الآية ٧٢ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٧٢ من سورة هود

قَالَتْ يَـٰوَيْلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٌۭ وَهَـٰذَا بَعْلِى شَيْخًا ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌۭ ٧٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 104 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٢ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٢ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا [ إن هذا لشيء عجيب ] ) حكى قولها في هذه الآية ، كما حكى فعلها في الآية الأخرى ، فإنها : ( قالت ياويلتى أألد وأنا عجوز ) وفي الذاريات : ( فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم ) [ الذاريات : 29 ] ، كما جرت به عادة النساء في أقوالهن وأفعالهن عند التعجب .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: قالت سَارة لما بُشِّرت بإسحاق أنَّها تلد تعجبًا مما قيل لها من ذلك، إذ كانت قد بلغت السن التي لا يلد من كان قد بلغها من الرجال والنساء ، * * * وقيل: إنها كانت يومئذ ابنة تسع وتسعين سنة، وإبراهيم ابن مائة سنة.

وقد ذكرت الرواية فيما روي في ذلك عن مجاهد قبلُ.

(1) وأما ابن إسحاق، فإنه قال في ذلك ما:- 18330- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: كانت سارَة يوم بُشِّرت بإسحاق ، فيما ذكر لي بعض أهل العلم ، ابنة تسعين سنة، وإبراهيم ابن عشرين ومائة سنة.

* * * ، (يَا وَيْلَتَا) وهي كلمة تقولها العرب عند التعجب من الشيء والاستنكار للشيء، فيقولون عند التعجب: " ويلُ أمِّه رجلا ما أرْجَله " !

(2) * * * وقد اختلف أهل العربية في هذه الألف التي في: (يا ويلتا) .

فقال بعض نحويي البصرة: هذه ألف حقيقة، إذا وقفت قلت: " يا ويلتاه "، وهي مثل ألف الندبة، فلطفت من أن تكون في السكت، وجعلت بعدها الهاء لتكون أبين لها ، وأبعد في الصوت .

ذلك لأن الألف إذا كانت بين حرفين كان لها صدًى كنحو الصوت يكون في جوف الشيء فيتردد فيه، فتكون أكثر وأبين.

* * * وقال غيره: هذه ألف الندبة، فإذا وقفت عليها فجائز، وإن وقفت على الهاء فجائز ، وقال: ألا ترى أنهم قد وقفوا على قوله: وَيَدْعُ الإِنْسَانُ ، [ سورة الإسراء: 11] ، فحذفوا الواو وأثبتوها، وكذلك: مَا كُنَّا نَبْغِ ، [ سورة الكهف: 64] ، بالياء، وغير الياء؟

قال: وهذا أقوى من ألف الندبة وهائها.

* * * قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي أن هذه الألف ألف الندبة، والوقف عليها بالهاء وغير الهاء جائز في الكلام لاستعمال العرب ذلك في كلامهم.

* * * وقوله: (أألد وأنا عجوز) ، تقول: أنى يكون لي ولد ، (وأنا عجوز وهذا بعلي شيْخًا) ، والبعل في هذا الموضع: الزوج ، وسمي بذلك لأنه قيم أمرها، كما سموا مالك الشيء " بعله "، وكما قالوا للنخل التي تستغني بماء السماء عن سقي ماء الأنهار والعيون " البعل "، لأن مالك الشيء القيم به، والنخل البعل ، بماء السمَاء حياتُه.

(3) * * * وقوله ، (إن هذا لشيء عجيب) ، يقول: إن كون الولد من مثلي ومثل بعلي على السن التي بها نحن لشيء عجيب .

--------------------------- الهوامش : (1) انظر ما سلف رقم : 18320 .

(2) انظر تفسير " الويل " فيما سلف 2 : 267 - 269 ، 273 .

(3) انظر تفسير " البعل " فيما سلف 4 : 526 ، 527 / 9 : 267 ، ولم يذكر فيهما مثل هذا التفصيل في معناه .

وهذا من فعله ، دال على طريقته في التأليف .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قالت يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيبفيه مسألتان :الأولى : " يا ويلتا " قال الزجاج : أصلها يا ويلتي ; فأبدل من الياء ألف ; لأنها أخف من الياء والكسرة ; ولم ترد الدعاء على نفسها بالويل ; ولكنها كلمة تخف على أفواه النساء إذا طرأ عليهن ما يعجبن منه ; وعجبت من ولادتها ومن كون بعلها شيخا لخروجه عن العادة ، وما خرج عن العادة مستغرب ومستنكر .و " أألد " استفهام معناه التعجب ." وأنا عجوز " أي شيخة .

ولقد عجزت تعجز عجزا وعجزت تعجيزا ; أي طعنت في السن .

وقد يقال : عجوزة أيضا .

وعجزت المرأة بكسر الجيم ; عظمت عجيزتها عجزا وعجزا بضم العين وفتحها .

قال مجاهد : كانت بنت تسع وتسعين سنة .

وقال ابن إسحاق : كانت بنت تسعين سنة .

وقيل غير هذا .[ ص: 63 ] الثانية : قوله تعالى : وهذا بعلي أي زوجي .

شيخا نصب على الحال ، والعامل فيه التنبيه أو الإشارة .

وهذا بعلي ابتداء وخبر .

وقال الأخفش : وفي قراءة ابن مسعود وأبي " وهذا بعلي شيخ " قال النحاس : كما تقول هذا زيد قائم ; فزيد بدل من هذا ; وقائم خبر الابتداء .

ويجوز أن يكون " هذا " مبتدأ " وزيد قائم " خبرين ; وحكى سيبويه : هذا حلو حامض .

وقيل : كان إبراهيم ابن مائة وعشرين سنة .

وقيل : ابن مائة فكان يزيد عليها في قول مجاهد سنة .

وقيل : إنها عرضت بقولها : وهذا بعلي شيخا أي عن ترك غشيانه لها .

وسارة هذه امرأة إبراهيم بنت هاران بن ناحور بن شاروع بن أرغو بن فالغ ، وهي بنت عم إبراهيم .إن هذا لشيء عجيب أي الذي بشرتموني به لشيء عجيب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا } فهذان مانعان من وجود الولد { إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قالت يا ويلتى ) نداء ندبة وهي كلمة يقولها الإنسان عند رؤية ما يتعجب منه ، أي : يا عجبا .

والأصل يا ويلتاه .

( أألد وأنا عجوز ) وكانت ابنة تسعين سنة في قول ابن إسحاق .

وقال مجاهد : تسعا وتسعين سنة .

( وهذا بعلي ) زوجي ، سمي بذلك لأنه قيم أمرها ، ( شيخا ) ؛ نصب على الحال ، وكان سن إبراهيم مائة وعشرين سنة في قول ابن إسحاق .

وقال مجاهد : مائة سنة ، وكان بين البشارة والولادة سنة ، ( إن هذا لشيء عجيب ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قالت يا ويلتى» كلمة تقال عند أمر عظيم والألف مبدلة من ياء الإضافة «أألد وأنا عجوز» لي تسع وتسعون سنة «وهذا بعلي شيخا» له مائة وعشرون نصبه على الحال والعامل فيه ما في ذا من الإشارة «إن هذا لشيء عجيب» أن يولد ولد لهرمين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قالت سارة لما بُشِّرت بإسحاق متعجبة: يا ويلتا كيف يكون لي ولد وأنا عجوز، وهذا زوجي في حال الشيخوخة والكبر؟

إن إنجاب الولد مِن مثلي ومثل زوجي مع كبر السن لَشيء عجيب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ولا شك أن المرأة عندما تكون قد بلغت سن اليأس .

ولم يكن لها ولد ، ثم تأتيها مثل هذه البشارة يهتز كيانها ، ويزداد عجبها ، ولذا قالت على سبيل الدهشة والاستغراب : ( ياويلتى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ) .وكلمة ( ياويلتى ) تستعمل فى التحسر والتألم والتفجع عند نزول مكروه .والمراد بها هنا : التعجب لا الدعاء على نفسها بالويل والهلاك ، وهى كلمة كثيرة الدوران على أفواه النساء إذا طرأ عليهن ما يدهشن له ، ويتعجبن منه .أى : قالت بدهشة وعجب عندما سمعت بشارة الملائكة لها بالود وبولد الولد : يا للعجب أألد وأنا امرأة عجوز ، قد بلغت سن اليأس من الحمل منذ زمن طويل ، ( وهذا بَعْلِي ) أى : زوجى إبراهيم " شيخا " كبيراً متقدماً فى السن .قال الجمل : وهاتان الجملتان - ( وَأَنَاْ عَجُوزٌ وهذا بَعْلِي شَيْخاً ) - فى محل النصب على الحال من الضمير المستتر فى ( أألد ) وشيخاً حال من بعلى ، والعامل فيه اسم الإِشارة لما فيه من معنى الفعل .وقوله - كما حكى القرآن عنها - ( إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ) - أى : إن هذا الذى بشرتمونى به من حصول الولد لى فى تلك السن المتقدمة ( لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ) فى مجرى العادة عند النساء .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الفراء أصل الويل وي، وهو الخزي، ويقال: وي لفلان أي خزي له فقوله ويلك أي خزي لك، وقال سيبويه: ويح زجر لمن أشرف على الهلاك، وويل لمن وقع فيه.

قال الخليل: ولم أسمع على بنائه إلا ويح، وويس، وويك، وويه، وهذه الكلمات متقاربة في المعنى وأما قوله: ﴿ يا ويلتا ﴾ فمنهم من قال هذه الألف ألف الندبة وقال صاحب الكشاف: الألف في ويلتا مبدلة من ياء الإضافة في ﴿ يا ويلتي ﴾ وكذلك في يا لهفا ويا عجبا ثم أبدل من الياء والكسرة الألف والفتحة، لأن الفتح والألف أخف من الياء والكسرة.

أما قوله: ﴿ ءأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وهذا بَعْلِى شَيْخًا ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو آلد بهمزة ومدة، والباقون بهمزتين بلا مد.

المسألة الثانية: لقائل أن يقول إنها تعجبت من قدرة الله تعالى والتعجب من قدرة الله تعالى يوجب الكفر، بيان المقدمة الأولى من ثلاثة أوجه: أولها: قوله تعالى حكاية عنها في معرض التعجب ﴿ ءألد وَأَنَاْ عَجُوزٌ ﴾ .

وثانيها: قوله: ﴿ إِنَّ هذا لَشَئ عَجِيبٌ ﴾ .

وثالثها: قول الملائكة لها ﴿ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله ﴾ وأما بيان أن التعجب من قدرة الله تعالى يوجب الكفر، فلأن هذا التعجب يدل على جهلها بقدرة الله تعالى، وذلك يوجب الكفر.

والجواب: أنها إنما تعجبت بحسب العرف والعادة لا بحسب القدرة فإن الرجل المسلم لو أخبره مخبر صادق بأن الله تعالى يقلب هذا الجبل ذهباً إبريزاً فلا شك أنه يتعجب نظراً إلى أحوال العادة لا لأجل أنه استنكر قدرة الله تعالى على ذلك.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ وهذا بَعْلِى شَيْخًا ﴾ فاعلم أن شيخاً منصوب على الحال، قال الواحدي رحمه الله: وهذا من لطائف النحو وغامضه فإن كلمة هذا للإشارة، فكان قوله: ﴿ وهذا بَعْلِى شَيْخًا ﴾ قائم مقام أن يقال أشير إلى بعلي حال كونه شيخاً، والمقصود تعريف هذه الحالة المخصوصة وهي الشيخوخة.

المسألة الرابعة: قرأ بعضهم ﴿ وهذا بَعْلِى شَيْخًا ﴾ على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هذا بعلي وهو شيخ، أو بعلي بدل من المبتدأ وشيخ خبر أو يكونان معاً خبرين، ثم حكى تعالى أن الملائكة قالوا: ﴿ رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت ﴾ والمعنى: أنهم تعجبوا من تعجبها، ثم قالوا: ﴿ قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله رَحْمَتُ ﴾ والمقصود من هذا الكلام ذكر ما يزيل ذلك التعجب وتقديره: إن رحمة الله عليكم متكاثرة وبركاته لديكم متوالية متعاقبة، وهي النبوة والمعجزات القاهرة والتوفيق للخيرات العظيمة فإذا رأيت أن الله خرق العادات في تخصيصكم بهذه الكرامات العالية الرفيعة وفي إظهار خوارق العادات وإحداث البينات والمعجزات، فكيف يليق به التعجب.

وأما قوله: ﴿ أَهْلَ البيت ﴾ فإنه مدح لهم فهو نصب على النداء أو على الاختصاص، ثم أكدوا ذلك بقولهم: ﴿ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ ﴾ والحميد هو المحمود وهو الذي تحمد أفعاله، والمجيد الماجد، وهو ذو الشرف والكرم، ومن محامد الأفعال إيصال العبد المطيع إلى مراده ومطلوبه، ومن أنواع الفضل والكرم أن لا يمنع الطالب عن مطلوبه، فإذا كان من المعلوم أنه تعالى قادر على الكل وأنه حميد مجيد، فكيف يبقى هذا التعجب في نفس الأمر فثبت أن المقصود من ذكر هذه الكلمات إزالة التعجب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَرْسَلْنَا ﴾ يريد الملائكة.

عن ابن عباس: جاءه جبريل عليه السلام وملكان معه.

وقيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل.

وقيل: كانوا تسعة.

وعن السدي: أحد عشر ﴿ بالبشرى ﴾ هي البشارة بالولد، وقيل: بهلاك قوم لوط، والظاهر الولد ﴿ سلاما ﴾ سلمنا عليك سلاماً ﴿ سلاما ﴾ أمركم سلام.

وقرئ: ﴿ فقالوا سلما قال سلم ﴾ بمعنى السلام.

وقيل: سلم وسلام، كحرم وحرام، وأنشد: مَرَرْنَا فَقُلْنَا إيِه سِلْمٌ فَسَلَّمَت ** كَمَا اكْتَلَّ بِالبَرْقِ الْغَمَامُ اللَّوَائِحُ ﴿ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء ﴾ فما لبث في المجيء به، بل عجل فيه، أو فما لبث مجيئه.

والعجل: ولد البقرة، ويسمى الحسيل والخبش بلغة أهل السراة، وكان مال إبراهيم عليه الصلاة والسلام البقر ﴿ حنيذ ﴾ مشويّ بالرضف في أخدود.

وقيل ﴿ حَنِيذٍ ﴾ يقطر دسمه، من حنذت الفرس إذا ألقيت عليها الجل حتى تقطر عرقاً، ويدل عليه ﴿ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ﴾ [الذاريات: 26] .

يقال: نكره وأنكره واستنكره، ومنكور قليل في كلامهم، وكذلك: أنا أنكرك، ولكن منكر ومستنكر، وأنكرك.

قال الأعشى: وَأَنْكَرَتْني وَمَا كَانَ الَّذِي نَكِرَت ** مِنَ الْحَوَادِثِ إلاّ الشَّيْبَ والصَّلَعَا قيل: كان ينزل في طرف من الأرض فخاف أن يريدوا به مكروهاً.

وقيل: كانت عادتهم أنه إذامسّ من يطرقهم طعامهم أمنوه وإلا خافوه، والظاهر أنه أحسّ بأنهم ملائكة، ونكرهم لأنه تخوّف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله عليه أو لتعذيب قومه، ألا ترى إلى قولهم: ﴿ لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط ﴾ وإنما يقال هذا لمن عرفهم ولم يعرف فيم أرسلوا ﴿ فَأَوْجَسَ ﴾ فأضمر.

وإنما قالوا: ﴿ لاَ تَخَفْ ﴾ لأنهم رأوا أثر الخوف والتغير في وجهه.

أو عرفوه بتعريف الله.

أو علموا أن علمه بأنهم ملائكة موجب للخوف، لأنهم كانوا لا ينزلون إلا بعذاب ﴿ وامرأته قَآئِمَةٌ ﴾ قيل: كانت قائمة وراء الستر تسمع تحاورهم.

وقيل: كانت قائمة على رؤسهم تخدمهم.

وفي مصحف عبد الله: وامرأته قائمة وهو قاعد ﴿ فَضَحِكَتْ ﴾ سروراً بزوال الخيفة أو بهلاك أهل الخبائث.

أو كان ضحكها ضحك إنكار لغفلتهم وقد أظلهم العذاب.

وقيل: كانت تقول لإبراهيم: اضمم لوطاً ابن أخيك إليك فإني أعلم أنه ينزل بهؤلاء القوم عذاب، فضحكت سروراً لما أتى الأمر على ما توهمت.

وقيل ضحكت فحاضت.

وقرأ محمد بن زياد الأعرابي ﴿ فضحكت ﴾ بفتح الحاء ﴿ يَعْقُوبَ ﴾ رفع بالابتداء، كأنه قيل: ومن وراء إسحاق يعقوب مولود أو موجود، أي من بعده.

وقيل الوراء: ولد الولد.

وعن الشعبي أنه قيل له: أهذا ابنك؟

فقال نعم، من الوراء، وكان ولد ولده.

وقرئ: ﴿ يعقوب ﴾ بالنصب، كأنه قيل.

ووهبنا لها إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، على طريقة قوله: ......

لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً ** وَلاَ نَاعِبٍ............

الألف في ﴿ يا ويلتا ﴾ مبدلة من ياء الإضافة، وكذلك في (يالهفاً) و (ياعجباً) وقرأ الحسن: ﴿ يا ويلتي ﴾ بالياء على الأصل.

و ﴿ شَيْخًا ﴾ نصب بما دلّ عليه اسم الإشارة.

وقرئ: ﴿ شيخ ﴾ على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا بعلي هو شيخ.

أو بعلي: بدل من المبتدأ، وشيخ: خبر، أو يكونان معاً خبرين.

قيل: بشرت ولها ثمان وتسعون سنة، ولإبراهيم مائة وعشرون سنة ﴿ إِنَّ هذا لَشَيْء عَجِيبٌ ﴾ أن يولد ولد من هرمين، وهو استبعاد من حيث العادة التي أجراها الله.

وإنما أنكرت عليها الملائكة تعجبها ف ﴿ قالوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله ﴾ لأنها كانت في بيت الآيات ومهبط المعجزات والأمور الخارقة للعادات، فكان عليها أن تتوقر، ولا يزدهيها ما يزدهي النساء الناشئآت في غير بيوت النبوة، وأن تسبح الله وتمجده مكان التعجب، وإلى ذلك أشارت الملائكة صلوات الله عليهم في قولهم: ﴿ رَحْمَتُ الله وبركاته عَلَيْكُمْ ﴾ أرادوا أن هذه وأمثالها مما يكرمكم به رب العزة ويخصكم بالإنعام به يا أهل بيت النبوّة، فليست بمكان عجب.

وأمر الله: قدرته وحكمته: وقوله: ﴿ رَحْمَتُ الله وبركاته عَلَيْكُمْ ﴾ كلام مستأنف علل به إنكار التعجب، كأنه قيل: إياك والتعجب، فإنّ أمثال هذه الرحمة والبركة متكاثرة من الله عليكم.

وقيل: الرحمة النبوة، والبركات الأسباط من بني إسرائيل، لأنّ الأنبياء منهم، وكلهم من ولد إبراهيم ﴿ حَمِيدٌ ﴾ فاعل ما يستوجب به الحمد من عباده ﴿ مَّجِيدٌ ﴾ كريم كثير الإحسان إليهم.

وأهل البيت: نصب على النداء أو على الاختصاص لأن ﴿ أَهْلَ البيت ﴾ مدح لهم؛ إذ المراد: أهل بيت خليل الرحمن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَتْ يا ويْلَتى ﴾ يا عَجَبًا، وأصْلُهُ في الشَّرِّ فَأُطْلِقَ عَلى كُلِّ أمْرٍ فَظِيعٍ.

وقُرِئَ بِالياءِ عَلى الأصْلِ.

﴿ أألِدُ وأنا عَجُوزٌ ﴾ ابْنَةُ تِسْعِينَ أوْ تِسْعٍ وتِسْعِينَ.

﴿ وَهَذا بَعْلِي ﴾ زَوْجِي وأصْلُهُ القائِمُ بِالأمْرِ.

﴿ شَيْخًا ﴾ ابْنُ مِائَةٍ أوْ مِائَةٍ وعِشْرِينَ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ والعامِلُ فِيها مَعْنى اسْمِ الإشارَةِ.

وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ أيْ هو شَيْخٌ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ هو الخَبَرُ وبَعْلِي بَدَلٌ.

﴿ إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ يَعْنِي الوَلَدَ مِن هَرِمَيْنِ، وهو اسْتِعْجابٌ مِن حَيْثُ العادَةِ دُونَ القُدْرَةِ ولِذَلِكَ: ﴿ قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ ﴾ مُنْكِرِينَ عَلَيْها فَإنَّ خَوارِقَ العاداتِ بِاعْتِبارِ أهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ ومَهْبِطِ المُعْجِزاتِ، وتَخْصِيصُهم بِمَزِيدِ النِّعَمِ والكَراماتِ لَيْسَ بِبِدْعٍ ولا حَقِيقَ بِأنْ يَسْتَغْرِبَهُ عاقِلٌ فَضْلًا عَمَّنْ نَشَأتْ وشابَتْ في مُلاحَظَةِ الآياتِ، وأهْلَ البَيْتِ نُصِبَ عَلى المَدْحِ أوِ النِّداءِ لِقَصْدِ التَّخْصِيصِ كَقَوْلِهِمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا أيَّتُها العِصابَةُ.

﴿ إنَّهُ حَمِيدٌ ﴾ فاعِلٌ ما يَسْتَوْجِبُ بِهِ الحَمْدَ.

﴿ مَجِيدٌ ﴾ كَثِيرُ الخَيْرِ والإحْسانِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قالت يا ويلتى} الألف مبدلة من ياء الإضافة وقرأ الحسن يا ويلتى بالياء على الأصل {أألد وَأَنَاْ عَجُوزٌ} ابنة تسعين سنة {وهذا بَعْلِى شَيْخًا} ابن مائة وعشرين سنة هذا مبتدأ وبعلى خبره وشيخنا حال والعامل معنى الإشارة التي دلت عليه ذا أو معنى التنبيه الذي دل عليه هذا {إِنَّ هذا لَشَىْء عَجِيبٌ} أن يولد ولد من هرمين وهو استبعاد من حيث العادة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَتْ ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّ سائِلًا سَألَ ما فَعَلَتْ حِينَ بُشِّرَتْ؟

فَقِيلَ: قالَتْ: ﴿ يا ويْلَتى ﴾ مِنَ الوَيْلِ وأصْلُهُ الخِزْيُ، ويُسْتَعْمَلُ في كُلِّ أمْرٍ فَظِيعٍ، والمُرادُ هُنا التَّعَجُّبُ وقَدْ كَثُرَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ عَلى أفْواهِ النِّساءِ إذا طَرَأ عَلَيْهِنَّ ما يَتَعَجَّبْنَ مِنهُ، والظّاهِرُ أنَّ الألِفَ بَدَلٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ، ولِذا أمالَها أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةٍ، وبِهَذا يَلْغُزُ فَيُقالُ: ما ألِفٌ هي ضَمِيرُ مُفْرَدٍ مُتَكَلِّمٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ (يا ويْلَتِي) بِالياءِ عَلى الأصْلِ، وقِيلَ: إنَّها ألِفُ النُّدْبَةِ ولِذا يُلْحِقُونَها الهاءَ فَيَقُولُونَ: يا ويْلَتاهُ ﴿ أألِدُ وأنا عَجُوزٌ ﴾ ابْنَةُ تِسْعِينَ سَنَةً عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، أوْ تِسْعٍ وتِسْعِينَ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ.

﴿ وهَذا ﴾ الَّذِي تُشاهِدُونَهُ ﴿ بَعْلِي ﴾ أيْ زَوْجِي، وأصْلُ البَعْلِ القائِمُ بِالأمْرِ فَأُطْلِقَ عَلى الزَّوْجِ لِأنَّهُ يَقُومُ بِأمْرِ الزَّوْجَةِ، وقالَ الرّاغِبُ: هو الذَّكَرُ مِنَ الزَّوْجَيْنِ وجَمْعُهُ بُعُولَةٌ نَحْوَ فَحْلٍ وفُحُولَةٍ، ولِما تَصَوَّرُوا مِنَ الرَّجُلِ اسْتِعْلاءً عَلى المَرْأةِ فَجُعِلَ سائِسَها والقائِمَ عَلَيْها؛ وسُمِّيَ بِهِ شِبْهُ كَلِّ مُسْتَعْلٍ عَلى غَيْرِهِ بِهِ فَسُمِّيَ بِاسْمِهِ، ومِن هُنا سَمّى العَرَبُ مَعْبُودَهُمُ الَّذِي يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى بَعْلًا لِاعْتِقادِهِمْ ذَلِكَ فِيهِ ﴿ شَيْخًا ﴾ ابْنَ مِائَةِ سَنَةٍ أوْ مِائَةٍ وعِشْرِينَ، وهو مِن شاخَ يَشِيخُ، وقَدْ يُقالُ: لِلْأُنْثى شَيْخَةٌ كَما قالَ: وتَضْحَكُ مِنِّي (شَيْخَةٌ) عَبْشَمِيَّةٌ.

ويُجْمَعُ عَلى أشْياخٍ وشُيُوخٍ وشِيخانٍ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، والعامِلُ فِيهِ ما في هَذا مِن مَعْنى الإشارَةِ أوِ التَّنْبِيهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومِثْلُ هَذِهِ الحالِ مِن لَطِيفِ النَّحْوِ وغامِضِهِ إذْ لا تَجُوزُ إلّا حَيْثُ يُعْرَفُ الخَبَرُ، فَفي قَوْلِكَ: هَذا زَيْدٌ قائِمًا لا يُقالُ إلّا لِمَن يَعْرِفُهُ فَيُفِيدُهُ قِيامُهُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ زَيْدًا عِنْدَ عَدَمِ القِيامِ ولَيْسَ بِصَحِيحٍ فَهُنا بَعْلِتَّيُهُ مَعْرُوفَةٌ، والمَقْصُودُ بَيانُ شَيْخُوخَتِهِ وإلّا لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ بَعْلُها قَبْلَ الشَّيْخُوخَةِ قالَهُ الطِّيبِيُّ، ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّهُ إنَّما يَتَوَجَّهُ إذا لَمْ تَكُنِ الحالُ لازِمَةً غَيْرَ مُنْفَكَّةٍ، أمّا في نَحْوِ هَذا أبُوكَ عَطُوفًا فَلا يَلْزَمُ المَحْذُورُ، والحالُ هَهُنا مُبَيِّنَةٌ هَيْئَةَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ لِأنَّ العامِلَ فِيها ما أُشِيرَ إلَيْهِ، وبِذَلِكَ التَّأْوِيلِ يَتَّحِدُ عامِلُ الحالِ وذِيها، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ هَذا يَعْمَلُ عَمَلَ كانَ و(شَيْخًا) خَبَرُهُ وسُمُّوهُ تَقْرِيبًا.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ -وهُوَ في مُصْحَفِهِ- والأعْمَشُ -شَيْخٌ- بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مَحْذُوفٍ أيْ هو شَيْخٌ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وفي البَحْرِ إنَّ الكَلامَ عَلى هَذا كَقَوْلِهِمْ: هَذا حُلْوٌ حامِضٌ، أوْ هو الخَبَرُ، و(بَعْلِي) بَدَلٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، أوْ بَيانٌ لَهُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ (بَعْلِي) الخَبَرَ، و-شَيْخٌ- تابِعًا لَهُ، وكِلْتا الجُمْلَتَيْنِ وقَعَتْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (أألِدُ) لِتَقْرِيرِ ما فِيهِ مِن الِاسْتِبْعادِ وتَعْلِيلُهُ أيْ أألِدُ وكِلانا عَلى حالَةٍ مُنافِيَةٍ لِذَلِكَ، وإنَّما قَدَّمَتْ بَيانَ حالِها عَلى بَيانِ حالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ مُبايَنَةَ حالِها لِما ذُكِرَ مِنَ الوِلادَةِ أكْثَرُ، إذْ رُبَّما يُولَدُ لِلشُّيُوخِ مِنَ الشَّوابِّ أمّا العَجائِزُ داؤُهُنَّ عِقامٌ، ولِأنَّ البِشارَةَ مُتَوَجِّهَةٌ إلَيْها صَرِيحًا، ولِأنَّ العَكْسَ في البَيانِ رُبَّما يُوهِمُ مِن أوَّلِ الأمْرِ نِسْبَةَ المانِعِ عَنِ الوِلادَةِ إلى جانِبِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وفِيهِ ما لا يَخْفى مِنَ المَحْذُورِ، واقْتِصارُها في الِاسْتِبْعادِ عَلى وِلادَتِها مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِحالِ النّافِلَةِ لِأنَّها المُسْتَبْعَدَةُ، وأمّا وِلادَةُ ولَدِها فَلا يَتَعَلَّقُ بِها اسْتِبْعادٌ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، ﴿ إنَّ هَذا ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِن حُصُولِ الوَلَدِ مِن هَرَمَيْنِ مِثْلِنا، وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى الوِلادَةِ أوِ البِشارَةِ بِها، والتَّذْكِيرُ لِأنَّ المَصْدَرَ في تَأْوِيلِ (إنَّ) مَعَ الفِعْلِ ولَعَلَّ المَآلَ أنَّ هَذا الفِعْلَ ﴿ لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ أيْ مِن سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى المَسْلُوكَةِ في عِبادِهِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ التَّحْقِيقِيِّ ومَقْصِدُها كَما قِيلَ: اسْتِعْظامُ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْها في ضِمْنِ الِاسْتِعْجابِ العادِيِّ لا اسْتِبْعادُ ذَلِكَ مِن حَيْثُ القُدْرَةِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى يعني: ببشارة الولد.

وذلك أن مدينة يقال لها: سدوما، ويقال: سدوم، وكانت بلدة فيها من السعة والخير ما لم يكن في سائر البلدان، وكان الغرباء يحضرون من سائر البلدان في أيام الصيف، ويجمعون من فضل ثمارهم مما كان خارجاً من الكروم والحدائق.

فجاء إبليس عليه اللعنة، فشبه نفسه بغلام أمرد، وجعل يدخل كرومهم وحدائقهم ويراودهم إلى نفسه، حتى أظهر فيهم الفاحشة.

وجاء إلى نسائهم، وقال: إن الرجال قد استغنوا عنكن، فعلَّمَهُنَّ أن يستغنين عن الرجال، حتى استغنى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء.

فأوحى الله تعالى إلى لوط ليدعوهم إلى الإيمان ويمتنعوا عن الفواحش، فلم يمتنعوا.

فبعث الله جبريل ومعه أحد عشر من الملائكة بإهلاكهم، فجاؤوا إلى إبراهيم كهيئة الغلمان، فدخلوا على إبراهيم، فنظر فرأى اثني عشر غلاماً أمرد، ويقال: كانوا ثلاثة جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، ويقال: كانوا أربعة، فسلموا عليه قالُوا سَلاماً قالَ إبراهيم سَلامٌ يعني: ردّ عليهم السلام.

قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ كلاهما سلام، إلا أن الأول صار نصباً، لوقوع الفعل عليه، والآخر رفعاً بالحكاية، ومعناه: قال: قولاً فيه سلام.

وقرأ حمزة والكسائي: قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ بكسر السين، وسكون اللام، يعني: أمري سلم، ما أريد إلا السلامة.

فَما لَبِثَ يعني: فما مكث أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ قال السِّدِيّ: الحنيذ السمين، كما قال في آية أخرى: بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات: 26] ويقال: حَنِيذٍ يعني: نضيج.

ويقال: المشوي الذي يقطر منه الودك.

وقال أهل اللغة بأجمعهم: الحنيذ، المشوي بغير تنور، وهو أن يتخذ له في الأرض حنذاً، فيلقى فيه.

قال مقاتل: إنما جاءهم بعجل، لأنه كان أكثر ماله البقر، فلما قربه إليهم ووضع بين أيديهم كفوا ولم يأكلوا، ولم يتناولوا منه.

قوله: فَلَمَّا رَأى إبراهيم أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ يعني: إلى الطعام ولم يمدّوا أيديهم إلى الطعام نَكِرَهُمْ يقول: أنكرهم وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً يعني: وأضمر منهم خوفاً، حيث لم يأكلوا من طعامه، وظن أنهم لصوص.

وذلك أنه في ذلك الزمان إذا لم يأكل أحد من طعام إنسان، يخاف عليه غائلته، قالُوا لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ بهلاكهم.

وقال السدي: لما لم يأكلوا من الطعام، قال لهم إبراهيم  : ما لكم لا تأكلون طعامي؟

قالوا: إنا قوم لا نأكل طعاماً إلا بثمن.

فقال إبراهيم: إن لطعامي ثمناً، فأصيبوا منه.

قالوا: وما ثمنه؟

قال: تذكرون اسم الله عليه في أوله، وتحمدونه في آخره.

فقال جبريل لميكائيل: حق لهذا أن يتخذه الله خليلاً.

قوله تعالى: وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ وفي الآية تقديم، يعني: بشرناها بإسحاق، فضحكت سروراً.

ويقال: ضحكت تعجباً من خوف إبراهيم ورعدته في حشمه وخدمه، ولم يخف ولم يرتعد من نمرود الجبار حين قذفه في النار، وهذا قول القتبي.

وقال عكرمه في قوله: فَضَحِكَتْ يعني: حاضت.

يقال: ضحكت الأرنب، إذا حاضت.

وغيره من المفسرين جعلها الضحك بعينه، وكذلك هو في التوراة.

قرأت فيها أنها حين بشرت بالغلام، ضحكت في نفسها، وقالت: من بعد ما بليت أعود شابة؟

وقال قتادة: ضحكت من أمر القوم وغفلتهم، وجبريل جاءهم بالعذاب، يعني: قوم لوط فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ قال الشعبي: «الوراء، ولد الولد» .

وروى حبيب بن أبي ثابت، أن رجلاً دخل على ابن عباس ومعه ابن ابنه، فقال له: من هذا؟

فقال ابن ابني.

فقال: ابنك من وراء، فوجد الرجل في نفسه، فقرأ ابن عباس: وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ وقال مقاتل: يعني: ومن بعد إسحاق يعقوب.

وقال أبو عبيدة: الوراء ولد الولد.

وقرأ ابن عامر، وحمزة، وعاصم في رواية حفص يعقوب، بنصب الباء، وقرأ الباقون بالضم.

فمن قرأ بالضم، فهو على معنى الابتداء، يعني: ويكون من وراء إسحاق، يَعْقُوبُ.

ومن قرأ بالنصب، فهو عطف على قوله: بِإِسْحاقَ فيكون في موضع خَفْضٌ، إلاّ أنّه لا ينصرف.

قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ يعني: عقيماً لم ألد قط، وقد كبرت في السن، وَهذا بَعْلِي شَيْخاً قال الكلبي: كانت سارة ابنة ثمان وتسعين سنة، وكان إبراهيم ابن تسع وتسعين سنة، أكبر منها بسنة.

وقال الضحاك: كان إبراهيم ابن مائة وعشرين سنة، وسارة بنت تسع وتسعين سنة، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ أي: لأمر عجيب قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ يعني: من قدرة الله رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ يعني: نعمته وسعادته عليكم، أَهْلَ الْبَيْتِ يعني: يا أهل البيت.

ويقال: أَتَعْجَبِينَ أي: ألا تعلمين أن رحمة لله وبركاته عليكم أن يستخرج الأنبياء كلهم من هذا البيت؟

وقال السدي: أخذ جبريل عوداً من الأرض يابساً، فدلكه بين أصبعيه، فإِذا هو شجرة تهتز، فعرفت أنه من الله تعالى.

ثم قال إِنَّهُ حَمِيدٌ في فعاله، ويقال: حميد لأعمالكم، مَجِيدٌ يعني: شريفا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقال ص: قد تقرّر في أَرَأَيْتُمْ أنها بمعنى أخبروني.

انتهى.

وال تَخْسِيرٍ هو من الخسَارَةِ، وليس التخْسِيرُ في هذه الآية إِلا لهم، وفي حَيِّزِهم، وهذا كما تقولُ لمن تُوصِيهِ: أَنا أريدُ بكَ خَيْراً، وأَنْتَ تريدُ بي شَرًّا.

وقال ص: غَيْرَ تَخْسِيرٍ: من خَسِرَ، وهو هنا للنسبيَّةِ ك «فَسَّقْتُهُ وَفَجَّرْتُهُ» إِذا نسبتَهُ إِليهما.

ت: ونقل الثعلبيّ عن الحسيْنِ بْنِ الفَضْل، قال: لم يكُنْ صَالِحٌ في خسارةٍ، حين قال: فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ، وإِنما المعنى: ما تزيدُونَني بما تقولُونَ إِلاَّ نسبتي إِياكم للخَسَارة، وهو مِنْ قول العرب: فَسَّقْتُهُ وَفَجَّرْتُهُ إِذا نسبته إِلى الفسوق والْفُجور.

انتهى.

وهو حسنٌ.

وباقي الآية بيّن قد تقدّم الكلام في قصصها.

وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (٦٨) وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١)

وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ: قال أبو البقاء: في حَذْف التاءِ من «أخذ» ثلاثةُ أَوْجُهٍ:

أحدها: أنه فَصَلَ بين الفعل والفاعل.

والثاني: أن التأنيثَ غير حقيقيٍّ.

والثالث: أن الصيْحَة بمعنى الصِّيَاحِ، فحُمِلَ على المعنى، انتهى.

وقد أشار ع»

: إِلى الثلاثَة، واختار الأخير.

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى: الرسُلُ: الملائكة، قال المَهْدوِيُّ: بِالْبُشْرى يعني: بالولدِ، وقيل: البشرى بهلاك قوم لوط انتهى.

قالُوا سَلاماً: أي: سلَّمنا عليك سلاماً، وقرأ حمزة «١» والكسائي: «قَالُوا سَلاَماً قالَ سِلْمٌ» ، فيحتمل أنْ يريد ب «السِّلْمِ» السلامَ، ويحتمل أن يريد ب «السّلم» ضدّ الحرب، وحَنِيذٍ: بمعنى: محنوذ، ومعناه: بعجْلٍ مشويٍّ نَضِجٍ، يقْطُر ماؤه، وهذا القَطْر يفصلُ الحَنيذَ من جملة المشويَّات، وهيئة المحنُوذِ في اللغة: / الذي يُغَطَّى بحجارةٍ أو رَمْلٍ مُحَمًّى أو حائل بينه وبيْن النَّار يغطى به، والمُعَرَّض: من الشِّواء الذي يُصَفَّف على الجَمْر، والمُضَهَّبِ: الشِّوَاءُ الذي بينه وبين النَّار حائلٌ، ويكون الشِّواء عليه، لا مَدْفُوناً به، والتَّحُنِيذُ في تضمير الخَيْل: هو أنْ يغطَّى الفَرَس بِجِلٍّ على جُلٍّ ليتصبّب عرقه، ونَكِرَهُمْ على ما ذكر كثيرٌ من النَّاس، معناه: أَنْكَرهم وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً من أجْل امتناعهم من الأكل إِذ عُرْفُ مَنْ جاء بِشَرٍّ أَلاَّ يأْكل طعامَ المنْزُولِ به، قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «٢» :

ذهب الليثُ بْنُ سَعْدٍ إلى أنّ الضّيافة واجبة، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، ومَا وَرَاءَ ذَلِكَ صَدَقَةٌ» «٣» ، وفي رواية: «ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، وَلاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يثوي «٤» عنْدَهُ حتَّى يُحْرِجَهُ» «٥» وهذا حديثٌ صحيحٌ، خرَّجه الأئمةِ، واللفظ للترمذيِّ، وذهب علماء الفقْه إِلى: أن الضيافة لا تجبُ، وحملوا الحديثَ على النَّدْب.

قال ابنُ العربيِّ: والذي أقولُ به أن الضيافَةَ فَرْضٌ على الكفَايَةِ، ومِنَ الناسِ مَنْ قال:

إِنها واجبةٌ في القُرَى حيثُ لا مَأْوَى ولا طَعَام بخلاف الحواضر لتيسّر ذلك فيها.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ ﴾ واسْمُها سارَّةٌ.

واخْتَلَفُوا أيْنَ كانَتْ قائِمَةً عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: وراءَ السِّتْرِ تَسْمَعُ كَلامَهم، قالَهُ وهْبٌ.

والثّانِي: كانَتْ قائِمَةً تَخْدِمُهم، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: كانَتْ قائِمَةً تُصَلِّي، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ فَضَحِكَتْ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ الضَّحِكَ ها هُنا بِمَعْنى التَّعَجُّبِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ مَعْنى " ضَحِكَتْ ": حاضَتْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهَذا مِن قَوْلِهِمْ: ضَحِكَتِ الأرْنَبُ: إذا حاضَتْ فَعَلى هَذا، يَكُونُ حَيْضُها حِينَئِذٍ تَأْكِيدًا لِلْبِشارَةِ بِالوَلَدِ، لِأنَّ مَن لا تَحِيضُ لا تَحْمِلُ.

وقالَ الفَرّاءُ: لَمْ نَسْمَعْ مِن ثِقَةٍ أنَّ مَعْنى " ضَحِكَتْ " حاضَتْ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أنْكَرَ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو عُبَيْدٍ، أنْ يَكُونَ " ضَحِكَتْ " بِمَعْنى حاضَتْ، وعَرَفَهُ غَيْرُهم.

قالَ الشّاعِرُ: تَضْحَكُ الضَّبْعُ لِقَتْلى هُذَيْلٍ وتَرى الذِّئْبَ لَها يَسْتَهِلُّ قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: مَعْناهُ: تَحِيضُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الضَّحِكُ المَعْرُوفُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

وَفِي سَبَبِ ضَحِكِها سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها ضَحِكَتْ مِن شِدَّةٍ خَوْفِ إبْراهِيمَ مِن أضْيافِهِ، وقالَتْ: مِن ماذا يَخافُ إبْراهِيمُ، وإنَّما هم ثَلاثَةٌ، وهو في أهْلِهِ وغِلْمانِهِ ؟

رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّها ضَحِكَتْ مِن بِشارَةِ المَلائِكَةِ لِإبْراهِيمَ بِالوَلَدِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، ووَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ؛ فَعَلى هَذا، إنَّما ضَحِكَتْ سُرُورًا بِالبِشارَةِ، ويَكُونُ في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، المَعْنى: وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَبَشَّرْناها فَضَحِكَتْ، وهو اخْتِيارُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: ضَحِكَتْ مِن غَفْلَةِ قَوْمِ لُوطٍ وقُرْبِ العَذابِ مِنهم، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: ضَحِكَتْ مِن إمْساكِ الأضْيافِ عَنِ الأكْلِ، وقالَتْ: عَجَبًا لِأضْيافِنا، نَخْدِمُهم بِأنْفُسِنا، وهم لا يَأْكُلُونَ طَعامَنا !

قالَهُ السُّدِّيُّ.

والخامِسُ: ضَحِكَتْ سُرُورًا بِالأمْنِ، لِأنَّها خافَتْ كَخَوْفِ إبْراهِيمَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والسّادِسُ: أنَّها كانَتْ قالَتْ لِإبْراهِيمَ: اضْمُمْ إلَيْكَ ابْنَ أخِيكَ لُوطًا، فَإنَّهُ سَيَنْزِلُ العَذابُ بِقَوْمِهِ، فَلَمّا جاءَتِ المَلائِكَةُ بِعَذابِهِمْ، ضَحِكَتْ سُرُورًا بِمُوافَقَتِها لِلصَّوابِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: قالَ جِبْرِيلُ لِسارَّةَ: أبْشِرِي أيَّتُها الضّاحِكَةُ بِوَلَدٍ اسْمُهُ إسْحاقُ، ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ، فَبَشَّرُوها أنَّها تَلِدُ إسْحاقَ، وأنَّها تَعِيشُ إلى أنْ تَرى ولَدَ الوَلَدِ.

وَفِي مَعْنى الوَراءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى " بَعْدَ "، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ مُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّ الوَراءَ: ولَدُ الوَلَدِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ الشَّعْبِيُّ، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ يَعْقُوبُ وراءَ إسْحاقَ وهو ولَدُهُ لِصُلْبِهِ، وإنَّما الوَراءُ: ولَدُ الوَلَدِ ؟

فَقَدْ أجابَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، فَقالَ: المَعْنى: ومِن وراءِ المَنسُوبِ إلى إسْحاقَ يَعْقُوبُ، لِأنَّهُ قَدْ كانَ الوَراءُ لِإبْراهِيمَ مِن جِهَةِ إسْحاقَ، فَلَوْ قالَ: ومِنَ الوَراءِ يَعْقُوبُ، لَمْ يُعْلَمْ أهَذا الوَراءُ مَنسُوبٌ إلى إسْحاقَ، أمْ إلى إسْماعِيلَ ؟

فَأُضِيفَ إلى إسْحاقَ لِيَنْكَشِفَ المَعْنى ويَزُولَ اللَّبْسُ.

قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُنْسَبَ ولَدُ إبْراهِيمَ مِن غَيْرِ إسْحاقَ إلى سارَّةَ عَلى المَجازِ، فَكانَ تَأْوِيلُ الآيَةِ: مِنَ الوَراءِ المَنسُوبِ إلى سارَّةَ، وإلى إبْراهِيمَ مِن جِهَةِ إسْحاقَ، يَعْقُوبُ.

ومَن حَمَلَ الوَراءَ عَلى " بَعْدَ " لَزِمَ ظاهِرَ العَرَبِيَّةِ.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في " يَعْقُوبَ "، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " يَعْقُوبُ " بِالرَّفْعِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " يَعْقُوبَ " بِالنَّصْبِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وفي رَفْعِ " يَعْقُوبُ " وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلى الِابْتِداءِ المُؤَخَّرِ، مَعْناهُ التَّقْدِيمِ؛ والمَعْنى: ويَعْقُوبُ يَحْدُثُ لَها مِن وراءِ إسْحاقَ.

والثّانِي: وثَبَتَ لَها مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ.

وَمَن نَصْبَهُ، حَمَلَهُ عَلى المَعْنى، والمَعْنى: وهَبْنا لَها إسْحاقَ، ووَهَبْنا لَها يَعْقُوبَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا ويْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ ﴾ هَذِهِ الكَلِمَةُ تُقالُ عِنْدَ الإيذانِ بِوُرُودِ الأمْرِ العَظِيمِ.

ولَمْ تُرِدْ بِها الدُّعاءَ عَلى نَفْسِها، وإنَّما هي كَلِمَةٌ تَخِفُّ عَلى ألْسِنَةِ النِّساءِ عِنْدَ الأمْرِ العَجِيبِ.

وقَوْلُها " أألِدُ " اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: و " شَيْخًا " مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أشارَتْ بِقَوْلِها هَذا لِتُنَبِّهَ عَلى شَيْخُوخَتِهِ.

واخْتَلَفُوا في سَنِّ إبْراهِيمَ وسارَّةَ يَوْمَئِذٍ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ إبْراهِيمُ ابْنَ تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وسارَّةُ بِنْتَ ثَمانٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ إبْراهِيمُ ابْنَ مِائَةِ سَنَةٍ، وسارَّةُ بِنْتَ تِسْعٍ وتِسْعِينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: كانَ إبْراهِيمُ ابْنَ تِسْعِينَ، وسارَّةُ مِثْلَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: كانَ إبْراهِيمُ ابْنَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وسارَّةُ بِنْتَ تِسْعِينَ، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ إسْحاقَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَتْ يا ويْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ ﴿ قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في الألِفِ الَّتِي في قَوْلِهِ: يا ويْلَتى وأظْهَرُ ما فِيها أنَّها بَدَلُ ياءِ الإضافَةِ، أصْلُها: يا ويْلَتِي، كَما تَقُولُ: يا غُلاما ويا غَوْثا وقَدْ تُرْدَفُ هَذِهِ الألِفُ بِهاءٍ في الكَلامِ، ولَمْ يُقْرَأْ بِها، وأمالَ هَذِهِ الألِفَ عاصِمٌ والأعْمَشُ وأبُو عَمْرٍو.

ومَعْنى يا ويْلَتى في هَذا المَوْضِعِ العِبارَةُ عَمّا دَهَمَ النَفْسَ مِنَ العَجَبِ في وِلادَةِ عَجُوزٍ، وأصْلُ هَذا الدُعاءِ بِالوَيْلِ ونَحْوِهِ في التَفَجُّعِ لِشِدَّةٍ أو مَكْرُوهٍ يُهِمُّ النَفْسَ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ بَعْدُ في عَجَبٍ يَدْهَمُ النَفْسَ وقالَ قَوْمٌ: إنَّما قالَتْ: يا ويْلَتى لَمّا مَرَّ بِفِكْرِها مِن ألَمِ الوِلادَةِ وشِدَّتِها، ثُمَّ رَجَعَتْ بِفِكْرِها إلى التَعَجُّبِ ونَطَقَتْ بِقَوْلِها أألِدُ وأنا عَجُوزٌ؟

الآيَةُ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أألِدُ" بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِتَخْفِيفِ الأولى وتَحْقِيقِ الثانِيَةِ، وفي النُطْقِ بِهَذِهِ عُسْرٌ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بِتَحْقِيقِ الأُولى وتَخْفِيفِ الثانِيَةِ، والتَخْفِيفُ هُنا مَدُّها، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "ءاألِدُ" بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ ومَدَّةٍ بَيْنَهُما.

و"العَجُوزُ" المُسِنَّةُ، وقَدْ حَكى بَعْضُ الناسِ: أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: العَجُوزَةُ، و"البَعْلُ": الزَوْجُ، وشَيْخًا نُصِبَ عَلى الحالِ وهي حالٌ مِن مُشارٍ إلَيْهِ لا يُسْتَغْنى عنها لِأنَّها مَقْصُودُ الإخْبارِ، وهي لا تَصِحُّ إلّا إذا لَمْ يَقْصِدِ المُتَكَلِّمُ التَعْرِيفَ بِذِي الحالِ، مِثْلُ أنْ يَكُونَ المُخاطَبُ يَعْرِفُهُ وأمّا إذا قَصَدَ التَعْرِيفَ بِهِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ التَعْرِيفُ في الخَبَرِ قَبْلَ الحالِ، وتَجِيءُ الحالُ عَلى بابِها مُسْتَغْنًى عنها، ومِثالُ هَذا قَوْلِكَ: هَذا زَيْدٌ قائِمًا، إذا أرَدْتَ التَعْرِيفَ بِزَيْدٍ.

أو كانَ مَعْرُوفًا وأرَدْتَ التَعْرِيفَ بِقِيامِهِ، وأمّا إنْ قَصَدَ المُتَكَلِّمُ أنَّ زَيْدِيَّتَهُ إنَّما هي مادامَ قائِمًا، فالكَلامُ لا يَجُوزُ.

وقَرَأ الأعْمَشُ "هَذا بَعْلِي شَيْخٌ"، قالَ أبُو حاتِمٍ وكَذَلِكَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ورَفَعُهُ عَلى وُجُوهٍ: مِنها: أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ كَما تَقُولُ: هَذا حُلْوٌ حامِضٌ، ومِنها: أنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هو شَيْخٌ ورُوِيَ أنَّ بَعْضَ الناسِ قَرَأهُ: "وَهَذا بَعْلِي هَذا شَيْخٌ"، وهَذِهِ القِراءَةُ شَبِيهَةٌ بِهَذا التَأْوِيلِ.

ومِنها: أنَّهُ بَدَلٌ مِن بَعْلِي ومِنها: أنْ يَكُونَ قَوْلُها بَعْلِي بَدَلًا مِن هَذا أو عَطْفَ بَيانٍ عَلَيْهِ، ويَكُونَ "شَيْخٌ" خَبَرُ هَذا.

ويُقالُ شَيْخٌ وشَيْخَةٌ- وبَعْضُ العَرَبِ يَقُولُ في المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ شَيْخٌ.

ورُوِيَ أنَّ سارَّةَ كانَتْ وقْتَ هَذِهِ المَقالَةِ مِن تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: مِن تِسْعِينَ- قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ - وقِيلَ: مِن ثَمانِينَ وكَذَلِكَ قِيلَ: في سِنِّ إبْراهِيمَ، إنَّهُ كانَ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ: مِائَةَ سَنَةٍ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: قالُوا لِلْمَلائِكَةِ، وقَوْلُهُ: مِن أمْرِ اللهِ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ واحِدَ الأُمُورِ، أيْ مِنَ الوِلادَةِ في هَذِهِ السِنِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَصْدَرَ أمَرَ، أيْ مِمّا أمَرَ اللهُ في هَذِهِ النازِلَةِ.

وقَوْلُهُ: رَحْمَتُ اللهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ يَحْتَمِلُ اللَفْظُ أنْ يَكُونَ دُعاءً وأنْ يَكُونَ إخْبارًا، وكَوْنُهُ إخْبارًا أشْرَفُ، لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي حُصُولَ الرَحْمَةِ والبَرَكَةِ لَهُمْ، وكَوْنُهُ دُعاءً إنَّما يَقْتَضِي أنَّهُ أمْرٌ يُتَرَجّى ولَمْ يَتَحَصَّلْ بَعْدُ.

ونَصْبُ أهْلَ البَيْتِ عَلى الِاخْتِصاصِ- هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، ولِذَلِكَ جُعِلَ هَذا والنَصْبُ عَلى المَدْحِ في بابَيْنِ.

كَأنَّهُ مَيَّزَ النَصْبَ عَلى المَدْحِ بِأنْ يَكُونَ المُنْتَصِبُ لَفْظًا يَتَضَمَّنُ بِنَفَسِهِ مَدْحًا كَما تَقُولُ: هَذا زَيْدٌ عاقِلَ قَوْمِهِ، وجُعِلَ الِاخْتِصاصُ إذا لَمْ تَتَضَمَّنِ اللَفْظَةُ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: إنّا مُعاشِرَ الأنْبِياءِ وإنّا بَنِي نَهْشَلٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا يَكُونُ الِاخْتِصاصُ إلّا بِمَدْحٍ أو ذَمٍّ، لَكِنْ لَيْسَ في نَفْسِ اللَفْظَةِ المَنصُوبَةِ.

وهَذِهِ الآيَةُ تُعْطِي أنَّ زَوْجَةَ الرَجُلِ مِن أهْلِ بَيْتِهِ لِأنَّها خُوطِبَتْ بِهَذا، فَيَقْوى القَوْلُ في زَوْجاتِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ بِأنَّهُنَّ مِن أهْلِ بَيْتِهِ الَّذِينَ أذْهَبَ اللهُ عنهُمُ الرِجْسَ، بِخِلافِ ما تَذْهَبُ إلَيْهِ الشِيعَةُ، وقَدْ قالَهُ أيْضًا بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، قالُوا: "أهْلُ بَيْتِهِ" الَّذِينَ حُرِمُوا الصَدَقَةَ، والأوَّلُ أقْوى وهو ظاهِرٌ جَلِيٌّ مِن سُورَةِ الأحْزابِ لِأنَّهُ ناداهُنَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ يا نِساءَ النَبِيِّ  ﴾ ثُمَّ بِقَوْلِهِ: أهْلَ البَيْتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ووَقَعَ في البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: أهْلُ بَيْتِهِ الَّذِينَ حُرِمُوا الصَدَقَةَ بَعْدَهُ فَأرادَ ابْنُ عَبّاسٍ: أهْلَ بَيْتِ النَسَبِ الَّذِينَ قالَ رَسُولُ اللهِ  فِيهِمْ: «إنَّ الصَدَقَةَ لا تَحِلُّ لِأهْلِ بَيْتِي إنَّما هي أوساخُ الناسِ.» والبَيْتُ في هَذِهِ الآيَةِ وفي سُورَةِ الأحْزابِ بَيْتُ السُكْنى فَفي اللَفْظِ اشْتِراكٌ يَنْبَغِي أنْ يُتَحَسَّسَ إلَيْهِ.

فَفاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ عنها مِن أهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ  بِالوَجْهَيْنِ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِالواحِدِ، وزَوْجاتُهُ بِالآخَرِ، وأمّا الشِيعَةُ فَيَدْفَعُونَ الزَوْجاتِ بُغْضًا في عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها.

وحَمِيدٌ أيْ أفْعالُهُ تَقْتَضِي أنْ يُحْمَدَ، ومَجِيدٌ أيْ مُتَّصِفٌ بِأوصافِ العُلُوِّ، ومَجُدَ الشَيْءُ إذا حَسُنَتْ أوصافُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف قصة على قصة.

وتأكيد الخبر بحرف (قد) للاهتمام به كما تقدّم في قوله: ﴿ ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه ﴾ [هود: 25].

والغرض من هذه القصّة هو: الموعظة بمصير قوم لوط إذْ عصوا رسول ربّهم فحلّ بهم العذاب ولم تغن عنهم مجادلة إبراهيم.

وقدّمت قصة إبراهيم لذلك وللتنويه بمقامه عند ربّه على وجه الإدماج، ولذلك غيّر أسلوب الحكاية في القصص الّتي قبلها والتي بعدها نحو ﴿ وإلى عاد ﴾ [هود: 50] إلخ.

والرّسل: الملائكة.

قال تعالى: ﴿ جاعل الملائكة رسلاً ﴾ [فاطر: 1].

والبشرى: اسم.

للتبشير والبشارة.

وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ وبشّر الذين آمنوا وعَمِلوا الصالحات ﴾ في أوّل سورة [البقرة: 25].

هذه البشرى هي التي في قوله: فبشّرناها بإسحاق } لأنّ بشارة زوجه بابننٍ بشارة له أيضاً.

والباء في ﴿ بالبشرى ﴾ للمصاحبة لأنّهم جاءوا لأجل البشرى فهي مصاحبة لهم كمصاحبة الرسالة للمرسل بها.

وجملة ﴿ قالوا سلاماً ﴾ في موضع البيان ل ﴿ البشرى ﴾ ، لأنّ قولهم ذلك مبدأ البشرى، وإنّ ما اعترض بينها حكاية أحوال، وقد انتهى إليها في قوله: ﴿ فبشّرناها بإسحاق إلى قوله إنّه حميد مجيد ﴾ .

والسّلام: التحيّة.

وتقدّم في قوله: ﴿ وإذا جاءك الّذين يؤمنون بآياتنا فقل سلامٌ عليكم ﴾ في سورة [الأنعام: 54].

وسلاماً} مفعول مطلق وقع بَدَلاً من الفعل.

والتّقدير: سلّمنا سلاماً.

و ﴿ سلام ﴾ المرفوع مصدر مرفوع على الخبر لمبتدأ محذوف، تقديره: أمري سلام، أي لكم، مثل ﴿ فصبرٌ جميلٌ ﴾ [يوسف: 18].

ورفع المصدر أبلغ من نصبه، لأنّ الرّفع فيه تناسي معنى الفعل فهو أدلّ على الدّوام والثّبات.

ولذلك خالف بينهما للدّلالة على أنّ إبراهيم عليه السّلام ردّ السّلام بعبارة أحسن من عبارة الرسل زيادة في الإكرام.

قال ابن عطيّة: حيّاً الخليل بأحسن ممّا حُيّيَ به، أي نظراً إلى الأدب الإلهي الذي عَلّمَهُ لَنَا في القرآن بقوله: ﴿ وإذا حيّيتم بتحيةٍ فَحَيّوا بأحسن منها أو رُدُّوها ﴾ [النساء: 86]، فَحكيَ ذلك بأوجز لفظ في العربية أداءً لمعنى كلام إبراهيم عليه السّلام في الكلدانيّة.

وقرأ الجمهور ﴿ قال سَلامٌ ﴾ بفتح السّين وبِألِف بعد اللاّم.

وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف: ﴿ قال سِلْم ﴾ بكسر السّين وبدون ألِف بعد اللاّم وهو اسم المسالمة.

وسمّيت به التحية كما سمّيت بمرادفِه (سَلام) فهو من باب اتّحاد وزن فَعال وفِعْل في بعض الصفات مثل: حرام وحِرم، وحلال وحلّ.

والفاء في قوله: ﴿ فما لبث ﴾ للدّلالة على التعقيب إسراعاً في إكرام الضّيف، وتعجيل القرى سنّة عربيّة: ظنهم إبراهيم عليه السّلام ناساً فبادر إلى قراهم.

واللّبث في المكان يقتضي الانتقال عنه، أيْ فما أبطأ.

و ﴿ أن جاء ﴾ يجوز أن يكون فاعل ﴿ لَبِثَ ﴾ ، أي فما لبث مجيئه بعجل حنيذ، أي فما أبطأ مَجيئه مصاحباً له، أي بل عجّل.

ويجوز جعل فاعل ﴿ لبث ﴾ ضمير إبراهيم عليه السّلام فيقدّر جارّ ل ﴿ جاء ﴾ .

والتّقدير: فما لبث بأن جاء به.

وانتفاء اللبث مبالغة في العجل.

والحنيذ: المشوي، وهو المحنوذ.

والشيُّ أسْرَع من الطبخ، فهو أعون على تعجيل إحضار الطعام للضيف.

و ﴿ لا تصل إليه ﴾ أشد في عدم الأخذ من (لا تتناوله).

ويقال: نكر الشيء إذا أنكره أي كرهه.

وإنّما نكرهم لأنّه حسب أنّ إمساكهم عن الأكل لأجل التبرّؤ من طعامه، وإنّما يكون ذلك في عادة النّاس في ذلك الزّمان إذا كان النّازل بالبيت يضمر شرّاً لمضيّفه، لأنّ أكل طعام القرى كالعهد على السّلامة من الأذى، لأنّ الجزاء على الإحسان بالإحسان مركوز في الفطرة، فإذا انكفّ أحد عن تناول الإحسان فذلك لأنّه لا يريد المسالمة ولا يرضى أن يكون كفوراً للإحسان.

ولذلك عقب قوله ﴿ نكرهم ﴾ ب ﴿ أوجس منهم خيفة ﴾ ، أي أحسّ في نفسه خيفة منهم وأضمر ذلك.

ومصدره الإيجاس.

وذلك أنّه خشي أن يكونوا مضمرين شرّاً له، أي حسبهم قطّاعاً، وكانوا ثلاثة وكان إبراهيم عليه السّلام وحده.

وجملة ﴿ قالوا لا تخف ﴾ مفصولة عمّا قبلها، لأنّها أشبهت الجواب، لأنّه لمّا أوجس منهم خيفة ظهر أثرها على ملامحه، فكان ظهور أثرها بمنزلة قوله إنّي خفت منكم، ولذلك أجابوا ما في نفسه بقولهم: ﴿ لا تَخف ﴾ ، فحكي ذلك عنهم بالطّريقة الّتي تحكى بها المحاورات، أو هو جواب كلام مقدّر دلّ عليه قوله: ﴿ وأوجس منهم خيفة ﴾ ، أي وقال لهم: إنّي خفت منكم، كما حكي في سورة [الحجر: 52] ﴿ قال إنّا منكم وَجِلون ﴾ ومن شأن النّاس إذا امتنع أحد من قبول طعامهم أن يقولوا له: لعلّك غادر أو عَدوّ، وقد كانوا يقولون للوافد: أحَرْبٌ أم سِلْمٌ.

وقولهم: ﴿ إنّا أرسلنا إلى قوم لوط ﴾ مكاشفة منهم إيّاه بأنّهم ملائكة.

والجملة استئناف مبينة لسبب مجيئهم.

والحكمةُ من ذلك كرامة إبراهيم عليه السّلام وصدورهم عن علم منه.

وحذف متعلّق ﴿ أرسلنا ﴾ أي بأي شيء، إيجازاً لظهوره من هذه القصّة وغيرها.

وعبّر عن الأقوام المراد عذابهم بطريق الإضافة ﴿ قوم لوط ﴾ إذ لم يكن لأولئك الأقوام اسم يجمعهم ولا يرجعون إلى نسب بل كانوا خليطاً من فصائل عرفوا بأسماء قراهم، وأشهرها سدوم كما تقدّم في الأعراف.

وجملة ﴿ وامرأته قائمة فضحكت ﴾ في موضع الحال من ضمير ﴿ أوجس ﴾ ، لأنّ امرأة إبراهيم عليه السّلام كانت حاضرة تقدّم الطّعام إليهم، فإن عادتهم كعادة العرب من بعدهم أنّ ربة المنزل تكون خادمة القوم.

وفي الحديث «والعروس خادمهم» وقال مرّة بن محكان التميمي يا ربّة البيت قومي غير صاغرة *** ضُمّي إليك رجال القوم والغربا وقد اختصرت القصة هنا اختصاراً بديعاً لوقوعها في خلال الحوار بين الرسل وإبراهيم عليهم السّلام، وحكاية ذلك الحوار اقتضت إتمامه بحكاية قولهم: ﴿ لا تخف إنّا أرسلنا إلى قوم لوط ﴾ .

وأمّا البشرى فقد حصلت قبل أن يخبروه بأنّهم أرسلوا إلى قوم لوط كما في آية سورة [الذاريات: 28] ﴿ فأوجس منهم خيفةً قالوا لا تخَف وبشّروه بغلاممٍ عليمٍ.

فلمّا اقتضى ترتيب المحاورة تقديم جملة قالوا لا تخف ﴾ حكيت قصة البشرى وما تبعها من المحاورة بطريقة الحال، لأنّ الحال تصلح للقبْليّة وللمقارنَة وللبعدية، وهي الحال المقدّرة.

وإنّما ضحكت امرأة إبراهيم عليه السّلام من تبشير الملائكة إبراهيم عليه السّلام بغلام، وكان ضحكها ضحك تعجّب واستبعاد.

وقد وقع في التّوراة في الإصحاح الثامن عشر من سفر التكوين «وقالوا له: أين سارة امرأتك؟

فقال: ها هي في الخيمة.

فقالوا: يكون لسارة امرأتك ابن، وكانت سارة سامعة في باب الخيمة فضحكت سارة في باطنها قائلة: أفبالحقيقة ألِدُ وأنا قد شِخت؟

فقال الربّ: لماذا ضحكتْ سارة؟

فأنكرت سارة قائلة لم أضحك، لأنّها خافت، قال: لا بل ضحكت».

وتفريع ﴿ فبشّرناها بإسحاق ﴾ على جملة ﴿ ضحكت ﴾ باعتبار المعطوف وهو ﴿ ومن وراء إسحاق يعقوب ﴾ لأنّها ما ضحكت إلاّ بعد أن بشّرها الملائكة بابن، فلمّا تعجبت من ذلك بشّروها بابن الابن زيادة في البشرى.

والتّعجيب بأن يولد لها ابن ويعيش وتعيش هي حتّى يولد لابنها ابن.

وذلك أدخل في العجب لأن شأن أبناء الشيوخ أن يكونوا مهزولين لا يعيشون غالباً إلاّ معلولين، ولا يولد لهم في الأكثر ولأن شأن الشيوخ الذين يولد لهم أن لا يدركوا يفع أولادهم بله أولاد أولادهم.

ولما بشّروها بذلك صرحت بتعجبها الذي كتمته بالضحك، فقالت: ﴿ يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إنّ هذا لشيءٌ عجيب ﴾ ، فجملة ﴿ قالت ﴾ جواب للبشارة.

و (يعقوب) مبتدأ ﴿ ومن وراء إسحاق ﴾ خبر، والجملة على هذا في محلّ الحال.

وهذه قراءة الجمهور.

وقرأ ابن عامر، وحمزة، وحفص ﴿ يعقوبَ ﴾ بفتحة وهو حينئذٍ عطف على ﴿ إسحاق ﴾ .

وفصل بين حرف العطف والمعطوف بالظرف وخطبه سهل وإن استعظمه ظاهرية النحاة كأبي حيان بقياس حرف العطف النائب هنا مناب الجار على الجار نفسه، وهو قياس ضعيف إذ كون لفظ بمعنى لفظ لا يقتضي إعطاءه جميع أحكامه كما في «مغني اللبيب».

والنداء في ﴿ يا ويلتا ﴾ استعارة تبعية بتنزيل الويلة منزلة من يعقل حتّى تنادى، كأنها تقول: يا ويلتي احضر هنا فهذا موضعك.

والويلة: الحادثة الفظيعة والفضيحة.

ولعلّها المرة من الويل.

وتستعمل في مقام التعجب، يقال: يا ويلتي.

واتّفق القرّاء على قراءة ﴿ يا ويلتا ﴾ بفتحة مشبعة في آخره بألف.

والألف التي في آخر ﴿ يا ويلتا ﴾ هنا يجوز كونها عوضاً عن ياء المتكلم في النداء.

والأظهر أنها ألف الاستغاثة الواقعة خلَفاً عن لام الاستغاثة.

وأصله: يا لَويلة.

وأكثر ما تجيء هذه الألف في التعجّب بلفظ عجب، نحو: يا عجباً، وباسم شيء متعجب منه، نحو: يا عشبا.

وكتب في المصحف بإمالة ولم يقرأ بالإمالة، قال الزجاج: كتب بصورة الياء على أصل ياء المتكلم.

والاستفهام في ﴿ أألد وأنا عجوز ﴾ مستعمل في التعجب.

وجملة ﴿ أنا عجوز ﴾ في موضع الحال، وهي مناط التعجب.

والبعل: الزوج.

وسيأتي بيانه عند تفسير قوله تعالى: ﴿ ولا يبدين زينتهن إلاّ لبعولتهن ﴾ في سورة [النّور: 31]، فانظره.

وزادت تقرير التعجب بجملة ﴿ إنّ هذا لشيء عجيب ﴾ وهي جملة مؤكدة لصيغة التعجب فلذلك فصلت عن التي قبلها لكمال الاتّصال، وكأنّها كانت متردّدة في أنهم ملائكة فلم تطمئنّ لتحقيق بشراهم.

وجملة ﴿ هذا بعلي ﴾ مركبة من مبتدأ وخبر لأنّ المعنى هذا المشار إليه هو بعلي، أي كيف يكون له ولد وهو كما ترى.

وانتصب ﴿ شيخاً ﴾ على الحال من اسم الإشارة مبينة للمقصود من الإشارة.

وقرأ ابن مسعود ﴿ وهذا بعلي شيخ ﴾ برفع شيخ على أن (بعلي) بيان من (هذا) و(شيخ) خبر المبتدأ.

ومعنى القراءتين واحد.

وقد جرت على هذه القراءة النادرة لطيفة وهي: ما أخبرنا شيخنا الأستاذ الجليل سالم بوحاجب أنّ أبا العبّاس المبرّد دُعي عند بعض الأعيان في بغداد إلى مأدبة، فلمّا فرغوا من الطّعام غنّت من وراء الستار جارية لرب المنزل ببيتين: وقالوا لها هذا حبيبك معرضٌ *** فقالت: ألاَ إعراضه أهون الخطب فما هي إلاّ نظرة وابتسامة *** فتصطكّ رجلاه ويسقط للجنب فطرب كل من بالمجلس إلاّ أبا العبّاس المبرد فلم يتحرك، فقال له رب المنزل: ما لك لم يطربك هذا؟.

فقالت الجارية: مَعذُور يحسبني لحنت في أن قلت: معرضٌ بالرفع ولم يعلم أنّ عبد الله بن مسعود قرأ «وهذا بعلي شيخٌ» فطرب المبرد لهذا الجواب.

وجواب الملائكة إياها بجملة ﴿ أتعجبين من أمر الله ﴾ إنكار لتعجبها لأنه تعجّبٌ مراد منه الاستبعاد.

و ﴿ أمر الله ﴾ هو أمر التكوين، أي أتعجبين من قدرة الله على خرق العادات.

وجوابهم جار على ثقتهم بأن خبرهم حق منبئ عن أمر الله.

وجملة ﴿ رحمت الله وبركاته عليكم ﴾ تعليل لإنكار تعجبها، لأن الإنكار في قوة النفي، فصار المعنى: لا عجب من أمر الله لأنّ إعطاءك الولد رحمة من الله وبركة، فلا عجب في تعلّق قدرة الله بها وأنتم أهل لتلك الرحمة والبركة فلا عجب في وقوعها عندكم.

ووجه تعليل نفي العجب بهذا أن التعجب إمّا أن يكون من صدور هذا من عند الله وإما أن يكون في تخصيص الله به إبراهيم عليه السّلام وامرأته فكان قولهم ﴿ رحمت الله وبركاته عليكم ﴾ مفيداً تعليل انتفاء العجبين.

وتعريف ﴿ البيت ﴾ تعريف جضور، وهو البيت الحاضر بينهم الذي جرى فيه هذا التحاور، أي بيت إبراهيم عليه السّلام.

والمعنى أهل هذا البيت.

والمقصود من النداء التنويه بهم ويجوز كونه اختصاصاً لزيادة بيان المرَاد من ضمير الخطاب.

وجملة ﴿ إنّه حميد مجيد ﴾ تعليل لتوجه رحمته وبركاته إليهم بأنّ الله يحمد من يطيعه، وبأنّه مَجِيدٌ، أي عظيم الشأن لاَ حَدّ لِنِعَمِه فلا يعظم عليه أن يعطيها ولداً، وفي اختيار وصف الحميد من بين الأسماء الحسنى كناية عن رضى الله تعالى على إبراهيم عليه السّلام وأهله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى ﴾ أمّا إبْراهِيمُ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

وَقِيلَ مَعْناهُ أبٌ رَحِيمٌ.

الثّانِي: أنَّهُ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ البَرْهَمَةِ وهي إدامَةُ النَّظَرِ.

والرُّسُلُ جِبْرِيلُ ومَعَهُ مَلَكانِ قِيلَ إنَّهُما مِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ المُرْسَلُ مَعَ جِبْرِيلَ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا.

وَفي البُشْرى الَّتِي جاءُوهُ بِها أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بَشَّرُوهُ بِنُبُوَّتِهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: بِإسْحاقَ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: بَشَّرُوهُ بِإخْراجِ مُحَمَّدٍ  مِن صُلْبِهِ وأنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ.

الرّابِعُ: بَشَّرُوهُ بِهَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما تَحِيَّةٌ مِنَ المَلائِكَةِ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَيّاهم بِمِثْلِهِ فَدَلَّ عَلى أنَّ السَّلامَ تَحِيَّةُ المَلائِكَةِ والمُسْلِمِينَ جَمِيعًا.

الثّانِي: سَلِمْتَ أنْتَ وأهْلُكَ مِن هَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ سَلامٌ ﴾ أيِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَلَّمَنِي، فَمَعْنى "سَلامٌ": سَلِمْتُ.

وَقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( سِلْمٌ ) بِكَسْرِ السِّينِ وإسْقاطِ الألِفِ.

واخْتُلِفَ في السِّلْمِ والسَّلامِ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ السِّلْمَ مِنَ المُسالَمَةِ والسَّلامَ مِنَ السَّلامَةِ.

الثّانِي: أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ الشّاعِرُ، وقَدْ أنْشَدَهُ الفَرّاءُ لِبَعْضِ العَرَبِ: وقَفْنا فَقُلْنا إيهِ سِلْمٌ فَسَلَّمَتْ كَما اكْتَلَّ بِالبَرْقِ الغَمامُ اللَّوائِحُ ﴿ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ ظَنَّ رُسُلَ رَبِّهِ أضْيافًا لِأنَّهم جاؤُوهُ في صُورَةِ النّاسِ فَعَجَّلَ لَهُمُ الضِّيافَةَ فَجاءَهم بِعِجْلٍ حَنِيذٍ.

وَفي الحَنِيذِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الحارُّ، حَكاهُ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ عَنْ عَلْقَمَةَ النَّحْوِيِّ.

الثّانِي: هو المَشْوِيُّ نَضِيجًا وهو المَحْنُوذُ مِثْلَ طَبِيخٍ ومَطْبُوخٍ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هو الَّذِي حُفِرَ لَهُ في الأرْضِ ثُمَّ غُمَّ فِيها، قالَ الشّاعِرُ: إذا ما اعْتَبَطْنا اللَّحْمَ لِلطّالِبِ القِرى ∗∗∗ حَنَذْناهُ حَتّى عَيَّنَ اللَّحْمَ آكِلُهُ الثّانِي: هو أنْ يُوقَدَ عَلى الحِجارَةِ فَإذا اشْتَدَّ حَرُّها أُلْقِيَتْ في جَوْفِهِ لِيُسْرِعَ نُضْجُهُ، قالَ طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ: لَهم راحٌ وكافُورٌ ومِسْكٌ ∗∗∗ وعِقْرُ الوَحْشِ شائِلُهُ حَنُوذُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهُمْ ﴾ في نَكِرَهم وأنْكَرَهم وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ، فَنَكِرَهم إذا لَمْ يَعْرِفْهم وأنْكَرَهم إذا وجَدَهم عَلى مُنْكَرٍ.

الثّانِي: أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ الأعْشى: وأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ ∗∗∗ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَّيْبَ والصَّلَعا واخْتُلِفَ في سَبَبِ إنْكارِهِ لَهم عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم لَمْ يُطْعِمُوا، ومِن شَأْنِ العَرَبِ إذا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ فَلَمْ يَطْعَمْ مِن طَعامِهِمْ ظَنُّوا بِهِ سُوءًا وخافُوا مِنهُ شَرًّا، فَنَكِرَهم إبْراهِيمُ لِذَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: لِأنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهم أيْدِي فَنَكِرَهم، قالَهُ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ.

وامْتَنَعُوا مِن طَعامِهِ لِأنَّهم مَلائِكَةٌ لا يَأْكُلُونَ ولا يَشْرَبُونَ.

﴿ وَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أضْمَرَ في نَفْسِهِ خَوْفًا مِنهم.

والثّانِي: أحَسَّ مِن نَفْسِهِ تَخَوُّفًا مِنهم، كَما قالَ يَزِيدُ بْنُ مُعاوِيَةَ: جاءَ البَرِيدُ بِقِرْطاسٍ يُخَبُّ بِهِ ∗∗∗ فَأوْجَسَ القَلْبُ مِن قِرْطاسِهِ جَزَعًا ﴿ قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ ﴾ يَعْنِي بِهَلاكِهِمْ.

وَفِي إعْلامِهِمْ إبْراهِيمَ بِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِيَزُولَ خَوْفُهُ مِنهم.

والثّانِي: لِأنَّ إبْراهِيمَ قَدْ كانَ يَأْتِي قَوْمَ لُوطٍ فَيَقُولُ: ويْحَكم أيَنْهاكم عَنِ اللَّهِ أنْ تَتَعَرَّضُوا لِعُقُوبَتِهِ فَلا يُطِيعُونَهُ.

﴿ وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ ﴾ وفي قِيامِها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها كانَتْ قائِمَةً مِن وراءِ السِّتْرِ تَسْمَعُ كَلامَهم، قالَهُ وهْبٌ.

الثّانِي: أنَّها كانَتْ قائِمَةً تَخْدُمُهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّها كانَتْ قائِمَةً تُصَلِّي، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ.

﴿ فَضَحِكَتْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي حاضَتْ، قالَهُ مُجاهِدٌ والعَرَبُ تَقُولُ ضَحِكَتِ المَرْأةُ إذا حاضَتْ، والضَّحِكُ الحَيْضُ في كَلامِهِمْ، قالَ الشّاعِرُ: وضَحِكَ الأرانِبُ فَوْقَ الصَّفا ∗∗∗ كَمَثَلِ دَمِ الخَوْفِ يَوْمَ اللُّقا والثّانِي: أنَّ مَعْنى ضَحِكَتْ: تَعَجَّبَتْ، وقَدْ يُسَمّى التَّعَجُّبُ ضَحِكًا لِحُدُوثِ الضَّحِكِ عَنْهُ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: فَجاءَ بِمَزْجٍ لَمْ يَرَ النّاسُ مِثْلَهُ ∗∗∗ هو الضَّحِكُ إلّا أنَّهُ عَمَلُ النَّحْلِ الثّالِثُ: أنَّهُ الضَّحِكُ المَعْرُوفُ في الوَجْهِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

فَإنْ حُمِلَ تَأْوِيلُهُ عَلى الحَيْضِ فَفي سَبَبِ حَيْضِها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ وافَقَ وقْتَ عادَتِها فَخافَتْ ظُهُورَ دَمِها وأرادَتْ شِدادَهُ فَتَحَيَّرَتْ مَعَ حُضُورِ الرُّسُلِ.

والقَوْلُ الثّانِي: ذُعِرَتْ وخافَتْ فَتَعَجَّلَ حَيْضُها قَبْلَ وقْتِهِ، وقَدْ تَتَغَيَّرُ عادَةُ الحَيْضِ بِاخْتِلافِ الأحْوالِ وتَغَيُّرِ الطِّباعِ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا ثالِثًا: أنْ يَكُونَ الحَيْضُ بَشِيرًا بِالوِلادَةِ لِأنَّ مَن لَمْ تَحُضْ لا تَلِدُ.

وَإنْ حُمِلَ تَأْوِيلُهُ عَلى التَّعَجُّبِ فَفِيما تَعَجَّبَتْ مِنهُ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها تَعَجَّبَتْ مِن أنَّها وزَوْجَها يَخْدُمانِ الأضْيافَ تَكْرِمَةً لَهم وهم لا يَأْكُلُونَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: تَعَجَّبَتْ مِن أنَّ قَوْمَ لُوطٍ قَدْ أتاهُمُ العَذابُ وهم غافِلُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّها تَعَجَّبَتْ مِن أنْ يَكُونَ لَها ولَدٌ عَلى كِبَرِ سِنِّها وسِنِّ زَوْجِها، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

الرّابِعُ: أنَّها تَعَجَّبَتْ مِن إحْياءِ العِجْلِ الحَنِيذِ لِأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسَحَهُ بِجَناحِهِ فَقامَ يَدْرُجُ حَتّى لَحِقَ بِأُمِّهِ وأُمُّ العِجْلِ في الدّارِ، قالَهُ عَوْنُ بْنُ أبِي شَدّادٍ.

وَإنْ حُمِلَ تَأْوِيلُهُ عَلى ضَحِكِ الوَجْهِ فَفِيما ضَحِكَتْ مِنهُ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ضَحِكَتْ سُرُورًا بِالسَّلامَةِ.

الثّانِي: سُرُورًا بِالوَلَدِ.

الثّالِثُ: لِما رَأتْ ما بِزَوْجِها مِنَ الوَرَعِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الرّابِعُ: أنَّها ضَحِكَتْ ظَنًّا بِأنَّ الرُّسُلَ يَعْمَلُونَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسى.

﴿ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ ﴾ وفي ﴿ وَراءِ ﴾ ها هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الوَراءَ وُلِدَ الوَلَدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والشَّعْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى بَعْدُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وقالَ النّابِغَةُ الذِّبْيانِيُّ: حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكِ رِيبَةً ∗∗∗ ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ فَعَجَّلُوا لَها البُشْرى بِالوَلَدَيْنِ مُظاهَرَةً لِلنِّعْمَةِ ومُبالَغَةً في التَّعَجُّبِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ البِشارَةُ بِهِما بِاسْمَيْهِما فَيَكُونُ اللَّهُ تَعالى هو المُسَمِّي لَهُما، واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ البِشارَةُ بِهِما وسَمّاها أبُوهُما.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ خُصَّتْ سارَّةُ بِالبُشْرى مِن دُونِ إبْراهِيمَ؟

قِيلَ عَنْ هَذا ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّها لَمّا اخْتَصَّتْ بِالضَّحِكِ خُصَّتْ بِالبُشْرى.

الثّانِي: أنَّهم كافَأُوها بِالبُشْرى مُقابَلَةً عَلى اسْتِعْظامِ خِدْمَتِها.

الثّالِثُ: لِأنَّ النِّساءَ في البُشْرى بِالوَلَدِ أعْظَمُ سُرُورًا وأكْثَرُ فَرَحًا.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سُمِّيَ إسْحاقَ لِأنَّ سارَّةَ سَحُقَتْ بِالضَّحِكِ حِينَ بُشِّرَتْ بِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَتْ يا ويْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا ﴾ لَمْ تَقْصِدْ بِقَوْلِها يا ويْلَتا الدُّعاءَ عَلى نَفْسِها بِالوَيْلِ ولَكِنَّها كَلِمَةٌ تَخِفُّ عَلى أفْواهِ النِّساءِ إذا طَرَأ عَلَيْهِنَّ ما يُعْجَبْنَ مِنهُ، وعَجِبَتْ مِن وِلادَتِها وهي عَجُوزٌ وكَوْنُ بَعْلِها شَيْخًا لِخُرُوجِهِ عَنِ العادَةِ، وما خَرَجَ عَنِ العادَةِ مُسْتَغْرَبٌ ومُسْتَنْكَرٌ.

واخْتُلِفَ في سِنِّها وسِنِّ إبْراهِيمَ حِينَئِذٍ، فَقالَ مُجاهِدٌ: كانَ لِسارَّةَ تِسْعٌ وتِسْعُونَ سَنَةً وكانَ لِإبْراهِيمَ مِائَةُ سَنَةٍ.

وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: كانَتْ سارَّةُ بِنْتَ تِسْعِينَ سَنَةً وكانَ إبْراهِيمُ ابْنَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً.

وَقالَ قَتادَةُ: كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ابْنَ تِسْعِينَ سَنَةً.

وَقِيلَ: إنَّها عَرَّضَتْ بِقَوْلِها: ﴿ وَهَذا بَعْلِي شَيْخًا ﴾ عَنْ تَرْكِ غِشْيانِهِ لَها، والبَعْلُ هو الزَّوْجُ في هَذا المَوْضِعِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ  ﴾ .

والبَعْلُ: المَعْبُودُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتَدْعُونَ بَعْلا  ﴾ أيْ إلَهًا مَعْبُودًا.

والبَعْلُ السَّيِّدُ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ.

حاسِرِي الدِّيباجِ عَنْ أذْرُعِهِمْ ∗∗∗ عِنْدَ بَعْلٍ حازِمِ الرَّأْيِ بَطَلٍ فَسُمِّيَ الزَّوْجُ بَعْلًا لِتَطاوُلِهِ عَلى الزَّوْجَةِ كَتَطاوُلِ السَّيِّدِ عَلى المَسُودِ.

﴿ إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ أيْ مُنْكَرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ  ﴾ أيْ أنْكَرُوا.

وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنها تَكْذِيبًا ولَكِنِ اسْتِغْرابًا لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن كعب رضي الله عنه قال: بلغنا أن إبراهيم عليه السلام كان يشرف على سدوم فيقول: ويلك يا سدوم يوم مالك، ثم قال: ﴿ ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاماً قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ ﴾ نضيج وهو يحسبهم أضيافاً ﴿ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أُرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ﴾ قال: ولد الولد ﴿ قالت ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب ﴾ فقال لها جبريل ﴿ أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ﴾ وكلمهم إبراهيم في أمر قوم لوط إذ كان فيهم إبراهيم قالوا: ﴿ يا إبراهيم أعرض عن هذا ﴾ [ هود: 76] إلى قوله: ﴿ ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم ﴾ [ هود: 77] قال: ساءه مكانهم لما رأى منه من الجمال ﴿ وضاق بهم ذرعاً وقال هذا يوم عصيب ﴾ قال: يوم سوء من قومي، فذهب بهم إلى منزله، فذهبت امرأته لقومه ﴿ فجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال: يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم ﴾ [ هود: 78] تزوّجوهن ﴿ أليس منكم رجل رشيد، قالوا: لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد ﴾ [ هود: 79] وجعل الأضياف في بيته وقعد على باب البيت ﴿ قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ﴾ [ هود: 80] قال: إلى عشيرة تمنع، فبلغني أنه لم يبعث بعد لوط عليه السلام رسول إلا في عز من قومه، فلما رأت الرسل ما قد لقي لوط في سيئتهم ﴿ قالوا يا لوط إنا رسل ربك ﴾ [ هود: 81] إنا ملائكة ﴿ لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك ﴾ [ هود: 81] إلى قوله: ﴿ أليس الصبح بقريب ﴾ [ هود: 81] فخرج عليهم جبريل عليه السلام، فضرب وجوههم بجناحه ضربة فطمس أعينهم والطمس ذهاب الأعين، ثم احتمل جبريل وجه أرضهم حتى سمع أهل سماء الدنيا نباح كلابهم وأصوات ديوكهم ثم قلبها عليهم ﴿ وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل ﴾ قال: على أهل بواديهم، وعلى رعاثهم، وعلى مسافرهم فلم يبق منهم أحد.

وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما رأى إبراهيم أنه لا تصل إلى العجل أيديهم نكرهم وخافهم، وإنما كان خوف إبراهيم أنهم كانوا في ذلك الزمان إذا هم أحدهم بأمر سوء لم يأكل عنده يقول: إذا أكرمت بطعامه حرم عليّ أذاه، فخاف إبراهيم أن يريدوا به سوءاً، فاضطربت مفاصله، وامرأته سارة قائمة تخدمهم، وكان إذا أراد أن يكرم أضيافه أقام سارة لتخدمهم، فضحكت سارة وإنما ضحكت انها قالت: يا إبراهيم وما تخاف أنهم ثلاثة نفر وأنت وأهلك وغلمانك؟

قال لها جبريل: أيتها الضاحكة أما أنك ستلدين غلاماً يقال له إسحاق، ومن ورائه غلام يقال له يعقوب ﴿ فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها ﴾ فأقبلت والهة تقول: واويلتاه.

..

!

ووضعت يدها على وجهها استحياء.

فذلك قوله: ﴿ فصكت وجهها وقالت أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً ﴾ قال: لما بشر إبراهيم بقول الله: ﴿ فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى ﴾ باسحاق ﴿ يجادلنا في قوم لوط ﴾ وإنما كان جداله أنه قال: يا جبريل أين تريدون، وإلى من بعثتم؟

قال: إلى قوم لوط وقد أمرنا بعذابهم.

فقال إبراهيم ﴿ إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته ﴾ [ العنكبوت: 32] وكانت فيما زعموا تسمى والقة فقال إبراهيم: إن كان فيهم مائة مؤمن تعذبونهم؟

قال جبريل: لا.

قال: فإن كان فيهم تسعون مؤمنون تعذبونهم؟

قال جبريل: لا، قال: فإن كان فيهم ثمانون مؤمنون تعذبونهم؟

قال جبريل: لا، حتى انتهى في العدد إلى واحد مؤمن؟

قال جبريل: لا، فلما لم يذكروا لإِبراهيم أن فيها مؤمناً واحداً قال: ﴿ إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته ﴾ [ العنكبوت: 32] .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن وهب بن منبه رضي الله عنه.

أن إبراهيم عليه السلام حين أخرجه قومه بعدما ألقوه في النار خرج بامرأته سارة ومعه أخوها لوط وهما ابنا أخيه، فتوجها إلى أرض الشام ثم بلغوا مصر، وكانت سارة رضي الله عنها من أجمل الناس، فلما دخلت مصر تحدث الناس بجمالها وعجبوا له حتى بلغ ذلك الملك، فدعا ببعلها وسأله ما هو منها فخاف إن قال له زوجها أن يقتله، فقال: أنا أخوها.

فقال: زوجنيها.

فكان على ذلك حتى بات ليلة، فجاءه حلم فخنقه وخوّفه، فكان هو وأهله في خوف وهول حتى علم أنه قد أتى من قبلها، فدعا إبراهيم فقال: ما حملك على أن تَغُرَّني زعمت أنها أختك؟

فقال: إني خفت إن ذكرت أنها زوجتي أن يصيبني منك ما أكره، فوهب لها هاجر أم إسماعيل وحملهم وجهزهم حتى استقر قرارهم على جبل إيليا، فكانوا بها حتى كثرت أموالهم ومعايشهم، فكان بين رعاء إبراهيم ورعاء لوط جوار وقتال: فقال لوط لابراهيم: إن هؤلاء الرعاء قد فسد ما بينهم وكانت تضيق فيهم المراعي، ونخاف أن لا تحملنا هذه الأرض فإن أحببت أن أخف عنك خففت.

قال إبراهيم: ما شئت إن شئت فانتقل منها وإن شئت انتقلت منك.

قال لوط عليه السلام: لا بل أنا أحق أن أخف عنك.

ففر بأهله وماله إلى سهل الأردن، فكان بها حتى أغار عليه أهل فلسطين فسبوا أهله وماله.

فبلغ ذلك إبراهيم عليه السلام فأغار عليهم بما كان عنده من أهله ورقيقه، وكان عددهم زيادة على ثلاثمائة من كان مع إبراهيم، فاستنقذ من أهل فلسطين من كان معهم من أهل لوط حتى ردهم إلى قرارهم، ثم انصرف إبراهيم إلى مكانه وكان أهل سدوم الذين فيهم لوط قوم قد استغنوا عن النساء بالرجال، فلما رأى الله كان عند ذلك بعث الملائكة ليعذبوهم، فأتوا إبراهيم فلما رآهم راعه هيئتهم وجمالهم فسلموا عليه وجلسوا إليه، فقام ليقرب إليهم قِرىً فقالوا: مكانك.

قال: بل دعوني آتيكم بما ينبغي لكم فإن لكم حقاً لم يأتنا أحد أحق بالكرامة منكم، فأمر بعجل سمين فحنذ له- يعني شوي لهم- فقرب إليهم الطعام ﴿ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة ﴾ وسارة رضي الله عنها وراء الباب تسمع ﴿ قالوا لا تخف إنا نبشرك بغلام حليم ﴾ مبارك فبشر به امرأته سارة فضحكت وعجبت كيف يكون له مني ولد وأنا عجوز وهذا شيخ كبير...

!

﴿ قالوا أتعجبين من أمر الله ﴾ فإنه قادر على ما يشاء، وقد وهبه الله لكم فابشروا به.

فقاموا وقام معهم إبراهيم عليه السلام فمشوا معاً، وسألهم قال: أخبروني لم بعثتم وما دخل بكم؟

قالوا: إنا أرسلنا إلى أهل سدوم لندمرها فإنهم قوم سوء وقد استغنوا بالرجال عن النساء.

قال إبراهيم: إن فيها قوماً صالحين فكيف يصيبهم من العذاب ما يصيب أهل عمل السوء؟

قالوا: وكم فيها؟

قال: أرأيتم إن كان فيها خمسون رجلاً صالحاً.

قالوا: إذن لا نعذبهم.

قال: إن كان فيهم أربعون؟

قالوا: إذن لا نعذبهم.

فلم يزل ينقص حتى بلغ إلى عشرة، ثم قال: فأهل بيت؟

قالوا: فإن كان فيها بيت صالح.

قال: فلوط وأهل بيته؟

قالوا: إن امرأته هواها معهم فكيف يصرف عن أهل قرية لم يتم فيها أهل بيت صالحين.

فلما يئس منهم إبراهيم عليه السلام انصرف وذهبوا إلى أهل سدوم، فدخلوا على لوط عليه السلام، فلما رأتهم امرأته أعجبها هيئتهم وجمالهم، فأرسلت إلى أهل القرية أنه قد نزل بنا قوم لم ير قط أحسن منهم ولا أجمل.

فتسامعوا بذلك فغشوا دار لوط من كل ناحية وتسوروا عليهم الجدران، فلقيهم لوط عليه السلام فقال: يا قوم لا تفضحوني في بيتي وأنا أزوجكم بناتي فهن أطهر لكم.

قالوا: لو كنا نريد بناتك لقد عرفنا مكانك ولكن لا بد لنا من هؤلاء القوم الذين نزلوا بك فخل بيننا وبينهم واسلم منا، فضاق به الأمر ف ﴿ قال لو أن لي بكم قوّة أو آوي إلى ركن شديد ﴾ فوجد عليه الرسل في هذه الكلمة فقالوا: إن ركنك لشديد، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود، ومسح أحدهم أعينهم بجناحه فطمس أبصارهم فقالوا: سحرنا انصرف بنا حتى ترجع إليهم تغشاهم الليل، فكان من أمرهم ما قص الله في القرآن، فأدخل ميكائيل وهو صاحب العذاب جناحه حتى بلغ أسفل الأرض، ثم حمل قراهم فقلبها عليهم، ونزلت حجارة من السماء فتتبعت من لم يكن منهم في القرية حيث كانوا، فأهلكهم الله تعالى ونجا لوط وأهله إلا امرأته.

وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن أبي يزيد البصري رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه ﴾ قال: لم ير لهم أيدياً فنكرهم.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ نكرهم ﴾ الآية قال: كانوا إذا نزل بهم ضيف فلم يأكل من طعامهم ظنوا أنه لم يأت بخير وإنه يحدث نفسه بشر، ثم حدثوه عند ذلك بما جاؤوا فيه فضحكت امرأته.

وأخرج ابن المنذر عن عمرو بن دينار رضي الله عنه قال: لما تضيفت الملائكة عليهم السلام إبراهيم عليه السلام قدم لهم العجل فقالوا: لا نأكله إلا بثمن.

قال: فكلوا وأدوا ثمنه.

قالوا: وما ثمنه؟

قال: تسمون الله إذا أكلتم وتحمدونه إذا فرغتم.

قال: فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا: لهذا اتخذك الله خليلاً.

وأخرج ابن جرير عن السدي قال: لما بعث الله الملائكة عليهم السلام لتهلك قوم لوط أقبلت تمشي في صورة رجال شباب حتى نزلوا على إبراهيم عليه السلام فضيفوه، فلما رآهم أجلهم فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فذبحه ثم شواه في الرضف، فهو الحنيذ وأتاهم فقعد معهم، وقامت سارة رضي الله عنها تخدمهم، فذلك حين يقول ﴿ وامرأته قائمة ﴾ وهو جالس في قراءة ابن مسعود ﴿ فلما قربه إليهم قال ألا تأكلون ﴾ ؟

قالوا: يا إبراهيم إنا لا نأكل طعاماً إلا بثمن.

قال: فإن لهذا ثمناً.

قالوا: وما ثمنه؟

قال: تذكرون اسم الله على أوّله وتحمدونه على آخر.

فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال: حق لهذا أن يتخذه ربه خليلاً.

فلما رأى إبراهيم أيديهم لا تصل إليه يقول: لا يأكلون، فزع منهم وأوجس منهم خيفة، فلما نظرت إليه سارة أنه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم ضحكت، وقالت: عجباً لاضيافنا هؤلاء انا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم وهم لا يأكلون طعامنا.

!

قال لها جبريل: ابشري بولد اسمه إسحق، ومن وراء إسحاق يعقوب.

فضربت وجهها عجباً فذلك قوله: ﴿ فصكت وجهها وقالت أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب، قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ﴾ قالت سارة رضي الله عنها: ما آية ذلك؟

فأخذ بيده عوداً يابساً فلواه بين أصابعه فاهتز أخضر.

فقال إبراهيم عليه السلام: هو لله إذن ذبيحاً.

وأخرج ابن المنذر عن المغيرة رضي الله عنه قال: في مصحف ابن مسعود ﴿ وامرأته قائمة وهو جالس ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وامرأته قائمة ﴾ قال: في خدمة أضياف إبراهيم عليه السلام.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال: لما أوجس إبراهيم خيفة في نفسه حدثوه عند ذلك بما جاؤوا فيه، فضحكت امرأته تعجباً مما فيه قوم لوط من الغفلة ومما أتاهم من العذاب.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ فضحكت ﴾ قال: فحاضت وهي بنت ثمان وتسعين سنة.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ فضحكت ﴾ قال: حاضت وكانت ابنة بضع وتسعين سنة، وكان إبراهيم عليه السلام ابن مائة سنة.

وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فضحكت ﴾ قال: حاضت.

قال الشاعر: إني لآتي العرس عند طهورها ** وأهجرها يوماً إذا هي ضاحك وأخرج ابن عساكر عن الضحاك رضي الله عنه قال: كان اسم سارة يسارة فلما قال لها جبريل عليه السلام: يا سارة.

قالت: إن اسمي يسارة فكيف تسمينني سارة؟

قال الضحاك: يسارة العاقر التي لا تلد، وسارة الطالق الرحم التي تلد.

فقال لها جبريل عليه السلام: كنت يسارة لا تحملين فصرت سارة تحملين الولد وترضعينه.

فقالت سارة رضي الله عنها: يا جبريل نقصت اسمي قال جبريل: إن الله قد وعدك بأن يجعل هذا الحرف في اسم ولد من ولدك في آخر الزمان، وذلك أن اسمه عند الله حي فسماه يحيى.

وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان حسن سارة رضي الله عنها حسن حواء عليها السلام.

وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن سارة بنت ملك من الملوك، وكانت قد أوتيت حسناً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ﴾ قال: هو ولد الولد.

وأخرج ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء عن حسان بن أبحر قال: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل من هذيل فقال له ابن عباس: ما فعل فلان؟

قال: مات، وترك أربعة من الولد وثلاثة من الوراء.

فقال ابن عباس: ﴿ فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ﴾ قال: ولد الولد.

وأخرج ابن الأنباري عن الشعبي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن وراء إسحاق يعقوب ﴾ قال: ولد الولد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ضمرة بن حبيب.

أن سارة لما بشرها الرسل بإسحق قال: بينا هي تمشي وتحدثهم حين أتت بالحيضة، فحاضت قبل أن تحمل بإسحق، فكان من قولها للرسل حين بشروها: قد كنت شابة وكان إبراهيم شاباً فلم أحبل فحين كبرت وكبر أألد؟

قالوا: أتعجبين من ذلك يا سارة، فإن الله قد صنع بكم ما هو أعظم من ذلك، إن الله قد جعل رحمته وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد.

وأخرج ابن الأنباري وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً ﴾ قال: وهي يومئذ ابنة سبعين، وهو يومئذ ابن تسعين سنة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله: ﴿ بعلي ﴾ قال: زوجي.

وأخرج أبو الشيخ عن ضرار بن مرة عن شيخ من أهل المسجد قال: بشر إبراهيم بعد سبع عشرة ومائة سنة.

وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن علي رضي الله عنه قال: قالت سارة رضي الله عنها لما بشرتها الملائكة عليهم السلام ﴿ يا ويلتاه أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب ﴾ فقالت الملائكة ترد على سارة ﴿ أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ﴾ قال: فهو كقوله: ﴿ وجعلها كلمة باقية في عقبه ﴾ [ الزخرف: 28] بمحمد صلى الله عليه وسلم وآله من عقب إبراهيم.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في شعب الإِيمان عن عطاء بن أبي رباح رضي الله عنه في قوله: ﴿ رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ﴾ قال: كنت عند ابن عباس إذ جاءه رجل فسلم عليه، فقلت: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته.

فقال ابن عباس: انته إلى ما انتهيت إليه الملائكة، ثم تلا ﴿ رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت ﴾ .

وأخرج البيهقي عن ابن عباس أن سائلاً قام على الباب وهو عند ميمونة رضي الله عنها فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته وصلواته ومغفرته، فقال ابن عباس: انتهوا بالتحية إلى ما قال الله: ﴿ ورحمة الله وبركاته ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ والبيهقي في الشعب عن عطاء قال: كنت عند ابن عباس رضي الله عنهما، فجاء سائل فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته وصلواته.

فقال ابن عباس: ما هذا السلام، وغضب حتى احمرت وجنتاه، إن الله حد للسلام حداً ثم انتهى ونهى عما وراء ذلك، ثم قرأ ﴿ رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ﴾ .

وأخرج البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما.

أن رجلاً قال له: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته.

فانتهره ابن عمر وقال: حسبك إذا انتهيت إلى وبركاته إلى ما قال الله.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قَالَتْ يَا وَيْلَتَى ﴾ .

قال أبو إسحاق (١) (٢) ﴿ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ  ﴾ بفتح الياء، قال (٣) (٤) ﴿ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ  ﴾ (٥) وقوله تعالى: ﴿ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ ﴾ ، قال الليث (٦) (٧) قال ابن الأعرابي (٨) (٩) قال ابن إسحاق (١٠) (١١) (١٢)  -، وإنما تعجبت من مقدور الله تعالى -مع إيمانها- بطبع البشرية إذا ورد مثلُ هذا على النفس من غير فكر ولا روية، كما ولى موسى  مدبرًا حتى قيل له: ﴿ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا ﴾ ، ذكرنا معنى البعل والبعولة في سورة البقرة (١٣) (١٤) (١٥)  في ذلك الوقت ابن مائة سنة.

وقال ابن إسحاق (١٦) (١٧) قال أبو إسحاق (١٨) (١٩) (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ ، العجيب بمعنى المُعْجِب يقال: أعجبني الشيء فهو معجب وعجيب، قال ابن عباس (٢١) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 63.

(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).

(٣) القائل أبو إسحاق الزجاج في الموضع السابق 3/ 63.

(٤) في (ي): (إن).

(٥) وقد نقل هناك عن الزجاج قوله: المعنى يا ويلتا تعالى، فإنه من إبّانك، أي: قد لزمني الويل، قال: والوقف في غير القرآن: يا ويلتاه.

اهـ.

وانظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 167.

(٦) "تهذيب اللعة" (عجز) 3/ 2337.

(٧) "تهذيب اللغة" (عجز) 3/ 2337.

(٨) "تهذيب اللغة" (عجز) 3/ 2337.

(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(١٠) الطبري 12/ 77، الثعلبي 7/ 49 ب، البغوي 4/ 189، "زاد المسير" 4/ 133، القرطبي 9/ 70.

(١١) ساقط من (ي).

(١٢) الثعلبي 7/ 49 ب، البغوي 4/ 189، "زاد المسير" 4/ 132، القرطبي 9/ 70.

(١٣) البقرة: 228.

(١٤) النساء: 128.

وخلاصة ما ذكره أن المراد بالبعل الزوج، وإنما سمي بذلك لأحد أمرين: إما لأنه مستبعل لها وقد غلطه الأزهري، وإما لأنه سيدها ومالكها.

وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 363 (بعل).

(١٥) الثعلبي 7/ 50 أ، البغوي 4/ 189، "زاد المسير" 4/ 132.

(١٦) الطبري 12/ 76، الثعلبي 7/ 50 أ، البغوي 4/ 189، "زاد المسير" 4/ 133.

(١٧) "تنوير المقباس" ص 143، "زاد المسير" 4/ 132.

(١٨) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 63، وانظر: "تهذيب اللغة" (بعل) 1/ 362.

(١٩) ساقط من (ب).

(٢٠) "زاد المسير" 4/ 132.

(٢١) قال به الطبري 12/ 77، "زاد المسير" 4/ 133، القرطبي 9/ 70.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وامرأته قَآئِمَةٌ ﴾ قيل: قائمة خلف الستر، وقيل: قائمة في الصلاة، وقيل: قائمة تخدم القوم، واسمها سارة ﴿ فَضَحِكَتْ ﴾ قيل: معناه حاضت، وهو ضعيف، وقال الجمهور: هو الضحك المعروف واختلفوا من أي شيء ضحكت، فقيل: سروراً بالولد الذي بشرت به؛ ففي الكلام على هذا تقديم وتأخير، وقيل: سروراً بالأمن بعد الخوف، وقيل: سروراً بهلاك قوم لوط ﴿ فبشرناها بإسحاق ﴾ أسند البشارة إلى ضمير الله تعالى، لأنها كانت بأمره ﴿ وَمِن وَرَآءِ إسحاق يَعْقُوبَ ﴾ أي من بعده وهو ولده، وقيل: الوراء ولد الولد ويعقوب بالرفع مبتدأ، وبالفتح معطوف على إسحاق ﴿ قَالَتْ ياويلتى ﴾ الألف فيه مبدلة من المتكلم، كذلك في يا لهفي ويا أسفي ويا عجباً، ومعناه التعجب من الولادة، وروي أنها كانت حينئذ بنت تسع وتسعين سنة، وإبراهيم، ابن مائة سنة ﴿ رَحْمَتُ الله وبركاته عَلَيْكُمْ ﴾ يحتمل الدعاء والخبر ﴿ أَهْلَ البيت ﴾ أي أهل بيت إبراهيم، وهو منصوب بفعل مضمر على الاختصاص، أو منادى ﴿ حَمِيدٌ ﴾ أي محمود ﴿ مَّجِيدٌ ﴾ من المجد وهو العلو والشرف.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سلم ﴾ بكسر السين بلا ألف فيهما.

حمزة وعلي ﴿ ويعقوب ﴾ بالنصب: ابن عامر وحمزة وحفص، الآخرون بالرفع.

﴿ سيء بهم ﴾ وبابه كضرب مجهولاً: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعلي ورويس.

الآخرون ﴿ سيء ﴾ مثل ﴿ قيل ﴾ ﴿ تخزوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل.

وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل ﴿ ضيفي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ فاسر ﴾ وبابه بهمزة الوصل: أبو جعفر ونافع وابن كثير وعباس من طريق الموصلي وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة ﴿ إلا امرأتك ﴾ بالرفع: ابن كثير وأبو عمرو.

الباقون بالنصب.

الوقوف: ﴿ سلاماً ﴾ ط ﴿ حنيذ ﴾ ه ﴿ خيفة ﴾ ط ﴿ قوم لوط ﴾ ه ط ﴿ بإسحق ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يعقوب ﴾ بالرفع ﴿ يعقوب ﴾ ه ﴿ شيخاً ﴾ ط ﴿ عجيب ﴾ ه ﴿ أهل البيت ﴾ ط ﴿ مجيد ﴾ ه ﴿ في قوم لوط ﴾ ط ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ عن هذا ﴾ ج لاحتمال التعليل ﴿ أمر ربك ﴾ ج للاتبداء بأن مع اتصال المعنى.

﴿ مردود ﴾ ه ﴿ عصيب ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ج للعطف ولاختلاف النظم ﴿ السيئات ﴾ ط ﴿ ضيفي ﴾ ط ﴿ رشيد ﴾ ه ﴿ من حق ﴾ ج لما مر ﴿ ما نريد ﴾ ه ﴿ شديد ﴾ هـ.

﴿ إلا امرأتك ﴾ ط ﴿ أصابهم ﴾ ط ﴿ الصبح ﴾ ط ﴿ بقريب ﴾ ه ﴿ منضود ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة حجارة ﴿ عند ربك ﴾ ط ﴿ ببعيد ﴾ ه.

التفسير: الرسل ههنا الملائكة، وأجمعوا على أن الأصل فيهم جبرائيل، ثم اختلفوا فقيل: كان معه اثناء عشر ملكاً على أحسن ما يكون من صورة الغلمان.

وقال الضحاك: كانوا تسعة.

وقال ابن عباس: كانوا ثلاثة جبرائيل وميكائيل وإسرائفيل وهم الذين ذكر الله  في سورة الحجر ﴿ ونبئهم عن ضيف إبراهيم  ﴾ وفي الذاريات ﴿ هل أتاك حديث إبراهيم  ﴾ والظاهر أن البشرى هي البشارة بالولد.

وقيل: بهلاك قوم لوط.

ومعنى ﴿ سلاماً ﴾ سلمنا عليك.

ومعنى ﴿ سلام ﴾ أمركم سلام أو سلام عليكم.

ولأن الرفع يدل على الثبات والاستقرار، والنصب يدل على الحدوث لمكان تقدير الفعل.

قال العلماء: إن سلام إبراهيم كان أحسن اقتداء بقوله  : ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحس منها  ﴾ وإنما صح وقوع ﴿ سلام ﴾ مبتدأ مع كونه نكرة لتخصصها بالإِضافة إلى المتكلم إذ أصله سلمت سلاماً فعدل إلى الرفع لإفادة الثبات.

ومن قرأ ﴿ سلماً ﴾ فمعناه السلام أيضاً.

قال الفراء.

سلم وسلام كحل وحلال وحرم وحرام.

وقال أبو علي الفارسي: يحتمل أن يراد بالسلم خلاف الحرب.

قالوا: مكث إبراهيم خمس عشرة ليلة لا يأتيه ضيف فاغتم لذلك فجاءته الملائكة فرأى أضيافاً لم ير مثلهم فما لبث ﴿ أن جاء ﴾ أي فما لبث في أن جاء بل عجل أو فما لبث مجيئه ﴿ بعجل ﴾ هو ولد البقرة ﴿ حنيذ ﴾ مشوي في حرفة من الأرض بالحجارة المحماة وهو من فعل أهل البادية معروف.

ومعناه محنوذ كطبيخ بمعنى مطبوخ.

وقيل: الحنيذ الذي يقطر دسماً لقوله: ﴿ بعجل سمين  ﴾ تقول: حنذت الفرس إذا ألقيت عليها الجل حتى يقطر عرقاً ﴿ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه ﴾ إلى العجل أو الطعام ﴿ نكرهم ﴾ أي أنكرهم واستنكر فعلهم ﴿ وأوجس ﴾ أضمر ﴿ منهم خيفة ﴾ لأنه ما كان يعرف أنهم ملائكة وكان من عادة العرب أنه إذا نزل بهم الضيف ولم يتناول طعامهموتوقعوا منه المكروه والشر.

وقيل: إنه كان ينزل في طرف من الأرض بعيد عن الناس، فلما امتنعوا من الأكل خاف أن يريدوا به شراً.

وقيل: إنه كان يعرف أنهم ملائكة الله لقولهم: ﴿ لا تخف ﴾ .

﴿ وإنا أرسلنا إلى قوم لوط ﴾ لم يقولوا لا تخف إنا ملائكة بل ذكروا سبب الإرسال وهو إهلاك قوم لوط.

وعلى هذا فإنما خاف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله أو لتعذيب قومه، والاحتمال الأول وهو أنه كان لا يعرف أنهم ملائكة أقرب بدليل إحضاره الطعام واستدلاله بترك أكلهم على توقع الشر منهم.

وإنما ذكروا سبب الإرسال إيجازاً واختصاراً لدلالة الإرسال على كونهم رسلاً لا أضافياً.

وإنما أتوه على صورة الأضياف ليكونوا على صفة يحبها لأنه كان مشغوفاً بالضيافة.

وبم عرف الملائكة خوفه؟

قيل: بالتغير في وجهه أو بتعريف الله، أو علموا أن علمه بأنهم ملائكة موجب للخوف لأنهم كانوا لا ينزلون إلا بعذاب ﴿ وامرأته ﴾ وهي سارة بنت هاران بن ناحورا بنت عم إبراهيم ﴿ قائمة ﴾ وراء الستر تسمع تحاورهم، أو كانت قائمة على رؤوسهم تخدمهم وهو قعود ﴿ فضحكت ﴾ .

قال العلماء: لا بد للضحك من سبب فقيل: سببه السرور بزوال الخيفة.

وقيل: بهلاك أهل الخبائث.

وعن السدي أن إبراهيم قال لهم: ألا تأكلون؟

قالوا: إنا لا نأكل طعاماً إلا بالثمن.

فقال: ثمنه أن تذكروا اسم الله على أوله وتحمدوه في آخره.

فقال جبرائيل لميكائيل: حق لمصل هذا الرجل أن يتخذه ربه خليلاً، فضحكت امرأته فرحاً بهذا الكلام.

وقيل: كانت تقول لإبراهيم اضمم لوطاً ابن أخيك إليك فإني أعلم أنه ينزل بهؤلاء القوم عذاب، ففرحت بموافقة قولهم لقولها فضحكت.

وقيل: طلب إبراهيم  منهم معجزة دالة على أنهم من الملائكة فدعوا ربهم بإحياء العجل المشوي فطفر ذلك العجل المشوي إلى مرعاه فضحكت سارة من طفرته.

وقيل: ضحكت تعجباً من قوم أتاهم العذاب وهم غافلون.

وقيل: تعجبت من خوف إبراهيم مع كثرة خدمه وحشمه من ثلاثة أنفس.

وقيل: في الكلام تقديم وتأخير أي فبشرناها بإسحق، فضحكت سروراً.

وعن مجاهد وعكرمة ضحكت أي حاضت ومنه ضحكت الطلعة إذا انشقت يعني استعدادها لعلوق الولد.

من قرأ ﴿ يعقوب ﴾ بالرفع فعلى الابتداء والخبر محذوف أي يعقوب مولود أو موجود بعد إسحاق، ومن قرأ بالنصب فعلى العبارة المتروكة كأنه قيل: ووهبنا لها إسحق ومن بعد إسحق يعقوب.

أقول من المحتمل أن يكون ﴿ يعقوب ﴾ مجروراً بالعبارة الموجودة أي وبشرناها بيعقوب من بعد إسحاق وقيل: الوراء ولد الولد ووجهه أن يراد بيعقوب أولاده كما يقال هاشم ويراد أولاده ﴿ يا ويلتي ﴾ كلمة تلهف وقد مرت في "المائدة" في ﴿ يا ويلتي أعجزت  ﴾ و ﴿ شيخاً ﴾ نصب الحال والعامل فيه ما في هذا من معنى أنبه أو أشير ﴿ إن هذا ﴾ يعني إن تولد ولد من هرمين ﴿ لشيء عجيب ﴾ عادة فأزال الملائكة تعجبها منكرين عليها بقولهم على سبيل الاستئناف ﴿ رحمة الله وبركاته عليكم ﴾ يا أهل بيت خليل الرحمن.

والمقصود أن رحمته عليكم متكاثرة وبركاته فيكم متواترة وخرق العادات في أهل بيت النبوة غير عجيب.

ويحتمل أن يكون انتصاب ﴿ أهل البيت ﴾ على الاختصاص.

وقيل: الرحمة النبوة والبركات الأسباط من بني إسرائيل لأن الأنبياء منهم وكلهم من ولد إبراهيم.

ثم أكدوا إزالة التعجب بقولهم: ﴿ إنه حميد ﴾ محمود في أفعاله ﴿ مجيد ﴾ ذو الكرم الكامل فلا يليق به منع الطالب عن مطلوبه.

﴿ فلما ذهب عن إبراهيم الروع ﴾ الخوف الذي لحقه حين أنكر أضيافه ﴿ وجاءته البشرى ﴾ البشارة بحصول الولد ﴿ يجادلنا في قوم لوط ﴾ في معناهم وفي شأنهم وهو جواب "لما" على حكاية الحال، أو لأن "لما" ترد المضارع إلى الماضي عكس "إن"، ويحتمل أن يكون جواب "لما" محذوفاً دل عليه ﴿ يجادلنا ﴾ أي اجترأ على خطابنا أو قال كذا، ثم ابتدأ فقال: ﴿ يجادلنا ﴾ وقيل: معناه أخذ يجادلنا ولا بد من حذف مضاف أي يجادل رسلنا لا بمعنى مخالفة أمر الله فإن ذلك يكون معصية بل سعياً في تأخير العذاب عنهم رجاء إيمانهم وتوبتهم.

ويروى أنهم قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية فقال: أرأيتم لو كان فيها خمسون من المؤمنين أتهلكونها؟

قالوا: لا قال: فأربعون؟

قالوا: لا حتى بلغ العشرة قالوا لا.

قال: فإن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها؟

قالوا: لا.

فعند ذلك ﴿ قال إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لنُنَجِّيَنهُ وأهله  ﴾ قال الأصوليون: إن إبراهيم كان يقول: إن أمر الله ورد بايصال العذاب ومطلق الأمر لا يوجب الفور، والملائكة يدعون الفور إما للقرائن أو لأن مطلق الأمر يستدعي ذلك، فهذه هي المجادلة.

أو لعل إبراهيم كان يدعي أن الأمر مشروط لم يحصل بعدوهم لا يسلمون.

وبالجملة فإن العلماء يجادل بعضهم بعضاً عند التمسك بالنصوص وليس يوجب القدح في واحد منهم فكذلك ههنا ولذلك مدحه بقوله: ﴿ إن إبراهيم لحليم ﴾ غير عجول في الأمور ﴿ أوّاه ﴾ كثير التأوّه من الذنوب ﴿ منيب ﴾ راجع إلى الله في كل ما يسنح له.

وهذه الصفات تدل على رقة القلب والشفقة على خلق الله حتى حملته على المجادلة فيهم رجاء أن يرفع العذاب عنهم.

ولما عرفت الملائكة أن العذاب قد حق عليهم قالوا: ﴿ يا إبراهيم أعرض عن هذا ﴾ الجدال ﴿ إنه قد جاء أمر ربك ﴾ بإهلاكهم ﴿ وإنهم آتيهم ﴾ لاحق بهم ﴿ عذاب غير مردود ﴾ فلا راد لقضائه فلا ينفع فيهم جدال ولا دعاء.

﴿ ولما جاءت رسلنا ﴾ المذكورون ﴿ لوطاً سيء بهم ﴾ أصله "سوىء" لأنه من ساءه يسوءه نقيض سره يسره، نقلت الكسرة إلى الفاء وأبدلت العين ياء، ومن قرأ ﴿ سيء ﴾ بإبدال العين ياء مكسورة فلكراهة اجتماع الواو والهمزة.

﴿ وضاق بهم ذرعاً ﴾ قال الأزهري: الذرع يوضع موضع الطاقة وأصله أن البعير يذرع بيده في سيره على قدر سعة خطوه، فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق ذرعه عن ذلك فجعل ضيق الذرع عبارة عن قلة الوسع والطاقة، وربما قالوا ضقت بالأمر ذرعاً.

﴿ وقال هذا يوم عصيب ﴾ أي شديد من العصب الشد كأنه أريد اشتداد ما فيه من الأمور.

عن ابن عباس: انطلقوا من عند إبراهيم إلى لوط وبين القريتين أربعة فراسخ ودخلوا عليه على صورة شباب مرد من بني آدم في غاية الحسن، ولم يعرف لوط أنهم ملائكة الله فساءه مجيئهم واغتم لذلك لأنه خاف عليهم خبث قومه وأن يعجز عن مقاومتهم.

وقيل: سبب المساءة أنه لم يكن قادراً على القيام بحق ضياقتهم لأنه ما كان يجد ما ينفق عليهم.

وقيل: السبب أن قومه منعوه عن إدخال الضيف داره.

وقيل: عرف أنهم ملائكة جاؤوا لإهلاك قومه فرق قلبه على قومه.والصحيح هو الأول.

يروى أنه  قال لهم: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات.

فلما مشى معهم منطلقاً به إلى منزله قال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية قالوا: وما أمرهم؟

قال: أشهد بالله إنها لشر قرية في الأرض عملاً - يقول ذلك أربع مرات - فدخلوا معه منزله ولم يعلم بذلك أحد فخرجت امرأته فأخبرت بهم قومها فذلك قوله: ﴿ وجاءه قومه يهرعون إليه ﴾ قال أبو عبيدة: يستحثون إليه كأنه يحث بعضهم بعضاً.

وقال الجوهري: الإهراع الإسراع.

وأهرع الرجل على ما لم يسم فاعله فهو مهرع إذا كان يرعد من حمى أو غضب أو فزع.

وقيل: إنما لم يسم فاعله للعلم به.

والمعنى أهرعه خوفه أو حرصه.

ثم بين إسراعهم إنما كان لأجل العمل الخبيث فقال: ﴿ ومن قبل كانوا يعملون السيئات ﴾ الفواحش فمرنوا عليها فلذلك جاؤوا مجاهرين لا يكفهم حياء.

وقيل: معناه وكان لوط قد عرف عادتهم في ذلك العمل قبل ذلك فأراد أن يقي أضيافه ببناته فقال: ﴿ هؤلاء نباتي ﴾ عن قتادة: بناته من صلبه.

وعن مجاهد وسعيد بن جبير: أراد نساء أمته لأن النبي كالأب لأمته.

واختير هذا القول لأن عرض البنات الحقيقيات على الفجار لا يليق بذوي المروءات.

ولأن اللواتي من صلبه لا تكفي للجمع العظيم، ولما روي أنه لم يكن له إلا بنتان وأقل الجمع ثلاثة.

والقائلون بالقول الأول قالوا ما دعا القوم إلى الزنا بهن وإنما دعاهم إلى التزوج بهن بعد الإيمان أو مع الكفر، فلعل تزويج المسلمات من الكفار كان جائزاً كما في أول الإسلام، زوج رسول الله  ابنتيه من عتبة بن أبي لهب وأبي العاص بن الربيع بن عبد العزى - وهما كافران - فنسخ بقوله: ﴿ ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا  ﴾ وقيل: كان لهم سيدان مطاعان فأراد أن يزوجهما ابنتيه، وقيل: إن بناته كن أكثر من ثنتين.

ويجوز أ يكون قد عرض البنات عليهم لا بطريق الجد بل طمعاً فيهم أن يستحيوا منه ويرقوا له.

و ﴿ أطهر ﴾ بمعنى الطاهر لأنه لا طهارة في نكاح الرجال ﴿ فاتقوا الله ﴾ بإيثارهن عليهم ﴿ ولا تخزون ﴾ ولا تفضحوني من الخزي أو لا تخجلوني من الخزاية وهي الحياء.

﴿ في ضيفي ﴾ في حق أضيافي فخزي الضيف والجار يورث للمضيف العار والشنار.

والضيف يستوي فيه الواحد والجمع ويجوز أن يكون مصدراً.

﴿ أليس منكم رجل رشيد ﴾ صالح أو مصلح مرشد يمنتع أو يمنع عن مثل هذا العمل القبيح.

﴿ قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق ﴾ من شهوة ولا حاجة لأن من احتاج إلى شيء فكأنه حصل له فيه نوع حق ولذلك قالوا ﴿ وإنك لتعلم ما نريد ﴾ ويجوز أن يراد إنهن لسن لنا بأزواج فلا حق لنا فيهن من حيث الشرع ومن حيث الطبع، أو يراد إنك دعوتنا إلى نكاحهن بشرط الإيمان ونحن لا نؤمن ألبتة فلا يتصور لنا حق فيهن.

قال لوط ﴿ لو أن لي بكم قوّة ﴾ وجوابه محذوف أي لفعلت بكم وصنعت وبالغت في دفعكم.

قال أهل المعاني: حذف الجواب أبلغ لأن الوهم يذهب إلى أنواع كثيرة من الدفع والمنع.

والمراد لو أن لي ما أتقوى به عليكم فسمى موجب القوة بالقوة، ويحتمل أن يريد بالقوة القدرة والطاقة ﴿ أو آوي ﴾ أنضم ﴿ إلى ركن شديد ﴾ حام منيع شبه الركن من الجبل في شدته.

وقوله: ﴿ أو آوي ﴾ عطف على الفعل المقدر بعد "لو".

والحاصل أنه تمنى دفعهم بنفسه أو بمعاونة غيره، قال ذلك من شدة القلق والحيرة في الأمر النازل به ولهذا قالت الملائكة وقد رقت عليه وحزنت له: إن ركنك لشديد.

وقال النبي  "رحم الله أخي لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد فما بعث نبي بعد ذلك إلا في ثروة من قومه" ويحتمل أن يريد بالركن الشديد حصناً يتحصن به فيأمن من شرهم، ويحتمل أنه لما شاهد سفاهة القوم وإقدامهم على سوء الأدب تمني حصول قوة قوية على الدفع.

ثم استدرك وقال بل الأولى أن آوي إلى ركن شديد وهو الاعتصام بعناية الله.

روي أنه أغلق بابه لما جاؤوا فتسوروا الجدار فلما رأت الملائكة ما لقي لوط من الكرب ﴿ قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ﴾ وهذه جملة موضحة للتي قبلها لأنهم إذا كانوا رسل الله لم يصل الأعداء إليه ولن يقدروا على ضرره، فأمره الملائكة أن يفتح الباب فدخلوا فاستأذن جبرائيل ربه في عقوبتهم فأذن له، فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم وأعماهم كما قال  ﴿ ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم  ﴾ فصاروا لا يعرفون الطريق فخرجوا وهم يقولون إن في بيت لوط سحرة.

ثم بين نزول العذاب ووجه خلاص لوط وأهله فقال: ﴿ فأسر بأهلك ﴾ الباء للتعدية إن كانت الهمزة للوصل من السرى، أو زائدة وإن كانت للقطع من الإسراء.

﴿ بقطع من الليل ﴾ عن ابن عباس: أي في آخر الليل بسحر.

وقال قتادة: بعد طائفة من الليل.

وقيل نصف الليل كأنه قطع نصفين ﴿ ولا يلتفت منكم أحد ﴾ أي لا ينظر إلى ما رواءه ﴿ إلا امرأتك ﴾ أكثر القراء على النصب فاعترض بأن الفصيح في مثله هو البدل لأن الكلام غير موجب فكيف اجتمع القراء على غير فصيح؟

فأجاب جار الله بأن الرفع بدل من ﴿ أحد ﴾ على القياس والنصب مستثنى من قوله: ﴿ فأسر ﴾ لا من قوله ﴿ لا يلتفت ﴾ وزيف بأن الاستثناء من ﴿ أسر ﴾ يقتضي كونها غير مسرى بها، والاستثناء من ﴿ لا يلتفت ﴾ يقتضي كونها مسرياً بها لأن الالتفات بعد الإسراء فتكون مسرياً بها غير مسرى بها.

ويمكن أن يجاب بأن ﴿ أسر ﴾ وإن كان مطلقاً في الظاهر إلا أنه في المعنى مقيد بعدم الالتفات إذ المراد أسر بأهلك إسراء لا التفات فيه إلا امرأتك فإنك تسري بها إسراء مع الالتفات، فاستثن على هذا إن شئت من ﴿ أسر ﴾ وإن شئت من ﴿ لا يلتفت ﴾ ولا تناقض.

وبعضهم - كابن الحاجب - جعل ﴿ إلا امرأتك ﴾ في كلتا القراءتين مستثنى من ﴿ لا يلتفت ﴾ ولم يستبعد اجتماع القراء على قراءة غير الأقوى.

ويمكن أن يقال: إنما اجتمعوا على النصب ليكون استثناء من ﴿ أسر ﴾ إذ لو جعل استثناء من ﴿ لا يلتفت ﴾ لزم أن تكون مأمورة بالالتفات لأن القائل إذا قال لا يقم منكم إلا زيد كان ذلك أمراً لزيد بالقيام اللهم إلا أن يجعل الاستثناء منقطعاً على معنى ولا يلتفت منكم أحد لكن امرأتك تلتفت فيصيبها ما أصابهم، وإذا كان هذا الاستثناء منقطعاً كان التفاتها موجباً للمعصية.

قاله في الكشاف.

وروي أنه أمر أن يخلفها مع قومها فلم يسر بها.

واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين.

أقول: في هذا الكلام خلل لا يمكن اجتماعهما على الصحة، والقراءتان يجب اجتماعهما على الصحة لتواتر القراآت كلها.

روي أنها لما سمعت هدّة العذاب أي صوته التفتت وقالت: يا قوماه: فأدركها حجر فقتلها.

وقيل: المراد بعدم الالتفات قطع تعلق القلب عن الأصدقاء والأموال والأمتعة.

فعلى هذا يصح الاستثناءان من غير شائبة التناقض كأنه أمر لوطاً أن يخرج بقومه ويترك هذه المرأة فإنها هالكة من الهالكين.

ثم أمر أن يقعطوا العلائق وأخبر أن امرأته تبقى متعلقة القلب بها.

يروى أنه قال لهم متى موعد هلاكهم فقيل له ﴿ إن موعدهم الصبح ﴾ فقال أريد أسرع من ذلك فقالوا: ﴿ أليس الصبح بقريب؟

﴾ ﴿ فلما جاء أمرنا ﴾ بإهلاكهم ﴿ جعلنا ﴾ أي جعل رسلنا ﴿ عاليها سافلها ﴾ روي أن جبرائيل أدخل جناحه الواحد تحت مدائن قوم لوط وقلعها وصعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نهيق الحمير ونباح الكلاب وصياح الديوك لم يتبدد لهم طعام ولم يتكسر لهم إناء، ثم قلبها دفعة وضربها على الأرض، ثم أمطر عليهم حجارة من سجيل - وهو معرب سنك وكل - كأنه مركب من حجر وطين وهو في غاية الصلابة.

وقيل: سجيل أي مثل السجل وهي الدلو العظيمة أو مثلها في تضمن الأحكام الكثيرة، وقيل: أي مرسلة عليهم من أسجلته إذا أرسلته.

وقيل: أي مما كتب الله أن يعذب به أو كتب عليه أسماء المعذبين من السجل وقد سجل لفلان.

وقيل: من سجين أي من جهنم فأبدلت النون لاماً.

ويل: إنه اسم من أسماء السماء الدنيا.

ومعنى ﴿ منضود ﴾ موضع بعضها فوق بعض في النزول يأتي على سبيل المتابعة والتلاصق.

أو نضد في السماء نضداً معداً لإهلاك الظلمة وفي السماء معادنها في جبال مخصوصة كقوله: { ﴿ من جبال فيها من برد  ﴾ ﴿ مسوّمة ﴾ معلمة للعذاب أو بياض وحمرة، عن الحسن والسدي عليها أمثال الخواتيم.

وقال ابن جريج كان عليها سيما لا تشاكل حجارة الأرض.

وقال الربيع: مكتوب على كل حجر اسم من يرمى به.

وقال أبو صالح: رأيت منها عند أم هانىء حجارة فيها خطوط حمر على هيئة الجزع.

ومعنى ﴿ عند ربك ﴾ أي في خزائنه لا يتصرف في شيء منها إلا هو، أو مقرر في علمه إهلاك من أهلك بكل واحد منها ﴿ وما هي ﴾ أي تلك الحجارة ﴿ من الظالمين ﴾ أي من كل ظالم ﴿ ببعيد ﴾ وهو وعيد لأهل مكة عن رسول الله  أنه سأل جبرائيل عن هذا فقال يعني من ظالمي أمتك ما من ظالم إلا وهو بصدد سقوط الحجر عليه ساعة فساعة.

وقيل: أي تلك القرى ليست ببعيدة من ظالمي أهل مكة يمرون بها في مسايرهم إلى الشام.

وقيل: المراد أنها وإن كانت في السماء إلا أنها إذا هوت منها فهي أسرع شيء لحوقاً بالمرمى فكانت كأنها بمكان قريب والله  أعلم بمراده.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُـشْرَىٰ ﴾ : اختلفوا في هذه البشارة؛ قال بعضهم: جاءوا هم ببشارة إسحاق والحافد.

وهو قوله: ﴿ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴾ .

وقال بعضهم: جاءوا ببشارة إهلاك قوم لوط وإنجاء لوط وأهله، قيل: لأن لوطا كان ابن أخي إبراهيم، وكان لوط فزع إلى الله بسوء عمل قومه وصنيعهم ودعا بالنجاة منهم، وهو قوله: ﴿ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِّنَ ٱلْقَالِينَ...

﴾ الآية [الشعراء: 168] حتى ذكر في بعض القصة أن سارة قالت لإبراهيم: ضم ابن أخيك إلى نفسك فإن قومه يعذبون، كأنها عرفت أنه لا يتركهم على ما هم عليه بسوء عملهم.

قالوا: جاءوا بالبشارتين جميعاً: ببشارة الولد والحافد، وبشارة هلاك قوم لوط ونجاة لوط وأهله؛ إلى هذا يذهب بعض أهل التأويل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ ﴾ : هذا يدل أن السلام هو سنة الأنبياء والرسل والملائكة في الدنيا والآخرة، ولم تخص هذه الأمة به بل كان سنة الرسل الماضية والأمم السالفة وكذلك هو تحية أهل الجنة لقوله: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ  ﴾ ونحوه، هذا يدل على ما ذكرنا.

ثم انتصاب قوله: ﴿ سَلاَماً ﴾ وارتفاع الثاني؛ لأن الأول انتصب لوقوع القول عليه كقولك: قال قولا، والثاني حكاية لقولهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ .

وقوله: ﴿ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ ﴾ أي: ما لبث عندهم حتى اشتغل بتقديم شيء إليهم، وإلا قد يكون في ذبح العجل وشويه لبث إلا أن يكون العجل مشويّاً، فإن لم يكن مشويّاً فتأويله ما ذكرنا أن لم يلبث عندهم في المؤانسة والحديث معهم على ما يفعل مع الأضياف حتى جاء بما ذكر، وفيه ما ذكرنا من الأدب، وفيه دلالة فيمن نزل به ضيف ألا يشتغل بالسؤال عن أحوال ضيفه من أين وإلى أين؟

وما حاجتهم؟

ولكن يشتغل بقراهم وإزاحة حاجتهم؛ لأن إبراهيم -  - إنما اشتغل بقراهم، لم يشتغل بالسؤال عن أحوالهم، ولكن اشتغل بما ذكرنا فجاء بعجل حنيذ، وهذا هو الأدب في الضيف، ألا ترى أنه لو كان سأل عن أحوالهم، فعرف أنهم من الملائكة لكان لا يشتغل بما ذكر؛ إذ عرف أنهم من الملائكة والملائكة لا يتناولون شيئاً من الطعام.

وقوله: ﴿ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ ، قال بعضهم: الحنيذ: السمين، وهو ما ذكر في موضع آخر: ﴿ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ  ﴾ .

وقال بعضهم: الحنيذ هو المشوي الذي خد في الأرض خدّاً، فحمي فشوي بالحجر المحمي.

وقال بعضهم: الحنيذ هو المشوي الذي يسيل منه الماء.

وقال ابن عباس: الحنيذ: النضيج.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ ﴾ .

قال بعضهم: نكرهم وأنكرهم واستنكرهم: واحد، وهو من الإنكار، أي: لم يعرفهم؛ ظن أنهم لصوص؛ لأن اللصوص من عادتهم أنهم كانوا إذا أرادوا السرقة من قوم لم يتناولوا من طعامهم، ولم يأكلوا شيئاً عندهم.

وقيل: نكرهم أنهم من البشر.

﴿ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ﴾ .

قيل: أضمر منهم خوفاً، قال بعضهم: خاف لما ظن أنهم سراق ولصوص؛ حيث لم يتناولوا شيئاً مما قدم إليهم.

وقال بعضهم: خيفة، أي: وحشة: أي: أضمر وحشة، حيث لم يتناولوا شيئاً مما قرب إليهم؛ فحينئذ علم أنهم ليسوا من البشر؛ لأن منزل إبراهيم كان ينأى من البلد، ولم ينزل أحد من البشر إلا وقد احتاج إلى الطعام، فلما لم يتناولوا علم أنهم ليسوا من البشر، فما جاءوا إلا لأمر عظيم: لتعذيب قوم وهلاكهم؛ فخاف لذلك؛ فقالوا: ﴿ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ ﴾ [وقال في موضع آخر: ﴿ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً...

﴾ الآية [الذاريات: 32-33].

وقال في موضع آخر: ﴿ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ ﴾ ].

وقال في موضع آخر: ﴿ لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ  ﴾ ، وقال: ﴿ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ  ﴾ يذكر هاهنا أن قولهم: ﴿ إِنَّا أُرْسِلْنَا ﴾ على أثر سؤال، وفيما نحن فيه لا كذلك؛ فالمعنى فيه - والله أعلم - أن ذلك كان على أثر سؤال إبراهيم بقوله: ﴿ فَمَا خَطْبُكُمْ ﴾ ، لكنه جمع ذلك فيما نحن فيه بالحكاية عن قولهم، وإن كان مفصولا عنه، وخرجت الحكاية في موضع آخر على ما كان في الحقيقة، وذلك مستقيم في كلام العرب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱمْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ ﴾ .

قال بعضهم: قائمة على رءوس الأضياف؛ لأنها كانت عجوز، ولا بأس لعجوز ذلك؛ ألا ترى إلى قول الله -  - ﴿ وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ...

﴾ الآية [النور: 60].

وقال بعضهم: ﴿ قَآئِمَةٌ ﴾ من وراء الباب، لكن لسنا ندري أي ذلك كان؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَضَحِكَتْ ﴾ .

قال بعضهم: ضحكت، تعجباً من خوف إبراهيم أنهم لصوص، وهم كانوا ثلاثة أو أربعة، دون عشرة، وكان خدم إبراهيم -  - يبلغ عددهم ثلاثمائة، على ما ذكر في القصة ضحكت تعجباً؛ إذ كيف يخاف من نفر عددهم دون عشرة، وعنده من الخدم ما يبلغ عددهم ما ذكرنا.

وقال بعضهم: ضحكت؛ تعجباً ممّا بشروها بالولد، وقد بلغ سنها ما بلغ من الكبر وهو كذلك، وقالت: أحق أن ألد وقد بلغت من السن كذا.

وقال بعضهم: ضحكت أي: حاضت، من قولهم: ضحكت الأرنب إذا حاضت، وهو قول ابن عباس وعكرمة.

وقال الفراء: (ضحكت): حاضت غيرُ مسموع ولا معروف فعلى تأويل من قال: إنها ضحكت تعجباً مما بشرت بالولد فهو على التقديم والتأخير، كأنه قال فبشرناها بإسحاق ومن وراء أسحاق يعقوب فضحكت.

وقال بعضهم: ضحكت سروراً بالأمن منهم؛ لأنهما خافا منهم.

وقوله: ﴿ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴾ .

ظاهر هذا أنها بشرت بإسحاق، ومن وراء أولاد إسحاق أولاد يعقوب، ولكن لم يكن يعقوب ولد من إبراهيم؛ إنما ولد من إسحاق، وهو: حافد إبراهيم أبي إسحاق فتأويله من وراء إسحاق حافد؛ فإنما البشارة بالولد وبالحافد، وهو كقوله: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً  ﴾ .

وقال في هذه السورة: ﴿ وَٱمْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ  ﴾ .

فإن كان على ما قالوا إنها كانت قائمة وراء الباب؛ فيكون إقبالها خروجها إلى القوم، وإن كان قيامها على رءوسهم؛ فيكون معنى الإقبال هو الإقبال في ضرب وجهها وصكها، لكن ذلك من القدوم، لكنه على الإقبال بفعل ما أخبر عنها من صك وجهها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَتْ يَٰوَيْلَتَىٰ ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً ﴾ [وقال في موضع آخر: ﴿ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ  فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ  ﴾ ؛ وقال هاهنا: ﴿ يَٰوَيْلَتَىٰ ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً ﴾ ] إن هذا لشيء عجيب.

هي لم تتعجب [من] قدرة الله أنه قادر على أن يهب الولد في كل وقت؛ ولكنها تعجبت لما رأت العادة في النساء والرجال أنهم إذا بلغوا المبلغ الذي كانوا هم لم يلدوا؛ فتعجبها أنها تلد في الحال التي هي عليها، أو يردان إلى حال الشباب؛ فعند ذلك يولد لهما، وكلاهما عجيب بحيث الخروج على خلاف العادة، لا بحيث قدرة الرب، وهو كما ذكرنا من قول زكريا: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ  ﴾ ، وفي موضع آخر: ﴿ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً  ﴾ ، وقوله: أنى يكون لي غلام في الحال التي أنا عليها أو يرد لي شبابي، فعلى ذلك قولها ﴿ ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوۤاْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ .

قال أهل التأويل: أتعجبين من قدرة الله هذا؟

[...] لكنه يحتمل وجهين: أحدهما أي: لا تعجبي من أمر الله هذا وكثيرا مما رأيت أمثال ذلك في أهل بيتك.

والثاني [...].

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ ﴾ .

يشبه أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ قَالُواْ سَلاَماً ﴾ ؛ لأنه معلوم أنهم لم يقولوا سلاماً حسب، لم يزيدوا على هذا؛ بل زادوا؛ فكأنهم قالوا: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أو قالوا: سلام الله ورحمته وبركاته عليكم.

﴿ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ﴾ .

بالنصب؛ كأنه قال يا أهل البيت، كقوله -  - حيث قال: "تركت بعدي الثقلين: كتاب الله وعترتي: أهل بيتي" ، أي: يا أهل بيتي.

﴿ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ ﴾ .

يحتمل حميد الذي يقبل اليسير من المعروف ويعطي الجزيل كالشكور، والمجيد: من المجد والشرف.

وقيل: الحميد: المحمود، والمجيد: الماجد وهو الكريم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ٱلرَّوْعُ ﴾ .

قيل: الروع هو الفرق والفزع الذي دخل فيه بمجيء الملائكة.

﴿ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ ﴾ .

في الولد والحافد، وفي نجاة لوط وأهله، وهو ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُـشْرَىٰ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: مجادلته إياهم في قوم لوط ما ذكر في القصّة أنه قال لهم: أرأيتم إن كان فيهم من المؤمنين كذا تعذبونهم؟

قالوا: لا ونحوه من الكلام فإن ثبت هذا، وإلا لا نعلم ما مجادلته إياهم [وأمكن أن تكون مجادلته إياهم] في دفع العذاب عنهم أو تأخيره دليله قوله: ﴿ يَٰإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبَّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ﴾ ، ويحتمل مجادلته إياهم في استبقاء قوم لوط؛ شفقة عليهم ورحمة، لعلهم يؤمنون ويقبلون ما يدعون إليه؛ لئلا ينزل بهم العذاب: ما أوعدوا يتشفع إليهم ليسألوا ربهم أن يبقيهم والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ ﴾ .

قيل: الحليم هو الذي لا يكافئ من ظلمه ولا يجازيه به، أو يحلم عن سفه كل سفيه ﴿ أَوَّاهٌ ﴾ ، قيل: الأواه: الموقن، بلغة الحبش، وقيل: الأواه: المتأوه، وهو الدعاء وكثير الدعاء، وقيل: الأواه: المتقي الذي لا يفتر لسانه عن ذكره، وقيل: الأواه: الحزين فيما بينه وبين ربّه.

في هذه الأحرف الثلاثة جميع أنواع الخير والطاعة ما كان [فيما] بينه وبين ربه، وما كان بينه وبين الخلق، حيث ذكر أنه حليم وأنه أواه، وأنه منيب، والمنيب، قيل: المخلص لله وقيل: هو المقبل إلى الله بقلبه وبدنه، وقد ذكرنا هذا في سورة التوبة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَٰإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ ﴾ يعني: عن المجادلة [التي كان يجادلهم ﴿ إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبَّك ﴾ أي: جاء ما أمر به ربك، وجاء موعودهم، وأنهم ﴿ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ﴾ أي: غير مدفوع لا يحتمل الردّ بالشفاعة.

ويحتمل قوله: ﴿ يَٰإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ ﴾ عن المجادلة التي] ذكر أنه قد جاء أمر ربك بالانصراف والرجوع عنك.

ويحتمل: جاء أمر ربك من إنزال العذاب بهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قالت سارة لما بشرتها الملائكة بتلك البشرى متعجبة: كيف ألد وأنا كبيرة آيسة من الولد، وهذا زوجي بلغ سن الشيخوخة؟!

إن إنجاب ولد في هذه الحالة شيء عجيب، لم تَجْر العادة به.

<div class="verse-tafsir" id="91.eQy2W"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله