم نعتهم فقال: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5)﴾ قال ابن عباس (في رواية عطاء) (٢٦)  -، وإذا لم يكونوا معه تركوا (٢٧) وقال أكثر المفسرين: معنى عنها ساهون أي يغفلوا (٢٨) وهو قول [سعد] (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) وقال قتادة: هو الذي لا يبالي (٣٦) (٣٧) (١) في (أ): (ما).

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 367.

(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٤) سورة الأنعام: 40، قال تعالى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ ، ومما جاء في همزة "أرأيت" فقد اختلف القراء في هذا الحرف وما كان من بابه ودخل عليه ألف الاستفهام مثل "أرأيتم" "وأرايتكم" و"أرأيت" و"أفرأيتم" فحذف الكسائي همزة الرؤية فقرأ "أيتكم" كأنه == حذفها للتخفيف كما قالوا: ويلمه ...

وقرأ نافع بتليين همزة الرؤية، فجعلها بين الهمزة والألف على التخفيف القياسي، والباقون قرؤوا بتحقيق الهمزة؛ لأن الهمزة عين الفعل.

ومذهب الكسائي حسن، وهو كثير في الشعر وقد تكلمت العرب في مثله بحذف الهمزة.

(٥) ساقط من (أ) (٦) في (أ): انزلت.

(٧) "معالم التنزيل" 4/ 531، و"زاد المسير" 8/ 316، و"التفسير الكبير" 32/ 112، و"لباب التأويل" 4/ 412 (٨) "أسباب النزول"، تح: أيمن صالح ص 403، و"الكشف والبيان" 13/ 161 ب، و"النكت والعيون" 6/ 350، و"زاد المسير" 8/ 317، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 210، و"فتح القدير" 5/ 499.

(٩) "الكشف والبيان" 13/ 161 ب، و"النكت والعيون" 6/ 350، و"معالم التنزيل" 4/ 531، و"زاد المسير" 8/ 317، و"التفسير الكبير" 32/ 111، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 210، و"فتح القدير" 5/ 499.

(١٠) المراجع السابقة عدا "زاد المسير"، و"الجامع لأحكام القرآن".

(١١) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(١٢) لم أعثر على مصدر لقوله.

(١٣) في (أ)، (ع): (يرجوا).

(١٤) لم أعثر على مصدر لقولهم.

(١٥) ساقط من (ع).

(١٦) سورة الطور: 13.

(١٧) انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 540، والزجاج "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 367.

(١٨) أقوال المفسرين مختلفة الألفاظ متفقة المعنى تناولت ما ذكره الواحدي، وممن قال بمعناه: قتادة، وابن عباس، وسفيان، ومجاهد، والضحاك، انظر: "جامع البيان" 30/ 310 - 311، و"الدر المنثور" 8/ 641 - 642.

وممن قال بمعنى ذلك أيضًا: الفراء في "معاني القرآن" 3/ 294، والزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 367، والسمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 518، والثعلبي في "الكشف والبيان" 13/ 161 ب.

وانظر أيضًا: "معالم التنزيل" 4/ 532، و"زاد المسير" 8/ 317، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 211.

(١٩) في (أ): (يحافظ) بغير لا.

(٢٠) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٢١) "تفسير مقاتل" 254 أ.

(٢٢) انظر: "النكت والعيون" 6/ 351.

(٢٣) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٢٤) "تفسير مقاتل" 254 أ.

(٢٥) ساقط من (أ).

(٢٦) ساقط من (أ).

(٢٧) ورد قوله من طريق الضحاك عن ابن عباس في: "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 211، وعزاه الشوكاني إلى الواحدي في "فتح القدير" 5/ 500، وورد من غير عزو في: "زاد المسير" 8/ 317.

(٢٨) في (أ): (يعلموا).

(٢٩) في (أ)، (ع) (سعيد)، والصواب ما أثبتناه.

(٣٠) ورد قوله موقوفاً عليه في: "التفسير الكبير" 32/ 114، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 211، و"الدر المنثور" 8/ 842 وعزاه إلى الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في سننه موقوفًا، و"فتح القدير" 5/ 501.

كما ورد هذا القول عنه مرفوعًا إلى النبي -  - في: "جامع البيان" 30/ 313، و"الكشف والبيان" 13/ 162 أ، و"النكت والعيون" 6/ 352، و"معالم التنزيل" 4/ 532، و"الدر المنثور" 8/ 642، و"فتح القدير" 5/ 501.

قال الهيثمي في المجمع: 7/ 143 رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عكرمة بن إبراهيم، وهو ضعيف جدًا، ولهذا الحديث طرق، وقد ذكر ابن كثير أن الموقوف أصح إسناداً من المرفوع، ثم قال: وقد ضعف البيهقي رفعه، وصحح وقفه، وكذلك الحاكم.

"تفسير القرآن العظيم" 4/ 594، وانظر: "فتح القدير" 5/ 501.

(٣١) "تفسير مقاتل" 254 أ، و"التفسير الكبير" 32/ 114.

(٣٢) ساقط من (أ).

(٣٣) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 400، و"التفسير الكبير" 32/ 114.

(٣٤) غير مقروء في (أ).

(٣٥) وإلى هذا أيضًا ذهب مصعب بن سعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وابن أبزى، ومسروق، وأبو الضحى، ومسلم بن صبيح.

"جامع البيان" 30/ 311 - 312.

(٣٦) بياض في (ع).

(٣٧) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 399، و"المحرر الوجيز" 5/ 527، و"البحر المحيط" 8/ 517، و"الدر المنثور" 8/ 643.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَرَأَيْتَ الذي يُكَذِّبُ بالدين ﴾ قيل: إن هذه نزل في أبي جهل وأبي سفيان بن حرب، وقيل: هو مطلق والدين هنا الملة أو الجزاء ﴿ فَذَلِكَ الذي يَدُعُّ اليتيم ﴾ أي يدفعه بعنف، وهذا الدفع يحتمل أن يكون عن إطعامه، والإحسان إليه أو عن ماله وحقوقه، وهذا أشدّ والذي لا يحض على طعام المسكين لا يطعمه من باب أولى.

وهذه الجملة هي جواب أرأيت لأن معناها: أخبرني، فكأنه سؤال وجواب والمعنى: انظر الذي كذب بالدين، تجد فيه هذه الأخلاق القبيحة، والأعمال السيئة، وإنما ذلك لأن الدين يحمل صاحبه على فعل الحسنات.

وترك السيئات فمقصود الكلام ذمّ الكفار وأحوالهم ﴿ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ﴾ قيل: إن هذا نزل في عبد الله بن أبيّ بن سلول المنافق، والسورة على هذا نصفها مكي ونصفها مدني قاله أبو زيد السهيلي.

وذلك أن ذكر أبي جهل وغيره من الكفار أكثر ما جاء في السور المكية، وذكر السهو عن الصلاة والرياء فيها، إنما هو من صفة الذين كانوا بالمدينة، لاسيما على قول من قال: أنها في عبد الله بن أبيّ، وقيل: إنها مكية كلها وهو الأشهر، ونزل آخرها على هذا في رجل أسلم بمكة ولم يكن صحيح الإيمان، وقيل: مدنية، والسهو عن الصلاة هو تركها أو تأخيرها تهاوناً بها.

وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذين هم عن صلاتهم ساهون، قال: الذين يؤخرونها عن وقتها.

وقال عطاء بن يسار: الحمد لله الذي قال: ﴿ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ ﴾ ولم يقل في صلاتهم.

﴿ الذين هُمْ يُرَآءُونَ ﴾ هو من الرياء أي صلاتهم رياء للناس لا لله ﴿ وَيَمْنَعُونَ الماعون ﴾ وصف لهم بالبخل وقلة المنفعة للناس.

وي الماعون أربعة أقوال: الأول أنه الزكاة، والثاني أنه المال بلغة قريش.

الثالث أنه الماء، الرابع أنه ما يتعاطاه الناس بينهم كالآنية والفأس والدلو والمقص، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الشيء الذي لا يحل منعه؟

فقال الماء والنار والملح وزاد في بعض الطرق: الإبرة والخميرة.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

الوقوف: ﴿ بالدين ﴾ ه ط لأن قوله ﴿ فذلك ﴾ كالجزاء لشرط محذوف أي إن لم تعرفه فهو فلان ﴿ اليتيم ﴾ ه لا ﴿ المسكين ﴾ ه ج ﴿ للمصلين ﴾ ه لا ﴿ ساهون ﴾ ه لا ﴿ يراءون ﴾ ه لا ﴿ الماعون ﴾ ه.

التفسير: هذا مثال آخر لكون الإنسان في خسر.

قال ابن جريج: نزلت في أبي سفيان كان ينحر جزورين في كل أسبع فأتاه يتيم فسأله لحماً فقرعه بعصاه.

وقال مقاتل: نزلت في العاص بن وائل السهمي ومكان من صفته الجمع بين التكذيب بيوم القيامة والإتيان بالأفعال القبيحة.

وعن السدي: نزلت في الوليد بن المغيرة وقيل: في أبي جهل.

حكى الماوردى أنه كان وصياً ليتيم فجاءه وهو عريان أن يسأله شيئاً من مال نفسه فدفعه ولم يعبأ به فأيس الصبي فقال له أكابر قريش استهزاء: قل لمحمد يشفع لك فجاء إلى النبي  والتمس منه الشفاعة، وكان النبي  لا يرد محتاجاً فذهب معه إلى أبي جهل فقام أبو جهل ورحب به وبذل المال لليتيم فعيره قريش فقالوا: صبأت فقال: لا والله ما صبأت لكن رأيت عن يمينه وعن يساره حربة خفت إن لم يطعنها فيّ.

وقال كثير من المفسرين: إنه عام لكل من كان مكذباً بيوم الدين والمعنى: هل عرفت الذي يكذب الجزاء من هو فإن لم تعرفه فهو الذي يدع اليتيم، وذلك لأن إقدام الإنسان على الطاعات وإحجامه عن المحظورات إنما يكون للرغبة في الثواب أو الرهبة من العقاب.

فإذا كان منكراً للقيامة لم يترك شيئاً من المشتهيات واللذات، فإنكار المعاد كالأصل لجميع أنواع الكفر والمعاصي، والغرض منه لتعجيب كقولك " أرأيت فلاناً ماذا ارتكب " والخطاب لكل عاقل، أو للرسول  .

وقيل: الدين ههنا هو الإسلام لأنه عند الإطلاق يقع عليه وسائر الأديان كلادين، أو يتناولها مع التقييد كقولك " دين النصارى أو اليهود " والدع الدفع بالعنف كما مر في الطور ذكر شيئين من قبائح أفعال المكذب بالجزاء على سبيل التمثيل وسبب تخصيصهما أنهما منكران بحسب الشرع وبحسب العقل والمروءة أيضاً.

وفي لفظ ﴿ يدع ﴾ بالتشديد رحمة من الله على عباده وإشارة إلى أنه إن صدر أدنى استخدام له أو شيء مما يكرهه الطبع دون الاستفخاف التام والزجر العنيف كان معفواً عند الله ولم يكتب في زمرة المكذبين بالدين، ولا سيما إذا كان بغير اختيار والحض الحث وقد مر في " الفجر".

ولما كان إيذاء اليتيم والمنع من الإطعام دليلاً على النفاق فالصلاة لا مع الخشوع كانت أولى بأن تدل على النفاق قال ﴿ فويل للمصلين ﴾ وجوز جار الله أن يكون فذلك عطفاً على الذي يكذب إما عطف ذات على ذات، أو صفة على صفة، ويكون جواب ﴿ أرأيت ﴾ محذوفاً لدلالة ما بعده عليه كأنه قيل: أخبرني ما تقول فيمن يكذب بالجزاء وفيمن يؤذي اليتيم ولا يطعم المسكين، أنعم ما يصنع أو أخبرني ما تقول في وصف هذين الشخصين أمرضيّ ذلك؟

ثم قال ﴿ فويل للمصلين ﴾ أي إذا علم أنه مسيء فويل لهم، فوضع صفتهم موضع ضميرهم.

وجمع.

لأن المراد بالذي هو الجنس ووجه الاتصال أنهم كانوا مع التكذيب وما أضيف إليهم ساهين عن الصلاة مرائين غير مزكين أموالهم.

وفيه أنهم كما قصروا في شأن المخلوق حيث زجروا اليتيم ولم يحضوا على إطعام المسكين فقد قصروا في طاعة الخالق فما صلوا وما زكوا.

والسهو عن الصلاة تركها رأساً أو فعلها مع قلة مبالاة بها كقوله ﴿ وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى  ﴾ وهو قول سعد بن أبي وقاص ومسروق والحسن ومقاتل: وفائدة عن المفيدة للبعد والمجاوزة هذه.

وأما السهو في الصلاة فذلك أم غير اختياري فلا يدخل تحت التكليف، وقد ثبت أنه  سها في الصلاة، وقد أثبت الفقهاء لسجود السهو باباً في كتبهم.

وعن أنس: الحمد لله الذي لم يقر " في صلاتهم " ولعل في إضافة الصلاة إليهم إشارة إلى أن تلك الصلاة لا تليق إلا بهم لأنها كلا صلاة من حيث إنهم تركوا شرائطها وأركانها فلم يكن هناك إلا صورة صلاة صح باعتبارها إطلال المصلين عليهم في الظاهر.

ويجوز أن يطلق لفظ المصلين على تاركي الصلاة بناء على أنهم من جملة المكلفين بالصلاة ومعنى المفاعلة في المرآة أن المرائي يرى الناس عمله وهم يرونه الثناء عليه والإعجاب به وقد مر في قوله ﴿ رئاء الناس  ﴾ و ﴿ يراءون الناس  ﴾ ولا بأس بالإراءة إذا كان الغرض الاقتداء أو نفي التهمة واجتناب الرياء صعب إلا على من راض نفسه وحملها على الإخلاص ومن هنا قال رسول الله  " الرياء أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة المظلمة على المسح الأسود" وفي ﴿ الماعون ﴾ أقوال: فأكثر المفسرين على أنه اسم جامع لما لا يمنع في العادة ويسأله الفقير والغني في أغلب الأحوال ولا ينسب سائله إلى لؤم بل ينسب مانعه إلى اللؤم والبخل كالفأس والقدر والدلو والمقدحة والغربال والقدوم، ويدخل فيه الماء والملح والنار لما روي " ثلاثة لا يحل منعها الماء والنار والملح" ومن ذلك أن يلتمس جارك الخبز في تنورك أو أن يضع متاعه عندك يوماً أو نصف يوم.

قالوا: هو " فاعول " من المعن وهو الشيء القليل ولا منه ماله سعنة ومعنة أي كثير وقليل.

وقد تسمى الزكاة ماعوناً لأنه يؤخذ من المال ربع العشر وهو قليل من كثير.

قال العلماء: ومن الفضائل أن يستكثر الرجل في منزله مما يحتاج إليه الجيران فيعيرهم ذلك ولا يقتصر على قدر الضرورة، وقد يكون منع هذه الأشياء محظوراً في الشريعة إذا استعيرت عن اضطرار.

وعن أبي بكر وعلي  م وابن عباس وابن الحنيفة وابن عمرو والحسن وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والضحاك: هو الزكاة لأنه  ذكرها عقيب الصلاة.

وقال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: الماعون هو الماء ولعله خص بالذكر لأنه أعز مفقود وأرخص موجود وأول آلام أهل النار ﴿ أفيضوا علينا من الماء  ﴾ وأول لذات أهل الجنة ﴿ وسقاهم ربهم شراباً  ﴾ وقيل: هو حسن الانقياد والطاعة.

وفي الآيتين إشارة إلى أن الصلاة لي والماعون للخلق، فالذي يحب أن يفعل لأجلي يرونه الناس والذي هو حق الخلق يمنعونه منهم فلا يراعون جانب التعظيم لأمر الله ولا جانب الشفقة على خلق الله وهذه كمال الشقاوة نعوذ بالله منها والله  أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَرَأَيْت ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ ﴾ ، اختلف في نزوله/ قال ابن عباس -  ما - هي مدنية.

وقال مقاتل ومجاهد وجماعة: هي مكية.

وجائز أن يكون أولها نزل بمكة؛ لأن الذي ذكر أنها نزلت في شأنه كان مكيا، وهو العاص بن وائل السهمي مع ما أنهم هم الذين يكذبون بيوم الدين، وآخرها نزل بالمدينة؛ لأن في أواخرها وصف المنافقين، وهو ما ذكر من المراءاة في الصلاة، ومنع ما ذكر.

ثم إن كان نزولها في الكفرة، فالجهة فيه والمعنى غير الجهة والسبب لو كانت نزلت في المنافقين.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَرَأَيْت ﴾ حرف يستعمل في موضع السؤال والاستفهام.

ويجوز أن يكون استعماله على وجه التقرير عند السائل؛ لما يراد به إعلامه؛ على سبيل ما روي في الخبر: "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أما قبل منك؟" ، وكان ذلك في موضع التقرير؛ فكذلك قوله: ﴿ أَرَأَيْت ﴾ ، معناه - والله أعلم -: أن اعلم أن الذي يدع اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين هو الذي يكذب بالدين.

قال أهل التأويل جميعا: ﴿ يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ ﴾ ، أي: بالحساب، والبعث.

وجائز أن يكون يكذب بالدين الذي يظهر، أي: يكذب بالدين الذي أظهر لك.

ولا نحقق أن كان في المنافقين؛ لأن أهل النفاق كانوا يكذبون ما يظهرون من الموافقة لرسول الله  والمؤمنين.

وإن كان في أهل الكفر، فهو على الرؤساء منهم؛ فتكذيبهم بالدين هو ما كانوا يظهرون لأتباعهم من الجهد والشدة، يموهون بذلك على أتباعهم؛ ليقع عندهم أن الذي هم عليه حق، وأن الذي عليه رسول الله  باطل؛ فيكذبون بالدين الذي يرون من أنفسهم، ويظهرون بالتمويهات التي يموهون بها عليهم.

فيكفما كان إن كانت نزلت في المنافقين، أو في أهل الكفر، أو في الذي كذب بالحساب والبعث، أو بالذي ذكرنا أنه يظهر خلاف ما يضمر - ففيها عظة وتنبيه للمؤمنين وزجر لهم عن مثل صنيعهم؛ لأنه نعت الذي كذب بالدين إن كان المراد به الحسبا، أو الدين نفسه؛ حيث قال: ﴿ فَذَلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ ﴾ ، كأنه قال: الذي يكذب بالدين هو الذي يدع اليتيم؛ أي: يظلم اليتيم، ويمنع حقه.

﴿ وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ ﴾ ، يقول: - والله أعلم - للمؤمنين: لا تظلموا اليتيم، ولا تمنعوا حقه، ولا تسيئوا صحبة اليتيم، كا فعل من كذب بالدين وحضوا على طعام المسكين؛ يصف بخلهم و استهانتهم باليتيم والمساكين، وسوء معاملتهم التي عاملوهم، يعظ المؤمنين ويزجرهم عن ذلك.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ ﴾ ؛ لما عندهم أن من أعطي المال، ووسع عليه الدنيا إنما أعطي ذلك لكرامة له عند الله -  - ومن ضيق عليه، ومنع ذلك عنه؛ لهوان له عنده وحقارة؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ  وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ...

 ﴾ ، يظنون أن الله -  - منع من منع ذلك؛ لهوان له عنده، ومن وسع عليه، وسع لكرامة له عنده؛ فيقول: كيف أكرم من أهانه الله  ؛ فيحتمل أن يكون ما ذكر أنه لا يحض على طعام المسكين.

ويحتمل أن يكون الذي حمله على ظلمة اليتيم، وتركه إطعامه تكذيبه بالبعث؛ لأنه ليس لليتيم من ينصره، ويقوم بدفع من يقصد ظلمه، ويمنع حقه، وكان لا يخاف عقوبة البعث؛ إذ لا يؤمن به.

ثم يحتمل قوله: ﴿ أَرَأَيْتٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ * فَذَلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ ﴾ الآية؛ أن يكون في الاعتقاد والرؤية.

ويحتمل أن يكون في حق الفعل نفسه؛ فإن كان في الاعتقاد والرؤية، فأهل الإسلام لا يعتقدون [ذلك]، وإن كان في حق الفعل فإنهم ربما يفعلون ذلك.

وحمله عندنا على الاعتقاد أوجب وأقرب؛ لما وصفنا أن اليتيم لا ناصر له، وليس للكافر خوف العاقبة؛ لما لا يؤمن بذلك، وإنما يمتنع المرء في الغالب من سوء الصبحة؛ لهذين: إما رغبة في جزاء الآخرة، أو خوف المكافأة في الدنيا، والمساكين لس لهم في الدنيا ما يكافئهم ويجازيهم، وليس لليتيم ناصر؛ ليخاف منه، ولم يكن للكافر رغبة في ثواب الآخرة، ولا خوف من العقاب؛ لعدم تصديقه بذلك.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ ﴾ هو النهاية في وصفه بالبخل؛ لأن الحث على الصدقة أن يرجيه ويطعمه في ثوابه، فإذا لم يرج هو نفسه، فكيف يرجي غيره؟

مع ما أن الحكمة عند هؤلاء الكافرة أن من جر إلى نفسه نفعا فه الحكيم، ومن ضر نفسه فهو جائز غير حكيم، وهوإذا منع الصدقة نفع نفسه، وإذا أوفى اليتيم حقه ضرها؛ فلذلك لا يرغب فيها؛ فهذا المعنى الذي وصفناه، دعانا إلى توجيه التأويل إلى الاعتقاد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ ﴾ : إن كان هذا في أهل النفاق، فأهل النفاق كذلك كانوا لا يفعلون شيئا من الطاعات إلا وكانوا عنها لاهين ساهين، وإذا فعلوا شيئا منها، فعلوا مراءاة؛ كقوله -  -: ﴿ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ  ﴾ ، فذكر كسلهم وبخلهم؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ...

﴾ إلى آخر ما ذكر من المنافقين على ما ذكرنا من نعتهم.

وجائز أن يكون في أهل الكفر، وأهل الكفر كانوا يصلون، كقوله: ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً...

 ﴾ ، أخبر أن صلاتهم في الحقيقة ليست بصلاة؛ فجائز أن تكون على صورة [الصلاة الحقيقية]، وقد ذكر أنهم كانوا يصلون مستقبلين نحو أصنامهم، يرون الناس كثرة اجتهادهم في طاعة الأصنام، حتى إذا رآهم من نأى عنهم ظن [أن ذلك] حق، فيكون في ذلك صد عن إجابة الرسول، ودفع وجوه القوم عنه، وذلك قوله: ﴿ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً  ﴾ .

ويحتمل أن يكون كناية عن الخضوع والتذلل؛ فيكون معناه: ويل للذين لا يخضعون ولا يخشعون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: سهوا عن صلاتهم لأنفسهم، وصلاتهم التي هي لأنفسهم هي أن تكمون الصلاة لله -  - ويجعلوها له، ولا يصلوا لغير الله من الأصنام وغيرها؛ لأن من صلى لله -  - يرجع منفعتها في الحقيقة إليه؛ لما تعلق بها من الجزاء الجميل، فهم بالسهو عن تلك الصلاة وتركها [يلحقون الضرر] بأنفسهم ويجعلونها للأصنام التي لا تضر ولا تنفع.

والثاني: سهوهم [عن] الصلاة حين أضاعوها، وهو ما ذكر في حرف ابن مسعود -  - في قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ...

 ﴾ ؛ فيقول: سهيتم [عن] الصلاة فلم تمنعهم عما ذكر.

وعن ابن عباس -  ما - مرفوعا: "هم الذين يؤخرونها عن وقتها".

وقال مجاهد: الساهي: الذي لا يبالى صلى أم لا؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ ﴾ .

وقال الحسن: هم المنافقون، يؤخرونها عن وقتها، ويراءون إذا صلوا.

وقال سعد: الترك عن الوقت.

وقال أبو العالية: الساهي: [هو] الذي لا يدري على شفع انصرف أو على وتر؟

وروي عن [عطاء بن يسار] أنه قا ل: الحمد لله حيث لم يقل: "في صلاتهم ساهون"، ولكنه قال: ﴿ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ ﴾ ، قال ابن عباس -  -: هو الزكاة، رواه ابن الزبير، وعكرمة، ومجاهد عنه.

وروي عن على -  -: هو الزكاة.

وعن ابن عباس -  - في رواية أخرى هو العارية.

وعن ابن عمر قال: هو الذي لا يعطي حقه، وهو الزكاة.

وروي عن على -  - في رواية: ﴿ ٱلْمَاعُونَ ﴾ : منع القدر، [والدلو، والفأس].

وعن ابن مسعود -  - مثله، وكذا عن ابن عباس في رواية [أخرى].

وقال أبو عبيدة: كل ما فيه نفعه فهو الماعون.

وعن ابن عباس -  ما -: ما جاء أهلها بعد.

فإن كان ذلك على العواري، فالمعنى منها ذم البخل، وأشده منع الفرض.

وجائز أن يكون الماعون كل معروف وكل ما يعار، يدخل في ذلك الزكاة وغيرها؛ ففيه ذكر بخلهم وشحهم ومنع الحق من المستحق.

قال أبو عوسجة: ﴿ يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ ﴾ ، اي: يضرب، ويدفع في قفاه؛ يقال: دع يدع دعا، فهو داع، ومدعوع.

وقال القتبي: ﴿ يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ ﴾ ، أي: يدفعه، وكذلك في قوله: ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا  ﴾ ، أي: يدفعون.

وقال أبو عوسجة: ﴿ وَلاَ يَحُضُّ ﴾ : لا يحرض، ولا يحث، ﴿ سَاهُونَ ﴾ غافلون.

وفي حرف ابن مسعود -  -: (لاهون)، و(أرأيتك) بالكاف، وكذلك في حرف أبي  ، [والله أعلم بحقيقة ما أراد].

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هل عرفت الَّذي يكذب بالجزاء يوم القيامة؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.XY5ga"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

(أرأيت) ههنا بمعنى: هل عرفته وعلمت من هو على التحقيق؟.

والدين هو ما وراء المحسوس من الشؤون الإلهية التي لا تحيط بها النفس إلا من وجه معرفة آثارها في الكون المشهود ومنها إرسال الرسل المؤيدين بالأدلة القاطعة الدالة على أنهم يبلغون عن مدبر الكون ما تصلح به شؤون عباده، وأن للناس حياة أخرى يجازى فيها كل بعمله.

وكثير من الناس -بل الأغلب فيهم- يقولون إنهم يعتقدون بالدين ويصدقون بالله وبما جاء به رسله وبالحياة الآخرة، وينتحلون لأنفسهم المزايا على غيرهم ويظنون أنهم المصطفون وأن من يخالفهم قد حقت عليه كلمة الشقاء ويكتفون في الدلالة على هذه الدعوى ببعض أعمال رسمها الدين -وإن لم يكن لها أثر في قلوبهم- كالصلاة وما يشبهها مما لا ينقص مالًا ولا يجشم مشقة.

والجمهور الأعظم من النصارى واليهود والمشركين -ممن كان في زمنه  - كانوا يظنون أنهم يصدقون بالدين ولا يكذبون به وغرتهم صلاتهم وصيامهم، مع أنهم كانوا في أبعد طريق عن حقيقة دينهم...

يشهد بذلك ما كان بينهم من التنافس في الباطل، واستعباد قويهم لضعيفهم، وبخل غنيهم بالمعروف يفيض به على فقيرهم.

ومع ذلك كان كل فريق منهم يعد نفسه صاحب الحظوة عند الله، ويحسب كل من خالفه في مسقط النقمة.

فأراد الله -جل شأنه- أن يعلمنا من هو المكذب بالدين، ومن تعريف المكذب به يعرف المصدق به على الحقيقة..

فبدأ الكلام بقوله: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ  ﴾ ؟

على طريقة الاستفهام لينبه السامع إلى أن الأمر خفي على المحجوب عن نفسه، المغرور بأوهامه.

والخطاب لكل من يفهم الخطاب، أي هل تبينت من هو المكذب بالدين؟

إن لم تكن تبينته (فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين).

هذا هو المكذب بالدين...

فالفاء واقعة في جواب الشرط الذي دل عليه الكلام.

(ويدع اليتيم): أي يدفعه ويزجره زجرًا عنيفًا إذا جاء يطلب منه حاجة، احتقارًا له، وتكبرًا عليه لفقده النصير وخلو ظهره من المجير.

واليتيم مظهر الضعف وممثل الحاجة، فالمستهين به مستهين بكل ضعيف، محتقر لكل محتاج.

فالمعنى أن المكذب بالدين هو الذي يغمط حق غيره تعززًا بقوته..

فكل ظالم منتهك لحرمات الحقوق مكذب بالدين، متى كان ذلك له ديانا، وسواء كان ظلمه لقليل من الناس أو كثير.

والحض على طعام المسكين: الحث عليه، ودعوة الناس إليه.

والذي لا يحض على إطعام المساكين لا يطعمهم في العادة..

فقوله: ﴿ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ  ﴾ كناية عن الذي لا يجود بشيء من ماله على الفقير المحتاج إلى القوت الذي لا يستطيع له كسبًا.

وليس المسكين هو الذي يطلب منك أن تعطيه وهو قادر على قوت يومه، بل هذا هو الملحف الذي يجوز الإعراض عنه وتأديبه بمنعه ما يطلب.

وإنما جاء بالكناية ليفيدك أنه إذا عرضت حاجة المسكين ولم تجد ما تعطيه، فعليك أن تطلب من الناس أن يعطوه.

وفيه حث للمصدقين بالدين على إغاثة الفقراء ولو بجمع المال من غيرهم.

وهي طريقة الجمعيات الخيرية فأصلها ثابت في الكتاب بهذه الآية، وبنحو قوله في سورة الفجر ﴿ كَلاَّ بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ  وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ  ﴾ .

ونعمت الطريقة هي لإعانة الفقراء وسد شيء من حاجات المساكين.

فالمكذب بالدين هو المحقر لحقوق الضعفاء كبرًا وعتوًا، والذي يبخل بماله على الفقراء، ويبخل بسعيه عند الأغنياء لإغاثة أهل الحاجة ممن تحقق عجزهم عن كسب ما ينقذهم من الضرورة، ويقوم لهم بالكفاف من العيش.

وسواء كان المحتقر للحقوق البخيل بالمال والسعي مصليًا أو غير مصل، فصلاته لا تنفعه، ولا تخرجه من صف المكذبين بالدين، لأن المصدق بشيء لا تطاوعه نفسه بالخروج عن حد ما صدق به..

فلو صدق بالدين لعرف أن صلاته إنما هي عنوان الخشوع للقاهر الذي لا يجوز لأحد أن يشاركه في عظمته، الذي خلق الخلق، وحدد حدود الحق، وفرض على الأقوياء الرحمة والعدل في الضعفاء...

فمن لم تذكره صلاته بهذا الذي فرض عليه فهو كاذب في قوله مراء في ظاهر عمله..

ولهذا جاء سبحانه بالتفريع على تعريف المكذب بالدين في قوله ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ  الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ  ﴾ : أي إذا عرفت أن المكذب هو الذي أقفر قلبه من المرحمة وأجدب من العدل والمكرمة، فويل لأولئك الذين يصلون، ويؤدون ما يسمى صلاة في عرفهم من الأقوال والأفعال، وهم مع ذلك ساهون عن صلاتهم، أي غافلة قلوبهم عما يقولون وما يفعلون..

فهو يركع في ذهول عن ركوعه، ويسجد في لهو عن سجوده.

وإنما هي حركات تشبه الخطوات التي يخطوها في الطريق: ينقل قدمه من خطوة إلى أخرى، ولا يلاحظ في كل خطوة ذلك المقصد الذي قصده بمشيه.

فهو يدخل في الصلاة بنية أنها مطلوبة منه، ثم يمضي فيها بلا شعور بالقصد مما يفعل، وإنما تجري الأقوال، وتتابع الحركات على حسب العادة، بلا استحضار للمعاني في القلوب.

ثم هم ساهون عن حقيقة الصلاة والحكمة التي فرضها الله لها وهي إخضاع القُوَى لواهب القُوىَ..

وهل يجتمع الخضوع له والخروج عن أوامره فيما فرض أن يراعي من حقوق عباده؟

ولذلك قال في وصفهم: ﴿ ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ  ﴾ : أي يفعلون ما يرى للناس فقط، ولا يستشعرون من روح العبادة ما أوجب الله على النفوس أن تستشعره.

ثم أعاد الوصف الذي يتحقق به التكذيب بالدين مع الصلاة فقال: ﴿ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ  ﴾ والماعون: كل ما يستعان به..

فأولئك الذين يصلون ولا يأتون من الأعمال إلا ما يرى للناس، مما لا يكلفهم بذل شيء من مالهم، ولا يخشون منه ضررًا يلحق بأبدانهم أو نقصًا يلم بجاههم، ثم يمنعون الناس معونتهم، ولا ينهضون بباعث الرحمة إلى سد حاجتهم، وتوفير ما يكفل راحتهم وأمنهم وطمأنينتهم.

أولئك لا تنفعهم صلاتهم، ولا تخرجهم من حد المكذبين بالدين، لا فرق في ذلك بين من وسموا أنفسهم بسمة الإسلام أو غيره..

فإن حكم الله واحد لا محاباة فيه للأسماء المنتحلة التي لا قيمة لها إلا بمعانيها الصحيحة المنطبقة على مراده تعالى من تحديد الأعمال وتقرير الشرائع.

فخاصة المصدق بالدين -التي تميزه عمن سواه من المكذبين- هي العدل والمرحمة وبذل المعروف للناس.

وخاصة المكذب -التي يمتاز بها عن المصدقين- هي احتقار حقوق الضعفاء وقلة الاهتمام بمن تلذعهم آلام الحاجة، وحب الأثرة بالمال، والتعزز بالقوة، ومنع المعروف عمن يستحقه من الناس.

فهل تجد نصًا أصرح من هذا في تعريف التصديق بالدين، وبيان الصفات التي يعرف بها، وفي شرح التكذيب بالدين وتفصيل لوازمه وما يتميز به عن التصديق؟..

فهل للمسلمين -أي الذين يزعمون أنهم يؤمنون بمحمد  وبما جاء به- أن يقيسوا أحوالهم، وما يجدونه من أنفسهم بما يتلونه في هذه السورة الشريفة؟

ليعرفوا هل هم من قسم المكذبين أو المصدقين وليقلعوا عن الغرور برسم هذه الصلاة الذي لا أثر له إلا في ظواهر أعضائهم، وبهذا الجوع الذي يسمونه صيامًا، ولا أثر إلا في عبوس وجوههم وبذاءة ألسنتهم وضياع أوقاتهم في اللهم والبطالة..

وليرجعوا إلى الحق من دينهم فيقيموا الصلاة ويحيوا صورتها بالخشوع وتطامن القوى الإنسانية لقوة العلي الأعلى.

فلا يخرجون من الصلاة إلا وهم ذاكرون أنهم عبيد له يلتمسون رضاه في رعاية حقوق براياه..

ويجعلوا من الصوم مؤدبًا للشهوة، ومهذبًا للرغبة، ورادعًا للنفس عن الأثرة، فلا يكون في صومهم إلا الخير لأنفسهم ولقومهم، ثم يؤدوا الزكاة المفروضة، ولا يبخلوا بالمعونة فيما ينفع الخاصة والعامة؟

أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟..

أفلا ينظرون إلى ما نزل بهم من الضعف والذلة، وتسلط الأمم عليهم، وانتقاصها أرضهم من كل جانب...

فيعلموا أن هذا هو عقاب الله للمكذبين فيطلبوا النجاة من هذا كله بأخذ سبيل المصدقين، وينزعوا عن الانخداع بما سولته لهم أوهام بعض من يدعي العلم منهم؟..

فإن العيان قد كذبهم وأظهر أن سنة الله في الخلق لا تتبدل، وأن صورة الانتساب إلى دين لا تغني عن اتباع هديه الصحيح الذي يدل عليه النص بعد التواتر في النقل وإجادة التدبر من العقل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل