تفسير الآية ٣٩ من سورة الحجر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 15 الحجر > الآية ٣٩ من سورة الحجر

قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ٣٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 51 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٣٩ من سورة الحجر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٣٩ من سورة الحجر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن إبليس وتمرده وعتوه أنه قال للرب : ( بما أغويتني ) قال بعضهم : أقسم بإغواء الله له .

قلت : ويحتمل أنه بسبب ما أغويتني وأضللتني ( لأزينن لهم ) أي : لذرية آدم - عليه السلام - ( في الأرض ) أي : أحبب إليهم المعاصي وأرغبهم فيها ، وأؤزهم إليها ، وأزعجهم إزعاجا ، ( ولأغوينهم ) أي : كما أغويتني وندرت على ذلك

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: قال إبليس: ( رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي ) بإغوائك ( لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ ) وكأن قوله ( بِمَا أَغْوَيْتَنِي ) خرّج مخرج القسم، كما يقال: بالله، أو بعزّة الله لأغوينهم.

وعنى بقوله ( لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ ) لأحسننّ لهم معاصيك، ولأحببنها إليهم في الأرض ( وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) يقول: ولأضلَّنهم عن سبيل الرشاد.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين قوله تعالى : قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض تقدم معنى الإغواء والزينة في الأعراف .

وتزيينه هنا يكون بوجهين : إما بفعل المعاصي ، وإما بشغلهم بزينة الدنيا عن فعل الطاعة .ولأغوينهم أجمعين أي لأضلنهم عن طريق الهدى .وروى ابن لهيعة عبد الله عن دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن إبليس قال يا رب وعزتك وجلالك لا أزال أغوي بني آدم ما دامت أرواحهم في أجسامهم فقال الرب وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ } أي: أزين لهم الدنيا وأدعوهم إلى إيثارها على الأخرى، حتى يكونوا منقادين لكل معصية.

{ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } أي: أصدهم كلهم عن الصراط المستقيم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قال رب بما أغويتني ) أضللتني .

وقيل : خيبتني من رحمتك ( لأزينن لهم في الأرض ) حب الدنيا ومعاصيك ( ولأغوينهم ) أي : لأضلنهم ( أجمعين )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال ربّ بما أغويتني» أي بإغوائك لي والباء للقسم وجوابه «لأزيِّنَنَّ لهم في الأرض» المعاصي «ولأغوينهم أجمعين»,

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال إبليس: ربِّ بسبب ما أغويتني وأضللتني لأحسِّنَنَّ لذرية آدم معاصيك في الأرض، ولأضلنهم أجمعين عن طريق الهدى، إلا عبادك الذين هديتهم فأخلصوا لك العبادة وحدك دون سائر خلقك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت إبليس على طلب تأخير موته إلى يوم القيامة ، والتى من أهمها الانتقام من آدم وذريته فقال - تعالى - : ( قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرض وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين ) .والباء فى قوله ( بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ ..

) للسببية أو للقسم .قال الإِمام الرازى ما ملخصه : الباء ههنا بمعنى السبب ، أى : بسبب كونى غاويا لأزينن لهم كقول القائل : أقسم فلان بمعصيته ليدخلن النار ، وبطاعته ليدخلن الجنة .أو للقسم وما مصدرية وجواب القسم لأزينن لهم .

والمعنى أقسم بإغوائك لى لأزينن لهم .

ونظيره قوله - تعالى - ( قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) وقوله ( أغويتنى ) من الإِغواء ، وهو خلق الغى فى القلوب .

وأصل الغى الفساد ، ومنه غوى الفصيل - كرضى - إذا بشم من اللبن ففسدت معدته .

أو منع من الرضاع فهزل وكاد يهلك ، ثم استعمل فى الضلال .

يقال : غوى فلان يغوى غيا وغواية فهو غاو إذا ضل عن الطريق المستقيم .

وأغواه غيره وغواه : أضله .وقوله ( لأزينن لهم ) من التزيين بمعنى التحسين والتجميل ، وهو تصيير الشى زينًا ، أى : حسنًا حتى ترغب النفوس فيه وتقبل عليه .والضمير فى ( لهم ) يعود على ذرية آدم ، وهو مفهوم من السياق وإن لم يجر لهم ذكر ، وقد جاء ذلك صريحًا فى قوله - تعالى - فى آية أخرى : ( قَالَ أَرَأَيْتَكَ هذا الذي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القيامة لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً ) وحذف مفعول ( لأزينن ) لدلالة المقام عليه .أى : لأزينن لهم المعاصى والسيئات ، بأن أحسن لهم القبيح .

وأزين لهم المنكر .

وأحبب الشهوات إلى نفوسهم حتى يتبعوها ، وأبذل نهاية جهدى فى صرفهم عن طاعتك .

.

.

وقال - سبحانه - ( فى الأرض ) لتحديد مكان إغوائه ، إذ هى المكان الذى صار مستقرًا له ولآدم وذريته ، كما قال - تعالى - فى آية أخرى : ( فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا ) - أى الجنة - فأخرجهما - أى آدم وحواء - مما كانا فيه ، ( وَقُلْنَا اهبطوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ ) وقوله ( ولأغوينهم أجمعين ) مؤكدًا لما قبله .أى : والله لأغوينهم جميعًا مادمت قادرًا على ذلك ، ولأعملن على إضلالهم بدون فتور أو يأس ، كما قال - تعالى - فى آية أخرى : ( ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ) قال القرطبى : وروى ابن لهيعة عبد الله عن دراج أبى السمح ، عن أبى الهيثم ، عن أبى سعيد الخدرى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن إبليس قال يارب وعزتك وجلالك لا أزال أغوى بنى آدم ما دامت أرواحهم فى أجسامهم ، فقال الرب : وعزتى وجلالى لا أزال أغفر لهم ما استغفرونى " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر حدوث الإنسان الأول واستدل بذكره على وجود الإله القادر المختار ذكر بعده واقعته وهو أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود له فأطاعوه إلا إبليس فإنه أبى وتمرد، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ما تفسير كونه بشراً.

فالمراد منه كونه جسماً كثيفاً يباشر ويلاقي والملائكة والجن لا يباشرون للطف أجسامهم عن أجسام البشر، والبشرة ظاهرة الجلد من كل حيوان وأما كونه صلصالاً من حمأ مسنون فقد تقدم ذكره.

وأما قوله: ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ ﴾ ففيه قولان: الأول: فإذا سويت شكله بالصورة الإنسانية والخلقة البشرية.

والثاني: فإذا سويت أجزاء بدنه باعتدال الطبائع وتناسب الأمشاج كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ  ﴾ .

وأما قوله: ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ﴾ ففيه مباحث: الأول: أن النفخ إجراء الريح في تجاويف جسم آخر، وظاهر هذا اللفظ يشعر بأن الروح هي الريح، وإلا لما صح وصفها بالنفخ إلا أن البحث الكامل في حقيقة الروح سيجيء في قوله تعالى: ﴿ قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّي  ﴾ وإنما أضاف الله سبحانه روح آدم إلى نفسه تشريفاً له وتكريماً.

وقوله: ﴿ فَقَعُواْ لَهُ ساجدين ﴾ فيه مباحث: أحدها: أن ذلك السجود كان لآدم في الحقيقة أو كان آدم كالقبلة لذلك السجود، وهذا البحث قد تقدم ذكره في سورة البقرة.

وثانيها: أن المأمورين بالسجود لآدم عليه السلام كل ملائكة السموات أو بعضهم أو ملائكة الأرض، من الناس من لا يجوز أن يقال: إن أكابر الملائكة كانوا مأمورين بالسجود لآدم عليه السلام، والدليل عليه قوله تعالى في آخر سورة الأَعراف في صفة الملائكة: ﴿ إِنَّ الذين عِندَ رَبّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ  ﴾ فقوله: ﴿ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ﴾ يفيد الحصر، وذلك يدل على أنهم لا يسجدون إلا لله تعالى وذلك ينافي كونهم ساجدين لآدم عليه السلام أو لأحد غير الله تعالى أقصى ما في الباب أن يقال: إن قوله تعالى: ﴿ فَقَعُواْ لَهُ ساجدين ﴾ يفيد العموم، إلا أن الخاص مقدم على العام.

وثالثها: أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى كما نفخ الروح في آدم عليه السلام وجب على الملائكة أن يسجدوا له، لأن قوله: ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ ساجدين ﴾ مذكور بفاء التعقيب وذلك يمنع من التراخي وقوله: ﴿ فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾ قال الخليل وسيبويه قوله: ﴿ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾ توكيد بعد توكيد، وسئل المبرد عن هذه الآية فقال: لو قال فسجد الملائكة احتمل أن يكون سجد بعضهم، فلما قال: ﴿ كُلُّهُمْ ﴾ زال هذا الاحتمال فظهر أنهم بأسرهم سجدوا، ثم بعد هذا بقي احتمال آخر وهو أنهم سجدوا دفعة واحدة أو سجد كل واحد منهم في وقت آخر فلما قال: ﴿ أَجْمَعُونَ ﴾ ظهر أن الكل سجدوا دفعة واحدة، ولما حكى الزجاج هذا القول عن المبرد قال: وقول الخليل وسيبويه أجود، لأن أجمعين معرفة فلا يكون حالاً وقوله: ﴿ إِلاَّ إِبْلِيسَ ﴾ أجمعوا على أن إبليس كان مأموراً بالسجود لآدم، واختلفوا في أنه هل كان من الملائكة أم لا؟

وقد سبقت هذه المسألة بالاستقصاء في سورة البقرة وقوله: ﴿ أبى أَن يَكُونَ مَعَ الساجدين ﴾ استئناف وتقديره أن قائلاً قال: هلا سجد فقيل: أبى ذلك واستكبر عنه.

أما قوله: ﴿ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ الساجدين ﴾ فاعلم أنهم أجمعوا على أن المراد من قوله: ﴿ قَالَ يَا إِبْلِيسُ ﴾ أي قال الله تعالى له يا إبليس وهذا يقتضي أنه تعالى تكلم معه، فعند هذا قال بعض المتكلمين: إنه تعالى أوصل هذا الخطاب إلى إبليس على لسان بعض رسله، إلا أن هذا ضعيف، لأن إبليس قال في الجواب: ﴿ لَمْ أَكُن لأِسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صلصال ﴾ فقوله: ﴿ خَلَقْتَهُ ﴾ خطاب الحضور لا خطاب الغيبة، وظاهره يقتضي أن الله تعالى تكلم مع إبليس بغير واسطة وأن إبليس تكلم مع الله تعالى بغير واسطة، وكيف يعقل هذا مع أن مكالمة الله تعالى بغير واسطة من أعظم المناصب وأشرف المراتب، فكيف يعقل حصوله لرأس الكفرة ورئيسهم، ولعل الجواب عنه أن مكالمة الله تعالى إنما تكون منصباً عالياً إذا كان على سبيل الإكرام والإعظام، فأما إذا كان على سبيل الإهانة والإذلال فلا، وقوله: ﴿ لَمْ أَكُن لأِسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صلصال مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴾ فيه بحثان: البحث الأول: اللام في قوله: ﴿ لأِسْجُدَ ﴾ لتأكيد النفي، ومعناه: لا يصح مني أن أسجد لبشر.

البحث الثاني: معنى هذا الكلام أن كونه بشراً يشعر بكونه جسماً كثيفاً وهو كان روحانياً لطيفاً، فالتفرقة حاصلة بينهما في الحال من هذا الوجه.

كأنه يقول: البشر جسماني كثيف له بشرة، وأنا روحاني لطيف، والجسماني الكثيف أدون حالاً من الروحاني اللطيف، والأدون كيف يكون مسجوداً للأعلى، وأيضاً أن آدم مخلوق من صلصال تولد من حمأ مسنون، فهذا الأصل في غاية الدناءة وأصل إبليس هو النار وهي أشرف العناصر، فكان أصل إبليس أشرف من أصل آدم فوجب أن يكون إبليس أشرف من آدم، والأشرف يقبح أن يؤمر بالسجود للأدون، فالكلام الأول إشارة إلى الفرق الحاصل بسبب البشرية والروحانية، وهو فرق حاصل في الحال والكلام الثاني إشارة إلى الفرق الحاصل بحسب العنصر والأصل، فهذا مجموع شبهة إبليس وقوله تعالى: ﴿ قَالَ فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ﴾ فهذا ليس جواباً عن تلك الشبهة على سبيل التصريح، ولكنه جواب عنها على سبيل التنبيه.

وتقريره أن الذي قاله الله تعالى نص، والذي قاله إبليس قياس، ومن عارض النص بالقياس كان رجيماً ملعوناً.

وتمام الكلام في هذا المعنى ذكرناه مستقصى في سورة الأعراف، وقوله: ﴿ فاخرج مِنْهَا ﴾ قيل المراد من جنة عدن، وقيل من السموات، وقيل من زمرة الملائكة، وتمام هذا الكلام مع تفسير الرجيم قد سبق ذكره في سورة الأعراف وقوله: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللعنة إلى يَوْمِ الدين ﴾ قال ابن عباس يريد يوم الجزاء حيث يجازي العباد بأعمالهم مثل قوله: ﴿ مالك يَوْمِ الدين  ﴾ .

فإن قيل: كلمة (إلى) تفيد انتهاء الغاية فهذا يشعر بأن اللعن لا يحصل إلا إلى يوم القيامة، وعند قيام القيامة يزول اللعن.

أجابوا عنه من وجوه: الأول: المراد منه التأبيد، وذكر القيامة أبعد غاية يذكرها الناس في كلامهم كقولهم: ﴿ مَا دَامَتِ السموات والأرض  ﴾ في التأبيد.

والثاني: أنك مذموم مدعو عليك باللعنة في السموات والأرض إلى يوم الدين من غير أن يعذب فإذا جاء ذلك اليوم عذب عذاباً ينسى اللعن معه فيصير اللعن حينئذ كالزائل بسبب أن شدة العذاب تذهل عنه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الصلصال: الطين اليابس الذي يصلصل وهو غير مطبوخ، وإذا طبخ فهو فخار.

قالوا: إذا توهمت في صوته مدّا فهو صليل، وإن توهمت فيه ترجيعاً فهو صلصلة.

وقيل: هو تضعيف (صل) إذا أنتن.

والحمأ: الطين الأسود المتغير.

والمسنون: المصوّر، من سنة الوجه، وقيل: المصبوب المفرغ، أي: أفرغ صورة إنسان كما تفرغ الصور من الجواهر المذوبة في أمثلتها.

وقيل: المنتن، من سننت الحجرعلى الحجر إذا حككته به، فالذي يسيل بينهما سنين، ولا يكون إلا منتنا ﴿ مّنْ حَمَإٍ ﴾ صفة لصلصال، أي: خلقه من صلصال كائن من حمأ وحق ﴿ مَّسْنُونٍ ﴾ بمعنى مصور، أن يكون صفة لصلصال، كأنه أفرغ الحمأ فصور منها تمثال إنسان أجوف، فيبس حتى إذا نقر صلصل، ثم غيره بعد ذلك إلى جوهر آخر ﴿ والجآن ﴾ للجن كآدم للناس.

وقيل: هو إبليس.

وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد: ﴿ والجأن ﴾ ، بالهمزة ﴿ مِن نَّارِ السموم ﴾ من نار الحرّ الشديد النافذ في المسام.

قيل: هذه السموم جزء من سبعين جزأ من سموم النار التي خلق الله منها الجانّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي ﴾ فَأخِّرْنِي، والفاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ ﴾ .

﴿ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ أرادَ أنْ يَجِدَ فُسْحَةً في الإغْواءِ أوْ نَجاةً مِنَ المَوْتِ، إذْ لا مَوْتَ بَعْدَ وقْتِ البَعْثِ فَأجابَهُ إلى الأوَّلِ دُونَ الثّانِي.

﴿ قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ ﴾ ﴿ إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ ﴾ المُسَمّى فِيهِ أجْلُكَ عِنْدَ اللَّهِ، أوِ انْقِراضُ النّاسِ كُلِّهِمْ وهو النَّفْخَةُ الأوْلى عِنْدَ الجُمْهُورِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأيّامِ الثَّلاثَةِ يَوْمُ القِيامَةِ، واخْتِلافُ العِباراتِ لِاخْتِلافِ الِاعْتِباراتِ فَعَبَّرَ عَنْهُ أوَّلًا بِيَوْمِ الجَزاءِ لِما عَرَفْتَهُ وثانِيًا بِيَوْمِ البَعْثِ، إذْ بِهِ يَحْصُلُ العِلْمُ بِانْقِطاعِ التَّكْلِيفِ واليَأْسِ عَنِ التَّضْلِيلِ، وثالِثًا بِالمَعْلُومِ لِوُقُوعِهِ في الكَلامَيْنِ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَمُوتَ فَلَعَلَّهُ يَمُوتُ أوَّلَ اليَوْمِ ويُبْعَثُ مَعَ الخَلائِقِ في تَضاعِيفِهِ، وهَذِهِ المُخاطَبَةُ وإنْ لَمْ تَكُنْ بِواسِطَةٍ لَمْ تَدُلَّ عَلى مَنصِبِ إبْلِيسَ لِأنَّ خِطابَ اللَّهِ لَهُ عَلى سَبِيلِ الإهانَةِ والإذْلالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قال رب بما أغويتني} الباء للقسم وما مصدرية وجواب القسم لأزينن لهم ومعنى أقسم باغوائك إياي {لأزينن لهم} المعاصى ونحوه قوله بما أغويتني

الحجر (٣٩ _ ٤٧)

لازينن لهم فبعزتك لاغوينهم في أنه إقسام إلا أن أحدهما إقسام بصفه الذات والثاني بصفة الفعل وقد فرق الفقهاء بينهما فقال العراقيون الحلف بصفة الذات كالقدرة والعظمة والعزة يمين والحلف بصفة الفعل كالرحمة والسخط ليس بيمين والأصح أن الأيمان مبنية على العرف فما تعارف الناس الحلف به يكون يمينا وما لا فلا والآية حجة على المعتزلة في خلق الأفعال وحملهم على التسبيب عدول عن الظاهر {فِى الأرض} في الدنيا التي هي دار الغرور وأراد إني أقدر على الاحتيال لآدم والتزيين له الأكل من الشجرة وهو في السماء فأنا على التزيين لأولاده في الأرض أقدر {وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي ﴾ أيْ بِسَبَبِ إغْوائِكَ إيّايَ ﴿ لأُزَيِّنَنَّ ﴾ أيْ أقْسَمَ لَأُزَيِّنَنَّ ﴿ لَهُمْ ﴾ أيْ لِذُرِّيَّتِهِ وهو مَفْهُومٌ مِنَ السِّياقِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، وقَدْ جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنِ اللَّعِينِ أيْضًا: ﴿ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ ﴾ ومَفْعُولُ ﴿ لأُزَيِّنَنَّ ﴾ مَحْذُوفٌ أيِ المَعاصِي ﴿ فِي الأرْضِ ﴾ أيْ هَذا الجِرْمُ المَدْحُوُّ وكَأنَّ اللَّعِينَ أشارَ بِذَلِكَ إلى أنِّي أقْدِرُ عَلى الِاحْتِيالِ لِآدَمَ والتَّزْيِينِ لَهُ الأكْلَ مِنَ الشَّجَرَةِ في السَّماءِ فَأنا عَلى التَّزْيِينِ لِذُرِّيَّتِهِ في الأرْضِ أقْدِرُ، ويَجُوزُ أنَّهُ أرادَ بِالأرْضِ الدُّنْيا لِأنَّها مَحَلُّ مَتاعِها ودارِها، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ هَذا المَعْنى عُرْفِيٌّ لِلْأرْضِ وأنَّها إنَّما ذُكِرَتْ بِهَذا اللَّفْظِ تَحْقِيرًا لَها، ولَعَلَّ التَّقْيِيدَ عَلى ما قِيلَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ لِلتَّزْيِينِ مَحَلًّا يَقْوى قَبُولُهُ أيْ لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمُ المَعاصِيَ في الدُّنْيا الَّتِي هي دارُ الغُرُورِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ يُرادُ بِها هَذا المَعْنى ويَنْزِلُ الفِعْلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ ثُمَّ يُعَدّى بِفِي، وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّها مُسْتَقَرُّ التَّزْيِينِ وأنَّهُ تَمَكُّنُ المَظْرُوفِ في ظَرْفِهِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: فَإنْ تَعْتَذِرْ بِالمَحَلِّ مِن ذِي ضُرُوعِها إلى الضَّيْفِ يَجْرَحُ في عَراقِيبِها نَصْلِي والمَعْنى لَأُحَسِّنَنَّ الدُّنْيا وأُزَيِّنَنَّها لَهم حَتّى يَشْتَغِلُوا بِها عَنِ الآخِرَةِ، وجُوِّزَ جَعْلُ الباءِ لِلْقَسَمِ و«ما» مَصْدَرِيَّةٌ أيْضًا أيْ أُقْسِمُ بِإغْوائِكَ إيّايَ لَأُزَيِّنَنَّ، وإقْسامُهُ بِعِزَّةِ اللَّهِ تَعالى المُفَسَّرَةِ بِسُلْطانِهِ وقَهْرِهِ لا يُنافِي إقْسامَهُ بِهَذا فَإنَّهُ فَرْعٌ مِن فُرُوعِها وأثَرٌ مِن آثارِها فَلَعَلَّهُ أقْسَمَ بِهِما جَمِيعًا فَحَكى تارَةً قَسَمَهُ بِهَذا وأُخْرى بِذاكَ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ السَّبَبِيَّةَ أوْلى لِأنَّهُ وقَعَ في مَكانٍ آخَرَ ﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾ والقِصَّةُ واحِدَةٌ والحَمْلُ عَلى مُحاوَرَتَيْنِ لا مُوجِبَ لَهُ ولِأنَّ القَسَمَ بِالإغْواءِ غَيْرُ مُتَعارَفٍ انْتَهى، وفِيهِ نَظَرٌ ظاهِرٌ فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾ يَحْتَمِلُ القَسَمِيَّةَ أيْضًا، وقَدْ صَرَّحَ الطَّيِّبِيُّ بِأنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيَّةِ أنَّ القَسَمَ بِالعِزَّةِ والجَلالِ يَمِينٌ شَرْعًا فالآيَةُ عَلى الزّاعِمِ لا لَهُ.

نَعَمْ إنَّ دَعْواهُ عَدَمَ تَعارُفِ القَسَمِ بِالإغْواءِ مُسَلَّمَةٌ وهو عِنْدِي يَكْفِي لِأوْلَوِيَّةِ السَّبَبِيَّةِ ولِعَدَمِ التَّعارُفِ مَعَ عَدَمِ الإشْعارِ بِالتَّعْظِيمِ لا يُعَدُّ القَسَمُ بِها يَمِينًا شَرْعًا فَإنَّ القائِلِينَ بِانْعِقادِ القَسَمِ بِصِفَةٍ لَهُ تَعالى يَشْتَرِطُونَ أنْ تُشْعِرَ بِتَعْظِيمٍ ويُتَعارَفَ مِثْلُها، وفي نِسْبَةِ الإغْواءِ إلَيْهِ تَعالى بِلا إنْكارٍ مِنهُ سُبْحانَهُ قَوْلٌ بِأنَّ الشَّرَّ كالخَيْرِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأوَّلَ المُعْتَزِلَةُ ذَلِكَ وقالُوا: المُرادُ النِّسْبَةُ إلى الغَيِّ كَفَسَّقْتُهُ نَسَبْتُهُ إلى الفِسْقِ لا فَعَلْتُهُ أوْ أنَّ المُرادَ فَعَلَ بِهِ فِعْلًا حَسَنًا أفْضى بِهِ لِخُبْثِهِ إلى الغَيِّ حَيْثُ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالسُّجُودِ فَأبى واسْتَكْبَرَ أوْ أضَلَّهُ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ وتَرَكَ هِدايَتَهُ واللُّطْفَ بِهِ واعْتَذَرُوا عَنْ إنْظارِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ مَعَ أنَّهُ مُفْضٍ إلى الإغْواءِ القَبِيحِ بِأنَّهُ تَعالى قَدْ عَلِمَ مِنهُ ومِمَّنِ اتَّبَعَهُ أنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ ويَصِيرُونَ إلى النّارِ أُنْظِرَ أمْ لَمْ يُنْظَرْ وأنَّ في إنْظارِهِ تَعْرِيضًا لِمَن خالَفَهُ لِاسْتِحْقاقِ مَزِيدِ الثَّوابِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في إنْظارِ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ وتَمْكِينِهِ مِنَ الإغْواءِ وتَسْلِيطِهِ عَلى أكْثَرِ بَنِي آدَمَ ما يَأْبى القَوْلُ بِوُجُوبِ رِعايَةِ الأصْلَحِ المَشْهُورِ عَنِ المُعْتَزِلَةِ، وأيْضًا مَن زَعَمَ أنَّ حَكِيمًا أوْ غَيْرَهُ يَحْصُرُ قَوْمًا في دارٍ ويُرْسِلُ فِيها النّارَ العَظِيمَةَ والأفاعِيَ القاتِلَةَ الكَثِيرَةَ ولَمْ يُرِدْ أذى أحَدٍ مِن أُولَئِكَ القَوْمِ بِالإحْراقِ أوِ اللَّسْعِ فَقَدْ خَرَجَ عَنِ الفِطْرَةِ البَشَرِيَّةِ.

فَحِينَئِذٍ الَّذِي تَحْكُمُ بِهِ الفِطْرَةُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ بِالإنْظارِ إضْلالَ بَعْضِ النّاسِ فَسُبْحانَهُ مِن إلَهٍ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، وتَمَسُّكُ بَعْضِ المُعْتَزِلَةِ في تَأْوِيلِ ما تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: (ولَأُغْوِيَنَّهُمْ) حَيْثُ أفادَ أنَّ الإغْواءَ فِعْلُهُ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُنْسَبَ إلى اللَّهِ تَعالى، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِهِ هُنا الحَمْلُ عَلى الغَوايَةِ لا إيجادُها وتَأْوِيلُ اللّاحِقِ لِلسّابِقِ أوْلى مِنَ العَكْسِ، وبِالجُمْلَةِ ضَعْفُ الِاسْتِدْلالِ ظاهِرٌ فَلا يَصْلُحُ ذَلِكَ مُتَمَسَّكًا لَهم ﴿ أجْمَعِينَ ﴾ أيْ كُلَّهم فَهو لِمُجَرَّدِ الإحاطَةِ هُنا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عزّ وجلّ: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً يعني: قال ربك للملائكة سأخلق خلقاً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ أي: جمعت خلقه وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي أي: جعلت الروح فيه فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ أي: فخرّوا له سجّدا فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ سجدة تحية لا سجدة عبادة وكانت التحية لآدم  ، والعبادة لله تعالى.

كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ روي عن الخليل أنه قال: أَجْمَعُونَ على معنى توكيد بعد توكيد.

وذكر عن محمد بن يزيد المبرد أنه قال: معناه سجدوا كلهم في حالة واحدة.

وقال الزجاج: الأول أجود، لأن أجمعين معرفة، ولا يكون حالا.

إِلَّا إِبْلِيسَ قال بعضهم: لكن إبليس لم يكن من الساجدين، لأن إبليس لم يكن من الملائكة، فلا يكون الاستثناء من غير جنس ما تقدم، بدليل قوله: إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ [الكهف: 50] .

وقال بعضهم: استثنى إبليس من الملائكة، وكان من جنسهم، إلا أنه لما لم يسجد لعن وغيّر عن صورة الملائكة فذلك قوله إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ أي: تعظم عن السجود لآدم مع الملائكة قوله عز وجل قالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ أي: مع الملائكة قالَ إبليس لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ قالَ فَاخْرُجْ مِنْها أي: من الأرض.

ويقال: من الجنة فَإِنَّكَ رَجِيمٌ أي: ملعون مطرود، فألحقه بجزائر البحور وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ أي طرد من رحمته إلى يوم الحساب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الرابع: المستَقْدِمِين: سائرُ الأمم، والمستأخرِينَ أمَّة سيِّدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم قاله مجاهد «١» .

الخامس: قال الحَسَنُ: معناه: المتقدِّمين في الطاعة، والمستأخرين في المعصية «٢» .

انتهى.

ت: والحديثُ المتقدِّم، إِنْ صحَّ، فلا بد من تأويله، فإِن الصحابة ينزَّهُونَ عن فعْلِ ما ذُكِرَ فيه، فيؤوَّل بأنَّ ذلك صَدَرَ من بعضِ المنافقين، أوْ بعضِ الأعراب الذين قَرُبَ عهدهم بالإِسلام، ولم يَرْسَخِ الإِيمان في قلوبهم، وأما ابنُ عبَّاس، فإِنه كان يومَئِذٍ/ صغيراً بلا شك، هذا إِن كانت الآيةُ مدنيَّةً، فإِن كانت مكيَّةً، فهو يومئذٍ في سِنِّ الطفوليَّة، وبالجملة فالظاهرُ ضَعْفُ هذا الحديثِ من وجوه.

انتهى، وباقي الآية بيّن.

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ: يعني: آدم، قال ابن عباس: خُلِقَ من ثلاثَةٍ: مِنْ طينٍ لازبٍ، وهو اللازقُ الجَيِّد، ومِنْ صلصالٍ، وهو الأرضُ الطَّيِّبَةُ يقع عليها الماءُ، ثم ينحسرُ فيتشقَّقُ وتصيرُ مثْلَ الخزف، ومِنْ حَمإٍ مسنون، وهو الطينُ فيه الحماة «٣» ، وال مَسْنُونٍ: قال مَعمرٌ: هو المُنْتِنُ «٤» ، وهو مِنْ أَسِنَ الماءُ إِذا تَغَيَّر، وَرُدَّ من جهة التصريف، وقيل غير هذا، وفي الحديث: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَىَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ آدَمَ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ التُّرَابِ: الطَّيِّبِ وَالخَبِيثِ، وَالأَسْوَدِ وَالأَحْمَرِ» «٥» .

وقوله: وَالْجَانَّ: يراد به: جنسُ الشياطينِ، وسئل وهبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عنهم، فقال هم

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ﴾ يَعْنِي آدَمَ ﴿ مِن صَلْصالٍ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الطِّينُ اليابِسُ الَّذِي لَمْ تُصِبْهُ نارٌ، فَإذا نَقَرْتَهُ صَلَّ، فَسَمِعْتَ لَهُ صَلْصَلَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ الطِّينُ المُنْتِنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ.

ويُقالُ: صَلَّ اللَّحْمُ: إذا تَغَيَّرَتْ رائِحَتُهُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ طِينٌ خُلِطَ بِرَمْلٍ، فَصارَ لَهُ صَوْتٌ عِنْدَ نَقْرِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

فَأمّا الحَمَأُ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو جَمْعُ حَمْأةٍ، وهو الطِّينُ المُتَغَيِّرُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لا خِلافَ أنَّ الحَمَأ: الطِّينُ الأسْوَدُ المُتَغَيِّرُ الرِّيحِ.

ورَوى السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ قالَ: بُلَّ التُّرابُ حَتّى صارَ طِينًا، ثُمَّ تُرِكَ حَتّى أنْتَنَ وتَغَيَّرَ.

وَفِي المَسْنُونِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: المُنْتِنُ أيْضًا، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ في آخَرِينَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَسْنُونُ: المُتَغَيِّرُ الرّائِحَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ الطِّينُ الرَّطِبُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ المَصْبُوبُ، قالَهُ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، وأبُو عُبَيْدٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ المَحْكُوكُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، قالَ: فَمَن قالَ: المَسْنُونُ: المُنْتِنُ، قالَ: هو مِن قَوْلِهِمْ: قَدْ تَسَنّى الشَّيْءُ: إذا أنْتَنَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمْ يَتَسَنَّهْ  ﴾ ، وإنَّما قِيلَ لَهُ: مَسْنُونٌ، لِتَقادُمِ السِّنِينَ عَلَيْهِ.

ومَن قالَ: الطِّينُ الرَّطِبُ، قالَ: سُمِّيَ مَسْنُونًا، لِأنَّهُ يَسِيلُ ويَنْبَسِطُ، فَيَكُونُ كالماءِ المَسْنُونِ المَصْبُوبِ.

ومَن قالَ: المَصْبُوبُ، احْتَجَّ بِقَوْلِ العَرَبِ: قَدْ سَنَنْتَ عَلَيَّ الماءَ: إذا صَبَبْتَهُ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَصْبُوبَ عَلى صُورَةٍ ومِثالٍ، مِن قَوْلِهِ: رَأيْتُ سُنَّةَ وجْهِهِ، أيْ: صُورَةَ وجْهِهِ، قالَ الشّاعِرُ: تُرِيكَ سُنَّةَ وجْهٍ غَيْرَ مُقْرِفَةٍ مَلْساءَ لَيْسَ بِها خالٌ ولا نَدَبُ وَمَن قالَ: المَحْكُوكُ، احْتَجَّ بِقَوْلِ العَرَبِ: سَنَنْتُ الحَجْرَ عَلى الحَجْرِ: إذا حَكَكْتَهُ عَلَيْهِ.

وسُمِّي المِسَنُّ مِسَنًّا، لِأنَّ الحَدِيدَ يُحَكُّ عَلَيْهِ.

قالَ: وإنَّما كُرِّرَتْ " مِن " لِأنَّ الأوْلى مُتَعَلِّقَةٌ بِـ " خَلَقْنا " والثّانِيَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالصَّلْصالِ، تَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِنَ الصَّلْصالِ الَّذِي هو مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والجانَّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ مَسِيخُ الجِنِّ، كَما أنَّ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ مَسِيخُ الإنْسِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ أبُو الجِنِّ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ورَوى عَنْهُ الضَّحّاكُ أنَّهُ قالَ: الجانُّ أبُو الجِنِّ، ولَيْسُوا بِشَياطِينَ، والشَّياطِينُ ولَدُ إبْلِيسَ لا يَمُوتُونَ إلّا مَعَ إبْلِيسَ، والجِنُّ يَمُوتُونَ، ومِنهُمُ المُؤْمِنُ ومِنهُمُ الكافِرُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ إبْلِيسُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أبُو الجِنِّ هو إبْلِيسُ ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ هو، فَيَكُونُ هَذا القَوْلُ هو الَّذِي قَبْلَهُ.

والثّانِي: أنَّ الجانَّ أبُو الجِنِّ، وإبْلِيسُ أبُو الشَّياطِينِ، فَبَيْنَهُما إذًا فَرْقٌ عَلى ما ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ العُلَماءُ: وإنَّما سُمِّيَ جانًّا، لِتَوارِيهِ عَنِ العُيُونِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ يَعْنِي: قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ ﴿ مِن نارِ السَّمُومِ ﴾ ، وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مِن نارِ الرِّيحِ الحارَّةِ، وهي جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِن نارِ جَهَنَّمَ.

والسَّمُومُ في اللُّغَةِ: الرِّيحُ الحارَّةُ وفِيها نارٌ، قالَ ابْنُ السّائِبِ: وهي نارٌ لا دُخانَ لَها.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾ ﴿ فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ﴾ ﴿ فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ ﴾ ﴿ إلا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ الساجِدِينَ ﴾ ﴿ قالَ يا إبْلِيسُ ما لَكَ ألا تَكُونَ مَعَ الساجِدِينَ ﴾ ﴿ قالَ لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾ "إذْ" نُصِبَتْ بِإضْمارِ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ قالَ رَبُّكَ، و"البَشَرُ" ها هَنا آدَمُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ البَشَرَةِ، وهي وجْهُ الجِلْدِ في الأشْهَرِ مِنَ القَوْلِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "وَأنْقُوا البَشَرَةَ".» وقِيلَ: البَشَرَةُ ما يَلِي اللَحْمَ، ومِنهُ قَوْلُهم في المَثَلِ: "إنَّما يُعاتَبُ الأدِيمُ ذُو البَشَرَةِ"، لَأنَّ تِلْكَ الجِهَةَ هي الَّتِي تُبَشِّرُ، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى المَلائِكَةَ بِعَجَبٍ عِنْدَهُمْ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا مَخْلُوقِينَ مِن نُورٍ، فَهي أجْسامٌ لِطافٌ، فَأخْبَرَهم أنَّهُ لا يَخْلُقُ جِسْمًا حَيًّا ذا بَشَرَةٍ، وأنَّهُ يَخْلُقُهُ مِن صَلْصالٍ، والبِشْرُ والبِشارَةُ أيْضًا أصْلُهُما البَشَرَةُ لَأنَّهُما فِيها يَظْهَرانِ.

و"سَوَّيْتُهُ" مَعْناهُ: كَمَّلْتُهُ وأتْقَنَتْهُ حَتّى إذا اسْتَوَتْ أجْزاؤُهُ عَلى ما يَجِبُ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن رُوحِي ﴾ إضافَةُ خَلْقٍ ومُلْكٍ إلى خالِقٍ مالِكٍ، أيْ: مِنَ الرُوحِ الَّذِي هو لِي، ولَفْظَةُ الرُوحِ هُنا لِلْجِنْسِ، وقَوْلُهُ: "فَقَعُوا" مَن وقَعَ يَقَعُ، وفُتِحَتِ القافُ لِأجْلِ حَرْفِ الحَلْقِ، وهَذِهِ اللَفْظَةُ تُقَوِّي أنَّ سُجُودَ المَلائِكَةِ إنَّما كانَ عَلى المَعْهُودِ عِنْدَنا، لا أنَّهُ خُضُوعٌ وتَسْلِيمٌ وإشارَةٌ كَما قالَ بَعْضُ الناسِ، وشَبَّهُوهُ بِقَوْلِ الشاعِرِ: فَكِلْتاهُما خَرَّتْ وأسْجَدَ رَأْسُها ∗∗∗ كَما سَجَدَتْ نَصْرانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ وهَذا البَيْتُ يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ السُجُودُ فِيهِ كالمَعْهُودِ عِنْدَنا، وحَكى الطَبَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: "خَلَقَ اللهُ مَلائِكَةً وأمَرَهم بِالسُجُودِ لِآدَمَ فَأبَوْا، فَأرْسَلَ عَلَيْهِمْ نارًا فَأحْرَقَتْهُمْ، ثُمَّ خَلَقَ آخَرِينَ فَكَذَلِكَ، ثُمَّ خَلَقَ آخَرِينَ فَأمَرَهم بِالسُجُودِ فَأطاعُوا إلّا إبْلِيسَ فَإنَّهُ كانَ مِنَ الأوَّلِينَ"، وقَوْلُهُ: "مِنَ الأوَّلِينَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مِنَ الأوَّلِينَ في حالِهِمْ وكُفْرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ في أنَّهُ بَقِيَ مِنهم.

وقَوْلُهُ: ﴿ كُلُّهم أجْمَعُونَ ﴾ هو عِنْدَ سِيبَوَيْهِ تَأْكِيدٌ بَعْدَ تَأْكِيدٍ، يَتَضَمَّنُ الآخَرُ ما تَضَمَّنَ الأوَّلُ، وقالَ غَيْرُهُ: "كُلُّهُمْ" لَوْ وقَفَ عَلَيْهِ لَصَلَحَتْ لِلِاسْتِثْناءِ، وصَلَحَتْ عَلى مَعْنى المُبالَغَةِ مَعَ أنْ يَكُونَ البَعْضُ لَمْ يَسْجُدْ، وهَذا كَما يَقُولُ القائِلُ: "كُلُّ الناسِ يَعْرِفُ كَذا"، وهو يُرِيدُ أنَّ المَذْكُورَ أمْرٌ مُشْتَهِرٌ، فَلَمّا قالَ: "أجْمَعُونَ" رَفَعَ الِاحْتِمالَ في أنْ يَبْقى مِنهم أحَدٌ، واقْتَضى الكَلامُ أنْ جَمِيعَهم سَجَدَ، وقالَ المُبَرِّدُ: لَوْ وقَفَ عَلى" كُلُّهُمْ" لاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ سُجُودُهم في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ، فَلَمّا قالَ: "أجْمَعُونَ" دَلَّ عَلى أنَّهم سَجَدُوا في مَوْطِنٍ واحِدٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واعْتَرِضَ قَوْلُ المُبَرِّدُ بِأنَّهُ جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: "أجْمَعُونَ" حالًا.

بِمَعْنى "مُجْتَمِعِينَ"، ويَلْزَمُهُ -عَلى هَذا- أنْ يَكُونَ "أجْمَعُونَ" هُنا عَلى أنْ يَقْرُبَ مِنَ التَنْكِيرِ إذْ هو مَعْرِفَةٌ لِكَوْنِهِ يُلْزِمُ اتِّباعَ المَعارِفِ، والقِراءَةُ بِالرَفْعِ تَأْبى قَوْلَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا إبْلِيسَ ﴾ ، قِيلَ: إنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ الأوَّلِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ مَنَ الأوَّلِ، وهَذا مُتَرَكِّبٌ عَلى الخِلافِ في إبْلِيسَ، هَلْ هو مِنَ المَلائِكَةِ أمْ لا؟

والظاهِرُ مِن كَثِيرٍ مِنَ الأحادِيثِ ومِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى أمْرَ المَلائِكَةَ بِالسُجُودِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ إبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ لَمْ يُذْنِبْ في تَرْكِ السُجُودِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ أنَّ إبْلِيسَ إنَّما كانَ مِن قَبِيلِ الجِنِّ، ولَمْ يَكُنْ قَطُّ مَلِكًا، ونَسَبَ ابْنُ فَوْرِكٍ القَوْلَ إلى المُعْتَزِلَةِ، وتَعَلَّقَ مَن قالَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى في صِفَتِهِ: " كانَ مِنَ الجِنِّ "، وقالَتِ الفِرْقَةُ الأُخْرى: لا حُجَّةَ في هَذا لَأنَّ المَلائِكَةَ قَدْ تُسَمّى جِنًّا لِاسْتِتارِها وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ يا إبْلِيسُ ﴾ ، قِيلَ: إنَّهُ حِينَئِذٍ سَمّاهُ إبْلِيسَ، وإنَّما كانَ اسْمُهُ قَبْلُ عَزازِيلُ، وهو مِنَ الإبْلاسِ، وهو الإبْعادُ، أيْ: يا مُبْعَدُ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: إبْلِيسُ كانَ اسْمُهُ، ولَيْسَ بِاسْمٍ مُشْتَقٍّ، بَلْ هو أعْجَمِيٌّ، ويَقْضِي بِذَلِكَ أنَّهُ لا يَنْصَرِفُ، ولَوْ كانَ عَرَبِيًّا مُشْتَقًّا لَكانَ كَإجْفِيلٍ، مِن أجَفَلَ، وغَيْرَهُ، ولَكانَ مُنْصَرِفًا، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ألا تَكُونَ ﴾ ، "أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وقِيلَ: في مَوْضِعِ خَفْضٍ، والأصْلُ: "مالَكَ ألّا تَكُونَ"، وقَوْلُ إبْلِيسَ: ﴿ لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ ﴾ لَيْسَ هَذا مَوْضِعُ كُفْرِهِ عِنْدَ الحُذّاقِ، لَأنَّ إبايَتَهُ إنَّما هي مَعْصِيَةٌ فَقَطْ، وأمّا تَعْلِيلُهُ فَإنَّما يَقْتَضِي أنَّ اللهَ خَلَقَ خَلْقًا مَفْضُولًا وكَلَّفَ خَلْقًا أفْضَلَ مِنهُ أنْ يَذِلَّ لَهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: "وَهَذا جَوْرٌ"، وذَلِكَ أنَّ إبْلِيسَ لِما ظَنَّ أنَّ النارَ أفْضَلُ مِنَ الطِينِ ظَنَّ أنَّ نَفْسَهُ أفْضَلُ مِن آدَمَ مِن حَيْثُ النارُ يَأْكُلُ الطِينَ، فَقاسَ وأخْطَأ في قِياسِهِ، وجَهِلَ أنَّ الفَضائِلَ إنَّما هي حَيْثُ جَعَلَها اللهُ المالِكُ لِلْجَمِيعِ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

سؤاله النظِرة بعد إعلامه بأنه ملعون إلى يوم الدين فاض به خبث جبلته البالغ نهاية الخباثة التي لا يشفيها إلا دوام الإفساد في هذا العالم، فكانت هذه الرغبة مجلبة لدوام شقوته.

ولما كانت اللعنة تستمر بعد انعدام الملعون إذا اشتهر بين الناس بسوء لم يكن توقيتها بالأبد مقيداً حياة الملعون، فلذلك لم يكن لإبليس غنى بقوله تعالى ﴿ إلى يوم الدين ﴾ عن أن يسأل الإبقاء إلى يوم الدين ليكون مصدر الشرور للنفوس قضاء لما جبل عليه من بثّ الخُبث؛ فكان بذلك حريصاً على دوامها بما يوجه إليه من اللّعنة، فسأل النظرة حباً للبقاء لما في البقاء من استمرار عمله.

وخاطب الله بصفة الربوبية تخضّعاً وحثّاً على الإجابة، والفاء في ﴿ فأنظرني ﴾ فاء التفريع.

فرع السؤال عن الإخراج.

ووسّط النداء بين ذلك.

وذُكرت هذه الحالة من أوصاف نفسيته بعثاً لكراهيته في نفوس البشر الذين يرون أن حق النفس الأبية أن تأنف من الحياة الذميمة المحقرة، وذلك شأن العرب، فإذا علموا هذا الحوص من حال إبليس أبغضوه واحتقروه فلم يرضوا بكل عمل ينسب إليه.

والإنظار: الإمهال والتأخير.

وتقدم في قوله: ﴿ فنظرة إلى ميسرة ﴾ في سورة البقرة (280).

والمراد تأخير إماتته لأن الإنظار لا يكرن للذات، فتعين أنه لبعض أحوالها وهو الموت بقرينة السياق.

وعبر عن يوم الدين ب يوم يبعثون } تمهيداً لما عقد عليه العزم من إغواء البشر، فأراد الإنظار إلى آخر مدة وجود نوع الإنسان في الدنيا.

وخلق الله فيه حب النظرة التي قدرها الله له وخلقه لأجلها وأجل آثارها ليحمل أوزار تبعة ذلك بسبب كسبه واختياره تلك الحالة، فإن ذلك الكسب والاختيار هو الذي يجعله ملائماً لما خلق له، كما أومأ إلى ذلك البيان النبوي بقوله: «كل ميسر لما خلق له».

وضمير ﴿ يبعثون ﴾ للبشر المعلومين من تركيب خلق آدم عليه السلام، وأنه يكون له نسل ولا سيما حيث خلقت زوجه حينئذٍ فإن ذلك يقتضي أن يكون منهما نسل.

وعبر عن يوم البعث ب ﴿ يوم الوقت المعلوم ﴾ تفنّناً تفادياً من إعادة اللفظ قضاء لحق حسن النظم، ولما فيه من التعليم بأن الله يعلم ذلك الأجل.

فالمراد: المعلوم لدينا.

ويجوز أن يراد المعلوم للناس أيضاً علماً إجمالياً.

وفيه تعريض بأن من لم يؤمنوا بذلك اليوم من الناس لا يعبأ بهم فهم كالعدم.

وهذا الإنظار رمز إلهي على أن ناموس الشر لا ينقضي من عالم الحياة الدنيا وأن نظامها قائم على التصارع بين الخير والشر والأخيار والأشرار، قال تعالى: ﴿ بل نقذف بالحق على الباطل ﴾ [سورة الأنبياء: 18] وقال: ﴿ كذلك يضرب الله الحقّ والباطل ﴾ [سورة الرعد: 17].

فلذلك لم يستغن نظام العالم عن إقامة قوانين العدل والصلاح وإيداعها إلى الكفاة لتنفيذها والذّود عنها.

وعطفت مقولات هذه الأقوال بالفاء لأن كل قول منها أثاره الكلام الذي قبله فتفرّع عنه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ وهَذا السُّؤالُ مِن إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِن ثِقَةٍ مِنهُ بِمَنزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ أهْلٌ أنْ يُجابَ لَهُ دُعاءٌ، ولَكِنْ سَألَ تَأْخِيرَ عَذابِهِ زِيادَةً في بَلائِهِ كَفِعْلِ الآيِسِ مِنَ السَّلامَةِ.

وَأرادَ بِسُؤالِهِ الإنْظارَ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ أنْ لا يَمُوتَ؛ لِأنَّ يَوْمَ البَعْثِ لا مَوْتَ فِيهِ ولا بَعْدَهُ.

فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ ﴾ يَعْنِي مِنَ المُؤَجَّلِينَ.

﴿ إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ ﴾ فَلَمْ يُجِبْهُ إلى البَقاءِ.

وَفي الوَقْتِ المَعْلُومِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، مَجْهُولٌ عِنْدَ إبْلِيسَ.

الثّانِي: إلى يَوْمِ النَّفْخَةِ الأُولى يَمُوتُ إبْلِيسُ.

وَبَيْنَ النَّفْخَةِ والنَّفْخَةِ أرْبَعُونَ سَنَةً.

فَتَكُونُ مُدَّةُ مَوْتِ إبْلِيسَ أرْبَعِينَ سَنَةً، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وسُمِّيَ يَوْمَ الوَقْتِ المَعْلُومِ لِمَوْتِ جَمِيعِ الخَلائِقِ فِيهِ.

وَلَيْسَ هَذا مِنَ اللَّهِ تَعالى إجابَةً لِسُؤالِهِ؛ لِأنَّ الإجابَةَ تَكْرِمَةٌ، ولَكِنْ زِيادَةً في بَلائِهِ، ويَعْرِفُ أنَّهُ لا يَضُرُّ بِفِعْلِهِ غَيْرَ نَفْسِهِ.

وَفي كَلامِ اللَّهِ تَعالى لَهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كَلَّمَهُ عَلى لِسانِ رَسُولٍ.

الثّانِي: أنَّهُ كَلَّمَهُ تَغْلِيظًا في الوَعِيدِ لا عَلى وجْهِ التَّكْرِمَةِ والتَّقْرِيبِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الجان، مسيخ الجن كما القردة والخنازير مسيخ الإِنس.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ والجان خلقناه من قبل ﴾ وهو إبليس خلق من قبل آدم.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن، خلقوا من نار السموم من بين الملائكة، قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والجان خلقناه من قبل من نار السموم ﴾ قال: من أحسن الناس.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ من نار السموم ﴾ قال: ﴿ السموم ﴾ الحارة التي تقتل.

وأخرج الطيالسي والفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ﴿ السموم ﴾ التي خلق منها الجان جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، ثم قرأ ﴿ والجان خلقناه من قبل من نار السموم ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رؤيا المؤمن جزء من سبعين جزءاً من النبوّة، وهذه النار جزء من سبعين جزءاً من نار السموم التي خلق منها الجان» وتلا هذه الآية ﴿ والجان خلقناه من قبل من نار السموم ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن دينار رضي الله عنه قال: خلق الجان والشياطين من نار الشمس.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي ﴾ قال أبو عبيدة: معنى الباء هاهنا القَسَم (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ في الْأَرْضِ ﴾ يعني: لأولاد آدم، ومفعول التزيين محذوف على تقدير: لأزينن لهم الباطل حتى يقعوا فيه.

(١) "مجاز القرآن" 1/ 351 بنحوه، وتقديره: بالذي أغويتني.

(٢) انظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 313، "تفسير الزمخشري" 2/ 314، "الفريد في إعراب القرآن" 3/ 198، الخازن 3/ 96، أبي السعود 5/ 78، الألوسي 14/ 49.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فاخرج مِنْهَا ﴾ أي من الجنة أو من السماء ﴿ قَالَ رَبِّ ﴾ يقتضي إقراره بالربوبية وأن كفره كان بوجه غير الجحود، وهو اعتراضه على الله في أمره بالسجود لآدم ﴿ إلى يَوْمِ الوقت المعلوم ﴾ اليوم الذي طلب إبليس أن ينظر إليه هو يوم القيامة، وقيل: الوقت المعلوم الذي أُنْظِر إليه هو يوم النفخ في الصور النفخة الأولى؛ حين يموت من في السموات ومن في الأرض.

وكان سؤال إبليس الانتظار إلى يوم القيامة جهلاً منه ومغالطة؛ إذ سأل ما لا سبيل إليه.

لأنه لو أعطي ما سأل لم يمت أبداً، لأنه لا يموت أحد بعد البعث، فلما سأل ما لا سبيل إليه: أعرض الله عنه، وأعطاه الانتظار إلى النفخة الأولى.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً ﴾ قيل: نجوماً، ويحتمل البروج: المنازل التي ينزل فيها الشمس والقمر والنجوم، جعل لكل واحد من ذلك منزلا، ينزل في كل ليلة في منزل على حدة.

ويحتمل ما ذكر من البروج: هي مطالع [ما ذكر] من الشمس والقمر والنجوم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ﴾ \[يعني السماء للناظرين\].

وفي قوله: ﴿ وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ﴾ دلالة نقض قول من ينهي عن النظر إلى السماء من القراء؛ لأنه أخبر أنه زينها للناظرين، ولا يحتمل أن يزينها [للناظرين] ثم ينهي عن النظر إليها، دل أنه لا بأس [للناظرين]، وقال في آية أخرى: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا...

﴾ الآية [الأنعام: 97] وقال في موضع آخر: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ  ﴾ وجعل الله في الشمس والقمر والنجوم منافع: يهتدون بها الطرق في ظلمات الليل، وجعلها مصابيح في الظلمات، وأخبر أنه زينها للناظرين؛ لأن ما يقبح في العين من المنظر لا يتفكر الناظر فيه ولا ينظر إليه؛ فزينها لهم؛ ليحملهم ذلك على التفكر فيه، والنظر إليها؛ ليعلموا أنه تدبير واحد؛ حيث جعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض؛ مع بعد ما بينهما، وجعل أشياء هي في الظاهر أشباهاً؛ وهي في الحقيقة كالأضداد لها، ومنها ما هي في الظاهر أضداد، وهي كالأشكال؛ نحو النور والظلمة: هي في الظاهر أضداد، صارت كالأشكال؛ حيث تضيء النجوم في ظلمات الليل؛ حتى ينتفع بذلك أهل الأرض، وهما في الظاهر أضداد، فصارت بما يظهر من منافعها كالأشكال، وجعل لا ينتفع بضوء النجوم مع نور القمر، ولا ينتفع بنور القمر مع ضوء الشمس، وهن أشكال؛ فصارت بما يذهب كل واحد [منهما] بسلطان الآخر؛ كالأضداد ليعلم أنه تدبير واحد؛ حيث صارت الأضداد كالأشكال، والأشكال كالأضداد في حق المنفعة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَفِظْنَاهَا ﴾ يعني: السماء، ﴿ مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ ﴾ ذكر أن الشياطين كانوا يصعدون السماء فيستمعون من أخبار السماء من الملائكة، مما يكون في الأرض؛ من غيث وغيره، ثم زادوا فيها ما شاءوا فيلقون ذلك إلى الكهنة؛ فيخبر الكهنة الناس، فيقولون: ألم نخبركم [بالمطر] في يوم كذا وكذا، وكان حقّا، ثم منعوا عن ذلك - عن صعودهم - أعني السماء، وحفظوا عنهم، فجعلوا يسترقون السمع، فسلط الله الشهب عليهم، حتى يقذفون؛ وهو كقوله: ﴿ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ  دُحُوراً  ﴾ وقوله: ﴿ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ  ﴾ .

ويحتمل ﴿ وَحَفِظْنَاهَا ﴾ : أي: أهلها من الشيطان الرجيم لما ذكرنا من ذكر أشياء من القرية والمصر والعير، وغيره، والمراد منه: أهله، فعلى ذلك هذا، إلا أن أهل السماء بأجمعهم أهل ولاية الله؛ وأهل طاعته، وأما أهل الأرض: ففيهم من الغاوين الضالين، فهم أولياء الشيطان؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ...

﴾ الآية [النحل: 100].

ويحتمل حفظ السماء نفسها: بالملائكة، وهو ما ذكر: ﴿ وَيُقْذَفُونَ...

﴾ الآية.

ويحتمل: بالشهب؛ التي في غير آي من القرآن.

وقال بعضهم: ﴿ رَّجِيمٍ ﴾ : اللعين، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود: (من كل شيطان لعين) واللعين: - في اللغة -: فهو المطرود المبعد، وهو على ما ذكر ﴿ دُحُوراً ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ  ﴾ يعني الجبال، في ظاهر هذا أن الأرض كأنها تضطرب وتنكفئ بأهلها، فأثبتها بالجبال، وإلا من طبعها التسفل والانحدار، وكذلك الجبال من طبعها التسفل والانحدار، فكيف كان ثباتها بشيء [كان] طبعه التسفل والتسرب؟

إلا أن يقال: إن طبعها كان الاضطراب والانكفاء فأثبتها بالجبال عن الاضطراب والانكفاء؛ أو أن يقال: من طبعها ما ذكرنا: التسفل والانحدار؛ إلا أن الله - بلطفه - أثبت ما هو طبعه التسفل، بما هو طبعه كذلك؛ ليعلم لطف الله وقدرته، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ فِيهَا ﴾ : يعني في الجبال، ﴿ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ﴾ : يعني: ما يوزن من نحو: الذهب، والفضة، والحديد، والرصاص، ونحوه مما يستخرج منها، وهذا كأنه ليس بصحيح؛ لأنه لا يقال في الذهب، والفضة والحديد: إنه أنبت في الأرض؛ كما يقال ذلك لنبات وما ينبت فيها، وإنما يقال للذهب، والفضة، والحديد: جعلنا فيها، أو خلقنا فيها.

وقال بعضهم: ﴿ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا ﴾ : يعني: في الأرض؛ من كل ألوان النبات، ﴿ مَّوْزُونٍ ﴾ : أي: معلوم مقدر بقدر؛ كقوله: ﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ .

ويحتمل: وأنبتنا فيها ما يصير موزوناً في الآخرة من الزروع وغيرها من الحبوب، أو ما ذكرنا؛ أي: معلوم مقدر، والله أعلم، ليس على الجزاف؛ على ما يكون من فعل جاهل على غير تدبير ولا تقدير.

ويحتمل قوله: ﴿ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ﴾ : ما لو اجتمع الخلائق - لم يعرفوا قدر ما يزداد وينمو من النبات؛ في لحظة واحدة؛ وطرفة عين، في أول ما يخرج ويبدو من الأرض، وذلك موزون عنده؛ معلوم قدره، ليعلم لطفه، وقدرته، وتدبيره، وعلمه، وأنه تدبير واحد؛ حيث لم يختلف ذلك؛ ولم يتفاوت.

والله أعلم.

قال أبو عوسجة: ﴿ فَظَلُّواْ فِيهِ ﴾ : أي: صاروا يومهم ﴿ يَعْرُجُونَ ﴾ : يرتفعون ويصعدون.

وقال غيره: ظلوا: أي: ما لوا، كقوله: ﴿ فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ  ﴾ أي: مالت، وقال: قوله: ﴿ سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ﴾ : أي: حيرت؛ يقال: تسكر بصره: إذا تحير، وقال: يقال أيضاً تحيرت، يقال: سكر الله بصره: أي: حيره، وسكرت الريح تسكر سكراً: إذا سكنت، ويقال: ليل ساكر، أي: ساكن، وسكرت الماء أسكره سكراً: أي: حبسته، والسكر: السدّ، والسكور جمع، والسكر: مصدر سكر يسكر سكراً؛ فهو سكران، وقوم سكرى وسكارى، والسكرة: الغمرة، والغمرة: الشدة، وقال - عز وجل -: ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ  ﴾ أي: شدته.

وقال القتبي: سكرت: غشيت، ومنه يقال: سكر النهر: إذا سدّ، فالسكر اسم ما سكرت، وسكر الشراب منه؛ إنما هو الغطاء على العقل والعين.

وقال الحسن: سكرت - بالتخفيف -: سحرت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بُرُوجاً ﴾ : قال: إثنا عشر برجاً، وأصل البرج الحصن والقصر وقوله: ﴿ وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ * إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ ﴾ يقول: حفظناها من أن يصل إليها شيطان أو يعلم من أمرها شيئاً إلا استراقاً، ثم يتبعه شهاب مبين: أي: كوكب مضيء.

وقال أبو عوسجة: ﴿ إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ ﴾ : يقال: استرقت السمع: أي: تغفلت قوماً حتى سمعت حديثهم؛ وهم لا يعلمون، وهكذا لو علم الملائكة أن الشياطين يسترقون السمع، ويختطفون - لمنعوا من ذلك، وامتنعوا عن التكلم به؛ حتى لا يستمعون كلامهم، وحديثهم.

و ﴿ شِهَابٌ ﴾ : كوكب، وقيل: الشهاب: خشبة في طرفها نار، والشهبان جماعة.

وقال بعضهم: ﴿ شِهَابٌ مُّبِينٌ ﴾ لرسول الله كان له خاصّةً لم يكن قبل والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ﴾ أي: في الأرض والجبال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ﴾ .

قال الحسن: أي: جعلنا [لكم] في الأرض معايش ما تتعيشون به، ولمن حولكم أيضاً، جعل فيها معايش، لا ترزقونه أنتم؛ إنما ذلك على الله، هو يرزقهم وإياكم.

وقال بعضهم: ﴿ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ﴾ : الوحوش والطير، وأما الأنعام: فإنه قد أشركهم البشر في المعايش، وكان غير هذا أقرب وأوفق: وهو أن أهل مكة كانوا يمنّون على رسول الله  ، ويقولون: نحن ربيناه، وغذيناه، وأنفقنا عليه، ورزقناه؛ ثم فعل بنا كذا، فخرج هذا جواباً لهم: ﴿ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ﴾ أي: محمداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ .

يحتمل هذا - والله أعلم -: وإن من شيء يخزن في الخلق - إلا عندنا خزائنه؛ [أي]: إلا عندنا تلك الخزائن؛ أي: ما تخزنون من الأشياء، فتلك عندنا وفي خزائننا.

﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ .

على هذا ﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ ﴾ : أي: ما نعطيه ﴿ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ : أي: وإن كان عندكم مخزوناً محبوساً - فإن ذلك كله في خزائنه، أعطى من شاء، وحرم من شاء.

ويحتمل قوله: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ والخزائن: هي الأمكنة الخفية التي تخزن فيها الأموال، وبواطن من الأرض، يقول - والله أعلم -: وإن من شيء كان في بواطن الأرض، وأمكنة خفية - إلا عندنا تدبير ذلك وعلمه، يخبر أن تدبيره وعلمه في الخفية من الأمكنة - كهو في الظاهر؛ لا يخرج شيء عن تدبيره وعلمه، بل كل ذلك في تدبيره وعلمه.

وقال الحسن: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ : أي: الماء الذي جعل به حياة كل شيء، ولا يخرج شيء عن منافعه، فهو خزائن الأشياء كلها، وبه قوام كل شيء، وقال: ألا ترى أنه قال: ﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ ، ذكر الإنزال: وهو الذي ينزل من السماء طاهراً.

هذا الذي قاله محتمل، لكن تمامه أن يقال: إن الماء خزانة، والخزانة: هي الموضع الذي يخزن فيه، وفي الماء قوة ومعنى؛ يكون فيه حياة الخلق، ومنافعهم، فيما جعل فيه لا في نفس الماء، ألا ترى أنه يصيب عروق الشجر؛ فتظهر منافعه في غصونها؛ في أعلاها؛ فثبت أن فيه قوة سرية، ومعنى يكون المنافع بها لا بنفس الماء، والله أعلم بذلك.

ثم ما ذكر من الخزائن، والرياح، والماء، والمطر، وغير ذلك من النعم؛ يذكر على الاحتجاج عليهم؛ لأنه إنما أنشأ هذه الأشياء، وخلقها لهؤلاء، لا أنه أنشأها لنفسها، فإذا كان أنشأها لهم - فلا يحتمل أن يتركهم سدى؛ لا يأمرهم ولا ينهاهم، ولا يمتحنهم ولا يجعل لهم عاقبة يثابون أو يعاقبون؛ ولذلك قال في آخره: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ .

وقوله: ﴿ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ على التأويل الأول: ما ذكرنا، أي: ما نعطيه إلا بقدر معلوم؛ وإن خزنه وحبسه.

ويحتمل: ﴿ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ أي: بقدر سابق معلوم، ذلك إن كان على هذا - فإنه يدل على أن ما يكون ويحدث - إنما يكون لقدر سابق؛ لا يكون غير ما سبق تقديره.

أو ﴿ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ محدود؛ أي: ليس ينزل جزافاً؛ ولكن معلوماً محدوداً.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ لَوَاقِحَ ﴾ : حوامل.

وقال بعضهم: هذا لا يصح، لو كان على هذا - لكان ملاقح وملقحات.

وقال أبو عوسجة: ﴿ لَوَاقِحَ ﴾ تلقح الشجر: أي: تنبت ورقها وهي ملقحة، وقال: يقال: ناقة لاقح: أي: حامل قد حملت، ونوق لواقح، ويقال: حرب لاقح: أي: شديدة، وسحاب لاقح: الذي فيه ماء - أي: مطر - وريح لاقح: أي: ملقح تلقح الشجر؛ أي: تنبت ورقه وحمله، ويقال: ملقح، ويقال: ألقح الرجل إذا لقحت إبله؛ أي: حملت، ورجل ملقح، واللقوح: الناقة التي معها ولد صغير، والجمع: لقاح، وجمع الجمع: لقائح، واللقح: اللواقح؛ وهي الحوامل من الإبل.

قال القتبي: قال أبو عبيدة: ﴿ لَوَاقِحَ ﴾ : إنما هي ملاقح؛ جمع ملقحة، يريد أنها تلقح الشجر، وتلقح السحاب؛ كأنها تنتجه، واللواقح: المنتجة الثمار من الأشجار، والسحاب، وغيره.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ .

هو ما ذكرنا على التأويل في قوله: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ ﴿ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ ، وعلى تأويل الحسن: هو ما ذكر من الماء والمطر.

﴿ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ : أي: حابسين لما جرى به الذكر؛ من المطر والماء؛ الذي ذكر أنه أنزل من السماء.

ويحتمل ﴿ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ ﴾ أي: لله ﴿ بِخَازِنِينَ ﴾ : أي: ليست خزائنه في أيديكم؛ ولا بيد أحد، ولكن بيد الله، عز وجل.

وعلى تأويل الآخر: ﴿ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ : بمدبرين ما خزن في الأرض ودفن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَارِثُونَ ﴾ .

أي: الباقون، يفنى الخلقُ كله؛ فيبقى هو، ولذلك سمي من خلف الميت وارثاً؛ لأنه يموت ويبقى الوارث؛ وهو باقٍ وكذلك يخرج قوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا  ﴾ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾ .

قال بعضهم: ولقد علمنا المستقدمين من المكذبين منكم؛ ما حل بهم بالتكذيب، وقد علمنا المستأخرين من المكذبين منكم.

وقال بعضهم: ولقد علمنا من كان منهم ومات، وقد علمنا المستأخرين: من يكون منهم ويولد؛ ولذلك قال: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ : من مضى ومن بقي لم يكن بعد؛ إلى يوم القيامة.

وقال الحسن: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ ﴾ في الخير ﴿ ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾ في الشّر.

وقال بعضهم: في القرن الأول والآخر، لكنه بعيد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ .

الحكيم: هو الذي يضع الأشياء مواضعها.

والثاني: هو الذي يجعل الأشياء مواضعها، فالأول قد يعرف الخلق وضع الأشياء مواضعها، وأما الثاني: فلا يكون ذلك إلا بالله.

وقوله: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ : عليم بمصالح الخلق، ومالهم وما عليهم.

أو عليم بوضع الأشياء مواضعها.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال إبليس: يا رب، بسبب إضلالك لي لأُحَسِّنَنَّ لهم المعاصي في الأرض، ولأضلَّنهم كلهم عن الصراط المستقيم.

<div class="verse-tafsir" id="91.m2GYr"

مزيد من التفاسير لسورة الحجر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله