الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٢٧ من سورة هود
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 115 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٧ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( فقال الملأ الذين كفروا من قومه ) والملأ هم : السادة والكبراء من الكافرين منهم : ( ما نراك إلا بشرا مثلنا ) أي : لست بملك ، ولكنك بشر ، فكيف أوحي إليك من دوننا ؟
ثم ما نراك اتبعك إلا أراذلنا كالباعة والحاكة وأشباههم ولم يتبعك الأشراف ولا الرؤساء [ منا ] ثم هؤلاء الذين اتبعوك لم يكن عن ترو منهم ولا فكرة ولا نظر ، بل بمجرد ما دعوتهم أجابوك فاتبعوك ; ولهذا قال : ( وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ) أي : في أول بادئ الرأي ، ( وما نرى لكم علينا من فضل ) يقولون : ما رأينا لكم علينا فضيلة في خلق ولا خلق ، ولا رزق ولا حال ، لما دخلتم في دينكم هذا ، ( بل نظنكم كاذبين ) أي : فيما تدعونه لكم من البر والصلاح والعبادة ، والسعادة في الدار الآخرة إذا صرتم إليها .
هذا اعتراض الكافرين على نوح ، عليه السلام ، وأتباعه ، وذلك دليل على جهلهم وقلة علمهم وعقلهم ، فإنه ليس بعار على الحق رذالة من اتبعه ، فإن الحق في نفسه صحيح ، وسواء اتبعه الأشراف أو الأراذل بل الحق الذي لا شك فيه أن أتباع الحق هم الأشراف ، ولو كانوا فقراء ، والذين يأبونه هم الأراذل ، ولو كانوا أغنياء .
ثم الواقع غالبا أن ما يتبع الحق ضعفاء الناس ، والغالب على الأشراف والكبراء مخالفته ، كما قال تعالى : ( وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ) [ الزخرف : 23 ] ، ولما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان صخر بن حرب عن صفات النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له فيما قال : أشراف الناس اتبعوه أو ضعفاؤهم ؟
قال : بل ضعفاؤهم .
فقال هرقل : هم أتباع الرسل .
وقولهم ) بادي الرأي ) ليس بمذمة ولا عيب; لأن الحق إذا وضح لا يبقى للتروي ولا للفكر مجال ، بل لا بد من اتباع الحق والحالة هذه لكل ذي زكاء وذكاء ولا يفكر وينزوي هاهنا إلا عيي أو غبي .
والرسل ، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، إنما جاءوا بأمر جلي واضح .
وقد جاء في الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر ، فإنه لم يتلعثم " أي : ما تردد ولا تروى ، لأنه رأى أمرا جليا عظيما واضحا ، فبادر إليه وسارع .
وقولهم : ( وما نرى لكم علينا من فضل ) هم لا يرون ذلك; لأنهم عمي عن الحق ، لا يسمعون ولا يبصرون : بل هم في ريبهم يترددون ، في ظلمات الجهل يعمهون ، وهم الأفاكون الكاذبون ، الأقلون الأرذلون ، وفي الآخرة هم الأخسرون .
القول في تأويل قوله تعالى : فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فقال الكبراء من قوم نوح وأشرافهم ، وهم (الملأ )، ، (14) الذين كفروا بالله وجحدوا نبوة نبيهم نوح عليه السلام ، (ما نراك)، يا نوح، (إلا بشرًا مثلنا) ، يعنون بذلك أنه آدمي مثلهم في الخلق والصُّورة والجنس، كأنهم كانوا منكرين أن يكون الله يرسل من البشر رسولا إلى خلقه.
(15) * * * وقوله: (وما نراك اتَّبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي) ، يقول: وما نراك اتبعك إلا الذين هم سفلتنا من الناس ، دون الكبراء والأشراف ، فيما نرَى ويظهر لنا.
* * * وقوله: (بادي الرأي) ، اختلفت القرأة في قراءته.
فقرأته عامة قرأة المدينة والعراق: ( بَادِيَ الرَّأْيِ )، بغير همز " البادي" وبهمز " الرأي"، بمعنى: ظاهر الرأي، من قولهم: " بدا الشيء يبدو " ، إذا ظهر، كما قال الراجز: (16) أَضْحَـى لِخَـالِي شَـبَهِيَ بَـادِي بَدِي وَصَــارَ لِلْفَحْــلِ لِسَــانِي وَيَـدِي (17) " بادي بدي" بغير همز، وقال آخر: وقَدْ عَلَتْنِي ذُرْأَةٌ بادِي بَدِي (18) * * * وقرأ ذلك بعض أهل البصرة: (بَادِئَ الرَّأْيِ)، مهموزًا أيضًا، بمعنى: مبتدأ الرأي، من قولهم: " بدأت بهذا الأمر "، إذا ابتدأت به قبل غيره.
* * * قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا قراءة من قرأ: ( بَادِيَ الرَّأْيِ ) بغير همز " البادي"، وبهمز " الرأي"، لأن معنى ذلك الكلام: إلا الذين هم أراذلنا ، في ظاهر الرأي ، وفيما يظهر لنا.
* * * وقوله: (وما نرى لكم علينا من فضل)، يقول: وما نتبين لكم علينا من فضل نلتموه بمخالفتكم إيانا في عبادة الأوثان إلى عبادة الله وإخلاص العبودة له، فنتبعكم طلبَ ذلك الفضل ، وابتغاءَ ما أصبتموه بخلافكم إيانا ، (بل نظنكم كاذبين).
* * * وهذا خطاب منهم لنوحٍ عليه السلام، وذلك أنهم إنما كذبوا نوحًا دون أتباعه، لأن أتباعه لم يكونوا رُسلا.
وأخرج الخطابَ وهو واحد مخرج خطاب الجميع، كما قيل: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ، [ سورة الطلاق: 1] .
* * * قال أبو جعفر: وتأويل الكلام: بل نظنك ، يا نوح ، في دعواك أن الله ابتعثك إلينا رسولا كاذبًا.
* * * وبنحو ما قلنا في تأويل قوله (بادي الرأي) قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: 18105- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس قوله: ( وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ) ، قال: فيما ظهر لنا ------------------------ الهوامش : (14) انظر تفسير " الملأ " فيما سلف ص : 177 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(15) انظر تفسير " البشر " فيما سلف 11 : 521 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(16) أبو نخيلة السعدي .
(17) هذا الرجز والذي يليه ، من رجز أبي نخيلة السعدي ، لا شك في البيت الثاني منهما ، أما الأول فإني أرتاب في صحة إنشاده ، على الوجه الذي أنشده الفراء في معاني القرآن .
وقد خرج هذا الرجز ، صديقنا وشيخنا عبد العزيز الميمني الراجكرتي في سمط اللآلئ : 293 ، 480 ، وفي اللسان ( ذرأ ) ، وتهذيب إصلاح المنطق 2 : 32 ، وسيبويه 2 : 54 ، ونوادر اليزيدي : 128 ، والأغاني ( ساسي) 18 : 151 ، وتاريخ ابن عساكر 2: 321 ، وأزيد ، تاريخ الطبري 9 : 273 ، والمعاني الكبير : 1223 ، والفراء في معاني القرآن ، ومجاز القرآن 1 : 288 ، واللسان ( بدا ) ، والأبيات هي : كَـيْفَ التَّصَـابِي فِعْـلَ مَـنْ لَـمْ يَهْتَدِ وَقَــد عَلَتْنِــي ذُرْأَةٌ بَــادِي بَـدى وَرَثْيَــةٌ تَنْهَـــضُ فــي تَشَـدُّدِي بَعْـدَ انْتِهَـاضِي فـي الشَّـبَابِ الأمْلَدِ وَبَعْــدَ مَــا أَذْكُــرُ مِـنْ تَـأَوُّدِي وَبَعْــدَ تَمْشَــائِي وتَطْوِيحِـي يَـدِي وَمِشْــيَتِي تَحْـتَ الغُـدَافِ الأسْـوَدِ وذكرها صاحب اللسان في ( بدا ) ، والتبريزي في تهذيب إصلاح المنطق ، وزاد بعد قوله " ورثيــة تنهــض فــي تشـددي وصــار للفحــل لســاني ويـدي أما البيت الأول ، فلم أجده في مكان ، وأخشى أن تكون " بادي بدى " فيه ، موضوعة مكان كلمة أخرى ، ولا شك أن موضع هذين البيتين ، ليس في الموضع الذي وضع أحدهما فيه صاحب اللسان والتبريزي .
(18) انظر التعليق السالف .
و " الذرأة " ( بضم فسكون ) ، الشيب في مقدم الرأس .
قوله تعالى : فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبينفيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : فقال الملأ قال أبو إسحاق الزجاج : الملأ الرؤساء ; أي هم مليئون بما يقولون .
وقد تقدم هذا في " البقرة " وغيرها .ما نراك إلا بشرا مثلنا أي آدميا .
" مثلنا " نصب على الحال .
و " مثلنا " مضاف إلى معرفة وهو نكرة يقدر فيه التنوين ; كما قال الشاعر :يا رب مثلك في النساء غريرةالثانية : قوله تعالى : وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا أراذل جمع أرذل ، وأرذل جمع رذل ; مثل كلب وأكلب وأكالب .
وقيل : والأراذل جمع الأرذل ، كأساود جمع الأسود من الحيات .
والرذل النذل ; أرادوا اتبعك أخساؤنا وسقطنا وسفلتنا .
قال الزجاج : نسبوهم إلى الحياكة ; ولم يعلموا أن الصناعات لا أثر لها في الديانة .
قال النحاس : الأراذل هم الفقراء ، والذين لا حسب لهم ، والخسيسو الصناعات .
وفي الحديث أنهم كانوا حاكة وحجامين .
وكان هذا جهلا منهم ; لأنهم عابوا نبي الله - صلى الله عليه وسلم - بما لا عيب فيه ; لأن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - إنما عليهم أن يأتوا بالبراهين والآيات ، وليس عليهم تغيير الصور والهيئات ، وهم يرسلون إلى الناس جميعا ، فإذا أسلم منهم الدنيء لم يلحقهم من ذلك نقصان ; لأن عليهم أن يقبلوا إسلام كل من أسلم منهم .[ ص: 23 ] قلت : الأراذل هنا هم الفقراء والضعفاء ; كما قال هرقل لأبي سفيان : أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم ؟
فقال : بل ضعفاؤهم ; فقال : هم أتباع الرسل .
قال علماؤنا : إنما كان ذلك لاستيلاء الرياسة على الأشراف ، وصعوبة الانفكاك عنها ، والأنفة من الانقياد للغير ; والفقير خلي عن تلك الموانع ، فهو سريع إلى الإجابة والانقياد .
وهذا غالب أحوال أهل الدنيا .الثالثة : اختلف العلماء في تعيين السفلة على أقوال ; فذكر ابن المبارك عن سفيان أن السفلة هم الذين يتقلسون ، ويأتون أبواب القضاة والسلاطين يطلبون الشهادات وقال ثعلب عن ابن الأعرابي : السفلة الذين يأكلون الدنيا بدينهم ; قيل له : فمن سفلة السفلة ؟
قال : الذي يصلح دنيا غيره بفساد دينه .
وسئل علي - رضي الله عنه - عن السفلة فقال : الذين إذا اجتمعوا غلبوا ; وإذا تفرقوا لم يعرفوا .
وقيل لمالك بن أنس - رضي الله عنه - : من السفلة ؟
قال : الذي يسب الصحابة .
وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - : الأرذلون الحاكة والحجامون .
يحيى بن أكثم : الدباغ والكناس إذا كان من غير العرب .الرابعة : إذا قالت المرأة لزوجها : يا سفلة ، فقال : إن كنت منهم فأنت طالق ; فحكى النقاش أن رجلا جاء إلى الترمذي فقال : إن امرأتي قالت لي يا سفلة ، فقلت : إن كنت سفلة فأنت طالق ; قال الترمذي : ما صناعتك ؟
قال : سماك ; قال : سفلة والله ، سفلة والله سفلة .
قلت : وعلى ما ذكره ابن المبارك عن سفيان لا تطلق ، وكذلك على قول مالك ، وابن الأعرابي لا يلزمه شيء .بادي الرأي أي ظاهر الرأي ، وباطنهم على خلاف ذلك .
يقال : بدا يبدو .
إذا ظهر ; كما قال :فاليوم حين بدون للنظارويقال للبرية بادية لظهورها .
وبدا لي أن أفعل كذا ، أي ظهر لي رأي غير الأول .
وقال الأزهري : معناه فيما يبدو لنا من الرأي .
ويجوز أن يكون بادي الرأي من بدأ يبدأ وحذف الهمزة .
وحقق أبو عمرو الهمزة فقرأ : " بادئ الرأي " أي أول الرأي ; أي اتبعوك حين ابتدءوا ينظرون ، ولو أمعنوا النظر والفكر لم يتبعوك ; ولا يختلف المعنى هاهنا بالهمز وترك [ ص: 24 ] الهمز .
وانتصب على حذف " في " كما قال - عز وجل - : واختار موسى قومه .وما نرى لكم علينا من فضل أي في اتباعه ; وهذا جحد منهم لنبوته - صلى الله عليه وسلم -بل نظنكم كاذبين الخطاب لنوح ومن آمن معه .
{ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ } أي: الأشراف والرؤساء، رادين لدعوة نوح عليه السلام، كما جرت العادة لأمثالهم، أنهم أول من رد دعوة المرسلين.
{ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا } وهذا مانع بزعمهم عن اتباعه، مع أنه في نفس الأمر هو الصواب، الذي لا ينبغي غيره، لأن البشر يتمكن البشر، أن يتلقوا عنه، ويراجعوه في كل أمر، بخلاف الملائكة.
{ وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا } أي: ما نرى اتبعك منا إلا الأراذل والسفلة، بزعمهم.
وهم في الحقيقة الأشراف، وأهل العقول، الذين انقادوا للحق ولم يكونوا كالأراذل، الذين يقال لهم الملأ، الذين اتبعوا كل شيطان مريد، واتخذوا آلهة من الحجر والشجر، يتقربون إليها ويسجدون لها، فهل ترى أرذل من هؤلاء وأخس؟.
وقولهم: { بَادِيَ الرَّأْيِ } أي: إنما اتبعوك من غير تفكر وروية، بل بمجرد ما دعوتهم اتبعوك، يعنون بذلك، أنهم ليسوا على بصيرة من أمرهم، ولم يعلموا أن الحق المبين تدعو إليه بداهة العقول، وبمجرد ما يصل إلى أولي الألباب، يعرفونه ويتحققونه، لا كالأمور الخفية، التي تحتاج إلى تأمل، وفكر طويل.
{ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ } أي: لستم أفضل منا فننقاد لكم، { بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ } وكذبوا في قولهم هذا، فإنهم رأوا من الآيات التي جعلها الله مؤيدة لنوح، ما يوجب لهم الجزم التام على صدقه.
( فقال الملأ الذين كفروا من قومه ) والملأ هم الأشراف والرؤساء .
( وما نراك ) يا نوح ، ( إلا بشرا ) آدميا ، ( مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا ) سفلتنا ، والرذل : الدون من كل شيء والجمع : أرذل ، ثم يجمع على أراذل ، مثل : كلب وأكلب وأكالب ، وقال في سورة الشعراء : " واتبعك الأرذلون " يعني : السفلة .
وقال عكرمة : الحاكة والأساكفة ، ( بادي الرأي ) قرأ أبو عمرو " بادئ " بالهمز ، أي : أول الرأي ، يريدون أنهم اتبعوك في أول الرأي من غير روية وتفكر ، ولو تفكروا لم يتبعوك .
وقرأ الآخرون بغير همز ، أي ظاهر الرأي من قولهم : بدا الشيء : إذا ظهر ، معناه : اتبعوك ظاهرا من غير أن يتدبروا ويتفكروا باطنا .
قال مجاهد : رأي العين ، ( وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين ) .
«فقال الملأ الذين كفروا من قومه» وهم الأشراف «ما نراك إلا بشرا مثلنا» ولا فضل لك علينا «وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا» أسافلنا كالحاكة والأساكفة «بادئ الرأي» بالهمز وتركه أي ابتداء من غير تفكر فيك ونصبه على الظرف أي وقت حدوث أول رأيهم «وما نرى لكم علينا من فضل» فتستحقون به الاتباع منا «بل نظنكم كاذبين» في دعوى الرسالة أدرجوا قومه معه في الخطاب.
فقال رؤساء الكفر من قومه: إنك لست بمَلَك ولكنك بشر، فكيف أُوحي إليك مِن دوننا؟
وما نراك اتبعك إلا الذين هم أسافلنا وإنما اتبعوك من غير تفكر ولا رويَّة، وما نرى لكم علينا من فضل في رزق ولا مال لـمَّا دخلتم في دينكم هذا، بل نعتقد أنكم كاذبون فيما تدَّعون.
ثم حكى - سبحانه - ما رد به قوم نوح عليه فقال : ( فَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرأي وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ ) .والمراد بالملأ : أصحاب الجاه والغنى من قوم نوح .
وهذا اللفظ اسم جميع لا واحد له من لفظه كرهط وهو - كما يقول الآلوسى - : مأخوذ من قولهم فلان ملئ بكذا : إذا كان قادرا عليه .
.
.
أو لأنهم متمالئون أى متظاهرون متعاونون ، أو لأنهم يملأون القلوب والعيون .
.
.ووصفهم بالكفر ، لتسجيل ذلك عليهم من أول الأمر زيادة فى ذمهم .أى : بعد هذا النصح الحكيم الذى وجهه نوح - عليه السلام - لقومه ، رد عليه أغنياؤهم وسادتهم بقولهم ( مَا نَرَاكَ ) يا نوح إلا بشر مثلنا ، أى : إلا إنسانا مثلنا ، ليست فيك مزية تجعلك مختصا بالنبوة دوننا .
.
.فهم - لجهلهم وغبائهم - توهموا أن النبوة لا تجامع البشرية ، مع أن الحكمة تقتضى أن يكون الرسول بشرا من جنس المرسل إليهم ، حتى تتم فائدة التفاهم معه ، والاقتداء به فى أخلاقه وسلوكه .وقد حكى القرآن قولهم هذا فى أكثر من موضع ، ومن ذلك قوله - تعالى - ( وَقَالَ الملأ مِن قَوْمِهِ الذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الآخرة وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الحياة الدنيا مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ .
وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ .
.
.
) ثم إنهم فى التعليل لعدم اتباع نبيهم لم يكتفوا بقولهم ما نراك إلا بشر مثلنا : بل أضافوا إلى ذلك قولهم : ( وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرأي ) ومرادهم بقولهم : ( أَرَاذِلُنَا ) أى فقراؤنا ومن لا وزن لهم فينا .قال الجمل : ولفظ ( أَرَاذِلُنَا ) فيه وجهان : أحدهما أنه جميع الجمع فهو جمع أرذل - بضم الذال - جمع رذل - بسكونها - نحو كلب وأكلب وأكالب .
.
.ثانهيما : أنه جمع مفرد وهو أرذل كأكبر وأكابر .
.
والأرذل هو المغروب عنه لرداءته .ومرادهم بقولهم : ( بَادِيَ الرأي ) أى : أوله من البدء .
يقال : بدأ يبدأ إذا فعل الشئ أولا وعليه تكون الياء مبدلة من الهمزة لانكسار ما قبلها ويؤيده قراءة أبى عمرو " بادئ الرأى " .أى : وما نراك اتبعك يا نوح إلا الذين هم أقلنا شأنا وأحقرنا حالا من غير أن يثبتوا من حقيقة أمرك ، ولو تثبتوا وتفكروا ما اتبعوك ويصح أن يكون مرادهم بقولهم ( بَادِيَ الرأي ) أى اتبعوك ظاهرا لا باطنا ، ويكون لفظ ( بادى ) من البدو بمعنى الظهور .
يقال : بدا الشئ يبدو بدواً وبُدوءاً وبداء أى ظهور وعليه يكون المعنى : وما نراك اتبعك يا نوح إلا الذين هم أهوننا أمرا ، ومع ذلك فإن اتباعهم لك إنما هو فى ظاهر أمرهم ، أما بواطنهم فهى تدين بعقيدتنا .وشبيه بهذه الجملة قوله - تعالى - ( قالوا أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون ) قال صاحب الكشاف : وإنما استرذلوا المؤمنين لفقرهم وتأخرهم فى الأسباب الدنيوية لأنهم أى الملأ من قوم نوح - كانوا جهالا ما كانوا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا فكان الأشرف عندهم من له جاه ومال كما ترى أكثر المتسمين بالإِسلام ، يعقتدون ذلك ويبنون عليه إكرامهم وإهانتهم ، ولقد زال عنهم أن التقدم فى الدنيا - مع ترك الآخرة - لا يقرب أحدامن الله وإنما يبعده ، ولا يرفعه بل يضعه ، فضلا عن أن يجعله سببا فى الاختيار للنبوة والتأهيل لها .
.
.ثم أضافوا إلى مزاعمهم السابقة زعما جديدا فقالوا : ( وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ ) .والفضل : الزيادة فى الشرف والغنى وغيرهما مما يتميز به الإنسان عن غيره .والمراد هنا : آثاره التي تدل عليه .أى : أنت يا نوح ليست إلا بشرا مثلنا ، وأتباعك هم أحقرنا شأنا ، وما نرى لك ولمتبعيك شيئا من الزيادة علينا لا فى العقل ولا فى غيره ، بل إننا لنعتقد أنكم كاذبون فى دعواكم أنكم على الحق ، لأن الحق فى نظرنا هو فى عبادة هذه الأصنام التى عبدها من قبلنا آباؤنا .وهكذا نرى أن الملأ من قوم نوح - عليه السلام - قد عللوا كفرهم بما جاءهم به بثلاث علل ، أولها : أنه بشر مثلهم وثانيها : أن أتباعه من فقرائهم وثالثها : أنه لا مزية له ولأتباعه عليهم .
.وهى كلها علل باطلة ، تدل على جهلهم ، وانطماس بصيرتهم ، ويدل على ذلك ، رد نوح - عليه السلام - الذى حكاه القرآن فى قوله - تعالى - :( قَالَ ياقوم أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيِّنَةٍ .
.
.
) .
اعلم أنه تعالى لما حكى عن نوح عليه السلام أنه دعا قومه إلى عبادة الله تعالى حكى عنهم أنهم طعنوا في نبوته بثلاثة أنوع من الشبهات.
فالشبهة الأولى: أنه بشر مثلهم، والتفاوت الحاصل بين آحاد البشر يمتنع انتهاؤه إلى حيث يصير الواحد منهم واجب الطاعة لجميع العالمين.
والشبهة الثانية: كونه ما أتبعه إلا أراذل من القوم كالحياكة وأهل الصنائع الخسيسة، قالوا ولو كنت صادقاً لاتبعك الأكياس من الناس والأشراف منهم، ونظيره قوله تعالى في سورة الشعراء ﴿ أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون ﴾ .
والشبهة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ ﴾ والمعنى: لا نرى لكم علينا من فضل لا في العقل ولا في رعاية المصالح العاجلة ولا في قوة الجدل فإذا لم نشاهد فضلك علينا في شيء من هذه الأحوال الظاهرة فكيف نعترف بفضلك علينا في أشرف الدرجات وأعلى المقامات، فهذا خلاصة الكلام في تقرير هذه الشبهات.
واعلم أن الشبهة الأولى لا تليق إلا بالبراهمة الذين ينكرون نبوة البشر على الإطلاق، أما الشبهتان الباقيتان فيمكن أن يتمسك بهما من أقر بنبوة سائر الأنبياء، وفي لفظ الآية مسائل: المسألة الأولى: الملأ الأشراف وفي اشتقاقه وجوه: الأول: أنه مأخوذ من قولهم مليء بكذا إذا كان مطيقاً له وقد ملؤا بالأمر، والسبب في إطلاق هذا اللفظ عليهم أنهم ملؤا بترتيب المهمات وأحسنوا في تدبيرها.
الثاني: أنهم وصفوا بذلك لأنهم يتمالؤون أي يتظاهرون عليه.
الثالث: وصفوا بذلك لأنهم يملؤون القلوب هيبة والمجالس أبهة.
الرابع: وصفوا به لأنهم ملؤوا العقول الراجحة والآراء الصائبة.
ثم حكى الله تعالى عنهم الشبهة الأولى، وهي قولهم: ﴿ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا ﴾ وهو مثل ما حكى الله تعالى عن بعض العرب أنهم قالوا: ﴿ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ وهذا جهل، لأن من حق الرسول أن يباشر الأمة بالدليل والبرهان والتثبت والحجة، لا بالصورة والخلقة، بل نقول: إن الله تعالى لو بعث إلى البشر ملكاً لكانت الشبهة أقوى في الطعن عليه في رسالته لأنه يخطر بالبال أن هذه المعجزات التي ظهرت لعل هذا الملك هو الذي أتى بها من عند نفسه بسبب أن قوته أكمل وقدرته أقوى، فلهذه الحكمة ما بعث الله إلى البشر رسولاً إلا من البشر.
ثم حكى الشبهة الثانية وهي قوله: ﴿ وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الرأى ﴾ والمراد منه قلة ما لهم وقلة جاههم ودناءة حرفهم وصناعتهم هذا أيضاً جهل، لأن الرفعة في الدين لا تكون بالحسب والمال والمناصب العالية، بل الفقر أهون على الدين من الغنى، بل نقول: الأنبياء ما بعثوا إلا لترك الدنيا والإقبال على الآخرة فكيف تجعل قلة المال في الدنيا طعناً في النبوة والرسالة.
ثم حكى الله تعالى الشبهة الثالثة وهي قوله: ﴿ وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ ﴾ وهذا أيضاً جهل، لأن الفضيلة المعتبرة عند الله ليست إلا بالعلم والعمل، فكيف اطلعوا على بواطن الخلق حتى عرفوا نفي هذه الفضيلة، ثم قالوا بعد ذكر هذه الشبهات لنوح عليه السلام ومن اتبعه ﴿ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذبين ﴾ وفيه وجهان: الأول: أن يكون هذا خطاباً مع نوح ومع قومه، والمراد منه تكذيب نوح في دعوى الرسالة.
والثاني: أن يكون هذا خطاباً مع الأراذل فنسبوهم إلى أنهم كذبوا في أن آمنوا به واتبعوه.
المسألة الثانية: قال الواحدي: الأرذل جمع رذل وهو الدون من كل شيء في منظره وحالاته ورجل رذل الثياب والفعل.
والأراذل جمع الأرذل، كقولهم أكابر مجرميها، وقوله عليه الصلاة والسلام: «أحاسنكم أخلاقاً» فعلى هذا الأراذل جمع الجمع، وقال بعضهم: الأصل فيه أن يقال: هو أرذل من كذا ثم كثر حتى قالوا: هو الأرذل فصارت الألف واللام عوضاً عن الإضافة وقوله: ﴿ بَادِىَ الرأى ﴾ البادي هو الظاهر من قولك: بدا الشيء إذا ظهر، ومنه يقال: بادية لظهورها وبروزها للناظر، واختلفوا في بادي الرأي وذكروا فيه وجوهاً: الأول: اتبعوك في الظاهر وباطنهم بخلافه، والثاني: يجوز أن يكون المراد اتبعوك في ابتداء حدوث الرأي وما احتاطوا في ذلك الرأي وما أعطوه حقه من الفكر الصائب والتدبر الوافي.
الثالث: أنهم لما وصفوا القوم بالرذالة قالوا: كونهم كذلك بادي الرأي أمر ظاهر لكل من يراهم، والرأي على هذا المعنى من رأي العين لا من رأي القلب ويتأكد هذا التأويل بما نقل عن مجاهد أنه كان يقرأ ﴿ إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ رَأْىَ العين ﴾ .
المسألة الثالثة: قرأ أبو عمرو ونصير عن الكسائي ﴿ بادئ ﴾ بالهمزة والباقون بالياء غير مهموز فمن قرأ ﴿ بادئ ﴾ بالهمزة فالمعنى أول الرأي وابتداؤه ومن قرأ بالياء غير مهموز كان من بدا يبدو أي ظهر و ﴿ بَادِىَ ﴾ نصب على المصدر كقولك: ضربت أول الضرب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الملا ﴾ الأشراف من قولهم: فلان مليء بكذا، إذا كان مطيقاً له، وقد ملؤا بالأمر؛ لأنهم ملؤا بكفايات الأمور واضطلعوا بها وبتدبيرها.
أو لأنهم يتمالؤن أي يتظاهرون ويتساندون أو لأنهم يملؤن القلوب هيبة والمجالس أبهة أو لأنهم ملاء بالأحلام والآراء الصائبة ﴿ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا ﴾ تعريض بأنهم أحق منه بالنبوة وأنّ الله لو أراد أن يجعلها في أحد من البشر لجعلها فيهم، فقالوا: هب أنك واحد من الملأ ومواز لهم في المنزلة، فما جعلك أحق منهم؟
ألا ترى إلى قولهم: ﴿ وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ ﴾ .
أو أرادوا أنه كان ينبغي أن يكون ملكاً لا بشر.
والأراذل جمع الأرذل كقوله: ﴿ أكابر مُجْرِمِيهَا ﴾ [الأنعام: 123] «أحاسنكم أخلاقاً» وقرئ: ﴿ بادي الرأي ﴾ بالهمز وغير الهمز، بمعنى: اتبعوك أوّل الرأي أو ظاهر الرأي، وانتصابه على الظرف، أصله: وقت حدوث أوّل رأيهم، أو وقت حدوث ظاهر رأيهم فحذف ذلك وأقيم المضاف إليه مقامه.
أرادوا: أن اتباعهم لك إنما هو شيء عنّ لهم بديهة من غير روية ونظر، وإنما استرذلوا المؤمنين لفقرهم وتأخرهم في الأسباب الدنيوية، لأنهم كانوا جهالاً ما كانوا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا، فكان الأشرف عندهم من له جاه ومال، كما ترى أكثر المتسمين بالإسلام يعتقدون ذلك ويبنون عليه إكرامهم وإهانتهم، ولقد زلّ عنهم أن التقدّم في الدنيا لا يقرب أحداً من الله وإنما يبعده، ولا يرفعه بل يضعه، فضلاً أن يجعله سبباً في الاختيار للنبوّة والتأهيل لها، على أن الأنبياء عليهم السلام بعثوا مرغبين في طلب الآخرة ورفض الدنيا، مزهدين فيها، مصغرين لشأنها وشأن من أخلد إليها، فما أبعد حالهم من الاتصاف بما يبعد من الله، والتشرف بما هو ضعة عند الله ﴿ مِن فَضْلِ ﴾ من زيادة شرف علينا تؤهلكم للنبوّة، ﴿ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذبين ﴾ فيما تدّعونه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا ﴾ لا مَزِيَّةَ لَكَ عَلَيْنا تَخُصُّكَ بِالنُّبُوَّةِ ووُجُوبِ الطّاعَةِ.
﴿ وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا ﴾ أخِسّاؤُنا جَمْعُ أرْذَلَ فَإنَّهُ بِالغَلَبَةِ صارَ مِثْلَ الِاسْمِ كالأكْبَرِ، أوْ أرْذَلُ جَمْعُ رَذْلٍ.
﴿ بادِيَ الرَّأْيِ ﴾ ظاهِرَ الرَّأْيِ مِن غَيْرِ تَعَمُّقٍ مِنَ البَدْوِ، أوْ أوَّلَ الرَّأْيِ مِنَ البَدْءِ، والياءُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الهَمْزَةِ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالهَمْزَةِ وانْتِصابُهُ بِالظَّرْفِ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ: وقْتَ حُدُوثِ بادِي الرَّأْيِ، والعامِلُ فِيهِ ﴿ اتَّبَعَكَ ﴾ .
وإنَّما اسْتَرْذَلُوهم لِذَلِكَ أوْ لِفَقْرِهِمْ فَإنَّهم لَمّا لَمْ يَعْلَمُوا إلّا ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا كانَ الأحَظُّ بِها أشْرَفَ عِنْدَهم والمَحْرُومُ مِنها أرْذَلَ.
﴿ وَما نَرى لَكُمْ ﴾ لَكَ ولِمُتَّبِعِيكَ.
﴿ عَلَيْنا مِن فَضْلٍ ﴾ يُؤَهِّلُكم لِلنُّبُوَّةِ واسْتِحْقاقِ المُتابَعَةِ.
﴿ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ ﴾ إيّاكَ في دَعْوى النُّبُوَّةِ وإيّاهم في دَعْوى العِلْمِ بِصِدْقِكَ فَغَلَبَ المُخاطَبُ عَلى الغائِبِينَ.
<div class="verse-tafsir"
فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)
{فَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ} يريد الاشراف لأنهم يملئون القلوب هيبة والمجالس أبهة ولانهم ملئوا بالأحلام والآراء الصائبة {مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا} أرادوا أنه كان ينبغي أن يكون ملكاً أو ملكاً {وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا} أخساؤنا جمع الأرذل {بَادِىَ} وبالهمزة أبو عمرو {الرأى} وبغير همز أبو عمرو أي اتبعوك ظاهر الرأي أو أول الرأي من بدا يبدو إذا ظهر أو بدأ يبدأ إذا فعل الشيء أولاً وانتصابه على الظرف أصله وقت حدوث ظاهر رأيهم أو أول رأيهم فحذف ذلك وأقيم المضاف إليه مقامه أرادوا أن اتباعهم لك شيء عنّ لهم بديهة من غير روية ونظر ولو تفكروا ما اتبعوك وإنما استرذلوا المؤمنين لفقرهم وتأخرهم في الأسباب الدنيوية لأنهم كانوا جهالا ما كانوا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا فكان الأشراف عندهم من له جاه وما كما ترى أكثر المتسمّين بالإسلام يعتقدون ذلك ويبنون عليه إكرامهمم وإهانتهم ولقد زل عنهم أن التقدم في الدنيا لا يقرب أحداً من الله وإنما يبعده ولا يرفعه بل يضعه {وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} في مال ورأي عنوا نوحاً وأتباعه {بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذبين} أي نوحاً في الدعوة ومتبعيه في الإجابة والتصديق يعني تواطأتم على الدعوة والإجابة تسبيباً للرياسة
﴿ فَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ﴾ أيِ الأشْرافُ مِنهم -وهُوَ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ- مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ مَلِيءٌ بِكَذا إذا كانَ قادِرًا عَلَيْهِ لِأنَّهم مُلِئُوا بِكِفايَةِ الأُمُورِ وتَدْبِيرِها، أوْ لِأنَّهم مُتَمالِئُونَ أيْ مُتَظاهِرُونَ مُتَعاوِنُونَ، أوْ لِأنَّهم يَمْلَأُونَ القُلُوبَ جَلالًا، والعُيُونَ جَمالًا، والأكُفَّ نَوالًا، أوْ لِأنَّهم مَمْلُئُونَ بِالآراءِ الصّائِبَةِ والأحْلامِ الرّاجِحَةِ عَلى أنَّهُ مِنَ المَلَأِ لازِمًا، ومُتَعَدِّيًا ووَصَفَهم بِالكُفْرِ لِذَمِّهِمْ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ مِن أوَّلِ الأمْرِ لا لِأنَّ بَعْضَ أشْرافِهِمْ لَيْسُوا بِكَفَرَةٍ.
﴿ ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا ﴾ أرادُوا ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا لَيْسَ فِيكَ مَزِيَّةً تَخُصُّكَ مِن بَيْنِنا بِالنُّبُوَّةِ ولَوْ كانَ ذَلِكَ لَرَأيْناهُ لا أنَّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ لَكِنْ لا نَراهُ، وكَذا الحالُ في ﴿ وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ ﴾ فالفِعْلانِ مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ وبَشَرًا واتَّبَعَكَ حالانِ مِنَ المَفْعُولِ بِتَقْدِيرِ قَدْ في الثّانِي أوْ بِدُونِهِ عَلى الخِلافِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونا مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ وهو الظّاهِرُ فَهُما حِينَئِذٍ المَفْعُولُ الثّانِي، وتَعَلُّقُ الرَّأْيِ في الأوَّلِ بِالمِثْلِيَّةِ لا البَشَرِيَّةُ فَقَطْ، ويُفْهَمُ مِنَ الكَشّافِ أنَّ في الآيَةِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ أنَّهم أرادُوا التَّعْرِيضَ بِأنَّهم أحَقُّ بِالنُّبُوَّةِ كَأنَّهم قالُوا: هَبْ أنَّكَ مِثْلُنا في الفَضِيلَةِ والمَزِيَّةِ مِن كَثْرَةِ المالِ والجاهِ فَلِمَ اخْتَصَصْتَ بِالنُّبُوَّةِ مِن دُونِنا؟
والثّانِي أنَّهم أرادُوا أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَلَكًا لا بَشَرًا، وتَعَقَّبَ هَذا بِأنَّ فِيهِ اعْتِزالًا خَفِيًّا، وقَدْ بَيَّنَهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ ونُوزِعَ في ذَلِكَ فَفي الكَشْفِ أنَّ قَوْلَهم (مِثْلُنا) عِلْيَةٌ لِتَحْقِيقِ البَشَرِيَّةِ، وقَوْلُهم ﴿ وما نَراكَ اتَّبَعَكَ ﴾ إلَخِ..
اسْتِدْلالٌ بِأنَّهم ضُعَفاءُ العُقُولِ لا تَمْيِيزَ لَهم فَجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بَشَرًا، وقَوْلُهُمُ الآتِي ﴿ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ ﴾ تَسْجِيلٌ بِأنَّ دَعْوَةَ النُّبُوَّةِ باطِلَةٌ لِإدْخالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ والأراذِلِ في سِلْكٍ عَلى أُسْلُوبٍ يَدُلُّ عَلى أنَّهم أنْقَصُ البَشَرِ فَضْلًا عَنْ الِارْتِقاءِ، ولَيْسَ في هَذا الكَلامِ اعْتِزالٌ خَفِيٌّ ولا المَقامَ عَنْهُ أبِيٌّ انْتَهى.
وفِي الِانْتِصافِ يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا قَدْ أرادُوا الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا كَأنَّهم قالُوا: مِن حَقِّ الرَّسُولِ أنْ يَكُونَ مَلَكًا لا بَشَرًا وأنْتَ بَشَرٌ، وإنْ جازَ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بَشَرًا فَنَحْنُ أحَقُّ مِنكَ بِالرِّسالَةِ، ويَشْهَدُ لِإرادَتِهِمُ الأُولى قَوْلُهُ في الجَوابِ ﴿ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ)، ﴾ ويَشْهَدُ لِإرادَتِهِمُ الثّانِيَةُ ﴿ وما نَرى لَكُمْ)..
﴾ إلَخْ.
والظّاهِرُ أنَّ مَقْصُودَهم لَيْسَ إلّا إثْباتَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِثْلُهم ولَيْسَ فِيهِ مَزِيَّةٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْها النُّبُوَّةُ ووُجُوبُ الإطاعَةِ والاتِّباعُ، ولَعَلَّ قَوْلَهم ﴿ وما نَراكَ اتَّبَعَكَ ﴾ إلَخْ..
جَوابٌ عَمّا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ مِثْلَهم حَيْثُ اتَّبَعَهُ مَن وُفِّقَ لِاتِّباعِهِ، فَكَأنَّهم قالُوا: إنَّهُ لَمْ يُمَيِّزْكَ اتِّباعُ مَنِ اتَّبَعَكَ فَيُوجِبُ عَلَيْنا اتِّباعَكَ لِأنَّهُ لَمْ يَتْبَعْكَ ﴿ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا ﴾ أيْ أخِسّاؤُنا وأدانِينا، وهو جَمْعُ أرْذَلَ الأغْلَبُ الأقْيَسُ في مِثْلِهِ إذا أُرِيدَ جَمْعُهُ أنْ يَجْمَعَ جَمْعَ سَلامَةٍ كالأخْسَرُونَ جَمْعُ أخْسَرَ لَكِنَّهُ كُسِرَ هُنا لِأنَّهُ صارَ بِالغَلَبَةِ جارِيًا مَجْرى الِاسْمِ، ولِذا جُعِلَ في القامُوسِ الرَّذْلِ والأرْذَلُ بِمَعْنًى وهو الخَسِيسُ الدَّنِيءُ، ومَعْنى جَرَيانِهِ مَجْرى الِاسْمِ أنَّهُ لا يَكادُ يُذْكَرُ المَوْصُوفُ مَعَهُ كالأبْطَحِ والأبْرَقِ.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ أرْذَلَ جَمْعِ رَذْلٍ فَهو جَمْعُ الجَمْعِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ أكالِبُ وأكْلُبُ وكَلْبٌ وكَوْنُهُ جَمْعَ رَذْلٍ مُخالِفٌ لِلْقِياسِ وإنَّما لَمْ يَقُولُوا: إلّا أراذِلُنا مُبالَغَةً في اسْتِرْذالِهِمْ وكَأنَّهم إنَّما اسْتَرْذَلُوهم لِفَقْرِهِمْ؛ لِأنَّهم لَمّا لَمْ يَعْلَمُوا إلّا ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا كانَ الأشْرَفُ عِنْدَهُمُ الأكْثَرَ مِنها حَظًّا، والأرْذَلُ مَن حُرِمَها، ولَمْ يَفْقَهُوا أنَّ الدُّنْيا بِحَذافِيرِها لا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى جَناحَ بَعُوضَةٍ، وأنَّ النَّعِيمَ إنَّما هو نَعِيمُ الآخِرَةِ، والأشْرَفُ مَن فازَ بِهِ والأرْذَلُ مَن حُرِمَهُ، ومِثْلُ هَؤُلاءِ في الجَهْلِ كَثِيرٌ مِن أهْلِ هَذا الزَّمانِ عافانا اللَّهُ سُبْحانَهُ مِمّا هم فِيهِ مِنَ الخِذْلانِ والحِرْمانِ، وكانَ القَوْمُ عَلى ما في بَعْضِ الأخْبارِ حاكَّةً وأساكِفَةً وحَجّامِينَ وأرادُوا بِقَوْلِهِمْ ﴿ بادِيَ الرَّأْيِ ﴾ ظاهِرَهُ وهو ما يَكُونُ مِن غَيْرِ تَعَمُّقٍ، والرَّأْيُ مِن رُؤْيَةِ الفِكْرِ والتَّأمُّلِ، وقِيلَ: مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ ولَيْسَ بِذاكَ.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ البادِي بِمَعْنى الأوَّلِ، وهو عَلى الأوَّلِ مِنَ البُدُوِّ، وعَلى الثّانِي مِنَ البَدْءِ، والياءُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الهَمْزَةِ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، وقَدْ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعِيسى الثَّقَفِيُّ بِها، وانْتِصابُهُ عَلى القِراءَتَيْنِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ -لِاتَّبَعَكَ- عَلى مَعْنى اتَّبَعُوكَ في ظاهِرِ رَأْيِهِمْ أوْ أوَّلِهِ، ولَمْ يَتَأمَّلُوا ولَمْ يَتَثَبَّتُوا ولَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَمْ يَتَّبِعُوكَ، وغَرَضُهم مِن هَذا المُبالَغَةَ في عَدَمِ اعْتِبارِ ذَلِكَ الاتِّباعِ، وجَعَلَ ذَلِكَ بَعْضُهم عِلَّةَ الِاسْتِرْذالِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: المَعْنى إنَّهُمُ اتَّبَعُوكَ في أوَّلِ رَأْيِهِمْ أوْ ظاهِرِهِ ولَيْسُوا مَعَكَ في الباطِنِ.
واسْتُشْكِلَ هَذا التَّعَلُّقُ بِأنَّ ما قَبْلَ (إلّا) لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها إلّا إذا كانَ مُسْتَثْنًى مِنهُ نَحْوَ: ما قامَ إلّا زَيْدًا القَوْمُ، أوْ مُسْتَثْنًى نَحْوَ: جاءَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا، أوْ تابِعًا لِلْمُسْتَثْنى مِنهُ نَحْوَ: ما جاءَنِي أحَدٌ إلّا زَيْدًا خَيْرُ مِن عَمْرٍو، و ﴿ بادِيَ الرَّأْيِ ﴾ لَيْسَ واحِدًا مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ في بادِي الرَّأْيِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُغْتَفَرُ ذَلِكَ في الظَّرْفِ لِأنَّهُ يُتَّسَعُ فِيهِ ما لا يُتَّسَعُ في غَيْرِهِ، واسْتُشْكِلَ أمْرُ الظَّرْفِيَّةِ بِأنَّ فاعِلًا لَيْسَ بِظَرْفٍ في الأصْلِ، وقالَ مَكِّيٌّ: إنَّما جازَ في فاعِلٍ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا كَما جازَ في فَعِيلٍ كَقَرِيبٍ ومَلِيءٍ؛ لِإضافَتِهِ إلى الرَّأْيِ وهو كَثِيرًا ما يُضافُ إلى المَصْدَرِ الَّذِي يَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ نَحْوَ جَهْدَ رَأْيِي أنَّكَ مُنْطَلِقٌ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتابَعَهُ غَيْرُهُ أنَّ الأصْلَ وقْتُ حُدُوثِ أوَّلِ أمْرِهِمْ أوْ وقْتُ حُدُوثِ ظاهِرِ رَأْيِهِمْ فَحُذِفَ ذَلِكَ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، ولَعَلَّ تَقْدِيرَ الوَقْتِ لِيَكُونَ نائِبًا عَنِ الظَّرْفِ فَيَنْتَصِبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، واعْتِبارُ الحُدُوثِ بِناءً عَلى أنَّ اسْمَ الفاعِلِ لا يَنُوبُ عَنِ الظَّرْفِ ويَنْتَصِبُ، والمَصْدَرُ يَنُوبُ عَنْهُ كَثِيرًا فَأشارُوا بِذِكْرِهِ إلى أنَّهُ مُتَضَمِّنُ مَعْنى الحُدُوثِ بِمَعْنَيَيْهِ فَلِذا جازَ فِيهِ ذَلِكَ، ولَيْسَ مُرادُهم أنَّهُ مَحْذُوفٌ إذْ لا داعِيَ لِذَلِكَ في المَعْنى عَلى التَّفْسِيرَيْنِ، وما ذَكَرُوهُ هُنا مِن أنَّ الصِّفاتِ لا يَنُوبُ مِنها عَنِ الظَّرْفِ إلّا فَعِيلٌ مِنَ الفَوائِدِ الغَرِيبَةِ كَما قالَ الشِّهابُ- لَكِنِ اسْتَدْرَكَهُ بِالمَنعِ لِأنَّ فاعِلًا وقَعَ ظَرْفًا كَثِيرًا كَفَعِيلٍ، وذَلِكَ مِثْلُ خارِجِ الدّارِ، وباطِنِ الأمْرِ وظاهِرِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، وقِيلَ: هو ظَرْفٌ -لِنَراكَ- أيْ ما نَراكَ في أوَّلِ رَأْيِنا أوْ فِيما يَظْهَرُ مِنهُ، وقِيلَ: لِأراذِلِنا أيْ أنَّهم أراذِلُ في أوَّلِ النَّظَرِ أوْ ظاهِرِهِ لِأنَّ رَذالَتَهم مَكْشُوفَةٌ لا تَحْتاجُ إلى تَأمُّلٍ.
وقِيلَ: هو نَعْتٌ -لِبَشَرًا- وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ نُوحٍ في ( اتَّبَعَكَ ) أيْ وأنْتَ مَكْشُوفُ الرَّأْيِ لا حَصافَةَ فِيكَ، وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى النِّداءِ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ -أيْ يا بادِيَ الرَّأْيِ- أيْ ما في نَفْسِكَ مِنَ الرَّأْيِ ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ عَلى فاعِلٍ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ والعامِلُ فِيهِ ما تَقَدَّمَ عَلى تَقْدِيرِ الظَّرْفِيَّةِ.
﴿ وما نَرى لَكُمْ ﴾ خِطابٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِمُتَّبِعِيهِ جَمِيعًا عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ أيْ وما نَرى لَكَ ولِمُتَّبِعِيكَ ﴿ عَلَيْنا مِن فَضْلٍ ﴾ أيْ زِيادَةٍ تُؤَهِّلُكم لِاتِّباعِنا لَكُمْ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُ ذَلِكَ بِالزِّيادَةِ في الخَلْقِ والخُلُقِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ تَفْسِيرُهُ بِكَثْرَةِ المَلْكِ والمُلْكِ، ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أوْلى وكَأنَّ مُرادَهم نَفْيُ رُؤْيَةِ فَضْلٍ بَعْدَ الاتِّباعِ أيْ ما نَرى فِيكَ وفِيهِمْ بَعْدَ الِاتِّباعِ فَضِيلَةً عَلَيْنا لِنَتَّبِعَ وإلّا فَهم قَدْ نَفَوْا أوَّلًا أفْضَلِيَّتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِمْ ﴿ ما نَراكَ ﴾ إلَخْ وصَرَّحُوا بِأنَّ مُتَّبِعِيهِ -وحاشاهُمْ- أراذِلُ، وهو مُسْتَلْزِمٌ لِنَفْيِ رُؤْيَةِ فَضْلٍ لَهم عَلَيْهِمْ.
وقِيلَ: إنَّ هَذا تَأْكِيدٌ لِما فُهِمَ أوَّلًا، وقِيلَ: الخِطابُ لِأتْباعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَطْ فَيَكُونُ التِفاتًا أيْ ما نَرى لَكم عَلَيْنا شَرَفًا في تِلْكَ التَّبَعِيَّةِ لِنُوافِقَكم فِيها، وحُمِلَ الفَضْلُ عَلى التَّفَضُّلِ والإحْسانِ في احْتِمالَيِ الخِطابِ عَلى أنْ يَكُونَ مُرادُ المَلَأِ مِن جَوابِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ دَعاهم إلى ما دَعاهم إلَيْهِ أنّا لا نَتَّبِعُكَ ولا نَتْرُكُ ما نَحْنُ عَلَيْهِ لِقَوْلِكَ لِأنَّكَ بَشَرٌ مِثْلُنا لَيْسَ فِيكَ ما يَسْتَدْعِي نُبُوَّتَكَ وكَوْنَكَ رَسُولَ اللَّهِ تَعالى إلَيْنا بِذَلِكَ وأتْباعُكَ أراذِلُ اتَّبَعُوكَ مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ وتَثَبُّتٍ، فَلا يَدُلُّ اتِّباعُهم عَلى أنَّ فِيكَ ما يَسْتَدْعِي ذَلِكَ وخَفِيَ عَنّا، وأيْضًا لَسْتَ ذا تَفَضُّلٍ عَلَيْنا لِيَكُونَ تَفَضُّلُكَ داعِيًا لَنا لِمُوافَقَتِكَ كَيْفَما كُنْتَ ولا أتْباعُكَ ذَوُو تَفَضُّلٍ عَلَيْنا لِنُوافِقَهم وإنْ كانُوا أراذِلَ مُراعاةً لِحَقِّ التَّفَضُّلِ، فَإنَّ الإنْسانَ قَدْ يُوافِقُ الرَّذِيلَ لِتَفَضُّلِهِ ولا يُبالِي بِكَوْنِهِ رَذِيلًا لِذَلِكَ مِمّا يَدُورُ في الخُلْدِ إلّا أنَّ في القَلْبِ مِنهُ شَيْئًا ﴿ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ ﴾ جَمِيعًا لِكَوْنِ كَلامِهِمْ واحِدًا ودَعْوَتِكم واحِدَةً أوْ إيّاكَ في دَعْوى النُّبُوَّةِ وإيّاهم في تَصْدِيقِكَ، قِيلَ: واقْتَصَرُوا عَلى الظَّنِّ احْتِرازًا مِنهم عَنْ نِسْبَتِهِمْ إلى المُجازَفَةِ كَما أنَّهم عَبَّرُوا بِما عَبَّرُوا أوَّلًا لِذَلِكَ مَعَ التَّعْرِيضِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِرَأْيِ المُتَّبَعِينَ ومُجاراةً مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِطَرِيقِ الآراءِ عَلى نَهْجِ الإنْصافِ <div class="verse-tafsir"
ثم ضرب مثل المؤمنين والكافرين فقال تعالى: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ يعني: مثل المؤمن والكافر، مثل الذي يبصر الحق، ومثل الذي لا يبصر الحق: كَالْأَعْمى يعني: عن الإيمان، ولا يبصره، وَالْأَصَمِّ عن الإيمان، ولا يسمعه، وهو الكافر، وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ وهو المؤمن.
هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا في الشبه؟
ويقال: معناه، مثل الفريقين كالأعمى والأصم، والبصير والسميع، يعني: الذي لا يسمع من الذي لا يسمع ولا يبصر، هل يستوي بالذي يسمع ويبصر؟
ويقال معناه: كالأعمى والبصير، والأصم والسميع.
وقال النبيّ لكفار مكة: «هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالبَصِيرُ والأصَمُّ وَالسَّمِيعُ؟» قالوا لا.
قال: أَفَلا تَذَكَّرُونَ يعني: أنهما لا يستويان.
قرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ بالتخفيف، وقرأ الباقون: أَفَلا تَذَكَّرُونَ بالتشديد.
ثم قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ قرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، إِنِّي لَكُمْ بكسر الألف، ومعناه: قال لهم إنِّي لكم نذير.
وقرأ الباقون: بالنصب، ومعناه: ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه بالإنذار.
وفي الآية تهديد لأهل مكة، ومعناه: واتل عليهم نبأ نوح، يعني: إن لم يتّعظوا بما ذكرت، فاتل عليهم خبر نوح.
وروى أبو صالح، عن ابن عباس: «أن نوحاً أوحي إليه وهو ابن أربعمائة وثمانون سنة، فدعا قومه مائة وعشرين سنة، وركب السفينة وهو ابن ستمائة سنة، ومكث بعد هلاك قومه ثلاثمائة وخمسين سنة، فذلك ألف سنة إلا خمسين عاماً» ، وذكر عن وهب بن منبه، قال: «أوحى الله تعالى إلى نوح وهو ابن خمسين سنة ولبث فيما بينهم تسعمائة وخمسين سنة، فلما هلك قومه عاش بعدهم خمسين سنة، فتمام عمره ألف وخمسون سنة» .
وقال عكرمة: «إنما سُمِّي نوحاً لأنه كان ينوح على أهله ونفسه» .
ويقال: كان اسمه شاكرا، فمن كثرة نواحه على نفسه، سُمِّيَ نوحاً، فدعا قومه إلى الله تعالى وقال لهم: إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ من العذاب.
ويقال: مُبِينٌ يعني: بين بلغة تعرفونها أَنْ لاَّ تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ يعني: ألا تطيعوا ولا توحِّدوا إلا الله، إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ يعني: الغرق.
قال الله تعالى: فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ يعني: الأشراف من قومه مَا نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا يعني: آدمياً مثلنا، وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ يعني: ما آمن بك إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا يعني: سفلتنا وضعفاؤنا بادِيَ الرَّأْيِ.
قال الكلبي: ظاهر الرأي، يعني: إنهم يعرفون الظاهر، فلا تمييز لهم.
وقال مقاتل: يعني: أراذلنا أي سفلتنا وضعفاؤنا.
وقال القتبي: أَراذِلُنا يعني: شرارنا، وهو جمع أرذل.
وقوله: بادِيَ الرَّأْيِ، بغير همز، أي ظاهر الرأي، من بدا يبدو.
وأما بالهمز، فيعني: أول الرأي، من قولك: بدأ يبدأ.
قرأ أبو عمرو: بادِيَ الرَّأْيِ بالهمز، وقرأ الباقون: على ضد ذلك.
ثم قال: وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ أي قوم نوح قالوا لنوح: ما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ في مُلْكٍ ولا مال، بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ يعني: نحسبك من الكاذبين.
وقد يخاطب الواحد بلفظ الجماعة، ويقال: إنما أراد به نوحاً ومن آمن معه.
<div class="verse-tafsir"
وقيل: اطمأنوا قاله مجاهد «١» وقيل: خافوا قاله ابن عباس «٢» أيضاً، وهذه أقوالٌ بعضها قريبٌ من بعض.
وقوله سبحانه: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ ...
الآية، «الفريقان» الكافرون والمؤمنون، شبه الكافِرَ بالأعمَى والأصمِّ، وشبه المؤمنَ بالبصيرِ والسميعِ، فهو تمثيلٌ بمثالين.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (٢٧)
وقوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنْ لاَّ تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا ...
الآية: فيها تمثيلٌ لقريشٍ وكفَّار العرب، وإِعلامٌ بأَن محمَّداً عليه السلام ليس بِبِدْعٍ من الرسل، و «الأراذل» جَمْعُ الجمعِ، فقيل: جمع أَرْذُلٍ، وقيل: جَمْعُ أَرْذَالٍ، وهم سِفْلَة النَّاسِ، ومَنْ لا خَلاَقَ له ولا يبالِي ما يَقُولُ، ولا ما يُقَالُ له، وقرأ الجمهور «٣» :
«بَادِيَ الرَّأْي» - بياء دون همز- من بَدَا يَبْدُو، فيحتمل أنْ يتعلَّق «بَادِيَ الرَّأْي» ب «نَرَاكَ» ، أي: وما نراك بأولِ نَظَرٍ وأقلِّ فكرة، وذلك هو بَادِي الرأيِ إِلاَّ ومتَّبِعُوكَ أراذلُنا، ويحتمل أنْ يتعلق بقوله: اتَّبَعَكَ، أيْ: وما نَرَاكَ اتبعك بَادِيَ الرَّأي إِلا الأراذلُ، ثم يحتملُ علَى هذا قوله: بادِيَ الرَّأْيِ معنيين:
أحدهما: أَنْ يريدوا: اتبعك في ظاهر أمرهم، وعسَى أنَّ بواطنهم ليستْ معك.
والثاني: أن يريدوا: اتبعوك بأول نَظَرٍ، وبالرأْيِ البادِي، دون تثبُّت.
ويحتملُ أنْ يكون قولهم: بادِيَ الرَّأْيِ وصْفاً منهم لنوحٍ، أي: تدَّعِي عظيماً وأَنْتَ مكشوفُ الرأْي، لا حَصَافَة لك، ونصبُهُ على الحالِ، أو على الصفة ل «بشر» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ " أنِّي " بِفَتْحِ الألِفِ، والتَّقْدِيرُ: أرْسَلْناهُ بِأنِّي، وكَأنَّ الوَجْهَ بِأنَّهُ لَهم نَذِيرٌ، ولَكِنَّهُ عَلى الرُّجُوعِ مِنَ الإخْبارِ عَنِ الغائِبِ إلى خِطابِ نُوحٍ قَوْمَهُ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ " إنِّي " بِكَسْرِ الألِفِ، فَحَمَلُوهُ عَلى القَوْلِ المُضْمَرِ، والتَّقْدِيرُ فَقالَ لَهم: إنِّي لَكم نَذِيرٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا ﴾ أيْ: إنْسانًا مِثْلَنا، لا فَضْلَ لَكَ عَلَيْنا.
فَأمّا الأراذِلُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ السَّفِلَةُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هم جَمْعُ " أرْذَلَ "، يُقالُ: رَجُلٌ رَذْلٌ، وقَدْ رَذُلَ رَذالَةً ورُذُولَةً.
ومَعْنى الأراذِلِ: الشِّرارُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بادِيَ الرَّأْيِ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ " بادِيَ " بِغَيْرِ هَمْزٍ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالهَمْزِ بَعْدَ الدّالِ.
وكُلُّهم هَمَزَ " الرَّأْيَ " غَيْرَ أبِي عَمْرٍو.
ولِلْعُلَماءِ في مَعْنى " بادِي " إذا لَمْ يُهْمَزُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المَعْنى: ما نَرى أتْباعَكَ إلّا سَفِلَتَنا وأرْذالَنا في بادِي الرَّأْيِ لِكُلِّ ناظِرٍ، يَعْنُونَ أنَّ ما وصَفْناهم بِهِ مِنَ النَّقْصِ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ فَيُخالِفَنا، هَذا مَذْهَبُ مُقاتِلٍ في آخَرِينَ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ اتَّبَعُوكَ في ظاهِرِ ما يُرى مِنهم، وطَوِيَّتُهم عَلى خِلافِكَ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: اتَّبَعُوكَ في ظاهِرِ رَأْيِهِمْ، ولَمْ يَتَدَبَّرُوا ما قُلْتَ، ولَوْ رَجَعُوا إلى التَّفَكُّرِ لَمْ يَتَّبِعُوكَ، ذَكَرَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ الزَّجّاجُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذِهِ الثَّلاثَةُ الأقْوالِ عَلى قِراءَةِ مَن لَمْ يَهْمِزْ، لِأنَّهُ مِن بَدا، يَبْدُو: إذا ظَهَرَ.
فَأمّا مَن هَمَزَ " بادِئَ " فَمَعْناهُ: ابْتِداءُ الرَّأْيِ، أيِ: اتَّبَعُوكَ أوَّلَ ما ابْتَدَؤُوا يَنْظُرُونَ، ولَوْ فَكَّرُوا لَمْ يَعْدِلُوا عَنْ مُوافَقَتِنا في تَكْذِيبِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مِن فَضْلٍ في الخَلْقِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: في المُلْكِ والمالِ ونَحْوِ ذَلِكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: ما فُضِّلْتُمْ بِاتِّباعِكم نُوحًا، ومُخالَفَتِكم لَنا بِفَضِيلَةٍ نَتْبَعُكم طَلَبًا لَها، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: نَتَيَقَّنُكم، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والثّانِي: نَحْسَبُكم، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ﴾ أيْ: عَلى يَقِينٍ وبَصِيرَةٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَوْلُهُ: " إنْ كُنْتُ " شَرْطٌ لا يُوجِبُ شَكًّا يَلْحَقُهُ، لَكِنَّ الشَّكَّ يَلْحَقُ المُخاطَبِينَ مِن أهْلِ الزَّيْغِ، فَتَقْدِيرُهُ: إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي عِنْدَكم.
﴿ وَآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها النُّبُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الهِدايَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " فَعَمِيَتْ " بِتَخْفِيفِ المِيمِ وفَتْحِ العَيْنِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَعْنى عَمِيتُمْ عَنْها، يُقالُ عَمِيَ عَلَيَّ هَذا الأمْرُ: إذا لَمْ أفْهَمْهُ، وعَمِيتُ عَنْهُ بِمَعْنًى.
قالَ الفَرّاءُ: وهَذا مِمّا حَوَّلَتِ العَرَبُ الفِعْلَ إلَيْهِ، وهو في الأصْلِ لِغَيْرِهِ، كَقَوْلِهِمْ: دَخَلَ الخاتَمُ في يَدِي، والخُفُّ في رِجْلِي، وإنَّما الإصْبَعُ تَدَخُلُ في الخاتَمِ، والرِّجْلُ في الخُفِّ، واسْتَجازُوا ذَلِكَ إذْ كانَ المَعْنى مَعْرُوفًا.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " فَعُمِّيَتْ " بِضَمِّ العَيْنِ وتَشْدِيدِ المِيمِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَعْنى ذَلِكَ: فَعَمّاها اللَّهُ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ مِمَّنْ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالشَّقاءِ.
وكَذَلِكَ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والأعْمَشُ: " فَعَمّاها عَلَيْكم " .
وَفِي المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ: أحَدُهُما: البَيِّنَةُ والثّانِي: الرَّحْمَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنُلْزِمُكُمُوها ﴾ أيْ: أنُلْزِمُكم قَبُولَها ؟
وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ، يَقُولُ: لا نَقْدِرُ أنْ نُلْزِمَكم مِن ذاتِ أنْفُسِنا.
قالَ قَتادَةُ: واللَّهِ لَوِ اسْتَطاعَ نَبِيُّ اللَّهِ لَألْزَمَها قَوْمَهُ، ولَكِنْ لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ.
وقِيلَ: كانَ مُرادُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ رَدَّ قَوْلِهِمْ: ﴿ وَما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ ﴾ فَبَيَّنَ فَضْلَهُ وفَضْلَ مَن آمَنَ بِهِ بِأنَّهُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ، وقَدْ آتاهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ وسُلِبَ المُكَذِّبُونَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا أسْألُكم عَلَيْهِ ﴾ أيْ: عَلى نُصْحِي ودُعائِي إيّاكم ﴿ مالا ﴾ فَتَتَّهِمُونِي.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا كانَتِ الرَّحْمَةُ بِمَعْنى الهُدى والإيمانِ، جازَ تَذْكِيرُها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: سَألُوهُ طَرْدَهم أنَفَةً مِنهم، فَقالَ: لا يَجُوزُ لِي طَرْدُهم، إذْ كانُوا يَلْقَوْنَ اللَّهَ فَيَجْزِيهِمْ بِإيمانِهِمْ، ويَأْخُذُ لَهم مِمَّنْ ظَلَمَهم وصَغَّرَ شُؤُونَهم.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَلَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تَجْهَلُونَ أنَّ هَذا الأمْرَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: تَجْهَلُونَ لِأمْرِكم إيّايَ بِطَرْدِ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ أنْ لا تَعْبُدُوا إلا اللهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ ﴾ ﴿ فَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَأْيِ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ ﴾ هَذِهِ آيَةُ قَصَصٍ فِيهِ تَمْثِيلٌ لِقُرَيْشٍ وكُفّارِ العَرَبِ وإعْلامُ مُحَمَّدٍ لَيْسَ بِبِدْعٍ مِنَ الرُسُلِ.
ورُوِيَ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ أوَّلُ رَسُولٍ إلى الناسِ.
ورُوِيَ أنَّ إدْرِيسَ نَبِيٌّ مِن بَنِي آدَمَ إلّا أنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ، فَرِسالَةُ نُوحٍ إنَّما كانَتْ إلى قَوْمِهِ كَسائِرِ الأنْبِياءِ، وأمّا الرِسالَةُ العامَّةُ فَلَمْ تَكُنْ إلّا لِمُحَمَّدٍ .
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "أنِّي" بِفَتْحِ الألِفِ.
فالكَسْرُ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، والمَعْنى: قالَ لَهُمْ: ﴿ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْلُهُ: ( ألّا تَعْبُدُوا ) مَعْمُولًا لِـ "أرْسَلْنا"، أيْ: أرْسَلْنا نُوحًا بِألّا تَعْبُدُوا إلّا اللهَ، واعْتُرِضَ أثْناءَ الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ ، والفَتْحُ عَلى إعْمالِ "أرْسَلْنا" في "أنِّي" أيْ: بِأنِّي لَكم نَذِيرٌ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: وفي هَذِهِ القِراءَةِ خُرُوجٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُخاطَبَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ، وإنَّما هي حِكايَةُ مُخاطَبَتِهِ لِقَوْلِهِ، ولَيْسَ هَذا حَقِيقَةَ الخُرُوجِ مِن غَيْبَةٍ إلى مُخاطَبَةٍ، ولَوْ كانَ الكَلامُ: أنْ أنْذِرْهم ونَحْوَهُ لَصَحَّ ذَلِكَ.
و"النَذِيرُ" لِلتَّحَفُّظِ مِنَ المَكارِهِ بِأنْ يُعَرِّفَها ويُنَبِّهَ عَلَيْها ومُبِينٌ مِن أبانَ يُبِينُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ( ألا تَعْبُدُوا إلا اللهَ ) ظاهِرٌ في أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأوثانَ ونَحْوَها، وذَلِكَ بَيِّنٌ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.
و"ألِيمٌ" مَعْناهُ: مُؤْلِمٌ، ووُصِفَ بِهِ اليَوْمُ وحَقُّهُ أنْ يُوصَفَ بِهِ العَذابُ تَجَوُّزًا إذِ العَذابُ في اليَوْمِ، فَهو كَقَوْلِهِمْ: نَهارٌ صائِمٌ ولَيْلٌ قائِمٌ.
و"المَلَأُ" الجَمْعُ والأكْثَرُ مِنَ القَبِيلَةِ والمَدِينَةِ ونَحْوِهِ، ويُسَمّى الأشْرافُ مَلَأً إذْ هم عُمْدَةُ المَلَإ والسادُّونَ مَسَدَّهُ في الآراءِ والأُمُورِ، وكُلُّ جَماعَةٍ كَبِيرَةٍ مَلَأٌ.
ولَمّا قالَ لَهم نُوحٌ: ﴿ إنِّي لَكم نَذِيرٌ ﴾ قالُوا: ﴿ ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا ﴾ أيْ واللهُ لا يَبْعَثُ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ، فَأحالُوا الجائِزَ عَلى اللهِ تَعالى.
و"الأراذِلُ" جَمْعُ أرْذَلَ، وقِيلَ: جَمْعُ أرْذَلُ وأرْذالٌ جَمْعُ رَذْلٍ وكانَ اللازِمُ -عَلى هَذا- أنْ يُقالَ: أراذِيلُ وإذا ثَبَتَتِ الياءُ في جَمْعِ "صَيْرَفٍ" فَأحْرى ألّا تُزالَ في مَوْضِعِ اسْتِحْقاقِها.
وهم سَفِلَةُ الناسِ ومَن لا أخْلاقَ لَهُ، ولا يُبالى ما يَقُولُ ولا ما يُقالُ لَهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ "بادِيَ الرَأْيِ" بِياءٍ دُونَ هَمْزٍ، مِن بَدا يَبْدُو، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن بَدَأ مُسَهَّلًا، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعِيسى الثَقَفِيُّ "بادِئَ الرَأْيِ" بِالهَمْزِ مِن بَدَأ يَبْدَأُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبَيْنَ القِراءَتَيْنِ اخْتِلافٌ في المَعْنى يُعْطِيهِ التَدَبُّرُ، فَتَرَكْتُ التَطْوِيلَ بِبَسْطِهِ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أمّا بادِئَ بَدْءٍ فَإنِّي أحْمَدُ اللهَ"، "وَأمّا بادِيَ بَدْيٍ"، بِغَيْرِ هَمْزِ فِيهِما، وقالَ الراجِزُ: أضْحى لِخالِي شَبَهِي بادِيَ بَدِي ∗∗∗ وصارَ لِلْفَحْلِ لِسانِي ويَدِي وقالَ الآخَرُ: وقَدْ عَلَتْنِي ذُرْأةٌ بادِي بَدِي.
وَقَرَأ الجُمْهُورُ بِهَمْزِ "الرَأْيِ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِتَرْكِ الهَمْزِ.
و"بادِيَ" نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ وصَحَّ أنْ يَكُونَ اسْمَ الفاعِلِ ظَرْفًا كَما يَصِحُّ في قَرِيبٍ ونَحْوِهِ، وفَعِيلٌ وفاعِلٌ مُتَعاقِبانِ أبَدًا عَلى مَعْنًى واحِدٍ، وفي المَصْدَرِ كَقَوْلِكَ: جَهْدَ نَفْسِي أُحِبُّ كَذا وكَذا.
وتَعَلُّقُ قَوْلِهِ: ﴿ بادِيَ الرَأْيِ ﴾ يَحْتَمِلُ سِتَّةَ أوجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ "نَراكَ" بِأوَّلِ نَظَرٍ وأقَلِّ فِكْرَةٍ، وذَلِكَ هو بادِيَ الرَأْيِ، أيْ إلّا ومُتَّبِعُوكَ أراذِلُنا.
والثانِي: أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: "اتَّبَعَكَ" أيْ، وما نَراكَ اتَّبَعَكَ بادِيَ الرَأْيِ إلّا الأراذِلُ ثُمَّ يَحْتَمِلُ -عَلى هَذا- وقَوْلُهُ: ﴿ بادِيَ الرَأْيِ ﴾ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُرِيدَ: اتَّبَعَكَ في ظاهِرِ أمْرِهِمْ وعَسى أنَّ بَواطِنَهم لَيْسَتْ مَعَكَ.
والثانِي: أنِ اتَّبَعُوكَ بِأوَّلِ نَظَرٍ وبِالرَأْيِ البادِي دُونَ تَعَقُّبٍ، ولَوْ تَثَبَّتُوكَ لَمْ يَتَّبِعُوكَ، وفي هَذا الوَجْهِ ذَمُّ الرَأْيِ الغَيْرِ المَرْوِيِّ.
والوَجْهُ الثالِثُ: مِن تَعَلُّقِ قَوْلِهِ: ﴿ بادِيَ الرَأْيِ ﴾ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: "أراذِلُنا" أيِ: الَّذِينَ هم أراذِلُنا بِأوَّلِ نَظَرٍ فِيهِمْ، وبِبادِي الرَأْيِ يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنهم.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ: "بادِيَ الرَأْيِ" وصْفًا مِنهم لِنُوحٍ، أيْ: تَدَّعِي عَظِيمًا وأنْتَ مَكْشُوفُ الرَأْيِ لا حَصافَةَ لَكَ، ونَصْبَهُ عَلى الحالِ وعَلى الصِفَةِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا في الكَلامِ مُخاطَبَةً لِمُحَمَّدٍ .
ويَجِيءُ جَمِيعُ هَذا سِتَّةَ مَعانٍ، ويَجُوزُ التَعَلُّقُ في هَذا الوَجْهِ بِـ"قالَ".
ومَعْنى: ﴿ وَما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ ﴾ أيْ: ما ثَمَّ شَيْءٌ تَسْتَحِقُّونَ بِهِ الِاتِّباعَ والطاعَةَ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنَّهم خاطَبُوا نُوحًا ومَن آمَنَ مَعَهُ مِن قَوْمِهِ، أيْ: أنْتُمْ كاذِبُونَ في تَصْدِيقِكم هَذا الكاذِبَ، وقَوْلِكم إنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ.
ويَحْتَمِلُ أنَّهم خاطَبُوا نُوحًا وحْدَهُ فَيَكُونَ مِن بابِ قَوْلِهِ: ﴿ يا أيُّها النَبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
عطف قول المَلأ من قومه بالفاء على فعل ﴿ أرسلنا ﴾ [هود: 25] للإشارة إلى أنهم بادروه بالتكذيب والمجادلة الباطلة لمّا قال لهم: ﴿ إني لكم نذيرٌ مبينٌ ﴾ [هود: 25] إلى آخره.
ولم تقع حكاية ابتداء محاورتهم إياه ب (قال) مجرداً عن الفاء كما وقع في الأعراف لأن ابتداء محاورته إياهم هنا لم يقع بلفظ القول فلم يحك جوابهم بطريقة المحاورات بخلاف آية الأعراف.
والملأ: سادة القوم.
وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ قال الملأ من قومه إنّا لنراك في ضلال مبين ﴾ في سورة [الأعراف: 60].
جزموا بتكذيبه فقدموا لذلك مقدمات استخلصوا منها تكذيبه، وتلك مقدمات باطلة أقاموها على ما شاع بينهم من المغالطات الباطلة التي روجها الإلف والعادة فكانوا يعدون التفاضل بالسؤدد وهو شرف مصطلح عليه قوامه الشجاعة والكرم، وكانوا يجعلون أسباب السؤدد أسباباً مادية جسدية، فيسوّدون أصحاب الأجسام البَهْجة كأنهم خشب مسندة لأنهم ببساطة مداركهم العقلية يعظمون حسن الذوات، ويسوّدون أهل الغنى لأنهم يطمعون في نوالهم، ويسوّدون الأبطال لأنهم يُعدونهم لدفاع أعدائهم.
ثم هم يعرفون أصحاب تلك الخلال إمّا بمخالطتهم وإما بمخالطة أتباعهم فإذا تسامعوا بسيّد قوم ولم يعرفوه تعرّفوا أتباعَه وأنصاره، فإن كانوا من الأشراف والسادة علموا أنهم ما اتّبعوه إلا لما رأوا فيه من موجبات السيادة؛ وهذه أسباب ملائمة لأحوال أهل الضلالة إذ لا عناية لهم بالجانب النفساني من الهيكل الإنساني.
فلما دعاهم نوح عليه السّلام دعوةً علموا منها أنّه يقودهم إلى طاعته ففكروا وقدّروا فرأوا الأسباب المألوفة بينهم للسؤدد مفقودة من نوح عليه السلام ومن الذين اتّبعوه فجزموا بأنه غير حقيق بالسيادة عليهم فجزموا بتكذيبه فيما ادّعاه من الرسالة بسيادة للأمة وقيادة لها.
وهؤلاء لقصود عقولهم وضعف مداركهم لم يبلغوا إدراك أسباب الكمال الحق، فذهبوا يتطلّبون الكمال من أعراض تعرض للناس بالصدفة من سعة مال، أو قوة أتباع، أو عزة قبيلة.
وتلك أشياء لا يطرد أثرها في جلب النفع العام ولا إشعار لها بكمال صاحبها إذ يشاركه فيها أقل الناس عقولاً، والحيوان الأعجم مثل البقرة بما في ضرعها من لبن، والشاة بما على ظهرها من صوف، بل غالب حالها أنها بضد ذلك.
وربما تطلبوا الكمال في أجناس غير مألوفة كالجن، أو زيادة خلقة لا أثر لها في عمل المتصف بها مثل جمال الصورة وكمال القامة، وتلك وإن كانت ملازمة لموصوفاتها لكنّها لا تفيدهم أن يكونوا مصادر كمالات، فقد يشاركهم فيها كثير من العجماوات كالظباء والمَها والطواويس، فإن ارتقوا على ذلك تطلبوا الكمال في أسباب القوة والعزة من بسطة الجسم وإجادة الرماية والمجالدة والشجاعة على لقاء العدو.
وهذه أشبه بأن تعدّ في أسباب الكمال ولكنها مكمّلات للكمال الإنساني لأنها آلات لإنقاذ المقاصد السامية عند أهل العقول الراجحة والحكمة الإلهية كالأنبياء والملوك الصالحين، وبدون ذلك تكون آلات لإنفاذ المقاصد السيّئة مثل شجاعة أهل الحرابة وقطّاع الطريق والشّطّار، ومثل القوة على خلع الأبواب لاقتحام منازل الآمنين.
وإنما الكمال الحق هو زكاء النفس واستقامة العقل، فهما السبب المطّرد لإيصال المنافع العامة لما في هذا العالم، ولهما تكون القوى المنفّذة خادمة كالشجاعة للمدافعين عن الحق والملجئين للطغاة على الخنوع إلى الدّين، على أن ذلك معرض للخطأ وغيبة الصواب فلا يكون له العصمة من ذلك إلاّ إذا كان محفوفاً بالإرشاد الإلهي المعصوم، وهو مقام النبوءة والرسالة.
فهؤلاء الكفرة من قوم نوح لمّا قَصروا عن إدراك أسباب الكمال وتطلبوا الأسباب من غير مكانها نظروا نوحاً عليه السلام وأتباعه فلم يروه من جنس غير البشر، وتأمّلوه وأتباعه فلم يروا في أجسامهم ما يميّزهم عن الناس وربّما كان في عموم الأمة من هم أجمل وجوهاً أو أطول أجساماً.
من أجل ذلك أخطأوا الاستدلال فقالوا: ﴿ ما نراك إلاّ بشراً مثلنا ﴾ فأسندوا الاستدلال إلى الرؤية.
والرؤية هنا رؤية العين لأنّهم جعلوا استدلالهم ضرورياً من المحسوس من أحوال الأجسام، أي ما نراك غير إنسان، وهو مماثل للنّاس لا يزيد عليهم جوارح أو قوائم زائدة.
والبشَر محركة: الإنسان ذكراً أو أنثى، واحداً كان أو جمعاً.
قال الراغب: «عبر عن الإنسان بالبشر اعتباراً بظهور بشرته وهي جلده من الشعر بخلاف الحيوانات التي عليها الصوف والشعر والوبر» أي والريش.
والبشر مرادف الإنسان فيطلق كما يطلق الإنسان على الواحد والأكثر، والمؤنث والمذكر.
وقد يثنى كما في قوله تعالى: ﴿ أنؤمن لبشرين مثلنا ﴾ [المؤمنون: 47].
وقالوا: ﴿ وما نراك اتّبعك إلاّ الذين هم أراذلنا ﴾ فجعلوا أتباع الناس المعدودين في عادتهم أراذل محقورين دليلاً على أنه لا ميزة له على سادتهم الذين يلوذ بهم أشراف القوم وأقوياؤهم.
فنفوا عنه سبب السيادة من جهتي ذاته وأتباعه، وذلك تعريض بأنهم لا يتبعونه لأنهم يترفعون عن مخالطة أمثالهم وأنه لو أبعدهم عنه لاتبَعوه، ولذلك ورد بعده ﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ [هود: 29] الآية.
والأرذال: جمع أرذل المجعول اسماً غير صفة كذلك على القياس، أو جمع رذيل على خلاف القياس.
والرذيل: المحتقر.
وأرادوا أنهم من لفيف القوم غير سادة ولا أثرياء.
وإضافة (أراذل) إلى ضمير جماعة المتكلمين لتعيين القبيلة، أي أراذل قومنا.
وعبّر عنهم بالموصول والصّلة دون أن يقال: إلا أراذلنا لحكاية أن في كلام الذين كفروا إيماء إلى شهرة أتباع نوح عليه السلام بين قومهم بوصف الرذالة والحقارة، وكان أتباع نوح عليه السلام من ضعفاء القوم ولكنهم من أزكياء النفوس ممّن سبق لهم الهدى.
و ﴿ بادي ﴾ قرأه الجمهور بياء تحتية في آخره على أنه مشتق من بدَا المقصور إذا ظهر، وألفهُ منقلبة عن الواو لما تحركت وانفتح ما قبلها، فلما صيغ منه وزن فاعل وقعت الواو متطرفة إثر كسرة فقلبت ياء.
والمعنى فيما يبدو لهم من الرأي دون بحث عن خفاياه ودقائقه.
وقرأه أبو عَمرو وحده بهمزة في آخره على أنه مشتق من البداء، وهو أول الشيء.
والمعنى: فيما يقع أول الرأي، أي دون إعادة النظر لمعرفة الحق من التمويه، ومآل المعنيين واحد.
والرأي: نظر العقل، مشتق من فعل رأى، كما استعمل رأى بمعنى ظن وعلم.
يعنون أن هؤلاء قد غرتهم دعوتك فتسرعوا إلى متابعتك ولو أعادوا النظر والتأمل لعلموا أنك لا تستحق أن تتبع.
وانتصاب ﴿ بادى الرأي ﴾ بالنيابة عن الظرف، أي في وقت الرأي دون بحث عن خفيّه، أو في الرأي الأول دون إعادة نظر.
وإضافة ﴿ بادى ﴾ إلى ﴿ الرأي ﴾ من إضافة الصفة إلى الموصوف، ومعنى كلامهم: لا يلبث أن يرجع إلى متبعيك رُشدُهم فيعيدوا التأمل في وقت آخر ويُكشف لهم خَطؤُهم.
ولما وصفوا كل فريق من التابع والمتبوع بما ينفي سيادة المتبوع وتزكية التابع جَمَعوا الوصف الشامل لهما.
وهو المقصود من الوصفين المفرقين.
وذلك قولهم: ﴿ وما نَرى لكم علينا من فضل ﴾ فنفوا أن يكون لنوح عليه السّلام وأتباعه فضل على الذين لم يؤمنوا به حتى يكون نوح عليه السلام سيّداً لهم ويكون أتباعه مفضلين بسيادة متبوعهم.
والفضل: الزيادة في الشرف والكمال، والمراد هنا آثاره وعلاماته لأنها التي تُرى، فجعلوا عدم ظهور فضل لهم عليهم دليلاً على انتفاء فضلهم، لأنّ الشيء الذي لا تخفى آثاره يصح أن يجعل انتفاء رؤيتِها دليلاً على انتفائها إذ لو ثبتت لرئَيت.
وجملة ﴿ بل نظنّكم كاذبين ﴾ إبطال للمنفي كلّه الدال على صدقه في دعواه بإثبات ضد المنفي، وهو ظنهم إياهم كاذبين لأنّه إذا بطل الشيء ثبت ضدّه، فزعموا نوحاً عليه السلام كاذباً في دعوى الرسالة وأتباعه كاذبين في دعوى حصول اليقين بصدق نوح عليه السّلام، بل ذلك منهم اعتقاد باطل، وهذا الظن الذي زعموه مستند إلى الدليل المحسوس في اعتقادهم.
واستعمل الظن هنا في العلم كقوله: ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ﴾ [البقرة: 46] وهو إطلاق شائع في الكلام.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا ﴾ الأراذِلُ جَمْعُ أرْذَلٍ، وأرْذَلُ جَمْعُ رَذْلٍ، والرَّذْلُ الحَقِيرُ، وعَنَوْا بِأراذِلِهِمُ الفُقَراءَ وأصْحابَ المِهَنِ المُتَّضِعَةِ.
﴿ بادِيَ الرَّأْيِ ﴾ أيْ ظاهِرَ الرَّأْيِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: إنَّكَ تَعْمَلُ بِأوَّلِ الرَّأْيِ مِن غَيْرِ فِكْرٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
الثّانِي: أنَّ ما في نَفْسِكَ مِنَ الرَّأْيِ ظاهِرٌ، تَعْجِيزًا لَهُ، قالَ ابْنُ شَجَرَةَ.
الثّالِثُ: يَعْنِي أنَّ أراذِلَنا اتَّبَعُوكَ بِأقَلِّ الرَّأْيِ وهم إذا فَكَّرُوا رَجَعُوا عَنِ اتِّباعِكَ، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
﴿ وَما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: مِن فَضْلٍ تَفْضُلُونَ بِهِ عَلَيْنا مِن دُنْياكم.
والثّانِي: مِن فَضْلٍ تَفْضُلُونَ بِهِ عَلَيْنا في أنْفُسِكم.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا باديَ الرأي ﴾ قال: فيما ظهر لنا.
وأخرج أبو الشيخ عن عطاء رضي الله عنه.
مثله.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن كنت على بينة من ربي ﴾ قال: قد عرفتها وعرفت بها أمره وأنه لا إله إلا هو ﴿ وآتاني رحمة من عنده ﴾ قال: الإِسلام والهدى والإِيمان والحكم والنبوة.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أنلزمكموها ﴾ قال: أما والله لو استطاع نبي الله لألزمها قومه ولكنه لم يستطع ذلك ولم يملكه.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما.
أنه كان يقرأ ﴿ أنلزمكموها من شطر أنفسنا وأنتم لها كارهون ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ أنلزمكموها من شطر قلوبنا ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن أجري ﴾ قال: جزائي.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ قال: قالوا له: يا نوح إن أحببت أن نتبعك فاطردهم وإلا فلن نرضى أن نكون نحن وهم في الأمر سواء.
وفي قوله: ﴿ إنهم ملاقوا ربهم ﴾ قال: فيسألهم عن أعمالهم ﴿ ولا أقول لكم عندي خزائن الله ﴾ التي لا يفنيها شيء فأكون إنما أدعوكم لتتبعوني عليها لأعطيكم منها بملكه أي عليها ﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ لا أقول اتبعوني على علمي بالغيب ﴿ ولا أقول إني ملك ﴾ نزلت من السماء برسالة ﴿ ما أنا إلا بشر مثلكم ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا أقول للذين تزدري أعينكم ﴾ قال: حقرتموهم.
وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ لن يؤتيهم الله خيراً ﴾ قال: يعني إيماناً.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ قالوا يا نوح قد جادلتنا ﴾ قال: ماريتنا.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه ﴿ فائتنا بما تعدنا ﴾ قال: تكذيباً بالعذاب وأنه باطل.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فعليَّ إجرامي ﴾ قال: عملي ﴿ وأنا بريء مما تجرمون ﴾ أي مما تعملون.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ﴾ ، قال ابن عباس (١) (٢) ﴿ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا ﴾ لا فضل لك علينا ﴿ وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا ﴾ أي لم يتبعك الملأ منا وإنما اتبعك أخساؤنا، قال ابن عباس (٣) ﴿ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ﴾ .
قال الزجاج (٤) (٥) (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ مَا نَرَاكَ ﴾ ، ﴿ نَرَاكَ ﴾ عند الفراء (٨) (٩) (١٠) وما أراها تزال ظالمة ...
تحدث لي قرحة وتنكأها فعدى أرى إلى الضمير، وجعل أراها اعتراضًا، قيل: إن الضمير في قوله (أراها) كناية عن المصدر [فلا يقتضي مفعولًا ثانيًا، وفي قوله "نراك" المفعول للخطاب، والخطاب لا يكون كناية عن المصدر] (١١) وقوله تعالى: ﴿ بَادِيَ الرَّأْيِ ﴾ ، البادي (١٢) ﴿ بَادِيَ الرَّأْيِ ﴾ فذكر أبو إسحاق (١٣) أحدهما: اتبعوك في الظاهر، وباطنهم على خلاف ذلك.
قال: ويجوز أن يكون: اتبعوك في ظاهر الرأي، ولم يتدبروا ما قلت ولم يتفكروا.
والوجه الأول روى معناه عطاء الخراساني عن ابن عباس (١٤) ﴿ بَادِيَ الرَّأْيِ ﴾ قال: فيما ظهر لنا.
وذكر ابن الأنباري (١٥) قال: وإلى هذا المعنى ذهب مقاتل بن سليمان (١٦) ﴿ الرَّأْيِ ﴾ على هذا من رأي العين، لا من رأي القلب، وكذلك في الوجه الأول الذي ذكره الزجاج، ويؤكد ما ذكره ابن الأنباري من مذهب مقاتل بن سليمان: ما رواه عبد الوهاب بن مجاهد (١٧) (١٨) (١٩) هذا كله على قراءة من قرأ (بادي) من غير همز (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) وأما المعنى على هذه القراءة، فقال أبو إسحاق (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) ونحوه قال أبو علي (٢٨) وهذه الأقوال معناها واحد، وذكرتها لزيادة البيان، قال غير هؤلاء: معنى قوله: ﴿ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ ﴾ أول ما نراهم نزدريهم ونسترذلهم.
قال ابن الأنباري (٢٩) (٣٠) (٣١) قال أبو بكر: وانتصاب المهموز وغير المهموز بالاتباع على مذهب المصدر، أي اتبعوك اتباعًا ظاهرًا أو اتباعًا مبتدأ.
وقال أبو إسحاق (٣٢) ﴿ بَادِيَ الرَّأْيِ ﴾ فعلى اتبعوك في ظاهر الرأي، وعلى ظاهر الرأي، ومن قال: بادي فعلى ذلك نصبه.
وهذا الذي قاله أبو إسحاق مخالف لما قاله أبو بكر، وشرح أبو علي (٣٣) (٣٤) (٣٥) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ ﴾ ، قال ابن عباس (٣٦) ﴿ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ ﴾ يريد ليس هذا من الله.
قال ابن الأنباري (٣٧) ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ﴾ فجمع بعد التوحيد.
(١) "تنوير المقباس" 140.
(٢) البغوي 4/ 171، ابن عطية 7/ 270، ابن كثير 2/ 484، الرازي 17/ 211، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 47، "تفسير مقاتل" 145 أ.
(٣) القرطبي 9/ 23.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 95، القرطبي 9/ 23، "تهذيب اللغة" 2/ 1397 (رذل).
(٥) في (ب): (الرذال).
(٦) في (ب): (فالأرذال).
(٧) في (ب): (أرذال).
(٨) "معاني القرآن" 2/ 11، ولم يقل الفراء بأنها لغو، وإنما قال: "كأنه حذف (نراك)، وقال ﴿ وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا ﴾ .
(٩) "الحجة" 4/ 320.
(١٠) ابن هرمة.
هو: أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن سلمة بن عامر بن هرمة القرشي من الخلج وهم من قيس بن الحارث بن فهر.
سكن المدينة وهو من آخر الشعراء الذين يحتج بشعرهم، مات سنة 150هـ تقريبًا.
انظر: "طبقات الشعراء" 20، و"تاريخ بغداد" 6/ 127.
والبيت في "ديوانه" (56) وفيه: تظهر لي قرحة وتنكؤها، وانظر: السيوطي 277، 279، "تاج العروس" (اقط) 19/ 134، أساس البلاغة /402 (لبأ)، الدرر 1/ 81، 207، وهو بلا نسبة في الهمع 1/ 111، 248، "تهذيب اللغة" 15/ 483، "اللسان" (أنف) 9/ 14.
(١١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(١٢) "تهذيب اللغة" (بدا) 1/ 287 - 288.
(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 47، وانظر: "تهذيب اللغة" (بدا) 1/ 287 - 288.
(١٤) الطبري 12/ 28، وابن المنذر كما في "الدر" 3/ 590.
(١٥) " الزاهر" 1/ 226، "زاد المسير" 4/ 96.
(١٦) "زاد المسير" 4/ 96، "تنوير المقباس" 145 أ.
(١٧) هو: عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر، روي عن أبيه، كذبه الثوري وضعفه وكيع وأحمد وابن معين وأبو حاتم، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه.
انظر: "طبقات ابن سعد" 5/ 496، "تهذيب التهذيب" 2/ 640.
(١٨) في (ب): (مجاهد).
(١٩) البغوي 4/ 171، الثعلبي 7/ 39 أ.
(٢٠) وقرأ بها السبعة غير أبي عمرو، "السبعة" ص 332، "التبصرة" ص 538، "الكشف" 1/ 526، "الحجة" 4/ 316.
(٢١) وقرأ بها أبو عمرو، "السبعة" 332، "التبصرة" ص 538، "الكشف" 1/ 526، "الحجة" 4/ 316.
(٢٢) "الحجة" 4/ 317.
(٢٣) هكذا في النسخ، ولعل الصواب: ولذلك كثيرًا ما تستعمل.
"الحجة" 4/ 317.
(٢٤) هو الثعلبي 7/ 39 أ.
(٢٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 47.
(٢٦) "تهذيب اللغة" (بدا) 1/ 287 - 288، "زاد المسير" 4/ 96.
(٢٧) ما بين القوسين، ساقط من (ب) و (ج).
(٢٨) "الحجة" 4/ 317.
(٢٩) "زاد المسير" 4/ 96.
(٣٠) "الحجة" 4/ 318 بنحوه.
(٣١) في (ب): (قولهم من غير كاف).
(٣٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 47.
(٣٣) "الحجة" 4/ 318 بتصرف.
(٣٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٣٥) إلى هنا انتهى النقل من "الحجة" 4/ 319.
(٣٦) لم أجده عن ابن عباس، وهو قول الطبري 12/ 27، ابن عطية 7/ 273، القرطبي 9/ 24.
(٣٧) الطبري 12/ 27 - 28.
<div class="verse-tafsir"
﴿ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴾ وصف اليوم بالأليم على وجه المجاز لوقوع الألم فيه ﴿ أَرَاذِلُنَا ﴾ جمع أرذل وهم سفلة الناس، وإنما وصفوهم بذلك لفقرهم، جهلاً منهم واعتقاداً أن الشرف هو بالمال والجاه، وليس الأمر كما اعتقدوا، بل المؤمنين كانوا أشرف منهم على حال فقرهم وخمولهم في الدنيا، وقيل: إنهم كانوا حاكة وحجَّامين، واختار ابن عطية أنهم أرادوا أنهم أراذل في أفعالهم لقول نوح: وما علمي بما كانوا يعملون ﴿ بَادِيَ الرأي ﴾ أي أول الرأي من غير نظر ولا تدبير، وبادي منصوب على الظرفية: أصله وقت حدوث أول رأيهم، والعمل فيه اتبعوك على أصح الأقوال، والمعنى: اتبعك الأراذل من غير نظر ولا تثبت، وقيل: هو صفة لبشراً مثلنا: أي غير مثبت في الرأي ﴿ وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ ﴾ أي من مزية وشرف، والخطاب لنوح عليه السلام ومن معه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ إني لكم ﴾ بكسر الهمزة: نافع وابن عامر وعاصم وحمزة.
والآخرون بفتحها ﴿ بادىء ﴾ بالهمزة: أبو عمرو ونصير.
﴿ الرأي ﴾ بالياء: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ فعميت ﴾ مجهولاً مشدداً.
حمزة وعلي وخلف وحفص.
الباقون بضدهما ﴿ أنلزمكموها ﴾ باختلاس ضمة الميم: عباس ﴿ أجري إلا ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿ ولكني أريكم ﴾ بالفتح حيث كان: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ نصحي إن ﴾ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ بأعيننا ﴾ مدغماً.
حيث كان: عباس ﴿ من كل ﴾ بالتنوين حيث كان: حفص والمفضل ﴿ مجريها ﴾ بفتح الميم بالإِمالة: حمزة وعلي وخلف وحفص ﴿ مجريها ﴾ بالضم وبالإمالة: أبو عمرو.
والباقون بالضم مفخماً.
﴿ يا بني ﴾ بفتح الياء: عاصم ﴿ اركب معنا ﴾ مظهراً: عاصم وحمزة ﴿ عمل ﴾ على أنه فعل غير بالنصب: علي وسهل ويعقوب.
الآخرون ﴿ عمل ﴾ غير بالرفع فيهما ﴿ تسألن ﴾ بالنون المشددة المسكورة لإدغام النون المخففة في نون الوقاية بعد حذف ياء المتكلم في الحالين: ابن عامر وقالون: بإثبات الياء في الوصل: أبو جعفر ونافع غير قالون بفتح النون المشددة: ابن كثير ﴿ تسألني ﴾ بغير نون التأكيد وإثبات الياء في الحالين سهل ويعقوب الباقون بغير ياء في الحالين ﴿ إني أعظك ﴾ ﴿ إني أعوذ ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو.
الوقوف: ﴿ مبين ﴾ ه لا ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الرأي ﴾ ج ﴿ كاذبين ﴾ ه ﴿ فعيمت عليكم ﴾ ط ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ مالاً ﴾ ط ﴿ آمنوا ﴾ ط ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ طردتهم ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ أنفسهم ﴾ ج ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ أن يغويكم ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ط ﴿ افتراه ﴾ ط ﴿ تجرمون ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ ظلموا ﴾ ج لا حتمال التعليل.
﴿ مغرقون ﴾ ه ﴿ سخروا منه ﴾ ه ﴿ تسخرون ﴾ ه ط ﴿ تعلمون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ التنور ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ ومن آمن ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ 5 ط ﴿ ومرساها ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من الماء ﴾ ط، ﴿ رحم ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع اختلاف العامل.
﴿ المغرقين ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه.
﴿ الحاكمين ﴾ ه ﴿ من أهلك ﴾ ج ﴿ علم ﴾ ط ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ علم ﴾ ط ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ج ط لاحتمال ما بعده الحال أو الاستئناف ﴿ هذا ﴾ ط وعلى قوله: ﴿ فاصبر ﴾ أحسن للابتداء بــ"أن" ﴿ للمتقين ﴾ ه.
التفسير: لما أورد على الكفار أنواع الدلائل أكدها بالقصص على عادته من التفنن في الكلام والنقل من أسلوب إلى أسلوب في الموعظة فبدأ بقصة نوح.
ومعنى ﴿ إني لكم ﴾ أي متلبساً بهذا الكلام وهو قوله: ﴿ إني لكم ﴾ فلما اتصل به الجار فتح ومن كسر فعلى إرادة القول.
و ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ بدل من ﴿ إني لكم نذير ﴾ أي أرسلناه بأن لا تعبدوا ﴿ إلا الله ﴾ أو يكون "أن" مفسرة متعلقة بأرسلنا أو بنذير.
ووصف اليوم بأليم لوقوع الألم فيه فيكون مجازاً.
وكذا لو جعل الوصف للعذاب والجر بالجوار.
ثم حكى أنه طعن أشراف قومه في نبوته من ثلاث جهات.
الأولى أنه بشر مثلهم.
الثانية أنه لم يتبعه إلا الأراذل يعنون أصحاب الحرف الخسيسة كالحياكة وغيرها قالوا: لو كنت صادقاً لاتبعك الأكياس من الناس والأشراف منهم.
والأراذل جمع أرذل.
وقيل: جمع الأرذال جمع رذل وهو الدون من كل شيء في منظره وحالاته.
ومعنى ﴿ بادي الرأي ﴾ أول الرأي وهو نصب على الظرف أي اتبعوك في ابتداء حدوث الرأي من غير روية، أو معناه ظاهر الرأي من قولك بدا الشيء إذا ظهر، ومنه البادية للبرية لظهروها وبروزها للناظر.
وهذا تفسير من قرأ بغير همز.
وعلى هذا فالمراد أنهم اتبعوك في الظاهر وباطنهم بخلافه، أو اتبعوك وقت حدوث ظاهر رأيهم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
ويجوز أن يتعلق ﴿ بادي الرأي ﴾ بقوله: ﴿ أراذلنا ﴾ أي كونهم كذلك أمر ظاهر لكل من يراهم عياناً، ويتأكد هذا التأويل بما نقل عن مجاهد أنه قرأ ﴿ إلا الذين هم أراذلنا رأي العين ﴾ وإنما استرذلوا المؤمنين لاعتقادهم أن المزية عند الله بالمال والجاه ولم يعلموا أن ذلك مبعد من الحق لا مقرب منه، وأن الأنبياء ما بعثوا إلا لترك الدنيا والإقبال على الآخرة فكيف يجعل قلة المال طعناً في النبوة وفي متابعة النبي.
الشبهة الثالثة: ﴿ وما نرى لكم علينا من فضل ﴾ لا في العقل ولا في كيفية رعاية المصالح ولا في قوة الجدل ﴿ بل نظنكم كاذبين ﴾ خطاب لنوح ولمن آمن به بتبعيته، أو خطاب للأراذل كأنهم نسبوهم إلى الكذب في ادعاء الإيمان.
ثم حكى ما أجاب به نوح قومه وهو أن حصول المساواة في صفة البشرية لا يمنع من حصول المفارقة في صفة النبوة وذلك قوله: ﴿ أرأيتم إن كنت على بينة ﴾ برهان ﴿ من ربي وآتاني ﴾ بإيتاء تلك البينة ﴿ رحمة ﴾ وعلى هذا البينة هي الرحمة، ويجوز أن يريد بالبينة المعجزة وبالرحمة النبوة وقيل بالعكس ﴿ فعيمت ﴾ خفيت أو أخفيت البينة أو كل من البينة والرحمة أي صارت مظلمة مشتبهة في عقولكم.
والبينة توصف بالإبصار والعمى مجازاً باعتبار نتيجتها كما أن دليل القوم إن كان بصيراً اهتدوا وإن كان أعمى بقول خابطين متحيرين.
ثم قال: ﴿ أنلزمكموها ﴾ أي أنكرهكم على قبول البينة ﴿ وأنتم لها كارهون ﴾ والمراد أنا لا نقدر على إيصال حقيقة البينة إليك.
وإنما يقدر على ذلك من هو قادر على الإيجاد والإعدام وتغيير الأحوال وتبديل الأخلاق.
ثم ذكر أنه لا يطلب على تبليغ الرسالة مالاً حتى يتفاوت الحال بسبب كون المجيب غنياً أو فقيراً ﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ عن ابن جريج أنهم قالوا: إن أحببت يا نوح أن نتبعك فاطردهم فإنا لا نرضى بمشاركتهم، فلم يبذل ملتمسهم وعلل ذلك بقوله ﴿ إنهم ملاقو ربهم ﴾ فيعاقب من يطردهم أو يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبهم من الإيمان الصحيح أو النفاق بزعمكم، أو المراد أنهم متقدون لقاء ربهم ﴿ ولكني أراكم قوماً تجهلون ﴾ لقاء ربكم وأنهم خير منكم، أو قوماً تسفهون حيث تسمون المؤمنين أراذل.
ثم أكد عدم طردهم بقوله: ﴿ ويا قوم من ينصرني من الله ﴾ من يمنعني من عقابه ﴿ إن طردتهم ﴾ لأن العقل والشرع توافقا على أنه لا بد من تعظيم المؤمن البر المتقي ومن إهانة الكافر الفاجر فكيف يليق بنبي الله أن يقلب هذه القضية.
سؤال: إن كان طرد المؤمن لطلب مرضاة الكافر معصية فكيف فعل ذلك رسول الله حتى نهي عنه بقوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم ﴾ ؟
الجواب أنه لم يكن ذلك طرداً مطلقاً وإنما عين لأجلهم أوقاتاً مخصوصة، ولأشراف قريش أوقاتاً أخرى فعوتب على ذلك القدر.
احتجت المعتزلة بالآية على عدم الشفاعة للفاسق إذ لو كانت جائزة لكانت في حق نوح أولى، فلم يقل من الذي يخلصني من عذابه.
وأجيب بأنه مخصوص بآيات العفو.
ثم ذكر أنه كما لا يسألهم مالاً فإنه لا يدعي أن عنده خزائن الله حتى يجحدوا أن له فضلاً عليهم من هذه الجهة.
﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ حتى أصل به إلى ما أريده لنفسي ولأتباعي وأطلع على الضمائر ﴿ ولا أقول إني ملك ﴾ أتعظم بذلك عليكم بل طريقي الخضوع والتواضع وعدم الاستنكاف عن مخالطة الفقراء وقد مر في "الأنعام" سائر ما يتعلق بالآية.
ومعنى ﴿ تزدري ﴾ تعيب وتحقر والازدراء افتعال من زرى عليه إذا عابه.
وفي قوله ﴿ الله أعلم بما في أنفسهم ﴾ دلالة على أنهم كانوا ينسبون اتباعه مع الفقر والذلة الى النفاق ﴿ إني إذا ﴾ أي إن قلت شيئاً من ذلك كنت من الظالمين لنفسي.
أو إن قلت إن الله لن يؤتيهم خيراً مع أنه لا وقوف لي على باطنهم.
ثم إن قومه وصفوه بكثرة الجدال قائلين ﴿ يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ﴾ قال أهل المعاني: أردت جدالنا وشرعت فيه فأكثرته كقوله: جاد لي فلان فأكثر.
لم ترد أنه أعطى عطيتين أقل فأكثر بل تريد أن الوصف مقارن للموصوف.
وفي الآية دلالة على أن الجدال في تقرير دلائل التوحيد من دأب أكابر الأنبياء.
ثم استعجلوا العذاب الذي كان يتوعدهم به فأجاب نبي الله بأن ذلك ليس إليّ وإنما هو بمشيئة الله وإرادته ولا يعجزه عن ذلك أحد.
وقوله: ﴿ ولا ينفعكم نصحي ﴾ كقول القائل لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار إن أكلت الخبز لم يقع الطلاق إلا إذا دخل الدار فأكل الخبز.
ولهذا قال الفقهاء: المؤخر في اللفظ مقدم في المعنى فكأنه قيل: ﴿ إن كان الله يريد أن يغويكم ﴾ فإن أردت أن أنصح لكم لم ينفعكم نصحي.
واحتجاج الأشاعرة بالآية ظاهر.
وأجابت المعتزلة بأنه لا يلزم من فرض أمر وقوعه، ولعل نوحاً إنما قال ذلك ليبين لهم أنه بنى أمر التكليف على الاختيار وإلا لم يكن للنصح فائدة، ولو تشبث الخصم بالجبر لزم إفحام النبي.
ومن الجائز أن يراد بالإغواء التعذيب من غوى الفصيل إذا بشم فهلك، أو يراد به الخيبة كقوله: ﴿ فسوف يلقون غياً ﴾ أي خيبة من خير الآخرة، أو يراد به منع الألطاف وقد تقدم أمثال ذلك مراراً.
ثم أشار إلى المبدإ والمعاد بقوله: ﴿ هو ربكم وإليه ترجعون ﴾ ثم أنكر الله عليهم قولهم إنما ادعاء نوح أنه أوحي إليه مفترى فقال: ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ فأمره بأن يجيب بكلام منصف وهو قوله: ﴿ قل إن افتريته فعليّ إجرامي ﴾ أي عقاب إثمي وهو الافتراء.
﴿ وأنا بريء مما تجرمون ﴾ أي من إجرامكم وهو إسناد الافتراء إليّ وههنا إضمار كأنه قيل: لكني ما افتريته فالإجرام وعقابه عليكم وأنا بريء منه.
وأكثر المفسرين على أن هذه الآية من تمام قصة نوح.
وعن مقاتل أنها من قصة محمد وقعت في أثناء قصة نوح.
قوله : ﴿ وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن ﴾ إقناط له من إيمانهم الذي كان يتوقعه منهم بدليل قوله: ﴿ إلا من قد آمن ﴾ فإن "قد" للتوقع.
وقوله: ﴿ فلا تبتئس ﴾ تسلية له أي لا تحزن بما فعلوه من تكذيبك وإيذائك فقد حان وقت الانتقام منهم.
قال أكثر المعتزلة: إنه لا يجوز أن ينزل الله عذاب الاستئصال على قوم يعلم أن فيهم من يؤمن أو في أولادهم من يؤمن بدليل دعاء نوح ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا فاجراً كفاراً ﴾ علل الإهلاك بمجموع الأمرين فدل ذلك على أنهما لو لم يحصلا لم يجز الإهلاك.
وذهب كثير منهم إلى الجواز، فليس كل خبر معلوم بواجب الوقوع نعم كلما يقع يجب أن يكون على الوجه الأصلح.
ومذهب الأشاعرة في هذا المعنى ظاهر فله أن يفعل في ملكه ما شاء.
ثم عرفه وجه إهلاكهم وألهمه وجه خلاص من آمن فقال: ﴿ واصنع الفلك ﴾ وهو أمر إيجاب على الأظهر لأنه لا سبيل إلى صون روحه عن الهلاك في الطوفان إلا بذلك، وصون النفس واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وقيل: أمر إباحة كمن أمر أن يتخذ الإنسان لنفسه داراً يسكنها.
والإنصاف أن الأمر ظاهره الوجوب وإن قطعنا النظر عن فائدته وغايته.
وقوله: ﴿ بأعيننا ووحينا ﴾ في موضع الحال أي متلبساً بذلك.
والسبب فيه أن إقدامه على صنعة السفينة مشروط بأمرين: أحدهما أن لا يمنعه أعداؤه عن ذلك العمل وأشار إليه بقوله: ﴿ بأعيننا ﴾ وليست العين بمعنى الجارحة لأنه منزه عن الجوارح والأعضاء فالمراد بها الحفظ والحياطة والكلاءة لأن العين آلة الحفظ والحراسة.
والثاني أن يكون عالماً بكيفية تركيب الأخشاب ونحتها.
عن ابن عباس: لم يعلم كيف صنعة الفلك فأوحى الله إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر.
وقيل: المراد عين الملك الذي كان يعرّفه كيفية اتخاذ السفينة.
ثم قال: ﴿ ولا تخاطبني في الذين ظلموا ﴾ أي في شأنهم.
وقيل: علل عدم الخطاب بقوله: ﴿ إنهم مغرقون ﴾ أي إنهم محكوم عليهم بالإغراق وقد جف القلم عليهم بذلك فلا فائدة للشفاعة.
وقيل: لا تخاطبني في تعجيل عقابهم فإنهم يغرقون في الوقت المعين لذلك فلا فائدة في الاستعجال فلكل أمة أجل.
وقيل: المراد بالذين ظلموا امرأته واعلة وكنعان ابنه.
ثم حكى الحال الماضية بقوله: ﴿ ويصنع الفلك ﴾ والحال أنه ﴿ كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ﴾ يحتمل أن يكون هذا جواباً لـ"كلما" وقوله: ﴿ قال إن تسخروا ﴾ استئناف على تقدير سؤال سائل كأنه قيل: ماذا قال نوح حينئذٍ؟
ويحتمل أن يكون ﴿ سخروا ﴾ بدلاً من ﴿ مر ﴾ أو صفة لــ ﴿ ملأ ﴾ و ﴿ قال ﴾ جواب ﴿ قيل ﴾ كانوا يقولون: يا نوح كنت نبياً فصرت نجاراً، ولو كنت صادقاً في دعواك لكان إلهك يغنيك عن هذا العمل الشاق.
وقيل: إنهم ما رأوا السفينة قبل ذلك فكانوا يتعجبون ويسخرون.
وقيل: إنها كانت كبيرة وكان يصنعها في مفازة بعيدة عن الماء فكانوا يقولون هذا من باب الجنون.
وقيل: طالت مدته وكان ينذرهم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة وليس منه عين ولا أثر فغلب على ظنونهم كونه كاذباً فيسخرون منه فأجابهم بقوله: ﴿ إن تسخروا منا ﴾ في الحال ﴿ فإنا نسخر منكم ﴾ في المستقبل إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة.
أو إن حكمتم علينا بالجهل فيما نصنع فإنا نحكم عليكم بالجهل فيما أنتم عليه من الكفر والتعرض لسخط الله، أو إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم في استجهالكم لأنكم لا تستجهلون إلا عن الجهل بحقيقة الأمر.
والبناء على ظاهر الحال كما هو عادة الأغمار.
وسمي جزاء السخرية سخرية كقوله: ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ ثم هددهم بقوله: ﴿ فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ﴾ في الدنيا وهو عذاب الغرق ﴿ ويحل عليه عذاب مقيم ﴾ في الآخرة لازم لزوم الدين الحال للغريم.
و"من" موصولة أو استفهامية وقد مر في "الأنعام".
روي أن نوحاً اتخذ السفينة في سنتين وكان طولها ثلثمائة ذراع وعرضها خمسين ذراعاً وارتفاعها ثلاثين.
وكانت من خشب الساج، وجعل لها ثلاثة بطون: الأسفل للوحوش والسباع والهوام، والأوسط للدواب والأنعام، والأعلى للناس ولما يحتاجون إليه من الزاد وحمل معه جسد آدم.
وقال الحسن: كان طولها ألفاً ومائتي ذراع وعرضها ستمائة.
قوله: ﴿ حتى إذا جاء أمرنا ﴾ هي غاية لقوله: ﴿ ويصنع الفلك ﴾ أي كان يصنعها إلى أن جاء وقت الأمر بالإهلاك.
﴿ وفار التنور ﴾ أي نبع الماء من بشدة وسرعة تشبيهاً بغليان القدر.
والتنور هي التي يختبز فيها فقيل: هو مما استوى فيه العربي والعجمي.
وقيل: معرب لأنه لا يعرف في كلام العرب نون قبل راء.
عن ابن عباس والحسن ومجاهد: هو تنور نوح.
وقيل: كان لآدم وحواء حتى صار لنوح وموضعه بناحية الكوفة قاله مجاهد والشعبي.
وعن علي أنه في مسجد الكوفة وقد صلى فيه سبعون نبياً.
وقيل: بالشام بموضع يقال له عين وردة قاله مقاتل.
وقيل: بالهند.
روي أن امرأته كانت تخبز فأخبرته بخروج الماء من ذلك التنور فاشتغل في تلك الحال بوضع الأشياء في السفينة وكان الله جعل هذه الحالة علامة لواقعة الطوفان.
ويروى عن علي أيضاً أن المراد بالتنور وجه الأرض لقوله: ﴿ وفجرنا الأرض عيوناً ﴾ وعنه أيضاً كرم الله وجهه أن معنى ﴿ فار التنور ﴾ طلع الصبح.
وقيل: معناه اشتد الأمر كما يقال حمي الوطيس.
والمراد إذا رأيت الأمر يشتد والماء يكثر فاركب في السفينة وذلك قوله ﴿ قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ﴾ والزوجان شيئان يكون أحدهما ذكراً والآخر أنثى.
فمن قرأ بالإضافة فمعناه احمل من كل صنفين بهذا الوصف اثنين، ومن قرأ بالتنوين.
فالمراد حمل من كل شيء زوجين.
واثنين للتأكيد ولا يبعد أن يكون النبات داخلاً فيه لاحتياج الناس إليه ﴿ وأهلك ﴾ معطوف على مفعول ﴿ احمل ﴾ وكذا ﴿ من آمن ﴾ وقوله ﴿ إلا من سبق عليه القول ﴾ قال الضحاك: أراد ابنه وامرأته قدر الله لهما الكفر إذا علم منهما ذلك.
ثم قال ﴿ وما آمن معه إلا قليل ﴾ أي نفر قليل: عن مقاتل أنهم ثمانون وبهم سموا قرية الثمانين بناحة الموصل لأنهم لما خرجوا من السفينة بنوها.
وقيل: اثنان وسبعون رجلاً وامرأة، وأولاد نوح: سام وحام ويافث ونساؤهم.
فالجميع ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء.
وعن محمد بن إسحق كانوا عشرة، وعن النبي كانوا ثمانية، نوح وأهله وبنوه الثلاثة ونساؤهم.
وقيل في بعض الروايات: إن إبليس دخل معه السفينة وفيه بعد لأنه جسم ناري فلا يؤثر الغرق فيه.
قوله وتعالى حكاية عن نوح وأهله ﴿ وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرسيها ﴾ الآية.
فيه أبحاث الأول: أن الركوب متعد بنفسه يقال: ركبت الدابة والبحر والسفينة أي علوتها.
فما الفائدة في زيادة لفظة "في"؟
قال الواحدي: فائدته أن يعلم أنه أمرهم بأن يكونوا في جوف الفلك لا على ظهره.
الثاني قوله: ﴿ بسم الله ﴾ إما أن تتعلق بقوله: ﴿ اركبوا ﴾ حالاً من الواو أي مسمين الله، أو قائلين باسم الله ﴿ ومجريها ومرسيها ﴾ مصدران حذف منهما الوقت المضاف كقولهم: جئتك خفوق النجم ومقدم الحاج، أو يراد مكان الإجراء والإرساء أو زمانها.
وانتصابهما بما في بسم الله من معنى الفعل، أو بالقول المقدر.
وعلى التقادير يكون مجموع قوله: ﴿ وقال اركبوا ﴾ إلى قوله: ﴿ ومرساها ﴾ كلاماً واحداً.
وإما أن يكون ﴿ باسم الله مجريها ومرساها ﴾ كلاماً آخر من مبتدإ وخبر أي باسم الله إجراؤها وإرساؤها.
يروى أنه كان إذا أراد أن تجري قال بسم الله فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال بسم الله فرست.
ويجوز أن يقحم الاسم كقوله: تم اسم السلام عليكما، ويراد بالله إجراؤها وإرساؤها، وكان نوح أمرهم بالركوب أوّلاً ثم أخبرهم بأن إجراءها وإرساءها بذكر اسم الله أو بأمره وقدرته.
وجوز في الكشاف أن تكون هذه الجملة في موضع الحال من ضمير الفلك ولا تكون جملة مستأنفة ولكن فضلة من تتمة الكلام الأول كأنه قال اركبوا فيها مقدرين أن إجراءها وإرساءها باسم لله .يقال: رسا الشيء يرسو إذا ثبت، وأرساه غيره.
يروى أنها سارت لأول يوم من رجب أو لعشر مضين منه فسارت ستة أشهر ثم استوت على الجودي يوم العاشر من المحرم.
ويروى أنها مرت بالبيت وطافت به سبعاً فأعتقها الله من الغرق.
البحث الثالث قوله: ﴿ إن ربي لغفور رحيم ﴾ كيف ناسب مقام الإهلاك وإظهار العزة؟
والجواب كان القوم اعتقدوا أنهم نجوا ببركة إيمانهم وعملهم، فنبههم الله بهذا الذكر على أن الإنسان في كل حال من أحواله لا ينفك عن ظلمات الخطأ والزلل فيحتاج إلى مغفرة الله ورحمته.
وفي الآية إشارة إلى أن العاقل إذ ركب في سفينة الفكر ينبغي أن يكون قد برىء من حوله وقوته وقطع النظر عن الأسباب وربط قلبه وعلق همته بفضل واهب العقل فيقول بلسان الحال بسم الله مجريها ومرسيها حتى تصل سفينة فكره إلى ساحل الإيقان، وتتخلص عن أمواج الشبه والظنون والأوهام.
قال في الكشاف: ﴿ وهي تجري بهم ﴾ متصل بمحذوف كأنه قيل: فركبوا فيها يقولون باسم الله وهي تجري بهم وهم فيها ﴿ في موج كالجبال ﴾ في التراكم والارتفاع، فلعل الأمواج أحاطت بالسفينة من الجوانب فصارت كأنها في داخل تلك الأمواج.
واختلف المفسرون في قوله: ﴿ ونادى نوح ابنه ﴾ فالأكثرون على أنه ابن له في الحقيقة لئلا يلزم صرف الكلام عن الحقيقة الى المجاز من غير ضرورة، ولا استبعاد في كون ولد النبي كافراً كعكسه.
واعترض عل هذا القول بأنه كيف ناداه مع كفره وقد قال: ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ﴾ وأجيب بأنه كان منافقاً وظن نوح أنه مؤمن أو ظن أنه كافر إلا أنه توقع منه الإيمان عند مشاهدة العذاب بدليل قوله: ﴿ ولا تكن مع الكافرين ﴾ أو لعل شفقة الأبوة حملته على ذلك النداء.
وعن محمد بن علي الباقر والحسن البصري أنه كان ابن امرأته ويؤيده ما روي أن علياً قرأ ﴿ ونادى نوح ابنها ﴾ ويؤكد هذا الظن قوله: ﴿ إن ابني من أهلي ﴾ دون أن يقول "إنه مني" وقيل: إنه ولد على فراشه لغير رشده وإليه الإشارة بقوله ﴿ فخانتاهما ﴾ ورد هذا القول بأنه يجب صون منصب الأنبياء عن مثل هذه الفضيحة لقوله: ﴿ الخبيثات للخبيثين ﴾ وفسر ابن عباس تلك الخيانة بأن امرأة نوح كانت تقول زوجي مجنون.
وامرأة لوط دلت الناس على ضيفه.
وقوله: ﴿ وكان في معزل ﴾ هو مفعل من عزله عنه إذا نحاه أو أبعده أي كان في مكان عزل فيه نفسه عن أبيه وعن السفينة وعمن فيها، أو كان في معزل عن دين أبيه.
وقيل في معزل عن الكفار ولهذا ظن نوح أنه يريد مفارقة الكفرة، ولكن قوله: ﴿ ولا تكن مع الكافرين ﴾ لا يساعد هذا القول.
وقوله ﴿ يا بني ﴾ بكسر الياء لأجل الاكتفاء به عن ياء الإضافة، وبفتحها اكتفاء به عن الألف المبدلة من الياء، ويجوز أن يكون الياء والألف ساقطتين من اللفظ فقط لالتقاء الساكنين.
ثم حكى إصرار ابنه على الكفر بأن قال ﴿ سآوي إلى جبل ﴾ فأجاب نوح بأنه ﴿ لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ﴾ واعترض عليه بأن معنى ﴿ من رحم ﴾ من رحمه الله وهو معصوم فكيف يصح استثناؤه من العاصم؟
وأجيب بأن "من" فاعلة في المعنى لا مفعول، والمراد نوح لأنه سبب الرحمة والنجاة كما أضيف الإحياء إلى عيسى ، أو الرحيم الذي مر ذكره في قوله: ﴿ إن ربي لغفور رحيم ﴾ وهو عاصم لا معصوم، أو هو استثناء مفرغ والتقدير لا عاصم اليوم لأحد من أمر الله إلا لمن رحم، أو العاصم بمعنى ذو العصمة كلابن وتامر.
وذو العصمة المعصوم أو المضاف محذوف والتقدير لا عاصم قط إلا مكان من رحمهم الله ونجاهم يعني السفينة، أو هو استثناء منقطع كأنه قيل: ولكن من رحمه الله فهو المعصوم ﴿ وحال بينهما الموج ﴾ أي بسبب هذه الحيلولة خرج من أن يخاطبه نوح فصار من جملة الغرقى.
وقوله : ﴿ وقيل يأرض ﴾ الآية.
مما اختص بمزيد البلاغة حتى صارت متداولة بين علماء المعاني فتكلموا فيها وفي وجوه محاسنها فلا علينا أن نورد ههنا بعض ما استفدنا منهم فنقول: النظر فيها من أربع جهات: من جهة علم البيان، ومن جهة علم المعاني، ومن جهتي الفصاحتين المعنوية واللفظية.
أما من جهة علم البيان وهو النظر فيما فيها من المجاز والاستعارة والكناية وما يتصل بها.
فالقول فيه أنه عز سلطانه أراد أن يبين معنى أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد، وأن نقطع طوفان السماء فانقطع، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغاض، وأن نقضي أمر نوح وهو إنجاؤه وإغراق قومه كما وعدناه فقضي، وأن تستوي السفينة على الجودي - وهو جبل بقرب الموصل - فاستوت، وأبقينا الظلمة غرقى، فبنى الكلام على تشبيه الأرض والسماء بالمأمور الذي لا يتأتى منه - لكمال هيبته - العصيان، وعلى تشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النافذ في تكوّن المقصود تصويراً لاقتداره، وأن السماء والأرض مع عظم جرمهما تابعتان لإرادته إيجاداً وإعداماً وتغييراً وتصريفاً كأنهما عقلاء مميزون قد أحاطا علماً يوجب الامتثال والإذعان لخالقهما، فاستعمل ﴿ قيل ﴾ بدل "أريد" مجازاً إطلاقاً للمسبب على السبب، فإن صدور القول إنما يكون بعد إرادته.
وجعل قرينة المجاز الخطاب للجماد بقوله: ﴿ يا أرض ابلعي ماءَك ويا سماء ﴾ والخطابان أيضاً على سبيل الاستعارة للشبه المذكور وهو كون السماء والأرض كالمأمورين المنقادين.
وأيضاً استعار لغور الماء في الأرض البلع الذي هو إعمال القوة الجاذبة في الطعوم للشبه بين الغور والبلع وهو الذهاب إلى مقر خفيّ.
ووجعل قرينة الاستعارة نسبه الفعل إلى المفعول، وفي جعل الماء مكان الغذاء أيضاً استعارة لأنه شبه الماء بالغذاء لتقوى الأرض بالماء في الإنبات للزروع والأشجار تقوّي الآكل بالطعام، وجعل قرينة الاستعارة لفظة ﴿ ابلعي ﴾ لكونها موضوعة للاستعمال في الغذاء دون الماء.
ثم أمر الجماد على سبيل الاستعارة للشبه المقدم ذكره وخاطب في الأمر دون أن يقول ليبلع ترشيحاً لاستعارة النداء إذ كونه مخاطباً من صفات الحي كما أن كونه منادى من صفاته ثم قال ﴿ ماءك ﴾ بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز تشبيهاً لاتصال الماء بالأرض باتصال الملك بالمالك.
واختار ضمير الخطاب دون أن يقول "ليبلع ماؤها" لأجل الترشيح المذكور.
ثم اختار مستعيراً لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم ما كان ثم أمر على سبيل الاستعارة وخاطب في الأمر لمثل ما تقدم في ﴿ ابلعي ﴾ من ترشيح استعارة النداء.
ثم قال ﴿ وغيض الماء ﴾ غاض الماء قل ونضب، وغاضه الله يتعدى ولا يتعدى ﴿ وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً ﴾ فلم يصرح بالفاعل سلوكاً لسبيل الكناية لأن هذه الأمور لا تتأتى إلا من قدير قهار فلا مجال لذهاب الوهم إلى غيره، ومثله في صدر الآية ليستدل من ذكر الفعل وهو اللازم على الفاعل وهو الملزوم وهذا شأن الكناية، ثم ختم الكلام بالتعريض لأنه ينبىء عن الظلم المطلق وعن علة قيام الطوفان.
وأما النظر فيها من جهة علم المعاني وهو النظر في فائدة كل كلمة منها، وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها، فذلك أنه اختير "يا" للنداء لأنها أكثر استعمالاً ولدلالتها على تبعيد المنادى الذي يستدعيه مقام العزة والهيبة، ولهذا لم يقل " يا أرضي" بالإضافة تهاوناً بالمنادى، ولم يقل "يا أيتها الأرض" للاختصار مع الاحتراز عن تكلف التنبيه لمن ليس من شأنه التنبيه.
واختير لفظ الأرض والسماء لكثرة دورانهما مع قصد المطابقة، واختير ﴿ ابلعي ﴾ على ﴿ ابتلعي ﴾ لكونه أخصر ولمجيء حظ التجانس بينه وبين ﴿ أقلعي ﴾ أوفر.
وقيل: ﴿ ماءك ﴾ بلفظ المفرد لما في الجمع من الاستكثار المتأتي عنه مقام العزة والاقتدار، وكذا في إفراد الأرض والسماء.
ولم يحذف مفعول ﴿ ابلعي ﴾ لئلا يلزم تعميم الابتلاع لكل ما على الأرض.
ولما علم اختصاص الفعل فيه اقتصر عليه فحذف من ﴿ أقلعي ﴾ حذراً من التطويل.
وإنما لم يقل "ابلعي ماءك فبلعت" لأن عدم تخلف المأمور به عن أمر الآمر المطاع معلوم.
واختير ﴿ غيض ﴾ على غيض المشددة للاختصار ولمثل هذا عرف الماء والأمر دون أن يقال ماء الطوفان، أو أمر نوح للاستغناء عن الإضافة بالتعريف العهدي ولم يقل سويت لتناسب أول القصة وهي تجري بهم من بناء الفعل للفاعل، ولأن ﴿ استوت ﴾ أخصر لسقوط همزة الوصل.
ثم قيل: ﴿ بعداً للقوم ﴾ دون أن يقال "ليبعد القوم من بعد" بالكسر يبعد بالفتح إذا هلك، للتأكيد مع الاختصار ودلالة "لام" الملك على أن البعد حق لهم.
وقول القائل "بعداً له" من المصادر التي لا يستعمل إظهار فعلها.
ثم أطلق الظلم ليتناول ظلم أنفسهم وظلمهم غيرهم.
وأما ترتيب الجمل فقدم النداء على الأمر ليتمكن الأمر الوارد عقيب النداء كما في نداء الحي، وقدم نداء الأرض لابتداء الطوفان منها بدليل قوله: ﴿ وفار التنور ﴾ ثم بين نتيجة البلع والإقلاع بقوله: ﴿ وغيض الماء ﴾ ثم ذكر مقصود القصة وهو قوله ﴿ وقضي الأمر ﴾ أي أنجز الموعود من إهلاك الكفرة وإنجاء المؤمنين.
ثم بين حال استقرار السفينة بقوله: ﴿ واستوت على الجودي ﴾ وكان جبلاً منخفضاً فكان استواء السفينة عليه دليلاً على انقطاع مادة الماء.
ثم ختمت القصة بما ختمت من التعريض.
قيل: كيف يليق بحكمة الله تغريق الأطفال بسبب إجرام الكفار؟
وأجيب على أصول الأشاعرة بأنه لا يسأل عما يفعل، وعلى أصول المعتزلة بأنه يعوض الأطفال والحيوانات كما في ذبحها واستعمالها في الأعمال الشاقة.
وقد روى جمع من المفسرين أنه أعقم أرحام نسائهم قبل الغرق بأربعين سنة فلم يغرق إلا من بلغ أربعين.
وهذا مع تكلفه لا يتمشى في الجواب عن إهلاك سائر الحيوانات.
والظاهر أن القائل في قوله: ﴿ وقيل بعداً ﴾ هو الله لتناسب صدر الآية، ويحتمل أن يكون القائل نوحاً وأصحابه لأن الغالب ممن يسلم من الأمر الهائل بسبب اجتماع القوم الظلمة أنه يقول مثل هذا الكلام، ولأنه جارٍ مجرى الدعاء عليهم فجعله من كلام البشر أليق.
وأما النظر في الآية من جهة الفصاحة المعنوية فهي أنها كما ترى نظم للمعاني لطيف، وتأدية المراد بأبلغ وجه وأتمه.
وأما من جهة الفصاحة اللفظية فهي كالعسل في الحلاوة، وكالنسيم في الرقة عذبة على العذبات سلسة على الأسلات، ولعل ما تركنا من لطائف هذه الآية بل كل آية أكثر مما نذكر والله أعلم بمراده من كلامه.
﴿ ونادى نوح ربه ﴾ أي أراد أن يدعوه ﴿ فقال رب إن ابني من أهلي ﴾ بعض سواء كان من صلبه أو رببياً له ﴿ وإن وعدك ﴾ أي كل ما تعد به ﴿ الحق ﴾ الثابت الذي لا شك في إنجازه وقد وعدتني أن تنجي أهلي ﴿ وأنت أحكم الحاكمين ﴾ أعلمهم وأعدلهم لأنه لا فضل لحاكم على غيره إلا بالعلم والعدل، ويجوز أن يكون الحاكم بمعنى ذي الحكمة كدارع.
﴿ قال يا نوح إنه ليس من أهلك ﴾ أي من أهلك دينك أو من أهلك الذين وعدتهم الإنجاء معك.
ثم صرح بأن العبرة بقرابة الدين والعمل الصالح لا بقرابة النسب فقال: ﴿ إنه عمل غير صالح ﴾ من قرأ على لفظ الفعل فمعناه أنه عمل عملاً غير صالح وهو الإشراك والتكذيب، ومن قرأ على لفظ الاسم فللمبالغة كما يقال: فلان كرم وجود إذا غلب عليه الكرم والجود وفي قوله: ﴿ غير صالح ﴾ دون أن يقول "فاسد" تعريض بل تصريح بأنه إنما نجا من نجا بالصلاح، ويحتمل على هذه القراءة أن يعود الضمير في ﴿ إنه ﴾ إلى سؤال نوح أي إن نداءك هذا المتضمن لسؤال إنجاء ابنك عمل غير صالح.
وقيل: المراد أن هذا الابن ولد زنا وقد عرفت سقوطه.
ثم نهاه عن مثل هذا السؤال ووبخه عليه بقوله: ﴿ فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ﴾ قال المحققون: الظاهر أن ابنه كان منافقاً فلذلك اشتبه أمره على نوح، وحمله شفقة الأبوة أوّلاً على دعوته إلى ركوب السفينة، فلما حال بينهما الموج لجأ إلى الله في خلاصه من الغرق، فعوتب على ذلك لأنه لما وعده الله إنجاءه أهله واستثنى منهم من سبق عليه القول كان عليه أن يتوكل على الله حق توكله ويعلم أن كل من كان من أهله مؤمناً فإنه يخلص من الغرق لا محالة.
ولما لم يصبر إلى تبين الحال توجه إليه العتاب على ترك الأولى فلذلك تنبه ورجع إلى الله قائلاً ﴿ رب إني أعوذ بك أن أسألك ﴾ فيما يستقبل من الزمان ﴿ ما ليس لي به علم ﴾ تأدباً بآدابك واتعاظاً بعظتك.
﴿ وألا تغفر لي ﴾ ما فرط مني من الخطأ في باب الاجتهاد، أو من قلة الصبر على ما يجب عليه الصبر، وهذا التضرع مثل تضرع أبيه وأبينا آدم في قوله: ﴿ ربنا ظلمنا ﴾ الآية.
فلذلك عفى عنه.
﴿ وقيل يا نوح اهبط ﴾ أي من السفينة بعد استوائها على الجبل، أو انزل من الجبل إلى الفضاء ملتبساً ﴿ بسلام منا ﴾ بسلامة من التهديد والوعيد بل من جميع الآفات والمخافات، لأنه لما خرج من السفينة كان خائفاً من عدم المأكول والملبوس وسائر جهات الحاجات لأنه لم يبق في الأرض شيء يمكن أن ينتفع به من النبات والحيوانات.
وقيل: أي مسلماً عليك مكرماً.
والبركات الخيرات النامية الثابتة، وفسروها في هذا المقام بأنه وعد له بأن جميع أهل الأرض من الأشخاص الإنسانية يكون من نسله إما لأنه لم يكن في السفينة إلا من هو ذريته، وإما لأنه لما خرج من السفينة مات من لم يكن من أهله وبقي النسل والتوالد في ذرّيته، دليله قوله ﴿ وجعلنا ذريته هم الباقين ﴾ فنوح آدم الأصغر.
وقيل: لما وعده السلامة من الآفات وعده أن موجبات السلامة والراحة تكون في التزايذ والثبات لا عليك وحدك بل ﴿ وعلى أمم ممن معك ﴾ إن كان "من" للبيان فالمراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة لأنهم كانوا جماعات، أو هم أصل الأمم التي انشعبت منه.
وإن كان لابتداء الغاية فالمعنى على أمم ناشئة ممن معك إلى آخر الدهر.
وهذا شأن الأمة المؤمنة ثم ذكر حال الأمة الكافرة المتوالدة فقال: ﴿ وأمم ﴾ وهو رفع على الابتداء والخبر محذوف أي وممن معك أمم ﴿ سنمتعهم ﴾ في الدنيا ﴿ ثم يمسهم ﴾ في الآخرة ﴿ منا عذاب أليم ﴾ عن ابن زيد: هبطوا والله عنهم راض، ثم أخرج منهم نسلاً منهم من رحم ومنهم من عذب، وخصص بعضهم الأمم الممتعة بقوم هود وصالح ولوط وشعيب و ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى قصة نوح وهو مبتدأ والجمل بعدها أخبار.
وقوله ﴿ ولا قومك ﴾ للمبالغة كقول القائل: لا تعرف هذه المسألة لا أنت ولا قومك ولا أهل بلدك.
والمراد تفاصيل القصة وإلا فمجملها أشهر من أن يخفى.
ومعنى ﴿ من قبل هذا ﴾ أي من قبل هذا الإيحاء أو العلم الذي كسبته بالوحي، أو من قبل هذا الوقت وكأن هذه القصة أعيدت في هذه السورة تثبيتاً للنبي على إنذار قومه ولذلك ختمت بقوله: ﴿ فاصبر ﴾ كما صبر نوح و ﴿ إن العاقبة ﴾ الحميدة ﴿ للمتقين ﴾ .
التأويل: ﴿ ما نراك إلا بشراً مثلنا ﴾ أي مخلوقاً محتاجاً مثلنا.
وفيه أن النفس بنظرها السفلي ترى الروح العلوي سفلياً فلهذا تنظر إلى النبي ولا ترى نبوته الحميدة، بل تراه بنظر الكذب والسحر والجنون ﴿ إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ﴾ والأراذل من اتباع الروح البدن والجوارح الظاهرة، فإن الغالب على الخلق أن البدن يقبل دعوة الروح ويستعمل الجوارح بالأفعال الشرعية، ولكن النفس الأمارة تكون على كفرها ولا تخلي البدن أن يشتغل بالأعمال الشرعية الدينية إلا لغرض فاسد ومصلحة دنيوية كما هو المعتاد لأكثر الخلق.
﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ من طبع النفس أن تتأذى من استعمال البدن وجوارحه في التكاليف الشرعية فتقول للروح: إن ترد أن أومن بك وأتخلق بأخلاقك فأمتع البدن وجوارحه في التكاليف ﴿ من ينصرني من الله ﴾ من يمنعني من قهره إن منعت البدن من الطاعة، فاقتصر على مجرد إيمان النفس وتخلقها بأخلاق الروح كما هو معتقد أهل الفلسفة والإباحة يقولون: إن أصل العبودية معرفة الربوبية وجمعية الباطن والتحلي بالأخلاق الحميدة.
﴿ أفلا تذكرون ﴾ أن جميعة الباطن ونوره من نتائج استعمال الشرع في الظاهر؟
فالنور في الشرع والظلمة في الطبع، وإنما بعث الأنبياء ليخرجوا الخلق من ظلمات الطبع إلى نور الشرع ﴿ لن يؤتيهم الله خيراً ﴾ أي استعداداً لتحصيل الدرجات العلوية وإنهم مخلوقون من السفليات الله أعلم بما في نفس كل جارحة من استعداد تحصيل الكمال ﴿ وأنا بريء مما تجرمون ﴾ من التكذيب.
وفيه أن ذنوب النفس لا تؤثر في صفاء الروح ولا يتكدر بها ما كان الروح متبرئاً من ذنوب النفس متأسفاً على معاملات النفس وتتبع هواها.
﴿ وأوحي إلى نوح ﴾ الروح ﴿ أنه لن يؤمن من قومك ﴾ وهم القلب وصفاته والسر والنفس وصفاتها والبدن وجوارحه ﴿ إلا من قد آمن ﴾ من خواص العباد وهم القلب وصفاتها والسر وصفات النفس والبدن وجوارحه.
فأما النفس فإنها لا تؤمن أبداً اللهم إلا نفوس الأنبياء وخواص الأولياء فإنها تسلم أحياناً دون الإيمان ﴿ فلا تبتئس بما كانوا يفعلون ﴾ لأن أعمال الشر لنفوس السعداء كالجسد للإكسير ينقلب ذهباً مقبولاً عند طرح الروح عليها، فكذلك تنقلب أعمال الشر خيراً عند طرح التوبة عليها ﴿ أولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ ولا تبتئس على نفوس الأشقياء لأن أعمالها حجة الله على شقاوتهم، وبتلك السلاسل يسحبون في النار على وجوههم ﴿ واصنع الفلك ﴾ اتخذ يا نوح الروح سفينة الشريعة بنظرنا لا بنظرك فإن نظرك تبع الحواس يبصر ظاهرها ويغفل عن أسرارها ﴿ ولا تخاطبني في الذين ظلموا ﴾ فإن الظلم من شيم النفوس ﴿ إنهم مغرقون ﴾ في بحر الدنيا وشهواتها.
﴿ وكلما مر عليه ملأ ﴾ هم النفس وهواها وصفاتها ﴿ يسخرون ﴾ من استعمال أركان الشريعة إذ لم يفهموا حقائقها ﴿ حتى إذا جاء أمرنا ﴾ وهو حد البلوغ والركوب في سفينة الشريعة ﴿ وفار ﴾ ماء الشهوة من تنور القالب ﴿ قلنا احمل ﴾ في سفينة الشريعة من كل صفة وزوجها: كالشهوة وزوجها العفة.
والحرص وزوجها القناعة، والبخل وزوجها السخاء، والغضب وزوجه الحلم، وكذا الحقد مع السلامة، والعداوة مع المحبة، والكبر مع التواضع، والتأني مع العجلة ﴿ وأهلك ﴾ وهم صفات الروح لا النفس ﴿ ومن آمن ﴾ وهم القلب والسر.
وفي قوله : ﴿ وقال اركبوا فيها باسم الله ﴾ إشارة إلى أن من ركب سفينة الشرع بالطبع وتقليد الآباء والمعلمين لم يحصل له النجاة الحقيقية كما ركب إبليس بالطبع في سفينة نوح وإنما النجاة لمن ركب بأمر الله وذكره مجراها من الله ومرساها إلى الله كقوله: ﴿ وأن إلى ربك المنتهى ﴾ ﴿ في موج ﴾ من الفتن ﴿ كالجبال ونادى نوح ﴾ الروح ﴿ ابنه ﴾ كنعان النفس المتولد بينه وبين القالب ﴿ وكان في معزل ﴾ من معرفة الله وطلبه ﴿ سآوي إلى جبل ﴾ العقل ﴿ يعصمني من الماء ﴾ الفتن ﴿ لا عاصم اليوم ﴾ أي إذا نبع ماء الشهوات من أرض البشرية ونزل ماء ملاذ الدنيا وزينتها من سماء القضاء فلا يتخلص منه إلا من يرحمه الله بالاعتصام بسفينة الشريعة ﴿ ابلعي ﴾ ماء شهواتك ﴿ اقلعي ﴾ عن إنزال مطر الآفات ﴿ وغيض ﴾ ماء الفتن ببركة الشرع ﴿ وقضي الأمر ﴾ ما كان مقدراً من طوفان الفتن للابتلاء والتربية، ﴿ واستوت ﴾ سفينة الشريعة ﴿ على الجودي ﴾ وهو مقام التمكين بعد مقامات التلوين ﴿ وإن وعدك الحق ﴾ وهو ما وعد نوح الروح عند إهباطه إلى العالم السفلي من الرجوع إلى العالم العلوي: ﴿ إنه ليس من أهلك ﴾ وكان للروح أربعة بنين: ثلاثة من المؤمنين وهم القلب والسر والعقل، وواحد كافر وهو النفس.
فنفى عن النفس أهلية الدين والملة لأنها خلقت للأمارية ﴿ اهبط ﴾ من سفينة الشريعة عند مفارقة الجسد والخلاص من طوفان الفتن ﴿ وأمم سنمتعهم ﴾ هم النفوس متعت بالحظوظ الدنيوية ﴿ ثم يمسهم ﴾ في الآخرة عذاب البعد عن المألوفات، ﴿ فاصبر ﴾ على تربية الروح و النفس ﴿ إن العاقبة ﴾ لمن اتقى طوفان فتن الدنيا والنفس والهوى.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ ﴾ : أخبر أنه أرسله إلى قومه، ولم يفهم منه الإرسال من مكان إلى مكان؛ وكذلك قوله: ﴿ لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ ولم يكن مجيئه من مكان إلى مكان، فهذا يدل أنه لا يفهم من ذكر المجيء الانتقال من مكان إلى مكان؛ وكذلك الإرسال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ أي: نذير لمن عصى بالنار وبعقابه بين الإنذار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَن لاَّ تَعْبُدُوۤاْ ﴾ أي: لا تجعلوا عبادتكم إلا لمعبود هو معبود بشهادة خلقتكم؛ لأن خلقتهم تشهد على أنه هو المستحق للعبادة، لا من تعبدون من الأصنام والأوثان.
ويحتمل قوله: ﴿ أَن لاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ أي: وحدوا الله ولا تصرفوا الألوهية إلى غيره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴾ : أضاف [الألم إلى اليوم واليوم ليس بمؤلم ولكنه - والله أعلم - أضاف إليه؛ لما فيه يؤلم، وهو كقوله: ﴿ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً ﴾ والليل لا يسكن ولا يوصف به، لكنه يسكن] فيه، وكذلك قال: ﴿ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً ﴾ والنهار لا يبصر، لكنه يبصر فيه؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴾ لما فيه يكون العذاب الأليم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: الخوف في غيره لا يكون في الحقيقة خوفاً؛ وكذلك الرجاء في غيره لا يكون في الحقيقة رجاء، وفي نفسه يكون في الحقيقة خوفاً ورجاء؛ لما يلحقه ضرر في نفسه أن جعل به ذلك لغيره، ويلحقه نفع فيكون الخوف في نفسه حقيقة خوف والرجاء حقيقة رجاء، وأما في غيره لما لا يلحقه ضرر وإن حل ذلك لغيره، ولا ينال من النفع في الرجاء إن نال ذلك الغير، لكنه يخرج على وجهين: أحدهما: على العلم، أي: إني أعلم أنه ينزل بكم العذاب؛ نحو قوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ﴾ أي: علمتم.
وقوله: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ﴾ أي: فإن علمتم أن يضيعا حدود الله.
والثاني: يخاف عليهم إشفاقا منه؛ لأن الخلق جبلوا على أن يتألم بما يحل بغير حتى لا يكون في وسع بعض أن يروا ذلك في غيره.
على هذين الوجهين يخرج الخوف على غيره، وفي الخوف رجاء وفي الرجاء خوف؛ لأن الخوف إذا لم يكن فيه رجاء فهو إياس، وقال الله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ ، والرجاء إذا لم يكن فيه خوف فهو أمن قال: ﴿ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ...
﴾ كذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ ﴾ : قيل: أشراف قومه وأئمتهم.
﴿ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا ﴾ : وكذلك قال عامة القوم لرسلهم الذين بعثوا إليهم: ﴿ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا ﴾ ، كان هذا احتجاجهم في رد الرسالات يحتجون على الرسل فيقولون - والله أعلم -: إن الرسل في الشاهد إنما يجيئون من عند المرسل، وأنتم نشأتم بين أظهرنا لم تأتونا من [عند] أحد في الظاهر، والرسول هو الذي يأتي من عند غير، ويكون للرسول خصوصية عند المرسل، ولا نرى لك خصوصية لا في الخلقة ولا في القدرة والمال وغيره، فكيف بعثتم إلينا رسلا دون أن نبعث نحن إليكم رسلا؛ إذ أنتم ونحن في الخلقة سواء وفي الأمور الظاهرة سواء؟!
أو نحوه من الكلام، احتجوا على رسلهم في رد الرسالة؛ وكذلك كان عادة الكفرة يقولون للرسل إذا لزمتهم الحجة وأقيم عليهم نسبوها إلى السحر، ونسبوا الرسل أنهم بشر مثلهم.
فجواب هذا كله ما ذكر: ﴿ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ ، وما قال لهم نوح: ﴿ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيۤ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ ﴾ أي: آتاني رحمة من عنده، وجعل لي بينة وبرهانا على ما آتاني رحمة من عنده بمثل هذا يحتج عليهم.
ويقال أيضاً: إنكم لا تنكرون فضل الله وتخصيص بعض على بعض بما جعلكم أئمة ورؤساء بأمور الدنيا على غيرهم، فكيف تنكرون فضل الله وتخصيص بعض على بعض بفضل الدين والرسالة؟!.
وقوله: ﴿ وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ ﴾ : احتجوا أيضاً في رد الرسالة يقولون: إن الأراذل هم أتباع لكل من دعاهم وأهل طاعة لكل متبوع، فليس في اتباع الأراذل إياك والضعفاء دلالة ثبوت رسالتك؛ إذ هم يتبعون بلا دليل ولا حجة وهم فروع وأتباع لغير، ولم يتبعك أحد من الأصول.
لكن يقال: إن هؤلاء الأراذل لما اتبعوا الرسول ولم يتبعوا الأئمة والرؤساء الذين معهم الأموال والدنيا، ولم يكن في أيدي الرسل ذلك، ثم تركوا اتباع أولئك وفي أيديهم ما يدعوهم إليه واتبعوا الرسل دل أنهم إنما اتبعوا الرسل بالحجج والبراهين التي أقاموها عليهم أو نحوه.
والأراذل: قيل: هم السفهاء والضعفاء.
وقال القتبي: أراذلنا: شرارنا.
و ﴿ بَادِيَ ٱلرَّأْيِ ﴾ \[قال بعضهم: ظاهر الرأي؛\] من قولك: بدا لي ما كان خفيا.
وقال بعضهم: بادي الرأي: خفيف الرأي لا يعرفون حقائق الأمور، إنما يعرفون ظواهرها، كأنهم يقولون: إنما اتبعك من كان خفيف الرأي وباديه، لم يتبعك من يعرف حقائق الأمور والأصول.
وقد قرئ: (بادئ الرأي) بالهمز، وقد قرئ بغير همز.
ومن قرأ بالهمز فهو من الابتداء، أي: في أول الرأي وابتدائه لا ينظر في عواقب الأمور.
ومن قرأ بغير همز فهو من الظهور، أي: ظاهر الرأي على غير تفكر ونظر فيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ...
﴾ الآية: يحتمل هذا أي: فضلا في الخلقة، أو في ملك أو مال ولا في شيء، لكن جواب هذا ما سبق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ ﴾ : هكذا كانت عادة الكفرة، يردون دلالات الرسل والحجج بالظن لم يردوا لحقيقة ظهرت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيۤ ﴾ أي: على بيان من ربي، أو على حجة من ربي وبرهان فيما آتاني من رحمته.
والرحمة تحتمل النبوة لأنهم كانوا ينكرون رسالته لما أنه بشر مثلهم، فكيف خص هو بها دونهم وهو مثلهم؟!
فيقول: ﴿ وَآتَانِي رَحْمَةً ﴾ أي: النبوة، وآتاني - أيضاً - على ذلك بينة وحجة.
وتحتمل الرحمة الدين الذي كان يدعوهم إليه والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ قرئ بالتخفيف والتشديد، أي: لبست، أو التبس عليكم حيث أعرضتم عنه.
ومن قرأ: بالتشديد: ﴿ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ يرجع إلى الأتباع والسفلة، أي: عميت عليهم القادة والرؤساء منهم ولبست.
(وعميت) بالتخفيف أي: التبس، وعمي على القادة والرؤساء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنُلْزِمُكُمُوهَا ﴾ أي: أنوجبها عليكم، وهي التي ذكر أنه آتاها إياه أو البينة التي ذكر أيضاً أو الدين الذي كان يدعوهم إليه، أي: لا نوجبها عليكم ولا نلزمها، وأنتم لها كارهون بلا حجة ولا برهان.
﴿ وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ﴾ أي: لا نلزمها لكم بلا حجة شئتم أو أبيتم ولكن بحجة.
وفيه أن الدين لا يقبل بالإكراه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً ﴾ : على تبليغ الرسالة إليكم، أو على إقامة الحجة على ما أدعي من الرسالة، أو على الدين الذي يدعوهم إليه، أي: لا أسألكم على ذلك أجرا، فلماذا تعرضون عما أدعوكم إليه وأقيمه عليكم ليكون لكم الاحتجاج أو الاعتذار؟!
وكذلك يخرج قوله: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ ﴾ [أي: لا تسألهم أجرا على ما تبلغه إليهم ويدعوهم إليه]، فيمنعهم ثقل ذلك الغرم إجابتكم إياه، فعلى ذلك الأول ذكر هذا؛ لأن ما يلحق الإنسان من الضرر إنما يمنعه عن الإذعان بالحق [للخلق] والإقبال إليه والقيام بوفائه، أو يمنع ذلك لما لا يتبين له الحق لئلا يكون لهم الاحتجاج والاعتلال عند الله وإن لم يكن لهم حجة؛ وكقوله: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ ﴾ ليس على أنه إذا سألهم على ذلك أجرا يكون لهم عذر في ردِّ ذلك وترك الإجابة له؛ إذ لله أن يكلفهم الإجابة والطاعة له بالمال وبغير المال.
والثاني: بقوله: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه وأبلغكم إياه مالاً، مع حاجتي وقلة مالي، فيقع عندكم أني أدعوكم إليه رغبة فيما في أيديكم من الأموال أو لمنفعة نفسي بل إنما أدعوكم إلى ما أدعوكم إليه لمنفعة أنفسكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ أي: ما أجري إلا على الله في ذلك ليس عليكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ : فيه دلالة أنهم كأنهم كانوا سألوا رسولهم أن يتخذ لهم مجلسا على حدة، ويفرد لهم ذلك دون الأراذل والضعفاء الذين اتبعوه ويطرد الضعفاء؛ وهو كقوله: ﴿ وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ...
﴾ الآية [الأنعام: 52].
وقال أهل التأويل: ﴿ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ أي: ما أنا بالذي لا يقبل الإيمان من الأراذل والضعفاء عندكم؛ لقولهم حيث قالوا: ﴿ وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ ﴾ لأنهم يقولون: اتبعوك الأراذل ظاهراً، وأما في الباطن فليسوا على ذلك؛ ولذلك قال: ﴿ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيۤ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْراً ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِيۤ أَنْفُسِهِمْ ﴾ يعني: ما في قلوب السفلة فيقول: ما أنا بطارد الذين آمنوا ظاهراً الله أعلم بما في قلوبهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ ﴾ يحتمل وجهين؛ أي: ملاقو ربهم فيشكون مني إليه في رد إيمانهم، ويخاصمونني في ذلك ويطالبونني في طردي إياهم.
والثاني: أنهم ملاقو ربهم بإيمانهم ظاهراً كان إيمانهم أو باطناً [أي في حال هم يلاقون] ربهم فيجزيهم بما هم عليه ؛ كقوله: ﴿ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ﴾ يحتمل تجهلون ما أدعوكم إليه أو تجهلون في قولكم: إنهم إنما آمنوا واتبعوا في ظاهر الحال، وأما في السر فلا، أو تجهلون ما يلحقني في طردهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ ﴾ : أي: من يمنعني من عذاب الله، ﴿ إِن طَرَدتُّهُمْ ﴾ : على ما تدعونني إليه، أو من يمنعني من عذاب الله إن لم أقبل منهم الإيمان.
﴿ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ : أنه لا يسع لي ما تدعونني إليه من طرد هؤلاء أو رد إيمانهم، أو أفلا تذكرون فتؤمنون.
وما روي في حرف أبي بن كعب: (أنلزمكموها شطر أنفسنا) فمعناه أنلزمكموها نحن أنفسنا وأنتم قوم معاندون.
وفي حرف ابن عباس: (أنلزمكموها من شطر أنفسنا) أي: من تلقاء أنفسنا، أي: لا نقدر أن نلزمكم ذلك من تلقاء أنفسنا وأنتم كارهون لذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: يقول: ليس عندي خزائن الله والسعة، فأبذل لكم لتؤمنوا رغبة في المال والسعة.
والثاني: يقول: ليس عندي سعة، فيقع عندكم أني أدعوكم إلى ما أدعوكم إليه افتعالا رغبة في المال على ما يفعل المفتعلون للرغبة في المال، ولكن لتعلموا أني مكلف في ذلك.
والثالث: يحتمل ما ذكرنا من أسئلة كانت منهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ ﴾ : هذا القول منه لهم يحتمل الوجهين: أحدهما: أنه قال ذلك لهم على أثر أمور وأسئلة كانت منهم من نحو قولهم ﴿ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ ﴾ ، وقولهم لرسول الله : ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ ﴾ ، وقولهم: ﴿ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ ﴾ وأمثال ما كان منهم، فيقول لهم: ليس ذلك عندي وبيدي، إنما ذلك عند الله وبيده.
﴿ وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ ﴾ يحتمل أن يكونوا سألوه أن يخبرهم عن أمور تستقبلهم قبل أن تستقبلهم، إن كان شرا فيعدوا له في دفعه، وإن كان منافع فيستقبلوا لها ويتهيئوا، فيقول لهم: ذا غيب وأنا لا أعلم الغيب إنما العلم في ذلك إلى الله، ولا أقول: إني ملك أعلم أخبار السماء والأمور التي فيها، إنما أنا بشر مثلكم.
وعن ابن عباس - - قال: ﴿ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ ﴾ أي: مفاتيح الله في الرزق، فهذا كأنهم سألوه السعة فيتبعونه، فيقول: ليس عندي ذلك.
ويحتمل أن يكون قال لهم الرسول هذا لدفع الشبهة عنهم، وذلك أن من الكفار من اتخذ الرسول إلها فعبدوه بعدما عاينوا أنه من البشر.
ومنهم من قال: إنه ابن الله.
ومنهم من قال: إنه ملك، وكانوا يعبدون الملائكة وكانوا يخبرونهم عن أشياء غابت عنهم، فظنوا أنه إنما علم ذلك لأنه إله، فيقول لهم ذلك ليدفع عنهم تلك الشبهة ويتبرأ من ذلك؛ ولذلك قال عيسى: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً ﴾ هو - - كان يعلم في نفسه أنه عبد الله، ولكن يقول لهم لئلا ينسبوه إلى الألوهية والربوبية على ما نسبوا إليه، فأقر بالعبودية له، والله أعلم بذلك.
وقال بعض أهل التأويل: ﴿ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: مفاتيح الله بأنه يهدي السفلة دونكم، ﴿ وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ ﴾ أي: لا أقول: إن عندي علم ذلك أن الله يهديهم وهم مؤمنون في السر؛ وذلك كقوله: ﴿ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِيۤ أَنْفُسِهِمْ ﴾ : من الصدق.
﴿ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ ﴾ أي: إنما [أنا] بشر لقولهم: ﴿ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا...
﴾ إلى آخر الآية [هود: 27].
ثم قال: ﴿ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيۤ أَعْيُنُكُمْ ﴾ قيل: الذين حقرتموهم يعني السفلة والأتباع.
وقال ابن عباس: (الذين لم تأخذهم أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا) يعني إيماناً الله أعلم بما في أنفسهم من الصدق، إني إذا لمن الظالمين لهم إن لم أقبل منهم [الإيمان] أو طردتهم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فقال الأشراف والرؤساء الذين كفروا من قومه: لن نستجيب لدعوتك؛ لأنه لا مزية لك علينا، فأنت بشر مثلنا، ولأننا لا نراك اتبعك إلا سَفَلَتُنا فيما ظهر لنا من رأينا، ولأنه ليس لكم زيادة في الشرف والمال والجاه تؤهلكم لأن نتبعكم، بل نظنكم كاذبين فيما تدعونه.
<div class="verse-tafsir" id="91.Vnrg0"