الآية ٢٨ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٢٨ من سورة هود

قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى رَحْمَةًۭ مِّنْ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَـٰرِهُونَ ٢٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 103 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٨ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٨ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن نوح ما رد على قومه في ذلك : ( أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ) أي : على يقين وأمر جلي ، ونبوة صادقة ، وهي الرحمة العظيمة من الله به وبهم ، ( فعميت عليكم ) أي : خفيت عليكم ، فلم تهتدوا إليها ، ولا عرفتم قدرها ، بل بادرتم إلى تكذيبها وردها ، ( أنلزمكموها ) أي : نغصبكم بقبولها وأنتم لها كارهون .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل نوح لقومه إذ كذبوه ، وردّوا عليه ما جاءهم به من عند الله من النصيحة: (يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي) ، على علمٍ ومعرفةٍ وبيان من الله لي ما يلزمني له، ويجب عليّ من إخلاص العبادة له وترك إشراك الأوثان معه فيها ، (وآتاني رحمة من عنده)، يقول: ورزقني منه التوفيق والنبوّة والحكمة، فآمنت به وأطعته فيما أمرني ونهاني (19) ، (فعميت عليكم) .

* * * واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة أهل المدينة وبعض أهل البصرة والكوفة: (فَعَمِيَتْ) بفتح العين وتخفيف الميم، بمعنى: فعَمِيت الرحمة عليكم فلم تهتدوا لها ، فتقرّوا بها ، وتصدّقوا رسولكم عليها.

وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: ( فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ) بضم العين وتشديد الميم، اعتبارًا منهم ذلك بقراءة عبد الله، وذلك أنها فيما ذكر في قراءة عبد الله: (فَعَمَّاهَا عَلَيْكُمْ ) .

* * * قال أبو جعفر : وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه: ( فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ) بضم العين وتشديد الميم للذي ذكَروا من العلة لمن قرأ به، ولقربه من قوله: (أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده) ، فأضَاف " الرحمة " إلى الله، فكذلك " تعميته على الآخرين "، بالإضافة إليه أولى.

* * * وهذه الكلمة مما حوّلت العرب الفعل عن موضعه.

وذلك أن الإنسان هو الذي يعمى عن إبصار الحق، إذ يعمى عن إبصاره، و " الحق " لا يوصف بالعمى ، إلا على الاستعمال الذي قد جرى به الكلام.

وهو في جوازه لاستعمال العرب إياه نظيرُ قولهم: " دخل الخاتم في يدي، والخف في رجلي"، ومعلوم أن الرجل هي التي تدخل في الخفّ، والإصبع في الخاتم، ولكنهم استعملوا ذلك كذلك ، لما كان معلومًا المرادُ فيه.

(20) * * * وقوله: (أنلزمكموها وأنتم لها كارهون) ، يقول: أنأخذكم بالدخول في الإسلام ، وقد عماه الله عليكم ، (وأنتم لها كارهون) ، (21) يقول: وأنتم لإلزامناكُموها ، " كارهون " ، يقول: لا نفعل ذلك، ولكن نكل أمركم إلى الله ، حتى يكون هو الذي يقضي في أمركم ما يرى ويشاء.

(22) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 18106- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال نوح: (يا قوم إن كنت على بينة من ربي) ، قال: قد عرفتها ، وعرفت بها أمره ، وأنه لا إله إلا هو ، (وآتاني رحمة من عنده) ، الإسلام والهدى والإيمان والحكم والنبوّة.

18107- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (أرأيتم إن كنت على بينة من ربي) ، الآية، أما والله لو استطاع نبيّ الله صلى الله عليه وسلم لألزمها قومه، ولكن لم يستطع ذلك ولم يملكه.

18108- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي قال ، حدثنا سفيان، عن داود، عن أبي العالية قال: في قراءة أبيّ: ( أَنُلْزِمُكُمُوهَا مِنْ شَطْرِ أَنْفُسِنَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ) .

18109- حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة قال، أخبرنا عمرو بن دينار قال، قرأ ابن عباس: ( أَنُلْزِمُكُمُوهَا مِنْ شَطْرِ أَنْفُسِنَا) ، قال ، عبد الله: " من شَطْر أنفسنا " ، من تلقاء أنفسنا.

18110- حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس ، مثله.

18111- حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا سفيان، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: ( أَنُلْزِمُكُمُوهَا مِنْ شَطْرِ قُلُوبِنَا وأَنْتُمْ لَهَا كارِهُونَ ) .

(23) ------------------------ الهوامش: (19) انظر تفسير ما سلف من ألفاظ الآية في فهارس اللغة .

(20) هذا اختصار مقالة الفراء في معاني القرآن ، في تفسير الآية .

(21) في المطبوعة والمخطوطة : " عليكم لها كارهون " ، والجيد ما أثبت ، بزيادة : " وأنتم " .

(22) انظر تفسير " الكره " فيما سلف من فهارس اللغة ( كره ) .

(23) هذه القراءة التي مرت في الأخبار السالفة ، بالزيادة في الآية ، قراءة شاذة لزيادتها على المصحف ، لا يحل لأحد أن يقرأ بها وظني أن قوله : " من شطر أنفسنا " ، أو : " من شطر قلوبنا " تفسير مدرج في كتابة الآية ، وليس قراءة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي أي على يقين ; قاله أبو عمران الجوني .

وقيل : على معجزة ; وقد تقدم في " الأنعام " هذا المعنى .وآتاني رحمة من عنده أي نبوة ورسالة ، عن ابن عباس ; وهي رحمة على الخلق .

وقيل : الهداية إلى الله بالبراهين .

وقيل : بالإيمان والإسلام .فعميت عليكم أي عميت عليكم الرسالة والهداية فلم تفهموها .

يقال : عميت عن كذا ، وعمي علي كذا أي لم أفهمه .

والمعنى : فعميت الرحمة ; فقيل : هو مقلوب ; لأن الرحمة لا تعمى إنما يعمى عنها ; فهو كقولك : أدخلت في القلنسوة رأسي ، ودخل الخف في رجلي .

وقرأها الأعمش وحمزة والكسائي فعميت بضم العين وتشديد الميم على ما لم يسم فاعله ، أي فعماها الله عليكم ; وكذا في قراءة أبي فعماها ذكرها الماوردي ." أنلزمكموها " قيل : شهادة أن لا إله إلا الله .

وقيل : الهاء ترجع إلى الرحمة .

وقيل : إلى البينة ; أي أنلزمكم قبولها ، وأوجبها عليكم ؟

!

وهو استفهام بمعنى الإنكار ; أي لا يمكنني أن أضطركم إلى المعرفة بها ; وإنما قصد نوح - عليه [ ص: 25 ] السلام - بهذا القول أن يرد عليهم .

وحكى الكسائي والفراء أنلزمكموها بإسكان الميم الأولى تخفيفا ; وقد أجاز مثل هذا سيبويه ، وأنشد :فاليوم أشرب غير مستحقب إثما من الله ولا واغلوقال النحاس : ويجوز على قول يونس [ في غير القرآن ] أنلزمكمها يجري المضمر مجرى المظهر ; كما تقول : أنلزمكم ذلك .وأنتم لها كارهون أي لا يصح قبولكم لها مع الكراهة عليها .

قال قتادة : والله لو استطاع نبي الله نوح - عليه السلام - لألزمها قومه ولكنه لم يملك ذلك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولهذا { قَالَ } لهم نوح مجاوبا { يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي } أي: على يقين وجزم، يعني، وهو الرسول الكامل القدوة، الذي ينقاد له أولو الألباب، ويضمحل في جنب عقله، عقول الفحول من الرجال, وهو الصادق حقا، فإذا قال: إني على بينة من ربي، فحسبك بهذا القول، شهادة له وتصديقا.

{ وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ } أي: أوحى إلي وأرسلني، ومنَّ علي بالهداية، { فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ } أي: خفيت عليكم، وبها تثاقلتم.

{ أَنُلْزِمُكُمُوهَا } أي: أنكرهكم على ما تحققناه، وشككتم أنتم فيه؟

{ وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ } حتى حرصتم على رد ما جئت به، ليس ذلك ضارنا، وليس بقادح من يقيننا فيه، ولا قولكم وافتراؤكم علينا، صادا لنا عما كنا عليه.

وإنما غايته أن يكون صادا لكم أنتم، وموجبا لعدم انقيادكم للحق الذي تزعمون أنه باطل، فإذا وصلت الحال إلى هذه الغاية، فلا نقدر على إكراهكم، على ما أمر الله، ولا إلزامكم، ما نفرتم عنه، ولهذا قال: { أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قال ) نوح ، ( يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ) أي : بيان من ربي ( وآتاني رحمة ) أي : هدى ومعرفة ، ( من عنده فعميت عليكم ) أي : خفيت والتبست عليكم .

وقرأ حمزة والكسائي وحفص : فعميت عليكم " بضم العين وتشديد الميم ، أي : شبهت ولبست عليكم .

( أنلزمكموها ) أي : أنلزمكم البينة والرحمة ، ( وأنتم لها كارهون ) لا تريدونها .

قال قتادة : لو قدر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يلزموا قومهم الإيمان لألزموهم ولكن لم يقدروا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال يا قوم أرأيتم» أخبروني «إن كنت على بينة» بيان «من ربي وآتاني رحمة» نبوة «من عنده فَعَميتْ» خفيت «عليكم» وفي قراءة بتشديد الميم والبناء للمفعول «أنُلزمُكُموها» أنجبركم على قبولها «وأنتم لها كارهون» لا نقدر على ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال نوح: يا قومي أرأيتم إن كنتُ على حجة ظاهرة من ربي فيما جئتكم به تبيِّن لكم أنني على الحق من عنده، وآتاني رحمة من عنده، وهي النبوة والرسالة فأخفاها عليكم بسبب جهلكم وغروركم، فهل يصح أن نُلْزمكم إياها بالإكراه وأنتم جاحدون بها؟

لا نفعل ذلك، ولكن نَكِل أمركم إلى الله حتى يقضي في أمركم ما يشاء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( قَالَ ياقوم أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيِّنَةٍ مِّن ربي .

.

.

)أى : قال نوح - عليه السلام - فى رده على الملأ الذين كفروا من قومه : ( قَالَ ياقوم ) أى : يا أهلى وعشيرتى الذين يسرنى ما يسرهم ويؤلمنى ما يؤلمهم .( أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيِّنَةٍ مِّن ربي ) أى : اخبرونى إن كنت على بصيرة من أمرى ، وحجة واضحة من ربى ، بها يتبين الحق من الباطل .( وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ ) أى : ومنحنى بفضله وإحسانه النبوة التى هى طريق الرحمة لمن آمن بها ، واتبع من اختاره الله لها .

فالمراد بالرحمة هنا النبوة ( فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ) أى : فأخفيت عليكم هذه الرحمة ، وغاب عنكم الانتفاع بهداياتها ، لأنكم ممن استحب العمى على الهدى .يقال : عُمِّى على فلان الأمر : أى أخفى عليه حتى صار بالنسبة إليه كالأعمى قال صاحب المنار : قرأ الجمهور فعميت - بالتخفيف - كخفيت وزنا ومعنى .

قال - تعالى - ( فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنبآء يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ ) وقرأ حمزة والكسائى وحفص بالتشديد والبناء للمفعول ( فَعُمِّيَتْ ) أى : فحجبها عنكم جهلكم وغروركم .

.والتعبير بعميت مخففة ومشددة أبلغ من التعبير بخفيت وأخفيت ، لأنه مأخوذ من العمى المقتضى لأشد أنواع الخفاء .والاستفهام فى قوله : ( أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ) للإِنكار والنفى .أى : إذا كانت الهداية إلى الخير التى جئتكم بها قد خفيت عليكم مع وضوحها وجلائها ، فهل استطيع أنا وأتباعى أن نجبركم إجبارا ، ونقسركم قسرا على الإِيمان بى ، وعلى التصديق بنبوتى ، والحال أنكم كارهون لها نافرون منها .كلا إننا لا نستطيع ذلك لأن الإِيمان الصادق يكون عن اقتناع واختيار لا عن إكراه وإجبار .قال صاحب الظلال ما ملخصه : واللفظ فى القرآن قد يرسم بجرسه صورة كاملة للتناسق الفنى بين الألفاظ ، ومن أمثله ذلك قوله - تعالى - فى قصة نوح مع قومه ( أَنُلْزِمُكُمُوهَا .

.

.

) فأنت تحس أن كلمة انلزمكموها تصور جو الإِكراه ، بإدماج كل هذه الضمائر فى النطق ، وشد بعضها إلى بعض كما يدمج الكارهون مع ما يكرهون ، ويشدون إليه وهم نافرون ، وهكذا يبدولون من التناسق فى التعبير أعلى من البلاغة الظاهرية ، وأرفع من الفصاحة اللفظية .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما حكى شبهات منكري نبوة نوح عليه الصلاة والسلام حكى بعده ما يكون جواباً عن تلك الشبهات.

فالشبهة الأولى: قولهم: ﴿ مَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا ﴾ فقال نوح حصول المساواة في البشرية لا يمنع من حصول المفارقة في صفة النبوة والرسالة، ثم ذكر الطريق الدال على إمكانه، فقال: ﴿ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى ﴾ من معرفة ذات الله وصفاته وما يجب وما يمتنع وما يجوز عليه، ثم إنه تعالى أتاني رحمة من عنده، والمراد بتلك الرحمة إما النبوة وإما المعجزة الدالة على النبوة ﴿ فَعُمّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ أي صارت مظنة مشتبهة ملتبسة في عقولكم، فهل أقدر على أن أجعلكم بحيث تصلون إلى معرفتها شئتم أم أبيتم؟

والمراد أني لا أقدر على ذلك ألبتة، وعن قتادة: والله لو استطاع نبي الله لألزمها ولكنه لم يقدر عليه، وحاصل الكلام أنهم لما قالوا: ﴿ وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ  ﴾ ذكر نوح عليه السلام أن ذلك بسبب أن الحجة عميت عليكم واشتبهت، فأما لو تركتم العناد واللجاج ونظرتم في الدليل لظهر المقصود، وتبين أن الله تعالى آتانا عليكم فضلاً عظيماً.

المسألة الثانية: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿ فَعُمّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ بضم العين وتشديد الميم على ما لم يسم فاعله، بمعنى ألبست وشبهت والباقون بفتح العين مخففة الميم، أي التبست واشتبهت.

واعلم أن الشيء إذا بقي مجهولاً محضاً أشبه المعمي، لأن العلم نور البصيرة الباطنة والأبصار نور البصر الظاهر فحسن جعل كل واحد منها مجازاً عن الآخر وتحقيقه أن البينة توصف بالأبصار قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاءتْهُمْ ءاياتنا مُبْصِرَةً  ﴾ وكذلك توصف بالعمى، قال تعالى: ﴿ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنباء  ﴾ وقال في هذه الآية: ﴿ فَعُمّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ .

المسألة الثالثة: ﴿ أَنُلْزِمُكُمُوهَا ﴾ فيه ثلاث مضمرات: ضمير المتكلم وضمير الغائب وضمير المخاطب، وأجاز الفراء إسكان الميم الأولى، وروي ذلك عن أبي عمرو قال: وذلك أن الحركات توالت فسكنت الميم وهي أيضاً مرفوعة وقبلها كسرة والحركة التي بعدها ضمة ثقيلة، قال الزجاج: جميع النحويين البصريين لا يجيزون إسكان حرف الإعراب إلا في ضرورة الشعر وما يروى عن أبي عمرو فلم يضبطه عنه الفراء، وروي عن سيبويه أنه كان يخفف الحركة ويختلسها، وهذا هو الحق وإنما يجوز الإسكان في الشعر كقول امرئ القيس: فاليوم أشرب غير مستحقب...

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَرَءيْتُمْ ﴾ أخبروني ﴿ إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ ﴾ على برهان ﴿ مّن رَّبّى ﴾ وشاهد منه يشهد بصحة دعواي ﴿ وءاتاني رَحْمَةً مِنْ عِندهِ ﴾ بإيتاء البينة على أن البينة في نفسها هي الرحمة، ويجوز أن يريد بالبينة: المعجزة، وبالرحمة: النبوّة.

فإن قلت: فقوله: ﴿ فَعُمّيَتْ ﴾ ظاهر على الوجه الأوّل، فما وجهه على الوجه الثاني؟

وحقه أن يقال فعميتا؟

قلت: الوجه أن يقدّر فعميت بعد البينة، وأن يكون حذفه للاقتصار على ذكره مرة: ومعنى عميت خفيت.

وقرئ: ﴿ فعميت ﴾ بمعنى أخفيت.

وفي قراءة أبي ﴿ فعماها عليكم ﴾ فإن قلت: فما حقيقته؟

قلت: حقيقته أن الحجة كما جعلت بصيرة ومبصرة جعلت عمياء، لأنّ الأعمى لا يهتدي ولا يهدي غيره، فمعنى فعميت عليكم البينة فلم تهدكم، كما لو عمي على القوم دليلهم في المفازة بقوا بغير هاد.

فإن قلت: فما معنى قراءة أبي؟

قلت: المعنى أنهم صمموا على الإعراض عنها فخلاهم الله وتصميمهم، فجعلت تلك التخلية تعمية منه، والدليل عليه قوله: ﴿ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كارهون ﴾ يعني أنكرهكم على قبولها ونقسركم على الاهتداء بها، وأنتم تكرهونها ولا تختارونها، ولا إكراه في الدين؟

وقد جيء بضميري المفعولين متصلين جميعاً.

ويجوز أن يكون الثاني منفصلاً كقولك: أنلزمكم إياها.

ونحوه ﴿ فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله ﴾ [البقرة: 137] ويجوز: فسيكفيك إياهم.

وحكي عن أبي عمرو إسكان الميم.

ووجهه أنّ الحركة لم تكن إلا خلسة خفيفة، فظنها الراوي سكوناً.

والإسكان الصريح لحن عند الخليل وسيبويه وحذاق البصريين؛ لأن الحركة الإعرابية لا يسوغ طرحها إلا في ضرورة الشعر.

والضمير في قوله: ﴿ لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ ﴾ راجع إلى قوله لهم: ﴿ إِنَّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله ﴾ [هود: 25] .

وقرئ: ﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ بالتنوين على الأصل.

فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ إنهم ملاقو رَّبُّهُمْ ﴾ ؟

قلت: معناه أنهم يلاقون الله فيعاقب من طردهم.

أو يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبهم من إيمان صحيح ثابت، كما ظهر لي منهم وما أعرف غيره منهم.

أو على خلاف ذلك مما تقرفونهم به من بناء إيمانهم على بادئ الرأي من غير نظر وتفكر.

وما علي أن أشق عن قلوبهم وأتعرّف سر ذلك منهم حتى أطردهم إن كان الأمر كما تزعمون.

ونحوه ﴿ وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾ الآية [الأنعام: 52] ، أو هم مصدقون بلقاء ربهم موقنون به عالمون أنهم ملاقوه لا محالة ﴿ تَجْهَلُونَ ﴾ تتسافهون على المؤمنين وتدعونهم أراذل: من قوله: ألاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا أو تجهلون بلقاء ربكم.

أو تجهلون أنهم خير منكم ﴿ مَن يَنصُرُنِى مِنَ الله ﴾ من يمنعني من انتقامه ﴿ إِن طَرَدتُّهُمْ ﴾ وكانوا يسألونه أن يطردهم ليؤمنوا به، أنفة من أن يكونوا معهم على سواء ﴿ أَعْلَمُ الغيب ﴾ معطوف على ﴿ عِندِى خَزَائِنُ الله ﴾ أي لا أقول عندي خزائن الله، ولا أقول: أنا أعلم الغيب.

ومعناه: لا أقول لكم: عندي خزائن الله فأدعي فضلا عليكم في الغنى، حتى تجحدوا فضلي بقولكم ﴿ وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ ﴾ [هود: 27] ولا أدعي علم الغيب حتى تنسبوني إلى الكذب والافتراء، أو حتى أطلع على ما في نفوس أتباعي وضمائر قلوبهم ﴿ وَلا أَقُولُ إِنّى مَلَكٌ ﴾ حتى تقولوا لي ما أنت إلا بشر مثلنا، ولا أحكم على من استرذلتم من المؤمنين لفقرهم أن الله لن يؤتيهم خيراً في الدنيا والآخرة لهوانهم عليه، كما تقولون، مساعدة لكم ونزولاً على هواكم ﴿ إِنّى إِذًا لَّمِنَ الظالمين ﴾ إن قلت شيئاً من ذلك، والازدراء: افتعال من زري عليه إذا عابه.

وأزرى به: قصر به، يقال ازدرته عينه، واقتحمته عينه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ ﴾ أخْبِرُونِي.

﴿ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ﴾ حُجَّةٍ شاهِدَةٍ بِصِحَّةِ دَعْوايَ.

﴿ وَآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ ﴾ بِإيتاءِ البَيِّنَةِ أوِ النُّبُوَّةِ.

﴿ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ فَخَفِيَتْ عَلَيْكم فَلَمْ تَهْدِكم وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ لِأنَّ البَيِّنَةَ في نَفْسِها هي الرَّحْمَةُ، أوْ لِأنَّ خَفاءَها يُوجِبُ خَفاءَ النُّبُوَّةِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ فَعَمِيَتْ بَعْدَ البَيِّنَةِ وحَذْفُها لِلِاخْتِصارِ أوْ لِأنَّهُ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ ﴿ فَعُمِّيَتْ ﴾ أيْ أُخْفِيَتْ.

وقُرِئَ « فَعَمّاها» عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ.

﴿ أنُلْزِمُكُمُوها ﴾ أنُكْرِهُكم عَلى الِاهْتِداءِ بِها.

﴿ وَأنْتُمْ لَها كارِهُونَ ﴾ لا تَخْتارُونَها ولا تَتَأمَّلُونَ فِيها، وحَيْثُ اجْتَمَعَ ضَمِيرانِ ولَيْسَ أحَدُهُما مَرْفُوعًا وقُدِّمَ الأعْرَفُ مِنهُما جازَ في الثّانِي الفَصْلُ والوَصْلُ.

﴿ وَيا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ ﴾ عَلى التَّبْلِيغِ وهو وإنْ لَمْ يُذْكَرْ فَمَعْلُومٌ مِمّا ذُكِرَ.

﴿ مالا ﴾ جُعْلًا ﴿ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ ﴾ فَإنَّهُ المَأْمُولُ مِنهُ.

﴿ وَما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ جَوابٌ لَهم حِينَ سَألُوا طَرْدَهم.

﴿ إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ﴾ فَيُخاصِمُونَ طارِدَهم عِنْدَهُ، أوْ أنَّهم يُلاقُونَهُ ويَفُوزُونَ بِقُرْبِهِ فَكَيْفَ أطْرُدُهم.

﴿ وَلَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾ بِلِقاءِ رَبِّكم أوْ بِأقْدارِهِمْ أوْ في التِماسِ طَرْدِهِمْ، أوْ تَتَسَفَّهُونَ عَلَيْهِمْ بِأنْ تَدْعُوهم أراذِلَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨)

{قال يا قوم أرأيتم} أخبروني {إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ} برهان {مّن ربي} وشاهد منه يشهد بصحة دعواى {وآتاني رحمةً من عنده} يعني النبوة {فَعُمّيَتْ عَلَيْكُمْ} أي خفيت فعميت حمزة وعلي وحفص أي أخفيت أي فعميت عليكم البينة فلم تهدكم كما لو عمي على القوم دليلهم في المفازة بقوا بغير هاد وحقيقته أن الحجة كما جعلت بصيرة ومبصرة جعلت عمياء لأن الأعمى

هود (٢٨ _ ٣٣)

لا يهتدي ولا يهدي غيره {أَنُلْزِمُكُمُوهَا} أي الرحمة {وَأَنتُمْ لَهَا كارهون} لا تريدونها والواو دخلته هنا تتمة للميم وعن أبي عمرو إسكان الميم ووجهه أن الحركة لم تكن إلا خلسة خفيفة فظنها الراوي سكوناً وهو لحن لأن الحركة الإعرابية لا يسوغ طرحها إلا فى ضرورة الشعر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ﴿ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ ﴾ أيْ أخْبِرُونِي، وفِيهِ إيماءٌ إلى رَكاكَةِ رَأْيِهِمُ المَذْكُورِ ﴿ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ ﴾ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ ﴿ مِن رَبِّي ﴾ وشاهِدٍ يَشْهَدُ لِي بِصِحَّةِ دَعْوايَ ﴿ وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ ﴾ هي النُّبُوَّةُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ هي البَيِّنَةَ نَفْسَها جِيءَ بِها إيذانًا بِأنَّها مَعَ كَوْنِها بَيِّنَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى رَحْمَةٌ ونِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِنهُ سُبْحانَهُ، ووَجْهُ إفْرادِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ أُخْفِيَتْ عَلى هَذا ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِها النُّبُوَّةُ.

وبِالبَيِّنَةِ البُرْهانِ الدّالِّ عَلى صِحَّتِها، فالإفْرادُ لِإرادَةِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما، أوْ لِكَوْنِ الضَّمِيرِ لِلْبَيِّنَةِ، والِاكْتِفاءُ بِذَلِكَ لِاسْتِلْزامِ خَفاءِ البَيِّنَةِ خَفاءَ المُدَّعِي، وجُمْلَةُ ﴿ وآتانِي رَحْمَةً ﴾ عَلى هَذا مُعْتَرِضَةٌ أوْ لِكَوْنِهِ لِلرَّحْمَةِ، وفي الكَلامِ مُقَدَّرٌ أيْ أخْفَيْتُ الرَّحْمَةَ بَعْدَ إخْفاءِ البَيِّنَةِ وما يَدُلُّ عَلَيْها وحُذِفَ لِلِاخْتِصارِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُعْتَبَرٌ في المَعْنى دُونَ تَقْدِيرٍ، أوْ لِتَقْدِيرِ -عُمِّيَتْ- غَيْرِ المَذْكُورِ بَعْدَ لَفْظِ البَيِّنَةِ وحُذِفَ اخْتِصارًا، وفِيهِ تَقْدِيرُ جُمْلَةٍ قَبْلَ الدَّلِيلِ.

وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ ( فَعَمِيَتْ ) بِفَتْحِ العَيْنِ وتَخْفِيفِ المِيمِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهو مِنَ العَمى ضِدَّ البَصَرِ، والمُرادُ بِهِ هُنا الخَفاءُ مَجازًا يُقالُ: حُجَّةٌ عَمْياءُ كَما يُقالُ: مُبْصِرَةٌ لِلْواضِحَةِ، وفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ شِبْهُ خَفاءِ الدَّلِيلِ بِالعَمى في أنَّ كُلًّا مِنهُما يَمْنَعُ الوُصُولَ إلى المَقاصِدِ، ثُمَّ فَعَلَ ما لا يَخْفى عَلَيْكَ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ بِأنْ شَبَّهَ الَّذِي لا يَهْتَدِي بِالحُجَّةِ لِخَفائِها عَلَيْهِ بِمَن سَلَكَ مَفازَةً لا يَعْرِفُ طُرُقَها واتَّبَعَ دَلِيلًا أعْمى فِيها، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى القَلْبِ، والأصْلُ فَعَمِيتُمْ عَنْها كَما تَقُولُ العَرَبُ: أدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: تَرى الثَّوْرَ فِيها يَدْخُلُ الظِّلَّ رَأْسُهُ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ ﴾ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ القَلْبَ عِنْدَ أصْحابِنا مُطْلَقًا لا يَجُوزُ إلّا في الضَّرُورَةِ، وقَوْلُ الشّاعِرِ لَيْسَ مِنهُ بَلْ مِن بابِ الِاتِّساعِ في الظَّرْفِ، وكَذا الآيَةُ لَيْسَتْ مِنهُ أيْضًا لِأنَّ أخْلَفَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، والوَصْفُ مِنهُ كَذَلِكَ ولَكَ أنْ تُضِيفَهُ إلى أيِّهِما شِئْتَ عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ ما ذُكِرَ مِنَ القَلْبِ لَكانَ التَّعَدِّي بِعْنَ دُونَ عَلى، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: عَمِيتُ عَنْ كَذا ولا تَقُولُ: عَمِيتُ عَلى كَذا.

ورَوى الأعْمَشُ عَنْ وثّابٍ -وعَمِيَتْ- بِالواوِ الخَفِيفَةِ، وقَرَأ أُبَيٌّ والسُّلَمِيُّ والحَسَنُ وغَيْرُهُمْ: فَعَمّاها عَلَيْكُمْ، عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ تَعالى، وقُرِئَ بِالتَّصْرِيحِ بِهِ، وظاهِرُ ذَلِكَ مَعَ أهْلِ السُّنَّةِ القائِلِينَ بِأنَّ الحَسَنَ والقَبِيحَ مِنهُ تَعالى، ولِذا أوَّلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ حِفْظًا لِعَقِيدَتِهِ ﴿ أنُلْزِمُكُمُوها ﴾ أيْ أنُكْرِهُكم عَلى الِاهْتِداءِ بِها، وهو جَوابُ أرَأيْتُمْ وسادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ وفِي البَحْرِ أنَّهُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لَهُ ومَفْعُولُهُ الأوَّلُ البَيِّنَةُ مُقَدَّرًا وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ( أرَأيْتُمْ ) أيْ ( إنْ كُنْتُ ) إلَخْ..

فَأخْبِرُونِي وحَيْثُ اجْتَمَعَ ضَمِيرانِ مَنصُوبانِ وقَدْ قُدِّمَ أعْرَفُهُما -وهُوَ ضَمِيرُ المُخاطَبِ الأعْرَفُ مِن ضَمِيرِ الغائِبِ- جازَ في الثّانِي الوَصْلُ والفَصْلُ، فَيَجُوزُ في غَيْرِ القُرْآنِ أنُلْزِمُكم إيّاها وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ ووافَقَهُ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ، وقالَ ابْنُ أبِي الرَّبِيعِ: يَجِبُ الوَصْلُ في مِثْلِ ذَلِكَ ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ في الكِتابِ: فَإذا كانَ المَفْعُولانِ اللَّذانِ تَعَدّى إلَيْهِما فِعْلُ الفاعِلِ مُخاطَبًا وغائِبًا فَبَدَأْتَ بِالمُخاطَبِ قَبْلَ الغائِبِ، فَإنَّ عَلامَةَ الغائِبِ العَلّامَةُ الَّتِي لا يَقَعُ مَوْقِعُها إيّاهُ وذَلِكَ نَحْوَ: أعْطَيْتُكَهُ وقَدْ أعْطاكَهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ أنُلْزِمُكُمُوها ﴾ فَهَذا كَهَذا إذْ بَدَأْتَ بِالمُخاطَبِ قَبْلَ الغائِبِ، انْتَهى، ولَوْ قُدِّمَ الغائِبُ وجَبَ الِانْفِصالُ عَلى الصَّحِيحِ فَيُقالُ: أنُلْزِمُها إيّاكم.

وأجازَ بَعْضُهم الِاتِّصالَ واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أراهُمُنِي، ولَمْ يَقُلْ: أراهم إيّايَ، وتَمامُ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ في مَحَلِّهِ وجِيءَ بِالواوِ تَتِمَّةً لِمِيمِ الجَمْعِ، وحُكِي عَنْ أبِي عَمْرٍو إسْكانُ المِيمِ الأُولى تَخْفِيفًا، ويَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ عِنْدَ الفَرّاءِ، وقالَ الزَّجّاجُ: أجْمَعَ النَّحْوِيُّونَ البَصْرِيُّونَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إسْكانُ حَرَكَةِ الإعْرابِ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ فاليَوْمَ أشْرَبُ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ∗∗∗ إثْمًا مِنَ اللَّهِ ولا واغِلَ وقَوْلِهِ: وناعٍ يُخْبِرُنا بِمَهْلِكِ سَيِّدٍ ∗∗∗ تُقَطَّعُ مِن وجْدٍ عَلَيْهِ الأنامِلُ وأمّا ما رُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو مِنَ الإسْكانِ فَلَمْ يَضْبِطْهُ عَنْهُ الرّاوِي، وقَدْ رَوى عَنْهُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ كانَ يُخَفِّفُ الحَرَكَةَ ويَخْتَلِسُها وهَذا هو الحَقُّ، وذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ وقالَ: إنَّ الإسْكانَ الصَّرِيحَ لَحْنٌ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وحُذّاقِ البَصْرِيِّينَ، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ: ﴿ أنُلْزِمُكُمُوها ﴾ مِن شَطْرِ أنْفُسِنا، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قَرَأ مِن شَطْرِ قُلُوبِنا، أيْ مِن تِلْقائِها وجِهَتِها، وفي البَحْرِ أنَّ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَّفْسِيرِ لا عَلى أنَّهُ قُرْآنٌ لِمُخالَفَتِهِ سَوادَ المُصْحَفِ.

﴿ وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ ﴾ أيْ لا تَخْتارُونَها ولا تَتَأمَّلُونَ فِيها، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، قالَ السَّمِينُ: إمّا مِنَ الفاعِلِ أوْ مِن أحَدِ المَفْعُولَيْنِ، واخْتِيرَ أنَّها في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، وقُدِّمَ الجارُّ رِعايَةً لِلْفَواصِلِ، ومَحْصُولُ الجَوابِ أخْبِرُونِي إنْ كُنْتُ عَلى حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ الدَّلالَةَ عَلى صِحَّةِ دَعْوايَ إلّا أنَّها خافِيَةٌ عَلَيْكم غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ لَدَيْكم أيُمْكِنُنا أنْ نُكْرِهَكم عَلى قَبُولِها وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ عَنْها غَيْرُ مُتَدَبِّرِينَ فِيها، أيْ لا يَكُونُ ذَلِكَ -كَذا قَرَّرَهُ شَيْخُ الإسْلامِ- ثُمَّ قالَ: وظاهِرُهُ مُشْعِرٌ بِصُدُورِهِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِطَرِيقِ إظْهارِ اليَأْسِ عَنْ إلْزامِهِمْ والقُعُودِ عَنْ مُحاجَّتِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿ ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي ﴾ إلَخْ..

لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أنَّ مُرادَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَدُّهم عَنِ الإعْراضِ عَنْها وحَثُّهم عَلى التَّدَبُّرِ فِيها بِصَرْفِ الإنْكارِ المُسْتَفادِ مِنَ الهَمْزَةِ إلى الإلْزامِ حالَ كَراهَتِهِمْ لا إلى الإلْزامِ مُطْلَقًا، وقالَ مَوْلانا سَعْدِيُّ جَلْبِيُّ: إنَّ المُرادَ مِنَ الإلْزامِ هُنا الجَبْرُ بِالقَتْلِ ونَحْوُهُ لا الإيجابُ لِأنَّهُ واقِعٌ فَلْيُفْهَمْ.

وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِالبَيِّنَةِ دَلِيلُ العَقْلِ الَّذِي هو مِلاكُ الفَضْلِ وبِحَسْبِهِ يَمْتازُ أفْرادُ البَشَرِ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ، وبِهِ تُناطُ الكَرامَةُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والِاجْتِباءُ لِلرِّسالَةِ وبِالكَوْنِ عَلَيْها التَّمَسُّكُ بِهِ والثَّباتُ عَلَيْهِ وبِخَفائِها عَلى الكَفَرَةِ عَلى أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْبَيِّنَةِ عَدَمَ إدْراكِهِمْ لِكَوْنِهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْها وبِالرَّحْمَةِ النُّبُوَّةُ الَّتِي أنْكَرُوا اخْتِصاصَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِها بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ ويَكُونُ المَعْنى: إنَّكم زَعَمْتُمْ أنَّ عَهْدَ النُّبُوَّةِ لا يَنالُهُ إلّا مَن لَهُ فَضِيلَةٌ عَلى سائِرِ النّاسِ مُسْتَتْبَعَةٌ لِاخْتِصاصِهِ بِهِ دُونَهم أخْبِرُونِي إنِ امْتَزْتُ عَلَيْكم بِزِيادَةِ مَزِيَّةٍ وحِيازَةِ فَضِيلَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي بِحَسَبِها نُبُوَّةً مِن عِنْدِهِ فَخَفِيَتْ عَلَيْكم تِلْكَ البَيِّنَةُ ولَمْ تُصِيبُوها ولَمْ تَنالُوها، ولَمْ تَعْلَمُوا حِيازَتِي لَها وكَوْنِي عَلَيْها إلى الآنِ حَتّى زَعَمْتُمْ أنِّي مِثْلُكم وهي مُتَحَقِّقَةٌ في نَفْسِها أنُلْزِمُكم قَبُولَ نُبُوَّتِي التّابِعَةِ لَهُما، والحالُ أنَّكم كارِهُونَ لِذَلِكَ، ثُمَّ قِيلَ: فَيَكُونُ الِاسْتِفْهامُ لِلْحَمْلِ عَلى الإقْرارِ وهو الأنْسَبُ بِمَقامِ المُحاجَّةِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ كَلامُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَوابًا عَنْ شُبْهَتِهِمُ الَّتِي أدْرَجُوها في خِلالِ مَقالِهِمْ مِن كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَشَرًا قُصارى أمْرِهِ أنْ يَكُونَ مِثْلَهم مِن غَيْرِ فَضْلٍ لَهُ عَلَيْهِمْ، وقَطْعًا لِشَأْفَةِ آرائِهِمُ الرَّكِيكَةِ، انْتَهى، وفِيهِ أنَّ كَوْنَ مَعْنى أنُلْزِمُكُمُوها أنُلْزِمُكم قَبُولَ نُبُوَّتِي التّابِعَةِ لَها غَيْرُ ظاهِرٍ عَلى أنَّ في أمْرِ التَّبَعِيَّةِ نَظَرًا كَما لا يَخْفى، ولَعَلَّ الإتْيانَ بِما أتى بِهِ مِنَ الشَّرْطِ مِن بابِ المُجاراةِ وإسْنادِ الإلْزامِ لِضَمِيرِ الجَماعَةِ إمّا لِلتَّعْظِيمِ أوْ لِاعْتِبارِ مُتَّبِعِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهُ ذَلِكَ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: قالَ يا قَوْمِ يعني: قال نوح لقومه أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي يعني: أخبروني إن كنت على دين ويقين من ربي وبيان، وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ يقول: أكرمني بالرِّسالة والنُّبُوَّةِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ، يعني: عميت عليكم هذه البينة.

ويقال: عُميتم عن ذلك.

يقال: عمي عليه هذا، إذا لم يفهم.

ويقال: التبست عليكم هذه النعمة وهذه البينة التي هي من الله تعالى، فلم تبصروها ولم تعرفوها.

قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم في رواية حفص، فَعُمِّيَتْ بضم العين وتشديد الميم، على معنى فعل ما لم يسم فاعله.

وقرأ الباقون: بنصب العين والتخفيف، ومعناه واحد، يعني: فخفيت عليكم هذه النعمة والرحمة.

واتفقوا في سورة القصص فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ [القصص: 66] بالنصب.

ثم قال: أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ؟

يعني: نعرفكموها وأنتم للنبوة كارهون؟

قال قتادة: أما والله لو استطاع نبي الله لألزمها قومه، ولكن لم يملك ذلك.

- ويقال: أفأريكموها يعني: أنفهمكموها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ أي منكرون؟

ويقال: أنحملكموها، أي معرفتها (١) ثم أخبرهم عن شفقته، وقلة طمعه في أموالهم، فقال: وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً يعني: لا أطلب منكم على الإيمان أجراً، يعني: رزقاً ولا جعلاً إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ يعني: ما ثوابي إِلاَّ على الله، وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا، لأنهم طلبوا منه أن يطرد من عنده من الفقراء والضعفاء، فقال إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ فيجزيهم بأعمالهم.

ويقال إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ فيشكونني إلى الله تعالى أن لم أقبل منهم الإيمان وأطردهم، وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ما أمرتكم به وما جئتكم به.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (٢٨) وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠) وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١) قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢)

وقوله سبحانه: قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ ...

الآية: كأنه قال: أرأيتم إِن هدانِي اللَّهُ وأضلَّكم أَأُجبرُكُمْ على الهدَى، وأنتم له كارِهُونَ، وعبارة نوحٍ عليه السلام كانَتْ بلغته دالَّة على المعنى القائِم بنَفْسه، وهو هذا المفهومُ مِنْ هذه العبارة العربيَّة، فبهذا استقام أنْ يقال: قال كذا وكذا إِذ القوم ما أفاد المعنى القائِمَ في النَّفْس، وقوله: عَلى بَيِّنَةٍ أي: على أمْرٍ بيِّن جَلِيٍّ، وقرأ الجمهور:

«فَعَمِيَتْ» «١» ولذلك وجهان من المعنَى:

أحدهما: خَفِيَتْ.

والثاني: أَنْ يكون المعنَى: فَعُمِّيتُمْ أنتم عنها.

وقوله: أَنُلْزِمُكُمُوها: يريد: إِلزامَ جبر كالقتال ونحوه، وأما إِلزامُ الإِيجاب، فهو حاصلٌ.

وقوله: وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا: يقتضي أَنَّ قومه طلبوا طَرْدَ الضعفاءِ الذين بادَرُوا إِلى الإِيمان به نَظِيرَ ما اقترحت قريش، وتَزْدَرِي: أصله: تَزْتَرِي تَفْتَعِلُ مِنْ زَرَى يَزْرِي، ومعنى: تَزْدَرِي: تحتقر، و «الخير» هنا: يظهر فيه أَنَّهُ خيرُ الآخرة، اللَّهم إِلا أَنْ يكونَ ازدراؤهم من جهة الفَقْر، فيكون الخَيْرُ المال وقد قال بعضُ المفسِّرين: حيثُ ما ذَكَرَ الله الخير/ في القرآن، فهو المال.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ " أنِّي " بِفَتْحِ الألِفِ، والتَّقْدِيرُ: أرْسَلْناهُ بِأنِّي، وكَأنَّ الوَجْهَ بِأنَّهُ لَهم نَذِيرٌ، ولَكِنَّهُ عَلى الرُّجُوعِ مِنَ الإخْبارِ عَنِ الغائِبِ إلى خِطابِ نُوحٍ قَوْمَهُ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ " إنِّي " بِكَسْرِ الألِفِ، فَحَمَلُوهُ عَلى القَوْلِ المُضْمَرِ، والتَّقْدِيرُ فَقالَ لَهم: إنِّي لَكم نَذِيرٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا ﴾ أيْ: إنْسانًا مِثْلَنا، لا فَضْلَ لَكَ عَلَيْنا.

فَأمّا الأراذِلُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ السَّفِلَةُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هم جَمْعُ " أرْذَلَ "، يُقالُ: رَجُلٌ رَذْلٌ، وقَدْ رَذُلَ رَذالَةً ورُذُولَةً.

ومَعْنى الأراذِلِ: الشِّرارُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بادِيَ الرَّأْيِ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ " بادِيَ " بِغَيْرِ هَمْزٍ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالهَمْزِ بَعْدَ الدّالِ.

وكُلُّهم هَمَزَ " الرَّأْيَ " غَيْرَ أبِي عَمْرٍو.

ولِلْعُلَماءِ في مَعْنى " بادِي " إذا لَمْ يُهْمَزُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المَعْنى: ما نَرى أتْباعَكَ إلّا سَفِلَتَنا وأرْذالَنا في بادِي الرَّأْيِ لِكُلِّ ناظِرٍ، يَعْنُونَ أنَّ ما وصَفْناهم بِهِ مِنَ النَّقْصِ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ فَيُخالِفَنا، هَذا مَذْهَبُ مُقاتِلٍ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ اتَّبَعُوكَ في ظاهِرِ ما يُرى مِنهم، وطَوِيَّتُهم عَلى خِلافِكَ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: اتَّبَعُوكَ في ظاهِرِ رَأْيِهِمْ، ولَمْ يَتَدَبَّرُوا ما قُلْتَ، ولَوْ رَجَعُوا إلى التَّفَكُّرِ لَمْ يَتَّبِعُوكَ، ذَكَرَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ الزَّجّاجُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذِهِ الثَّلاثَةُ الأقْوالِ عَلى قِراءَةِ مَن لَمْ يَهْمِزْ، لِأنَّهُ مِن بَدا، يَبْدُو: إذا ظَهَرَ.

فَأمّا مَن هَمَزَ " بادِئَ " فَمَعْناهُ: ابْتِداءُ الرَّأْيِ، أيِ: اتَّبَعُوكَ أوَّلَ ما ابْتَدَؤُوا يَنْظُرُونَ، ولَوْ فَكَّرُوا لَمْ يَعْدِلُوا عَنْ مُوافَقَتِنا في تَكْذِيبِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مِن فَضْلٍ في الخَلْقِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: في المُلْكِ والمالِ ونَحْوِ ذَلِكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: ما فُضِّلْتُمْ بِاتِّباعِكم نُوحًا، ومُخالَفَتِكم لَنا بِفَضِيلَةٍ نَتْبَعُكم طَلَبًا لَها، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: نَتَيَقَّنُكم، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والثّانِي: نَحْسَبُكم، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ﴾ أيْ: عَلى يَقِينٍ وبَصِيرَةٍ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَوْلُهُ: " إنْ كُنْتُ " شَرْطٌ لا يُوجِبُ شَكًّا يَلْحَقُهُ، لَكِنَّ الشَّكَّ يَلْحَقُ المُخاطَبِينَ مِن أهْلِ الزَّيْغِ، فَتَقْدِيرُهُ: إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي عِنْدَكم.

﴿ وَآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها النُّبُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الهِدايَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " فَعَمِيَتْ " بِتَخْفِيفِ المِيمِ وفَتْحِ العَيْنِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَعْنى عَمِيتُمْ عَنْها، يُقالُ عَمِيَ عَلَيَّ هَذا الأمْرُ: إذا لَمْ أفْهَمْهُ، وعَمِيتُ عَنْهُ بِمَعْنًى.

قالَ الفَرّاءُ: وهَذا مِمّا حَوَّلَتِ العَرَبُ الفِعْلَ إلَيْهِ، وهو في الأصْلِ لِغَيْرِهِ، كَقَوْلِهِمْ: دَخَلَ الخاتَمُ في يَدِي، والخُفُّ في رِجْلِي، وإنَّما الإصْبَعُ تَدَخُلُ في الخاتَمِ، والرِّجْلُ في الخُفِّ، واسْتَجازُوا ذَلِكَ إذْ كانَ المَعْنى مَعْرُوفًا.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " فَعُمِّيَتْ " بِضَمِّ العَيْنِ وتَشْدِيدِ المِيمِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَعْنى ذَلِكَ: فَعَمّاها اللَّهُ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ مِمَّنْ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالشَّقاءِ.

وكَذَلِكَ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والأعْمَشُ: " فَعَمّاها عَلَيْكم " .

وَفِي المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ: أحَدُهُما: البَيِّنَةُ والثّانِي: الرَّحْمَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنُلْزِمُكُمُوها ﴾ أيْ: أنُلْزِمُكم قَبُولَها ؟

وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ، يَقُولُ: لا نَقْدِرُ أنْ نُلْزِمَكم مِن ذاتِ أنْفُسِنا.

قالَ قَتادَةُ: واللَّهِ لَوِ اسْتَطاعَ نَبِيُّ اللَّهِ  لَألْزَمَها قَوْمَهُ، ولَكِنْ لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ.

وقِيلَ: كانَ مُرادُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ رَدَّ قَوْلِهِمْ: ﴿ وَما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ ﴾ فَبَيَّنَ فَضْلَهُ وفَضْلَ مَن آمَنَ بِهِ بِأنَّهُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ، وقَدْ آتاهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ وسُلِبَ المُكَذِّبُونَ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا أسْألُكم عَلَيْهِ ﴾ أيْ: عَلى نُصْحِي ودُعائِي إيّاكم ﴿ مالا ﴾ فَتَتَّهِمُونِي.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا كانَتِ الرَّحْمَةُ بِمَعْنى الهُدى والإيمانِ، جازَ تَذْكِيرُها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: سَألُوهُ طَرْدَهم أنَفَةً مِنهم، فَقالَ: لا يَجُوزُ لِي طَرْدُهم، إذْ كانُوا يَلْقَوْنَ اللَّهَ فَيَجْزِيهِمْ بِإيمانِهِمْ، ويَأْخُذُ لَهم مِمَّنْ ظَلَمَهم وصَغَّرَ شُؤُونَهم.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَلَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تَجْهَلُونَ أنَّ هَذا الأمْرَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: تَجْهَلُونَ لِأمْرِكم إيّايَ بِطَرْدِ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكم أنُلْزِمُكُمُوها وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ ﴾ ﴿ وَيا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالا إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللهِ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾ ﴿ وَيا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مَن اللهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ كَأنَّهُ قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ هَدانِي اللهُ وأضَلَّكم أأُجْبِرُكم عَلى الهُدى وأنْتُمْ كارِهُونَ لَهُ مُعْرِضُونَ عنهُ، واسْتِفْهامُهُ في هَذِهِ الآيَةِ أوَّلًا وثانِيًا عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ.

وعِبارَةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ كانَتْ بِلُغَتِهِ دالَّةً عَلى المَعْنى القائِمِ بِنَفْسِهِ، وهَذا هو المَفْهُومُ مِن هَذِهِ العِبارَةِ العَرَبِيَّةِ، فَبِهَذا اسْتَقامَ أنْ يُقالَ كَذا وكَذا، إذِ القَوْلُ ما أفادَ المَعْنى القائِمَ بِنَفْسِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى بَيِّنَةٍ ﴾ أيْ: عَلى أمْرٍ بَيِّنٍ جَلِيٍّ، والهاءُ في "بَيِّنَةٍ" لِلْمُبالَغَةِ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ، و"إيتاؤُهُ الرَحْمَةَ" هو هِدايَتُهُ لِلْبَيِّنَةِ، والمُشارُ إلَيْهِ بِهَذا كُلِّهِ النُبُوةُ والشَرْعُ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن عِنْدِهِ ﴾ تَأْكِيدٌ، كَما قالَ: ﴿ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ  ﴾ ، وفائِدَتُهُ رَفْعُ الِاشْتِراكِ ولَوْ بِالِاسْتِعارَةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَعُمِّيَتْ" ولِذَلِكَ وجْهانِ مِنَ المَعْنى: أحَدُهُما: خَفِيَتْ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِلسَّحابِ: العَماءُ لِأنَّهُ يُخْفِي ما فِيهِ، كَما يُقالُ لَهُ: الغَمامُ لِأنَّهُ يَغُمُّهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ  : « "كانَ اللهُ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الأشْياءَ في عَماءٍ"».

والمَعْنى الثانِي: أنْ تَكُونَ الإرادَةُ: "فَعَمِيتُمْ أنْتُمْ عنها"، لِكَنَّهُ قُلِبَ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: "أدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: تَرى الثَوْرَ فِيها يُدْخِلُ الظِلَّ رَأْسَهُ ∗∗∗ وسائِرُهُ بادٍ إلى الشَمْسِ أجْمَعُ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا مِمّا يُقْلَبُ إذْ لَيْسَ فِيهِ إشْكالٌ وفي القُرْآنِ: ﴿ فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ  ﴾ .

وقَرَأ حَفْصٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "فَعُمِّيَتْ" بِضَمِّ العَيْنِ وشَدِّ المِيمِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ وهَذا إنَّما يَكُونُ مِنَ الإخْفاءِ ويُحْتَمَلُ القَلْبُ المَذْكُورُ.

وقَرَأ الأعْمَشُ وغَيْرُهُ "فَعَمّاها عَلَيْهِمْ".

قالَ أبُو حاتِمٍ: رَوى الأعْمَشُ عَنِ ابْنِ وثّابٍ "وَعَمِيَتْ" بِالواوِ خَفِيفَةً.

وقَوْلُهُ: ﴿ أنُلْزِمُكُمُوها ﴾ يُرِيدُ إلْزامَ جَبْرٍ كالقِتالِ ونَحْوِهِ، وأمّا إلْزامُ الإيجابِ فَهو حاصِلٌ، وقالَ النَحّاسُ: مَعْناهُ: أنُوجِبُها عَلَيْكُمْ، وقَوْلُهُ: في ذَلِكَ خَطَأٌ.

وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "أنُلْزِمُكُمُوها مِن شَطْرِ أنْفُسِنا"، ومَعْناهُ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِنا.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قَرَأ ذَلِكَ "مِن شَطْرِ قُلُوبِنا".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالا ﴾ الآيَةُ الضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى التَبْلِيغِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ يَقْتَضِي أنَّهم طَلَبُوا مِنهُ طَرْدَ الضُعَفاءِ الَّذِينَ بادَرُوا إلى الإيمانِ بِهِ نَظِيرَ ما اقْتَرَحَتْ قُرَيْشٌ عَلى رَسُولِ اللهِ  بِطَرْدِ أتْباعِهِ بِمَكَّةَ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مِن قُرَيْشٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ﴾ نْبِيهٌ عَلى العَوْدَةِ إلى اللهِ ولِقاءِ جَزائِهِ المَعْنى" فَيُوَصِّلُهم إلى حَقِّهِمْ عِنْدِي إنْ ظَلَمْتُهم بِالطَرْدِ.

ثُمَّ وصَفَهم بِالجَهْلِ في مِثْلِ هَذا الِاقْتِراحِ ونَحْوِهِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ وَيا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مَن اللهِ ﴾ الآيَةُ هو اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى تَقْرِيرٍ وتَوْقِيفٍ، أيْ لا ناصِرَ يَدْفَعُ عَنِّي عِقابَ اللهِ إنْ ظَلَمْتُهم بِالطَرْدِ عَنِ الخَيْرِ الَّذِي قَبِلُوهُ، ثُمَّ وقَّفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ أفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ ، وعَرَضَ عَلَيْهِمُ النَظَرَ المُؤَدِّيَ إلى صِحَّةِ هَذا الِاحْتِجاجِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

فُصلت جملة ﴿ قال يا قوم ﴾ عن التي قبلها على طريقة حكاية الأقوال في المحاورات كما قدّمناه عند قوله تعالى: ﴿ وإذ قال ربك للملائكة إني جاعِلٌ في الأرض خليفةٌ ﴾ في سورة [البقرة: 30]، فهذه لما وقعت مقابلاً لكلام محكي يقال فصلت الجملة ولم تعطف بخلاف ما تقدم آنفاً في قوله: ﴿ فقال الملأ الذين كفروا من قومه ﴾ [هود: 27].

وافتتاح مراجعته بالنداء لطلب إقبال أذهانهم لوعي كلامه، كما تقدم في نظيرها في سورة الأعراف، واختيار استحضارهم بعنوان قومه لاستنزال طائر نفورهم تذكيراً لهم بأنه منهم فلا يريد لهم إلاّ خيراً.

وإذ قد كان طعنهم في رسالته مدلّلاً بأنهم ما رأوا له مزية وفضلاً، وما رأوا أتباعه إلاّ ضعفاء قومهم وإن ذلك علامة كذبه وضلال أتباعه، سلك نوح عليه السلام في مجادلتهم مسلك إجمال لإبطال شبهتهم ثم مسلك تفصيل لِردّ أقوالهم، فأما مسلك الإجمال فسلك فيه مسلك القلب بأنهم إن لم يروا فيه وفي أتباعه ما يحمل على التصديق برسالته، فكذلك هو لا يستطيع أن يحملهم على رؤية المعاني الدالة على صدقه ولا يستطيع منع الذين آمنوا به من متابعته والاهتداء بالهدي الذي جاء به.

فقوله: ﴿ أرأيتم إن كنتُ على بينة من ربي ﴾ إلى آخره.

معناه إن كنتُ ذا برهان واضح، ومتصفاً برحمة الله بالرسالة بالهدى فلم تظهر لكم الحجة ولا دلائل الهدى، فهل ألزمكم أنا وأتباعي بها، أي بالإذعان إليها والتصديق بها إن أنتم تكرهون قبولها.

وهذا تعريض بأنهم لو تأملوا تأملاً بريئاً من الكراهية والعداوة لعلموا صدق دعوته.

و ﴿ أرأيتم ﴾ ، استفهام عن الرؤية بمعنى الاعتقاد.

وهو استفهام تقريري إذا كان فعل الرؤية غيرَ عامل في مفرد فهو تقرير على مضمون الجملة السادة مسدّ مفعولي (رأيتُم)، ولذلك كان معناه آيلاً إلى معنى أخبروني، ولكنّه لا يستعمل إلاّ في طلب مَن حاله حالُ من يجحد الخبر، وقد تقدم معناه في قوله تعالى: ﴿ قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتةً أو جهرة ﴾ في سورة [الأنعام: 47].

وجملة ﴿ إن كنتُ على بينة من ربي إلى قوله فعَميت عليكم ﴾ معترضة بين فعل ﴿ أرأيتم ﴾ ومَا سدّ مسد مفعوليه.

والاستفهام في ﴿ أنلزمكموها ﴾ إنكاري، أي لا نكرهكم على قبولها، فعُلق الإلزام بضمير البينة أو الرحمة.

والمراد تعليقه بقبولها بدلالة القرينة.

والبينة: الحجة الواضحة، وتطلق على المعجزة، فيجوز أن تكون معجزته الطوفان، ويجوز أن تكون له معجزات أخرى لم تذكر، فإن بعثة الرسل عليهم السّلام لا تخلو من معجزات.

والمراد بالرحمة نعمة النبوءة والتفضيل عليهم الذي أنكروه، مع ما صحبها من البيّنة لأنّها من تمامها، فعطف (الرحمة) على (البينة) يقتضي المغايرة بينهما، وهي مغايرة بالعموم والخصوص لأن الرحمة أعم من البينة إذ البينة على صدقه من جملة الرحمة به، ولذلك لما أعيد الضمير في قوله: ﴿ فعميت ﴾ أعيد على (الرحمة) لأنها أعم.

و ﴿ عليكم ﴾ متعلقة ب (عميت) وهو حرف تتعدى به الأفعال الدّالة على معنى الخفاء، مثل: خفي عليك.

ولما كان عمي في معنى خفي عُدّي ب (على)، وهو للاستعلاء المجازي أي التمكن، أي قوة ملازمة البينة والرحمة له.

واختيار وصف الرب دون اسم الجلالة للدّلالة على أن إعطاءه البينة والرحمة فضل من الله أراد به إظهار رفقه وعنايته به.

ومعنى ﴿ فعميت ﴾ فخفيت، وهو استعارة، إذ شبهت الحجة التي لم يدركها المخاطبون كالعمياء في أنها لم تصل إلى عقولهم كما أن الأعمى لا يهتدي للوصول إلى مقصده فلا يصل إليه.

ولمّا ضمّن معنى: الخفاء عدي فعل (عميت) بحرف (على) تجريداً للاستعارة.

وفي ضد هذه الاستعارة جاء قوله تعالى: ﴿ وآتينا ثمود الناقة مبصرةً ﴾ [الإسراء: 59]، أي آتيناهم آية واضحة لا يستطاع جحدها لأنها آية محسوسة، ولذلك سمّي جحدهم إياها ظلماً فقال: ﴿ فظلموا بها ﴾ [الإسراء: 59].

ومن بديع هذه الاستعارة هنا أن فيها طباقاً لمقابلة قولهم في مجادلتهم ﴿ ما نراك إلاّ بشراً وما نراك اتّبعك وما نرى لكم علينا من فضل ﴾ [هود: 27].

فقابل نوح عليه السلام كلامهم مقابلة بالمعنى واللفظ إذ جعل عدم رؤيتهم من قبيل العَمى.

وعطف (عَميت) بفاء التعقيب إيماء إلى عدم الفترة بين إيتائه البينة والرحمة وبين خفائها عليهم.

وهو تعريض لهم بأنهم بادروا بالإنكار قبل التأمل.

وجملة ﴿ أنلزمكموها ﴾ سادة مسد مفعولي ﴿ أرأيتم ﴾ لأن الفعل علّق عن العمل بدخول همزة الاستفهام.

وجوابُ الشرط محذوف دلّ عليه فعل ﴿ أرأيتم ﴾ وما سدّ مسد مفعوليه.

وتقدير الكلام: قال يا قوم إن كنت على بيّنة من ربي إلى آخره أترون أنلزمكم قبول البينة وأنتم لها كارهون.

وجيء بضمير المتكلم المشارك هنا للإشارة إلى أن الإلزام لو فُرض وقوعه لكان له أعوان عليه وهم أتباعه فأراد أن لا يهمل ذكر أتباعه وأنهم أنصار له لو شاء أن يُهيب بهم.

والقصد من ذلك التنويه بشأنهم في مقابلة تحقير الآخرين إياهم.

والاستفهام إنكاري، أي ما كان لنا ذلك لأن الله لم يأمره بإكراههم إعراضاً عن العناية بهم فترك أمرهم إلى الله، وذلك أشد في توقع العقاب العظيم.

والكاره: المبغض لشيء.

وعدّي باللام إلى مفعوله لزيادة تقوية تعلق الكراهية بالرحمة أو البينة، أي وأنتم مبغضون قبولها لأجل إعراضكم عن التدبّر فيها.

وتقديم المجرور على ﴿ كارهون ﴾ لرعاية الفاصلة مع الاهتمام بشأنها.

والمقصود من كلامه بعْثهم على إعادة التأمل في الآيات.

وتخفيض نفوسهم.

واستنزالُهم إلى الإنصاف.

وليس المقصود معذرتهم بما صنعوا ولا العدول عن تكرير دعوتهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي عَلى ثِقَةٍ مِن رَبِّي، قالَهُ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ.

الثّانِي: عَلى حُجَّةٍ مِن رَبِّي، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

﴿ وَآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: الإيمانُ.

والثّانِي: النُّبُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ يَعْنِي البَيِّنَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ﴾ وإنَّما قالَ: ﴿ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ عَمُوا عَنْها، لِأنَّها خَفِيَتْ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ النَّظَرِ فَأعْماهُمُ اللَّهُ عَنْها.

وَقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ: ﴿ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ بِضَمِّ العَيْنِ وتَشْدِيدِ المِيمِ، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ فَعَمّاها وهي مُوافِقَةٌ لِقِراءَةِ مَن قَرَأ بِالضَّمِّ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.

وَفي الَّذِي عَمّاها عَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى عَمّاها عَلَيْهِمْ.

الثّانِي: بِوَسْوَسَةِ الشَّيْطانِ.

وَما زَيَّنَهُ لَهم مِنَ الباطِلِ حَتّى انْصَرَفُوا عَنِ الحَقِّ.

وَإنَّما قَصَدَ نَبِيُّ اللَّهِ نُوحٌ بِهَذا القَوْلِ لِقَوْمِهِ أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ: ﴿ وَما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ ﴾ لِيُظْهِرَ فَضْلَهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وآتاهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ وهم قَدْ سُلِبُوا ذَلِكَ، فَأيُّ فَضْلٍ أعْظَمُ مِنهُ؟

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ أنُلْزِمُكُمُوها وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ ﴾ فِيها وجْهانِ: أنُلْزِمُكُمُ الرَّحْمَةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: أنُلْزِمُكُمُ البَيِّنَةَ وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ، وقَبُولُكم لَها لا يَصِحُّ مَعَ الكَراهَةِ عَلَيْها.

قالَ قَتادَةُ واللَّهِ لَوِ اسْتَطاعَ نَبِيُّ اللَّهِ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لَألْزَمَها قَوْمَهُ ولَكِنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا باديَ الرأي ﴾ قال: فيما ظهر لنا.

وأخرج أبو الشيخ عن عطاء رضي الله عنه.

مثله.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن كنت على بينة من ربي ﴾ قال: قد عرفتها وعرفت بها أمره وأنه لا إله إلا هو ﴿ وآتاني رحمة من عنده ﴾ قال: الإِسلام والهدى والإِيمان والحكم والنبوة.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أنلزمكموها ﴾ قال: أما والله لو استطاع نبي الله لألزمها قومه ولكنه لم يستطع ذلك ولم يملكه.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما.

أنه كان يقرأ ﴿ أنلزمكموها من شطر أنفسنا وأنتم لها كارهون ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ أنلزمكموها من شطر قلوبنا ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن أجري ﴾ قال: جزائي.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ قال: قالوا له: يا نوح إن أحببت أن نتبعك فاطردهم وإلا فلن نرضى أن نكون نحن وهم في الأمر سواء.

وفي قوله: ﴿ إنهم ملاقوا ربهم ﴾ قال: فيسألهم عن أعمالهم ﴿ ولا أقول لكم عندي خزائن الله ﴾ التي لا يفنيها شيء فأكون إنما أدعوكم لتتبعوني عليها لأعطيكم منها بملكه أي عليها ﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ لا أقول اتبعوني على علمي بالغيب ﴿ ولا أقول إني ملك ﴾ نزلت من السماء برسالة ﴿ ما أنا إلا بشر مثلكم ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا أقول للذين تزدري أعينكم ﴾ قال: حقرتموهم.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ لن يؤتيهم الله خيراً ﴾ قال: يعني إيماناً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ قالوا يا نوح قد جادلتنا ﴾ قال: ماريتنا.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه ﴿ فائتنا بما تعدنا ﴾ قال: تكذيباً بالعذاب وأنه باطل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فعليَّ إجرامي ﴾ قال: عملي ﴿ وأنا بريء مما تجرمون ﴾ أي مما تعملون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ﴾ ، قال ابن عباس: يريد على يقين من ربوبية ربي (١) (٢) وقال أهل المعاني: عني بالبينة هاهنا: البرهان من جهة المعجزة التي تشهد بصحة النبوة، وخصهم بهذا في المناظرة؛ إذ هو طريق العلم بالحق، لا ما التمسوا من (٣) ﴿ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا ﴾ .

قال ابن الأنباري (٤) ﴿ إِن كُنتُ ﴾ لا يوجب شكًا لحق النبي في أمره، لكن الشك لاحق للمخاطبين، وتلخيص الكلام: قل أرأيتم إن كنت على بينة من ربي عندكم، وفيما يصح من عقولكم وتقبله أفهامكم، فدخل الشرط في كلام (٥)  لهذا الترتيب.

وقوله تعالى: ﴿ وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ ﴾ ، قال ابن عباس (٦) (٧) (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ ، ذكر ابن الأنباري (١٠) (١١) أحدهما: أن معناه: فخفيت عليكم؛ لأن الله عز وجل سلبكم علمها ومنعكم معرفتها لعنادكم الحق، وأنشد أبو علي قول رؤبة (١٢) ومهمه أطرافه في مهمه ...

أعمى الهدى في الحائرين العمه أي خفي الهدى.

ألا ترى أن الهدى ليس بذي جارحة تلحقها هذه الآفة، قال: ومن هذا قيل للسحاب العما؛ لإخفائه ما يخفيه كما قيل له الغمام.

الوجه الثاني: أن يكون عموا هم عنها، ألا ترى أن الرحمة لا تعمى وإنما يُعمى عنها، فيكون هذا كقولهم: أدخلت القلنسوة في رأسي، ونحو ذلك مما يقلب إذ لم يكن فيها إشكال، وفي التنزيل: ﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ﴾ (١٣) (١٤) ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه ...

وسائره باد إلى الشمس أجمع وهذا مذهب الفراء (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) ﴿ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ ﴾ (١٩) وقرأ أهل الكوفة (٢٠) ﴿ فَعَمِيَتْ ﴾ مشددة مضمومة العين، قال أبو بكر (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) قوله تعالى: ﴿ أَنُلْزِمُكُمُوهَا ﴾ ، قال أبو بكر (٢٥) قال المفسرون وأهل المعاني (٢٦) (٢٧) وروى سعيد عن قتادة (٢٨) (٢٩) ﴿ أَنُلْزِمُكُمُوهَا ﴾ ثلاث مضمرات: ضمير المتكلم، وضمير المخاطب، وضمير الغائب، وأجاز الفراء (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) (١) ساقط من (ي).

(٢) البغوي 4/ 171، "زاد المسير" 4/ 96، الطبري 12/ 28، "مشكل القرآن وغريبه" ص 210.

(٣) في (ي): (أما).

(٤) "زاد المسير" 4/ 96.

(٥) ساقط من (ب).

(٦) "تنوير المقباس" /140، "زاد المسير" 4/ 97، القرطبي 9/ 25، ابن كثير 2/ 485.

(٧) في (ي): (ساتين).

ومعنى ينتاش، من نوش، ومن التناوش أي التناول.

مختار == الصحاح 685.

ومنه قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ سبأ: 52.

(٨) "زاد المسير" 4/ 97.

(٩) في (ب): تكرار (فيما ادعوه من أنه ليس عليهم).

وقوله: (ليس عليهم فضل) كذا في جميع النسخ ولعل فيه سقط هنا (له) فيكون: ليس له عليهم فضل.

(١٠) "زاد المسير" 4/ 97.

(١١) "الحجة" 4/ 322.

(١٢) البيت لرؤبة بن العجاج، من أرجوزة يصف بها نفسه، برواية "الجاهلين" بدلاً من "الحائرين" في ديوانه، والرجل العمه: المتردد في رأيه أو أعمى القلب.

انظر: ديوانه / 166، و"اللسان" 5/ 3114، (عمه)، و"شرح شواهد الشافية" 202، و"شرح شواهد العيني" 3/ 345.

(١٣) إبراهيم: 47.

(١٤) من شواهد سيبويه، أراد مدخل رأسه الظل، الكتاب 1/ 92، أمالي المرتضى 1/ 55، "تأويل مشكل القرآن" /194، "معاني القرآن" 2/ 80، السيرافي 1/ 245، "الدرر" 2/ 156، الهمع 2/ 123.

(١٥) "معاني القرآن" 2/ 12.

(١٦) ساقط من (ي).

(١٧) ساقط من (ب).

(١٨) قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر، (فعميت) بتخفيف الميم وفتح العين، "السبعة" /332، "الحجة" 4/ 321، "التبصرة" / 538، "الكشف" 1/ 527، إتحاف ص 255 - 256، النشر 3/ 114.

(١٩) القصص / 66، وقد قرئت بالتخفيف بإجماع القراء.

انظر: "التبصرة" 5/ 538، "الكشف" 1/ 527، "إتحاف فضلاء البشر" ص 255 - 256، "النشر" 3/ 114.

(٢٠) قرأ بها حمزة والكسائي وحفص عن عاصم، السبعة / 332، "الحجة" 4/ 322، "التبصرة" / 538، "الكشف" 1/ 527، "إتحاف" ص 255 - 256، "النشر" 3/ 114.

(٢١) "زاد المسير" 4/ 97.

(٢٢) ذكرها مكي في كتاب الكشف 1/ 527، وعزاها للأعمش، وعزاها في الإتحاف ص 255 - 256 لأبي والأعمش، وعزاها القرطبي 9/ 25، لأبي، وعزاها الطبري 12/ 28 لابن مسعود.

(٢٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 47.

(٢٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).

(٢٥) "زاد المسير" 4/ 97.

(٢٦) الطبري 12/ 28، "زاد المسير" 4/ 97، القرطبي 9/ 25، ابن عطية 7/ 276، "مشكل القرآن وغريبه" 1/ 210، "معاني القرآن" للنحاس 3/ 343.

(٢٧) الطبري 12/ 28، 29، وذكر أيضًا أنها قراءة أبي، ابن عطية 7/ 276، "الدر المنثور" 3/ 591.

(٢٨) الطبري 12/ 29 وفيه (ولكن لم يستطع ذلك ولم يملكه)، ابن أبي حاتم 6/ 2023.

وانظر البغوي 4/ 171، "زاد المسير" 4/ 97، القرطبي 9/ 26، "الدر المنثور" 3/ 591.

(٢٩) في (ي): (لم يهلك ذلك ولم يملكه).

(٣٠) "معاني القرآن" 2/ 12.

(٣١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 48، وعبارته: "وسيبويه والخليل لا يجدان إسكان حرف الإعراب إلا في اضطرار، فأما ما روي عن أبي عمرو من الإسكان فلم يضبط ذلك عنه".

(٣٢) الصحيح (القراء).

انظر: "البحر المحيط" 5/ 217.

(٣٣) البيت لامرئ القيس، عجزه: إثما من الله ولا واغل وفي "ديوانه" ص 122: (فاليوم أسقي ..)، وانظر: "الكتاب" 2/ 297، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 87، == واحتقب الإثم واستحقبه احتمله، ومعناه: "حلت لي الخمر فلا آثم بشربها إذ قد وفيت بنذري فيها.

وكان قد نذر ألا بشربها حتى يدرك ثأر أبيه" القرطبي 9/ 26 وانظر: "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 4/ 275.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ على بَيِّنَةٍ مِّن ربي ﴾ أي على برهان وأمر جلي، وكذلك في قصة صالح وشعيب ﴿ وآتاني رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ ﴾ يعني النبوّة ﴿ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ أي خفيت عليكم، والفاعل على هذا البينة أو الرحمة ﴿ أَنُلْزِمُكُمُوهَا ﴾ أي أنكرهكم على قبولها قهراً؟

وهذا هو جواب أرأيتم: ومعنى الآية أن نوحاً عليه السلام قال لقومه: أرأيتم إن هداني الله وأضلكم أأجبركم على الهدى وأنتم له كارهون؟

﴿ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً ﴾ الضمير في عليه عائد على التبليغ ﴿ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الذين آمنوا ﴾ يقتضي أنهم طلبوا منه طرد الضعفاء ﴿ إِنَّهُمْ ملاقوا رَبِّهِمْ ﴾ المعنى أنه يجازيهم على إيمانهم ﴿ مَن يَنصُرُنِي مِنَ الله إِن طَرَدتُّهُمْ ﴾ أي: من يدفع عني عقاب الله إن ظلمتهم بالطرد ﴿ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ الله ﴾ الآية: أي لا أدعي ما ليس لي فتنكرون قولي ﴿ تزدري ﴾ أي تحتقر من قولك: زريت الرجل إذا قصرت به، والمراد بالذين تزدري أعينهم: ضعفاء المؤمنين ﴿ إني إِذاً لَّمِنَ الظالمين ﴾ أي إن قلت للمؤمنين: لن يؤتيهم الله خيراً، والخير هنا يحتمل أن يريد به خير الدنيا والآخرة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني لكم ﴾ بكسر الهمزة: نافع وابن عامر وعاصم وحمزة.

والآخرون بفتحها ﴿ بادىء ﴾ بالهمزة: أبو عمرو ونصير.

﴿ الرأي ﴾ بالياء: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ فعميت ﴾ مجهولاً مشدداً.

حمزة وعلي وخلف وحفص.

الباقون بضدهما ﴿ أنلزمكموها ﴾ باختلاس ضمة الميم: عباس ﴿ أجري إلا ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿ ولكني أريكم ﴾ بالفتح حيث كان: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ نصحي إن ﴾ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ بأعيننا ﴾ مدغماً.

حيث كان: عباس ﴿ من كل ﴾ بالتنوين حيث كان: حفص والمفضل ﴿ مجريها ﴾ بفتح الميم بالإِمالة: حمزة وعلي وخلف وحفص ﴿ مجريها ﴾ بالضم وبالإمالة: أبو عمرو.

والباقون بالضم مفخماً.

﴿ يا بني ﴾ بفتح الياء: عاصم ﴿ اركب معنا ﴾ مظهراً: عاصم وحمزة ﴿ عمل ﴾ على أنه فعل غير بالنصب: علي وسهل ويعقوب.

الآخرون ﴿ عمل ﴾ غير بالرفع فيهما ﴿ تسألن ﴾ بالنون المشددة المسكورة لإدغام النون المخففة في نون الوقاية بعد حذف ياء المتكلم في الحالين: ابن عامر وقالون: بإثبات الياء في الوصل: أبو جعفر ونافع غير قالون بفتح النون المشددة: ابن كثير ﴿ تسألني ﴾ بغير نون التأكيد وإثبات الياء في الحالين سهل ويعقوب الباقون بغير ياء في الحالين ﴿ إني أعظك ﴾ ﴿ إني أعوذ ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ مبين ﴾ ه لا ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الرأي ﴾ ج ﴿ كاذبين ﴾ ه ﴿ فعيمت عليكم ﴾ ط ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ مالاً ﴾ ط ﴿ آمنوا ﴾ ط ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ طردتهم ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ أنفسهم ﴾ ج ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ أن يغويكم ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ط ﴿ افتراه ﴾ ط ﴿ تجرمون ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ ظلموا ﴾ ج لا حتمال التعليل.

﴿ مغرقون ﴾ ه ﴿ سخروا منه ﴾ ه ﴿ تسخرون ﴾ ه ط ﴿ تعلمون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ التنور ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ ومن آمن ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ 5 ط ﴿ ومرساها ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من الماء ﴾ ط، ﴿ رحم ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع اختلاف العامل.

﴿ المغرقين ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه.

﴿ الحاكمين ﴾ ه ﴿ من أهلك ﴾ ج ﴿ علم ﴾ ط ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ علم ﴾ ط ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ج ط لاحتمال ما بعده الحال أو الاستئناف ﴿ هذا ﴾ ط وعلى قوله: ﴿ فاصبر ﴾ أحسن للابتداء بــ"أن" ﴿ للمتقين ﴾ ه.

التفسير: لما أورد على الكفار أنواع الدلائل أكدها بالقصص على عادته من التفنن في الكلام والنقل من أسلوب إلى أسلوب في الموعظة فبدأ بقصة نوح.

ومعنى ﴿ إني لكم ﴾ أي متلبساً بهذا الكلام وهو قوله: ﴿ إني لكم ﴾ فلما اتصل به الجار فتح ومن كسر فعلى إرادة القول.

و ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ بدل من ﴿ إني لكم نذير ﴾ أي أرسلناه بأن لا تعبدوا ﴿ إلا الله ﴾ أو يكون "أن" مفسرة متعلقة بأرسلنا أو بنذير.

ووصف اليوم بأليم لوقوع الألم فيه فيكون مجازاً.

وكذا لو جعل الوصف للعذاب والجر بالجوار.

ثم حكى أنه طعن أشراف قومه في نبوته من ثلاث جهات.

الأولى أنه بشر مثلهم.

الثانية أنه لم يتبعه إلا الأراذل يعنون أصحاب الحرف الخسيسة كالحياكة وغيرها قالوا: لو كنت صادقاً لاتبعك الأكياس من الناس والأشراف منهم.

والأراذل جمع أرذل.

وقيل: جمع الأرذال جمع رذل وهو الدون من كل شيء في منظره وحالاته.

ومعنى ﴿ بادي الرأي ﴾ أول الرأي وهو نصب على الظرف أي اتبعوك في ابتداء حدوث الرأي من غير روية، أو معناه ظاهر الرأي من قولك بدا الشيء إذا ظهر، ومنه البادية للبرية لظهروها وبروزها للناظر.

وهذا تفسير من قرأ بغير همز.

وعلى هذا فالمراد أنهم اتبعوك في الظاهر وباطنهم بخلافه، أو اتبعوك وقت حدوث ظاهر رأيهم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

ويجوز أن يتعلق ﴿ بادي الرأي ﴾ بقوله: ﴿ أراذلنا ﴾ أي كونهم كذلك أمر ظاهر لكل من يراهم عياناً، ويتأكد هذا التأويل بما نقل عن مجاهد أنه قرأ ﴿ إلا الذين هم أراذلنا رأي العين ﴾ وإنما استرذلوا المؤمنين لاعتقادهم أن المزية عند الله  بالمال والجاه ولم يعلموا أن ذلك مبعد من الحق لا مقرب منه، وأن الأنبياء ما بعثوا إلا لترك الدنيا والإقبال على الآخرة فكيف يجعل قلة المال طعناً في النبوة وفي متابعة النبي.

الشبهة الثالثة: ﴿ وما نرى لكم علينا من فضل ﴾ لا في العقل ولا في كيفية رعاية المصالح ولا في قوة الجدل ﴿ بل نظنكم كاذبين ﴾ خطاب لنوح ولمن آمن به بتبعيته، أو خطاب للأراذل كأنهم نسبوهم إلى الكذب في ادعاء الإيمان.

ثم حكى ما أجاب به نوح قومه وهو أن حصول المساواة في صفة البشرية لا يمنع من حصول المفارقة في صفة النبوة وذلك قوله: ﴿ أرأيتم إن كنت على بينة ﴾ برهان ﴿ من ربي وآتاني ﴾ بإيتاء تلك البينة ﴿ رحمة ﴾ وعلى هذا البينة هي الرحمة، ويجوز أن يريد بالبينة المعجزة وبالرحمة النبوة وقيل بالعكس ﴿ فعيمت ﴾ خفيت أو أخفيت البينة أو كل من البينة والرحمة أي صارت مظلمة مشتبهة في عقولكم.

والبينة توصف بالإبصار والعمى مجازاً باعتبار نتيجتها كما أن دليل القوم إن كان بصيراً اهتدوا وإن كان أعمى بقول خابطين متحيرين.

ثم قال: ﴿ أنلزمكموها ﴾ أي أنكرهكم على قبول البينة ﴿ وأنتم لها كارهون ﴾ والمراد أنا لا نقدر على إيصال حقيقة البينة إليك.

وإنما يقدر على ذلك من هو قادر على الإيجاد والإعدام وتغيير الأحوال وتبديل الأخلاق.

ثم ذكر أنه لا يطلب على تبليغ الرسالة مالاً حتى يتفاوت الحال بسبب كون المجيب غنياً أو فقيراً ﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ عن ابن جريج أنهم قالوا: إن أحببت يا نوح أن نتبعك فاطردهم فإنا لا نرضى بمشاركتهم، فلم يبذل ملتمسهم وعلل ذلك بقوله ﴿ إنهم ملاقو ربهم ﴾ فيعاقب من يطردهم أو يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبهم من الإيمان الصحيح أو النفاق بزعمكم، أو المراد أنهم متقدون لقاء ربهم ﴿ ولكني أراكم قوماً تجهلون ﴾ لقاء ربكم وأنهم خير منكم، أو قوماً تسفهون حيث تسمون المؤمنين أراذل.

ثم أكد عدم طردهم بقوله: ﴿ ويا قوم من ينصرني من الله ﴾ من يمنعني من عقابه ﴿ إن طردتهم ﴾ لأن العقل والشرع توافقا على أنه لا بد من تعظيم المؤمن البر المتقي ومن إهانة الكافر الفاجر فكيف يليق بنبي الله أن يقلب هذه القضية.

سؤال: إن كان طرد المؤمن لطلب مرضاة الكافر معصية فكيف فعل ذلك رسول الله  حتى نهي عنه بقوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم ﴾ ؟

الجواب أنه لم يكن ذلك طرداً مطلقاً وإنما عين لأجلهم أوقاتاً مخصوصة، ولأشراف قريش أوقاتاً أخرى فعوتب على ذلك القدر.

احتجت المعتزلة بالآية على عدم الشفاعة للفاسق إذ لو كانت جائزة لكانت في حق نوح أولى، فلم يقل من الذي يخلصني من عذابه.

وأجيب بأنه مخصوص بآيات العفو.

ثم ذكر أنه كما لا يسألهم مالاً فإنه لا يدعي أن عنده خزائن الله حتى يجحدوا أن له فضلاً عليهم من هذه الجهة.

﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ حتى أصل به إلى ما أريده لنفسي ولأتباعي وأطلع على الضمائر ﴿ ولا أقول إني ملك ﴾ أتعظم بذلك عليكم بل طريقي الخضوع والتواضع وعدم الاستنكاف عن مخالطة الفقراء وقد مر في "الأنعام" سائر ما يتعلق بالآية.

ومعنى ﴿ تزدري ﴾ تعيب وتحقر والازدراء افتعال من زرى عليه إذا عابه.

وفي قوله  ﴿ الله أعلم بما في أنفسهم ﴾ دلالة على أنهم كانوا ينسبون اتباعه مع الفقر والذلة الى النفاق ﴿ إني إذا ﴾ أي إن قلت شيئاً من ذلك كنت من الظالمين لنفسي.

أو إن قلت إن الله لن يؤتيهم خيراً مع أنه لا وقوف لي على باطنهم.

ثم إن قومه وصفوه بكثرة الجدال قائلين ﴿ يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ﴾ قال أهل المعاني: أردت جدالنا وشرعت فيه فأكثرته كقوله: جاد لي فلان فأكثر.

لم ترد أنه أعطى عطيتين أقل فأكثر بل تريد أن الوصف مقارن للموصوف.

وفي الآية دلالة على أن الجدال في تقرير دلائل التوحيد من دأب أكابر الأنبياء.

ثم استعجلوا العذاب الذي كان يتوعدهم به فأجاب نبي الله بأن ذلك ليس إليّ وإنما هو بمشيئة الله وإرادته ولا يعجزه عن ذلك أحد.

وقوله: ﴿ ولا ينفعكم نصحي ﴾ كقول القائل لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار إن أكلت الخبز لم يقع الطلاق إلا إذا دخل الدار فأكل الخبز.

ولهذا قال الفقهاء: المؤخر في اللفظ مقدم في المعنى فكأنه قيل: ﴿ إن كان الله يريد أن يغويكم ﴾ فإن أردت أن أنصح لكم لم ينفعكم نصحي.

واحتجاج الأشاعرة بالآية ظاهر.

وأجابت المعتزلة بأنه لا يلزم من فرض أمر وقوعه، ولعل نوحاً إنما قال ذلك ليبين لهم أنه  بنى أمر التكليف على الاختيار وإلا لم يكن للنصح فائدة، ولو تشبث الخصم بالجبر لزم إفحام النبي.

ومن الجائز أن يراد بالإغواء التعذيب من غوى الفصيل إذا بشم فهلك، أو يراد به الخيبة كقوله: ﴿ فسوف يلقون غياً  ﴾ أي خيبة من خير الآخرة، أو يراد به منع الألطاف وقد تقدم أمثال ذلك مراراً.

ثم أشار إلى المبدإ والمعاد بقوله: ﴿ هو ربكم وإليه ترجعون ﴾ ثم أنكر الله  عليهم قولهم إنما ادعاء نوح أنه أوحي إليه مفترى فقال: ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ فأمره بأن يجيب بكلام منصف وهو قوله: ﴿ قل إن افتريته فعليّ إجرامي ﴾ أي عقاب إثمي وهو الافتراء.

﴿ وأنا بريء مما تجرمون ﴾ أي من إجرامكم وهو إسناد الافتراء إليّ وههنا إضمار كأنه قيل: لكني ما افتريته فالإجرام وعقابه عليكم وأنا بريء منه.

وأكثر المفسرين على أن هذه الآية من تمام قصة نوح.

وعن مقاتل أنها من قصة محمد  وقعت في أثناء قصة نوح.

قوله  : ﴿ وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن ﴾ إقناط له من إيمانهم الذي كان يتوقعه منهم بدليل قوله: ﴿ إلا من قد آمن ﴾ فإن "قد" للتوقع.

وقوله: ﴿ فلا تبتئس ﴾ تسلية له أي لا تحزن بما فعلوه من تكذيبك وإيذائك فقد حان وقت الانتقام منهم.

قال أكثر المعتزلة: إنه لا يجوز أن ينزل الله عذاب الاستئصال على قوم يعلم أن فيهم من يؤمن أو في أولادهم من يؤمن بدليل دعاء نوح ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً  ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا فاجراً كفاراً  ﴾ علل الإهلاك بمجموع الأمرين فدل ذلك على أنهما لو لم يحصلا لم يجز الإهلاك.

وذهب كثير منهم إلى الجواز، فليس كل خبر معلوم بواجب الوقوع نعم كلما يقع يجب أن يكون على الوجه الأصلح.

ومذهب الأشاعرة في هذا المعنى ظاهر فله أن يفعل في ملكه ما شاء.

ثم عرفه وجه إهلاكهم وألهمه وجه خلاص من آمن فقال: ﴿ واصنع الفلك ﴾ وهو أمر إيجاب على الأظهر لأنه لا سبيل إلى صون روحه عن الهلاك في الطوفان إلا بذلك، وصون النفس واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

وقيل: أمر إباحة كمن أمر أن يتخذ الإنسان لنفسه داراً يسكنها.

والإنصاف أن الأمر ظاهره الوجوب وإن قطعنا النظر عن فائدته وغايته.

وقوله: ﴿ بأعيننا ووحينا ﴾ في موضع الحال أي متلبساً بذلك.

والسبب فيه أن إقدامه على صنعة السفينة مشروط بأمرين: أحدهما أن لا يمنعه أعداؤه عن ذلك العمل وأشار إليه بقوله: ﴿ بأعيننا ﴾ وليست العين بمعنى الجارحة لأنه منزه عن الجوارح والأعضاء فالمراد بها الحفظ والحياطة والكلاءة لأن العين آلة الحفظ والحراسة.

والثاني أن يكون عالماً بكيفية تركيب الأخشاب ونحتها.

عن ابن عباس: لم يعلم كيف صنعة الفلك فأوحى الله  إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر.

وقيل: المراد عين الملك الذي كان يعرّفه كيفية اتخاذ السفينة.

ثم قال: ﴿ ولا تخاطبني في الذين ظلموا ﴾ أي في شأنهم.

وقيل: علل عدم الخطاب بقوله: ﴿ إنهم مغرقون ﴾ أي إنهم محكوم عليهم بالإغراق وقد جف القلم عليهم بذلك فلا فائدة للشفاعة.

وقيل: لا تخاطبني في تعجيل عقابهم فإنهم يغرقون في الوقت المعين لذلك فلا فائدة في الاستعجال فلكل أمة أجل.

وقيل: المراد بالذين ظلموا امرأته واعلة وكنعان ابنه.

ثم حكى الحال الماضية بقوله: ﴿ ويصنع الفلك ﴾ والحال أنه ﴿ كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ﴾ يحتمل أن يكون هذا جواباً لـ"كلما" وقوله: ﴿ قال إن تسخروا ﴾ استئناف على تقدير سؤال سائل كأنه قيل: ماذا قال نوح حينئذٍ؟

ويحتمل أن يكون ﴿ سخروا ﴾ بدلاً من ﴿ مر ﴾ أو صفة لــ ﴿ ملأ ﴾ و ﴿ قال ﴾ جواب ﴿ قيل ﴾ كانوا يقولون: يا نوح كنت نبياً فصرت نجاراً، ولو كنت صادقاً في دعواك لكان إلهك يغنيك عن هذا العمل الشاق.

وقيل: إنهم ما رأوا السفينة قبل ذلك فكانوا يتعجبون ويسخرون.

وقيل: إنها كانت كبيرة وكان يصنعها في مفازة بعيدة عن الماء فكانوا يقولون هذا من باب الجنون.

وقيل: طالت مدته وكان ينذرهم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة وليس منه عين ولا أثر فغلب على ظنونهم كونه كاذباً فيسخرون منه فأجابهم بقوله: ﴿ إن تسخروا منا ﴾ في الحال ﴿ فإنا نسخر منكم ﴾ في المستقبل إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة.

أو إن حكمتم علينا بالجهل فيما نصنع فإنا نحكم عليكم بالجهل فيما أنتم عليه من الكفر والتعرض لسخط الله، أو إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم في استجهالكم لأنكم لا تستجهلون إلا عن الجهل بحقيقة الأمر.

والبناء على ظاهر الحال كما هو عادة الأغمار.

وسمي جزاء السخرية سخرية كقوله: ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها  ﴾ ثم هددهم بقوله: ﴿ فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ﴾ في الدنيا وهو عذاب الغرق ﴿ ويحل عليه عذاب مقيم ﴾ في الآخرة لازم لزوم الدين الحال للغريم.

و"من" موصولة أو استفهامية وقد مر في "الأنعام".

روي أن نوحاً  اتخذ السفينة في سنتين وكان طولها ثلثمائة ذراع وعرضها خمسين ذراعاً وارتفاعها ثلاثين.

وكانت من خشب الساج، وجعل لها ثلاثة بطون: الأسفل للوحوش والسباع والهوام، والأوسط للدواب والأنعام، والأعلى للناس ولما يحتاجون إليه من الزاد وحمل معه جسد آدم.

وقال الحسن: كان طولها ألفاً ومائتي ذراع وعرضها ستمائة.

قوله: ﴿ حتى إذا جاء أمرنا ﴾ هي غاية لقوله: ﴿ ويصنع الفلك ﴾ أي كان يصنعها إلى أن جاء وقت الأمر بالإهلاك.

﴿ وفار التنور ﴾ أي نبع الماء من بشدة وسرعة تشبيهاً بغليان القدر.

والتنور هي التي يختبز فيها فقيل: هو مما استوى فيه العربي والعجمي.

وقيل: معرب لأنه لا يعرف في كلام العرب نون قبل راء.

عن ابن عباس والحسن ومجاهد: هو تنور نوح.

وقيل: كان لآدم وحواء حتى صار لنوح وموضعه بناحية الكوفة قاله مجاهد والشعبي.

وعن علي  أنه في مسجد الكوفة وقد صلى فيه سبعون نبياً.

وقيل: بالشام بموضع يقال له عين وردة قاله مقاتل.

وقيل: بالهند.

روي أن امرأته كانت تخبز فأخبرته بخروج الماء من ذلك التنور فاشتغل في تلك الحال بوضع الأشياء في السفينة وكان الله  جعل هذه الحالة علامة لواقعة الطوفان.

ويروى عن علي  أيضاً أن المراد بالتنور وجه الأرض لقوله: ﴿ وفجرنا الأرض عيوناً  ﴾ وعنه أيضاً كرم الله وجهه أن معنى ﴿ فار التنور ﴾ طلع الصبح.

وقيل: معناه اشتد الأمر كما يقال حمي الوطيس.

والمراد إذا رأيت الأمر يشتد والماء يكثر فاركب في السفينة وذلك قوله ﴿ قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ﴾ والزوجان شيئان يكون أحدهما ذكراً والآخر أنثى.

فمن قرأ بالإضافة فمعناه احمل من كل صنفين بهذا الوصف اثنين، ومن قرأ بالتنوين.

فالمراد حمل من كل شيء زوجين.

واثنين للتأكيد ولا يبعد أن يكون النبات داخلاً فيه لاحتياج الناس إليه ﴿ وأهلك ﴾ معطوف على مفعول ﴿ احمل ﴾ وكذا ﴿ من آمن ﴾ وقوله ﴿ إلا من سبق عليه القول ﴾ قال الضحاك: أراد ابنه وامرأته قدر الله لهما الكفر إذا علم منهما ذلك.

ثم قال ﴿ وما آمن معه إلا قليل ﴾ أي نفر قليل: عن مقاتل أنهم ثمانون وبهم سموا قرية الثمانين بناحة الموصل لأنهم لما خرجوا من السفينة بنوها.

وقيل: اثنان وسبعون رجلاً وامرأة، وأولاد نوح: سام وحام ويافث ونساؤهم.

فالجميع ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء.

وعن محمد بن إسحق كانوا عشرة، وعن النبي  كانوا ثمانية، نوح وأهله وبنوه الثلاثة ونساؤهم.

وقيل في بعض الروايات: إن إبليس دخل معه السفينة وفيه بعد لأنه جسم ناري فلا يؤثر الغرق فيه.

قوله  وتعالى حكاية عن نوح وأهله ﴿ وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرسيها ﴾ الآية.

فيه أبحاث الأول: أن الركوب متعد بنفسه يقال: ركبت الدابة والبحر والسفينة أي علوتها.

فما الفائدة في زيادة لفظة "في"؟

قال الواحدي: فائدته أن يعلم أنه أمرهم بأن يكونوا في جوف الفلك لا على ظهره.

الثاني قوله: ﴿ بسم الله ﴾ إما أن تتعلق بقوله: ﴿ اركبوا ﴾ حالاً من الواو أي مسمين الله، أو قائلين باسم الله ﴿ ومجريها ومرسيها ﴾ مصدران حذف منهما الوقت المضاف كقولهم: جئتك خفوق النجم ومقدم الحاج، أو يراد مكان الإجراء والإرساء أو زمانها.

وانتصابهما بما في بسم الله من معنى الفعل، أو بالقول المقدر.

وعلى التقادير يكون مجموع قوله: ﴿ وقال اركبوا ﴾ إلى قوله: ﴿ ومرساها ﴾ كلاماً واحداً.

وإما أن يكون ﴿ باسم الله مجريها ومرساها ﴾ كلاماً آخر من مبتدإ وخبر أي باسم الله إجراؤها وإرساؤها.

يروى أنه كان إذا أراد أن تجري قال بسم الله فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال بسم الله فرست.

ويجوز أن يقحم الاسم كقوله: تم اسم السلام عليكما، ويراد بالله إجراؤها وإرساؤها، وكان نوح أمرهم بالركوب أوّلاً ثم أخبرهم بأن إجراءها وإرساءها بذكر اسم الله أو بأمره وقدرته.

وجوز في الكشاف أن تكون هذه الجملة في موضع الحال من ضمير الفلك ولا تكون جملة مستأنفة ولكن فضلة من تتمة الكلام الأول كأنه قال اركبوا فيها مقدرين أن إجراءها وإرساءها باسم لله  .يقال: رسا الشيء يرسو إذا ثبت، وأرساه غيره.

يروى أنها سارت لأول يوم من رجب أو لعشر مضين منه فسارت ستة أشهر ثم استوت على الجودي يوم العاشر من المحرم.

ويروى أنها مرت بالبيت وطافت به سبعاً فأعتقها الله من الغرق.

البحث الثالث قوله: ﴿ إن ربي لغفور رحيم ﴾ كيف ناسب مقام الإهلاك وإظهار العزة؟

والجواب كان القوم اعتقدوا أنهم نجوا ببركة إيمانهم وعملهم، فنبههم الله  بهذا الذكر على أن الإنسان في كل حال من أحواله لا ينفك عن ظلمات الخطأ والزلل فيحتاج إلى مغفرة الله ورحمته.

وفي الآية إشارة إلى أن العاقل إذ ركب في سفينة الفكر ينبغي أن يكون قد برىء من حوله وقوته وقطع النظر عن الأسباب وربط قلبه وعلق همته بفضل واهب العقل فيقول بلسان الحال بسم الله مجريها ومرسيها حتى تصل سفينة فكره إلى ساحل الإيقان، وتتخلص عن أمواج الشبه والظنون والأوهام.

قال في الكشاف: ﴿ وهي تجري بهم ﴾ متصل بمحذوف كأنه قيل: فركبوا فيها يقولون باسم الله وهي تجري بهم وهم فيها ﴿ في موج كالجبال ﴾ في التراكم والارتفاع، فلعل الأمواج أحاطت بالسفينة من الجوانب فصارت كأنها في داخل تلك الأمواج.

واختلف المفسرون في قوله: ﴿ ونادى نوح ابنه ﴾ فالأكثرون على أنه ابن له في الحقيقة لئلا يلزم صرف الكلام عن الحقيقة الى المجاز من غير ضرورة، ولا استبعاد في كون ولد النبي كافراً كعكسه.

واعترض عل هذا القول بأنه كيف ناداه مع كفره وقد قال: ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً  ﴾ وأجيب بأنه كان منافقاً وظن نوح أنه مؤمن أو ظن أنه كافر إلا أنه توقع منه الإيمان عند مشاهدة العذاب بدليل قوله: ﴿ ولا تكن مع الكافرين ﴾ أو لعل شفقة الأبوة حملته على ذلك النداء.

وعن محمد بن علي الباقر والحسن البصري أنه كان ابن امرأته ويؤيده ما روي أن علياً  قرأ ﴿ ونادى نوح ابنها ﴾ ويؤكد هذا الظن قوله: ﴿ إن ابني من أهلي ﴾ دون أن يقول "إنه مني" وقيل: إنه ولد على فراشه لغير رشده وإليه الإشارة بقوله  ﴿ فخانتاهما  ﴾ ورد هذا القول بأنه يجب صون منصب الأنبياء عن مثل هذه الفضيحة لقوله: ﴿ الخبيثات للخبيثين  ﴾ وفسر ابن عباس تلك الخيانة بأن امرأة نوح كانت تقول زوجي مجنون.

وامرأة لوط دلت الناس على ضيفه.

وقوله: ﴿ وكان في معزل ﴾ هو مفعل من عزله عنه إذا نحاه أو أبعده أي كان في مكان عزل فيه نفسه عن أبيه وعن السفينة وعمن فيها، أو كان في معزل عن دين أبيه.

وقيل في معزل عن الكفار ولهذا ظن نوح أنه يريد مفارقة الكفرة، ولكن قوله: ﴿ ولا تكن مع الكافرين ﴾ لا يساعد هذا القول.

وقوله ﴿ يا بني ﴾ بكسر الياء لأجل الاكتفاء به عن ياء الإضافة، وبفتحها اكتفاء به عن الألف المبدلة من الياء، ويجوز أن يكون الياء والألف ساقطتين من اللفظ فقط لالتقاء الساكنين.

ثم حكى إصرار ابنه على الكفر بأن قال ﴿ سآوي إلى جبل ﴾ فأجاب نوح بأنه ﴿ لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ﴾ واعترض عليه بأن معنى ﴿ من رحم ﴾ من رحمه الله وهو معصوم فكيف يصح استثناؤه من العاصم؟

وأجيب بأن "من" فاعلة في المعنى لا مفعول، والمراد نوح لأنه سبب الرحمة والنجاة كما أضيف الإحياء إلى عيسى  ، أو الرحيم الذي مر ذكره في قوله: ﴿ إن ربي لغفور رحيم ﴾ وهو عاصم لا معصوم، أو هو استثناء مفرغ والتقدير لا عاصم اليوم لأحد من أمر الله إلا لمن رحم، أو العاصم بمعنى ذو العصمة كلابن وتامر.

وذو العصمة المعصوم أو المضاف محذوف والتقدير لا عاصم قط إلا مكان من رحمهم الله ونجاهم يعني السفينة، أو هو استثناء منقطع كأنه قيل: ولكن من رحمه الله فهو المعصوم ﴿ وحال بينهما الموج ﴾ أي بسبب هذه الحيلولة خرج من أن يخاطبه نوح فصار من جملة الغرقى.

وقوله  : ﴿ وقيل يأرض ﴾ الآية.

مما اختص بمزيد البلاغة حتى صارت متداولة بين علماء المعاني فتكلموا فيها وفي وجوه محاسنها فلا علينا أن نورد ههنا بعض ما استفدنا منهم فنقول: النظر فيها من أربع جهات: من جهة علم البيان، ومن جهة علم المعاني، ومن جهتي الفصاحتين المعنوية واللفظية.

أما من جهة علم البيان وهو النظر فيما فيها من المجاز والاستعارة والكناية وما يتصل بها.

فالقول فيه أنه عز سلطانه أراد أن يبين معنى أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد، وأن نقطع طوفان السماء فانقطع، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغاض، وأن نقضي أمر نوح وهو إنجاؤه وإغراق قومه كما وعدناه فقضي، وأن تستوي السفينة على الجودي - وهو جبل بقرب الموصل - فاستوت، وأبقينا الظلمة غرقى، فبنى الكلام على تشبيه الأرض والسماء بالمأمور الذي لا يتأتى منه - لكمال هيبته - العصيان، وعلى تشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النافذ في تكوّن المقصود تصويراً لاقتداره، وأن السماء والأرض مع عظم جرمهما تابعتان لإرادته إيجاداً وإعداماً وتغييراً وتصريفاً كأنهما عقلاء مميزون قد أحاطا علماً يوجب الامتثال والإذعان لخالقهما، فاستعمل ﴿ قيل ﴾ بدل "أريد" مجازاً إطلاقاً للمسبب على السبب، فإن صدور القول إنما يكون بعد إرادته.

وجعل قرينة المجاز الخطاب للجماد بقوله: ﴿ يا أرض ابلعي ماءَك ويا سماء ﴾ والخطابان أيضاً على سبيل الاستعارة للشبه المذكور وهو كون السماء والأرض كالمأمورين المنقادين.

وأيضاً استعار لغور الماء في الأرض البلع الذي هو إعمال القوة الجاذبة في الطعوم للشبه بين الغور والبلع وهو الذهاب إلى مقر خفيّ.

ووجعل قرينة الاستعارة نسبه الفعل إلى المفعول، وفي جعل الماء مكان الغذاء أيضاً استعارة لأنه شبه الماء بالغذاء لتقوى الأرض بالماء في الإنبات للزروع والأشجار تقوّي الآكل بالطعام، وجعل قرينة الاستعارة لفظة ﴿ ابلعي ﴾ لكونها موضوعة للاستعمال في الغذاء دون الماء.

ثم أمر الجماد على سبيل الاستعارة للشبه المقدم ذكره وخاطب في الأمر دون أن يقول ليبلع ترشيحاً لاستعارة النداء إذ كونه مخاطباً من صفات الحي كما أن كونه منادى من صفاته ثم قال ﴿ ماءك ﴾ بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز تشبيهاً لاتصال الماء بالأرض باتصال الملك بالمالك.

واختار ضمير الخطاب دون أن يقول "ليبلع ماؤها" لأجل الترشيح المذكور.

ثم اختار مستعيراً لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم ما كان ثم أمر على سبيل الاستعارة وخاطب في الأمر لمثل ما تقدم في ﴿ ابلعي ﴾ من ترشيح استعارة النداء.

ثم قال ﴿ وغيض الماء ﴾ غاض الماء قل ونضب، وغاضه الله يتعدى ولا يتعدى ﴿ وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً ﴾ فلم يصرح بالفاعل سلوكاً لسبيل الكناية لأن هذه الأمور لا تتأتى إلا من قدير قهار فلا مجال لذهاب الوهم إلى غيره، ومثله في صدر الآية ليستدل من ذكر الفعل وهو اللازم على الفاعل وهو الملزوم وهذا شأن الكناية، ثم ختم الكلام بالتعريض لأنه ينبىء عن الظلم المطلق وعن علة قيام الطوفان.

وأما النظر فيها من جهة علم المعاني وهو النظر في فائدة كل كلمة منها، وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها، فذلك أنه اختير "يا" للنداء لأنها أكثر استعمالاً ولدلالتها على تبعيد المنادى الذي يستدعيه مقام العزة والهيبة، ولهذا لم يقل " يا أرضي" بالإضافة تهاوناً بالمنادى، ولم يقل "يا أيتها الأرض" للاختصار مع الاحتراز عن تكلف التنبيه لمن ليس من شأنه التنبيه.

واختير لفظ الأرض والسماء لكثرة دورانهما مع قصد المطابقة، واختير ﴿ ابلعي ﴾ على ﴿ ابتلعي ﴾ لكونه أخصر ولمجيء حظ التجانس بينه وبين ﴿ أقلعي ﴾ أوفر.

وقيل: ﴿ ماءك ﴾ بلفظ المفرد لما في الجمع من الاستكثار المتأتي عنه مقام العزة والاقتدار، وكذا في إفراد الأرض والسماء.

ولم يحذف مفعول ﴿ ابلعي ﴾ لئلا يلزم تعميم الابتلاع لكل ما على الأرض.

ولما علم اختصاص الفعل فيه اقتصر عليه فحذف من ﴿ أقلعي ﴾ حذراً من التطويل.

وإنما لم يقل "ابلعي ماءك فبلعت" لأن عدم تخلف المأمور به عن أمر الآمر المطاع معلوم.

واختير ﴿ غيض ﴾ على غيض المشددة للاختصار ولمثل هذا عرف الماء والأمر دون أن يقال ماء الطوفان، أو أمر نوح للاستغناء عن الإضافة بالتعريف العهدي ولم يقل سويت لتناسب أول القصة وهي تجري بهم من بناء الفعل للفاعل، ولأن ﴿ استوت ﴾ أخصر لسقوط همزة الوصل.

ثم قيل: ﴿ بعداً للقوم ﴾ دون أن يقال "ليبعد القوم من بعد" بالكسر يبعد بالفتح إذا هلك، للتأكيد مع الاختصار ودلالة "لام" الملك على أن البعد حق لهم.

وقول القائل "بعداً له" من المصادر التي لا يستعمل إظهار فعلها.

ثم أطلق الظلم ليتناول ظلم أنفسهم وظلمهم غيرهم.

وأما ترتيب الجمل فقدم النداء على الأمر ليتمكن الأمر الوارد عقيب النداء كما في نداء الحي، وقدم نداء الأرض لابتداء الطوفان منها بدليل قوله: ﴿ وفار التنور ﴾ ثم بين نتيجة البلع والإقلاع بقوله: ﴿ وغيض الماء ﴾ ثم ذكر مقصود القصة وهو قوله ﴿ وقضي الأمر ﴾ أي أنجز الموعود من إهلاك الكفرة وإنجاء المؤمنين.

ثم بين حال استقرار السفينة بقوله: ﴿ واستوت على الجودي ﴾ وكان جبلاً منخفضاً فكان استواء السفينة عليه دليلاً على انقطاع مادة الماء.

ثم ختمت القصة بما ختمت من التعريض.

قيل: كيف يليق بحكمة الله تغريق الأطفال بسبب إجرام الكفار؟

وأجيب على أصول الأشاعرة بأنه لا يسأل عما يفعل، وعلى أصول المعتزلة بأنه يعوض الأطفال والحيوانات كما في ذبحها واستعمالها في الأعمال الشاقة.

وقد روى جمع من المفسرين أنه  أعقم أرحام نسائهم قبل الغرق بأربعين سنة فلم يغرق إلا من بلغ أربعين.

وهذا مع تكلفه لا يتمشى في الجواب عن إهلاك سائر الحيوانات.

والظاهر أن القائل في قوله: ﴿ وقيل بعداً ﴾ هو الله  لتناسب صدر الآية، ويحتمل أن يكون القائل نوحاً وأصحابه لأن الغالب ممن يسلم من الأمر الهائل بسبب اجتماع القوم الظلمة أنه يقول مثل هذا الكلام، ولأنه جارٍ مجرى الدعاء عليهم فجعله من كلام البشر أليق.

وأما النظر في الآية من جهة الفصاحة المعنوية فهي أنها كما ترى نظم للمعاني لطيف، وتأدية المراد بأبلغ وجه وأتمه.

وأما من جهة الفصاحة اللفظية فهي كالعسل في الحلاوة، وكالنسيم في الرقة عذبة على العذبات سلسة على الأسلات، ولعل ما تركنا من لطائف هذه الآية بل كل آية أكثر مما نذكر والله  أعلم بمراده من كلامه.

﴿ ونادى نوح ربه ﴾ أي أراد أن يدعوه ﴿ فقال رب إن ابني من أهلي ﴾ بعض سواء كان من صلبه أو رببياً له ﴿ وإن وعدك ﴾ أي كل ما تعد به ﴿ الحق ﴾ الثابت الذي لا شك في إنجازه وقد وعدتني أن تنجي أهلي ﴿ وأنت أحكم الحاكمين ﴾ أعلمهم وأعدلهم لأنه لا فضل لحاكم على غيره إلا بالعلم والعدل، ويجوز أن يكون الحاكم بمعنى ذي الحكمة كدارع.

﴿ قال يا نوح إنه ليس من أهلك ﴾ أي من أهلك دينك أو من أهلك الذين وعدتهم الإنجاء معك.

ثم صرح بأن العبرة بقرابة الدين والعمل الصالح لا بقرابة النسب فقال: ﴿ إنه عمل غير صالح ﴾ من قرأ على لفظ الفعل فمعناه أنه عمل عملاً غير صالح وهو الإشراك والتكذيب، ومن قرأ على لفظ الاسم فللمبالغة كما يقال: فلان كرم وجود إذا غلب عليه الكرم والجود وفي قوله: ﴿ غير صالح ﴾ دون أن يقول "فاسد" تعريض بل تصريح بأنه إنما نجا من نجا بالصلاح، ويحتمل على هذه القراءة أن يعود الضمير في ﴿ إنه ﴾ إلى سؤال نوح أي إن نداءك هذا المتضمن لسؤال إنجاء ابنك عمل غير صالح.

وقيل: المراد أن هذا الابن ولد زنا وقد عرفت سقوطه.

ثم نهاه عن مثل هذا السؤال ووبخه عليه بقوله: ﴿ فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ﴾ قال المحققون: الظاهر أن ابنه كان منافقاً فلذلك اشتبه أمره على نوح، وحمله شفقة الأبوة أوّلاً على دعوته إلى ركوب السفينة، فلما حال بينهما الموج لجأ إلى الله في خلاصه من الغرق، فعوتب على ذلك لأنه لما وعده الله إنجاءه أهله واستثنى منهم من سبق عليه القول كان عليه أن يتوكل على الله حق توكله ويعلم أن كل من كان من أهله مؤمناً فإنه يخلص من الغرق لا محالة.

ولما لم يصبر إلى تبين الحال توجه إليه العتاب على ترك الأولى فلذلك تنبه ورجع إلى الله قائلاً ﴿ رب إني أعوذ بك أن أسألك ﴾ فيما يستقبل من الزمان ﴿ ما ليس لي به علم ﴾ تأدباً بآدابك واتعاظاً بعظتك.

﴿ وألا تغفر لي ﴾ ما فرط مني من الخطأ في باب الاجتهاد، أو من قلة الصبر على ما يجب عليه الصبر، وهذا التضرع مثل تضرع أبيه وأبينا آدم في قوله: ﴿ ربنا ظلمنا  ﴾ الآية.

فلذلك عفى عنه.

﴿ وقيل يا نوح اهبط ﴾ أي من السفينة بعد استوائها على الجبل، أو انزل من الجبل إلى الفضاء ملتبساً ﴿ بسلام منا ﴾ بسلامة من التهديد والوعيد بل من جميع الآفات والمخافات، لأنه لما خرج من السفينة كان خائفاً من عدم المأكول والملبوس وسائر جهات الحاجات لأنه لم يبق في الأرض شيء يمكن أن ينتفع به من النبات والحيوانات.

وقيل: أي مسلماً عليك مكرماً.

والبركات الخيرات النامية الثابتة، وفسروها في هذا المقام بأنه وعد له بأن جميع أهل الأرض من الأشخاص الإنسانية يكون من نسله إما لأنه لم يكن في السفينة إلا من هو ذريته، وإما لأنه لما خرج من السفينة مات من لم يكن من أهله وبقي النسل والتوالد في ذرّيته، دليله قوله  ﴿ وجعلنا ذريته هم الباقين  ﴾ فنوح آدم الأصغر.

وقيل: لما وعده السلامة من الآفات وعده أن موجبات السلامة والراحة تكون في التزايذ والثبات لا عليك وحدك بل ﴿ وعلى أمم ممن معك ﴾ إن كان "من" للبيان فالمراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة لأنهم كانوا جماعات، أو هم أصل الأمم التي انشعبت منه.

وإن كان لابتداء الغاية فالمعنى على أمم ناشئة ممن معك إلى آخر الدهر.

وهذا شأن الأمة المؤمنة ثم ذكر حال الأمة الكافرة المتوالدة فقال: ﴿ وأمم ﴾ وهو رفع على الابتداء والخبر محذوف أي وممن معك أمم ﴿ سنمتعهم ﴾ في الدنيا ﴿ ثم يمسهم ﴾ في الآخرة ﴿ منا عذاب أليم ﴾ عن ابن زيد: هبطوا والله عنهم راض، ثم أخرج منهم نسلاً منهم من رحم ومنهم من عذب، وخصص بعضهم الأمم الممتعة بقوم هود وصالح ولوط وشعيب و ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى قصة نوح وهو مبتدأ والجمل بعدها أخبار.

وقوله ﴿ ولا قومك ﴾ للمبالغة كقول القائل: لا تعرف هذه المسألة لا أنت ولا قومك ولا أهل بلدك.

والمراد تفاصيل القصة وإلا فمجملها أشهر من أن يخفى.

ومعنى ﴿ من قبل هذا ﴾ أي من قبل هذا الإيحاء أو العلم الذي كسبته بالوحي، أو من قبل هذا الوقت وكأن هذه القصة أعيدت في هذه السورة تثبيتاً للنبي  على إنذار قومه ولذلك ختمت بقوله: ﴿ فاصبر ﴾ كما صبر نوح و ﴿ إن العاقبة ﴾ الحميدة ﴿ للمتقين ﴾ .

التأويل: ﴿ ما نراك إلا بشراً مثلنا ﴾ أي مخلوقاً محتاجاً مثلنا.

وفيه أن النفس بنظرها السفلي ترى الروح العلوي سفلياً فلهذا تنظر إلى النبي ولا ترى نبوته الحميدة، بل تراه بنظر الكذب والسحر والجنون ﴿ إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ﴾ والأراذل من اتباع الروح البدن والجوارح الظاهرة، فإن الغالب على الخلق أن البدن يقبل دعوة الروح ويستعمل الجوارح بالأفعال الشرعية، ولكن النفس الأمارة تكون على كفرها ولا تخلي البدن أن يشتغل بالأعمال الشرعية الدينية إلا لغرض فاسد ومصلحة دنيوية كما هو المعتاد لأكثر الخلق.

﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ من طبع النفس أن تتأذى من استعمال البدن وجوارحه في التكاليف الشرعية فتقول للروح: إن ترد أن أومن بك وأتخلق بأخلاقك فأمتع البدن وجوارحه في التكاليف ﴿ من ينصرني من الله ﴾ من يمنعني من قهره إن منعت البدن من الطاعة، فاقتصر على مجرد إيمان النفس وتخلقها بأخلاق الروح كما هو معتقد أهل الفلسفة والإباحة يقولون: إن أصل العبودية معرفة الربوبية وجمعية الباطن والتحلي بالأخلاق الحميدة.

﴿ أفلا تذكرون ﴾ أن جميعة الباطن ونوره من نتائج استعمال الشرع في الظاهر؟

فالنور في الشرع والظلمة في الطبع، وإنما بعث الأنبياء ليخرجوا الخلق من ظلمات الطبع إلى نور الشرع ﴿ لن يؤتيهم الله خيراً ﴾ أي استعداداً لتحصيل الدرجات العلوية وإنهم مخلوقون من السفليات الله أعلم بما في نفس كل جارحة من استعداد تحصيل الكمال ﴿ وأنا بريء مما تجرمون ﴾ من التكذيب.

وفيه أن ذنوب النفس لا تؤثر في صفاء الروح ولا يتكدر بها ما كان الروح متبرئاً من ذنوب النفس متأسفاً على معاملات النفس وتتبع هواها.

﴿ وأوحي إلى نوح ﴾ الروح ﴿ أنه لن يؤمن من قومك ﴾ وهم القلب وصفاته والسر والنفس وصفاتها والبدن وجوارحه ﴿ إلا من قد آمن ﴾ من خواص العباد وهم القلب وصفاتها والسر وصفات النفس والبدن وجوارحه.

فأما النفس فإنها لا تؤمن أبداً اللهم إلا نفوس الأنبياء وخواص الأولياء فإنها تسلم أحياناً دون الإيمان ﴿ فلا تبتئس بما كانوا يفعلون ﴾ لأن أعمال الشر لنفوس السعداء كالجسد للإكسير ينقلب ذهباً مقبولاً عند طرح الروح عليها، فكذلك تنقلب أعمال الشر خيراً عند طرح التوبة عليها ﴿ أولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ ولا تبتئس على نفوس الأشقياء لأن أعمالها حجة الله على شقاوتهم، وبتلك السلاسل يسحبون في النار على وجوههم ﴿ واصنع الفلك ﴾ اتخذ يا نوح الروح سفينة الشريعة بنظرنا لا بنظرك فإن نظرك تبع الحواس يبصر ظاهرها ويغفل عن أسرارها ﴿ ولا تخاطبني في الذين ظلموا ﴾ فإن الظلم من شيم النفوس ﴿ إنهم مغرقون ﴾ في بحر الدنيا وشهواتها.

﴿ وكلما مر عليه ملأ ﴾ هم النفس وهواها وصفاتها ﴿ يسخرون ﴾ من استعمال أركان الشريعة إذ لم يفهموا حقائقها ﴿ حتى إذا جاء أمرنا ﴾ وهو حد البلوغ والركوب في سفينة الشريعة ﴿ وفار ﴾ ماء الشهوة من تنور القالب ﴿ قلنا احمل ﴾ في سفينة الشريعة من كل صفة وزوجها: كالشهوة وزوجها العفة.

والحرص وزوجها القناعة، والبخل وزوجها السخاء، والغضب وزوجه الحلم، وكذا الحقد مع السلامة، والعداوة مع المحبة، والكبر مع التواضع، والتأني مع العجلة ﴿ وأهلك ﴾ وهم صفات الروح لا النفس ﴿ ومن آمن ﴾ وهم القلب والسر.

وفي قوله  : ﴿ وقال اركبوا فيها باسم الله ﴾ إشارة إلى أن من ركب سفينة الشرع بالطبع وتقليد الآباء والمعلمين لم يحصل له النجاة الحقيقية كما ركب إبليس بالطبع في سفينة نوح وإنما النجاة لمن ركب بأمر الله وذكره مجراها من الله ومرساها إلى الله كقوله: ﴿ وأن إلى ربك المنتهى  ﴾ ﴿ في موج ﴾ من الفتن ﴿ كالجبال ونادى نوح ﴾ الروح ﴿ ابنه ﴾ كنعان النفس المتولد بينه وبين القالب ﴿ وكان في معزل ﴾ من معرفة الله وطلبه ﴿ سآوي إلى جبل ﴾ العقل ﴿ يعصمني من الماء ﴾ الفتن ﴿ لا عاصم اليوم ﴾ أي إذا نبع ماء الشهوات من أرض البشرية ونزل ماء ملاذ الدنيا وزينتها من سماء القضاء فلا يتخلص منه إلا من يرحمه الله بالاعتصام بسفينة الشريعة ﴿ ابلعي ﴾ ماء شهواتك ﴿ اقلعي ﴾ عن إنزال مطر الآفات ﴿ وغيض ﴾ ماء الفتن ببركة الشرع ﴿ وقضي الأمر ﴾ ما كان مقدراً من طوفان الفتن للابتلاء والتربية، ﴿ واستوت ﴾ سفينة الشريعة ﴿ على الجودي ﴾ وهو مقام التمكين بعد مقامات التلوين ﴿ وإن وعدك الحق ﴾ وهو ما وعد نوح الروح عند إهباطه إلى العالم السفلي من الرجوع إلى العالم العلوي: ﴿ إنه ليس من أهلك ﴾ وكان للروح أربعة بنين: ثلاثة من المؤمنين وهم القلب والسر والعقل، وواحد كافر وهو النفس.

فنفى عن النفس أهلية الدين والملة لأنها خلقت للأمارية ﴿ اهبط ﴾ من سفينة الشريعة عند مفارقة الجسد والخلاص من طوفان الفتن ﴿ وأمم سنمتعهم ﴾ هم النفوس متعت بالحظوظ الدنيوية ﴿ ثم يمسهم ﴾ في الآخرة عذاب البعد عن المألوفات، ﴿ فاصبر ﴾ على تربية الروح و النفس ﴿ إن العاقبة ﴾ لمن اتقى طوفان فتن الدنيا والنفس والهوى.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ ﴾ : أخبر أنه أرسله إلى قومه، ولم يفهم منه الإرسال من مكان إلى مكان؛ وكذلك قوله: ﴿ لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ  ﴾ ولم يكن مجيئه من مكان إلى مكان، فهذا يدل أنه لا يفهم من ذكر المجيء الانتقال من مكان إلى مكان؛ وكذلك الإرسال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ أي: نذير لمن عصى بالنار وبعقابه بين الإنذار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَن لاَّ تَعْبُدُوۤاْ ﴾ أي: لا تجعلوا عبادتكم إلا لمعبود هو معبود بشهادة خلقتكم؛ لأن خلقتهم تشهد على أنه هو المستحق للعبادة، لا من تعبدون من الأصنام والأوثان.

ويحتمل قوله: ﴿ أَن لاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ أي: وحدوا الله ولا تصرفوا الألوهية إلى غيره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴾ : أضاف [الألم إلى اليوم واليوم ليس بمؤلم ولكنه - والله أعلم - أضاف إليه؛ لما فيه يؤلم، وهو كقوله: ﴿ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً  ﴾ والليل لا يسكن ولا يوصف به، لكنه يسكن] فيه، وكذلك قال: ﴿ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً  ﴾ والنهار لا يبصر، لكنه يبصر فيه؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴾ لما فيه يكون العذاب الأليم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: الخوف في غيره لا يكون في الحقيقة خوفاً؛ وكذلك الرجاء في غيره لا يكون في الحقيقة رجاء، وفي نفسه يكون في الحقيقة خوفاً ورجاء؛ لما يلحقه ضرر في نفسه أن جعل به ذلك لغيره، ويلحقه نفع فيكون الخوف في نفسه حقيقة خوف والرجاء حقيقة رجاء، وأما في غيره لما لا يلحقه ضرر وإن حل ذلك لغيره، ولا ينال من النفع في الرجاء إن نال ذلك الغير، لكنه يخرج على وجهين: أحدهما: على العلم، أي: إني أعلم أنه ينزل بكم العذاب؛ نحو قوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا  ﴾ أي: علمتم.

وقوله: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ  ﴾ أي: فإن علمتم أن يضيعا حدود الله.

والثاني: يخاف عليهم إشفاقا منه؛ لأن الخلق جبلوا على أن يتألم بما يحل بغير حتى لا يكون في وسع بعض أن يروا ذلك في غيره.

على هذين الوجهين يخرج الخوف على غيره، وفي الخوف رجاء وفي الرجاء خوف؛ لأن الخوف إذا لم يكن فيه رجاء فهو إياس، وقال الله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ  ﴾ ، والرجاء إذا لم يكن فيه خوف فهو أمن قال: ﴿ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ...

 ﴾ كذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ ﴾ : قيل: أشراف قومه وأئمتهم.

﴿ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا ﴾ : وكذلك قال عامة القوم لرسلهم الذين بعثوا إليهم: ﴿ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا  ﴾ ، كان هذا احتجاجهم في رد الرسالات يحتجون على الرسل فيقولون - والله أعلم -: إن الرسل في الشاهد إنما يجيئون من عند المرسل، وأنتم نشأتم بين أظهرنا لم تأتونا من [عند] أحد في الظاهر، والرسول هو الذي يأتي من عند غير، ويكون للرسول خصوصية عند المرسل، ولا نرى لك خصوصية لا في الخلقة ولا في القدرة والمال وغيره، فكيف بعثتم إلينا رسلا دون أن نبعث نحن إليكم رسلا؛ إذ أنتم ونحن في الخلقة سواء وفي الأمور الظاهرة سواء؟!

أو نحوه من الكلام، احتجوا على رسلهم في رد الرسالة؛ وكذلك كان عادة الكفرة يقولون للرسل إذا لزمتهم الحجة وأقيم عليهم نسبوها إلى السحر، ونسبوا الرسل أنهم بشر مثلهم.

فجواب هذا كله ما ذكر: ﴿ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ  ﴾ ، وما قال لهم نوح: ﴿ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيۤ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ ﴾ أي: آتاني رحمة من عنده، وجعل لي بينة وبرهانا على ما آتاني رحمة من عنده بمثل هذا يحتج عليهم.

ويقال أيضاً: إنكم لا تنكرون فضل الله وتخصيص بعض على بعض بما جعلكم أئمة ورؤساء بأمور الدنيا على غيرهم، فكيف تنكرون فضل الله وتخصيص بعض على بعض بفضل الدين والرسالة؟!.

وقوله: ﴿ وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ ﴾ : احتجوا أيضاً في رد الرسالة يقولون: إن الأراذل هم أتباع لكل من دعاهم وأهل طاعة لكل متبوع، فليس في اتباع الأراذل إياك والضعفاء دلالة ثبوت رسالتك؛ إذ هم يتبعون بلا دليل ولا حجة وهم فروع وأتباع لغير، ولم يتبعك أحد من الأصول.

لكن يقال: إن هؤلاء الأراذل لما اتبعوا الرسول ولم يتبعوا الأئمة والرؤساء الذين معهم الأموال والدنيا، ولم يكن في أيدي الرسل ذلك، ثم تركوا اتباع أولئك وفي أيديهم ما يدعوهم إليه واتبعوا الرسل دل أنهم إنما اتبعوا الرسل بالحجج والبراهين التي أقاموها عليهم أو نحوه.

والأراذل: قيل: هم السفهاء والضعفاء.

وقال القتبي: أراذلنا: شرارنا.

و ﴿ بَادِيَ ٱلرَّأْيِ ﴾ \[قال بعضهم: ظاهر الرأي؛\] من قولك: بدا لي ما كان خفيا.

وقال بعضهم: بادي الرأي: خفيف الرأي لا يعرفون حقائق الأمور، إنما يعرفون ظواهرها، كأنهم يقولون: إنما اتبعك من كان خفيف الرأي وباديه، لم يتبعك من يعرف حقائق الأمور والأصول.

وقد قرئ: (بادئ الرأي) بالهمز، وقد قرئ بغير همز.

ومن قرأ بالهمز فهو من الابتداء، أي: في أول الرأي وابتدائه لا ينظر في عواقب الأمور.

ومن قرأ بغير همز فهو من الظهور، أي: ظاهر الرأي على غير تفكر ونظر فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ...

﴾ الآية: يحتمل هذا أي: فضلا في الخلقة، أو في ملك أو مال ولا في شيء، لكن جواب هذا ما سبق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ ﴾ : هكذا كانت عادة الكفرة، يردون دلالات الرسل والحجج بالظن لم يردوا لحقيقة ظهرت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيۤ ﴾ أي: على بيان من ربي، أو على حجة من ربي وبرهان فيما آتاني من رحمته.

والرحمة تحتمل النبوة لأنهم كانوا ينكرون رسالته لما أنه بشر مثلهم، فكيف خص هو بها دونهم وهو مثلهم؟!

فيقول: ﴿ وَآتَانِي رَحْمَةً ﴾ أي: النبوة، وآتاني - أيضاً - على ذلك بينة وحجة.

وتحتمل الرحمة الدين الذي كان يدعوهم إليه والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ قرئ بالتخفيف والتشديد، أي: لبست، أو التبس عليكم حيث أعرضتم عنه.

ومن قرأ: بالتشديد: ﴿ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ يرجع إلى الأتباع والسفلة، أي: عميت عليهم القادة والرؤساء منهم ولبست.

(وعميت) بالتخفيف أي: التبس، وعمي على القادة والرؤساء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنُلْزِمُكُمُوهَا ﴾ أي: أنوجبها عليكم، وهي التي ذكر أنه آتاها إياه أو البينة التي ذكر أيضاً أو الدين الذي كان يدعوهم إليه، أي: لا نوجبها عليكم ولا نلزمها، وأنتم لها كارهون بلا حجة ولا برهان.

﴿ وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ﴾ أي: لا نلزمها لكم بلا حجة شئتم أو أبيتم ولكن بحجة.

وفيه أن الدين لا يقبل بالإكراه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً ﴾ : على تبليغ الرسالة إليكم، أو على إقامة الحجة على ما أدعي من الرسالة، أو على الدين الذي يدعوهم إليه، أي: لا أسألكم على ذلك أجرا، فلماذا تعرضون عما أدعوكم إليه وأقيمه عليكم ليكون لكم الاحتجاج أو الاعتذار؟!

وكذلك يخرج قوله: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ  ﴾ [أي: لا تسألهم أجرا على ما تبلغه إليهم ويدعوهم إليه]، فيمنعهم ثقل ذلك الغرم إجابتكم إياه، فعلى ذلك الأول ذكر هذا؛ لأن ما يلحق الإنسان من الضرر إنما يمنعه عن الإذعان بالحق [للخلق] والإقبال إليه والقيام بوفائه، أو يمنع ذلك لما لا يتبين له الحق لئلا يكون لهم الاحتجاج والاعتلال عند الله وإن لم يكن لهم حجة؛ وكقوله: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ ليس على أنه إذا سألهم على ذلك أجرا يكون لهم عذر في ردِّ ذلك وترك الإجابة له؛ إذ لله أن يكلفهم الإجابة والطاعة له بالمال وبغير المال.

والثاني: بقوله: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه وأبلغكم إياه مالاً، مع حاجتي وقلة مالي، فيقع عندكم أني أدعوكم إليه رغبة فيما في أيديكم من الأموال أو لمنفعة نفسي بل إنما أدعوكم إلى ما أدعوكم إليه لمنفعة أنفسكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ أي: ما أجري إلا على الله في ذلك ليس عليكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ : فيه دلالة أنهم كأنهم كانوا سألوا رسولهم أن يتخذ لهم مجلسا على حدة، ويفرد لهم ذلك دون الأراذل والضعفاء الذين اتبعوه ويطرد الضعفاء؛ وهو كقوله: ﴿ وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ...

﴾ الآية [الأنعام: 52].

وقال أهل التأويل: ﴿ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ أي: ما أنا بالذي لا يقبل الإيمان من الأراذل والضعفاء عندكم؛ لقولهم حيث قالوا: ﴿ وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ  ﴾ لأنهم يقولون: اتبعوك الأراذل ظاهراً، وأما في الباطن فليسوا على ذلك؛ ولذلك قال: ﴿ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيۤ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْراً ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِيۤ أَنْفُسِهِمْ  ﴾ يعني: ما في قلوب السفلة فيقول: ما أنا بطارد الذين آمنوا ظاهراً الله أعلم بما في قلوبهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ ﴾ يحتمل وجهين؛ أي: ملاقو ربهم فيشكون مني إليه في رد إيمانهم، ويخاصمونني في ذلك ويطالبونني في طردي إياهم.

والثاني: أنهم ملاقو ربهم بإيمانهم ظاهراً كان إيمانهم أو باطناً [أي في حال هم يلاقون] ربهم فيجزيهم بما هم عليه ؛ كقوله: ﴿ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ﴾ يحتمل تجهلون ما أدعوكم إليه أو تجهلون في قولكم: إنهم إنما آمنوا واتبعوا في ظاهر الحال، وأما في السر فلا، أو تجهلون ما يلحقني في طردهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ ﴾ : أي: من يمنعني من عذاب الله، ﴿ إِن طَرَدتُّهُمْ ﴾ : على ما تدعونني إليه، أو من يمنعني من عذاب الله إن لم أقبل منهم الإيمان.

﴿ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ : أنه لا يسع لي ما تدعونني إليه من طرد هؤلاء أو رد إيمانهم، أو أفلا تذكرون فتؤمنون.

وما روي في حرف أبي بن كعب: (أنلزمكموها شطر أنفسنا) فمعناه أنلزمكموها نحن أنفسنا وأنتم قوم معاندون.

وفي حرف ابن عباس: (أنلزمكموها من شطر أنفسنا) أي: من تلقاء أنفسنا، أي: لا نقدر أن نلزمكم ذلك من تلقاء أنفسنا وأنتم كارهون لذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: يقول: ليس عندي خزائن الله والسعة، فأبذل لكم لتؤمنوا رغبة في المال والسعة.

والثاني: يقول: ليس عندي سعة، فيقع عندكم أني أدعوكم إلى ما أدعوكم إليه افتعالا رغبة في المال على ما يفعل المفتعلون للرغبة في المال، ولكن لتعلموا أني مكلف في ذلك.

والثالث: يحتمل ما ذكرنا من أسئلة كانت منهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ ﴾ : هذا القول منه لهم يحتمل الوجهين: أحدهما: أنه قال ذلك لهم على أثر أمور وأسئلة كانت منهم من نحو قولهم ﴿ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ  ﴾ ، وقولهم لرسول الله  : ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً  أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ  ﴾ ، وقولهم: ﴿ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ  ﴾ وأمثال ما كان منهم، فيقول لهم: ليس ذلك عندي وبيدي، إنما ذلك عند الله وبيده.

﴿ وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ ﴾ يحتمل أن يكونوا سألوه أن يخبرهم عن أمور تستقبلهم قبل أن تستقبلهم، إن كان شرا فيعدوا له في دفعه، وإن كان منافع فيستقبلوا لها ويتهيئوا، فيقول لهم: ذا غيب وأنا لا أعلم الغيب إنما العلم في ذلك إلى الله، ولا أقول: إني ملك أعلم أخبار السماء والأمور التي فيها، إنما أنا بشر مثلكم.

وعن ابن عباس -  - قال: ﴿ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ ﴾ أي: مفاتيح الله في الرزق، فهذا كأنهم سألوه السعة فيتبعونه، فيقول: ليس عندي ذلك.

ويحتمل أن يكون قال لهم الرسول هذا لدفع الشبهة عنهم، وذلك أن من الكفار من اتخذ الرسول إلها فعبدوه بعدما عاينوا أنه من البشر.

ومنهم من قال: إنه ابن الله.

ومنهم من قال: إنه ملك، وكانوا يعبدون الملائكة وكانوا يخبرونهم عن أشياء غابت عنهم، فظنوا أنه إنما علم ذلك لأنه إله، فيقول لهم ذلك ليدفع عنهم تلك الشبهة ويتبرأ من ذلك؛ ولذلك قال عيسى: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً  وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً  ﴾ هو -  - كان يعلم في نفسه أنه عبد الله، ولكن يقول لهم لئلا ينسبوه إلى الألوهية والربوبية على ما نسبوا إليه، فأقر بالعبودية له، والله أعلم بذلك.

وقال بعض أهل التأويل: ﴿ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: مفاتيح الله بأنه يهدي السفلة دونكم، ﴿ وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ ﴾ أي: لا أقول: إن عندي علم ذلك أن الله يهديهم وهم مؤمنون في السر؛ وذلك كقوله: ﴿ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِيۤ أَنْفُسِهِمْ ﴾ : من الصدق.

﴿ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ ﴾ أي: إنما [أنا] بشر لقولهم: ﴿ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا...

﴾ إلى آخر الآية [هود: 27].

ثم قال: ﴿ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيۤ أَعْيُنُكُمْ ﴾ قيل: الذين حقرتموهم يعني السفلة والأتباع.

وقال ابن عباس: (الذين لم تأخذهم أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا) يعني إيماناً الله أعلم بما في أنفسهم من الصدق، إني إذا لمن الظالمين لهم إن لم أقبل منهم [الإيمان] أو طردتهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال لهم نوح: يا قوم، أخبروني إن كنت على برهان من ربي يشهد لصدقي، ويوجب عليكم تصديقي، وأعطاني رحمة من عنده وهي النبوة والرسالة، وأُخْفِيت عليكم لجهلكم بها؛ أنجبركم على الإيمان بها، وندخله في قلوبكم كرهًا؟!

لا نقدر على ذلك، فالذي يوفق للإيمان هو الله.

من فوائد الآيات الكافر لا ينتفع بسمعه وبصره انتفاعًا يقود للإيمان، فهما كالمُنْتَفِيَين عنه بخلاف المؤمن.

سُنَّة الله في أتباع الرسل أنهم الفقراء والضعفاء لخلوِّهم من الكِبْر، وخُصُومهم الأشراف والرؤساء.

تكبُّر الأشراف والرؤساء واحتقارهم لمن دونهم في غالب الأحيان.

<div class="verse-tafsir" id="91.WXkg7"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله