الإسلام > القرآن > سور > سورة 14 إبراهيم > الآية ٣٣ من سورة إبراهيم
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 96 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٣ من سورة إبراهيم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( وسخر لكم الشمس والقمر دائبين ) أي : يسيران لا يقران ليلا ولا نهارا ، ( لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ) [ يس : 40 ] ( يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ) [ الأعراف : 54 ] فالشمس والقمر يتعاقبان ، والليل والنهار عارضان فتارة يأخذ هذا من هذا فيطول ، ثم يأخذ الآخر من هذا فيقصر ، ( يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير ) [ لقمان : 29 ] وقال تعالى : ( يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ) [ الزمر : 5 ] .
القول في تأويل قوله تعالى : وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) يقول تعالى ذكره: وأعطاكم مع إنعامه عليكم بما أنعم به عليكم من تسخير هذه الأشياء التي سخرها لكم والرزق الذي رزقكم من نبات الأرض وغروسها من كل شيء سألتموه ، ورغبتم إليه شيئا ، وحذف الشيء الثاني اكتفاء بما التي أضيفت إليها كلّ ، وإنما جاز حذفه ، لأن من تُبعِّض ما بعدها ، فكفت بدلالتها على التبعيض من المفعول ، فلذلك جاز حذفه ، ومثله قوله تعالى: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يعني به: وأوتيت من كل شيء في زمانها شيئا ، وقد قيل: إن ذلك إنما قيل على التكثير ، نحو قول القائل: فلان يعلم كل شيء ، وأتاه كل الناس ، وهو يعني بعضهم ، وكذلك قوله فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ .
وقيل أيضا: إنه ليس شيء إلا وقد سأله بعض الناس ، فقيل ( وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ) أي قد أتى بعضكم منه شيئا ، وأتى آخر شيئا مما قد سأله.
وهذا قول بعض نحويّي أهل البصرة.
وكان بعض نحويِّي أهل الكوفة يقول: معناه: وآتاكم من كلّ ما سألتموه لو سألتموه ، كأنه قيل: وآتاكم من كلّ سؤلكم ، وقال: ألا ترى أنك تقول للرجل ، لم يسألك شيئا: والله لأعطينك سُؤْلك ما بلغت مسألتك ، وإن لم يسأل .
فأما أهل التأويل ، فإنهم اختلفوا في تأويل ذلك ، فقال بعضهم: معناه: وآتاكم من كلّ ما رغبتم إليه فيه.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء ، وحدثني الحسن بن محمد ، قال : ثنا شبابة ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ( مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ) ورغبتم إليه فيه.
حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، وحدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، وحدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين قال: ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الحسن ( وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ) قال: من كلّ الذي سألتموه.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وآتاكم من كل الذي سألتموه والذي لم تسألوه.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا خلف ، يعني ابن هشام ، قال : ثنا محبوب ، عن داود بن أبي هند ، عن رُكانة بن هاشم ( مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ) وقال: ما سألتموه وما لم تسألوه.
وقرأ ذلك آخرون " وآتاكُمْ مِنْ كُلٍّ ما سألْتُمُوهُ" بتنوين كلّ وترك إضافتها إلى " ما " بمعنى: وآتاكم من كلّ شيء لم تسألوه ولم تطلبوه منه ، وذلك أن العباد لم يسألوه الشمس والقمر والليل والنهار .
وخلق ذلك لهم من غير أن يسألوه.
* ذكر من قال ذلك: حدثني أبو حُصَين ، عبد الله بن أحمد بن يونُس ، قال : ثنا بَزِيع ، عن الضحاك بن مُزاحم في هذه الآية: " وآتاكم من كلّ ما سألتموه " قال: ما لم تسألوه.
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا عبيد ، عن الضحاك أنه كان يقرأ: " مِنْ كُلِّ ما سألْتُمُوه " ويفسره: أعطاكم أشياء ما سألتموها ولم تلتمسوها ، ولكن أعطيتكم برحمتي وسعتي.
قال الضحاك: فكم من شيء أعطانا الله ما سألناه ولا طلبناه.
حُدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله: " وآتاكم من كلّ ما سألتموه " يقول: أعطاكم أشياء ما طلبتموها ولا سألتموها ، صدق الله كم من شيء أعطاناه الله ما سألناه إياه ولا خطر لنا على بال.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة: " وآتاكم من كلّ ما سألتموه " قال: لم تسألوه من كلّ الذي آتاكم.
والصواب من القول في ذلك عندنا ، القراءة التي عليها قرّاء الأمصار ، وذلك إضافة " كلّ " إلى " ما " بمعنى: وآتاكم من سؤلكم شيئا .
على ما قد بيَّنا قبل ، لإجماع الحجة من القرّاء عليها ورفضهم القراءة الأخرى.
وسخر لكم الشمس والقمر دائبين أي في إصلاح ما يصلحانه من النبات وغيره ، والدءوب مرور الشيء في العمل على عادة جارية .
وقيل : دائبين في السير امتثالا لأمر الله ، والمعنى يجريان إلى يوم القيامة لا يفتران ; روي معناه عن ابن عباس .وسخر لكم الليل والنهار أي لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله في النهار ، كما قال : " ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله " .
{ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ } لا يفتران، ولا ينيان، يسعيان لمصالحكم، من حساب أزمنتكم ومصالح أبدانكم، وحيواناتكم، وزروعكم، وثماركم، { وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ } لتسكنوا فيه { وَالنَّهَارِ } مبصرا لتبتغوا من فضله.
( وسخر لكم الشمس والقمر دائبين ) يجريان فيما يعود إلى مصالح العباد ولا يفتران ، قال ابن عباس دءوبهما في طاعة الله عز وجل .
( وسخر لكم الليل والنهار ) يتعاقبان في الضياء والظلمة ، والنقصان والزيادة .
«وسخر لكم الشمس والقمر دائبين» جاريين في فلكهما لا يفتران «وسخر لكم الليل» لتسكنوا فيه «والنهار» لتبتغوا فيه من فضله.
وذلَّل الله لكم الشمس والقمر لا يَفْتُران عن حركتهما؛ لتتحقق المصالح بهما، وذلَّل لكم الليل؛ لتسكنوا فيه وتستريحوا، والنهار؛ لتبتغوا من فضله، وتدبِّروا معايشكم.
( وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر دَآئِبَينَ ) أى : دائمين فى إصلاح ما يصلحان من الأبدان والنبات وغيرهما أو دائمين فى مدارهما المقدر لهما بدون اضطراب أو اختلال .
ولا يفتران عن ذلك ما دامت الدنيا .وأصل الدأب : الدوام والعادة المستمرة على حالة واحدة .
يقال : دأب فلان على كذا يدأب دأبا ، إذا داوم عليه وجد فيه .و ( وَسَخَّرَ لَكُمُ الليل والنهار ) بأن جعلهما متعاقبين ، يأتى أحدهما فى أعقاب الآخر ، فتنتفعون بكل منهما بما يصلح أحوالكم .فالليل تنتفعون به فى راحتكم ومنامكم .
.
والنهار تنتفعون به فى معاشكم وطلب رزقكم قال - تعالى - ( وَجَعَلْنَا الليل لِبَاساً .
وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشاً ) .
اعلم أنه لما أطال الكلام في وصف أحوال السعداء وأحوال الأشقياء، وكان العمدة العظمى والمنزلة الكبرى في حصول السعادات معرفة الله تعالى بذاته وبصفاته، وفي حصول الشقاوة فقدان هذه المعرفة، لا جرم ختم الله تعالى وصف أحوال السعداء والأشقياء بالدلائل الدالة على وجود الصانع وكمال علمه وقدرته، وذكر هاهنا عشرة أنواع من الدلائل.
أولها: خلق السموات.
وثانيها: خلق الأرض، وإليهما الإشارة بقوله تعالى: ﴿ الله الذي خَلَقَ السموات والأرض ﴾ .
وثالثها: ﴿ وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ ﴾ .
ورابعها: قوله: ﴿ وَسَخَّرَ لَّكُمُ الفلك لِتَجْرِىَ فِي البحر بِأَمْرِهِ ﴾ .
وخامسها: قوله: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنهار ﴾ .
وسادسها.
وسابعها: قوله: ﴿ وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر دآئِبَينِ ﴾ .
وثامنها.
وتاسعها: قوله: ﴿ وَسَخَّر لَكُمُ الليل والنهار ﴾ .
وعاشرها: قوله: ﴿ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾ وهذه الدلائل العشرة قد مر ذكرها في هذا الكتاب وتقريرها وتفسيرها مراراً وأطواراً ولا بأس بأن نذكر هاهنا بعض الفوائد.
فاعلم أن قوله تعالى: ﴿ الله ﴾ مبتدأ، وقوله: ﴿ الذى خَلَقَ ﴾ خبره.
ثم إنه تعالى بدأ بذكر خلق السموات والأرض، وقد ذكرنا في هذا الكتاب أن السماء والأرض من كم وجه تدل على وجود الصانع الحكيم، وإنما بدأ بذكرهما هاهنا لأنهما هما الأصلان اللذان يتفرع عليهما سائر الأدلة المذكورة بعد ذلك فإنه قال بعده: ﴿ وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: لولا السماء لم يصح إنزال الماء منها ولولا الأرض لم يوجد ما يستقر الماء فيه، فظهر أنه لابد من وجودهما حتى يحصل هذا المقصود وهذا المطلوب.
البحث الثاني: قوله: ﴿ وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً ﴾ وفيه قولان: الأول: أن الماء نزل من السحاب وسمي السحاب سماء اشتقاقاً من السمو، وهو الارتفاع.
والثاني: أنه تعالى أنزله من نفس السماء وهذا بعيد، لأن الإنسان ربما كان واقفاً على قلة جبل عال ويرى الغيم أسفل منه فإذا نزل من ذلك الجبل يرى ذلك الغيم ماطراً عليهم وإذا كان هذا أمراً مشاهداً بالبصر كان النزاع فيه باطلاً.
البحث الثالث: قال قوم: إنه تعالى أخرج هذه الثمرات بواسطة هذا الماء المنزل من السماء على سبيل العادة، وذلك لأن في هذا المعنى مصلحة للمكلفين، لأنهم إذا علموا أن هذه المنافع القليلة يجب أن تتحمل في تحصيلها المشاق والمتاعب، فالمنافع العظيمة الدائمة في الدار الآخرة أولى أن تتحمل المشاق في طلبها، وإذا كان المرء يترك الراحة واللذات طلباً لهذه الخيرات الحقيرة، فبأن يترك اللذات الدنيوية ليفوز بثواب الله تعالى ويتخلص عن عقابه أولى.
ولهذا السبب لما زال التكليف في الآخرة أنال الله تعالى كل نفس مشتهاها من غير تعب ولا نصب، هذا قول المتكلمين.
وقال قوم آخرون: إنه تعالى يحدث الثمار والزروع بواسطة هذا الماء النازل من السماء، والمسألة كلامية محضة، وقد ذكرناه في سورة البقرة.
البحث الرابع: قال أبو مسلم: لفظ ﴿ الثمرات ﴾ يقع في الأغلب على ما يحصل على الأشجار، ويقع أيضاً على الزروع والنبات، كقوله تعالى: ﴿ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ .
البحث الخامس: قال تعالى: ﴿ فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ ﴾ والمراد أنه تعالى إنما أخرج هذه الثمرات لأجل أن تكون رزقاً لنا، والمقصود أنه تعالى قصد بتخليق هذه الثمرات إيصال الخير والمنفعة إلى المكلفين، لأن الإحسان لا يكون إحساناً إلا إذا قصد المحسن بفعله إيصال النفع إلى المحسن إليه.
البحث السادس: قال صاحب الكشاف: قوله: ﴿ مِنَ الثمرات ﴾ بيان للرزق، أي أخرج به رزقاً هو ثمرات، ويجوز أن يكون من الثمرات مفعول أخرج ورزقاً حال من المفعول أو نصباً على المصدر من أخرج لأنه في معنى رزق، والتقدير: ورزق من الثمرات رزقاً لكم.
فأما الحجة الرابعة: وهي قوله: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الفلك لِتَجْرِىَ فِي البحر بِأَمْرِهِ ﴾ ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ ءاياته الجوار فِي البحر كالأعلام ﴾ ففيها مباحث: البحث الأول: أن الانتفاع بما ينبت من الأرض إنما يكمل بوجود الفلك الجاري في البحر، وذلك لأنه تعالى خص كل طرف من أطراف الأرض بنوع آخر من أنعمه حتى أن نعمة هذا الطرف إذا نقلت إلى الجانب الآخر من الأرض وبالعكس كثر الربح في التجارات، ثم إن هذا النقل لا يمكن إلا بسفن البر وهي الجمال أو بسفن البحر وهي الفلك المذكور في هذه الآية.
فإن قيل: ما معنى وسخر لكم الفلك مع أن تركيب السفينة من أعمال العباد؟
قلنا؛ أما على قولنا إن فعل العبد خلق الله تعالى فلا سؤال، وأما على مذهب المعتزلة فقد أجاب القاضي عنه فقال: لولا أنه تعالى خلق الأشجار الصلبة التي منها يمكن تركيب السفن ولولا خلقه للحديد وسائر الآلات ولولا تعريفه العباد كيف يتخذوه ولولا أنه تعالى خلق الماء على صفة السيلان التي باعتبارها يصح جري السفينة، ولولا خلقه تعالى الرياح وخلق الحركات القوية فيها ولولا أنه وسع الأنهار وجعل فيها من العمق ما يجوز جري السفن فيها لما وقع الانتفاع بالسفن فصار لأجل أنه تعالى هو الخالق لهذه الأحوال، وهو المدبر لهذه الأمور والمسخر لها حسنت إضافة السفن إليه.
البحث الثاني: أنه تعالى أضاف ذلك التسخير إلى أمره لأن الملك العظيم قلما يوصف بأنه فعل وإنما يقال فيه إنه أمر بكذا تعظيماً لشأنه، ومنهم من حمله على ظاهر قوله: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَئ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ وتحقيق هذا الوجه راجع إلى ما ذكرناه.
البحث الثالث: الفلك من الجمادات فتسخيرها مجاز، والمعنى أنه لما كان يجري على وجه الماء كما يشتهيه الملاح صار كأنه حيوان مسخر له.
الحجة الخامسة: قوله تعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنهار ﴾ واعلم أن ماء البحر قلما ينتفع به في الزراعات لا جرم ذكر تعالى إنعامه على الخلق بتفجير الأنهار والعيون حتى ينبعث الماء منها إلى مواضع الزرع والنبات، وأيضاً ماء البحر لا يصلح للشرب، والصالح لهذا المهم هو مياه الأنهار.
الحجة السادسة والسابعة: قوله: ﴿ وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر دَآئِبَينِ ﴾ .
واعلم أن الانتفاع بالشمس والقمر عظيم، وقد ذكره الله تعالى في آيات منها قوله: ﴿ وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً ﴾ ومنها قوله: ﴿ الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ ﴾ ومنها قوله: ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً ﴾ ومنها قوله: ﴿ هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَاء والقمر نُوراً ﴾ وقوله: ﴿ دَآئِبَينِ ﴾ معنى الدؤب في اللغة مرور الشيء في العمل على عادة مطردة يقال دأب يدأب دأباً ودؤباً وقد ذكرنا هذا في قوله: ﴿ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَبًا ﴾ قال المفسرون: قوله: ﴿ دآئِبَينِ ﴾ معناه يدأبان في سيرهما وإنارتهما وتأثيرهما في إزالة الظلمة وفي إصلاح النبات والحيوان فإن الشمس سلطان النهار والقمر سلطان الليل ولولا الشمس لما حصلت الفصول الأربعة، ولولاها لاختلت مصالح العالم بالكلية وقد ذكرنا منافع الشمس والقمر بالاستقصاء في أول هذا الكتاب.
الحجة الثامنة والتاسعة: قوله: ﴿ وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر ﴾ .
واعلم أن منافعهما مذكورة في القرآن كقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشًا ﴾ وقوله: ﴿ وهو الذي جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً ﴾ قال المتكلمون: تسخير الليل والنهار مجاز لأنهما عرضان، والأعراض لا تسخر.
والحجة العاشرة: قوله: ﴿ وَآتَاكُم مّن كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾ ثم إنه تعالى لما ذكر تلك النعمة العظيمة بين بعد ذلك أنه لم يقتصر عليها، بل أعطى عباده من المنافع والمرادات ما لا يأتي على بعضها التعديد والإحصاء فقال: ﴿ وَآتَاكُم مّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾ والمفعول محذوف تقديره من كل مسؤول شيئاً، وقرئ: ﴿ مِن كُلِّ ﴾ بالتنوين و ﴿ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾ نفي ومحله نصب على الحال أي آتاكم من جميع ذلك غير سائليه ويجوز أن تكون ما موصولة والتقدير: آتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه ولم تصلح أحوالكم ومعايشكم إلا به، فكأنكم سألتموه أو طلبتموه بلسان الحال، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه النعم ختم الكلام بقوله: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَآ ﴾ قال الواحدي: النعمة هاهنا اسم أقيم مقام المصدر يقال: أنعم الله عليه، ينعم إنعاماً ونعمة أقيم الاسم مقام الإنعام كقوله: أنفقت عليه إنفاقاً ونفقة بمعنى واحد، ولذلك لم يجمع لأنه في معنى المصدر، ومعنى قوله: ﴿ لاَ تُحْصُوهَآ ﴾ أي لا تقدرون على تعديد جميعها لكثرتها.
واعلم أن الإنسان إذا أراد أن يعرف أن الوقوف على أقسام نعم الله ممتنع، فعليه أن يتأمل في شيء واحد ليعرف عجز نفسه عنه ونحن نذكر منه مثالين.
المثال الأول: أن الأطباء ذكروا أن الأعصاب قسمان، منها دماغية ومنها نخاعية.
أما الدماغية فإنها سبعة ثم أتعبوا أنفسهم في معرفة الحكم الناشئة من كل واحد من تلك الأرواح السبعة، ثم مما لا شك فيه أن كل واحد من الأرواح السبعة تنقسم إلى شعب كثيرة وكل واحد من تلك الشعب أيضاً إلى شعب دقيقة أدق من الشعر ولكل واحد منها ممر إلى الأعضاء ولو أن شعبة واحدة اختلت إما بسبب الكمية أو بسبب الكيفية أو بسبب الوضع لاختلت مصالح البنية، ثم إن تلك الشعب الدقيقة تكون كثيرة العدد جداً، ولكل واحدة منها حكمة مخصوصة، فإذا نظر الإنسان في هذا المعنى عرف أن الله تعالى بحسب كل شظية من تلك الشظايا العصبية على العبد نعمة عظيمة لو فاتت لعظم الضرر عليه وعرف قطعاً أنه لا سبيل له إلى الوقوق عليها والاطلاع على أحوالها وعند هذا يقطع بصحة قوله تعالى: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَآ ﴾ وكما اعتبرت هذا في الشظايا العصبية فاعتبر مثله في الشرايين والأوردة، وفي كل واحد من الأعضاء البسيطة والمركبة بحسب الكمية والكيفية والوضع والفعل والإنفعال حتى ترى أقسام هذا الباب بحراً لا ساحل له، وإذا اعتبرت هذا في بدن الإنسان الواحد فاعرف أقسام نعم الله تعالى في نفسه وروحه، فإن عجائب عالم الأرواح أكثر من عجائب عالم الأجساد ثم لما اعتبرت حالة الحيوان الواحد فعند ذلك اعتبر أحوال عالم الأفلاك والكواكب وطبقات العناصر وعجائب البر والبحر والنبات والحيوان وعند هذا تعرف أن عقول جميع الخلائق لو ركبت وجعلت عقلاً واحداً ثم بذلك العقل يتأمل الإنسان في عجائب حكمة الله تعالى في أقل الأشياء لما أدرك منها إلا القليل، فسبحانه تقدس عن أوهام المتوهمين.
المثال الثاني: أنك إذا أخذت اللقمة الواحدة لتضعها في الفم فانظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها أما الأمور التي قبلها: فاعرف أن تلك اللقمة من الخبز لا تتم ولا تكمل إلا إذا كان هذا العالم بكليته قائماً على الوجه الأصوب، لأن الحنطة لابد منها، وأنها لا تنبت إلا معونة الفصول الأربعة، وتركيب الطبائع وظهور الرياح والأمطار، ولا يحصل شيء منها إلا بعد دوران الأفلاك، واتصال بعض الكواكب ببعض على وجوه مخصوصة في الحركات، وفي كيفيتها في الجهة والسرعة والبطء ثم بعد أن تكون الحنطة لابد من آلات الطحن والخبز، وهي لا تحصل إلا عند تولد الحديد في أرحام الجبال، ثم إن الآلات الحديدية لا يمكن إصلاحها إلا بآلات أخرى حديدية سابقة عليها، ولا بد من انتهائها إلى آلة حديدية هي أول هذه الآلات، فتأمل أنها كيف تكونت على الأشكال المخصوصة، ثم إذا حصلت تلك الآلات فانظر أنه لابد من اجتماع العناصر الأربعة، وهي الأرض والماء والهواء والنار حتى يمكن طبخ الخبز من ذلك الدقيق.
فهذا هو النظر فيما تقدم على حصول هذه اللقمة.
وأما النظر فيما بعد حصولها: فتأمل في تركيب بدن الحيوان، وهو أنه تعالى كيف خلق الأبدان حتى يمكنها الانتفاع بتلك اللقمة، وأنه كيف يتضرر الحيوان بالأكل وفي أي الأعضاء تحدث تلك المضار، ولا يمكنك أن تعرف القليل من هذه الأشياء إلا بمعرفة علم التشريح وعلم الطب بالكلية، فظهر بما ذكرنا أن الانتفاع باللقمة الواحدة لا يمكن معرفته إلا بمعرفة جملة الأمور، والعقول قاصرة عن إدراك ذرة من هذه المباحث، فظهر بهذا البرهان القاهر صحة قوله تعالى: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَآ ﴾ ثم إنه تعالى قال: ﴿ إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ قيل: يظلم النعمة بإغفال شكرها كفار شديد الكفران لها.
وقيل: ظلوم في الشدة يشكو ويجزع، كفار في النعمة يجمع ويمنع، والمراد من الإنسان هاهنا: الجنس، يعني أن عادة هذا الجنس هو هذا الذي ذكرناه، وهاهنا بحثان: البحث الأول: أن الإنسان مجبول على النسيان وعلى الملالة، فإذا وجد نعمة نسيها في الحال وظلمها بترك شكرها، وإن لم ينسها فإنه في الحال يملها فيقع في كفران النعمة، وأيضاً أن نعم الله كثيرة فمتى حاول التأمل في بعضها غفل عن الباقي.
البحث الثاني: أنه تعالى قال في هذا الموضع: ﴿ إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ وقال في سورة النحل: ﴿ إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ولما تأملت فيه لاحت لي فيه دقيقة كأنه يقول: إذا حصلت النعم الكثيرة فأنت الذي أخذتها وأنا الذي أعطيتها، فحصل لك عند أخذها وصفان: وهما كونك ظلوماً كفاراً، ولي وصفان عند إعطائها وهما كوني غفوراً رحيماً، والمقصود كأنه يقول: إن كنت ظلوماً فأنا غفور، وإن كنت كفاراً فأنا رحيم أعلم عجزك وقصورك فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير ولا أجازي جفاء إلا بالوفاء، ونسأل الله حسن العاقبة والرحمة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الله ﴾ مبتدأ، و ﴿ الذى خَلَقَ ﴾ خبره، و ﴿ مِنَ الثمرات ﴾ بيان للرزق، أي: أخرج به رزقاً هو ثمرات.
ويجوز أن يكون ﴿ مِنَ الثمرات ﴾ مفعول أخرج، و ﴿ رِزْقاً ﴾ حالاً من المفعول، أو نصباً على المصدر من أخرج، لأنه في معنى رزق ﴿ بِأَمْرِهِ ﴾ بقوله كن ﴿ دآئِبَينَ ﴾ يدأبان في سيرهما وإنارتهما ودرئهما الظلمات، وإصلاحهما ما يصلحان من الأرض والأبدان والنبات ﴿ وَسَخَّر لَكُمُ الَّيْلَ والنَّهَارَ ﴾ يتعاقبان خلفة لمعاشكم وسباتكم ﴿ وءاتاكم مِّن كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ ﴾ من للتبعيض، أي آتاكم بعض جميع ما سألتموه، نظراً في مصالحكم.
وقرئ: ﴿ من كلّ ﴾ بالتنوين، وما سألتموه نفي ومحله النصب على الحال أي: آتاكم من جميع ذلك غير سائليه، ويجوز أن تكون ﴿ مَا ﴾ موصولة، على: وآتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه ولم تصلح أَحوالكم ومعايشكم إلا به، فكأنكم سألتموه أو طلبتموه بلسان الحال ﴿ لاَ تُحْصُوهَا ﴾ لا تحصروها ولا تطيقوا عدها وبلوغ آخرها، هذا إذا أرادوا أن يعدوها على الإجمال.
وأمّا التفصيل فلا يقدر عليه ولا يعلمه إلا الله ﴿ لَظَلُومٌ ﴾ يظلم النعمة بإغفال شكرها ﴿ كَفَّارٌ ﴾ شديد الكفران لها.
وقيل ظلوم في الشدّة يشكو ويجزع، كفار في النعمة يجمع ويمنع.
والإنسان للجنس، فيتناول الإخبار بالظلم والكفران من يوجدان منه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ ﴿ وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ ﴾ تَعِيشُونَ بِهِ وهو يَشْمَلُ المَطْعُومَ والمَلْبُوسَ مَفْعُولٌ لِأخْرَجَ و ﴿ مِنَ الثَّمَراتِ ﴾ بَيانٌ لَهُ وحالٌ مِنهُ ويَحْتَمِلُ عَكْسَ ذَلِكَ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ المَصْدَرُ فَيَنْتَصِبُ بِالعِلَّةِ، أوِ المَصْدَرُ لِأنْ أخْرَجَ في مَعْنى رَزَقَ.
﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ ﴾ بِمَشِيئَتِهِ إلى حَيْثُ تَوَجَّهْتُمْ.
﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ ﴾ فَجَعَلَها مُعَدَّةً لِانْتِفاعِكم وتَصَرُّفِكم وقِيلَ تَسْخِيرُ هَذِهِ الأشْياءِ تَعْلِيمُ كَيْفِيَّةِ اتِّخاذِها.
﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ ﴾ يَدْأبانِ في سَيْرِهِما وإنارَتِهِما وإصْلاحِ ما يُصْلِحانِهِ مِنَ المُكَوِّناتِ.
﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ ﴾ يَتَعاقَبانِ لِسُباتِكم ومَعاشِكم.
﴿ وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ ﴾ أيْ بَعْضَ جَمِيعِ ما سَألْتُمُوهُ يَعْنِي مِن كُلِّ شَيْءٍ سَألْتُمُوهُ شَيْئًا، فَإنَّ المَوْجُودَ مِن كُلِّ صِنْفٍ بَعْضُ ما في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ولَعَلَّ المُرادَ بِـ ﴿ ما سَألْتُمُوهُ ﴾ ما كانَ حَقِيقًا بِأنْ يُسْألَ لِاحْتِياجِ النّاسِ إلَيْهِ سُئِلَ أوْ لَمْ يُسْألْ، وما يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً ومَوْصُوفَةً ومَصْدَرِيَّةً ويَكُونُ المَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ.
وقُرِئَ « مِن كُلٍّ» بِالتَّنْوِينِ أيْ وآتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ ما احْتَجْتُمْ إلَيْهِ وسَألْتُمُوهُ بِلِسانِ الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ « ما» نافِيَةً في مَوْقِعِ الحالِ أيْ وآتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ غَيْرِ سائِلِيهِ.
﴿ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها ﴾ لا تَحْصُرُوها ولا تُطِيقُوا عَدَّ أنْواعِها فَضْلًا عَنْ أفْرادِها، فَإنَّها غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ.
وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُفْرَدَ يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ بِالإضافَةِ.
﴿ إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ ﴾ يَظْلِمُ النِّعْمَةَ بِإغْفالِ شُكْرِها، أوْ يَظْلِمُ نَفْسَهُ بِأنْ يُعَرِّضَها لِلْحِرْمانِ.
﴿ كَفّارٌ ﴾ شَدِيدُ الكُفْرانِ.
وقِيلَ ظَلُومٌ في الشِّدَّةِ يَشْكُو ويَجْزَعُ كَفّارٌ في النِّعْمَةِ يَجْمَعُ ويَمْنَعُ.
<div class="verse-tafsir"
وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣)
{وَسَخَّرَ لَكُمُ الفلك لِتَجْرِيَ فِى البحر بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنهار وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر دَائِبَينِ} دائمين وهو حال من الشمس والقمر أي يدأبان في سيرهما وإنارتهما ودرئهما الظلمات وإصلاحهما ما يصلحان من الأرض والأبدان والنبات {وسخر لكم الليل والنهار} يتعاقبان خلفة لمعاشكم وسباتكم
﴿ وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ ﴾ أيْ دائِمَيْنِ في الحَرَكَةِ لا يَفْتُرانِ إلى انْقِضاءِ عُمْرِ الدُّنْيا.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: الشَّمْسُ بِمَنزِلَةِ السّاقِيَةِ تَجْرِي بِالنَّهارِ في السَّماءِ في فَلَكِها فَإذا غَرَبَتْ جَرَتْ بِاللَّيْلِ في فَلَكِها تَحْتَ الأرْضِ حَتّى تَطْلُعَ مِن مَشْرِقِها وكَذَلِكَ القَمَرُ والقَوْلُ بِجَرَيانِهِما إذا غَرَبا تَحْتَ الأرْضِ مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ وهو الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ العَقْلُ السَّلِيمُ ولِلْإخْبارِيِّينَ غَيْرُ ذَلِكَ وظاهِرُ الآيَةِ إثْباتُ الحَرَكَةِ لَهُما أنْفُسِهِما والفَلاسِفَةُ يُثْبِتُونَ لَهُما حَرَكَتَيْنِ يُسَمُّونَ إحَداهُما الحَرَكَةَ الأُولى وهي الحَرَكَةُ اليَوْمِيَّةُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ الحاصِلَةُ لَهُما بِقَسْرِ المُحَدِّدِ لِفَلَكَيْهِما والأُخْرى الحَرَكَةَ الثّانِيَةَ وهي الحَرَكَةُ عَلى تَوالِي البُرُوجِ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ الحاصِلَةُ لَهُما بِحَرَكَةِ فَلَكَيْهِما حَرَكَةً ذاتِيَّةً ولا يُثْبِتُونَ لَهُما حَرَكَةً في ثَخَنِ الفَلَكِ عَلى نَحْوِ حَرَكَةِ السَّمَكَةِ في الماءِ لِصَلابَةِ الفَلَكِ وعَدَمِ قَبُولِهِ الخَرْقَ أصْلًا عِنْدَهم.
وأثْبَتَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في فُتُوحاتِهِ حَرَكَتَهُما عَلى ذَلِكَ النَّحْوِ والفَلَكُ عِنْدَهُ مِثْلُ الماءِ والهَواءِ.
ذَكَرَ بَعْضُ الإخْبارِيِّينَ أنَّهُما وسائِرَ الكَواكِبِ مُعَلَّقَةٌ بِسَلاسِلَ مِن نُورٍ بِأيْدِي مَلائِكَةٍ يُسَيِّرُونَها كَيْفَ شاءَ اللَّهُ تَعالى وحَيْثُ شاءَ سُبْحانَهُ والأفْلاكُ ساكِنَةٌ عِنْدَ هَذا البَعْضِ وكَذا عِنْدَ الشَّيْخِ قُدِّسَ سِرُّهُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِهِ والأخْبارُ في هَذا البابِ لَيْسَتْ بِحَيْثُ تَسُرُّ ثَغْرَ الخَصْمِ وذَكَرَ النَّسَفِيُّ أنَّهُ لَيْسَ فِيما ما يُعَوَّلُ عَلَيْهِ وكَلامُ الفَلاسِفَةِ ما لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُصادَمَةٌ لِما تَحَقَّقَ عَنِ المُخْبِرِ الصّادِقِ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ وفَسَّرَ بَعْضُهم ﴿ دائِبَيْنِ ﴾ بِمُجِدَّيْنِ تَعِبَيْنِ وهو عَلى التَّشْبِيهِ والِاسْتِعارَةِ وأصْلُ الدَّأبِ العادَةُ المُسْتَمِرَّةُ ونُصِبَ الِاسْمُ عَلى الحالِ وتَسْخِيرُ هَذَيْنِ الكَوْكَبَيْنِ العَظِيمَيْنِ جَعَلَهُما مُنِيرَيْنِ مُصْلِحَيْنِ ما نِيطَ بِهِما صَلاحُهُ مِنَ المُكَوِّناتِ ولَعَمْرِي إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَهُما أجْدى مِن تَفارِيقِ العَصا وفي كِتابِ المَشارِعِ والمُطارَحاتِ لِلشَّيْخِ شِهابِ الدِّينِ السَّهْرَوَرْدِيِّ قَتِيلِ حَلَبَ أنَّ تَأْثِيرَ الشَّمْسِ والقَمَرِ أظْهَرُ الآثارِ السَّماوِيَّةِ وتَأْثِيرَ الشَّمْسِ أظْهَرُ مِن تَأْثِيرِ القَمَرِ وأظْهَرُ الآثارِ بَعْدَ الشُّعاعِ التَّسْخِينُ الحاصِلُ مِنهُ ولَوْلا ذَلِكَ ما كانَ كَوْنٌ ولا فَسادٌ ولا اسْتِحالَةٌ ولا لَيْلٌ ولا نَهارٌ ولا فُصُولٌ ولا مِزاجٌ ولا حَيَواناتٌ ولا غَيْرُها وأطالَ الكَلامَ في بَيانِ ذَلِكَ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ ولا ضَرَرَ عِنْدِي في اعْتِقادِ أنَّهُما مُؤَثِّرانِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى كَسائِرِ الأسْبابِ عِنْدَ السَّلَفِ الصّالِحِ ﴿ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ ﴾ .
(33) .
يَتَعاقَبانِ لِسُباتِكم ومَعاشِكم وأرْجَحَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ التَّسْخِيرَ في المَواضِعِ الأرْبَعَةِ إلى مَعْنى التَّصْرِيفِ وأصْلُهُ سِياقُهُ الشَّيْءَ إلى الغَرَضِ المُخْتَصِّ بِهِ قَهْرًا وذَكَرَ أنَّ في التَّعْبِيرِ عَنْ ذَلِكَ بِهِ مَنِ الإشْعارِ بِما في ذَلِكَ مِن صُعُوبَةِ المَأْخَذِ وعِزَّةِ المَنالِ والدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ السُّلْطانِ وشِدَّةِ المُحالِ ما لا يَخْفى والظّاهِرُ أنَّهُ في المَعْنى المُرادِ بِهِ ها هُنا مَجازٌ في تِلْكَ المَواضِعِ جَمِيعًا ونَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنِ المُتَكَلِّمِينَ أنَّهُ مَجازٌ في الأخِيرِ مِنها قالَ: لِأنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ عَرَضانِ والأعْراضُ لا تُسَخَّرُ وفِيهِ قُصُورٌ وفي إبْرازِ كُلٍّ مِن هَذِهِ النِّعَمِ في جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ تَنْوِيهٌ لِشَأْنِها وتَنْبِيهٌ عَلى رِفْعَةِ مَكانِها وتَنْصِيصٌ عَلى كَوْنِ كُلِّ نِعْمَةٍ جَلِيلَةٍ مُسْتَوْجَبَةً لِلشُّكْرِ.
وتَأْخِيرُ تَسْخِيرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ عَنْ تَسْخِيرِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأُمُورِ مَعَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِ السَّماواتِ مِنَ المُناسَبَةِ الظّاهِرَةِ قِيلَ: لِاسْتِتْباعِ ذِكْرِها لِذِكْرِ الأرْضِ المُسْتَدْعِي لِذِكْرِ إنْزالِ الماءِ مِنها إلَيْها المُوجِبِ لِذِكْرِ إخْراجِ الرِّزْقِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ ما يَحْصُلُ بِواسِطَةِ الفَلَكِ والأنْهارِ أوْ لِلتَّفادِي عَنْ تَوَهُّمِ كَوْنِ الكُلِّ أعْنِي خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ وتَسْخِيرَ الشَّمْسِ والقَمَرِ نِعْمَةً واحِدَةً وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ آنِفًا وذَكَرَ بَعْضُهم في وجْهِ ذِكْرِ هَذِهِ المُتَعاطِفاتِ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ أنَّهُ بَدَأ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ لِأنَّهُما أصْلانِ يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِما سائِرُ ما يُذْكَرُ بَعْدُ وثَنّى بِإنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ وإخْراجِ الثَّمَراتِ بِهِ لِشِدَّةِ تَعَلُّقِ النُّفُوسِ بِالرِّزْقِ فَيَكُونُ تَقْدِيمُهُ مِن قَبِيلِ المَسَرَّةِ ولَمّا كانَ الِانْتِفاعُ بِما يَنْبُتُ مِنَ الأرْضِ إنَّما يَكْمُلُ بِوُجُودِ الفُلْكِ الجَوارِي في البَحْرِ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى خَصَّ كُلَّ طَرَفٍ مِن أطْرافِ الأرْضِ بِنَوْعٍ مِن ذَلِكَ وبِالنَّقْلِ يَكْثُرُ الرِّبْحُ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَسْخِيرَ الفُلْكِ الَّتِي يُنْقَلُ عَلَيْها واقْتَصَرَ عَلَيْها اعْتِناءً بِشَأْنِها ولَمّا ذَكَرَ أمْرَ الثَّمَراتِ وما بِهِ يَكْمُلُ الِانْتِفاعُ بِها مِن حَيْثُ النَّقْلُ ذَكَرَ تَسْخِيرَ الأنْهارِ العَذْبَةِ الَّتِي يَشْرَبُ مِنها النّاسُ في سائِرِ الأحْيانِ إتْمامًا لِأمْرِ الرِّزْقِ وذَكَرَ تَسْخِيرَ الشَّمْسِ والقَمَرِ بَعْدُ لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِهِما لَيْسَ بِالمُباشِرَةِ كالِانْتِفاعِ بِالفُلْكِ والِانْتِفاعِ بِالأنْهارِ وأخَّرَ تَسْخِيرَ اللَّيْلِ والنَّهارِ لِأنَّهُما عَرَضانِ وما تَقَدَّمَهُما جَوْهَرٌ والعَرَضُ مِن حَيْثُ هو بَعْدَ الجَواهِرِ.
اهَـ.
ولَيْسَ بِشَيْءٍ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا قرأ حمزة والكسائي وابن عامر: قل لعباد الذين بغير ياء.
وقرأ الباقون: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ بالياء مع النصب.
وأصله الياء، إلا أن الكسرة تغني عن الياء.
وقال بعض الحكماء: شرف الله تعالى عباده بهذه الياء، وهي خير لهم من الدنيا وما فيها، لأن فيه إضافة إلى نفسه، والإضافة تدل على العتق، لأن رجلاً لو قال لعبده: يا ابن، أو يا ولد لا يعتق، ولو قال يا ولدي أو يا ابني يعتق بالإضافة إلى نفسه، فكذلك إذا أضاف الله العباد إلى نفسه، وفيه دليل على أنه يعتقهم من النار.
قوله: يُقِيمُوا الصَّلاةَ يعني: يتمونها بركوعها وسجودها ومواقيتها، وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ من الأموال سِرًّا وَعَلانِيَةً يعني: سِرًّا على المتعففين، وَعَلانِيَةً على السائلين مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ يعني: لا فداء فيه وَلا خِلالٌ يعني: لا مخالة تنفعه، وهي الصداقة.
لأنه إذا نزل بهم شدة في الدنيا، يفادون ويشفع خليلهم، وليس في الآخرة شيء من ذلك، وإنما هي أعمالهم.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو لاَّ بَيْعٌ وَلاَ خلال بنصب العين واللام.
وقرأ الباقون: بالرفع والتنوين فيهما، وهذا الاختلاف مثل قوله وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ [البقرة: 254] .
ثم بيّن دلائل وحدانيته فقال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء وهو المطر فَأَخْرَجَ بِهِ يعني: فأنبت بالمطر مِنَ الثَّمَراتِ يعني: من ألوان الثمرات، رِزْقاً لَكُمْ يعني: طعاما لكم.
وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ يعني: ذلّل لكم ركوب الفلك لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ يقول بإذنه وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ يعني: دائمين مطيعين.
يعني: ذلّل لكم ضوء الشمس بالنهار، وضوء القمر بالليل وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ يعني: جعل بني آدم، يلتمسون فيها المعيشة، وينتشرون في النهار إلى حوائجهم، وفي الليل مستقرهم ومنامهم، وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ يعني: أعطاكم من كل شيء لم تحسنوا أن تسألوا، فأعطيتكم برحمتي.
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة أنه قال: لم تسألوه بكل الذي أعطاكم.
وقال معمر والحسن: آتاكم من كل الذي سألتموه.
قال مجاهد: كل ما سألتموه، أي رغبتم إليه فيه، قرأ بعضهم مِنْ كُلِّ بالتنوين يعني: أعطاكم من كل شيء.
وقراءة العامة مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ من غير تنوين على معنى الإضافة.
يعني: من جميع ما سألتموه.
ثم قال: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوها يعني: لا تقدروا على أداء شكرها.
ويقال: لاَ تُحْصُوها يعني: لا تحفظوها إِنَّ الْإِنْسانَ يعني: الكافر لَظَلُومٌ كَفَّارٌ يعني: يظلم نفسه بالكفر بنعم الله تعالى.
<div class="verse-tafsir"
هذه الآية: هو محمّد صلّى الله عليه وسلّم ودِينُهُ، وَأَحَلُّوا/ قَوْمَهُمْ، أي: مَنْ أطاعهم، وكأنَّ الإشارة والتعنيف إنما هو للرؤوس والأعلام، والْبَوارِ: الهلاك، قال عطاءُ بنُ يَسَارٍ: نَزَلَتْ هذه الآيةُ في قَتْلَى «١» بدْر، و «الأنداد» : جمع نِدٍّ، وهو المثيلُ، والمرادُ: الأصنام، واللام في قوله:
لِيُضِلُّوا- بضم الياء-: لام كَيْ، وبفتحها: لام عاقبة وصيرورة، والقراءتان «٢» سبعيّتان.
قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (٣١) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (٣٣) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)
وقوله سبحانه: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ ...
الآية: «العباد» : جمع عبدٍ، وعُرْفُه في التكرمة بخلاف العبيد، و «السر» : صدقة التنفّل، و «العلانية» : المفروضةُ هذا هو مقتضى الأحاديثِ، وفسر ابن عباس هذه الآية بزكَاةِ الأَموالِ مجملاً، وكذلك فسَّر الصلاة بأَنها الخَمْسُ وهذا عندي منه تقريبٌ للمخاطَب «٣» .
و «الخلال» : مصدرٌ من «خَالَلَ» ، إِذا وادَّ وصافَى ومنه الخُلَّة والخَلِيلَ، والمراد بهذا اليومِ يَوْمُ القيامة.
وقوله سبحانه: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ: هذه الآيةُ تذكيرٌ بآلائه سُبْحانه، وتنبيهٌ على قدرته التي فيها إِحْسَان إِلى البَشَر لتقوم الحُجَّة عليهم، وقوله: بِأَمْرِهِ: مصدر أَمَرَ يَأْمُرُ، وهذا راجعٌ إِلى الكلام القديم القائم بالذات، ودائِبَيْنِ: معناه: متماديين، ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم لصاحب الجمل
الذي بَكَى وأَجْهَش «١» إِليه: «إِنَّ هَذَا الجمَلَ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبَه» «٢» ، أي: تديمه في الخِدْمَة والعَمَل، وظاهرُ الآية أنَّ معناه: دائبَيْن في الطلوع والغروبِ وما بينهما من المَنَافِعِ للناسِ التي لا تحصَى كثرةً، وعن ابن عباس أَنَّه قال: معناه: دائِبَيْنِ في طاعة اللَّه «٣» ، وقوله سبحانه: وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ المعنى: أنَّ جنس الإِنسان بجملته قد أوتي من كلِّ ما شأنه أنْ يسأل وينتفع به، وقرأ ابن عباس «٤» وغيره: «مِنْ كُلٍّ مَّا سَأَلْتُمُوهُ» - بتنوين كُلٍّ-، وروِيت عن نافع، وقوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوها، أي: لكثرتها وعِظَمها في الحَوَاس والقُوَى، والإِيجادِ بعد العَدَمِ والهدايةِ للإِيمان وغيرِ ذلك، وقال طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ: إِنَّ حقَّ اللَّه تعالى: أَثْقَلُ من أَنْ يَقُومَ به العُبَّادُ، ونِعْمَهُ أَكثر مِنْ أَنْ يحصيها العبَادُ، ولكنْ أصْبِحُوا توَّابين، وأمْسُوا تَوَّابِين.
ت «٥» : وَمِنْ «الكَلِمِ الفارقيَّة» : أيها الحَرِيصُ على نيلِ عَاجِلِ حظِّه ومراده الغافلُ عن الاستعداد لمعاده تنبَّه لعظمة مَنْ وجودُكَ بإِيجادِهِ وبقاؤك بإِرْفاده ودوامك بإِمداده، وأنْتَ طفلٌ في حَجْر لُطْفه ومهد عَطْفه وحضانة حفظه، يغذِّك بلِبَانِ بِرِّهِ ويقلِّبك بأيدي أياديه وفضله وأنتَ غافلٌ عن تعظيم أمره جاهلٌ بما أولاَكَ من لَطِيف سِرِّه وفضَّلك به على كثيرٍ من خَلْقه، واذكر عهد الإِيجاد، ودوام الإِمْدَاد والإِرفاد وحالَتَيِ الإِصْدَار والإِيراد وفاتحة المبدأ وخاتمةَ المَعَاد.
انتهى.
وقوله سبحانه: إِنَّ الْإِنْسانَ: يُريدُ به النوَعَ والجنس، المعنى: توجد فيه هذه
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أسْكَنَ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ياءَ " عِبادِي " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: قُلْ لِعِبادِي: أقِيمُوا الصَّلاةَ وأنْفِقُوا، يُقِيمُوا ويُنْفِقُوا، فَحُذِفَ الأمْرانِ، وتُرِكَ الجَوابانِ، قالَ الشّاعِرُ: فَأيُّ امْرِئٍ أنْتَ أيُّ امْرِئٍ إذا قِيلَ في الحَرْبِ مَن يُقْدِمُ أرادَ: إذا قِيلَ: مَن يُقْدِمْ تُقْدِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: قُلْ لِعِبادِي أقِيمُوا الصَّلاةَ، وأنْفِقُوا، فَصُرِفَ عَنْ لَفْظِ الأمْرِ إلى لَفْظِ الخَبَرِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: قُلْ لَهم لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ، ولْيُنْفِقُوا، فَحَذَفَ لامَ الأمْرِ، لِدَلالَةِ " قُلْ " عَلَيْها.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والخِلالُ مَصْدَرُ خالَلْتُ فُلانًا خِلالًا ومُخالَّةً، والِاسْمُ الخُلَّةُ، وهي الصَّداقَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ ﴾ أيْ: ذَلَّلَها، تَجْرِي حَيْثُ تُرِيدُونَ، وتَرْكَبُونَ فِيها حَيْثُ تَشاؤُونَ.
﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ ﴾ لِتَنْتَفِعُوا بِهِما وتَسْتَضِيئُوا بِضَوْئِهِما ﴿ دائِبَيْنِ ﴾ في إصْلاحِ ما يُصْلِحانِهِ مِنَ النَّباتِ وغَيْرِهِ، لا يَفْتُرانِ.
ومَعْنى الدُّؤُوبِ: مُرُورُ الشَّيْءِ في العَمَلِ عَلى عادَةٍ جارِيَةٍ فِيهِ.
﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ ﴾ لِتَسْكُنُوا فِيهِ، راحَةً لِأبْدانِكم، ﴿ والنَّهارَ ﴾ لِتَنْتَفِعُوا بِمَعاشِكم، ﴿ وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ ﴾ وفِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المَعْنى: مِن كُلِّ الَّذِي سَألْتُمُوهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ.
والثّانِي: مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ، لَوْ سَألْتُمُوهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّالِثُ: وآتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ سَألْتُمُوهُ شَيْئًا، فَأضْمَرَ الشَّيْءَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ أيْ: مِن كُلِّ شَيْءٍ في زَمانِها شَيْئًا، قالَهُ الأخْفَشُ.
والرّابِعُ: مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وما لَمْ تَسْألُوهُ، لِأنَّكم لَمْ تَسْألُوا شَمْسًا ولا قَمَرًا وَلا كَثِيرًا مِنَ النِّعَمِ الَّتِي ابْتَدَأكم بِها، فاكْتُفِيَ بِالأوَّلِ مِنَ الثّانِي، كَقَوْلِهِ: ﴿ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ ﴾ ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
الخامِسُ: عَلى قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي رَزِينٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ، وأبانَ عَنْ عاصِمٍ، وأبِي حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ: " مِن كُلٍّ ما " بِالتَّنْوِينِ مِن غَيْرِ إضافَةٍ، فالمَعْنى: آتاكم مِن كُلٍّ ما لَمْ تَسْألُوهُ، قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ ﴾ أيْ: إنْعامَهُ ﴿ لا تُحْصُوها ﴾ لا تُطِيقُوا الإتْيانَ عَلى جَمِيعِها بِالعَدِّ لِكَثْرَتِها.
" إنَّ الإنْسانَ " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أبا جَهْلٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الإنْسانُ اسْمٌ لِلْجِنْسِ يُقْصَدُ بِهِ الكافِرُ خاصَّةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَظَلُومٌ كَفّارٌ ﴾ الظَّلُومُ هاهُنا: الشّاكِرُ غَيْرَ مَن أنْعَمَ عَلَيْهِ، والكَفّارُ: الجَحُودُ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا ﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ (البَقَرَةِ:١٢٦) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واجْنُبْنِي وبَنِيَّ ﴾ أيْ: جَنَّبْنِي وإيّاهم، والمَعْنى: ثَبِّتْنِي عَلى اجْتِنابِ عِبادَتِها.
﴿ رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ، وهي لا تُوصَفُ بِالإضْلالِ ولا بِالفِعْلِ، ولَكِنَّهم لَمّا ضَلُّوا بِسَبَبِها، كانَتْ كَأنَّها أضَلَّتْهم.
﴿ فَمَن تَبِعَنِي ﴾ أيْ: عَلى دِينِي التَّوْحِيدِ ﴿ فَإنَّهُ مِنِّي ﴾ أيْ: فَهو عَلى مِلَّتِي، ﴿ وَمَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ومَن عَصانِي ثُمَّ تابَ فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: ومَن عَصانِي فِيما دُونَ الشِّرْكِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.
والثّالِثُ: ومَن عَصانِي فَكَفَرَ فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أنْ تَتُوبَ عَلَيْهِ فَتَهْدِيَهُ إلى التَّوْحِيدِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دَعا بِهَذا قَبْلَ أنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ كَما اسْتَغْفَرَ لِأبِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ ﴾ ﴿ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكم الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكم الأنْهارَ ﴾ ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَيْلَ والنَهارَ ﴾ ﴿ وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ ﴾ العِبادُ جَمْعُ عَبْدٍ، وعُرْفُهُ في التَكْرِمَةِ بِخِلافِ العَبِيدِ، وقَوْلُهُ: ﴿ يُقِيمُوا الصَلاةَ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ النَحْوِيِّينَ: جَزْمُهُ بِإضْمارِ لامِ الأمْرِ عَلى حَدِّ قَوْلِ الشاعِرِ: مُحَمَّدُ تَفِدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ، إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّ هَذا لا يَجُوزُ إلّا في الشِعْرِ، وقالَتْ فَرْقَةٌ - أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ-: هو فِعْلٌ مُضارِعٌ جُزِمَ لَمّا كانَ في مَعْنى فِعْلِ الأمْرِ، لِأنَّ المُرادَ: أقِيمُوا، وهَذا كَما يُبْنى الِاسْمُ المُتَمَكِّنُ في النِداءِ في قَوْلِكَ: "يا زَيْدُ"، لَمّا شُبِّهَ بِـ "قَبْلُ وبَعْدُ"، وقالَ سِيبَوَيْهِ: هو جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٌ يَتَضَمَّنُهُ صَدْرُ الآيَةِ، تَقْدِيرُهُ: إنْ تَقُلْ لَهُمْ: أقِيمُوا يُقِيمُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَوابُ الأمْرِ الَّذِي يُعْطِينا مَعْناهُ قَوْلُهُ: "قُلْ"، وذَلِكَ بِأنْ يُجْعَلَ "قُلْ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى بَلِّغْ وأْدِّ الشَرِيعَةَ يُقِيمُوا الصَلاةَ، وهَذا كُلُّهُ عَلى أنَّ المَقُولَ هو الأمْرُ بِالإقامَةِ والإنْفاقِ.
ويَظْهَرُ أنَّ المَقُولَ هو الآيَةُ الَّتِي بَعْدُ، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ ﴾ الآيَةُ.
و"السِرُّ" صَدَقَةُ النَفْلِ، والعَلانِيَةُ الصَدَقَةُ المَفْرُوضَةُ، وهَذا هو مُقْتَضى الأحادِيثِ، وفَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما هَذِهِ الآيَةَ بِزَكاةِ الأمْوالِ مُجْمَلًا، وكَذَلِكَ فَسَّرَ الصَلاةَ بِأنَّها الخَمْسُ، وهَذا عِنْدِي مِنهُ تَقْرِيبٌ لِلْمُخاطَبِ.
و"الخِلالُ" مَصْدَرٌ مِن خالَكَ إذا وادَّ وصافى، ومِنهُ الخُلَّةُ والخَلِيلُ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: صَرَفْتُ الهَوى عنهُنَّ مِن خَشْيَةِ الرَدى ∗∗∗ ∗∗∗ ولَسْتُ بِمَقْلِيِّ الخِلالِ ولا قالِ وقالَ الأخْفَشُ: الخِلالُ جَمْعُ خُلَّةٍ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ: "لا بَيْعٌ ولا خِلالٌ" بِالرَفْعِ عَلى إلْغاءِ "لا"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وابْنُ كَثِيرٍ: "لا بَيْعَ ولا خِلالَ" بِالنَصْبِ عَلى التَبْرِيَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا، والمُرادُ بِهَذا اليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وأنْـزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكم الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكم الأنْهارَ ﴾ الآيَةُ تَذْكِيرٌ بِآلاءِ اللهِ، وتَنْبِيهٌ عَلى قُدْرَتِهِ الَّتِي فِيها إحْسانٌ إلى البَشَرِ؛ لِتَقُومَ الحُجَّةُ مَن وجْهَيْنِ، و"اللهُ" مُبْتَدَأٌ، و"الَّذِي" خَبَرُهُ.
ومَن أُخْبِرَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ وتَقَرَّرَتْ في نَفْسِهِ آمَنَ وصَلّى وأنْفَقَ.
و"السَماواتُ" هي الأرْقِعَةُ السَبْعَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنْزَلَ مِنَ السَماءِ ﴾ يُرِيدُ: السَحابُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ الثَمَراتِ ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، فَيَكُونُ المُرادُ بَعْضُ جَنْيِ الأشْجارِ، ويَسْقُطُ ما كانَ مِنها سُمًّا أو مُجَرَّدًا لِلْمُضِرّاتِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "مِن" لِبَيانِ الجِنْسِ كَأنَّهُ قالَ: فَأخْرَجَ بِهِ رَزَقًا لَكم مِنَ الثَمَراتِ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: "مِن" زائِدَةٌ، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لِكَوْنِها في الجَوابِ، ويَجُوزُ عِنْدَ الأخْفَشِ.
و"الفُلْكُ" جَمْعُ فُلْكٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ مِرارًا.
وقَوْلُهُ: "بِأمْرِهِ" مَصْدَرٌ مِن أمَرَ يَأْمُرُ، وهَذا راجِعٌ إلى الكَلامِ القائِمِ بِالذاتِ، كَقَوْلِ اللهِ تَعالى لِلْبِحارِ والأرْضِ وسائِرِ الأشْياءِ: "كُنْ" عِنْدَ الإيجادِ، إنَّما مَعْناهُ: كُنْ بِحالِ كَذا، وعَلى وتِيرَةِ كَذا، وفي هَذا تَدْرِيجُ دَوَرانِ الفُلْكِ يَنْطَوِي تَسْخِيرَ البَحْرِ وتَسْخِيرَ الرِياحِ، وأمّا تَسْخِيرُ الأنْهارِ فَتَفَجُّرُها في كُلِّ بَلَدٍ وانْقِيادُها لِلسَّقْيِ وسائِرِ المَنافِعِ.
و"دائِبَيْنِ" مَعْناهُ: مُتَمادِيَيْنِ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ لِصاحِبِ الجَمَلِ الَّذِي بَكى وَأجْهَشَ إلَيْهِ: (إنَّ هَذا الجَمَلَ شَكا إلَيَّ أنَّكَ تُجِيعُهُ وتُدْئِبُهُ)» أيْ تُدِيمُهُ في الخِدْمَةِ والعَمَلِ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ مَعْناهُ: دائِبَيْنِ في الطُلُوعِ والغُرُوبِ وما بَيْنَهُما مِنَ المَنافِعِ لِلنّاسِ الَّتِي لا تُحْصى كَثْرَةً، وحَكى الطَبَرِيُّ عن مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ -يَرْفَعُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ: دائِبَيْنِ في طاعَةِ اللهِ، وهَذا قَوْلٌ إنْ كانَ يُرادُ بِهِ أنَّ الطاعَةَ انْقِيادٌ مِنهُما في التَسْخِيرِ فَذَلِكَ مَوْجُودٌ في قَوْلِهِ: "سَخَّرَ"، وإنْ كانَ يُرادُ أنَّها طاعَةٌ مَقْصُودَةٌ كَطاعَةِ العِبادِ مِنَ البَشَرِ فَهَذا بِعِيدٌ، واللهُ أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ ﴾ لِلْجِنْسِ مِنَ البَشَرِ، أيْ إنَّ الإنْسانَ بِجُمْلَتِهِ قَدْ أُوتِيَ مِن كُلِّ ما شَأْنُهُ أنْ يُسْألَ ويُنْتَفَعَ بِهِ، ولا يَطَّرِدَ هَذا في واحِدٍ مِنَ الناسِ، وإنَّما تَفَرَّقَتْ هَذِهِ النِعَمُ في البَشَرِ، فَيُقالُ بِحَسْبِ هَذا لِلْجَمِيعِ: "أُوتِيتُمْ كَذا" عَلى جِهَةِ التَعْدِيدِ لِلنِّعْمَةِ، وقِيلَ المَعْنى: وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ أنْ لَوْ سَألْتُمُوهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ، و"ما" في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ما سَألْتُمُوهُ ﴾ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ويَكُونَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "سَألْتُمُوهُ" عائِدًا عَلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي"، ويَكُونَ الضَمِيرُ عائِدًا عَلى "الَّذِي"، وقَرَأ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: "مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ" بِتَنْوِينِ "كُلٍّ"، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وسَلامٍ، ورُوِيَتْ عن نافِعٍ، والمَعْنى: وآتاكم مِن كُلِّ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ المَذْكُوراتِ قَبْلُ ما شَأْنُهُ أنْ يُسْألَ لِمَعْنى الِانْتِفاعِ بِهِ، فَـ "ما" في قَوْلِهِ: ﴿ ما سَألْتُمُوهُ ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ بِـ "آتاكُمْ".
وقالَ بَعْضُ الناسِ: "ما" نافِيَةٌ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، أيْ: أعْطاكم مِن كُلٍّ شَيْئًا، ما سَألْتُمُوهُ، والمَفْعُولُ الثانِي هو قَوْلُنا: "شَيْئًا"، فَعَدَّدَ عَلى هَذِهِ- النِعْمَةَ في تَفْضِيلِهِ بِما لَمْ يَسْألْهُ البَشَرُ مِنَ النِعَمِ، وكانَ ما سَألُوهُ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَفْسِيرُ الضَحّاكِ.
وأمّا القِراءَةُ الأولى بِإضافَةِ "كُلِّ" إلى "ما" فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ المَفْعُولِ الثانِي: جُزْءًا أو شَيْئًا أو نَحْوَ هَذا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها ﴾ أيْ: لِكَثْرَتِها وعِظَمِها في الحَواسِّ والقُوى والإيجادِ مِنَ العَدَمِ إلى الهِدايَةِ إلى لِإيمانٍ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وقالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ: إنَّ حَقَّ اللهِ أثْقَلُ مِن أنْ يَقُومَ بِهِ العِبادُ، ونِعَمَهُ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصِيَها العِبادُ، ولَكِنْ أصْبِحُوا تَوّابِينَ وأمْسُوا تَوّابِينَ.
وقالَ أبُو الدَرْداءِ: مَن لَمْ يَرَ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْهِ إلّا في مَطْعَمِهِ ومَشْرَبِهِ فَقَدْ قَلَّ عِلْمُهُ وحَضَرَ عَذابُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الإنْسانَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ النَوْعَ والجِنْسَ، المَعْنى: تُوجَدُ فِيهِ هَذِهِ الخِلالُ، وهي الظُلْمُ والكُفْرُ، فَإنَّ كانَتْ هَذِهِ الخِلالُ مِن جاحِدٍ فَهي بِصِفَةٍ، وإنْ كانَتْ مِن عاصٍ فَهي بِصِفَةٍ أُخْرى.
<div class="verse-tafsir"
استئناف واقع موقع الاستدلال على ما تضمنته جملة ﴿ وجعلوا لله أنداداً ﴾ الآية.
وقد فصل بينه وبين المستدل عليه بجملة ﴿ قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلوات ﴾ الآية.
وأدمج في الاستدلال تعدادهم لنعم تستحق الشكر عليها ليظهر حال الذين كفروها، وبالضد حال الذين شكروا عليها، وليزداد الشاكرون شكراً.
فالمقصود الأول هو الاستدلال على أهل الجاهلية، كما يدل عليه تعقيبه بقوله: ﴿ وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجْنُبْنِي وبني أن نعبد الأصنام ﴾ [سورة إبراهيم: 35].
فجيء في هذه الآية بِنِعم عامة مشهودة محسوسة لا يستطاع إنكارها إلا أنها محتاجة للتذكير بأن المنعم بها وموجدها هو الله تعالى.
وافتتُح الكلام باسم الموجِد لأن تعيينه هو الغرض الأهم.
وأخبر عنه بالموصول لأن الصلة معلومة الانتساب إليه والثبوت له، إذ لا ينازع المشركون في أن الله هو صاحب الخلق ولا يدعون أن الأصنام تخلق شيئاً، كما قال: ﴿ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ﴾ [سورة لقمان: 25]، فخلق السماوات والأرض دليل على إلهية خالقهما وتمهيد للنعم المودعة فيهما؛ فإنزال الماء من السماء إلى الأرض، وإخراج الثمرات من الأرض، والبحارُ والأنهارُ من الأرض.
والشمس والقمر من السماء، والليل والنهار من السماء ومن الأرض، وقد مضى بيان هذه النعم في آيات مضت.
والرزق القوت.
والتسخير: حقيقته التذليل والتطويع، وهو مجاز في جعل الشيء قابلاً لتصرف غيره فيه، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ﴾ في سورة الأعراف (54).
وقوله: لتجري في البحر } هو علة تسخير صنعها.
ومعنى تسخير الفلك: تسخير ذاتها بإلهام البشر لصنعها وشكلها بكيفية تجري في البحر بدون مانع.
وقوله: ﴿ بأمره ﴾ متعلق ب ﴿ تجري ﴾ .
والأمر هنا الإذن، أي تيسير جريها في البحر، وذلك بكف العواصف عنها وبإعانتها بالريح الرخاء، وهذا كقوله: ﴿ ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ﴾ [سورة الحج: 65].
وعبر عن هذا الأمر بالنعمة في قوله: ﴿ ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ﴾ [سورة لقمان: 31]، وقد بينته آية ﴿ ومن آياته الجواري في البحر كالأعلام إن يشأ يسكن الرياح فيظللن رواكد على ظهره ﴾ الآية [سورة الشورى: 32 33].
وتسخير الأنهار: خلقها على كيفية تقتضي انتقال الماء من مكان إلى مكان وقراره في بعض المنخفضات فيستقى منه من تمر عليه وينزل على ضفافه حيث تستقر مياهه، وخلق بعضها مستمرة القرار كالدجلة والفرات والنيل للشرب ولسير السفن فيها.
وتسخير الشمس والقمر خلقهما بأحوال ناسبت انتفاع البشر بضيائهما، وضبط أوقاتهم بسيرهما.
ومعنى دائبين} دائبين على حالات لا تختلف إذ لو اختلفت لم يستطع البشر ضبطها فوقعوا في حيرة وشك.
والفلك: جمع لفظه كلفظ مفرده.
وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ﴾ في سورة البقرة (164).
ومعنى وآتاكم من كل ما سألتموه} أعطاكم بعضاً من جميع مرغوباتكم الخارجة عن اكتسابكم بحيث شأنكم فيها أن تسألوا الله إياها، وذلك مثل توالد الأنعام، وإخراج الثمار والحب، ودفع العوادي عن جميع ذلك: كدفع الأمراض عن الأنعام، ودفع الجوائح عن الثمار والحب.
فجملة ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ تعميم بعد خصوص، فهي بمنزلة التذييل لما قبلها لحِكم يعلمها الله ولا يعلمونها ﴿ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير ﴾ [سورة الشورى: 27]، وأن الإنعام والامتنان يكون بمقدار البذل لا بمقدار الحرمان.
وبهذا يتبين تفسير الآية.
وجملة وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} تأكيد للتذييل وزيادة في التعميم، تنبيهاً على أن ما آتاهم الله كثير منه معلوم وكثير منه لا يحيطون بعلمه أو لا يتذكرونه عند إرادة تعداد النعم.
فمعنى ﴿ إن تعدوا ﴾ إن تحاولوا العد وتأخذوا فيه.
وذلك مثل النعم المعتاد بها التي ينسى الناس أنها من النعم، كنعمة التنفس، ونعمة الحواس، ونعمة هضم الطعام والشراب، ونعمة الدورة الدموية، ونعمة الصحة.
وللفخر هنا تقرير نفيس فانظره.
والإحصاء: ضبط العدد، وهو مشتق من الحَصَا اسماً للعدد، وهو منقول من الحصى، وهو صغار الحجارة لأنهم كانوا يعدون الأعداد الكثيرة بالحصى تجنباً للغلط.
وجملة ﴿ إن الإنسان لظلوم كفار ﴾ تأكيد لمعنى الاستفهام الإنكاري المستعمل في تحقيق تبديل النعمة كُفراً، فلذلك فصلت عنها.
والمراد ب ﴿ الإنسان ﴾ صنف منه، وهو المتصف بمضمون الجملة المؤكدة وتأكيدها، فالإنسان هو المشرك، مثل الذي في قوله تعالى: ﴿ ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا ﴾ [سورة مريم: 66]، وهو استعمال كثير في القرآن.
وصيغتا المبالغة في ظلوم كفار } اقتضاهما كثرة النعم المفاد من قوله: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ ، إذ بمقدار كثرة النعم يكثر كفر الكافرين بها إذ أعرضوا عن عبادة المنعم وعبدوا ما لا يغني عنهم شيئاً، فأما المؤمنون فلا يجحدون نعم الله ولا يعبدون غيره.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ﴾ هَذا قَوْلُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وَقَوْلُهُ ﴿ مِن ذُرِّيَّتِي ﴾ يُرِيدُ بِهِمْ إسْماعِيلَ وهاجَرَ أُمَّهُ.
﴿ بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ﴾ يَعْنِي مَكَّةَ أسْكَنَها في بَطْحائِها، ولَمْ يَكُنْ بِها ساكِنٌ، ثِقَةً بِاللَّهِ وتَوَكُّلًا عَلَيْهِ.
﴿ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ ﴾ لِأنَّهُ قِبْلَةُ الصَّلَواتِ فَلِذَلِكَ أسْكَنَهم عِنْدَهُ.
وَأضافَ البَيْتَ إلَيْهِ لِأنَّهُ لا يَمْلِكُهُ غَيْرُهُ، ووَصَفَهُ بِأنَّهُ مُحَرَّمٌ لِأنَّهُ يُحَرَّمُ فِيهِ ما يُسْتَباحُ في غَيْرِهِ مِن جِماعٍ واسْتِحْلالٍ.
﴿ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ سَألَ اللَّهَ تَعالى بِذَلِكَ أنْ يَهْدِيَهم إلى إقامَةِ الصَّلاةِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ ذِكْرُ سَبَبِ تَرْكِهِمْ فِيهِ أنْ يُقِيمُوا الصَّلاةَ.
﴿ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ ﴾ في ﴿ أفْئِدَةً ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الأفْئِدَةَ جَمْعُ فُؤادٍ وهي القُلُوبُ، وقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ القَلْبِ بِالفُؤادِ، قالَ الشّاعِرُ: وإنَّ فُؤادًا قادَنِي بِصَبابَةٍ إلَيْكِ عَلى طُولِ الهَوى لَصَبُورُ الثّانِي: أنَّ الأفْئِدَةَ جَمْعُ وفْدٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: فاجْعَلْ وُفُودًا مِنَ الأُمَمِ تَهْوِي إلَيْهِمْ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ تَهْوِي إلَيْهِمْ ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ بِمَعْنى تَحِنُّ إلَيْهِمْ.
الثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى تَنْزِلُ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّ مَكَّةَ في وادٍ والقاصِدُ إلَيْها نازِلٌ إلَيْها.
الثّالِثُ: تَرْتَفِعُ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّ ما في القُلُوبِ بِخُرُوجِهِ مِنها كالمُرْتَفِعِ عَنْها.
الرّابِعُ: تَهْواهم.
وَقَدْ قُرِئَ تَهْوى.
وَفي مَسْألَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِيَهْوَوُا السُّكْنى بِمَكَّةَ فَيَصِيرُ بَلَدًا مُحَرَّمًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: لِيَنْزِعُوا إلى مَكَّةَ فَيَحُجُّوا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَوْلا أنَّهُ قالَ مِنَ النّاسِ لَحَجَّهُ اليَهُودُ والنَّصارى وفارِسُ والرُّومُ.
﴿ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُرِيدُ ثَمَراتِ القُلُوبِ بِأنْ تُحَبِّبَهم إلى قُلُوبِ النّاسِ فَيَزُورُوهم.
الثّانِي: ومِنَ الظّاهِرِ مِن ثَمَراتِ النَّخْلِ والأشْجارِ، فَأجابَهُ بِما في الطّائِفِ مِنَ الثِّمارِ، وما يُجْلَبُ إلَيْهِمْ مِنَ الأمْصارِ.
﴿ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ ﴾ أيْ لِكَيْ يَشْكُرُوكَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ وفي اسْتِغْفارِهِ لِوالِدَيْهِ مَعَ شِرْكِهِما ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُهُما: كانا حَيَّيْنِ فَطَمِعَ في إيمانِهِما.
فَدَعا لَهُما بِالِاسْتِغْفارِ، فَلَمّا ماتا عَلى الكُفْرِ لَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهُما.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ آدَمَ وحَوّاءَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ ولَدَيْهِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ.
وَكانَ إبْراهِيمُ يَقْرَأُ: ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ﴾ يَعْنِي ابْنَيْهِ، وكَذَلِكَ قَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والبخاري والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هم كفار أهل مكة.
وأخرج البخاري في تاريخه، وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هما الأفجران من قريش: بنو المغيرة وبنو أمية.
فأما بنو المغيرة، فكفيتموهم يوم بدر.
وأما بنو أمية، فمتعوا إلى حين.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال لعمر رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين، هذه الآية ﴿ الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هم الأفجران من قريش: أخوالي وأعمامك.
فأما أخوالي، فاستأصلهم الله يوم بدر.
وأما أعمامك، فأملى الله لهم إلى حين.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط، وابن مردويه والحاكم وصححه من طرق، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هما الأفجران من قريش، بنو أمية وبنو المغيرة.
فأما بنو المغيرة، فقطع الله دابرهم يوم بدر.
وأما بنو أمية، فمتعوا إلى حين.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف، وابن مردويه والحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل، عن أبي الطفيل رضي الله عنه، أن ابن الكواء رضي الله عنه سأل علياً رضي الله عنه من ﴿ الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هم الفجار من قريش كفيتهم يوم بدر.
قال: فمن ﴿ الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ﴾ [ الكهف: 104] قال: منهم أهل حروراء.
وأخرج ابن مردويه عن علي رضي الله عنه، أنه سئل عن ﴿ الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: بنو أمية وبنو مخزوم، رهط أبي جهل.
وأخرج ابن مردويه عن ارطأة رضي الله عنه: سمعت علياً رضي الله عنه على المنبر يقول: ﴿ الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ ، الناس منها برآء غير قريش.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن أبي حسين رضي الله عنه قال: قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: ألا أحد يسألني عن القرآن؟
فوالله لو أعلم اليوم أحداً أعلم به مني، وإن كان من وراء البحور لأتيته.
فقام عبد الله بن الكواء رضي الله عنه فقال: مَنْ ﴿ الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هم مشركو قريش، أتتهم نعمة الله الايمان فبدلوا قومهم دار البوار.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم في الكنى، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هم كفار قريش الذين نحروا يوم بدر.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هم المشركون من أهل بدر.
وأخرج مالك في تفسيره عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هم كفار قريش الذين قتلوا يوم بدر.
وأخرج ابن جرير عن عطاء بن يسار قال: نزلت هذه الآية في الذين قتلوا من قريش يوم بدر ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هم قريش.
ومحمد النعمة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً....
﴾ الآية.
قال: كنا نحدث أنهم أهل مكة، أبو جهل وأصحابه الذين قتلهم الله يوم بدر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هو جبلة بن الأيهم والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وأحلوا قومهم دار البوار ﴾ قال: أحلوا من أطاعهم من قومهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ دار البوار ﴾ قال: النار.
قال: وقد بين الله ذلك وأخبرك به فقال: ﴿ جهنم يصلونها وبئس القرار ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ جهنم يصلونها ﴾ قال: هي دارهم في الآخرة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجعلوا لله أنداداً ﴾ قال: أشركوا بالله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي رزين في قوله: ﴿ قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار ﴾ قال: تمتعوا إلى أجلكم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال ﴾ قال: إن الله تعالى قد علم أن في الدنيا بيوعاً وخلالاً يتخالون بها في الدنيا، فلينظر رجل من يخالل، وعلام يصاحب، فإن كان لله فليداوم، وإن كان لغير الله فليعلم أن كل خلة ستصير على أهلها عداوة يوم القيامة، إلا خلة المتقين.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وسخر لكم الأنهار ﴾ قال: بكل بلدة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وسخر لكم الشمس والقمر دائبين ﴾ قال: دؤوبهما في طاعة الله.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في كتاب العظمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الشمس بمنزلة الساقية، تجري بالنهار في السماء في فلكها، فإذا غربت جرت الليل في فلكها تحت الأرض حتى تطلع من مشرقها، وكذلك القمر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ قال: من كل شيء رغبتم إليه فيه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه مثله.
وأخرج ابن جرير عن الحسن ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ قال: من كل الذي سألتموني تفسيره، أعطاكم أشياءً ما سألتموها ولم تلتمسوها.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير والبيهقي في الشعب، عن طلق بن حبيب رضي الله عنه قال: إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر من أن تحصيها العباد، ولكن أصبحوا توّابين وأمسوا توابين.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، وعن بكر بن عبد الله رضي الله عنه قال: ما قال عبد قط الحمد لله، إلا وجبت عليه نعمة بقول الحمد لله، فقيل: فما جزاء تلك النعمة؟
قال: جزاؤها أن يقول الحمد لله، فجاءت نعمة أخرى فلا تنفد نعم الله.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب، عن سليمان التيمي رضي الله عنه قال: إن الله أنعم على العباد على قدره وكلفهم الشكر على قدرهم.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، عن بكر بن عبد الله المزني رضي الله عنه قال: با ابن آدم، إذا أردت أن تعرف قدر ما أنعم الله عليك فغمض عينيك.
وأخرج البيهقي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: من لم يعرف نعمة الله عليه إلا في مطعمه ومشربه، فقد قل علمه وحضر عذابه.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، عن سفيان بن عيينة رضي الله عنه قال: ما أنعم الله على العباد نعمة أعظم من أن عرّفهم لا إله إلا الله، وأنّ لا إله إلا الله لهم في الآخرة كالماء في الدنيا.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن لله على أهل النار منة، فلو شاء أن يعذبهم بأشد من النار لعذبهم.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، عن محمد بن صالح قال: كان بعض العلماء إذا تلا ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ قال: سبحان من لم يجعل من معرفة نعمه إلا المعرفة بالتقصير عن معرفتها، كما لم يجعل في أحد من ادراكه أكثر من العلم أنه لا يدركه، فجعل معرفة نعمه بالتقصير عن معرفتها شكراً، كما شكر علم العالمين أنهم لا يدركونه، فجعله إيماناً علماً منه أن العباد لا يجاوزون ذلك.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، عن أبي أيوب القرشي مولى بني هاشم قال: قال داود عليه السلام: (رب أخبرني ما أدنى نعمتك عليّ..؟
فأوحى الله: يا داود، تنفس.
فتنفس، فقال: هذا أدنى نعمتي عليك).
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: عبد الله عابد خمسين عاماً، فأوحى الله إليه أني قد غفرت لك.
قال: يا رب، وما تغفر لي..؟
ولم أذنب..؟
فأذن الله تعالى لعرق في عنقه فضرب عليه، فلم ينم ولم يصلِّ، ثم سكن فنام تلك الليلة، فشكا إليه فقال: ما لقيت من ضربان العرق؟
قال الملك: إن ربك يقول إن عبادتك خمسين سنة تعدل سكون ذلك العرق.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قال: اللهم اغفر لي ظلمي وكفري.
قال قائل: يا أمير المؤمنين، هذا الظلم...
فما بال الكفر...
!؟
قال: ﴿ إن الإنسان لظلوم كفار ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ﴾ قال ابن عباس: يريد ليُعرف النهار من الليل، والليل من النهار (١) قال الزجاج: معناه دآئبين (٢) (٣) (٤) ﴿ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾ قال ابن عباس: يريد لتبتغوا بالنهار من فضله وتقوموا بطاعته وفرائضه، واليل لتسكنوا فيه، وجعل ذلك راحة لكم (٥) (١) لم أقف عليه، والذي ذكره الطبري والثعلبي وغيرهما عن ابن عباس قولاً آخر؛ هو قوله: دؤوبهما في طاعة الله.
انظر: "تفسير الطبري" 13/ 225، و"الثعلبي" 7/ 155 ب، والبغوي 3/ 36، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 158.
(٢) في جميع النسخ: (آيتين)، والمثبت هو الصواب وموافق للمصدر.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 163 بنصه تقريباً.
(٤) انظر: (دأب) في "تهذيب اللغة" 2/ 1127، و"المحيط في اللغة" 9/ 376، و"مقاييس اللغة" 2/ 321، و"الصحاح" 1/ 123.
(٥) انظر: "تفسير القرطبي" 9/ 367، مختصراً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ الله كُفْراً ﴾ نعمة الله هنا هو محمد صلى الله عليه وسلم ودينه: أنعم الله به على قريش فكفروا النعمة ولم يقبلوها والتقدير بدلوا شكر نعمة الله كفرا ﴿ وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ ﴾ أي من أطاعهم واتبعهم ﴿ دَارَ البوار ﴾ فسرها بقوله جهنم ﴿ يُقِيمُواْ الصلاوة ﴾ هي جواب شرط فقد يتضمنه قوله قل: تقديره إن تقل لهم أقيموا يقيموا، ومعمول القول على هذا محذوف، وقيل: جزم بإضمار لام الأمر تقديره ليقيموا ﴿ وَلاَ خِلاَلٌ ﴾ من الخلة وهي المودة ﴿ إِنَّ الإنسان ﴾ يريد الجنس.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ الرياح ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع.
الباقون على التوحيد ﴿ خالق السموات والأرض ﴾ بلفظ اسم الفاعل: حمزة وعلي وخلف.
الباقون بلفظ الفعل.
﴿ سبلنا ﴾ بإسكان الباء حيث كان: أبو عمرو ﴿ لي عليكم ﴾ بفتح الياء: حفص.
﴿ بمصرخي ﴾ بكسر الياء: حمزة.
الآخرون بالفتح ﴿ أشركتموني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق عمرو ويزيد وقتيبة وإسماعيل في الوصل ﴿ البوار ﴾ ممالة: أبو عمرو وعلي: ﴿ ليضلوا ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.
الباقون بضمها.
﴿ لعبادي الذين ﴾ مرسلة: الياء: ابن عامر وحمزة وعلي ويعقوب والأعشى.
الباقون بالفتح.
﴿ من كل ﴾ بالتنوين: يزيد وعباس.
الباقون بالإضافة.
الوقوف: ﴿ عاصف ﴾ ط بناء أن ما بعده مستأنف كأن سائلاً سأل هل يقدرون من أعمالهم ﴿ على شيء ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ جديد ﴾ ه لا لأن ما بعده يتم معنى الكلام ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ لهديناكم ﴾ ط ﴿ محيص ﴾ ه ﴿ فأخلفتكم ﴾ ط ﴿ فاستجبتم لي ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ أنفسكم ﴾ ط لابتداء النفي ﴿ بمصرخي ﴾ ط الحق أن من قال إن الابتداء بقوله: ﴿ إني كفرت ﴾ قبيح فجوابه أن الكفر بالإشراك واجب كالإيمان ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بإذن ربهم ﴾ ط ﴿ سلام ﴾ ه ﴿ في السماء ﴾ ه لا ﴿ ربها ﴾ ط ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ من قرار ﴾ ط ﴿ وفي الآخرة ﴾ ج لتكرار اسم الله في الفعلين مع أن كليهما مستقل بخلاف قوله: ﴿ ويفعل الله ﴾ لأنه في المعنى بيان قوله: ﴿ ويضل الله ﴾ ﴿ وما يشاء ﴾ ه ﴿ البوار ﴾ لا ﴿ جهنم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً أو حالاً من فاعل ﴿ أحلوا ﴾ أو مم مفعوله أو من كليهما ﴿ يصلونها ﴾ ط ﴿ القرار ﴾ ه ﴿ عن سبيله ﴾ ط ﴿ إلى النار ﴾ ه ﴿ ولا خلال ﴾ ه ﴿ رزقاً لكم ﴾ ط ﴿ بأمره ﴾ ج ﴿ الأنهار ﴾ ج ﴿ دائبين ﴾ ج ﴿ والنهار ﴾ ج لحسن هذه الوقوف مع العطف لتفصيل النعم تنبيهاً على الشكر ﴿ سألتموه ﴾ ط لابتداء الشرط مع تمام الكلام ﴿ لا تحصوها ﴾ ط ﴿ كفار ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر في الآيات المتقدمة أنواع عذاب الكفار أراد أن يبين غيابة حسرتهم ونهاية خيبتهم.
فقال: ﴿ مثل الذين ﴾ وارتفاعه عند سيبويه على الابتداء والخبر محذوف أي فيما يتلى أو يقص عليكم مثلهم.
وقوله: ﴿ أعمالهم كرماد ﴾ جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول: كيف مثلهم.
وقال الفراء: المضاف محذوف أي مثل أعمال الذين كفروا.
وإنما جاز حذفه استغاء بذكره ثانياً.
وقيل: المثل صفة فيها غرابة فأخبر عنها بالجملة المراد صفة الذين كفروا ﴿ أعمالهم كرماد ﴾ كقولك "صفة زيد عرضه مصون وماله غير مخزون" ويجوز أن يكون ﴿ أعاملهم ﴾ بدلاً والخبر ﴿ كرماد ﴾ وحده.
والمراد بأعمال الكفرة المكارم التي كانت لهم من صلة الأرحام وعتق الرقاب وفداء الأسارى وعقر الإبل للأضياف وإغاثة الملهوفين وإعانة المظلومين، شبهها في حبوطها - لبنائها على غير أساس التوحيد والإيمان - برماد طيرته الريح في يوم عاصف.
قال الزجاج: جعل العصف لليوم وهو لما فيه يعني الريح مجازواً كقولك "يوم ماطر".
قال الفراء: وإن شئت قلت في يوم ذي عصوف أو في يوم عاصف الريح فحذف لذكره مرة.
وقيل: المراد من أعمالهم عباداتهم للأصنام.
ووجه حسرتهم أنهم أتعبوا أبدانهم فيها دهراً طويلاً.
ثم لم ينتفعوا بذلك بل استضروا به.
وقوله: ﴿ مما كسبوا على شيء ﴾ القياس عكسه كما في "البقرة" لأن "على" من صلة القدرة ولأن مما كسبوا صفة لشيء ولكنه قدم في هذه السورة لأن الكسب - أعني العمل الذي ضرب له المثل - هو المقصود بالذكر ولهذا أشار إليه بقوله: ﴿ ذلك هو الضلال البعيد ﴾ أي عن الحق والثواب.
ثم كان لسائل أن يسأل: كيف يليق بحكمته إضاعة أفعال المكلفين؟
فقال: ﴿ ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق ﴾ مستتبعة للفوائد والحكم دالة على وجود الصانع القدير، فحبوط الأعمال إنما يلزم من كفر المكلفين وكونها غير مبنية على قاعدة الإيمان والإخلاص لا من أنه يمكن أن يوجد في أفعاله عبث أو خلل أو سهو.
ثم بين كمال قدرته واستغنائه عن الظلم والقبائح وعن عمل كل عامل فقال: ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ وقد مر مثله في سورة النساء.
﴿ وما ذلك على الله بعزيز ﴾ بمتعذر لأنه قادر الذات لا اختصاص له بمقدور.
فإن قيل: الغرض من الآية إظهار القدرة وزجر المكلفين عن المعصية وذلك إنما يتم بقوله: ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ فما فائدة قوله: ﴿ ويأت بخلق جديد ﴾ وهل فيه دليل على أن الفياض لا يوجد بدون الفيض؟
قلنا: على تقدير تسليمه لا تنحصر الفائدة فيه بل لعل الفائدة هي تأكيد التخويف فإن التألم من تصور العدم المجرد ليس كالتألم من تصور عدمه مع إقامة غيره مقامه، على أن الإذهاب لا يلزم منه الإعدام فيكون شبيهاً بعزل شخص ونصب غيره مقامه.
وللحكيم أن يستدل بقوله: ﴿ يذهبكم ﴾ على أن مادة الجوهر لا تعدم وإنما تنعدم الصور والأعراض.
والجواب أن الإذهاب ههنا بمعنى الإعدام، ولو سلم فلا يلزم من عدم وقوع الإعدام ههنا امتناعه في جميع الصور.
وفيه أنه الحقيق بأن يخشى عقابه ويرجى ثوابه فلذلك أتبعه أحوال الآخرة فقال: ﴿ وبرزوا ﴾ بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع مثل { ﴿ وسيق ﴾ ﴿ ونادى ﴾ والتركيب يدل على الظهور بعد الخفاء ومنه "امرأة برزة" إذا كانت تظهر للناس "وبرز فلان على أقرانه" إذا فاقهم.
ومعنى بروزهم لله وهو لا يخفى عليه شيء أنهم كانوا يستترون عن العيون عند ارتكاب الفواحش ويظنون أن ذلك خافٍ على الله.
فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عند أنفسهم وعلموا أن الله لا يخفى عليه خافية، أو المضاف محذوف أي برزوا لحساب الله وحكمه.
قال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ وبرزوا لله ﴾ هو المراد من قوله: ﴿ ومن ورائه عذاب غليظ ﴾ وعلى قواعد الحكماء: النفس إذا فارقت الجسد زال الغطاء وكشف الوطاء وظهرت عليه آثار الملكات والهيئات التي كان يمنعها عن الشعور بها اشتغالها بعالم الحس فذلك هو البروز لله، فإن كانوا من السعداء برزوا لموقف الجمال بصفاتهم القدسية وهيئاتهم النورية، فما أجل تلك الأحوال ويا طوبى لأهل النوال.
وإن كانوا من الأشقياء برزوا لموقف الجلال بأوصافهم الذميمة وهيئاتهم المظلمة، فما أعظم تلك الفضيحة وما أشنع تلك المهانة.
كتب ﴿ الضعفواء ﴾ بواو قبل الهمزة على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو ومثله: ﴿ علماء بني إسرائيل ﴾ والضعفاء العوام الأراذل، والذين استكبروا سادتهم وأشرافهم الذين استنكفوا عن عبادته فضلوا وأضلوا.
قال الفراء: أكثر أهل اللغة على أن التبع جمع تابع كخدم وخادم وحرس وحارس.
وجوز الزجاج أن يكون التبع مصدراً أي ذوي أتباع إما في الكفر أو في الأمور الدنيوية ﴿ فهل أنتم مغنون ﴾ هل يمكنكم دفع عذاب الله ﴿ عنا ﴾ ومن في ﴿ من عذاب الله ﴾ للتبيين وفي ﴿ من شيء ﴾ للتبعيض.
والمعنى هل تدفعون عنا بعض الشيء الذي هو عذاب الله أو كلاهما للتبعيض بمعنى هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض عذاب الله ﴿ قالوا لو هدانا الله لهديناكم ﴾ .
عن ابن عباس: لو أرشدنا الله لأرشدناكم قال الواحدي: معناه أنهم إنما دعوهم إلى الضلال لأن الله أضلهم ولو هداهم لدعوهم إلى الهدى.
وقال في الكشاف: لعلهم قالوا ذلك مع أنه كذبوا فيه كقوله: ﴿ يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم ﴾ واعترض عليه بأن هذا خلاف مذهبه لأنهم لا يجوّزون صدور الكذب عن أهل القيامة كما مر في أوائل "الأنعام" في قوله: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ وجوز أيضاً أن يكون المراد لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم إلى الإيمان.
وزيف بأن كل ما في مقدور الله من الألطاف فقد فعله.
وقيل: لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب لأغنينا عنكم وسلكنا بكم طريق النجاة، ويؤكد هذا التفسير قوله: ﴿ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ﴾ وإعرابه كقوله: ﴿ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ﴾ أرادوا إقناطهم من دفع العذاب بالكلية، أو أرادوا أن عتاب الضعفاء لهم وتوبيخهم إياهم نوع من الجزع ولا فائدة فيه ولا في الصبر.
وجوز في الكشاف أن يكون قوله: ﴿ سواء علينا ﴾ الخ من كلام الضعفاء والمستكبرين جميعاً نظيره في وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر، قوله: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه ﴾ {يوسف: 52] والمحيص المنجي والمهرب مصدر كالمغيب والمحيص، أو مكان كالمبيت والمضيف.
ولما ذكر مناظرة شياطين الإنس أتبعها مناظرة شيطان الجن.
ومعنى ﴿ قضي الأمر ﴾ قطع وفرغ منه وذلك حين انقضاء المحاسبة.
والأكثرون على أنه بعد الحساب ودخول الأشقياء النار والسعداء الجنة.
وعند أهل السنة هو بعد خروج الفساق من النار فليس بعد ذلك إلا الدوام في الجنة أو في النار.
يروى أن الشيطان يقوم عند ذلك خطيباً في النار فيقول: ﴿ إن الله وعدكم وعد الحق ﴾ وعن النبي : "إذا جمع الله الخلق وقضى بينهم يقول الكافرون قد وجد المسلمون من يشفع لهم فمن يشفع لنا ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا فيأتونه ويسألونه فعند ذلك يقول هذا القول" .
ووعد الحق من إضافة الموصوف إلى صفته مثل "مسجد الجامع"، أو تأويله وعد اليوم الحق، أو الأمر الحق وهو البعث والجزاء على الأعمال.
وفي الآية إضماران: الأول وعدكم وعد الحق فوفى لكم بما وعدكم.
الثاني ووعدتكم خلاف ذلك فأخلفتكم الوعد.
ووجه الإضمار الأول دلالة الحال عليه لأنهم كانوا يشاهدون وليس وراء العيان بيان، ولأن ذكر نقيضه وهو إخلاف الوعد من الشيطان يغني عنه، ووجه الثاني أيضاً مثل ذلك.
ثم ذكر طريق وسوسته اعتذاراً منهم فقال: ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان ﴾ من تسلط وقهر فأقسركم على الكفر والمعاصي ﴿ إلا أن دعوتكم ﴾ قال النحويون: هذا الاستثناء منقطع لأن الدعاء ليس من جنس السطان فالمراد لكن دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوسة، ويمكن أن يوجه الاستثناء بالاتصال لأن قدرة الإنسان على حمل الغير على عمل من الأعمال تارة تكون بالقسر وتارة بتقوية الداعية في قلبه بإلقاءه الوساوس إليه فهذا نوع من أنواع التسلط.
﴿ فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ﴾ لأنكم ما سمعتم مني إلا الدعاء والتزيين وكنتم سمعتم دلائل الله وشاهدتم مجيء أنبيائه فكان من الواجب عليكم أن لا تغتروا بقولي ولا تلتفتوا إليّ.
قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الإنسان هو الذي يختار الشقاوة أو السعادة، وليس من الله إلا التمكين ولا من الشيطان إلا التزيين، ولو كان الأمر كما يزعم المجبرة لقال: "فلا تلوموني ولوموا أنفسكم" فإن الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه، وقول الشيطان وإن لم يصلح للحجة إلا عدم إنكار الله عليه حجة.
هذا مع أن أول كلام اللعين مبني على الإنصاف والصدق فكذا ينبغي أن يكون آخره.
قال المحققون: الشيطان الأصلي هو النفس وذلك أن الإنسان إذا أحس بشيء أو أدركه ترتب عليه شعوره بكونه ملائماً له، أو بكونه منافراً له ويتبع هذا الشعور الميل الجازم إلى الفعل أو إلى الترك، وكل هذه الأشياء من شأن النفس ولا مدخل للشيطان في شيء من هذه المقامات إلا بأن يذكره شيئاً من أن الإنسان كان غافلاً عن صورة امرأة فيلقى الشيطان حديثها في خاطره.
وكيف يعقل تمكن الشيطان من النفوذ في داخل أعضاء الإنسان وإلقاء الوسوسة إليه؟
جوابه أن الشيطان إذا كان جسماً لطيفاً والله ركبه تركيباً عجيباً لا يقبل التفرق والتمزق مع لطافته فلا يستبعد نفوذه في الأجرام الكثيفة كالنار تسري في الفحم وكالدهن في السمسم وإن كان جوهراً نورانياً مجبولاً على الشر، والنفس الإنسانية أيضاً جوهر علوي مجرد فلا يبعد وصول أثر أحدهما إلى الآخر.
وذهب بعض الحكماء إلى أن كل روح من الأرواح البشرية فإنه ينتسب إلى روح معين من الأرواح السماوية، وأنها تتولى إرشاد الأرواح الإنسانية إلى مصالحها بالإلهامات الحسنة في حالتي النوم واليقظة.
هذا إذا كانت خيرة، وأما إذا كانت شريرة فإنها توسوسها بالخواطر والأعمال القبيحة، والقدماء كانوا يسمون كلاً من تلك الأرواح بالطباع التام.
وذكر بعض العلماء احتمالاً آخر وهو أن النفوس البشرية إذا فارقت أبدانها قويت في تلك الصفات التي اكتسبتها في تلك الأبدان وكملت فيها، فإذا حدثت نفس أخرى مشاكلة لتلك النفس المفارقة في بدن مشاكل لبدن تلك النفس المفارقة حدث بين تلك النفس المفارقة وبين هذا البدن نوع تعلق، فتصير تلك النفس المفارقة معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن وتعضدها على أحوالها وأفعالها، فإذا كان هذا المعنى في أبواب الخير كان إلهاماً، وإن كان في باب الشر كان وسوسة.
ثم حكى الله عن الشيطان أنه قال: ﴿ ما أنا بمصرخكم ﴾ قال ابن عباس: يريد بمعينكم ولا منقذكم.
قال ابن الأعرابي: الصارخ المستغيث والمصرخ المغيث.
صرخ فلان إذا استغاث.
وقال واغوثاه، وأصرخته أي أغثته.
وعاب النحويون على حمزة أنه قرأ: ﴿ وما أنتم بمصرخيّ ﴾ لأن ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة حيث قبلها ألف في نحو "عصاي" فما بالها وقبلها ياء.
وحاصل ما عابوا عليه أنه لم يوجد له نظير في استعمال العرب، لكنك تعلم أن القرآن حجة على غيره.
قوله: ﴿ إني كفرت بما أشركتموني ﴾ إن كانت "ما" مصدرية فالمعنى إني كفرت أي أنا جاحد وما كان لي رضا بإشراككم لي في الدنيا مع الله في الطاعة وفي أن لي تدبيراً وتصرفاً في هذا العالم، وإن كانت موصولة على ما قاله الفراء من أن "ما" في معنى "من" كقوله: "سبحان ما سخركن لنا" فالمراد إني كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم بالله الذي أشركتمونيه.
ووجه نظم الكلام على هذا التفسير أن إبليس كأنه يقول: لا تأثير لوسوستي في كفركم بدليل أني كفرت بالله قبل أن كفرتم، وما كان كفري بسبب وسوسة أخرى وإلا لزم التسلسل فثبت بهذا أن سبب الوقوع في الكفر شيء آخر سوى الوسوسة، وهذا التقرير يناسب أصول الأشاعرة.
أما قوله: ﴿ إن الظالمين لهم عذاب أليم ﴾ فالأظهر أنه كلام الله، ويشمل إبليس ومن تابعه من الثقلين وليس ببعيد أن يكون من بقية كلام إبليس قطعاً لأطماع أولئك الكفار عن إغاثته.
ثم شرع في أحوال السعداء وقال: ﴿ وأدخل ﴾ على لفظ الماضي تحقيقاً للوقوع، وقوله: ﴿ بإذن ربهم ﴾ متعلق بـ ﴿ أدخل ﴾ أي أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن الله وأمره.
وقرأ الحسن ﴿ وأدخل ﴾ على لفظ المتكلم.
قال في الكشاف: فعلى هذا يتعلق قوله: ﴿ بإذن ربهم ﴾ بما بعده يعني أن الملائكة يحيونهم بإذن ربهم.
وقد تقدم معنى قوله: ﴿ تحيتهم فيها سلام ﴾ في أول سورة يونس.
ثم لما بين أحوال السعداء وكان قد ذكر أحوال أضدادهم، أراد أن يذكر لكل من الفريقين مثلاً.
قال في الكشاف ﴿ كلمة طيبة ﴾ نصب بمضمر أي جعل كلمة طيبة ﴿ كشجرة طيبة ﴾ وهو تفسير لقوله: ﴿ ضرب الله مثلاً ﴾ أو ضرب بمعنى جعل أي جعل الله كلمة طيبة مثلاً.
ثم قال كشجرة طيبة أي هي كشجرة.
وقال صاحب حل العقد: أظن أن الوجه أن يجعل قوله: ﴿ كلمة ﴾ عطف بيان، وقوله: ﴿ كشجرة ﴾ مفعول ثانٍ.
عن ابن عباس: الكلمة الطيبة هي قول لا إله إلا الله محمد رسول الله.
والشجرة الطيبة شجرة في الجنة.
وعن ابن عمر: هي النخلة.
وقيل: الكلمة الطيبة كل كلمة حسنة كالتسبيحة والتحميدة والاستغفار والتوبة والدعوة.
والشجرة كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمان وغير ذلك.
وقيل: لا حاجة بنا إلى تعيين تلك الشجرة، والمراد أن الشجرة الموصوفة ينبغي لكل عاقل يسعى في تحصيلها وادّخارها لنفسه سواء كان لها وجود في الدنيا أو لم يكن.
أما صفات الشجرة فالأولى كونها طيبة ويشمل طيب المنظر والشكل والرائحة وطيب الفاكهة المتولدة منها وطيب منافعها والثانية: ﴿ أصلها ثابت ﴾ راسخ آمن من الانقطاع.
ولا شك أن الشيء الطيب إنما يكمل الفرح بحصوله إذا أمن انقراضه وزواله.
والثالثة ﴿ وفرعها في السماء ﴾ أي في جهة العلو وهذا تأكيد لرسوخ أصله فإن الأصل كلما كان أقوى وأرسخ كان الفرع أعلى وأشمخ.
ومن فوائد ارتفاع الأغصان بعدها عن عفونات الأرض ونقاؤها عن القاذورات.
قال في الكشاف: فرعها أعلاها ورأسها، ويجوز أن يريد وفروعها على الاكتفاء بلفظ الجنس.
الصفة الرابعة ﴿ تؤتي أُكلها كل حين ﴾ أي تعطي ثمرها كل وقت وقَّته الله لأثمارها.
وعن ابن عباس: الحين ستة أشهر لأن من حملها إلى صرامها ستة أشهر.
وقال مجاهد وابن زيد: سنة لأن الشجرة من العام إلى العام تحمل الثمرة ولا سيما النخلة إذا تركوا عليها التمر بقي من السنة إلى السنة.
وقال الزجاج: الحين الوقت طال أم قصر.
والمراد أنه ينتفع بها في وقت يفرض ليلاً ونهاراً صيفاً وشتاءً ﴿ بإذن ربها ﴾ بتيسير خالقها وتكوينه.
قال المحققون: معرفة الله والاستغراق في محبته وطاعته هي الشجرة الطيبة بل لا طيب ولا لذيذ إلا هي، لأن المدركات المحسوسة إنما تصير مدركة لملاقاة شيء من المحسوس شيئاً من الحاس.
أما نور معرفة الله وإشراقها فإنما ينفذ ويسري في جميع جواهر النفس حتى إنه يكاد يتحد به.
ثم إن سائر اللذات منقطعة متناهية، ولذة المعرفة لا تكاد تنتهي إلى حد.
وإن عروق هذه الشجرة ثابتة راسخة في جوهر النفس الناطقة ولها شعب وأغصان صاعدة في هواء العالم الروحاني يجمعها التعظيم لأمر الله، ومنشؤها القوة النظرية، وغايتها الحكمة العملية بأقسامها وأصولها وفروعها، وأغصان نابتة في فضاء العالم الجسماني ومنبتها القوة العملية وفائدتها الحكمة الخلقية التي يجمعها الشفقة على خلق الله عموماً وخصوصاً.
وأثر رسوخ شجرة المعرفة في القلب أن يكون نظره للاعتبار ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار ﴾ وسمعه للحكمة ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴾ ونطقه بالصدق والصواب { ﴿ وقولوا قولاً سديداً ﴾ وكذا الكلام في سائر القوى والأعضاء.
وهنالك مراتب لا تكاد تنحصر بحسب مراتب الاستعدادات.
وإذا صار جوهر النفس كاملاً بحسب هذه الفضائل فقد يكون مكملاً لغيره وذلك قوله: ﴿ تؤتي أكلها كل حين ﴾ .
وفي قوله: ﴿ بإذن ربها ﴾ إشارة إلى أن النظر في جميع هذه المراتب يجب ان يكون على المفيض لا على الفيض، وعلى المنعم لا على النعمة.
و ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ﴾ المبدأ وعرفانه والمعاد وإتيانه فيختار الكمال على النقصان.
وأثر العرفان للمعروف لا للعرفان فيكون حينئذ جوهر النفي كلمة طيبة كما قال في حق عيسى ﴿ كلمة من الله ﴾ .
وإذا عرفت الكلمة الطيبة والشجرة الطيبة سهل عليك معرفة ضديهما.
فالكلمة الخبيثة كلمة الشرك أو كل كلمة قبيحة أو كل نفس شريرة، والشجرة الخبيثة الباطل أو كل شجرة لا يطيب ثمرها كشجرة الحنظل والثوم ونحو ذلك.
ومعنى اجتثت استؤصلت وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة كلها ﴿ ما لها من قرار ﴾ أي من استقرار مصدر كالثبات والنبات.
وعن قتادة أنه قيل لبعض العلماء ما تقول في كلمة خبيثة؟
فقال: ما أعلم لها في الأرض مستقراً ولا في السماء مصعداً إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافى بها القيامة.
قلت: وذلك أن الباطل لا قائل به ولا يوافقه فيه من هو بصدد الاعتبار فهو مضمحل زائل.
والحق نقيض ذلك بل الباطل لا يستقر صاحبه عليه ولا يحصل له منه برد مضمحل زائل.
والحق نقيض ذلك بل الباطل لا يستقر صاحبه عليه ولا يحصل له منه برد اليقين.
وكذا النفس الخبيثة لا تكون لها طمأنينة ولا وقار، تراها أبداً تسعى في الطرق المضلة والسبل المنحرفة كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران.
ولما شبه حال الفريقين بما شبه بين مآل حالهما فقال: ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ﴾ أي الذي ثبت بالحجة والبرهان وتمكن في قلب صاحبه بحيث لم يكن للتشكيك فيه مجال.
هذا في الحياة الدنيا فلا جرم إذا فتنوا في دينهم لم يزالوا كأصحاب الأخدود والذين نشروا بالمناشير ومشطت لحومهم بأمشاط الحديد، وتثبيتهم في الآخرة أنهم إذا سئلوا في القبول لم يتلعثموا، وإذا وقفوا بين يدي الجبار لم يبهتوا.
عن ابن عباس: من دوام على الشهادة في الحياة الدنيا يثبته الله عليها في قبره ويلقنه إياها.
وقد ورد في حديث سؤال القبر عن البراء بن عازب مثل ذلك.
والسبب العقلي فيه أن المواظبة على الفعل توجب رسوخ الملكة بحيث لا تزول بتبدل الأحوال وتقلب الأطوار.
وإنما فسرت الآخرة ههنا بالقبر لأن الميت ينقطع بالموت عن أحكام الدنيا ويدخل في أحكام الآخرة.
فمعنى الآية يثبت الله الذين آمنوا بالله وبما يجب الإيمان به على ما آمنوا به في الدارين، أو يثبتهم الله فيهما بسبب القول الثابت على القول الثابت.
وقيل: معنى الآية يثبتهم الله على الثواب والكرامة سببب القول الثابت الذي كان يصدر عنهم حال ما كانوا في الحياة الدنيا، وسيصدر عنهم حال ما يكونون في الآخرة.
ويرد عليه أن الآخرة ليست دار عمل وإن كان قوله: ﴿ في الحياة الدنيا ﴾ متعلقاً بقوله: ﴿ ويثبت ﴾ أي ثبتهم على الثواب في الدارين بسبب القول، ورد عليه أن الدنيا ليست دار ثواب، ويمكن أن يناقش في هذا الإيراد لقوله : ﴿ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ﴾ ﴿ ويضل الله الظالمين ﴾ الذين وضعوا الباطل موضع الحق والشرك بدل التوحيد في الدارين، فلا جرم إذا سئلوا في قبورهم قالوا لا ندري.
﴿ ويفعل الله ما يشاء ﴾ من التثبيت والإضلال.
ولا اعتراض لأحد عليه أو من منح الألطاف ومنعها كما تقتضيه الحكمة.
ثم عجب من ظالمي مكة بقوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله ﴾ أي شكر نعمته ﴿ كفراً ﴾ أي وضعوا مكان الشكر الكفر أو بدلوا نفس النعمة كفراً أي سلبوا النعمة فلم يبق معهم إلا الكفر.
وذلك أنه أسكنهم حرمه ووسع عليهم معايشهم وأكرمهم بمحمد فلم يقوموا بشكر تلك النعم فضربهم بالقحط سبع سنين وقتلوا يوم بدر وبقي الكفر طوقاً في أعناقهم وأعناق من تابعهم وذلك قوله: ﴿ وأحلوا قومهم دار البوار ﴾ أي الهلاك.
وقوله ﴿ جهنم ﴾ عطف بيان ﴿ وبئس القرار ﴾ أي المقر مصدر سمى به.
قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ من قرأ بضم الياء فاللام للغرض أو للعاقبة، ومن قرأ بفتحها فاللام للعاقبة لأن العاقل لا يريد ضلال نسه ولكنه قد يريد إضلال الغير لمصلحة دنيوية.
وإنما حسن استعمال اللام لأجل العاقبة من حيث إنها تشبه الغاية والغرض من قبل حصولها في آخر المراتب والمشابهة أحد الأمور المصححة للمجاز.
﴿ قل تمتعوا ﴾ أمر وعيد وتهديد.
قال جار الله: فيه إيذان بأنهم لانغماسهم في التمتع بالحاضر مأمورون به قد أمرهم آمر مطاع هو آمر الشهوة.
والمعنى إن دمتم على ما أنتم عليه من الامتثال لأمر الشهوة ﴿ فإن مصيركم إلى النار ﴾ وإنما سمى عيش الكفار تمتعاً لأن إمهالهم في الدنيا على أيّ وجه يفرض يكون أسهل مما أعد لهم في الآخرة من العقاب.
ومن الذين نزل فيهم؟
روي عن عمر أنه قال: هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة وبنو أمية.
فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا حتى حين.
وقيل: هم متنصرة العرب جبلة بن الأيهم وأصحابه.
ولما أمر الكافرين بالتمتع بنعيم الدنيا تهديداً أمر نبيه بحث المؤمنين على خلاف ذلك وهو الإقبال على ما ينفعهم في الآخرة فقال: ﴿ قل لعبادي الذين ﴾ المقول محذوف لأن جواب "قل" يدل عليه التقدير: قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا الصلاة وينفقوا.
وجوز بعضهم أن يكون المذكور هو المقول بناء على أنه أمر غائب محذوف اللام.
وإنما حسن الحذف لأن الأمر الذي هو "قل" عوض منه، ولو قيل: "يقيموا الصلاة وينفقوا" ابتداء بحذف اللام لم يجز.
والخلال المخالة أراد أنفقوا أموالكم في الدنيا حتى تجدوا ثواب ذلك الإنفاق في هذا اليوم الذي لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مصادقة، وإنما ينتفع بالإنفاق لوجه الله.
ونفي المخالة في هذه الآية وفي قوله في البقرة: ﴿ لا بيع فيه ولا خلة ﴾ لا ينافي إثباتها في قوله: ﴿ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ إلا المتقين ﴾ لأن المنفية هي التي سببها ميل الطبيعة ورغبة النفس، والمثبتة هي التي يوجبها الاشتراك في الإيمان العمل الصالح.
ولما ختم أحوال المعاد عاد الى المبدإ فقال: ﴿ الله ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم ﴾ وقد مر في أول "البقرة" والمراد من السماء جهة العلو.
وقيل: نفس السماء، وزيف بأن الإنسان ربما كان واقفاً على قلة جبل عال ويرى الغيم أسفل منه، وإذا نزل من ذلك الجبل يرى الغيم ماظراً عليه.
﴿ وسخر لكم الفلك ﴾ كقوله في أواسط البقرة ﴿ والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ﴾ {الآية: 164] وقد مر.
ومعنى ﴿ بأمره ﴾ بتيسيره وتسييره لأنه خلق موادها وألهم صنعتها وجعل الماء بحيث يسهل على وجهه جريها، ولأن الملك العظيم قلما يوصف بأنه فعل وإنما يقال إنه أمر بكذا.
ومنهم من حمل الأمر على الظاهر أي بقوله: "كن".
﴿ وسخر لكم الأنهار ﴾ وجه المنة فيها أن البحر قلما ينتفع به في العمارة والزراعة لعمقه ولملوحته ففجر الله الأنهار والعيون والآبار الصالحة للانتفاع بها كما لا يخفى ﴿ وسخر لكم الشمس والقمر ﴾ أي صيرهما تحت تصرفه وتسخيره بحيث يعود انتفاع ذلك عليكم من التسخين والترطيب والإضاءة والإنارة لأنهما مذللان للإنس.
وقوله: ﴿ دائبين ﴾ نصب على الحال.
والدؤوب مرور الشيء في العمل على عادة مطردة أي يدأبان في مسيرهما وإنارتهما وسائر منافعهما وخواصهما، وهكذا معنى التسخير في قوله: ﴿ وسخر لكم الليل والنهار ﴾ أي قدر هذين العرضين المتعاقبين لراحة الإنسان ولمعاشه.
ولما فصل طرفاً من النعم أجمل الباقية منها بقوله: ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ أي بعض جميع ما سألتموه.
ومن قرأ بالتنوين فـ"ما" إما نافية والجملة نصب على الحال أي آتاكم من جميع ذلك غير سائليه،أو موصولة بمعنى وآتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه وطلبتموه بلسان الحال.
ثم بين أن نعم الله على عبيده غير متناهية فقال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ أي لا تقدرون على تعدادها لكثرتها بل لعدم تناهيها.
قال الواحدي: النعمة ههنا اسم أقيم مقام المصدر كالنفقة بمعنى الإنفاق ولهذا لم تجمع.
ومن تأمل في تشريح الأبدان وفي أعضاء الحيوان وأجزائها من العروق الدقاق والأوردة والشرايين وفي كل واحد من الأعضاء البيسطة والمركبة ووقف على منافعها، عرف بعض دقائق نعم الله على عباده.
وإذا جاوز النفس إلى الآفاق وسير فكره في أحوال الأجسام السفلية والعلوية، وقف من بديع صنعتها وعظيم منفعتها على ما يقضى منه العجب.
وإذا عبر الملك إلى الملكوت تاه في أودية الحيرة والدهشة وتلاشى عقله عند أدنى سرادقات العزة والهيبة.
قال الحكيم: إذا أخذت اللقمة الواحدة لتضعها في الفم فانظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها.
أما الذي قبلها فكالخبز والطحن والزرع وغير ذلك من الآلات المعينة والأسباب الفاعلية والقابلية حتى تنتهي إلى الأفلاك والعناصر، وأما الذي بعده فكالقوى المعينة على الجذب والإمساك والهضم والدفع وكالأعضاء الحاملة لتلك القوى وكسائر الأمور النافعة في ذلك الباب خارجة من البدن أو داخلة فيه، فإنها لا تكاد تنحصر.
وإذا كانت نعم الله في تناول لقمة واحدة تبلغ هذا المبلغ فكيف فيما جاوز ذلك؟
إذا كنت في عالم الأجساد، فإذا تخطيت إلى عالم الأرواح وأجلت طرف عقلك في ميادين القدس وحظائر الأنس وصادفت بعض ما هنالك من الكرامات واللذات فلعلك تعرف حق النعمة إذ تغرق في لجة المنة أو تغرف من نهر المنحة والنعم هنالك على وفق الاستعداد وإدراك النعم بمقدار الفهم والرشاد، فإن كنت أهلاً لها فذاك وإلا فلا تلم إلا نفسك ﴿ إن الإنسان ﴾ أي هذا الجنس ﴿ لظلوم ﴾ يظلم النعمة بإغفال شكرها ﴿ كفار ﴾ شديد الكفران لها وذلك أنه مجبول على النسيان والملالة فلا بد أن يقع في إغفال شكر النعمة إن نسيها، أو في كفران النعمة إذا ملها.
وقيل: ظلوم في الشدائد بالشكاية والجزع كفار في السعة يجمع ويمنع.
واعلم أنه ختم الآية في هذه السورة بما ختم وختمها في النحل بقوله: ﴿ إن الله لغفور رحيم ﴾ وكأنه قال: إن كنت ظلوماً فأنا غفور، وإن كنت كفاراً فأنا رحيم فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير، ولا أجازي جفاك إلا بالوفاء، تلك صفتك في الأخذ وهذه صفتي في الإعطاء.
التأويل: ﴿ وبرزوا ﴾ من القشور الفانية ﴿ لله جميعاً ﴾ من القويّ والضعيف ﴿ فقال الضعفاء ﴾ وهم المقلدة ﴿ للذين استكبروا ﴾ من المبتدعين ﴿ إني كفرت بما أشكرتموني ﴾ آمن اللعين حين لا ينفع نفساً إيمانها ﴿ وأدخل ﴾ فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا خلى وطباعه لا يدخل الجنة لأنه خلق ظلوماً جهولاً سفلي الطبع، وإنما يدخله الله بفضله وعنايته ﴿ جنات ﴾ القلوب ﴿ تجري من تحتها ﴾ أنهار الحكمة ﴿ خالدين فيها بإذن ربهم ﴾ أي بعنايته وإلا لم يبق فيها ساعة كما لم يبق آدم.
تحية أهل القلوب على أهل القلوب لسلامة قلوبهم، وتحيتهم على أهل النفوس لمرض قلوبهم ليسلموا من شر نفوسهم ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ﴾ ﴿ ألم تر ﴾ أي ألم تشاهد بنور النبوّة ﴿ كيف ضرب الله مثلاً ﴾ للاستعداد الإنساني القابل للفيض الإلهي دون سائر مخلوقاته ﴿ كلمة طيبة ﴾ هي كلمة التوحيد ﴿ كشجرة طيبة ﴾ عن لوث الحدوث مثمر إثمار شواهد أنوار القدم ﴿ أصلها ثابت ﴾ في الحضرة الإلهية فإنها صفة قائمة بذاتها ﴿ وفرعها ﴾ في سماء القلوب ﴿ تؤتي أكلها ﴾ من أنوار المشاهدات والمكاشفات ﴿ كل حين ﴾ يتقرب العبد إلى ربه يتقرب الرب إليه ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس ﴾ لمن نسي العهد الأوّل ﴿ لعلهم يتذكرون ﴾ الحالة الأولى فيسعون في إدراكها ﴿ ومثل كلمة ﴾ تتولد من خباثة النفس ﴿ اجتثت من فوق ﴾ أرض البشرية ﴿ ما لها من قرار ﴾ لأنها من الأعمال الفانيات لا من الباقيات الصالحات.
﴿ يثبت الله الذين آمنوا ﴾ يمكنهم في مقام الإيمان بملازمة كلمة لا إله إلا الله والسير في حقائقها ﴿ في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ لأن سير أصحاب الأعمال ينقطع بالموت وسير أرباب الأحوال لا ينقطع أبداً.
﴿ وأحلوا قومهم ﴾ أرواحهم وقلوبهم ونفوسهم وأبدانهم، أنزلوا أبدانهم جهنم البعد ونفوسهم الدركات وقلوبهم العمى والصمم والجهل، وأرواحهم العلوية أسفل سافلين الطبيعة فبدلوا نعم الأخلاق الحميدة كفراً لأوصاف الذميمة ﴿ الله الذي خلق ﴾ سموات القلوب وأرض النفوس ﴿ وأنزل من ﴾ سماء القلوب ﴿ ماء ﴾ الحكمة ﴿ فأخرج به ﴾ ثمرات الطاعات ﴿ رزقاً ﴾ لأرواحكم ﴿ وسخر لكم ﴾ فلك الشريعة ﴿ لتجري في ﴾ بحر الطريقة بأمر الحق لا بالهوى والطبع.
وكم لأرباب الطلب من سفن انكسرت بنكباء الهوى ﴿ وسخر لكم ﴾ أنهار العلوم الدينية وشمس الكشوف وقمر المشاهدات وليل البشرية ونهار الروحانية.
ومعنى التسخير في الكل جعلها أسباباً لاستكمال النفس الإنسانية ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ من سائر الأسباب المعينة على ذلك، فجميع العالم بالحقيقة تبع لوجود الإنسان وسبب لكماليته وهو ثمرة شجرة المكونات فلذلك قال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ لأن مخلوقاته غير منحصرة ولكها مخلوق لاستكماله ﴿ إن الإنسان لظلوم ﴾ بإفساد استعداده ﴿ كفار ﴾ لا يعرف قدر نعمة الله في حقه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
قوله : <div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ ﴾ إلى آخر ما ذكر.
فيه دلالة أن تدبير الله محيط متسق بجميع ما في السماوات والأرض، وعلمه محيط بجميع الخلائق؛ حيث ذكر [أنه:] ﴿ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ ﴾ يعني البشر، جعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض؛ [مع] بعد ما بينهما؛ دل أنه عن تدبير، فعل هذا وعلم، وأنه تدبير واحد؛ عليم؛ قدير.
ثم ما ذكر: من تسخير السماوات والأرض؛ مع شدة السماء وصلابتها، وغلظ الأرض وكثافتها، وتسخير البحر؛ مع أهواله وأمواجه؛ وتسخير الأنهار الجارية؛ وتسخير الشمس، والقمر، والليل، والنهار لهذا البشر.
في ذلك كله وجهان: أحدهما: يذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم؛ من المنافع التي جعل لهم، في تسخير هذه الأشياء التي ذكر لهم، على جهل هذه الأشياء أنهن مسخرات لغيرهن؛ يستأدي بذلك شكرها.
والثاني: يذكر سلطانه وقدرته؛ حيث سخر هذه الأشياء؛ مع شدتها، وصلابتها، وغلظها، وأهوالها.
ومن قدر على تسخير ما ذكر - قادر على البعث والإحياء بعد الموت.
ويحتمل ما ذكر؛ من تسخير الأشياء التي ذكر: أنه أنشأ هذه الأشياء مسخرة مذللة لنا، والثاني: سخر لنا؛ أي: علَّمنا من الأسباب والحيل التي يتهيّأ لنا الانتفاع بها والتسخير.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾ .
فيه لغتان وتأويلان قال بعضهم: ﴿ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ ﴾ ؛ على التنوين؛ ﴿ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾ على الجحد؛ أي: آتاكم من غير أن سألتم الأشياء التي ذكر أنه سخرها لنا؛ أي: آتاكم من غير سؤال ولا طلبة.
والثاني: وآتاكم من كل ما سألتموه وما لم تسألوه؛ لأنه أعطانا أشياء قبل أن نعلم أنه يجب أن نسأله؛ حيث خلق هذه الأشياء التي ذكر من قبل أن يخلقنا.
وقال الحسن: ﴿ مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾ ؛ قال: ما لم تسألوه؛ وهو ما ذكرناه؛ فإن قيل: إن نسأل أشياء لم نعطها؛ فما معنى الآية؟
قيل بوجوه: أحدها: ذكر حرف التبعيض؛ وهو ما قال: ﴿ مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾ .
والثاني: وآتاكم علم منافع ما سألتموه قبل أن تسألوا؛ وجهه علم الانتفاع به.
والثالث: وآتاكم من كل ما يحق السؤال ويليق به.
على هذه الوجوه تخرج الآية.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا ﴾ .
قال بعضهم: لا تحصوها؛ أي: لا تشكروها؛ أي: لا تقدروا شكرها.
وقال بعضهم: أي لا تقدروا إحصاءها وعدها، وهكذا إن أقل الناس نعمة لو تكلف إحصاء ما أعطاه ما قدر عليه؛ من حسن الجوهر والصورة، واستقامة التركيب والبنية، وسلامة الجوارح، وغير ذلك مما لا سبيل له إلى ذكرها وإحصائها؛ إلا بعد طول التفكر والنظر.
وقال بعضهم: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ﴾ : لا تحيطوا بكنهها ونهايتها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ .
[لظلوم]: أي: ظلم نفسه؛ حيث صرفها إلى غير الجهة التي جعلت وأمر، وأدخلها في المهالك، وألقاها في التهلكة.
كفّار لنعمه؛ حيث صرف شكرها إلى غير الذي جعلها له.
والله أعلم.
واستدل بعض المعتزلة بقوله: ﴿ قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ ﴾ أن صاحب الكبيرة يخلد في النار؛ لأنه أوعد بترك الصلاة والزكاة التخليد أبداً، وترك الصلاة والزكاة من غير عذر - من الكبائر، دل أنه ما ذكرناه.
فنقول نحن - وبالله التوفيق -: إن الآية تحتمل الأمر بإقامة الصلاة؛ وما ذكر من الزكاة والصدقة إقامة الإيمان بها؛ على ما ذكرنا من تأويل بعض المتأولين، فإن كان على هذا على إقامة الإيمان بها - فمن ترك ذلك فهو - يخلد أبداً لا شك فيه، أو يكون من استحل تركها؛ فهو بالاستحلال يكفر؛ فهو يخلد، أو يترك لعذر؛ فهو لا يخلد على اتفاق القول.
فإذا كان ما ذكرنا محتملا دل أن الآية مخصوصة.
ثم معرفة تخليد صاحب الكبيرة إنما هي بالدلائل سوى هذا، إذ ليس في ظاهر الآية دلالة التخليد؛ لما ذكرنا من احتمال الخصوص، دل أنه إنما يطلب الدليل من وجه آخر.
قال القتبي: ﴿ وَلاَ خِلاَلٌ ﴾ مصدر خاللت فلاناً خلالا ومخالة، والاسم الخلة والمخلة؛ وهي الصداقة.
وقال أبو عوسجة: ﴿ وَلاَ خِلاَلٌ ﴾ : قال: من المخالة؛ يعني المودة.
﴿ دَآئِبَينَ ﴾ : قال: يجريان أبداً، وهو من الدوب؛ أي: التعب.
<div class="verse-tafsir"
وذلَّل لكم الشمس والقمر يجريان باستمرار، وذلَّل لكم الليل والنهار يتعاقبان، الليل لنومكم وراحتكم، والنهار لنشاطكم وكَدِّكم.
من فوائد الآيات تشبيه كلمة الكفر بشجرة الحَنْظل الزاحفة، فهي لا ترتفع، ولا تنتج طيبًا، ولا تدوم.
الرابط بين الأمر بالصلاة والزكاة مع ذكر الآخرة، فيه إشعار بأنهما مما تكون به النجاة يومئذ.
تعداد بعض النعم العظيمة إشارة لعظم كفر بعض بني آدم وجحدهم نعمه - سبحانه وتعالى -.
<div class="verse-tafsir" id="91.QVp12"