الآية ٨٧ من سورة الحجر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 15 الحجر > الآية ٨٧ من سورة الحجر

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَـٰكَ سَبْعًۭا مِّنَ ٱلْمَثَانِى وَٱلْقُرْءَانَ ٱلْعَظِيمَ ٨٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 155 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٧ من سورة الحجر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٧ من سورة الحجر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى لنبيه : كما آتيناك القرآن العظيم ، فلا تنظرن إلى الدنيا وزينتها ، وما متعنا به أهلها من الزهرة الفانية لنفتنهم فيه ، فلا تغبطهم بما هم فيه ، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات حزنا عليهم في تكذيبهم لك ، ومخالفتهم دينك .

( واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ) [ الشعراء : 215 ] أي : ألن لهم جانبك كما قال تعالى : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم ) [ التوبة : 128 ] وقد اختلف في السبع المثاني : ما هي ؟

فقال ابن مسعود ، وابن عمر ، وابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، والضحاك وغير واحد : هي السبع الطول .

يعنون : البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، ويونس ، نص عليه ابن عباس ، وسعيد بن جبير .

وقال سعيد : بين فيهن الفرائض ، والحدود ، والقصص ، والأحكام .

وقال ابن عباس : بين الأمثال والخبر والعبر وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا ابن أبي عمر قال : قال سفيان : ( المثاني ) المثنى : البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، والأنفال وبراءة سورة واحدة .

قال ابن عباس : ولم يعطهن أحد إلا النبي - صلى الله عليه وسلم - وأعطي موسى منهن ثنتين .

رواه هشيم ، عن الحجاج ، عن الوليد بن العيزار عن سعيد بن جبير عنه .

[ و ] قال الأعمش ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : أوتي النبي - صلى الله عليه وسلم - سبعا من المثاني الطول ، وأوتي موسى - عليه السلام - ستا ، فلما ألقى الألواح ارتفع اثنتان وبقيت أربع .

وقال مجاهد : هي السبع الطول .

ويقال : هي القرآن العظيم .

وقال خصيف ، عن زياد بن أبي مريم في قوله تعالى : ( سبعا من المثاني ) قال : أعطيتك سبعة أجزاء : آمر ، وأنهى ، وأبشر وأنذر ، وأضرب الأمثال ، وأعدد النعم ، وأنبئك بنبأ القرآن .

رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم .

والقول الثاني : أنها الفاتحة ، وهي سبع آيات .

روي ذلك عن عمر وعلي ، وابن مسعود ، وابن عباس .

قال ابن عباس : والبسملة هي الآية السابعة ، وقد خصكم الله بها .

وبه قال إبراهيم النخعي ، وعبد الله بن عبيد بن عمير ، وابن أبي مليكة ، وشهر بن حوشب ، والحسن البصري ، ومجاهد .

وقال قتادة : ذكر لنا أنهن فاتحة الكتاب ، وأنهن يثنين في كل قراءة .

وفي رواية : في كل ركعة مكتوبة أو تطوع .

واختاره ابن جرير ، واحتج بالأحاديث الواردة في ذلك ، وقد قدمناها في فضائل سورة " الفاتحة " في أول التفسير ، ولله الحمد .

وقد أورد البخاري - رحمه الله - هاهنا حديثين : أحدهما : قال : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا غندر ، حدثنا شعبة ، عن خبيب بن عبد الرحمن ، عن حفص بن عاصم ، عن أبي سعيد بن المعلى قال : مر بي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا أصلي ، فدعاني فلم آته حتى صليت ، ثم أتيته فقال : " ما منعك أن تأتيني ؟

" .

فقلت : كنت أصلي .

فقال : " ألم يقل الله : ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ) [ الأنفال : 24 ] ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد ؟

" فذهب النبي - صلى الله عليه وسلم - ليخرج ، فذكرته فقال : " ( الحمد لله رب العالمين ) [ الفاتحة : 2 ] هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته " [ و ] الثاني : قال : حدثنا آدم ، حدثنا ابن أبي ذئب ، حدثنا المقبري ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أم القرآن هي : السبع المثاني والقرآن العظيم " فهذا نص في أن الفاتحة السبع المثاني والقرآن العظيم ، ولكن لا ينافي وصف غيرها من السبع الطول بذلك ، لما فيها من هذه الصفة ، كما لا ينافي وصف القرآن بكماله بذلك أيضا ، كما قال تعالى : ( الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني ) [ الزمر : 23 ] فهو مثاني من وجه ، ومتشابه من وجه ، وهو القرآن العظيم أيضا ، كما أنه - عليه السلام - لما سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى ، فأشار إلى مسجده ، والآية نزلت في مسجد قباء ، فلا تنافي ، فإن ذكر الشيء لا ينفي ذكر ما عداه إذا اشتركا في تلك الصفة ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

اختلف أهل التأويل في معنى السبع الذي أتى الله نبيه صلى الله عليه وسلم من المثاني ، فقال بعضهم عني بالسبع: السبع السور من أوّل القرآن اللواتي يُعْرفن بالطول ، وقائلو هذه المقالة مختلفون في المثاني، فكان بعضهم يقول: المثاني هذه السبع، وإنما سمين بذلك لأنهن تُثْنَى فيهنّ الأمثالُ والخبرُ والعِبَر.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن يونس، عن ابن سيرين، عن ابن مسعود في قوله ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي ) قال: السبع الطُّوَل.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن سعيد الجريريّ، عن رجل، عن ابن عمر قال: السبع الطُّوَل.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يَمان، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي ) قال: السبع الطُّوَل.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، مثله.

حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن الحجاج، عن الوليد بن العيزار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: هنّ السبع الطُّوَل، ولم يُعطَهن أحد إلا النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وأُعطيَ موسى منهنّ اثنتين.

حدثنا ابن وكيع، وابن حميد، قالا ثنا جرير، عن الأعمش، عن مسلم البَطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أوتي النبيّ صلى الله عليه وسلم سبعا من المثاني الطُّوَل، وأوتي موسى ستا، فلما ألقى الألواح رفعت اثنتان وبقيت أربع.

حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عليّ بن عبد الله بن جعفر، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله ( سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي ) قال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة ، والأنعام، والأعراف.

قال إسرائيل: وذكر السابعة فنسيتها.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، في قوله ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي ) قال: هي الطُّوَل: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في هذه الآية ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) قال: البقرة، وآل عمران، والنساء والمائدة والأنعام، والأعراف، ويونس، فيهنّ الفرائض والحدود.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، بنحوه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن ابن أبي خالد، عن خوّات، عن سعيد بن جبير، قال: السبع ، الطُّوَل.

حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال أبو بشر: أخبرنا عن سعيد بن جبير، قال: هنّ السبع الطُّوَل.

قال: وقال مجاهد هن السبع الطُّوَل.

قال: ويقال: هنّ القرآن العظيم.

حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا سعيد، عن جعفر، عن سعيد، في قوله ( سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) قال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة ، والأنعام، والأعراف، ويونس، تُثْنى فيها الأحكام والفرائض.

حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، قال: ثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: هن السبع الطُّوَل.

حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، في قوله ( سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي ) قال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس.

قال: قلت: ما المثاني؟

قال: يثنى فيهنّ القضاء والقَصَص.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي ) قال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس.

حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: السبع الطُّوَل.

حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا أبو خالد القرشي، قال: ثنا سفيان، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله.

حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا أبو خالد، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله.

حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثا ، عن مجاهد، قال: هي السبع الطُّوَل.

حدثنا الحسن بن محمد بن عبيد الله، قال: ثنا عبد الملك ، عن قيس، عن مجاهد، في قوله ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي ) قال: هي السبع الطُّوَل.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد، في قول الله تعالى: ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) قال: من القرآن السبع الطُّوَل السبع الأول حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن فضيل وابن نمير، عن عبد الملك، عن قيس، عن مجاهد، قال: هنّ السبع الطُّوَل.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: السبع الطُّوَل.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن نمير، عن سفيان، عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: هي الأمثال والخَبَر والعِبَر.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير، عن إسماعيل، عن خوّات، عن سعيد بن جبير، قال: هي السبع الطُّوَل، أعطِيَ موسى ستا، وأُعطِيَ محمد صلى الله عليه وسلم سبعا.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد، قال.

سمعت الضحاك يقول، في قوله ( سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي ) يعني السبع الطُّوَل.

وقال آخرون: عني بذلك: سبع آيات ، وقالوا: هن آيات فاتحة الكتاب، لأنهنّ سبع آيات ، وهم أيضا مختلفون في معنى المثاني، فقال بعضهم: إنما سمين مثاني لأنهن يثنين في كلّ ركعة من الصلاة.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: أخبرنا ابن علية، عن سعيد الجريري، عن أبي نضرة، قال: قال رجل منا يقال له: جابر أو جويبر طلبت إلى عمر حاجة في خلافته، فقدمت المدينة ليلا فمثلت بين أن أتخذ منـزلا وبين المسجد، فاخترت المسجد منـزلا فأرقت نشوا من آخر الليل، فإذا إلى جنبي رجل يصلي يقرأ بأم الكتاب ، ثم يسبح قدر السورة ، ثم يركع ولا يقرأ، فلم أعرفه حتى جَهَر، فإذا هو عُمر، فكانت في نفسي، فغدوت عليه فقلت: يا أمير المؤمنين حاجة مع حاجة ، قال: هات حاجتك ، قلت: إني قدمت ليلا فمثلت بين أن أتخذ منـزلا وبين المسجد، فاخترت المسجد، فأرقت نَشْوا من آخر الليل، فإذا إلى جنبي رجل يقرأ بأم الكتاب ، ثم يسبح قدر السورة ثم يركع ولا يقرأ، فلم أعرفه حتى جَهَر، فإذا هو أنت، وليس كذلك نفعل قِبلَنَا.

قال: وكيف تفعلون؟

قال: يقرأ أحدنا أمّ الكتاب، ثم يفتتح السورة فيقرؤها ، قال: ما لهم يعلَمُون ولا يعمَلُون ، ما لهم يعلَمون ولا يعمَلُون ، ما لهم يعلَمُون ولا يعمَلُون؟

وما تبغي عن السبع المثاني ، وعن التسبيح صلاة الخلق.

حدثني طُلَيق بن محمد الواسطيّ، قال: أخبرنا يزيد، عن الجريريّ، عن أبي نضرة، عن جابر أو جويبر ، عن عُمر بنحوه، إلا أنه قال: فقال يقرأ القرآن ما تيسر أحيانا، ويسبح أحيانا، ما لهم رغبة عن فاتحة الكتاب، وما يبتغي بعد المثاني ، وصلاة الخلق التسبيح.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن السديّ، عن عبد خير، عن عليّ، قال: السبع المثاني: فاتحة الكتاب.

حدثنا نصر بن عبد الرحمن، قال: ثنا حفص بن عمر، عن الحسن بن صالح وسفيان، عن السديّ، عن عبد خير، عن عليّ مثله.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن السدي، عن عبد خير، عن عليّ مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي ، وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد جميعا، عن سفيان، عن السديّ، عن عبد خير، عن عليّ، مثله.

حدثنا أبو كريب " وابن وكيع " ، قالا ثنا ابن إدريس، قال: ثنا هشام، عن ابن سيرين، قال: سئل ابن مسعود عن سبع من المثاني، قال: فاتحة الكتاب.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: أخبرنا يونس، عن الحسن، في قوله ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي ) قال: فاتحة الكتاب ، قال: وقال ابن سيرين عن ابن مسعود: هي فاتحة الكتاب.

حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن يونس، عن ابن سيرين، عن ابن مسعود ( سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي ) قال: فاتحة الكتاب.

حدثني سعيد بن يحيى الأمَويُّ، قال: ثني أبي، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرنا أبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه قال في قول الله تعالى ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي ) قال: هي فاتحة الكتاب ، فقرأها عليّ ستا، ثم قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الآية السابعة ، قال سعيد: وقرأها ابن عياش عليّ كما قرأها عليك، ثم قال الآية السابعة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، فقال ابن عباس: قد أخرجها الله لكم وما أخرجها لأحد قبلكم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن جريج، أن أباه حدّثه، عن سعيد بن جبير، قال: قال لي ابن عباس: فاستفتح بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، ثم قرأ فاتحة الكتاب، ثم قال: تدري ما هذا( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي ).

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي ) يقول : السبع: الحمد لله ربّ العالمين، والقرآن العظيم.

ويقال: هنّ السبع الطول، وهن المئون.

حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن أبيه، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس، قال: فاتحة الكتاب.

حدثني عمران بن موسى القزاز، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا إسحاق بن سويد، عن يحيى بن يعمر وعن أبي فاختة في هذه الآية ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) قالا هي أمّ الكتاب.

حدثني المثنى، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن السديّ عمن سمع عليا يقول: الحمد لله ربّ العالمين، هي السبع المثاني.

حدثنا أبو المثنى، قالا ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت العلاء بن عبد الرحمن، يحدّث عن أبيه، عن أبيّ بن كعب، أنه قال: السبع المثاني: الحمد لله ربّ العالمين.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية، في قول الله تعالى ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي ) قال: فاتحة الكتاب سبع آيات ، قلت للربيع: إنهم يقولون: السبع الطول ، فقال: لقد أنـزلت هذه ، وما أنـزل من الطول شيء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازيّ، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: فاتحة الكتاب.

قال: وإنما سميت المثاني لأنه يثني بها كلما قرأ القرآن قرأها ، فقيل لأبي العالية: إن الضحاك بن مزاحم يقول: هي السبع الطُول.

فقال: لقد نـزلت هذه السورة سبعا من المثاني وما أنـزل شيء من الطُول.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، قال: ثنا سفيان، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، قال: فاتحة الكتاب.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان ، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي جميعا، عن سفيان، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم، قال: فاتحة الكتاب.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم مثله.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان ، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي ، وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد جميعا، عن هارون بن أبي إبراهيم البربري، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، قال: السبع من المثاني: فاتحة الكتاب.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن ابن جريج، عن أبي مليكة ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي ) قال : فاتحة الكتاب.

قال: وذكر فاتحة الكتاب لنبيكم صلى الله عليه وسلم لم تذكر لنبيّ قبله.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليث ، عن شهر بن حوشب، في قوله ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي ) قال: فاتحة الكتاب.

حدثني محمد بن أبي خداش، قال: ثنا محمد بن عبيد، قال: ثنا هارون البربري، عن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي في قول الله تعالى ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي ) قال: هي الحمد لله ربّ العالمين.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، قال: سألت الحسن، عن قوله تعالى ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) قال : هي فاتحة الكتاب ، ثم سئل عنها وأنا أسمع، فقرأها: الحمد لله ربّ العالمين، حتى أتى على آخرها، فقال: تثنى في كلّ قراءة.

حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: فاتحة الكتاب.

حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن ليث، عن مجاهد، قال: فاتحة الكتاب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال : ثنا سعيد، عن قتادة ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) ذكر لنا أنهنّ فاتحة الكتاب، وأنهن يثنين في كلّ قراءة.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر ، عن قتادة ( سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي ) قال: فاتحة الكتاب تُثْنى في كل ركعة مكتوبة وتطوّع.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حماد بن زيد وحجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبي عن سعيد بن جبير، أنه أخبره أنه سأل ابن عباس عن السبع المثاني، فقال: أمّ القرآن ، قال سعيد: ثم قرأها، وقرأ منها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قال أبي: قرأها سعيد كما قرأها ابن عباس، وقرأ فيها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، قال سعيد: قلت لابن عباس: فما المثاني؟

قال: هي أمّ القران، استثناها الله لمحمد صلى الله عليه وسلم، فرفعها في أمّ الكتاب، فذخرها لهم حتى أخرجها لهم، ولم يُعطها لأحد قبله ، قال: قلت لأبي: أخبرك سعيد أن ابن عباس قال له: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، آية من القرآن؟

قال: نعم.

قال ابن جريج: قال عطاء: فاتحة الكتاب، وهي سبع بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، والمثاني: القرآن.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، أنه قال: السبع المثاني: أمّ القرآن.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد الله العتكي، عن خالد الحنفي قاضي مرو في قوله ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي ) قال: فاتحة الكتاب.

وقال آخرون: عني بالسبع المثاني: معاني القرآن.

* ذكر من قال ذلك: حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب الشهيد الشهيديّ، قال: ثنا عتاب بن بشير، عن خَصِيف، عن زياد بن أبي مريم، في قوله ( سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي ) قال: أعطيتك سبعة أجزاء: مُرْ، وأنْهَ، وبَشرْ، وأنذِرْ، واضرب الأمثال، واعدُد النعم، وآتيتك نبأ القرآن.

وقال آخرون: من الذين قالوا عُنِي بالسبع المثاني فاتحة الكتاب المثاني هو القرآن العظيم.

* ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمران بن عيينة، عن حصين، عن أبي مالك، قال: القرآن كله مثاني.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن حصين، عن أبي مالك، قال: القرآن كُلُّه مثاني.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عبيد أبو زيد، عن حصين، عن أبي مالك، قال: القرآن مثاني.

وعدّ البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، وبراءة.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن جريج، عن مجاهد، وعن ابن طاوس، عن أبيه، قال: القرآن كله يُثْنَى.

حدثنا محمد بن سعد، قال: قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: المثاني: ما ثنى من القرآن، ألم تسمع لقول الله تعالى ذكره: اللَّهُ نَـزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ .

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: المثاني: القرآن، يذكر الله القصة الواحدة مرارا، وهو قوله نَـزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ .

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: عني بالسبع المثاني: السبع اللواتي هنّ آيات أم الكتاب، لصحة الخبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي حدّثنيه يزيد بن مخلد بن خِدَاش، الواسطي، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمّ القُرآنِ السَّبْعُ المَثانِي الَّتِي أعْطِيتُها ".

حدثني أحمد بن المقدام العجلي، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا روح بن القاسم، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبيّ: " إنّي أُحِبُّ أَنْ أُعَلِّمَكَ سُورَةً لَمْ يَنـزلْ فِي التَّوْرَاةِ وَلا فِي الإنْجِيلِ وَلا فِي الزَّبُورِ وَلا فِي الفُرْقانِ مِثْلُها قال نعم يا رسول الله ، قال : إنّي لأَرْجُو أنْ لا تَخْرُجَ مِنْ هَذَا البابِ حتى تَعْلَمَها ، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي يحدثني، فجعلت أتباطأ مخافة أن يبلغ البابَ قبل أن ينقضي الحديث ، فلما دنوت قلت: يا رسول الله ما السورة التي وعدتني؟

قال: ما تَقرأُ فِي الصَّلاةِ؟

فقرأت عليه أمّ القرآن، فقال : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنـزلَ فِي التَّوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ ولا في الزَّبُورِ ولا في الفُرْقان مِثْلُها ، إِنَّها السَّبْعُ مِن المَثاني والقُرآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُهُ ".

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا زيد بن حباب العكلي، قال: ثنا مالك بن أنس، قال: أخبرني العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى لعروة، عن أبي سعيد مولى عامر بن فلان، أو ابن فلان، عن أبيّ بن كعب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: " إذا افْتَتَحْت الصَّلاةَ بِم تَفْتَتِحُ ؟

قال: الحمد لله ربّ العالمين، حتى ختمها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هِي السَّبْعُ المَثاني والقُرآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُعْطيتُ ".

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أبيّ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أُعَلِّمُك سُورَةً ما أُنـزل فِي التَّوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ وَلا فِي الزَّبُورِ ، ولا فِي الفُرْقانِ مِثْلُها؟

قلت: بلى ، قال: إنّي لأَرْجُو أنْ لا تَخْرُج مِنْ ذَلِكَ البابِ حتى تَعْلَمَها ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقمت معه، فجعل يحدثني ويده في يدي، فجعلت أتباطأ كراهية أن يخرج قبل أن يخبرني بها ، فلما قرب من الباب قلت: يا رسول الله السورة التي وعدتني ، قال: " كَيْفَ تَقْرأ إذَا افْتَتَحْتَ الصَّلاةَ؟

قال: فقرأت فاتحة الكتاب ، قال: هِيَ هِيَ، وَهِيَ السَّبْعُ المَثانِي الَّتِي قال اللَّهُ تَعالى ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) -الّذِي أُوتِيتَ .

حدثنا أبو كريب ، قال: ثنا المحاربيّ، عن إبراهيم بن الفضل المدنيّ، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الرِّكْعَتانِ اللَّتانِ لا يُقْرأُ فِيهِما كالخِدَاجِ لَمْ يُتِمَّا ، قال رجل: أرأيت إن لم يكن معي إلا أمّ القرآن؟

قال: " هي حسبك هِيَ أمُّ القُرآنِ، هِيَ السَّبْعُ المَثانِي" .

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن نمير، عن إبراهيم بن الفضل، عن المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الرِّكْعةُ الَّتي لا يُقْرأُ فِيها كالخِدَاجِ" قلت لأبي هريرة: فإن لم يكن معي إلا أمّ القرآن؟

قال: هي حسبك، هي أمّ الكتاب، وأمّ القرآن، والسبع المثاني.

حدثني أبو كريب، قال: ثنا خالد بن مخلد، عن محمد بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيدِهِ ، ما أنـزلَ اللَّهُ فِي التَّوْراة وَلا فِي الإنْجِيلِ وَلا فِي الزَّبُورِ وَلا فِي الفُرْقانِ مِثْلَها ، يعني أمّ القرآن ، وإنَّها لَهِيَ السَّبْعُ المَثانِي الَّتِي آتانِي اللَّهُ تَعالى ".

حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب ، قال: أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " هِيَ أُمُّ القُرآنِ، وهِي فاتِحةُ الكِتابِ، وهِي السَّبْعُ المَثانِي".

حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا يزيد بن هارون وشبابة، قالا أخبرنا ابن أبي ذئب، عن المقبريّ، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في فاتحة الكتاب قال: " هِي فاتِحةُ الكِتابِ وهِي السَّبْعُ المَثانِي والقُرآنُ العَظِيمُ".

حدثنا الحسن بن محمد، قال : ثنا عفان، قال: ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، قال: ثنا العلاء ، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبيّ بن كعب فقال: " أَتُحِبُّ أَنْ أُعَلِّمَكَ سُورةً لَمْ يَنـزلْ فِي التَّوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ ولا في الزَّبُورِ ولا في الفُرْقان مِثْلُها؟

قلت: نعم يا رسول الله ،قال: فَكَيْف تَقْرأُ فِي الصَّلاةِ؟

فقرأت عليه أمّ الكتاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنـزلَتْ سُورةٌ فِي التَّوْراةِ وَلا فِي الإنْجِيلِ وَلا فِي الزَّبُورِ وَلا فِي الفُرْقان مِثْلُها ، وإنَّها السَّبْعُ المَثاني والقُرآنُ العَظِيمُ ".

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا سعيد بن حبيب، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد بن المعلى، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم دعاه وهو يصلي، فصلى، ثم أتاه فقال: " ما مَنَعَكَ أنْ تُجِيبَنِي؟

قال: إني كنت أصلي، قال: ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ) قال: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآن ، فكأنه بينها أو نسي ، فقلت: يا رسول الله الذي قلت: قال: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ هِيَ السَّبْعُ المَثانِي والقرآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ".

فإذا كان الصحيح من التأويل في ذلك ما قلنا للذي به استشهدنا، فالواجب أن تكون المثاني مرادا بها القرآن كله، فيكون معنى الكلام: ولقد آتيناك سبع آيات مما يَثْنِي بعض آيه بعضا.

وإذا كان ذلك كذلك كانت المثاني: جمع مَثْناة، وتكون آي القرآن موصوفة بذلك، لأن بعضها يَثْنِي بعضا ، وبعضها يتلو بعضا بفصول تفصل بينها.

فيعرف انقضاء الآية وابتداء التي تليها ، كما وصفها به تعالى ذكره فقال اللَّهُ نَـزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وقد يجوز أن يكون معناها كما قال ابن عباس والضحاك: ومن قال ذلك أن القرآن إنما قيل له مَثَانِي لأن القصص والأخبار كرّرت فيه مرّة بعد أخرى.

وقد ذكرنا قول الحسن البصريّ أنها إنما سميت مَثاني لأنها تُثْنَي في كلّ قراءة، وقول ابن عباس: إنها إنما سميت مثاني، لأن الله تعالى ذكره استثناها لمحمد صلى الله عليه وسلم دون سائر الأنبياء غيره ، فادّخرها له.

وكان بعض أهل العربية ، يزعم أنها سميت مَثَانِيَ لأن فيها الرحمن الرحيم مرّتين، وأنها تُثْنَى في كلّ سورة، يعني: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .

وأما القول الذي اخترناه في تأويل ذلك، فهو أحد أقوال ابن عباس، وهو قول طاوس ومجاهد وأبي مالك، وقد ذكرنا ذلك قبل.

وأما قوله ( وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) فإن القرآن معطوف على السبع، بمعنى: ولقد آتيناك سبع آيات من القرآن ، وغير ذلك من سائر القرآن.

كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ( وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) قال: سائره: يعني سائر القرآن مع السبع من المثاني.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) يعني: الكتاب كله.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم اختلف العلماء في السبع المثاني ; فقيل : الفاتحة ; قاله علي بن أبى طالب وأبو هريرة والربيع بن أنس وأبو العالية والحسن وغيرهم ، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه ثابتة ، من حديث أبي بن كعب وأبي سعيد بن المعلى .

وقد تقدم في تفسير الفاتحة .

وخرج الترمذي من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الحمد لله أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني .

قال : هذا حديث حسن صحيح .

وهذا نص ، وقد تقدم في الفاتحة .

وقال الشاعر :نشدتكم بمنزل القرآن أم الكتاب السبع من مثانيوقال ابن عباس : ( هي السبع الطول : البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، والأنفال والتوبة معا ; إذ ليس بينهما التسمية ) .

روى النسائي حدثنا علي بن حجر أخبرنا شريك عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير .

عن ابن عباس في قوله - عز وجل - : سبعا من المثاني قال : السبع الطول ، وسميت مثاني لأن العبر والأحكام والحدود ثنيت فيها .

وأنكر قوم هذا وقالوا : أنزلت هذه الآية بمكة ، ولم ينزل من الطول شيء إذ ذاك .

وأجيب بأن الله - تعالى - أنزل القرآن إلى السماء الدنيا ثم أنزل منها نجوما ، فما أنزله إلى السماء الدنيا فكأنما آتاه محمدا - صلى الله عليه وسلم - وإن لم ينزل عليه بعد .

وممن قال إنها السبع الطول : عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وسعيد بن جبير ومجاهد .

وقال جرير :جزى الله الفرزدق حين يمسي مضيعا للمفصل والمثاني[ ص: 51 ] وقيل : ( المثاني القرآن كله ; قال الله - تعالى - : كتابا متشابها مثاني .

هذا قول الضحاك وطاوس وأبي مالك ، وقاله ابن عباس .

وقيل له مثاني لأن الأنباء والقصص ثنيت فيه .

وقالت صفية بنت عبد المطلب ترثي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :فقد كان نورا ساطعا يهتدى به يخص بتنزيل القرآن المعظمأي القرآن .

وقيل : المراد بالسبع المثاني أقسام القرآن من الأمر والنهي والتبشير والإنذار وضرب الأمثال وتعديد نعم وأنباء قرون ; قال زياد بن أبي مريم .

والصحيح الأول لأنه نص .

وقد قدمنا في الفاتحة أنه ليس في تسميتها بالمثاني ما يمنع من تسمية غيرها بذلك ; إلا أنه إذا ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وثبت عنه نص في شيء لا يحتمل التأويل كان الوقوف عنده .قوله تعالى : والقرآن العظيم فيه إضمار تقديره : وهو أن الفاتحة القرآن العظيم لاشتمالها على ما يتعلق بأصول الإسلام .

وقد تقدم في الفاتحة .

وقيل : الواو مقحمة ، التقدير : ولقد آتيناك سبعا من المثاني القرآن العظيم .

ومنه قول الشاعر :إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحموقد تقدم عند قوله : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى ممتنًّا على رسوله { ولقد آتيناك سبعا من المثاني } وهن -على الصحيح- السور السبع الطوال:" البقرة" و " آل عمران " و " النساء " و " المائدة " و " الأنعام" و " الأعراف" و " الأنفال " مع" التوبة " أو أنها فاتحة الكتاب لأنها سبع آيات، فيكون عطف { القرآن العظيم } على ذلك من باب عطف العام على الخاص، لكثرة ما في المثاني من التوحيد، وعلوم الغيب، والأحكام الجليلة، وتثنيتها فيها.وعلى القول بأن " الفاتحة " هي السبع المثاني معناها: أنها سبع آيات، تثنى في كل ركعة، واذا كان الله قد أعطاه القرآن العظيم مع السبع المثاني كان قد أعطاه أفضل ما يتنافس فيه المتنافسون، وأعظم ما فرح به المؤمنون، { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ولقد آتيناك سبعا من المثاني ) قال عمر ، وعلي : هي فاتحة الكتاب .

وهو قول قتادة ، وعطاء ، والحسن ، وسعيد بن جبير .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا آدم ، حدثنا ابن أبي ذئب ، حدثنا سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أم القرآن هي السبع المثاني ، والقرآن العظيم " .

وعن ابن مسعود قال في السبع المثاني : هي فاتحة الكتاب ، والقرآن العظيم : هو سائر القرآن .

واختلفوا في أن الفاتحة لم سميت مثاني ؟

قال ابن عباس ، والحسن ، وقتادة : لأنها تثنى في الصلاة ، فتقرأ في كل ركعة .

وقيل : لأنها مقسومة بين الله وبين العبد نصفين ، نصفها ثناء ونصفها دعاء ، كما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يقول الله عز وجل : " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين " .

وقال الحسين بن الفضل : سميت مثاني لأنها نزلت مرتين : مرة بمكة ، ومرة بالمدينة ، كل مرة معها سبعون ألف ملك .

وقال مجاهد : سميت مثاني لأن الله تعالى استثناها وادخرها لهذه الأمة فما أعطاها غيرهم .

وقال أبو زيد البلخي : [ سميت مثاني ] لأنها تثني أهل الشر عن الفسق ، من قول العرب : ثنيت عناني .

وقيل : لأن أولها ثناء .

وقال سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : إن السبع المثاني هي السبع الطوال ، أولها سورة البقرة ، وآخرها الأنفال مع التوبة .

وقال بعضهم سورة يونس بدل الأنفال .

أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي ، [ أنا أبو إسحاق الثعلبي ، حدثنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي ] أخبرنا أبو بكر محمد بن حمدون بن خالد وعبد الله بن محمد بن مسلم قالا أنبأنا هلال بن العلاء ، حدثنا حجاج بن محمد ، عن أيوب بن عتبة ، عن يحيى بن كثير ، عن شداد بن عبد الله ، عن أبي أسماء الرحبي ، عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله تعالى أعطاني السبع الطوال مكان التوراة ، وأعطاني المئين مكان الإنجيل ، وأعطاني مكان الزبور المثاني ، وفضلني ربي بالمفصل " .

وعن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : أوتي النبي صلى الله عليه وسلم السبع الطوال ، وأعطي موسى ستا فلما ألقى الألواح رفع ثنتان وبقي أربع .

قال ابن عباس : وإنما سميت السبع الطوال مثاني لأن الفرائض والحدود والأمثال والخبر والعبر ثنيت فيها .

وقال طاوس : القرآن كله مثاني قال الله تعالى : ( الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني ) ( الزمر - 23 ) .

وسمي القرآن مثاني لأن الأنباء والقصص ثنيت فيه .

وعلى هذا القول : المراد بالسبع : سبعة أسباع القرآن ، فيكون تقديره على هذا : وهي القرآن العظيم وقيل : الواو مقحمة ، مجازه : ولقد آتيناك سبعا من المثاني القرآن العظيم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولقد آتيناك سبعا من المثاني» قال صلى الله عليه وسلم هي الفاتحة رواه الشيخان لأنها تثنى في كل ركعة «والقرآن العظيم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولقد آتيناك -أيها النبي- فاتحة القرآن، وهي سبع آيات تكرر في كل صلاة، وآتيناك القرآن العظيم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أتبع - سبحانه - هذه التسلية والبشارة للرسول صلى الله عليه وسلم ، بمنة ونعمة أجل وأعظم من كل ما سواها ، ليزيده اطمئنانًا وثقة بوعد الله - تعالى - فقال : ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ المثاني والقرآن العظيم ) .والمراد بالسبع المثانى : صورة الفاتحة .

وسميت بذلك ، لأنها سبع آيات ، ولأنها تثنى أى تكرر فى كل ركعة من ركعات الصلاة .قال صاحب الكشاف : " والمثانى من التثنية وهى التكرير للشئ ، لأن الفاتحة تكرر قراءتها فى الصلاة .

أو من الثناء ، لاشتمالها على ما هو ثناء على الله - تعالى - .

.

.

" .والمعنى : ولقد أعطيناك - أيها الرسول الكريم - سورة الفاتحة التى هى سبع آيات ، والتى تعاد قراءتها فى كل ركعة من ركعات الصلاة ، وأعطيناك - أيضًا - القرآن العظيم الذى يهدى للطريق التى هى أقوم .وأوثر فعل ( آتيناك ) بمعنى أعطيناك على أوحينا إليك ، أو أنزلنا عليك؛ لأن الإِعطاء أظهر فى الإِكرام والإِنعام .وقوله ( والقرآن العظيم ) معطوف على ( سبعًا ) من باب عطف الكل على الجزء ، اعتناء بهذا الجزء .ووصف - سبحانه - القرآن بأنه عظيم ، تنويهًا بشأنه ، وإعلاء لقدره .ومما يدل على أن المراد بالسبع المثانى سورة الفاتحة ما أخرجه البخارى بسنده عن أبى سعيد بن المعلى قال : " مر بى النبى صلى الله عليه وسلم وأنا أصلى ، فدعانى فلم آته حتى صليت ، ثم أتيته فقال : ما منعك أن تأتينى؟

فقلت : كنت أصلى .فقال : ألم يقل الله : ( ياأيها الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم ) .ثم قال : ألا أعلمك أعظم سورة فى القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟

ثم ذهب النبى صلى الله عليه وسلم ليخرج ، فذكرته فقال : ( الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين ) هى السبع المثانى والقرآن العظيم الذى أوتيته " .وروى البخارى - أيضًا - عن أبى هريرة قال : قال النبى صلى الله عليه وسلم : " أم القرآن هى : السبع المثانى والقرآن العظيم " .هذا ، وهناك أقوال أخرى فى المقصود بالسبع المثانى ، ذكرها بعض المفسرين فقال : اختلف العلماء فى السبع المثانى : فقيل الفاتحة .

قاله على بن أبى طالب ، وأبو هريرة ، والربيع بن أنس ، وأبو العالية ، والحسن وغيرهم .

وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة من حديث أبى بن كعب وأبى سعيد بن المعلى .

.

.وقال ابن عباس : هى السبع الطوال : البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، والأنفال والتوبة معًا .

.

.وأنكر قوم هذا وقالوا : أنزلت هذه الآية بمكة ، ولم ينزل من السبع الطوال شئ إذ ذاك .وقيل : المثانى القرآن كله ، قال الله - تعالى - ( كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ ) هذا قول الضحاك وطاووس ، وقاله ابن عباس .

وقيل له : مثانى ، لأن الأنباء والقصص ثنيت فيه .

.

.وقيل : المراد بالسبع المثانى أقسام القرآن من الأمر والنهى والتبشير والإِنذار .

.ثم قال : والصحيح الأول لأنه نص .

وقد قدمنا فى الفاتحة أنه ليس فى تسميتها بالمثانى ما يمنع من تسمية غيرها بذلك ، إلا أنه إذا ورد عن النبى صلى الله عليه وسلم وثبت عنه نص فى شئ لا يحتمل التأويل ، كان الوقوف عنده .والذى نراه ، أن المقصود بالسبع المثانى هنا : سورة الفاتحة ، لثبوت النص الصحيح بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومتى ثبت النص الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم فى شئ فلا كلام لأحد معه أو بعده صلى الله عليه وسلم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما صبره على أذى قومه وأمره بأن يصفح الصفح الجميل أتبع ذلك بذكر النعم العظيمة التي خص الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم بها، لأن الإنسان إذا تذكر كثرة نعم الله عليه سهل عليه الصفح والتجاوز، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن قوله: ﴿ آتيناك سَبْعًا ﴾ يحتمل أن يكون سبعاً من الآيات وأن يكون سبعاً من السور وأن يكون سبعاً من الفوائد.

وليس في اللفظ ما يدل على التعيين.

وأما المثاني: فهو صيغة جمع.

واحده مثناة، والمثناة كل شيء يثنى، أي يجعل اثنين من قولك: ثنيت الشيء إذا عطفته أو ضممت إليه آخر، ومنه يقال: لركبتي الدابة ومرفقيها مثاني، لأنها تثنى بالفخذ والعضد، ومثاني الوادي معاطفه.

إذا عرفت هذا فنقول: سبعاً من المثاني مفهومه سبعة أشياء من جنس الأشياء التي تثنى ولا شك أن هذا القدر مجمل ولا سبيل إلى تعيينه إلا بدليل منفصل وللناس فيه أقوال: الأول: وهو قول أكثر المفسرين: إنه فاتحة الكتاب وهو قول عمر وعلي وابن مسعود وأبي هريرة والحسن وأبي العالية ومجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وقتادة، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ الفاتحة وقال: هي السبع المثاني رواه أبو هريرة، والسبب في وقوع هذا الاسم على الفاتحة أنها سبع آيات، وأما السبب في تسميتها بالمثاني فوجوه: الأول: أنها تثنى في كل صلاة بمعنى أنها تقرأ في كل ركعة.

والثاني: قال الزجاج: سميت مثاني لأنها يثنى بعدها ما يقرأ معها.

الثالث: سميت آيات الفاتحة مثاني، لأنها قسمت قسمين اثنين، والدليل عليه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» والحديث مشهور.

الرابع: سميت مثاني لأنها قسمان ثناء ودعاء، وأيضاً النصف الأول منها حق الربوبية وهو الثناء، والنصف الثاني حق العبودية وهو الدعاء.

الخامس: سميت الفاتحة بالمثاني، لأنها نزلت مرتين مرة بمكة في أوائل ما نزل من القرآن ومرة بالمدينة.

السادس: سميت بالمثاني، لأن كلماتها مثناة مثل: ﴿ الرحمن الرحيم  ﴾ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ  صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ  ﴾ وفي قراءة عمر: (غير المغضوب عليهم وغير الضالين).

السابع: قال الزجاج: سميت الفاتحة بالمثاني لاشتمالها على الثناء على الله تعالى وهو حمد الله وتوحيده وملكه.

واعلم أنا إذا حملنا قوله: ﴿ سَبْعًا مّنَ المثاني ﴾ على سورة الفاتحة فهاهنا أحكام: الحكم الأول: نقل القاضي عن أبي بكر الأصم أنه قال: كان ابن مسعود يكتب في مصحفه فاتحة الكتاب رأى أنها ليست من القرآن.

وأقول: لعل حجته فيه أن السبع المثاني لما ثبت أنه هو الفاتحة.

ثم إنه تعالى عطف السبع المثاني على القرآن، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه وجب أن يكون السبع المثاني غير القرآن، إلا أن هذا يشكل بقوله تعالى: ﴿ وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح  ﴾ وكذلك قوله: ﴿ وملائكته ورسله وجبريل وميكال  ﴾ وللخصم أن يجيب: بأنه لا يبعد أن يذكر الكل، ثم يعطف عليه ذكر بعض أجزائه وأقسامه لكونه أشرف الأقسام، أما إذا ذكر شيء ثم عطف عليه شيء آخر كان المذكور أولاً مغايراً للمذكور ثانياً، وهاهنا ذكر السبع المثاني، ثم عطف عليه القرآن العظيم، فوجب حصول المغايرة.

والجواب الصحيح: أن بعض الشيء مغاير لمجموعه، فلم لا يكفي هذا القدر من المغايرة في حسن العطف، والله أعلم.

الحكم الثاني: أنه لما كان المراد بقوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ هو الفاتحة، دل على أن هذه السورة أفضل سور القرآن من وجهين: أحدهما: أن إفرادها بالذكر مع كونها جزءاً من أجزاء القرآن، لابد وأن يكون لاختصاصها بمزيد الشرف والفضيلة.

والثاني: أنه تعالى لما أنزلها مرتين دل ذلك على زيادة فضلها وشرفها.

وإذا ثبت هذا فنقول: لما رأينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم واظب على قراءتها في جميع الصلوات طول عمره، وما أقام سورة أخرى مقامها في شيء من الصلوات دل ذلك على أنه يجب على المكللف أن يقرأها في صلاته وأن لا يقيم سائر آيات القرآن مقامها وأن يحترز عن هذا الإبدال فإن فيه خطراً عظيماً والله أعلم.

القول الثاني: في تفسير قوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ إنها السبع الطوال وهذا قول ابن عمر وسعيد بن جبير في بعض الروايات ومجاهد وهي: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، والتوبة معاً.

قالوا: وسميت هذه السور مثاني، لأن الفرائض والحدود والأمثال والعبر ثنيت فيها وأنكر الربيع هذا القول.

وقال هذه الآية مكية وأكثر هذه السور السبعة مدنية.

وما نزل شيء منها شيء منها في مكة، فكيف يمكن حمل هذه الآية عليها.

وأجاب قوم عن هذا الإشكال: بأن الله تعالى أنزل القرآن كله إلى السماء الدنيا.

ثم أنزله على نبيه منها نجوماً، فلما أنزله إلى السماء الدنيا، وحكم بإنزاله عليه، فهو من جملة ما آتاه، وإن لم ينزل عليه بعد.

ولقائل أن يقول: إنه تعالى قال: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ وهذا الكلام إنما يصدق إذا وصل ذلك الشيء إلى محمد صلى الله عليه وسلم.

فأما الذي أنزله إلى السماء الدنيا وهو لم يصل بعد إلى محمد عليه السلام، فهذا الكلام لا يصدق فيه.

وأما قوله بأنه لما حكم الله تعالى بإنزاله على محمد صلى الله عليه وسلم كان ذلك جارياً مجرى ما نزل عليه فهذا أيضاً ضعيف، لأن إقامة ما لم ينزل عليه مقام النازل عليه مخالف للظاهر.

والقول الثالث: في تفسير السبع المثاني إنها هي السور التي هي دون الطوال والمئين وفوق المفصل، واختار هذا القول قوم واحتجوا عليه بما روى ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني المئين مكان الإنجيل، وأعطاني المثاني مكان الزبور، وفضلني ربي بالمفصل».

قال الواحدي: والقول في تسمية هذه السور مثاني كالقول في تسمية الطوال مثاني.

وأقول إن صح هذا التفسير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا غبار عليه وإن لم يصح فهذا القول مشكل، لأنا بينا أن المسمى بالسبع المثاني يجب أن يكون أفضل من سائر السور، وأجمعوا على أن هذه السور التي سموها بالمثاني ليست أفضل من غيرها، فيمتنع حمل السبع المثاني على تلك السور.

والقول الرابع: أن السبع المثاني هو القرآن كله، وهو منقول عن ابن عباس في بعض الروايات، وقول طاوس قالوا: ودليل هذا القول قوله تعالى: ﴿ كتاباً متشابهاً مثاني  ﴾ فوصف كل القرآن بكون مثاني ثم اختلف القائلون بهذا القول في أنه ما المراد بالسبع، وما المراد بالمثاني؟

أما السبع فذكر فيه وجوهاً: أحدها: أن القرآن سبعة أسباع.

وثانيها: أن القرآن مشتمل على سبعة أنواع من العلوم.

التوحيد، والنبوة والمعاد، والقضاء، والقدر، وأحوال العالم، والقصص، والتكاليف.

وثالثها: أنه مشتمل على الأمر والنهي، والخبر والاستخبار، والنداء، والقسم، والأمثال.

وأما وصف كل القرآن بالمثاني، فلأنه كرر فيه دلائل التوحيد والنبوة والتكاليف، وهذا القول ضعيف أيضاً، لأنه لو كان المراد بالسبع المثاني القرآن، لكان قوله: ﴿ والقرآن العظيم ﴾ عطفاً على نفسه، وذلك غير جائز.

وأجيب عنه بأنه إنما حسن إدخال حرف العطف فيه لاختلاف اللفظين كقول الشاعر: إلى الملك القرم وابن الهمام *** وليث الكتيبة في المزدحم وأعلم أن هذا وإن كان جائزاً لأجل وروده في هذا البيت، إلا أنهم أجمعوا على أن الأصل خلافه.

والقول الخامس: يجوز أن يكون المراد بالسبع الفاتحة، لأنه سبع آيات، ويكون المراد بالمثاني كل القرآن ويكون التقدير: ولقد آتيناك سبع آيات هي الفاتحة وهي من جملة المثاني الذي هو القرآن وهذا القول عين الأول والتفاوت ليس إلا بقليل والله أعلم.

المسألة الثانية: لفظة من في قوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ قال الزجاج فيها وجهان: أحدهما: أن تكون للتبعيض من القرآن أي ولقد آتيناك سبع آيات من جملة الآيات التي يثنى بها على الله تعالى وآتيناك القرآن العظيم قال ويجوز أن تكون من صلة، والمعنى: آتيناك سبعاً هي المثاني كما قال: ﴿ فاجتنبوا الرجس من الأوثان  ﴾ المعنى: اجتنبوا الأوثان، لا أن بعضها رجس والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم ﴾ فاعلم أنه تعالى لما عرف رسوله عظم نعمه عليه فيما يتعلق بالدين، وهو أنه آتاه سبعاً من المثاني والقرآن العظيم، نهاه عن الرغبة في الدنيا فحظر عليه أن يمد عينيه إليها رغبة فيها وفي مد العين أقوال: القول الأول: كأنه قيل له إنك أوتيت القرآن العظيم فلا تشغل سرك وخاطرك بالإلتفات إلى الدنيا ومنه الحديث: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» وقال أبو بكر: من أوتي القرآن فرأى أن أحداً أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغر عظيماً وعظم صغيراً، وقيل: وافت من بعض البلاد سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير، فيها أنواع البز والطيب والجواهر وسائر الأمتعة، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها ولأنفقناها في سبيل الله تعالى فقال الله تعالى لهم: لقد أعطيتكم سبع آيات هي خير من هذه القوافل السبع.

القول الثاني: قال ابن عباس: ﴿ لا تمدن عينيك ﴾ أي لا تتمن ما فضلنا به أحداً من متاع الدنيا، وقرر الواحدي هذا المعنى فقال: إنما يكون ماداً عينيه إلى الشيء إذا أدام النظر ونحوه، وإدامة النظر إلى الشيء تدل على استحسانه وتمنيه، وكان صلى الله عليه وسلم لا ينظر إلى ما يستحسن من متاع الدنيا، وروي أنه نظر إلى نعم بني المصطلق، وقد عبست في أبوالها وأبعارها فتقنع في ثوبه وقرأ هذه الآية وقوله عبست في أبوالها وأبعارها هو أن تجف أبوالها وأبعارها على أفخاذها إذا تركت من العمل أيام الربيع فتكثر شحومها ولحومها وهي أحسن ما تكون.

والقول الثالث: قال بعضهم: ﴿ ولا تمدن عينيك ﴾ أي لا تحسدن أحداً على ما أوتي من الدنيا قال القاضي: هذا بعيد، لأن الحسد من كل أحد قبيح، لأنه إرادة لزوال نعم الغير عنه، وذلك يجري مجرى الاعتراض على الله تعالى والاستقباح لحكمه وقضائه، وذلك من كل أحد قبيح، فكيف يحسن تخصيص الرسول صلى الله عليه وسلم به؟

أما قوله تعالى: ﴿ أزواجاً منهم ﴾ قال ابن قتيبة أي أصنافاً من الكفار، والزوج في اللغة الصنف ثم قال: ﴿ ولا تحزن عليهم ﴾ إن لم يؤمنوا فيقوى بمكانهم الإسلام وينتعش بهم المؤمنون.

والحاصل أن قوله: ﴿ لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم ﴾ نهي له عن الالتفات إلى أموالهم وقوله: ﴿ ولا تحزن عليهم ﴾ نهي له عن الالتفات إليهم وأن يحصل لهم في قلبه قدر ووزن.

ثم قال: ﴿ واخفض جناحك للمؤمنين ﴾ الخفض: معناه في اللغة نقيض الرفع، ومنه قوله تعالى في صفة القيامة: ﴿ خافضة رافعة  ﴾ أى أنها تخفض أهل المعاصي، وترفع أهل الطاعات، فالخفض معناه الوضع، وجناح الإنسان يده.

قال الليث: يدا الإنسان جناحاه، ومنه قوله: ﴿ واضمم إليك جناحك من الرهب  ﴾ وخفض الجناح كناية عن اللين والرفق والتواضع، والمقصود أنه تعالى لما نهاه عن الالتفات إلى أولئك الأغنياء من الكفار أمره بالتواضع لفقراء المسلمين، ونظيره قوله تعالى: ﴿ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين  ﴾ وقال في صفة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ أشداء على الكفار رحماء بينهم  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ سَبْعاً ﴾ سبع آيات وهي الفاتحة.

أو سبع سور وهي الطوال، واختلف في السابعة فقيل: الأنفال وبراءة، لأنهما في حكم سورة واحدة، ولذلك لم يفصل بينهما بآية التسمية.

وقيل سورة يونس.

وقيل: هي آل حم، أو سبع صحائف وهي الأسباع.

و ﴿ المثاني ﴾ من التثنية وهي التكرير؛ لأن الفاتحة مما تكرر قراءتها في الصلاة وغيرها، أو من الثناء لاشتمالها على ما هو ثناء على الله، الواحدة مثناة أو مثنية صفة للآية.

وأمّا السور أو الأسباع فلما وقع فيها من تكرير القصص والمواعظ والوعد والوعيد وغير ذلك، ولما فيها من الثناء، كأنها تثني على الله تعالى بأفعاله العظمى وصفاته الحسنى.

و (من) إما للبيان أو للتبعيض إذا أردت بالسبع الفاتحة أو الطوال، وللبيان إذا أردت الأسباع.

ويجوز أن يكون كتب الله كلها مثاني، لأنها تثني عليه، ولما فيها من المواعظ المكررة، ويكون القرآن بعضها، فإن قلت: كيف صح عطف القرآن العظيم على السبع، وهل هو إلا عطف الشيء على نفسه؟

قلت: إذا عنى بالسبع الفاتحة أو الطوال، فما وراءهنّ ينطلق عليه اسم القرآن، لأنه اسم يقع على البعض كما يقع على الكل.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هذا القرءان ﴾ يعني سورة يوسف: وإذا عنيت الأسباع فالمعنى: ولقد آتيناك ما يقال له السبع المثاني والقرآن العظيم، أي: الجامع لهذين النعتين، وهو الثناء أو التثنية والعظم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا ﴾ سَبْعَ آياتٍ وهي الفاتِحَةُ.

وقِيلَ سَبْعُ سُوَرٍ وهي الطُّوالُ وسابِعَتُها « الأنْفالُ» و « التَّوْبَةُ» فَإنَّهُما في حُكْمِ سُورَةٍ ولِذَلِكَ لَمْ يُفْصَلْ بَيْنَهُما بِالتَّسْمِيَةِ.

وقِيلَ « التَّوْبَةُ» وقِيلَ « يُونُسُ» أوِ الحَوامِيمُ السَّبْعُ.

وقِيلَ سَبْعُ صَحائِفَ وهي الأسْباعُ.

﴿ مِنَ المَثانِي ﴾ بَيانٌ لِلسَّبْعِ والمَثانِي مِنَ التَّثْنِيَةِ، أوِ الثَّناءِ فَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُثَنّى تُكَرَّرُ قِراءَتُهُ، أوْ ألْفاظُهُ أوْ قِصَصُهُ ومَواعِظُهُ أوْ مَثْنِيٌّ عَلَيْهِ بِالبَلاغَةِ والإعْجازِ، أوْ مُثْنٍ عَلى اللَّهِ بِما هو أهْلُهُ مِن صِفاتِهِ العُظْمى وأسْمائِهِ الحُسْنى، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِـ ﴿ المَثانِي ﴾ القُرْآنُ أوْ كُتُبُ اللَّهِ كُلُّها فَتَكُونُ ﴿ مِنَ ﴾ لِلتَّبْعِيضِ.

﴿ والقُرْآنَ العَظِيمَ ﴾ إنْ أُرِيدَ بِالسَّبْعِ الآياتُ أوِ السُّورُ فَمِن عَطْفِ الكُلِّ عَلى البَعْضِ أوِ العامِّ عَلى الخاصِّ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ الأسْباعُ فَمِن عَطْفِ أحَدِ الوَصْفَيْنِ عَلى الآخَرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ولقد آتيناك سَبْعًا} أي سبع آيات وهي الفاتحة أو سبع سور وهي الطوال واختلف في السابعة فقيل الأنفال وبراءة لأنهما في حكم سورة بدليل عدم التسمية بينهما وقيل سورة يونس أو أسباع القرآن {مِّنَ المثاني} هي من التثنية وهي التكرير لأن الفاتحة مما يتكرر في الصلاة أو من الثناء لاشتمالها على ما هو ثناء على الله الواحدة مثناة أو مثنية صفة لآية وأما السور الأسباع فلما وقع فيها من تكرير القصص والمواعظ والوعد والوعيد ولما فيها من الثناء كأنها تثني على الله وإذا جعلت السبع مثاني فمن للتبيين وإذا جعلت القرآن مثاني فمن للتبعيض {والقرآن العظيم} هذا ليس بعطف الشيء على نفسه لأنه إذا أريد بالسبع الفاتحة أو الطوال فما وراءهن ينطلق عليه اسم القرآن لأنه اسم يقع على البعض كما يقع على الكل دليله قوله بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هذا القرآن يعني سورة يوسف وإذا أريد به الأَسباع فالمعنى ولقد آتيناك ما يقال له السبع المثاني والقرآن العظيم أي الجامع لهذين النعتين وهو التثنية أو الثناء والعظم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا ﴾ أيْ سَبْعَ آياتٍ وهي الفاتِحَةُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي جَعْفَرٍ وأبِي عَبْدِ اللَّهِ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وأبِي العالِيَةِ والضَّحّاكِ وابْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.

وجاءَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا أيْضًا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن حَدِيثِ أُبَيٍّ وأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقِيلَ: سَبْعُ سُوَرٍ وهي الطُّوَلُ ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ عُمْرَ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ وهي في رِوايَةٍ البَقَرَةُ وآلُ عِمْرانَ والنِّساءُ والمائِدَةُ والأنْعامُ والأعْرافُ والأنْفالُ وبَراءَةُ سُورَةٌ واحِدَةٌ، وفي أُخْرى عُدَّ بَراءَةُ دُونَ الأنْفالِ السّابِعَةُ، وفي أُخْرى عُدَّ يُونُسَ دُونَهُما، وفي أُخْرى عُدَّ الكَهْفُ، وقِيلَ: السَّبْعُ آلُ حم، وقِيلَ: سَبْعُ صُحُفٍ مِنَ الصُّحُفِ النّازِلَةِ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، عَلى مَعْنى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُوتِيَ ما يَتَضَمَّنُ سَبْعًا مِنها وإنْ لَمْ يَكُنْ بِلَفْظِها وهي الأسْباعُ، وعَنْ زِيادِ بْنِ أبِي مَرْيَمَ هي أُمُورٌ سَبْعٌ: الأمْرُ والنَّهْيُ والبِشارَةُ والإنْذارُ وضَرْبُ الأمْثالِ وتَعْدادُ النِّعَمِ وأخْبارُ الأُمَمِ، وأصَحُّ الأقْوالِ الأوَّلُ.

وقَدْ أخْرَجَهُ البُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ ورَفَعُوهُ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ بَلْ لا يَجُوزُ ذَلِكَ.

وأوْرَدَ عَلى القَوْلِ بِأنَّها السَّبْعُ الطُّوَلُ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وتِلْكَ السَّبْعَ مَدَنِيَّةٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ الرَّبِيعِ، فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشَّعَبِ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّهم يَقُولُونَ: هي السَّبْعُ الطُّوَلُ فَقالَ: لَقَدْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وما نَزَلَ مِنَ الطُّوَلِ شَيْءٌ وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِإيتائِها إنْزالُها إلى السَّماءِ الدُّنْيا ولا فَرْقَ بَيْنَ المَدَنِيِّ والمَكِّيِّ فِيها.

واعْتُرِضَ بِأنَّ ظاهِرَ ( آتَيْناكَ ) يَأْباهُ، وقِيلَ: إنَّهُ تَنْزِيلٌ لِلْمُتَوَقَّعِ مَنزِلَةَ الواقِعِ في الِامْتِنانِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ ﴿ مِنَ المَثانِي ﴾ بَيانٌ لِلسَّبْعِ وهُوَ- عَلى ما قالَ في مَوْضِعٍ مِنَ الكَشّافِ- جَمْعُ مَثْنى بِمَعْنى مُرَدَّدٍ ومُكَرَّرٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُثَنّى مَفْعَلٍ مِنَ التَّثْنِيَةِ بِمَعْنى التَّكْرِيرِ والإعادَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ ﴾ أيْ كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ ونَحْوَ قَوْلِهِمْ لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ وأرادَ كَما في الكَشْفِ أنَّهُ جَمْعٌ لِمَعْنى التَّكْرِيرِ والإعادَةِ كَما ثَنّى لِذَلِكَ لَكِنَّ اسْتِعْمالَ المُثَنّى في هَذا المَعْنى أكْثَرُ لِأنَّهُ أوَّلُ مَراتِبِ التَّكْرارِ ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ أنَّ مُثَنّى بِمَعْنى التَّكْرِيرِ والإعادَةِ كَما أنَّ صَرِيحَ المُثَنّى كَذَلِكَ في نَحْوِ ﴿ كَرَّتَيْنِ ﴾ ثُمَّ جُمِعَ مُبالَغَةً.

وقَوْلُهُ مِنَ التَّثْنِيَةِ إيضاحٌ لِلْمَعْنى لِأنَّهُ مِنَ الثَّنْيِ بِمَعْنى التَّثْنِيَةِ والأوَّلُ أرْجَحُ نَظَرًا إلى ظاهِرِ اللَّفْظِ والثّانِي نَظَرًا إلى الأصْلِ وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: إنَّهُ مِنَ التَّثْنِيَةِ أوِ الثَّناءِ والواحِدَةُ مُثَنّاةٌ أوْ مَثْنِيَةٌ بِفَتْحِ المِيمِ عَلى ما في أكْثَرِ النُّسَخِ وإلّا قِيسَ عَلى ما قالَ المُدَقِّقُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ أنَّ ذَلِكَ مُشْتَقٌّ مِنَ الثَّناءِ أوِ الثَّنْيِ جَمْعِ مَثْنى مَفْعَلٍ مِنهُما إمّا بِمَعْنى المَصْدَرِ جُمِعَ لَمّا صُيِّرَ صِفَةً أوْ بِمَعْنى المَكانِ في الأصْلِ نُقِلَ إلى الوَصْفِ مُبالَغَةً نَحْوَ أرْضٍ مَأْسَدَةٍ لِأنَّ مَحَلَّ الثَّناءِ يَقَعُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ عَلى الثّانِي والمُثَنّى عَلَيْهِ وكَذَلِكَ مَحَلُّ الثَّنْيِ ولا بُعْدَ في بابِ العَدْلِ أنْ يَكُونَ مَنقُولًا عَنْهُ لا مُخْتَرَعًا ابْتِداءً، وإطْلاقُ ذَلِكَ عَلى الفاتِحَةِ لِأنَّها تُكَرَّرُ قِراءَتُها في الصَّلاةِ ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ وأبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى وعَنِ الزَّجّاجِ لِأنَّها تُثَنّى بِما يُقْرَأُ بَعْدَها مِنَ القُرْآنِ وقِيلَ ونُسِبَ إلى الحَسَنِ أيْضًا: لِأنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِمَكَّةَ ومَرَّةً بِالمَدِينَةِ.

وتُعِقِّبَ بِأنَّها كانَتْ مُسَمّاةً بِهَذا الِاسْمِ قَبْلَ نُزُولِها الثّانِي إذِ السُّورَةُ كَما سَمِعْتَ غَيْرَ مَرَّةٍ مَكِّيَّةٌ وقِيلَ: لِأنَّ كَثِيرًا مِن ألْفاظِها مُكَرَّرٌ كالرَّحْمَنِ والرَّحِيمِ وإيّاكَ والصِّراطِ وعَلَيْهِمْ، وقِيلَ: لِاشْتِمالِها عَلى الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى والقَوْلانِ كَما تَرى، وقِيلَ ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أنَّ إطْلاقَ المَثانِي عَلى الفاتِحَةِ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ اسْتَثْناها وادَّخَرَها لِهَذِهِ الأُمَّةِ فَلَمْ يُعْطِها لِغَيْرِهِمْ، ورُوِيَ هَذا الِادِّخارُ في غَيْرِها أيْضًا وفي غَيْرِها أنَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ تَكَرَّرَ قِراءَتُهُ وألْفاظُهُ أوْ قِصَصُهُ ومَواعِظُهُ أوْ لِما فِيهِ مِنَ الثَّناءِ عَلَيْهِ تَعالى بِما هو أهْلُهُ جَلَّ شَأْنُهُ أوْ لِأنَّهُ مُثَنّى عَلَيْهِ بِالبَلاغَةِ والإعْجازِ أوْ يُثَنّى بِذَلِكَ عَلى المُتَكَلِّمِ بِهِ، وعَنْ أبِي زَيْدٍ البَلْخِيِّ أنَّ إطْلاقَ المَثانِي عَلى ذَلِكَ لِأنَّهُ يُثْنِي أهْلَ الشَّرِّ عَنْ شَرِّهِمْ فَتَأمَّلْ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمَثانِي القُرْآنُ كُلُّهُ وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي مالِكٍ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ في تَوْجِيهِ إطْلاقِها عَلَيْهِ مَعَ الِاخْتِلافِ في الإفْرادِ والجَمْعِ، وأنْ يُرادَ بِها كُتُبُ اللَّهِ تَعالى كُلُّها- فَمِن- لِلتَّبْعِيضِ وعَلى الأوَّلِ لِلْبَيانِ ﴿ والقُرْآنَ العَظِيمَ ﴾ بِالنَّصْبِ عُطِفَ عَلى سَبْعًا فَإنْ أُرِيدَ بِها الآياتُ أوِ السُّوَرُ أوِ الأُمُورُ السَّبْعُ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْ زِيادٍ فَهو مِن عَطْفِ الكُلِّ عَلى الجُزْءِ بِأنْ يُرادَ بِالقُرْآنِ مَجْمُوعُ ما بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ أوْ مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ بِأنْ يُرادَ بِهِ المَعْنى المُشْتَرِكُ بَيْنَ الكُلِّ والبَعْضِ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى امْتِيازِ الخاصِّ حَتّى كَأنَّهُ غَيْرُهُ كَما في عَكْسِهِ وإنْ أُرِيدَ بِها الأسْباعُ فَهو مِن عَطْفِ أحَدِ الوَصْفَيْنِ عَلى الآخَرِ كَما في قَوْلِهِ: إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ.

البَيْتَ، بِناءً عَلى أنَّ القُرْآنَ في نَفْسِهِ الأسْباعُ أيْ ولَقَدْ آتَيْناكَ ما يُقالُ لَهُ السَّبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ، واخْتارَ بَعْضُهم تَفْسِيرَ (القُرْآنَ العَظِيمَ) كالسَّبْعِ المَثانِي بِالفاتِحَةِ لِما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ««الحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ هي السَّبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ»».

وفِي الكَشْفِ كَوْنُهُما الفاتِحَةَ أوْفَقُ لِمُقْتَضى المَقامِ لِما مَرَّ في تَخْصِيصِ ﴿ الكِتابِ وقُرْآنٍ مُبِينٍ ﴾ بِالسُّورَةِ وأشَدُّ طِباقًا لِلْواقِعِ فَلَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ قَدْ أُوتِيَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كُلَّهُ اه، وأمْرُ العَطْفِ مَعْلُومٌ مِمّا قَبْلَهُ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ «والقُرْآنِ» بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى (المَثانِي)، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الواوَ مُقْحَمَةٌ والتَّقْدِيرَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي القُرْآنِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي أي: فاتحة الكتاب وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ أي: سائر القرآن، وهذا قول: ابن عباس، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: «السبع المثاني، السبع الطوال» .

وعن سعيد بن جبير قال: «البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس» .

قال: «لأنه يثني فيها حدود الفرائض والقرآن» .

ويقال: السبع المثاني، والقرآن كله وهو سبعة أسباع.

سمي مثاني: لأن ذكر الأقاصيص فيه مثنى كقوله: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ [الزمر: 23] وقال طاوس: «القرآن كله مثاني» .

وقال أبو العالية: «المثاني، فاتحة الكتاب سبع آيات، وإنما سمي مثاني، لأنه يثنى مع القرآن كلما قرئ القرآن» .

قيل إنهم يزعمون أنها السبع الطوال.

قال: لقد أنزلت هذه الآية، وما أنزل شيء من الطوال.

وسئل الحسن عن قوله: سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ حتى أتى على آخرها.

وروى أبو هريرة عن رسول الله  أنه قال: «الحمد لله رَبِّ العَالَمِينَ أُمُّ الكِتَابِ وَأَمُّ القُرْآنِ وَالسَّبْعُ المَثَانِي» .

وقال قتادة: السبع المثاني هي فاتحة الكتاب تثنى في كل ركعة مكتوبة أو تطوع، يعني: في كل صلاة.

ويقال: مِنَ الْمَثانِي أي: مما أثني به على الله تعالى، لأن فيها حمدَ الله تعالى وتوحيده ومِنَ هاهنا على ضربين: يكون للتبعيض من القرآن أي: أعطيناك سبع آيات من جملة الآيات التي يثنى بها على الله تعالى، وآتيناك القرآن العظيم، ويجوز أن يكون السبع هي المثاني كقوله: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [الحج: 30] أي: اجتنبوا الأوثان.

قوله: لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ أي: لا تنظرن بعين الرغبة إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أي: إلى ما أعطيناك في الدنيا من القرآن خير وأفضل مما أعطيناهم من الأموال، فاستغن بما أعطيناك من القرآن والدين والعلم، ولا تنظر إلى أموالهم.

أَزْواجاً مِنْهُمْ أي: أصنافاً منهم، وألواناً من الأموال، وقوله: مِنْهُمْ أي أعطينا رجلا من المشركين منهم وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي: على كفار مكة إن لم يؤمنوا، لأن مقدوري عليهم الكفر.

ويقال: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ إن نزل بهم العذاب وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ يقول: ليّن جناحك عليهم أي: تواضع للمؤمنين وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ أخوفكم بعذاب مبين، بلغة تعرفونها.

قال عز وجل: كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ أي: كما أنزلنا العذاب عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ وهم الذين اقتسموا على عقاب مكة، ليردوا الناس عن دين الإسلام، وعن الإيمان بمحمد  .

ويقال: إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ بالقرآن، كما أنزلنا التوراة والإنجيل على المقتسمين، وهم اليهود والنصارى، اقتسموا فآمنوا ببعض وكفروا ببعض.

وقال مجاهد: هم اليهود والنصارى، فرقوا القرآن، آمنوا ببعضه، وكفروا ببعضه.

ويقال: إن أهل مكة قالوا أقاويل مختلفة.

الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ أي: فرقوا القول فيه.

قال بعضهم: سحر، وقال بعضهم: شعر، وهذا قول قتادة.

ويقال: أصله في اللغة الفرقة.

يقال: فرّقوه أي: عضوه أعضاء.

يقال: ليس دين الله بالتعضية أي: بالتفريق.

وروى الضحاك، عن ابن عباس، أنه قال: «جزّءوه وجعلوه أعضاء كأعضاء الجزور» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فاستظلوا بها، فأمطرتْ عليهم ناراً، وحكى «١» الطبريُّ قال: بُعِثَ شعيبٌ إِلى أَمَّتَيْنِ، فكفرتا، فعُذِّبتا بعذابَيْنِ مختلفينِ: أهْلِ مَدْيَنَ عَذِّبوا بالصيحة، وأصْحَابِ الأيكة بالظُّلَّة «٢» .

وقوله: وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ: الضميرُ في «إنهما» : يحتملُ أنْ يعود على مدينةِ قومِ لوطٍ، ومدينة أصحابِ الأيْكَة، ويحتملُ أنْ يعود على لُوطٍ وشُعَيْبٍ عليهما السلام، أي:

أنهما على طريقٍ من اللَّه وشَرْعٍ مبينٍ، و «الإِمامُ» ، في كلام العرب: الشيء الذي يهتدى به، ويؤتَمُّ به فقد يكون الطريقَ، وقد يكون الكتابَ، وقد يكونُ الرَّجُلَ المقتدَى به، ونَحْوَ هذا، ومَنْ رأى عودَ الضميرِ على المدينتين، قال: «الإِمام» : الطريقُ، وقيل على ذلك الكتاب الذي سبق فيه إهلاكهما، وأَصْحابُ الْحِجْرِ: هم ثمود، وقد تقدَّم قصصهم، و «الحِجْر» : مدينتهم، وهي ما بين المدينةِ وتَبُوك، وقال: الْمُرْسَلِينَ من حيث يلزم من تكذيبِ رسولٍ واحدٍ تكذيبَ الجميع، إِذِ القولُ في المعتَقَدَاتِ واحدٌ.

وقوله: يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ: «النحت» : النَّقْر بالمعاوِلِ، و «آمنين» :

قيل: معناه: من انهدامها، وقيل: مِنْ حوادِثِ الدنيا، وقيل: من الموتِ لاغترارهم بطول الأعمار، وأصحُّ ما يظهر في ذلك أنهم كانوا يأمنون عواقب/ الآخرة، فكانوا لا يعملون بحسبها.

وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ، أي: لم تخلق عبثاً ولا سدًى، وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ، أي: فلا تهتمَّ يا محمَّد بأعمال الكَفَرة فإِن اللَّه لهم بالمِرْصاد، وقوله عَزَّ وجلَّ وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي: ذهب ابنُ مسعودٍ وغيره إِلى أن السبْعَ المثانِيَ هنا هي السبعُ الطِّوال: «البقرةُ» ، و «آل عمران» ، و «النساء» ، و «المائدة» ، و «الأنعام» ، و «المص» ، و «الأنفال» مع «براءة» «٣» ، وذهب جماعةٌ من الصحابة ومن بعدهم

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ سَبْعَ قَوافِلَ وافَتْ مَن بُصْرى وأذْرِعاتٍ لِيَهُودِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ في يَوْمٍ واحِدٍ، فِيها أنْواعٌ مِنَ البَزِّ والطِّيبِ والجَواهِرِ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: لَوْ كانَتْ هَذِهِ الأمْوالُ لَنا لَتَقَوَّيْنا بِها وأنْفَقْناها في سَبِيلِ اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ: أعْطَيْتُكم سَبْعَ آياتٍ هي خَيْرٌ لَكم مِن هَذِهِ السَّبْعِ القَوافِلِ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا قَوْلُهُ: ﴿ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ.

.

.

﴾ الآيَةُ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ.

وَفِي المُرادِ بِالسَّبْعِ المَثانِي أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها فاتِحَةُ الكِتابِ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ في رِوايَةٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الأكْثَرِينَ عَنْهُ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ في آخَرِينَ.

فَعَلى هَذا، إنَّما سُمِّيَتْ بِالسَّبْعِ، لِأنَّها سَبْعُ آياتٍ.

وَفِي تَسْمِيَتِها بِالمَثانِي سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لِأنَّ اللَّهَ اسْتَثْناها لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  فَلَمْ يُعْطِها أُمَّةً قَبْلَهم، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لِأنَّها تُثَنّى في كُلِّ رَكْعَةٍ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والمَعْنى: آتَيْناكَ السَّبْعَ الآياتِ الَّتِي تُثَنّى في كُلِّ رَكْعَةٍ، وإنَّما دَخَلَتْ " مِن " لِلتَّوْكِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَلَهم فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ  ﴾ .

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَ " الحَمْدُ " مَثانِيَ، لِأنَّها تُثَنّى في كُلِّ صَلاةٍ.

والثّالِثُ: لِأنَّها ما أُثْنِيَ بِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى، لِأنَّ فِيها حَمْدَ اللَّهِ وتَوْحِيدَهُ وذِكْرَ مَمْلَكَتِهِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: لِأنَّ فِيها " الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ " مَرَّتَيْنِ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ بَعْضِ اللُّغَوِيِّينَ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن يَرى التَّسْمِيَةَ مِنها.

والخامِسُ: لِأنَّها مَقْسُومَةٌ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ عَبْدِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ " «قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي» " .

والسّادِسُ: لِأنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ، ذَكَرَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ.

والسّابِعُ: لِأنَّ كَلِماتِها مُثَنّاةٌ، مِثْلُ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إيّاكَ إيّاكَ، الصِّراطَ صِراطَ، عَلَيْهِمْ عَلَيْهِمْ، غَيْرِ غَيْرِ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

ومِن أعْظَمِ فَضائِلِها أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَها في حَيِّزٍ، والقُرْآنَ كُلَّهُ في حَيِّزٍ، وامْتَنَّ عَلَيْهِ بِها كَما امْتَنَّ عَلَيْهِ بِالقُرْآنِ كُلِّهِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها السَّبْعُ الطُّوَلُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ في رِوايَةٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، والضَّحّاكُ.

فالسَّبْعُ الطُّوَلُ هي: (البَقَرَةُ)، و (آلُ عِمْرانَ)، و (النِّساءُ)، و (المائِدَةُ)، و (الأنْعامُ)، و (الأعْرافُ)، وفي السّابِعَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها (يُونُسُ) قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: (بَراءَةٌ) قالَهُ أبُو مالِكٍ.

والثّالِثُ: (الأنْفالُ) و (بَراءَةٌ) جَمِيعًا، رَواهُ سُفْيانُ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وكانُوا يَرَوْنَ (الأنْفالَ) و (بَراءَةً) سُورَةً واحِدَةً، ولِذَلِكَ لَمْ يَفْصِلُوا بَيْنَهُما، قالَ شَيْخُنا أبُو مَنصُورٍ اللُّغَوِيُّ: هي الطُّوَلُ، ولا تَقُلْها بِالكَسْرِ، فَعَلى هَذا، في تَسْمِيَتِها بِالمَثانِي قَوْلانِ: أحَدُهُما لِأنَّ الحُدُودَ والفَرائِضَ والأمْثالَ ثُنِّيَتْ فِيها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لِأنَّها تُجاوِزُ المِائَةَ الأُولى إلى المِائَةِ الثّانِيَةِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ السَّبْعَ المَثانِيَ سَبْعُ مَعانٍ أُنْزِلَتْ في القُرْآنِ: أمْرٌ، ونَهْيٌ، وبِشارَةٌ، وإنْذارٌ، وضَرْبُ الأمْثالِ، وتَعْدادُ النِّعَمِ، وأخْبارُ الأُمَمِ، قالَهُ زِيادُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ.

والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ المَثانِيَ: القُرْآنُ كُلُّهُ، قالَهُ طاوُوسُ، والضَّحّاكُ، وأبُو مالِكٍ، فَعَلى هَذا، في تَسْمِيَةِ القُرْآنِ بِالمَثانِي أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لِأنَّ بَعْضَ الآياتِ يَتْلُو بَعْضًا، فَتُثَنّى الآخِرَةُ عَلى الأُولى، ولَها مَقاطِعُ تَفْصِلُ الآيَةَ بَعْدَ الآيَةِ حَتّى تَنْقَضِيَ السُّورَةُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ سُمِّيَ بِالمَثانِي لِما يَتَرَدَّدُ فِيهِ مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

والثّالِثُ: لِما يَتَرَدَّدُ فِيهِ مِن ذِكْرِ الجَنَّةِ، والنّارِ، والثَّوابِ، والعِقابِ.

والرّابِعُ: لِأنَّ الأقاصِيصَ، والأخْبارَ، والمَواعِظَ، والآدابَ، ثُنِّيَتْ فِيهِ، ذَكَرَهُنَّ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قَدْ يَكُونُ المَثانِي سُوَرَ القُرْآنِ كُلِّهِ، قِصارَها وطُوالَها، وإنَّما سُمِّيَ مَثانِيَ، لِأنَّ الأنْباءَ والقَصَصَ تُثَنّى فِيهِ، فَعَلى هَذا القَوْلِ، المُرادُ بِالسَّبْعِ: سَبْعَةُ أسْباعِ القُرْآنِ، ويَكُونُ في الكَلامِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: وهي القُرْآنُ العَظِيمُ.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ مِنَ المَثانِي ﴾ فَفي " مِن " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها لِلتَّبْعِيضِ، فَيَكُونُ المَعْنى: آتَيْناكَ سَبْعًا مِن جُمْلَةِ الآياتِ الَّتِي يُثْنى بِها عَلى اللَّهِ تَعالى، وآتَيْناكَ القُرْآنَ.

والثّانِي: أنَّها لِلصِّفَةِ، فَيَكُونُ السَّبْعُ هي المَثانِي، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ  ﴾ لا أنَّ بَعْضَها رِجْسٌ، ذَكَرَ الوَجْهَيْنِ الزَّجّاجُ، وقَدْ ذَكَرْنا عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ قَرِيبًا مِن هَذا المَعْنى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والقُرْآنَ العَظِيمَ ﴾ يَعْنِي: العَظِيمَ القَدْرِ، لِأنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى، ووَحْيُهُ.

وَفِي المُرادِ بِهِ هاهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جَمِيعُ القُرْآنِ.

قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّهُ الفاتِحَةُ، أيْضًا، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ، وقَدْ رَوَيْنا فِيهِ حَدِيثًا في أوَّلِ تَفْسِيرِ (الفاتِحَةِ) .

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ، يَكُونُ قَدْ نُسِقَ الكُلُّ عَلى البَعْضِ، كَما يَقُولُ العَرَبِيُّ: رَأيْتُ جِدارَ الدّارِ والدّارَ، وإنَّما يَصْلُحُ هَذا، لِأنَّ الزِّيادَةَ الَّتِي في الثّانِي مِن كَثْرَةِ العَدَدِ أشْبَهَ بِها ما يُغايِرُ الأوَّلَ، فَجَوَّزَ ذَلِكَ عَطْفَهُ عَلَيْهِ.

وعَلى القَوْلِ الثّانِي، نُسِقَ الشَّيْءُ عَلى نَفْسِهِ لَمّا زِيدَ عَلَيْهِ مَعْنى المَدْحِ والثَّناءِ، كَما قالُوا: رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمْرَ، وابْنِ الخَطّابِ.

يُرِيدُونَ بِابْنِ الخَطّابِ: الفاضِلَ العالِمَ الرَّفِيعَ المَنزِلَةِ، فَلَمّا دَخَلَتْهُ زِيادَةٌ، أشْبَهَ ما يُغايِرُ الأوَّلَ؛ فَعُطِفَ عَلَيْهِ.

وَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مِنَّتَهُ عَلَيْهِ بِالقُرْآنِ؛ نَهاهُ عَنِ النَّظَرِ إلى الدُّنْيا لِيَسْتَغْنِيَ بِما آتاهُ مِنَ القُرْآنِ عَنِ الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ ﴾ أيْ: أصْنافًا مِنَ اليَهُودِ والمُشْرِكِينَ، والمَعْنى: أنَّهُ نَهاهُ عَنِ الرَّغْبَةِ في الدُّنْيا.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.

والثّانِي: لا تَحْزَنُ بِما أنْعَمْتُ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: ألِنْ جانِبَكَ لَهم.

وخَفْضُ الجَناحِ: عِبارَةٌ عَنِ السُّكُونِ وتَرْكِ التَّصَعُّبِ والإباءِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ارْفُقْ بِهِمْ ولا تَغْلُظْ عَلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ ﴾ حَرَّكَ ياءَ " إنِّيَ " ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ.

وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ مَعْناها مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ ﴾ ﴿ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ المُبِينُ ﴾ ﴿ كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ ﴾ ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: السَبْعُ هُنا هي السَبْعُ الطِوالُ: البَقَرَةُ، وآلُ عِمْرانَ، والنِساءُ، والمائِدَةُ، والأنْعامُ، والمص، والأنْفالُ مَعَ بَراءَةَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: بَلِ السابِعَةُ يُونُسَ: ولَيْسَتِ الأنْفالُ وبَراءَةُ مِنها.

و"المَثانِي" - عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- القُرْآنُ كُلُّهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ  ﴾ ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ لَأنَّ القَصَصَ والأخْبارَ تَثَنّى فِيهِ وتَرَدَّدَ.

وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنُ مَسْعُودٍ، والحُسْنُ، وابْنُ أبِي مَلِيكَةَ، وعَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وجَماعَةٌ: السَبْعُ هُنا هي آياتُ الحَمْدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُنَّ سَبْعٌ بِالبَسْمَلَةِ، وقالَ غَيْرُهُ: هُنَّ سَبْعٌ دُونَ البَسْمَلَةِ، ورُوِيَ في هَذا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ونَصُّهُ: «قالَ أُبَيٌّ: قالَ لِي رَسُولُ اللهِ  : "ألّا أُعَلِّمُكَ يا أُبَيُّ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ في التَوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ ولا في الزَبُورِ ولا في الفُرْقانِ مِثْلَها" ؟

قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "إنِّي لِأرْجُوَ أنْ لا تَخْرُجُ مِن ذَلِكَ البابِ حَتّى تَعْلَمَها"، فَقامَ رَسُولُ اللهِ  وقُمْتُ مَعَهُ، ويَدِي في يَدِهِ، وجَعَلَتْ أُبْطِئُ مَخافَةَ أنْ أخْرُجَ، فَلَمّا دَنَوْتُ مِن بابِ المَسْجِدِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، السُورَةُ الَّتِي وعَدْتَنِيها؟

فَقالَ: "كَيْفَ تَقْرَأُ إذا قُمْتَ في الصَلاةِ؟" قالَ: فَقَرَأتْ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ  ﴾ حَتّى أكْمَلْتُ فاتِحَةَ الكِتابِ، فَقالَ: "هِيَ هِيَ، وهي السَبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُ"،» كَذا أو نَحْوَهُ، ذَكَرَهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ، وهو مَرْوِيٌّ في البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ عن أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى أيْضًا.

ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ  « "أنَّها السَبْعُ المَثانِي، وأُمُّ القُرْآنِ، وفاتِحَةُ الكِتابِ"،» وفي كِتابِ الزَهْراوِيِّ: "وَلَيْسَ فِيها بَسْمَلَةٌ".

و"المَثانِي" -عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القُرْآنَ، فَـ "مِنَ" لِلتَّبْعِيضِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أرادَ الحَمْدَ نَفْسَها، كَما قالَ: ﴿ الرِجْسَ مِنَ الأوثانِ  ﴾ فَـ "مِنَ" لِبَيانِ الجِنْسِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لَأنَّها تُثَنّى في كُلِّ رَكْعَةٍ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لَأنَّها يُثْنى بِها عَلى اللهِ تَعالى، جَوَّزَهُ الزُجاجُ، وفي هَذا القَوْلِ مِن جِهَةِ التَصْرِيفِ نَظَرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لَأنَّ اللهَ تَعالى اسْتَثْناها لِهَذِهِ الأُمَّةِ ولَمْ يُعْطِها لِغَيْرِها، وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "والقُرْآنِ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "المَثانِي"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "والقُرْآنَ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ "سَبْعًا".

وقالَ زِيادُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: "سَبْعًا" أيْ سَبْعَ مَعانٍ مِنَ القُرْآنِ خَوَّلْناكَ فِيها شَرَفَ المَنزِلَةِ في الدُنْيا والآخِرَةِ، وهِيَ: مُرْ، وانْهَ، وبَشِّرْ، وأنْذِرْ، واضْرِبِ الأمْثالَ، واعْدُدِ النِعَمَ، وفُضَّ الغُيُوبَ.

وقالَ أبُو العالِيَةِ: السَبْعُ المَثانِي هي آيَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ، وقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ وما نَزَلَ مِنَ السَبْعِ الطَوالِ شَيْءٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ الآيَةُ.

حَكى الطَبَرِيُّ عن سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ أمْرٌ بِالِاسْتِغْناءِ بِكِتابِ اللهِ عن جَمِيعِ زِينَةِ الدُنْيا، وهي ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لَيْسَ مِنّا مَن لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ"،» أيْ: يَسْتَغْنِي بِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْناكَ عَظِيمًا خَطِيرًا، فَلا تَنْظُرْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورِ الدُنْيا وزِينَتِها الَّتِي مَتَّعْنا بِها أنْواعًا مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيِّ  : « "مَن أُوتِيَ القُرْآنَ فَرَأى أنَّ أحَدًا أُعْطِيَ أفْضَلَ مِمّا أُعْطِيَ فَقَدْ عَظَّمَ صَغِيرًا وصَغَّرَ عَظِيمًا"،» وكَأنَّ مَدَّ العَيْنِ يَقْتَرِنُ بِهِ تَمَنٍّ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنِ المَيْلِ إلى زِينَةِ الدُنْيا بِمَدِّ العَيْنِ.

و"الأزْواجُ" هُنا: الأنْواعُ والأشْباهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ ، أيْ: لا تَتَأسَّفْ لِكُفْرِهِمْ وهَلاكِهِمْ، واصْرِفْ وجْهَكَ وتَحَفِّيَكَ إلى مَن آمَنَ بِكَ، واخْفِضْ لَهم جَناحَكَ، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى: لَيِّنْ جَناحَكَ وَوَطِئَ أكْنافَكَ.

و"الجَناحُ": الجانِبُ والجَنْبُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ  ﴾ ، فَهو أمْرٌ بِالمَيْلِ إلَيْهِمْ، والجُنُوحُ: المَيْلُ.

﴿ وَقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ المُبِينُ ﴾ ، أيْ: تَمَسَّكْ بِهَذا القَدْرِ العَظِيمِ الَّذِي وهَبْناكَ، والكافُ مِن قَوْلِهِ: "كَما" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ بِعَذابٍ كالَّذِي أنْزَلْناهُ عَلى المُقْتَسِمِينَ، والكافُ اسْمٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ، وهو عِنْدِي غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لَأنَّ "كَما" لَيْسَتْ مِمّا يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ  ، بَلْ هو مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لَهُ، فَيَنْفَصِلُ الكَلامُ، وإنَّما يَتَرَتَّبُ هَذا القَوْلُ بِأنْ نُقَدِّرَ أنَّ اللهَ تَعالى قالَ لَهُ: تُنْذِرُ عَذابًا كَما، والَّذِي أقُولُ في هَذا: إنَّ المَعْنى: وقُلْ أنا النَذِيرُ كَما قالَ قَبْلَكَ رُسُلُنا، وأنْزَلَنا عَلَيْهِمْ كَما أنْزَلْنا عَلَيْكَ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وقُلْ أنا النَذِيرُ كَما أنْزَلْنا في الكُتُبِ أنَّكَ سَتَأْتِي نَذِيرًا، وهَذا عَلى أنَّ "المُقْتَسِمِينَ" أهْلُ الكِتابِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في "المُقْتَسِمِينَ".

مَن هُمْ؟

-فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هم قَوْمُ صالِحٍ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهَّلَهُ، فالمُقْتَسِمُونَ -عَلى هَذا- مِنَ القَسَمِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُقْلِقُ هَذا التَأْوِيلُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ ﴾ .

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المُقْتَسِمُونَ هم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ، وجُعِلُوا كِتابَ اللهِ أعْضاءً، آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، وقالَ نَحْوَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُقْتَسِمُونَ هم مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا الطُرُقَ وقْتَ المَواسِمِ لِيُعَرِّفُوا الناسَ بِحالِ مُحَمَّدٍ  ، وجَعَلُوا القُرْآنَ سِحْرًا وشِعْرًا وكِهانَةً، فَعَضَهُوهُ بِهَذا وعَضُّوهُ أعْضاءً بِهَذا التَقْسِيمِ.

وَقالَ عِكْرِمَةُ: المُقْتَسِمُونَ هم قَوْمٌ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِسُوَرِ القُرْآنِ، ويَقُولُ الرَجُلُ مِنهُمْ: هَذِهِ السُورَةُ لِي، ويَقُولُ الآخَرُ: وهَذِهِ لِي.

وقَوْلُهُ: "عِضِينَ" مَفْعُولٌ ثانٍ، و"جَعَلُوا" بِمَعْنى "صَيَّرُوا"، أيْ بِألْسِنَتِهِمْ ودَعْواهُمْ، وأظْهَرَ ما فِيهِ أنَّهُ جَمْعُ عِضَةٍ، وهي الفِرْقَةُ مِنَ الشَيْءِ، والجَماعَةُ مِنَ الناسِ كَثُبَةٍ وثُبِينَ، وعِزَةٍ وعِزِينَ، وأصْلُها عِضَهَةٌ وثُوبَةٌ، فالياءُ والنُونُ عِوَضٌ مِنَ المَحْذُوفِ، كَما قالُوا سَنَةُ وسُنُونَ، إذْ أصْلُها سَنْهَةٌ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: "عِضِينَ" مَأْخُوذٌ مِنَ الأعْضاءِ، أيْ عَضَّوْهُ فَجَعَلُوهُ أقْسامًا وأعْضاءً، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الراجِزِ: ولَيْسَ دِينُ اللهِ بِالمُعَضّى.

وهَذا هو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ.

وقالَ قَتادَةُ: "عِضِينَ" مَأْخُوذٌ مِنَ العَضَهِ وهو السَبُّ المُفْحِشُ، فَقُرَيْشٌ عَضَهُوا كِتابَ اللهِ بِقَوْلِهِمْ: هو شِعْرٌ، هو سِحْرٌ، هو كِهانَةٌ، وهَذا هو اخْتِيارُ الكِسائِيِّ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "عِضِينَ" جَمْعُ عِضَةٍ، وهي اسْمٌ لِلسِّحْرِ خاصَّةً بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: لِلْماءِ مِن عِضاتِهِنَّ زَمْزَمَهْ.

وقالَ هَذا القَوْلَ عِكْرِمَةُ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقالَ: العَضَهُ: السِحْرُ، وَهم يَقُولُونَ لِلسّاحِرَةِ: العاضِهَةُ، وفي الحَدِيثِ: « "لَعَنَ اللهُ العاضِهَةَ والمُسْتَعْضِهَةَ"،» وهو اخْتِيارُ الفِراءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِن قالَ: "جَعَلُوهُ أعْضاءً" فَإنَّما أرادَ: قَسَّمُوهُ كَما تُقَسَّمُ الجَزُورُ أعْضاءً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ إلى آخَرَ الآيَةِ، ضَمِيرٌ عامٌّ، ووَعِيدٌ مَحْضٌ يَأْخُذُ كُلَّ أحَدٍ مِنهُ بِحَسْبِ جُرْمِهِ وعِصْيانِهِ، فالكافِرُ يُسْألُ عن "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، وعَنِ الرُسُلِ، وعن كُفْرِهِ وقَصْدِهِ، والمُؤْمِنُ العاصِي يُسْألُ عن تَضْيِيعِهِ، والإمامُ عن رَعِيَّتِهِ، وكُلُّ مُكَلَّفٍ عَمّا كُلِّفَ القِيامَ بِهِ، وفي هَذا أحادِيثُ.

وقالَ أبُو العالِيَةِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يُسْألُ العِبادُ كُلُّهم عن خَلَّتَيْنِ يَوْمَ القِيامَةِ.

عَمّا كانُوا يَعْبُدُونَ، وبِماذا أجابُوا المُرْسَلِينَ.

وقالَ في تَفْسِيرِها أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ: إنَّ السُؤالَ عن "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، وذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ عَنِ النَبِيِّ  .

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ، قالَ: يُقالُ لَهُمْ: لِمَ عَمِلْتُمْ كَذا وكَذا؟

قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عن ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ  ﴾ مَعْناهُ: لا يُقالُ لَهُ: ما أذْنَبْتَ؟

لَأنَّ اللهَ تَعالى أعْلَمُ بِذَنْبِهِ مِنهُ، ونَفْيُ السُؤالِ هو نَفْيُ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ، وإيجابُ السُؤالِ هو عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ لَهم والتَوْبِيخِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

اعتراض بين جملة ﴿ فاصفح الصفح الجميل ﴾ [سورة الحجر: 85] وجملة ولقد آتيناك سبعاً } الآية.

أتبع التسلية والوعد بالمنّة ليذكر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالنّعمة العظيمة فيطمئن بأنه كما أحسن إليه بالنّعم الحاصلة فهو منجزه الوعود الصادقة.

وفي هذا الامتنان تعريض بالردّ على المكذبين.

وهو ناظر إلى قوله: ﴿ وقالوا يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ [سورة الحجر: 9].

فالجملة عطف على الجمل السابقة عطف الغرض على الغرض والقصّة على القصّة.

وهذا افتتاح غرض من التنويه بالقرآن والتحقير لعيش المشركين.

وإيتاء القرآن: أي إعطاؤه، وهو تنزيله عليه والوحي به إليه.

وأوثر فعل آتيناك} دون (أوحينا) أو (أنزلنا) لأن الإعطاء أظهر في الإكرام والمنّة.

وجَعْل ﴿ القرآن ﴾ معطوفاً على ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ يشعر بأن السبع المثاني من القرآن.

وذلك ما درج عليْه جمهور المفسّرين ودلّ عليْه الحديث الآتي.

وقد وصف القرآن في سورة الزمر (23) بالمثاني في قوله تعالى: ﴿ الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني ﴾ فتعين أن السبع هي أشياء تجري تسميتها على التأنيث لأنّها أجري عليها اسم عدد المؤنّث.

ويتعيّن أن المراد آيات أو سور من القرآن، وأن ﴿ مِن ﴾ تبعيضية.

وذلك أيضاً شأن ﴿ مِن ﴾ إذا وقعت بعد اسم عدد.

وأن المراد أجزاء من القرآن آيات أو سور لها مزية اقتضت تخصيصها بالذكر من بين سائر القرآن، وأنّ المثاني أسماء القرآن كما دلّت عليه آية الزّمر، وكما اقتضته ﴿ من ﴾ التبعيضية، ولكون المثاني غير السبع مغايرة بالكليّة والجزئية تصحيحاً للعطف.

و ﴿ المثاني ﴾ يجوز أن يكون جمع مُثَنّى بضم الميم وتشديد النّون اسم مفعول مشتقاً من ثَنّى إذا كرّر تكريرة.

قيل ﴿ المثاني ﴾ جمع مثناة بفتح الميم وسكون الثاء المثلّثة وبهاء تأنيث في آخره.

فهو مشتق من اسم الاثنين.

والأصح أن السبع المثاني هي سورة فاتحة الكتاب لأنّها يثنى بها، أي تعاد في كلّ ركعة من الصلاة فاشتقاقها من اسم الإثنين المراد به مطلق التكرير، فيكون استعماله هذا مجازاً مرسلاً بعلاقة الإطلاق، أو كناية لأن التّكرير لازم كما استعملت صيغة التثنية فيه في قوله تعالى: ﴿ ثم ارجع البصر كرّتين ﴾ [سورة الملك: 4] أي كرّات وفي قولهم: لبّيْك وسعديك ودواليْك.

أو هو جمع مَثناة مصدراً ميمياً على وزن المفعلة أطلق المصدر على المفعول.

ثم إن كان المراد بالسبع سبع آيات فالمؤتى هو سورة الفاتحة لأنها سبع آيات وهذا الذي ثبت عن رسول الله في حديث أبي سعيد بن المعلى وأبيّ بن كعب وأبي هُريرة في الصحيح عن رسول الله أن أمّ القرآن هي السبع المثاني فهو الأوْلى بالاعتماد عليه.

وقد تقدم ذلك في ذكر أسماء الفاتحة.

ومعنى التكرير في الفاتحة أنّها تكرّر في الصّلاة.

وعن ابن عبّاس: أن السبع المثاني هي السور السبع الطوال: أولاها البقرة وآخرها براءة.

وقيل: السور الّتي فوق ذوات المئين.

وعطْفُ القرآن} على السبع من عطف الكل على الجزء لقصد التعميم ليعلم أن إيتاء القرآن كلّه نعمة عظيمة.

وفي حديث أبي سعيد بن المعلّى قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم " وَالقرآنُ العظيم الّذي أوتيتُه " على تأويله بأن كلمة «القرآن» مرفوعة بالابتداء «والّذي أوتيتُه» خبره.

وأجري وصف ﴿ العظيم ﴾ على القرآن تنويهاً به.

وإن كان المراد بالسبع سوراً كما هو مروي من قول ابن عباس وكثير من الصّحابة والسّلف واختلفوا في تعيينها بما لا ينثلج له الصدر، فيكون إبهامها مقصوداً لصرف الناس للعناية بجميع ما نزل من سور القرآن كما أبهمت ليلة القدر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ السَّبْعَ المَثانِي هي الفاتِحَةُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُثَنّى كُلَّما قُرِئَ القُرْآنُ وصُلِّيَ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ وأبُو العالِيَةِ والحَسَنُ.

وَقِيلَ: لِأنَّها يُثْنِي فِيها الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: نَشَدْتُكم بِمَنزِلِ القُرْآنِ أُمِّ الكِتابِ السَّبْعِ مِن مَثانِي ∗∗∗ ثُنِّينَ مِن آيٍ مِنَ القُرْآنِ ∗∗∗ والسَّبْعِ سَبْعِ الطُّوَّلِ الدَّوانِي الثّانِي: أنَّها السَّبْعُ الطُّوَلُ: البَقَرَةُ وآلُ عِمْرانَ والنِّساءُ والمائِدَةُ والأنْعامُ والأعْرافُ ويُونُسُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سُمِّيَتِ المَثانِي لِما تَرَدَّدَ فِيها مِنَ الأخْبارِ والأمْثالِ والعِبَرِ، وقِيلَ: لِأنَّها قَدْ تَجاوَزَتِ المِائَةَ الأُولى إلى المِائَةِ الثّانِيَةِ.

قالَ جَرِيرٌ: جَزى اللَّهُ الفَرَزْدَقَ حِينَ يُمْسِي ∗∗∗ مُضِيعًا لِلْمُفَصَّلِ والمَثانِي الثّالِثُ: أنَّ المَثانِيَ القُرْآنُ كُلُّهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومِنهُ قَوْلُ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ تَرْثِي رَسُولَ اللَّهِ  : فَقَدْ كانَ نُورًا ساطِعًا يُهْتَدى بِهِ ∗∗∗ يُخَصُّ بِتَنْزِيلِ المَثانِي المُعْظَّمِ الرّابِعُ: أنَّ المَثانِيَ مَعانِي القُرْآنِ السَّبْعَةُ أمْرٌ ونَهْيٌ وتَبْشِيرٌ وإنْذارٌ وضَرْبُ أمْثالٍ وتَعْدِيدُ نِعَمٍ وأنْباءُ قُرُونٍ، قالَهُ زِيادُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ.

الخامِسُ: أنَّهُ سَبْعُ كَراماتٍ أكْرَمَهُ اللَّهُ بِها، أوَّلُها الهُدى ثُمَّ النُّبُوَّةُ، ثُمَّ الرَّحْمَةُ ثُمَّ الشَّفَقَةُ ثُمَّ المَوَدَّةُ ثُمَّ الأُلْفَةُ ثُمَّ السَّكِينَةُ وضُمَّ إلَيْها القُرْآنُ العَظِيمُ، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ ﴾ يَعْنِي ما مَتَّعْناهم بِهِ مِنَ الأمْوالِ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ أزْواجًا مِنهُمْ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ الأشْباهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُمُ الأصْنافُ قالَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ زِيادٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُمُ الأغْنِياءُ، قالَهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ.

﴿ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ بِما أنْعَمْتُ عَلَيْهِمْ في دُنْياهم.

الثّانِي: لا تَحْزَنْ بِما يَصِيرُونَ إلَيْهِ مِن كُفْرِهِمْ.

﴿ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اخْضَعْ لَهم، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: مَعْناهُ ألِنْ جانِبَكَ لَهم، قالَ الشّاعِرُ: وحَسْبُكَ فِتْيَةٌ لِزَعِيمِ قَوْمٍ ∗∗∗ يَمُدُّ عَلى أخِي سُقْمٍ جَناحا وَرَوى أبُو رافِعٍ «أنَّ النَّبِيَّ  نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ فَلَمْ يَلْقَ عِنْدَهُ أمْرًا يُصْلِحُهُ، فَأرْسَلَ إلى رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ يَسْتَسْلِفُ مِنهُ دَقِيقًا إلى هِلالِ رَجَبٍ، فَقالَ: لا إلّا بِرِهْنٍ، فَقالَ النَّبِيُّ  : (أما واللَّهِ إنِّي لَأمِينٌ في السَّماءِ وأمِينٌ في الأرْضِ، ولَوْ أسْلَفَنِي أوْ باعَنِي لَأدَّيْتُ إلَيْهِ)، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ ﴿ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ ﴾ » <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه وابن عساكر، عن ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ان مدين وأصحاب الأيكة، أمتان بعث الله إليهما شعيباً» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس ﴿ وإن كان أصحاب الأيكة ﴾ قال: قوم شعيب و ﴿ الأيكة ﴾ ذات آجام وشجر كانوا فيها.

وأخرج ابن جرير عن خصيف في قوله: ﴿ أصحاب الأيكة ﴾ قال: الشجر.

وكانوا يأكلون في الصيف الفاكهة الرطبة، وفي الشتاء اليابسة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين ﴾ ذكر لنا أنهم كانوا أهل غيضة، وكان عامة شجرهم هذا الدوم، وكان رسولهم فيما بلغنا شعيب، أرسل إليهم وإلى أهل مدين، أرسل إلى أمتين من الناس وعذبتا بعذابين شتى.

أما أهل مدين، فأخذتهم الصيحة.

وأما ﴿ أصحاب الأيكة ﴾ فكانوا أهل شجرٍ متكاوش.

ذكر لنا أنه سلط عليهم الحر سبعة أيام لا يظلهم منه ظل ولا يمنعهم منه شيء، فبعث الله عليهم سحابة فجعلوا يلتمسون الروح منها، فجعلها الله عليهم عذاباً، بعث عليهم ناراً فاضطرمت عليهم فأكلتهم.

فذلك ﴿ عذاب يوم الظلة أنه كان عذاب يوم عظيم ﴾ [ الشعراء: 189] .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ أصحاب الأيكة ﴾ قال: الغيضة.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير ﴿ أصحاب الأيكة ﴾ قال: أصحاب غيضة.

وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ﴿ الأيكة ﴾ الشجر الملتف.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ أصحاب الأيكة ﴾ أهل مدين.

و ﴿ الأيكة ﴾ الملتفة من الشجر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ الأيكة ﴾ مجمع الشجر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: إن أهل مدين عذبوا بثلاثة أصناف من العذاب: أخذتهم الرجفة في دارهم حتى خرجوا منها، فملا خرجوا منها أصابهم فزع شديد، ففرقوا أن يدخلوا البيوت أن تسقط عليهم، فأرسل الله عليهم الظلة فدخل تحتها رجل فقال: ما رأيت كاليوم ظلاً أطيب ولا أبرد!...

هلموا أيها الناس.

فدخلوا جميعاً تحت الظلة، فصاح فيهم صيحة واحدة فماتوا جميعاً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإنهما لبإمام مبين ﴾ يقول: على الطريق.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ لبإمام مبين ﴾ قال: طريق ظاهر.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وإنهما لبإمام مبين ﴾ قال: بطريق معلم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ لبإمام مبين ﴾ قال: طريق واضح.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ لبإمام مبين ﴾ قال: بطريق مستبين.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ أصحاب الحجر ﴾ قال: أصحاب الوادي.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: كان ﴿ أصحاب الحجر ﴾ ثمود، قوم صالح.

وأخرج البخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحاب الحجر: «لا تدخلوا على هؤلاء القوم إلا أن تكونوا باكين؛ فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك بالحجر عند بيوت ثمود، فاستقى الناس من مياه الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، وعجنوا منها ونصبوا القدور باللحم، فأمرهم بإهراق القدور.

وعلفوا العجين الإِبل ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا فقال: «إني أخشى أن يصيبكم مثل الذي أصابهم، فلا تدخلوا عليهم» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر: أن الناس لما نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر أرض ثمود، استقوا من أبيارها وعجنوا به العجين.

فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهرقوا ما استقوا ويعلفوا الإِبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت ترد الناقة.

وأخرج ابن مردويه عن سبرة بن معبد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بالحجر لأصحابه: «من عمل من هذا الماء شيئاً فليلقه.

قال: ومنهم من عجن العجين، ومنهم من حاس الحيس» .

وأخرج ابن مردويه وابن النجار، عن علي بن أبي طالب في قوله: ﴿ فاصفح الصفح الجميل ﴾ قال: الرضا بغير عتاب.

وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله: ﴿ فاصفح الصفح الجميل ﴾ قال: هو الرضا بغير عتاب.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ فاصفح الصفح الجميل ﴾ قال: هذا الصفح الجميل، كان قبل القتال.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن عمر بن الخطاب قال: السبع المثاني، فاتحة الكتاب.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان من طرق، عن علي بن أبي طالب في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: هي فاتحة الكتاب.

وأخرج ابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: فاتحة الكتاب ﴿ والقرآن العظيم ﴾ قال: سائر القرآن.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن ابن عباس: أنه سئل عن السبع المثاني قال: فاتحة الكتاب، استثناها الله لأمة محمد، فرفعها في أم الكتاب فدخرها لهم حتى أخرجها ولم يعطها أحداً قبله.

قيل: فأين الآية السابعة؟

قال: بسم الله الرحمن الرحيم.

وأخرج ابن الضريس عن سعيد بن جبير مثله.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: دُخرَتْ لنبيكم صلى الله عليه وسلم، لم تُدَّخَرَ لنبي سواه.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: هي أم القرآن، تثنى في كل صلاة.

وأخرج ابن الضريس وأبو الشيخ وابن مردويه، عن أبي هريرة قال: السبع المثاني، فاتحة الكتاب.

وأخرج ابن جرير عن أبي بن كعب قال: السبع المثاني، الحمد لله رب العالمين.

وأخرج ابن الضريس عن يحيى بن يعمر وأبي فاختة في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم ﴾ قالا: هي فاتحة الكتاب.

وأخرج ابن الضريس عن مجاهد في قوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ قال: هي أم الكتاب.

وأخرج ابن جرير عن الحسن مثله.

وأخرج ابن الضريس وابن جرير، عن قتادة في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: فاتحة الكتاب، تثنى في كل ركعة مكتوبة وتطوّع.

وأخرج ابن الضريس عن أبي صالح في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: هي فاتحة الكتاب، تثنى في كل ركعة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق الربيع، عن أبي العالية في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: فاتحة الكتاب سبع آيات.

وإنما سميت ﴿ المثاني ﴾ لأنه ثنى بها، كلما قرأ القرآن قرأها.

قيل للربيع: إنهم يقولون السبع الطول.

قال: لقد أنزلت هذه الآية.

وما نزل من الطول شيء.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: السبع الطول.

وأخرج الفريابي وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: هي السبع الطول.

ولم يُعْطَهُنَّ أحدٌ إلا النبي صلى الله عليه وسلم، وأعطي موسى منهن اثنتين.

وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: أوتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ الطول.

وأوتي موسى ستاً، فلما ألقى الألواح، ذهب اثنتان وبقي أربعة.

وأخرج الدارمي وابن مردويه عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فاتحة الكتاب هي السبع المثاني» .

وأخرج ابن الضريس عن ابن عباس في قوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ قال: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس.

وأخرج سعيد بن منصور وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ قال: السبع الطول: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس.

فقيل لابن جبير: ما قوله: ﴿ المثاني ﴾ قال: ثنى فيها القضاء والقصص.

وأخرج الحاكم والبيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ قال: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والكهف.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان ﴿ المثاني ﴾ المئين: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف وبراءة والأنفال سورة واحدة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي من طريق سعيد جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ قال: السبع الطول.

قلت: لم سميت ﴿ المثاني ﴾ ؟

قال: يتردد فيهن الخبر والأمثال والعبر.

وأخرج ابن مردويه من طريق سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس في قوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ فاتحة الكتاب والسبع الطول منهن.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن زياد بن أبي مريم في قوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ قال: أعطيتك سبعاً أخر أؤمر وأنه وبشر وأنذر واضرب الأمثال واعدد النعم واتل نبأ القرون.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن أبي مالك قال: القرآن كله مثاني.

وأخرج آدم بن أبي إياس وابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي، عن مجاهد في قوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ قال: هي السبع الطول الأول ﴿ والقرآن العظيم ﴾ سائره.

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس قال: ﴿ المثاني ﴾ ما ثني من القرآن.

ألم تسمع لقول الله: ﴿ الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني ﴾ [ الواقعة: 16] .

وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: ﴿ المثاني ﴾ القرآن، يذكر الله القصة الواحدة مراراً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي ﴾ الآية.

اختلفوا في السبع المثاني ما هي؟

فأكثر أهل التفسير والأثر أنها فاتحة الكتاب (١) (٢) (٣)  - قرأ الفاتحة فقال: "هي السبع المثاني" (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) وقال أبو إسحاق: لأنه يثنى بها في كل ركعة مع ما يقرأ من القرآن (٩) (١٠) (١١) ويَخْدِي على صُمٍّ صِلاَبٍ مَلاَطِسٍ ...

شَدِيداتِ عَقْدٍ لَيِّناتِ مَثَانِي (١٢) ومثاني الوادي مجانبُه ومعاطفُه (١٣) (١٤) (١٥) (١٦)  -قال: "يقول الله تعالى: قَسَمْتُ الصلاةَ بَيْنِي وبينَ عَبْدي نِصْفَيْنِ ..

" الحديث مشهور [[أخرجه بنصه: مالك في الموطأ [شرح الزرقاني] كتاب: الصلاة، باب: القراءة خلف الإمام 1/ 175، وأحمد 2/ 285، ومسلم (395): كتاب: الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة عن أبي هريرة، أبو داود (821) كتاب: الصلاة، باب: من ترك قراءة في صلاته بفاتحة الكتاب، والترمذي (2953) كتاب: تفسير القرآن، باب: ومِنْ سورة فاتحة الكتاب، النسائي: كتاب الصلاة، باب: ترك قراءة البسملة في الفاتحة.]].

وقال بعضهم: هي مثاني؛ لأنها قسمان اثنان؛ ثناء ودعاء (١٧) (١٨) (١٩) قال أبو إسحاق: ويجوز -والله أعلم- أن يكون من المثاني: أي مما أُثني به على الله؛ لأن فيها حَمْدَ الله وتوحيدَه، وذِكرَ ملائكته يوم الدين (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) ﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ  ﴾ المعنى: اجتنبوا الأوثان، لا أنَّ بعضها رِجْسٌ (٢٤) وقال ابن عباس في رواية مجاهد وسعيد بن جبير: المثاني السبع الطوال (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) وروي عن جماعة من الصحابة أنهم قالوا: المثاني السور التي هي دون الطِّوَل والمئين، وفوق المُفَصَّل (٣١)  - ثم عن ابن مسعود وعثمان وابن عباس (٣٢)  - قال: "إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوارة، وأعطاني المئين مكان الإنجيل وأعطاني مكان الزبور المثاني، وفضلني ربي بالمفصل" (٣٣) (٣٤) (٣٥) وقال ابن عباس في رواية عطية: القرآن كله مثاني (٣٦) (٣٧) (٣٨) ﴿ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ  ﴾ ، فَسمَّى القرآن كله مثاني، قال أبو عبيد (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) وقوله تعالى: ﴿ وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ﴾ على هذا القول هوالسبع المثاني، إلا أنه أدخل الواو فيه لاختلاف اللفظين (٤٤) (٤٥) إلى المَلِكِ القَرْمِ وابنِ الهُمَام ...

ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمْ وقد ذكرنا نظائر هذا كثيرًا.

(١) ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 198 ب، وهود الهواري 2/ 355، و"تفسير السمرقندي" 2/ 224.

(٢) أخرجه بلفظه: عبد الرزاق 2/ 350 عن أبي هريرة، والطبري 14/ 55 عن علي وابن مسعود بعدة روايات، والدارقطني 1/ 313 عن علي، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 38 عن علي وأبي هريرة، و"تفسير السمرقندي" 2/ 224 عن علي وابن مسعود، والثعلبي 2/ 150 ب عنهم، والطوسي 6/ 353 عن ابن مسعود، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 195 وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن عمر، وزاد نسبته -كذلك- إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن الضريس وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن علي، وزاد نسبته -كذلك- إلى ابن الضريس وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود، وزاد نسبته -كذلك- إلى ابن الضريس وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة.

(٣) أخرجه عبد الرزاق 2/ 349 بلفظه عن قتادة، والطبري 14/ 56 عنهم ماعدا الضحاك والكلبي، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 38 عن مجاهد وقتادة، و"تفسير الثعلبي" 2/ 150 ب بلفظه عنهم ماعدا قتادة، والماوردي 3/ 170 عن الربيع وأبي العالية والحسن، والطوسي 6/ 353 عن الحسن، و"تفسير البغوي" 4/ 390 عن الحسن وسعيد وقتادة، وابن عطية 8/ 350 عن الحسن، وابن الجوزي 4/ 413 عن الحسن وسعيد ومجاهد وقتادة، الفخر الرازي 19/ 207 == عنهم ماعدا الربيع والكلبي، و"تفسير القرطبي" 10/ 54 عن الحسن وأبي العالية والربيع، الخازن 3/ 101 عن الحسن وسعيد ومجاهد وقتادة، وابن كثير 2/ 613 عن الحسن ومجاهد وقتادة، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 196 وعزاه إلى ابن الضريس عن مجاهد، وزاد نسبته إلى ابن الضريس عن قتادة، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن أبي العالية.

(٤) أخرجه البخاري (4704) كتاب: التفسير، باب: الحجر بنصه، وأبو داود (1457) كتاب: الوتر، باب: فاتحة الكتاب بنحوه، والنسائي: كتاب: الافتتاح، باب: ولقد آتيناك سبعاً من المثاني بنحوه، والطبري 14/ 58 بنصه بعدة روايات، والدارقطني: كتاب: الصلاة، باب: وجوب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة 1/ 312 بنحوه، والحاكم: كتاب: التفسير، باب: الحجر (2/ 354) بنحوه، وقال على شرط مسلم، والشعبي 2/ 150 ب.

بنصه.

(٥) أخرجه الطبري 14/ 56 بنحوه وبروايتين، من طريق الحجاج عن ابن جريج عن سعيد (صحيحة)، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 350، وابن الجوزي 4/ 413، والخازن 3/ 101، وابن كثير 2/ 613، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 197 ونسبه إلى ابن مردويه من طريق سعيد.

(٦) "معاني القرآن" للفراء 2/ 91.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 185.

(٨) في (أ)، (د): (أنها) والمثبت من (ش)، (ع).

(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 185 بنصه.

(١٠) لم أقف عليه منسوبًا إليه.

وانظر: (ني) في: "الصحاح" 6/ 2294، "اللسان" 1/ 511، "عمدة الحفاظ" 1/ 333.

(١١) ورد في "تهذيب اللغة" (ثنى) 1/ 507 بنحوه.

(١٢) "ديوانه" ص 166، وفيه: (وَيرْدي) بدل (ويَخدي)، (عفر) بدل (عقد)، و (مثان) بدون ياء.

وورد في: "تهذيب اللغة" (ثنى) 1/ 507، "اللسان" (ثنى) 1/ 516.

(ويخدي) من الوخدان، وهو ضرب من السير، (صم صلاب) حوافر صلبة مصمتة، (ملاطس) معاول، شبههما بها لأنها تكسر ما تقع عليه من حجر وغيره، (شديدات عقد): يريد أن حوافره شديدات عقد الأرساغ، (المثاني) المفاصل.

(١٣) ورد في "تهذيب اللغة" (ثنى) 1/ 507 بنصه.

(١٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 185 بنحوه.

(١٥) ما بين القوسين من (ش)، (ع) وساقط من (أ)، (د).

(١٦) ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 151 أبنحوه، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 413، والفخر الرازي 19/ 207.

(١٧) ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 151ب بنصه، و"تفسير البغوي" 4/ 391، والفخر الرازي 19/ 207، والخازن 3/ 102.

(١٨) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د) والمثبت من (ش)، (ع).

(١٩) ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 151ب بنصه، "تفسير البغوي" 4/ 391، وابن الجوزي 4/ 414، والخازن 3/ 102، الفخر الرازي 19/ 207 بلا نسبة.

والقول بنزولها مرتين انفرد به الحسين بن الفضل ولم أقف عليه منسوبًا إلى غيره، والذين ذكروه - بلا نسبة -أوردوه بصيغة التمريض- كما في "تفسير البغوي" 1/ 49، وابن كثير == 1/ 10 وغيرهما- وقد نقل عنه ما يخالف ما انفرد به، ففي أسباب النزول للواحدي (ص 22) قال: وعند مجاهد أن الفاتحة مدنية، قال الحسين بن الفضل: لكل عالم هفوة وهذه بادرة من مجاهد لأنه تفرّد بهذا القول والعلماء على خلافه.

والصحيح أن مجاهد لم ينفرد بالقول أنها مدنية، بل روي -كذلك- عن أبي هريرة وعطاء بن يسار والزهري.

"تفسير ابن الجوزي" 1/ 10، "تفسير القرطبي"10/ 115، وابن كثير 1/ 10 ولعل الحسين رجع عن القول بأنها نزلت مرتين إلى ما ذهب إليه أكثر المفسرين أنها نزلت بمكة.

وهذا هو الراجح لأمرين: أن سورة الحجر مكية بالإجماع، وورد فيها هذه الآية، وما كان الله ليمتنّ على رسوله بإيتائه فاتحة الكتاب وهو بمكة ثم ينزلها بالمدينة.

أن الصلاة فرضت بمكة، وما حفظ أنه كان في الإسلام قط صلاة بغير الفاتحة - كما قال (: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) ولا يصح القول أنه النبى -  - أقام بمكة بضع عشرة سنة يصلي بلا فاتحة، فهذا مما لا تقبله العقول.

انظر: "أسباب النزول" للواحدي ص 21.

(٢٠) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 185 بنصه.

(٢١) "تهذيب اللغة" (ثنى) 1/ 507 بنصه.

(٢٢) ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 151 ب، بنصه، وذكره الطبري 14/ 60 مختصرًا، ونسبه إلى أهل العربية وضعفه، وأورده الماوردي 3/ 170 مختصرًا، و"تفسير ابن الجوزي" 4/ 414، والفخر الرازي 19/ 207، والخازن 3/ 102.

(٢٣) بَيَّنَ ذلك الفخر الرازي 19/ 207 فقال وفي قراءة عمر: (غير المغضوب عليهم وغير الضالين) ولم أقف علي هذه القراءة، ولو ثبتت عنه فهي شاذة، ولعلى من قبيل التفسير.

(٢٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 185 بتصرف يسير.

(٢٥) أخرجه أبو داود (786) كتاب: الصلاة، باب من جهر بها، بنحوه من طريق سعيد، والنسائي: الافتتاح، ولقد آتيناك سبعًا من المثاني 2/ 140 بنصه من طريق سعيد، والطبري 14/ 52، 53 بلفظه بعدة روايات من الطريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 38 من طريق مجاهد.

وأخرجه الطبراني في "الكبير" (11/) بنصه من طريق مجاهد، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 224 من طريق مجاهد.

وأخرجه الحاكم: كتاب: التفسير، الحجر 2/ 355 بنحوه من طريق سعيد، وقال على شرط الشيخين، والثعلبي 2/ 151 ب، بلفظه من الطريقين، وورد في "تفسير الماوردي" 3/ 170، و"تفسير البغوي" 4/ 391 من طريق سعيد، وابن عطية 8/ 350، وابن الجوزي 4/ 414، و"تفسير القرطبي" 10/ 55 من طريق سعيد، والخازن 3/ 102، وابن كثير 2/ 613، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 196 - 197 وزاد نسبته إلى الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ابن عباس، وزاد نسبته -كذلك- إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي من طريق سعيد.

(٢٦) "أخرجه الطبري" 14/ 52 عن سعيد بن جبير، وانظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 151 ب، و"تفسير السمرقندي" 2/ 224، والماوردي 3/ 170، وقد اختلف في السورة السابعة؛ فقيل: إنها التوبة والأنفال معًا، وقيل: إنها سورة يونس، وهذان القولان مشهوران، لكنهما لا يسلمان من الاعتراض؛ أما الأول: فلأن كلًّا من الأنفال والتوبة سورة قائمة بذاتها فعدهما سورة واحدة خلاف المعقول، وعدهما سورتين -كما هما- يجعل الطوال ثمانية لا سبعًا، وأما القول الثاني: فيعارض بأن سورة يونس يشبهها سور كثيرة في الطول، بل منها ما هو أطول منها كالنحل، لذلك فالأرجح أن السورة السابعة هي سورة التوبة منفردة أفادني به الدكتور فضل عباس، وقد أشار قبله السخاوي إلى احتمال أنها التوبة - دون مناقشة.

انظر: "جمال القُراء" 1/ 34، "البرهان في علوم القرآن" 1/ 244، "الإتقان في علوم القرآن" 1/ 201، "مناهل العرفان" 1/ 345، "المدخل لدراسة القرآن الكريم" ص 328، "إتقان البرهان" لفضل عباس 1/ 448.

(٢٧) ورد في "تفسير الماوردي" 3/ 171، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 414، الخازن 3/ 102، وورد بلا نسبة في: "تفسير الفخر الرازي" 19/ 208، "تفسير القرطبي" 10/ 55.

(٢٨) أخرجه الطبري 14/ 55 بنحوه، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 19/ 208، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 196 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم والبيهقي في "الشعب" عن الربيع، وورد بلا نسبة في: "تفسير القرطبي" 10/ 55، والخازن 3/ 102.

(٢٩) هكذا وردت في جيمع النسخ بتشديد الصاد، ولعل مقصوده من نصّ على هذا القول؛ أي نصره.

(٣٠) "تفسير الفخر الرازى" 19/ 208، "تفسير القرطبي" 10/ 55، والخازن 3/ 102.

(٣١) لم أقف عليهم.

(٣٢) ورد في "تهذيب اللغة" (ثنى) 1/ 507 بنصه.

(٣٣) أخرجه أحمد 4/ 107 بنصه، عن واثلة بن الأسقع، وأبو داود الطيالسي ص 136 بنحوه، وأخرجه "الطبري" 1/ 44 بنصه، من طريقين عن أبي قلابة وعن واثلة، وأخرجه الطحاوي في "مشكل الآثار" 2/ 154 بنحوه عن واثلة، وأخرجه الطبراني في "الكبير" 22/ 75 بنصه، من طريقين عن واثلة، وأخرجه الثعلبي 2/ 151ب بنصه، عن ثوبان، وأورده الزركشي في "البرهان" 1/ 244، وقال هو حديث غريب -ولا يقصد الغرابة الاصطلاحية؛ لوروده من عدة طرق- قال: وفيه سعيد بن بشير لين، وأورده الهيثمي في "المجمع" 7/ 46 عن واثلة وعزاه إلى أحمد وقال فيه عمران القطان وثقه ابن حبان وغيره وضعفه النسائي وغيره، وبقية رجاله ثقات، وأورده - كذلك 7/ 158 عن أبي أمامة وعزاه إلى الطبراني، وقال: وفيه ليث بن أبي سليم وقد ضعفه جماعة ويعتبر بحديثه، وبقية رجاله رجال الصحيح، وقد ذكر أحمد شاكر أن رواية أبي قلابة مرسلة، وتوقف في رواية واثلة، والحديث ضعيف في كل طرقه، لكنه ضعف منجبر كما أشار الهيثمي، وقد حسن الألباني رواية أحمد؛ حيث تابع عمران، سعيد بن بشير، وقال: الحديث صحيح بمجموع طرقه.

انظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (1480).

(٣٤) أي سورة الفاتحة.

(٣٥) وهو قول ابن عباسٌ، وقد أنكره الربيع.

(٣٦) أخرجه الطبري 14/ 57 بنحوه من طريق العوفي (غير مرضية)، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 152 أبلفظه، و"تفسير الفخر الرازي" 19/ 209 عن ابن عباس وطاوس، و"تفسير القرطبي" 10/ 55.

(٣٧) انظر: المصادر السابقة، و"تفسير البغوي" 4/ 392، وابن الجوزي 4/ 414، والخازن 3/ 102.

(٣٨) انظر: المصادر السابقة، و"تفسير ابن الجوزي" 4/ 414.

(٣٩) في جميع النسخ أبو عبيدة، والمثبت هو الصحيح، وهو: أبو عبيد القاسم بن سلاَّم الهروي (ت 224) صاحب الغريب.

(٤٠) في جميع النسخ: بُيِّنَتْ، والمثبت هو الصحيح.

(٤١) غريب الحديث له 1/ 443 بنصه، وانظر: "تهذيب اللغة" (ثنى) 1/ 506 بنصه، ويبدو أنه اقتبسه من التهذيب للتطابق، وورد بلا نسبة في: "تفسير الثعلبي" 2/ 152 أ، و"تفسير البغوي" 4/ 392، الخازن 3/ 102.

(٤٢) ورد بنحوه في "تفسير الثعلبي" 2/ 152 أ، والماوردي 3/ 171، انظر: "تفسير البغوي" 4/ 392، وابن الجوزي 4/ 415، والفخر الرازي 19/ 209، و"تفسير القرطبي" 10/ 55.

وهذه الأقسام قد أشار إليها العلماء عند حديثهم عن نزول القرآن على سبعة أحرف، يقول أبو شامة: هي سبعة أبواب من أبواب الكلام وأقسامه، أنزله الله على هذه الأصناف، لم يقتصره على صنف واحد منها كغيره من الكتب.

وقد اختلف كثيرًا في ماهية هذه الأقسام، فذكر السيوطي نقلاً عن ابن النقيب عن ابن حبان سبع عشرة قولاً، وأشهر هذه الأقوال أنها تدور حول: الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والحلال والحرام، والمحكم والمتشابه، والأمثال.

انظر: "البرهان في علوم القرآن" 1/ 216، "الإتقان في علوم القرآن" 1/ 274 - 277، "الأحرف السبعة" لعتر ص 137.

(٤٣) وهذا القول اختاره الطبري، وهو قول ابن عباس ومجاهد وطاوس وأبي مالك.

"تفسير الطبري" 14/ 57.

(٤٤) لعل توجيه الزمخشري أحسن؛ إذ قال: فإن قلت كيف صحّ عطف القرآن العظيم على السبع؟

وهل هو إلا عطف الشيء على نفسه؟!

قلت: إذا عُني بالسبع الفاتحة أو الطوال فما وراءهن ينطلق عليه اسم القرآن؛ لأنه اسم يقع على البعض كما يقع على الكل، ألا ترى إلى قوله: ﴿ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ ﴾ يعني سورة يوسف، وإذا عَنَيْت الأسباع فالمعنى: ولقد آتيناك ما يقال له السبع المثاني والقرآن العظيم؛ أي الجامع لهذين النعتين؛ وهو الثناء أو التثنية والعظم.

"تفسير الزمخشري" 2/ 319، وهناك توجيهات أخرى، انظرها في "تفسير ابن الجوزي" 4/ 416.

(٤٥) سبق عزوه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ المثاني ﴾ يعني: أم القرآن لأنها سبع آيات، وقيل: يعني السور السبع الطوال، وهي البقرة وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال مع براءة، والأول أرجح لوروده في الحديث، والمثاني: مشتق من التثنية وهي التكرير، لأن الفاتحة تكرر قراءتها في الصلاة، ولأن غيرها من السور تكرر فيها القصص وغيرها، وقيل: هي مشتقة من الثناء، لأن فيها ثناء على الله، ومن يحتمل أن تكون للتبعيض أو لبيان الجنس، وعطف القرآن على السبع المثاني؛ لأنه يعني ما سواها من القرآن فهو عموم بعد الخصوص.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إذ دخلوا ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف غير هشام ﴿ إنا نبشرك ﴾ بسكون الباء وضم الشين: حمزة.

الآخرون بالتشديد ﴿ تبشرون ﴾ بالتشديد وكسر النون المخففة: نافع مثله.

ولكن مشددة النون: ابن كثير.

الباقون بفتح النون على أنها علامة رفع ﴿ يقنط ﴾ بكسر النون: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي وخلف وكذلك بابه.

الآخرون بالفتح ﴿ آل لوط ﴾ مدغماً حيث كان شجاع ﴿ لمنجوهم ﴾ بالتخفيف: يعقوب وحمزة علي وخلف.

الباقون بالتشديد ﴿ قدرنا ﴾ بالتخفيف حيث كان: أبو بكر وحماد ﴿ بناتي إن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع ﴿ أني أنا ﴾ بفتح ياء المتكلم: جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ إبراهيم ﴾ ه ج لئلا يصير ﴿ إذا دخلوا ﴾ ظرفاً ﴿ لنبئهم ﴾ فإنه محال ﴿ سلاماً ﴾ ط ﴿ وجلون ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ تبشرون ﴾ ه ﴿ القانطين ﴾ ه ﴿ الضالون ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه لا للاستثناء.

﴿ آل لوط ﴾ ط ﴿ أجمعين ﴾ ه لا ﴿ قدرنا ﴾ لا لأن الجملة بعده مفعول والكسر لدخول اللام في الخبر ﴿ الغابرين ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب "لما" ﴿ منكرون ﴾ ه ﴿ يمترون ﴾ ه ﴿ لصادقون ﴾ ه ﴿ تؤمرون ﴾ ه ﴿ مصبحين ﴾ ه ﴿ يستبشرون ﴾ ه ﴿ فلا تفضحون ﴾ ه لا للعطف ﴿ ولا تخزون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ فاعلين ﴾ ه ط لابتداء القسم ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ مشرقين ﴾ ه لا لاتصال انقلابها بالصيحة ﴿ من سجيل ﴾ ط ﴿ للمتوسمين ﴾ ه ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ط لتمام القصة ﴿ لظالمين ﴾ ه لا لاتصال الانتقام بظلمهم ﴿ منهم ﴾ ه ط لأن الواو للابتداء فلو وصل لشابه الحال وهو محال ﴿ مبين ﴾ ه ط لتمام قصتهم ﴿ المرسلين ﴾ ه لا لأن الواو بعده للحال وقد آتيناهم ﴿ معرضين ﴾ ه لا للعطف ﴿ آمنين ﴾ ه ط ﴿ مصبحين ﴾ ه ط للاتصال معنى ﴿ يكسبون ﴾ ه م لتمام القصص ﴿ إلا بالحق ﴾ ط ﴿ الجميل ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ج لجواز تعلق الكاف بقوله: ﴿ فأخذتهم ﴾ أو بقوله: ﴿ فانتقمنا ﴾ ولجواز تعلقها بمحذوف أي أنزلنا عليهم العذاب كما أنزلنا، وتمام البحث سيجيء في التفسير.

﴿ المقتسمين ﴾ ه لا ﴿ عضين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه لا ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ المستهزئين ﴾ ه لا ﴿ آخر ﴾ ج لابتداء التهديد مع الفاء ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يقولون ﴾ ه لا لاتصال الأمر بالتسبيح تسلية ﴿ الساجدين ﴾ ه لا للعطف ﴿ اليقين ﴾ ه.

التفسير: إنه  عطف ﴿ ونبئهم ﴾ على ﴿ نبىء عبادي ﴾ ليكون سماع هذه القصص مرغباً في الطاعة الموجبة للفوز بدرجات الأولياء، ومحذراً من المعصية المستتبعة لدركات الأشقياء، ولما في قصة لوط من ذكر إنجاء المؤمنين وإهلاك الظالمين، وكل ذلك يقوّي ما ذكر من أنه غفور رحيم للمؤمنين، وأن عذابه عذاب أليم للكافرين.

وعند المعتزلة غفور للتائبين معذب لغيرهم.

وقد مر تفسير أكثر هذه القصة في سورة هود فنذكر الآن ما هو مختص بالمقام.

فقوله: ﴿ وجلون ﴾ معناه خائفون خافهم لامتناعهم من الأكل أو لدخولهم بغير إذن وفي غير وقت.

﴿ إنا نبشرك ﴾ استئناف في معنى تعليل النهي عن الوجل.

بشروه بالولد الذكر بكونه عليماً فقيل: أرادوا بعلمه نبوته.

وقيل: العلم مطلقاً.

وقوله: ﴿ على أن مسني ﴾ في موضع الحال أي مع هذه الحالة استفهم منكراً للولادة في حالة الهرم أنها أمر عجيب عادة لا لأنه شك في قدرة الله  ولذلك قال: ﴿ فبم تبشرون ﴾ "ما" استفهامية دخلها معنى التعجب كأنه قال: فبأي أعجوبة تبشروني أي أو أنكم لا تبشروني بشيء في الحقيقة لأن ذلك أمر غير متصور في العادة؟

وأحسن ما قيل فيه أن لا يكون قوله: "بما" صلة للتبشير بل يكون سؤالاً عن الوجه والطريقة يعني إذا كان الطريق.

المعتاد ممتنعاً فبأي طريق تبشرونني بالولد، فلذلك قالوا في جوابه ﴿ بشرناك بالحق ﴾ أي باليقين الذي لا لبس فيه، أو بشرناك بالولد بطريق هو حق وذلك قول الله  ووعده وأنه قادر على خلق الولد من غير أبوين فضلاً من شيخ فانٍ وعجوز عاقر.

قال أبو حاتم: حذف نافع ياء المتكلم مع النون وإسقاط الحرفين لا يجوز.

وأجيب بأنه لم يحذف إلا الياء اكتفاء بالكسرة ونون الوقاية لم يوردها كما أوردت في قراءة التشديد، وإنما كسر نون الجمع لأجل الياء وكلتا اللغتين فصيحة.

قيل: عظم فرحه بتلك البشارة فدهش عن الجواب المنتظم فتكلم بالكلام المضطرب.

وقيل: طلب مزيد الطمأنينة كقوله: ﴿ ولكن ليطمئن قلبي  ﴾ عن ابن عباس: يريد بالحق ما قضى الله أن يخرج من صلب إبراهيم إسحق ومن صلب إسحق أكثر الأنبياء.

وقوله: ﴿ فلا تكن من القانطين ﴾ لا يدل على أنه كان قانطاً فقد ينهى عن الشيء ابتداء كقوله: ﴿ ولا تطع الكافرين  ﴾ .

ولذلك أنكر إبراهيم نهيهم بقول: ﴿ ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ﴾ أي المخطئون طريق الصواب أو الكافرون نظيره ﴿ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون  ﴾ وفيه أنه لم يستنكر ذلك قنوطاً من رحمته ولكن استبعاداً له في العادة التي أجراها الله هما لغتان: قنط يقنط مثل ضرب يضرب، وقنط يقنط مثل علم يعلم.

وزعم الفارسي أن الأولى أعلى اللغتين.

ثم سأل عما لأجله أرسلهم الله حيث قال: ﴿ فما خطبكم ﴾ والخطب الشأن العظيم.

فسئل أنهم لما بشروه بالولد الذكر العليم فما وجه السؤال عن مجيئهم؟

وأجاب الأصم بأن المراد ما الأمر الذي وجهتم فيه سوى البشرى؟.

وقال القاضي: إنه علم أن المقصود لو كان التبشير فقط لكان الملك الواحد كافياً.

وقيل: علم أنه لو كان تمام الغرض البشارة لذكروها أول ما دخلوا قبل أن يوجس إبراهيم منهم خيفة.

قلت: لعله استصغر أمر التبشير إما لأجل التواضع وإما لأنه واقعة خاصة فسألهم عن الأمر الذي هو أعظم من ذلك وأعم تعظيماً لشأنهم ﴿ قالوا إنا أرسلنا ﴾ زعم صاحب الكشاف أن الإرسال ههنا في معنى التعذيب والإهلاك كإرسال الحجر أو السهم إلى المرمى.

وأقول: كأنه لا حاجة إلى هذا التجوز لقوله في سورة الذاريات ﴿ إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين  ﴾ فالتقدير إنا أرسلنا إليهم لنهلكهم ﴿ إلا آل لوط ﴾ وعلى هذا يكون الاستثناء منقطعاً لاختلاف الجنسين، فإن القوم موصوفون بالإجرام دون آل لوط.

يكون قوله: ﴿ إنا لمنجوهم ﴾ جارياً مجرى خبر "لكن" كأنه قيل: لكن قوم لوط منجون، ويكون قوله: ﴿ إلا امرأته ﴾ استثناء من الاستثناء أي أرسلنا إليهم لنهلكهم إلا آل لوط ﴿ إلا امرأته ﴾ كقول المقر: لفلان علي عشرة إلا ثلاثة إلا واحداً.

وجوز في الكشاف أن يكون قوله: ﴿ إلا آل لوط ﴾ مستثنى من الضمير في ﴿ مجرمين ﴾ حتى يكون الاستثناء متصلاً أي إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم.

ولم لا يجوزالاستثناء من الاستثناء بناء على أن ﴿ آل لوط ﴾ مستثنى من معمول ﴿ أرسلنا ﴾ أو ﴿ مجرمين ﴾ و ﴿ إلا امرأته ﴾ من معمول ﴿ منجوهم ﴾ وقد عرفت ما فيه على أنه إذا جعل الإرسال بمعنى الإهلاك كما قرره هو آل الأمر إلى ما ذكرنا فلا أدري لم استبعده مع وفور فضله.

قال أهل اللغة: قدرت الشيء وقدرته بالتخفيف والتثقيل جعلت الشيء على مقدار غيره، ومنه قدر الله الأقوات أي جعلها على مقدار الكفاية، وقدر الأمور أي جعلها على مقدار ما يكفي في أبواب الخير والشر.

وقيل: في معنى قدرنا: كتبنا.

وقال الزجاج: دبرنا.

وقيل: قضينا.

والكل متقارب، والمشدد في هذا المعنى أكثر استعمالاً وأنه جواب سؤال كأنه قيل: ما بالها استثنيت من الناجين؟

فقيل: ﴿ قدرنا إنها لمن الغابرين ﴾ أي الباقين في الهوالك.

ويقال للماضي أيضاً غابر وهو من الأضداد.

قال في الكشاف: علق فعل التقدير مع أن التعليق من خصائص أفعال القلوب لأنه في معنى العلم.

وإنما أسندوا الفعل إلى أنفسهم مع التقدير لله عز وجل بياناً لاختصاصهم به  كما يقول خاصة الملك دبرنا كذا أو أمرنا بكذا ولعل المدبر والآمر هو الملك وحده.

ثم إن الملائكة لما بشروا إبراهيم  بالولد وأخبروه بأنهم مرسلون إلى قوم مجرمين ذهبوا بعد ذلك إلى لوط وذلك قوله: ﴿ فلما جاء آل لوط المرسلون قال ﴾ أي لوط ﴿ إنكم قوم منكرون ﴾ تنكركم نفسي وتنفر منكم.

وذلك أنهم هجموا عليه فلم يعرفهم وخاف أن يطرقوه بشر فلذلك ﴿ قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون ﴾ أي ما جئناك بما توهمت بل جئناك بما فيه فرجك وتشفيك من عدوك وهو العذاب الذي كنت تخوفهم به وهم يشكون في وقوعه.

﴿ وأتيناك بالحق ﴾ باليقين الثابت.

وقال الكلبي: بالعذاب الذي لا شك فيه ﴿ وإنا لصادقون ﴾ فيما أخبرناك به ﴿ فأسر بأهلك بقطع من الليل ﴾ أي في آخره وقدم في سورة هود وزاد ههنا قوله: ﴿ واتبع أدبارهم ﴾ لأنه إذا ساقهم وكان من ورائهم علم بنجاتهم، ولا يخفى حالهم.

ففي الآية زيادة بيان لكيفية الإسراء ثم زاد في البيان فقال: ﴿ ولا يلتفت منكم أحد ﴾ ولم يستثن امرأته اكتفاء بما مر في السورة من قوله: ﴿ إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته ﴾ قال جار الله: إنما أمر باتباع أدبارهم ونهى عن الالتفات ليكون فارغ البال من حالهم فيخلص قلبه لشكر الله، ولئلا يتخلف منهم أحد لغرض له فيصيبه العذاب، ولئلا يشاهدوا عذاب قومهم فيرقوا لهم مع أنهم ليسوا من أهل الرقة عليهم، وليوطنوا نفوسهم على المهاجرة ولا يتحسروا على ما خلفوا.

وجوز أن يكون النهي عن الالتفات كناية عن مواصلة السير وترك التواني، لأن من يلتفت لا بد أن يقع له أدنى وقفة ﴿ وامضوا حيث تؤمرون ﴾ قال الجوهري: مضى الشيء مضياً ذهب، ومضى في الأمر مضياً أنفذه.

وقال في الكشاف: عدى ﴿ وامضوا ﴾ إلى ﴿ حيث ﴾ تعديته إلى الظرف المبهم لأن ﴿ حيث ﴾ مبهم في الأمكنة، وكذلك الضمير في ﴿ تؤمرون ﴾ قلت: حاصل الكلام يرجع إلى قوله: اذهبوا إلى المكان الذي تؤمرون بالذهاب إليه، أو أنفذوا أمر الذهاب إلى هنالك.

عن ابن عباس: إنه الشام.

وقيل: مصر.

وقال المفضل: حيث يقول لكم جبرائيل وكانت قرية معينة ما عمل أهلها عمل قوم لوط.

ثم أخبر عن حالهم مجملاً فقال: ﴿ وقضينا ﴾ ضمن معنى أوحينا ولذلك عدي بإلى كأنه قيل: وأوحينا.

﴿ إليه ذلك الأمر ﴾ مقتضياً مبتوتاً.

ثم فسر ذلك الأمر بقوله: ﴿ أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين ﴾ أي يستأصلون عن آخرهم حال ظهور الصبح ودخولهم فيه.

وفي هذا الإجمال والتفسير تفخيم لشأن الأمر وتعظيم له.

ثم حكى ما أبدى قوم لوط من الفعال بعد نزول الملائكة فقال: ﴿ وجاء أهل المدينة ﴾ أي أهل سذوم التي ضرب بقاضيها المثل فقيل أجور من قاضي سذوم.

﴿ يستبشرون ﴾ بظهور السرور بمجيء الملائكة لأنهم رأوهم مرداً حسان الوجوه ﴿ قال ﴾ لوط لما قصدوا أضيافه ﴿ إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون ﴾ بفضيحة ضيفي لأن الضيف يجب إكرامه فإذا أسيء إليه في دار المضيف كان ذلك إهانة وفضيحة للمضيف.

يقال: فضحه يفضحه فضحاً وفضيحة إذا أظهر من أمره ما يلزمه العار ﴿ واتقوا الله ولا تخزون ﴾ مر في "هود" ﴿ قالوا ﴾ في جواب لوط ﴿ أو لم ننهك عن العالمين ﴾ أي ألسنا نهيناك عن أن تكلمنا في شأن أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة؟

وكانوا يتعرضون لكل أحد، وكان لوط  ينهاهم عن ذلك فأوعدوه نظيره ﴿ لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين ﴾ {الشعراء: 116] وقيل: نهوه عن ضيافة الناس وإنزالهم ﴿ قال هؤلاء بناتي ﴾ من الصلب أو أراد نساء أمته كما مر في "هود".

قال جار الله ﴿ إن كنتم فاعلين ﴾ شك في قبولهم لقوله كأنه قال وما أظنكم تفعلون.

وقيل: إن كنتم تريدون قضاء الشهوة فبما أحل الله دون ما حرم.

ثم قالت الملائكة للوط  ﴿ لعمرك ﴾ مبتدأ محذوف الخبر لكثرة الاستعمال أي قسمي أو هو ما أقسم به.

والعمر والعمر بالفتح والضم واحد إلاّ أنهم خصوا القسم بالمفتوح اتباعاً للأخف، فإن الحلف كثير الدور على ألسنتهم ﴿ إنهم لفي سكرتهم ﴾ غوايتهم التي أذهبت عقولهم حتى لم يميزوا بين خطئهم وصوابك ﴿ يعمهون ﴾ يتحيرون فكيف يقبلون قولك الذي تأمرهم به من ترك البنين إلى البنات؟

وقيل: إنه  خاطب رسول الله  وأقسم بحياته  كرامة له  وما أقسم بحياة أحد قط وذلك يدل على أنه أكرم الخلق على الله ﴿ فأخذتهم الصيحة مشرقين ﴾ داخلين في الشروق وهو بزوغ الشمس كان اتبداء العذاب من أول الصبح لقوله: ﴿ مصبحين ﴾ أليس الصبح بقريب؟

وغلبته كانت عن طلوع الشمس قال المفسرون: هي صيحة جبرائيل.

قلت: ويحتمل أن تكون صيحة قلب المدائن وإرسال الحجارة عليهم.

قال بعض المفسرين: إنما قال: ﴿ وأمطرنا عليهم ﴾ وفي سورة هود ﴿ وأمطرنا عليها  ﴾ لأنه أراد ههنا من شذ من القرية منهم.

وقيل: سبب تخصيص هذه السورة بجمع المذكر هو بناء القصة على قوله: ﴿ إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ﴾ ﴿ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ﴾ للمتفرسين.

وحقيقة التوسم التثبت في النظر حتى يعرف حقيقة سمة الشيء فعبر به عن التأمل والتفكر ﴿ وإنها ﴾ يعني تلك القرى وآثارها ﴿ لبسبيل مقيم ﴾ ثابت يسلكه الناس المارة من الحجاز إلى الشام يشاهدون آثار قهر الله وغضبه هنالك.

قال بعضهم: إنما جميع الآيات في قوله: ﴿ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ﴾ لأنه أشار إلى ما تقدم عن ضيف براهيم وقصة لوط وقلب المدينة وإمطار الحجارة عليها وعلى من غاب منهم.

وقال في الثانية ﴿ وإنها ﴾ أي القرية ﴿ لبسبيل ﴾ وهذه واحدة من تلك الآيات فلذلك قال: ﴿ إن في ذلك لآية للمؤمنين ﴾ وقيل: ما جاء من القرآن من الآيات فلجمع الدلائل، وما جاء من الآية فلوحدانية المدلول عليه، فلما ذكر عقيبه المؤمنين وهم مقرون بوحدانيته وحد الآية نظيره في "العنكبوت" { ﴿ خلق الله السموات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين  ﴾ .

ثم أجمل قصة قوم شعيب فقال: ﴿ وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين ﴾ "إن" مخففة من الثقيلة ولذلك دخلت اللام الفارقة في خبرها.

كانوا أصحاب غياض ومواضع ذات شجر فنسبوا إليها.

والآيكة الشجر الملتف.

والضمير في قوله: ﴿ وإنهما ﴾ يعود إلى قرى قوم لوط وإلى الأيكة.

وقيل: بل إلى الآيكة ومدين لأن شعيباً كان مبعوثاً إليهما فدل بذكر أحد الموضعين ههنا - وهو الأيكة - على الآخر ﴿ لبإمام مبين ﴾ لبطريق واضح.

قال الفراء والزجاج: سمي الطريق إماماً لأنه يؤم ويتبع.

وقال ابن قتيبة: لأن المسافر يأتم به حتى يصير إلى الموضع الذي يريده.

ثم ختم القصص بقصة ثمود فقال: ﴿ ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين ﴾ وهو واد بين الشأم والمدينة.

وجمع المرسلين لأن تكذيب نبي واحد- وهو صالح - كتكذيب جميع الأنبياء، أو لأن القوم كانوا براهمة منكرين لكل الرسل، أو أراد صالحاً ومن معه من المؤمنين، ﴿ وآتيناهم ﴾ أي أعطينا رسولهم ﴿ آياتنا ﴾ أراد الناقة وكانت فيها آيات خروجها من الصخر وعظم خلقها وكثرة لبنها إلى غير ذلك كما حكينا في "الأعراف" ﴿ فكانوا عنها ﴾ أي عن النظر فيها والاعتبار بها ﴿ معرضين ﴾ وفيه أن التقليد مذموم والاستدلال واجب ﴿ وكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً آمنين ﴾ من أن تنهدم ويتداعى بنيانها أو يقع سقفهم عليهم، أو آمنين من عذاب الله أو من حوادث الدهر.

﴿ فما أغنى عنهم ﴾ لم يدفع عنهم شيئاً من عذاب الله ﴿ ما كانوا يكسبون ﴾ من بناء البيوت الوثيقة ومن جمع الأموال والعدد.

ولم فرغ من القصص قال: ﴿ وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ﴾ أي متلبسة بالفوائد والغايات والحكم الصحيحة منها: اشتغال المكلفين بالعبادة والطاعة حتى لو تركوها وأعرضوا عنها وجب في الحكمة إهلاكهم وتطهير الأرض منهم، وهذا النظم يناسب أصول الاعتزال، قال الجبائي: فيه بطلان مذهب الجبرية الذين يزعمون أن أكثر ما خلق الله بين السموات والأرض من الكفر والمعاصي باطل.

وأجيب بأن أفعال العباد من جملة ما بين السموات والأرض فوجب أن يكون الله خالقها.

ويمكن أن يقال في وجه النظم: إن هذا ابتداء شروع في تسلية النبي صلى الله عليه و سلم وتصبيره على أذيات قومه بعد اقتصاص أحوال الأمم السالفة ومعاملاتهم مع أنبيائهم، ويؤيد هذا النظم قوله: ﴿ وإن الساعة لآتية ﴾ معناه أن الله سينتقم لك فيها من أعدائك ويجازيك وإياهم على حسناتك وسيئاتهم فإنه ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق والعدل فكيف يليق بحكمته وفضله إهمال أمرك؟

ولما صبره على أذى قومه رغبه في الصفح فقال: ﴿ فاصفح الصفح الجميل ﴾ أي فأعرض عنهم إعراضاً جميلاً بحلم وإغضاء إن كان اللام الجنس فالمراد هذا النوع من الصفح لا الذين يشتمل على حقد واجتهال ومكر، وإن كان للعهد فلعل المراد ما أمر به في نحو قوله: ﴿ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين  ﴾ وقيل: هذا منسوخ بآية السيف والأظهر أن حسن المعاشرة والمخالقة مأمور به ما أمكن فلا حاجة إلى ارتكاب النسخ ﴿ إن ربك هو الخلاق ﴾ كثير الخلق ﴿ العليم ﴾ الكامل العلم يعلم ما يجري بين الخلائق من الأحوال والأخلاق وإن كثروا وكثرت فيجازيهم يوم القيامة على حسب ذلك.

وقيل: أراد أنه الذي خلقكم وعلم ما هو الأصلح لكم، فاليوم الصفح أصلح فاصفحوا إلى أن يكون السيف أصلح.

ثم حثه على الصفح والتجاوز بذكر النعم العظام التي خصه بها فقال: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ أكثر المفسرين على أن المراد بها فاتحة الكتاب وهو قول عمر وعلي  ما وابن مسعود وأبي هريرة والحسن وأبي العالية ومجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وقتادة.

وذلك أنها سبع آيات.

والمثاني جمع مثناة من التثنية أو جمع مثنية لأنها تثنى في كل صلاة.

وقال الزجاج: تثنى بما يقرأ بعدها معها.

وأيضاً قسمت بنصفين قسم ثناء وقسم دعاء، وقد ورد الحديث في هذا المعنى "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين" وقد مر في أول الكتاب.

وأيضاً كلماتها مثناة مثل: ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ ﴿ إياك ﴾ و ﴿ إياك ﴾ ﴿ الصراط ﴾ ﴿ صراط ﴾ ﴿ عليهم ﴾ ﴿ عليهم ﴾ واشتمالها على ثناء الله تعالى وتحميده مقرر ومما يتفرع على هذا القول ما نقل القاضي عن أبي بكر الأصم أنه قال: كان ابن مسعود لا يكتب في مصحفه فاتحة الكتاب.

فقيل: كأنه رأى أنه  عطف عليه قوله: ﴿ والقرآن العظيم ﴾ والعطف يوجب المغايرة فوجب أن تكون السبع المثاني غير القرآن.

والجواب أنه قد يكون بعطف الجزء على الكل كقوله: ﴿ وملائكته وجبريل  ﴾ أو بالعكس كما في الآية.

والمقصود في الوصفين تميز البعض عن الكل تنبيهاً على مزية ذلك البعض وشرفه.

فإن قلت: ليس لعطف لكل على البعض نظير، والاستدلال بالآية استدلال بصورة النزاع من غير دليل.

قلنا: يكفي بقوله: ﴿ ولقد آتيناك ﴾ دليلاً على أنه من القرآن.

وعن ابن عمر وسعيد بن جبير في رواية: أن السبع المثاني هي السبع الطوال سميت بذلك لما وقع فيها من تكرير القصص والمواعظ والوعد والوعيد وغير ذلك، أو لأنها تثني على الله بأفعاله العظمى وصفاته الحسنى.

وأنكر الربيع هذا القول لأن هذه السورة مكية وأكثر تلك السورة مدنية.

وأجيب بأن المراد من الإيتاء إنزالها إلى السماء الدنيا، والمكية والمدنية في ذلك سيان، وضعف بأن إطلاق لفظ الإيتاء على ما لم يصل بعد إليه خلاف الظاهر.

وقال قوم: السبع المثاني هي التي دون الطول والمئين وفوق المفصل، واحتجوا عليه بما روى ثوبان أن رسول الله  قال: "إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني المئين مكان الإنجيل، وأعطاني المثاني مكان الزبور وفضلني ربي بالمفصل" .

قال الواحدي: والقول في تسمية هذه السور مثاني كالقول في تسمية الطول مثاني.

وروي عن ابن عباس وإليه ذهب طاوس أنها هي القرآن لقوله  : ﴿ كتاباً متشابهاً مثاني  ﴾ وأنها سبعة أسباع كرر فيها دلائل التوحيد والنبوة والتكاليف.

ومعنى العطف على هذا القول الجمعية كقوله: إلى الملك القرم وابن الهمام.

وكأنه قيل: آتيناك ما هو الجامع لكونه سبعاً مثاني ولكونه قرآناً عظيماً.

قال الزجاج ووافقه صاحب الكشاف: و"من" في ﴿ من المثاني ﴾ للبيان أو للتبعيض إذا أردت بالسبع الفاتحة أو الطول، وللبيان إذا أردت الأسباع.

ولما عرف رسوله نعمه الدينية ورغبه فيها نفره من اللذات العاجلة الزائلة لأن كل نعمة وإن عظمت فإنها بالنسبة إلى نعمة القرآن ضيئلة حقيرة، ومنه الحديث "من لم يتغن بالقرآن أي لم يستغن به - فليس منا" وقول أبي بكر: من أوتي القرآن فرآى أن أحداً أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغر عظيماً وعظم صغيراً.

فمن حق قارىء القرآن الواقف على معانيه أن لا يشغل سره بالالتفات إلى الدنيا وزهرتها.

قال الواحدي: إنما يكون مادّاً عينيه إلى الشيء إذا أدام النظر نحوه، وإدامة النظر إليه تدل على استحسانه وتمنيه.

وقال في الكشاف: معنى ﴿ لا تمدن ﴾ لا تطمح ببصرك طموح راغب فيه متمن له ﴿ إلى ما متعنا به أزواجاً منهم ﴾ أي أصنافاً من الكفار قاله ابن قتيبة.

وقال الجوهري: الأزواج القرناء.

وقال بعضهم: لا تمدن عينيك أي لا تحسدنّ أحداً على ما أوتي من الدنيا.

وضعف بأن الحسد منهي عنه مطلقاً فكيف يحسن تخصيص الرسول به؟

ويمكن أن يجاب بأن المراد منه نهي التكوين كقوله: ﴿ ولا تكونن من المشركين  ﴾ أو المراد الغبطة فهي محظورة عليه  لجلالة منصبه وإن كانت جائزة لأمته.

ويروى أنه وافت من بلاد الشام سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير فيها أنواع البز والطيب والجوهر، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوّينا بها ولأنفقناها في سبيل الله.

فقال لهم الله عز وجل: لقد أعطيتكم سبع آيات هي خير من هذه القوافل السبع.

وإنما قال في هذه السورة ﴿ لا تمدن ﴾ بغير واو العطف لأنه لم يسبقه طلب بخلاف ما في سورة طه.

ثم لما نهاه عن الالتفات إلى أموالهم وأمتعتهم نهاه عن الالتفات إليهم أنفسهم وإن لم يحصل لهم في قلبه قدر ووزن فقال: ﴿ ولا تحزن عليهم ﴾ أي على أنهم لم يؤمنوا فيتقوى بمكانهم الإسلام وينتعش بهم المؤمنون، وكما أمره بالتكبر على الأغنياء والترفع عنهم إذا كانوا كفاراً أمره بالتواضع للفقراء، إذا كانوا مؤمنين فقال: ﴿ واخفض جناحك للمؤمنين ﴾ الخفض نقيض الرفع، وجناحا الإنسان يداه، وخفضهما كناية عن اللين والرفق.

وإنما قال في سورة الشعراء بزيادة ﴿ لمن اتبعك  ﴾ لأنه قال قبله ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين  ﴾ فلو لم يذكر هذه الزيادة لكان الظاهر أن اللام للعهد فصار الأمر بخفض الجناح مختصاً بالأقربين من عشيرته فزيد ﴿ لمن اتبعك  ﴾ ليعلم أن هذا التشريف شامل لجميع متبعيه من الأمة.

ولما بعثه على الرفق بأهل الإيمان أمره بالإنذار لكل المكلفين فقال: ﴿ وقل إني أنا النذير المبين ﴾ ويدخل تحت كونه نذيراً كونه مبلغاً لجميع التكاليف، لأن كل ما كان واجباً ترتب على تركه عذاب، وكل ما كان حراماً ترتب على فعله عقاب.

ويدخل في كونه مبيناً كونه شارحاً لجميع مراتب أهل التكاليف من الجنة والنار.

فالإنذار بالنار والإحذار بالجنة هو الإخبار عن موجب الحرمان عنها.

وفي متعلق قوله: ﴿ كما أنزلنا ﴾ وجهان بعد ما مر به في الوقوف: أحدهما أن يتعلق بقوله: ﴿ ولقد آتيناك ﴾ أي أنزلنا} أي أنزلنا عليك ما أنزلنا ﴿ على المقتسمين ﴾ ومن هم؟

قيل: أهل الكتاب ﴿ الذين جعلوا القرآن عضين ﴾ أي أجزاء جمع عضة وأصلها عضوة "فعلة" من عضى الشاة إذا جعلها أجزاء وأعضاء، أو "فعلة" من عضهته إذا بهته فالمحذوف منها الهاء لا الواو.

وعن عكرمة: العضه السحر بلسان قريش يقولون للساحرة عاضهة.

ولعن رسول الله  العاضهة والمستعضهة فينقصانها الهاء أيضاً.

وجمعت العضة بالمعاني جمع العقلاء لما لحقها من الحذف، فجعلوا الجمع بالواو والنون عوضاً عما لحقها من الحذف كسنين.

فمعنى الآية أن اليهود اقتسموا القرآن إلى حق وباطل وجزؤه فقالوا بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما.

ويجوز أن يراد بالقرآن ما يقرأونه من كتبهم وقد اقتسموه بتحريفهم وتكذيبهم، والإقرار بالبعض والتكذيب بالبعض كقوله: { ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض  ﴾ وفي هذا تسلية لرسول الله  عن تكذيب قومه وعداوتهم، ولهذا وسط بين المتعلق بقوله: ﴿ لا تمدن ﴾ الآية لأنه مدد للتسلية لما فيه من النهي عن الالتفات إلى دنياهم والتأسف على كفرهم ومن الإقبال بالكلية على المؤمنين.

الوجه الثاني أن يتعلق بقوله: ﴿ النذير المبين ﴾ وعلى هذا لا يكون بد من التزام إضمار أو زيادة، أما الإضمار فأن يكون التقدير: أنا النذير عذاباً كما أنزلنا كقولك رأيت كالقمر في الحسن أي وجهاً كالقمر، وأما الزيادة فأن تكون الكاف زائدة كقوله: ﴿ ليس كمثله شيء  ﴾ ويمكن أن يقال: الكاف بمعنى مثل ولا حاجة إلى الالتزام والتقدير: أنذر قريشاً مثل ما أنزلنا على المقتسمين وهم إما اليهود ويراد بالعذاب ما جرى على قريظة والنضير فيكون قد جعل المتوقع بمنزلة الواقع وهو من الإعجاز لأنه إخبار بما سيكون وقد كان، وإما غيرهم من أهل مكة أو من قوم صالح.

قال ابن عباس: هم الذين اقتسموا طرق مكة ومداخلها أيام الموسم فقعدوا في كل مدخل متفرقين لينفروا الناس عن الإيمان بالله ورسوله.

يقول بعضهم: لا تغتروا بالخارج منا فإنه ساحر، ويقول الآخر كذاب، والآخر شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر وقبله بآفات وكانوا قريباً من أربعين، منهم الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب.

وقال عكرمة: اقتسموا القرآن استهزاء وكان يقول بعضهم سورة البقرة لي ويقول الآخر سورة آل عمران لي وقال مقاتل: اقتسموه.

قال بعضهم سحر، وبعضهم شعر، وبعضهم كذب، وبعضهم أساطير الأولين.

وقال ابن زيد: المقتسمون هم الذين تقاسموا بالله ليبيتن صالحاً كما سيجيء في سورة النمل، فرمتهم الملائكة بالحجارة وقتلوهم، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ الذين جعلوا ﴾ منصوباً بالنذير أي أنذر المعضين الذين يجزؤن القرآن إلى سحر وشعر وأساطير مثل ما أنزلنا على المقتسمين.

ثم أقسم على سبيل الوعيد فقال: ﴿ فوربك لنسألنهم ﴾ الآية وقد مر تفسير مثله في أول "الأعراف" وذلك قوله ﴿ فلنسألن الذين أرسل إليهم  ﴾ .

والأظهر أن الضمير عائد إلى جميع المكلفين المنذرين، وأن السؤال يكون عن جميع الأعمال، وقد يخص الضمير بالمقتسمين والسؤال بالاقتسام.

ثم شجع نبيه قائلاً ﴿ فاصدع ﴾ أي اجهر ﴿ بما تؤمر ﴾ وأظهره وفرق بين الحق والباطل.

وأصل الصدع الشق والفصل ومنه سمي الصبح صديعاً كما سمي فلقاً.

وصدع بالحجة إذا تكلم بها جهاراً.

قال النحويون: الجار محذوف والمعنى بالذي تؤمر به من الشرائع مثل "أمرتك الخير".

وجوز أن تكون "ما" مصدرية أي بأمرك وشأنك مصدر من المبني للمفعول.

وقالوا: وما زال النبي  مستخفياً حتى نزلت هذه الآية.

ثم قال: ﴿ وأعرض عن المشركين ﴾ أي لا تبال بهم ولا تلتفت إلى لومهم إياك على إظهار الدعوة وهذا لا ينافي آية القتال حتى يلزم النسخ على ما ظن بل يؤكدها.

ثم أكد النهي عن الاكتراث بهم وقوّى قلبه فقال: ﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ ولا ريب أنهم طبقة ذو شوكة قدروا على الاستهزاء بالرسول مع جلالة قدره.

والآية لا تفيد إلا هذا القدر لكن المفسرين ذكروا عددهم وأسماءهم مع اختلاف بينهم.

والأشهر على ما رواه عروة بن الزبير أنهم خمسة نفر من الأشراف: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والحرث بن الطلاطلة.

وعن ابن عباس: ماتوا كلهم قبل يوم بدر.

وقال جبرائيل  لرسول الله  : أمرت أن أكفيكهم فأومأ إلى ساق الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم فلم ينعطف تعظماً لأخذه فأصابه عرقاً في عقبة فقطعه فمات.

وأومأ إلى أخمص العاص بن وائل فدخلت فيها شوكة فقال: لدغت لدغت فانتفخت رجله حتى صارت كالرحى ومات، وأشار إلى عيني الأسود بن المطلب فعمي، وأشار إلى أنف الحرث فامتخط قيحاً فمات، وإلى الأسود بن عبد يغوث وهو قاعد في أصل شجرة فجعل ينطح رأسه بالشجر ويضرب وجهه بالشوك حتى مات، ثم زاد في تسلية نبيه  ﴿ ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون ﴾ من المطاعن فيك وفي القرآن لأن الجبلة البشرية والمزاج الإنساني يقتضي ذلك.

ثم أمره لكشف ما نابه بأربعة أشياء: بالتسبيح والتحميد والسجود والعبادة إلى إتيان اليقين.

عن ابن عباس: هو الموت سمي بذلك لأنه أمر متيقن ولا يجب الإخلال بالعبادة ما دام المكلف حياً وهذا كما قيل في تحديد مدة طلب العلم: إنه من المهد إلى اللحد.

وكيف يصير الإقبال على الطاعات سبباً لزوال ضيق القلب؟

قال المحققون: لأنه ينكشف له أضواء عالم الربوبية فيهون في نظره المصالح الدنيوية فلا يستوحش من فقدانها ولا يستأنس بوجدانها.

وقال أهل السنة: إذا نزل بالعبد بعض المكاره فعليه أن يفزع إلى الله بالذكر الدائم والسجود وسائر أنواع العبادة فكأنه يقول: وجب عليّ عبادتك سواء أعطيتني الخيرات أو ألقيتني في المكاره.

وقالت المعتزلة: من اعتقد تنزيه الله عن القبائح سهل عليه تحمل المشاق لأنه يعلم أنه تعالى عدل منزه عما لا فائدة فيه ولا غرض فيطيب قلبه.

التأويل: في بشارة إبراهيم إشارة إلى أن الطالب الصادق وإن كان مسناً ضعيف القوى كما قيل: الصوفي بعد الأربعين بارد.

فأنه ينبغي أن لا يقنط من رحمة الله، ويتقرب إليه بالأعمال القلبية ليتقرب إليه ربه بأصناف الألطاف وجذبات الأعطاف، فيخرج من صلب روحه ورحم قلبه غلاماً عليماً بالعلوم اللدنية وهو واعظ الله الذي في قلب المؤمن ﴿ إن في ذلك لآيات ﴾ لأصحاب القلوب المتوسمين بشواهد أحكام الغيب.

وما خلقنا سموات الأرواح وأرض الأشباح، وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار والخفيات ﴿ إلا بالحق ﴾ أي إلا لمظهر الحق، ومظهره هو الإنسان المخصوص بذلك من بين سائر المخلوقات ﴿ وإن الساعة ﴾ يعني قيامة العشق ﴿ لآتية ﴾ لنفوس الطالبين الصادقين من أصحاب الرياضات لأن أنفسهم تموت بالرياضة ومن مات فقد قامت قيامته ﴿ فاصفح ﴾ أيها الطالب الصادق عن النفس المرتاضة بأن تداويها وتواسيها، فإن في قيامة العشق يحصل من تزكية النفس في لحظة واحدة ما لا يحصل بالمجاهدة في سنين كثيرة ومن هنا قيل: جذبة من جذبات الرحمن توازي عمل الثقلين.

﴿ إن ربك هو الخلاق ﴾ لصور المخلوقات ولمعانيها ولحقائقها ﴿ العليم ﴾ بمن خلقه مستعداً لمظهرية ذاته وصفاته ومظهريتهما وليس ذلك في السموات والأرض وما بينهما إلا الإنسان الكامل وغيره مختص بمظهرية الصفات دون الذات وان كان ملكاً فلهذا قال: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً ﴾ أي سبع صفات ذاتية لله تبارك وتعالى: السمع والبصر والكلام والحياة والعلم والإرادة والقدرة ﴿ من المثاني ﴾ أي من خصوصية المظهرية، والمظهرية الذات والصفات.

﴿ والقرآن العظيم ﴾ ولهذا صار خلقه عظيماً لأنه كان خلقه القرآن ﴿ لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً ﴾ من أهل الدنيا والآخرة ﴿ واخفض جناحك للمؤمنين ﴾ بهذا المقام ليصلوا بجناح همتك إليه ﴿ على المتقسمين ﴾ الذين قسموا قهر الله على أنفسهم فصاروا مظاهر القهر ﴿ الذين جعلوا القرآن عضين ﴾ أي جزؤوه في الاستعمال فقوم قرأوه ليقال لهم القراء وبه يأكلون، وقوم حفظوه ليقال لهم الحفاظ وبه يجرّون الرزق، وقوم حصلوا تفسيره وتأويله إظهاراً للفضل وطلباً للشهرة، وقوم استنبطوا معانيه وفقهه على وفق آرائهم ومذاهبهم فكفروا إذ فسروا القرآن برأيهم.

﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ الذين يستعملون الشريعة بالطبيعة استهزاء بدين الله ﴿ الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر ﴾ من الهوى والدنيا ﴿ فسبح بحمد ربك ﴾ لأنك لست منهم ﴿ وكن من الساجدين ﴾ سجدة الشكر ﴿ واعبد ربك ﴾ بالإخلاص ﴿ حتى يأتيك اليقين ﴾ أي إلى الأبد لأن كل مقام يحصل فيه اليقين بالعيان بعد العرفان فإنه يحصل فوقه مقام آخر مشكوك فيه إلى أن يحصل برد اليقين فيه أيضاً، فهناك مراتب لا تتناهى فاليقين يكون إشارة إلى الأبد والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

يحتمل ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ : الحق الذي جعل لنفسه على أهلها، والحق الذي لبعض على بعض، والحق: هو اسم كل محمود مختار من القول والفعل، والباطل: اسم كل مذموم من القول والفعل.

قال بعضهم: تأويله: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا شهوداً لله بالحق على أهلها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ : أي: لم يخلقهما لغير شيء؛ ولكن خلقهما للمحنة؛ يمتحنهم بالعبادة فيها، وإلى هذا ذهب الحسن.

وقيل: خلقهما وما بينهما لأمر كائن؛ أي: لعاقبة: للثواب أو الجزاء، لم يخلقهم للفناء خاصة؛ ولكن للعاقبة؛ لأن خلق الشيء للفناء خاصة عبث؛ وهو ما قال: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\] أخبر أن خلقهم لا للرجوع إليه ولا للعاقبة - عبث، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ ﴾ على الاحتجاج على أولئك لإنكارهم الساعة، لوجهين: أحدهما: ما ذكرنا أنه لو لم تكن الساعة حصل خلقهما وما بينهما للفناء خاصة؛ وخلقُ الشيء للفناء خاصةً عبث باطل؛ كبناء البناء للنقض خاصة لا لعاقبة تقصد - عبث.

والثاني: أنه يكون في ذلك التسوية بين الأعداء والأولياء، وفي الحكمة التفريق بينهما، وما قال: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...

﴾ الآية [ص: 27] لم يكن ظنهم أنه خلقهما باطلا؛ ولكن لما أنكروا البعث صار في ظنهم خلقهما باطلا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ ﴾ : [أي: أعرض عنهم]، ولا تكافئهم بما آذوك بألسنتهم وفعلهم ﴿ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ ﴾ فإني أكافئهم عنك على أذاهم إياك وصنيعهم يومئذ.

والصفح الجميل: هو ما لا نقض فيه ولا منّة في العُرف؛ أي: اصفح الصفح ما يوصف فيه بتمام الأخلاق، ومالا نقض فيه ولا منّة يحتمل الصفح الجميل: هو أن يصفح ولا يمنّ عليهم، كأنه أمره أن يصفح صفحاً لا منّة فيه.

﴿ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ ﴾ فتجزى أنت على صفحك الجميل؛ وهم على أذاك.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أنه على علم بما يكون منهم من المعصية والخلاف خلقهم، لا خلقهم عن غفلة وجهل بذلك؛ ليعلم أنه لم يخلق الخلق لحاجة نفسه ولا لمنفعة نفسه، ولكن خلقهم ليمتحنهم بما أمرهم به ونهاهم، ولما يرجع إلى منافعهم وحوائجهم.

والثاني: إن ربك هو الخلاق لخلقه؛ العليم بمصالحهم بأن الصفح الجميل لهم، ذلك أصلح في دينهم من المكافأة.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ ﴾ .

اختلف في قوله: ﴿ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي ﴾ : قال بعضهم: ﴿ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي ﴾ : المثاني: هو القرآن كله؛ كقوله  : ﴿ ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ  ﴾ .

وقيل: سمي مثانياً لترديد الأمثال فيه والعبر والأنباء؛ فإن كان على هذا فيكون قوله: ﴿ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي ﴾ : أي: سبعاً من القرآن العظيم.

ثم يحتمل السبع الطوال؛ على ما ذكر بعض أهل التأويل؛ كأنه قال: آتيناك سبعاً من القرآن العظيم.

ويحتمل: ﴿ سَبْعاً ﴾ يعني فاتحة الكتاب من القرآن؛ أي: آتيناك فاتحة الكتاب من القرآن.

وقال قوم: يقولون: سبع المثاني: فاتحة الكتاب، ويروون على ذلك حديثاً عن رسول الله  مروي عن أبي هريرة  قال: قال رسول الله  : [ "الحمدُ لله أم القرآن وأم الكتاب، والسبعُ المثاني" وعن أُبَيٍّ  قال: قال رسول الله  ]: "ما أنزل الله في التوراة والإنجيل مثل أم القرآن؛ وهي السبع المثاني، وهي مقسومة بيني وبين عبدي؛ ولعبدي ما سأل" ومنهم من يقول: المثاني: القرآن كله؛ يذهب إلى ما ذكرنا من الآية؛ وبما يروى عن أبي هريرة أن رسول الله  قال: "ما أنزلت في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور والقرآن مثلُها - يعني أمّ القرآن - وإنها سبع من المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت" ذكروا أنها سبع من المثاني، فإن كان سبع المثاني فاتحة الكتاب، يصير كأنه قال: ولقد آتيناك سبعاً؛ وهي المثاني، وإن كان سبعاً من المثاني [هي السبع] الطوال يكون هكذا: أي: آتيناك سبعاً؛ وهو المثاني.

وروي أيضاً عن نبي الله  وقال: "آتاني السبع الطوال مكان التوراة والمثاني مكان الإنجيل، وفضّلني ربي بالمفصل" ثم إن ثبت ما روي في الخبر أن سبع المثاني فاتحة الكتاب وإلا الكفّ والإمساك عن ذلك أوْلى؛ لأنه لا حاجة بنا إلى معرفة ذلك، وليس يكون تسميتنا إياها سوى الشهادة، وما خرج مخرج الشهادة - من غير حصول النفع لنا - فالكف عنه والإمساك أولى.

ومنهم من يقول: هنّ المفصّل.

ومن قال: المثاني فاتحةُ الكتاب - قال: لأنها تثنى في كل ركعة أو ما جعل فيها مكررة معادة؛ لأن كل حرف منها يؤدي معنى حرف آخر؛ فسمي مثاني بذلك.

ومن قال: المثاني: هو القرآن؛ قال: لما ذكرنا؛ لأن أمثاله، وأنباءه، وغيره معادة مردّدة.

ومن قال: المثاني السبع الطوال - فقال: لأنه يثني فيها حدود القرآن، وفرائضه، وعامة أحكامه.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ ﴾ .

سماه عظيماً، وسماه مجيداً، وحكيماً؛ وهو اسم الفاعلين، ولا عمل له ولا فعل في الحقيقة؛ لكنه يخرج - والله أعلم - على وجوه: يحتمل: سمّاه عظيماً مجيداً؛ لما عظمه وشرفه ومجده، فهو عظيم مجيد حكيم: أي: محكم، الفعيل بمعنى المفعول، وذلك جائز في اللغة.

أو سماه بذلك لأن من تمسك به؛ وعمل به؛ يصير عظيماً مجيداً، حكيماً، أو سماه عظيماً مجيداً حكيماً: أي: جاء من عند عظيم هو مجيد حكيم، وأصل الحكيم: هو المصيب، الواضع كلَّ شيء موضعه.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ﴾ .

يحتمل المراد بقوله: ﴿ عَيْنَيْكَ ﴾ نفس العين.

ثم هو يحتمل وجهين: أحدهما: نهى رسوله أن ينظر إلى ما متع أولئك مثل نظرهم؛ لأنهم ظنوا أنهم إنما متعوا هذه الأموال في الدنيا لخطرهم وقدرهم عند الله، وعلى ذلك قالوا: ﴿ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً  ﴾ وقال: ﴿ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ...

﴾ الآية [فصلت: 50] ونحوه، ظنوا أنهم إنما متعوا في هذه الدنيا؛ لخطرهم وقدرهم عند الله؛ لذلك قالوا ما قالوا؛ فنهاه أن ينظر إلى ذلك بعين الذين نظروا هم إليه؛ ولكن بالاعتبار.

والثاني: نهاه أن ينظر إلى ذلك نظر الاستكبار والتجبر على المؤمنين، والاستهزاء بهم على ما نظروا هم؛ لأنهم بما متعوا من أنواع المال استكبروا على الناس، واستهزءوا بهم؛ إذ البصر قد يقع [على ما ذكر] من غير تكلف؛ فيصير كأنه نهاه عن الرغبة والاختيار فيما متعوا فيه؛ لأن ما متعوا به هو ما ذكر، ﴿ وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلدُّنْيَا  ﴾ وقال في آية أخرى ﴿ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ فيما متعوا فإنهم إنما متعوا لما ذكر، ويحتمل النهي عن مدّ العين لا العين نفسه ولكن نفسه؛ كأنه قال: لا تمنيّن نفسك فيما متعوا هم ولا ترغبنها في ذلك؛ فإنه ليس يوسع ذلك عليهم لخطرهم وقدرهم؛ ولكن ليعلم أن ليس لذلك خطر عند الله وقدر؛ حيث أعطى من افترى [على الله] وجحد نعمه وفضْله.

وفي الآية تفضيل الفقر على الغنى؛ لأنه نهى رسوله أن يمد عينيه إلى ما متعوا، ومعلوم أن رسول الله  إذا مدّ إلى ذلك ليس يمد للدنيا ولا لشهواته؛ ولكن يستعين به في أمر جهاد عدوه، ويعين به أصحابه في سبيل الخيرات، ثم نهاه مع ذلك عنه؛ دلّ أن الأخير والأفضل ما اختاره من الفقر، وقصور ذات يده.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ﴾ .

أي: أصنافاً من الأموال، وألواناً من النعم.

وقال بعضهم: ﴿ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ﴾ : أي: الأغنياء منهم وأشباهه؛ فإن كان قوله: ﴿ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ﴾ هو أصناف الأموال - فهو على التقديم والتأخير، كأنه قال: لا تمدن عينيك إلى ما متعنا منهم أزواجاً.

وإن كان أزواجاً منهم هو أصناف الناس فهو على النظم الذي جرى به التنزيل؛ أي: لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به قوماً منهم.

وفي قوله: ﴿ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ إلى ﴿ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ﴾ دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الله لا يعطي أحداً شيئاً إلا ما هو أصلح له في الدين، ولو كان ما متع هؤلاء أصلح لهم في الدين - لم ينه رسوله عن مدّ عينيه إليه، دلّ أنه قد يعطي ما ليس بأصلح في الدين، وكذلك قوله: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً  ﴾ أخبر أنه إنما يملي لهم ليزدادوا إثماً، وهم يقولون: يملي لهم ليزدادوا خيراً.

وكذلك قوله: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ...

﴾ الآية [آل عمران: 180] هذه الآيات كلها تنقض عليهم قولهم، وقد ذكرنا هذا في غير موضع فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ .

يحتمل النهي نفسه نهاه أن يحزن عليهم؛ إشفاقاً عليهم؛ بل أمره أن يغلظ عليهم؛ كقوله: ﴿ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ  ﴾ ، وعلى هذا يخرج قوله: ﴿ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ أي: ارفق بهم، ولِنْ عليهم، واشدد على أولئك، واغلظ عليهم؛ وهو ما وصفهم: ﴿ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ  ﴾ ، ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ  ﴾ أخبر أنهم أهل شدة على الكفار وأهل غلظة، رحماء بينهم، وأهل ذلّة على المؤمنين، وأهل شدة عليهم؛ أي: على الكفار، فعلى ذلك هذا.

ويحتمل أن ليس على النهي؛ ولكن على التخفيف والتسلي، ودفع الحزن عن نفسه؛ لأنه كان يحزن لكفرهم بالله وتركهم الإيمان؛ حتى كادت نفسه تتلف لذلك؛ كقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ ﴾ الآية [الشعراء: 3] وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ ﴾ الآية [فاطر: 8] وأمثاله.

ويحتمل أيضاً وجهاً آخر: وهو أنه كان يحزن عليهم، ويضيق صدره؛ لما مكروا به وكادوه؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ  ﴾ فإني أكافئهم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ ﴾ .

يحتمل: أنا النذير على معاصيه، المبين على طاعاته، أو النذير على العصاة من عذاب الله، المبين لأموره ونواهيه.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ * ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ ﴾ .

قال الحسن: الكتب كلها قرآن؛ يعني كتب الله اقتسموها وجعلوها عضين؛ أي: فرقوها بالتحريف والتبديل؛ فما وافقهم أخذوه، ومالم يوافقهم غيّروه وبدلوه؛ كقوله: ﴿ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ  ﴾ ونحوه، فذلك اقتسامهم وتعضيتهم على قوله، وكقوله: ﴿ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً  ﴾ وقوله: ﴿ فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً ﴾ \[المؤمنون: 53\] ونحوه.

وقال بعضهم: اقتسامهم: وهو أن نفراً من قريش كانوا اقتسموا عقار مكة؛ ليصدّوا الناس عن رسول الله  ؛ فيقول طائفة منهم - إذا سئلوا عنه -: هو كاهن، وطائفة أخرى: هو شاعر، ساحر، مجنون، ونحوه.

وعضين: قولهم: هو: سحر، شعر، كهانة، أساطير الأولين، افترى على الله كذباً، وأمثال ما قالوا: فذلك اقتسامهم وعضتهم.

وقال بعضهم: هو على التقديم: أي: آتيناك المثاني والقرآن العظيم؛ أنزلناه عليك كما أنزلنا التوراة والإنجيل على اليهود والنصارى؛ فهم المقتسمون كتاب الله؛ فآمنوا ببعض وكفروا ببعض.

وقال أبو عوسجة: يقال: عضيت الجزور: أي: قسمتها عضواً عضواً.

وقال غيره: هو من العضة: وهو السحر؛ بلسان قريش؛ يقال للساحر عاض.

وقال القتبي: المقتسمون: قوم تحالفوا على عضة النبي  ؛ وأن يذيعوا ذلك بكل طريق، ويخبروا به النزاع إليهم.

وعضين: أي: فرقوه [وعضوه].

وقيل: فرقوا القول فيه، وهو ما ذكرنا.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

قوله: ﴿ فَوَرَبِّكَ ﴾ : قيل: قسم أقسم به  .

﴿ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ : قال بعضهم: الخلائق كلها؛ كقوله: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ  ﴾ أخبر أنه يسألهم جميعاً: الرسل عن تبليغ الرسالة، والذين أرسل إليهم عن الإجابة لهم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ : هؤلاء الذين سبق ذكرهم؛ المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين، والذين استهزءوا برسول الله  وأصحابه؛ يسألهم عن حجج ما فعلوا، والمعنى الذي حملهم على سوء معاملة رسوله وكتابه، لأي: شيء نسبتم رسولي وكتابي إلى السحر، والكذب، والكهانة، والافتراء على الله؟

لا يسألون ما فعلتم؟

وأي شيء عملتم؛ لأن ذلك يكون مكتوباً في كتبهم؛ يقرءونه؛ كقوله: ﴿ ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً  ﴾ وهو وعيد شديد في نهاية الوعيد والشدة؛ لأنه وعيد مقرون بالقسم، وكل وعيد قرن بالقسم فهو في غاية الشدة؛ إذ لو جاءنا ذلك الوعيد من ملك من ملوك البشر يجب أن يخاف؛ فكيف من ربنا؟!

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ : أي: استقم كما تؤمر؛ كقوله: ﴿ فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ  ﴾ .

فهو في كل ما أمر به.

وقال بعضهم: اصدع: أي: امض بما تؤمر من تبليغ الرسالة.

﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .

أي: أعرض عن مكافأتهم؛ ومعناه - والله أعلم - امض على ما تؤمر؛ من تبليغ الرسالة إليهم ولا تخفهم، ولا تهبهم، ولا يمنعنك شيء عن تبليغ الرسالة؛ الخوف، ولا القرابة، ولا شيء من ذلك، ولكن امض على ما تؤمر؛ وهو كما قال: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ  ﴾ وقال: ﴿ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ  ﴾ أي: لا يمنعكم عن القول بالحق والعدل بغضكم إياهم، ولا قرابتكم التي فيما بينكم، فعلى ذلك قوله: ﴿ فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ : أي: امض على ما أمرت من تبليغ الرسالة، ولا يمنعنك عن ذلك: الخوف، والوعيد، والقرابة التي فيما بينك وبينهم.

وقال القتبي: ﴿ فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ : أي: أظهر ذلك، وأصله: الفرق والفتح؛ يريد: اصدع الباطل بحقك؛ حتى يأتيك الموقن به؛ وهو الموت.

وقال أبو عوسجة: اصدع: أي: امض على ما تؤمر، وصدعت: أي: مضيت؛ وذلك من المضي، وأصل هذا كله: الشق، ويقال: تصدعوا: أي: تفرقوا.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ أي: أعرض عن مكافأتهم؛ فأنا أكافئهم عنك على ما آذوك.

وقال بعض أهل التأويل: قوله: ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ هو منسوخ بآية السيف؛ لكن على الوجه الذي ذكرنا ليس بمنسوخ، ويحتمل: ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ ؛ إن كان أراد به القتال والدعاء إلى التوحيد فهو في وقت دون وقت أو في قوم خاص علم الله أنهم لا يجيبونه ولا يؤمنون به أيئس رسوله عن إيمانهم فقال: أعرض عن هؤلاء ولا تشتغل بهم ولا تدعهم فإنهم لا يؤمنون ولكن ادع قوماً آخرين والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾ : الكفرة جميعاً؛ فمنعناهم عن أن يصلوا إليك؛ على ما [قصدوا إليك] من إهلاكك، وغيره؛ كقوله: "نصرت بالرعب مسيرة شهرين" وقال بعضهم: قوله: ﴿ كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾ الذين كانوا على الطرق والمراصد؛ ليصدوا الناس عن سبيل الله؛ على ما ذكر في القصّة؛ العدد الذي ذكر سبعة أو خمسة؛ كفاه الله بأن أهلكهم بما ذكر أهل التأويل: أن الذين استهزءوا به هلكوا جميعاً بعقوبات مختلفة.

وقوله  : ﴿ ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ ﴾ .

قوله: ﴿ يَجْعَلُونَ ﴾ ليس على الجعل؛ لأنهم لو جعلوا لكان؛ لأن كل مجعول كائن موجود؛ ولكن قوله: ﴿ يَجْعَلُونَ ﴾ : أي: يزعمون أن مع الله إلهاً آخر؛ إما في التسمية أو في العبادة، وكذلك قوله: ﴿ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ ﴾ هم لا يقدرون على أن يجعلوه عضين، ولكن زعموا أنه كذا؛ لأن الله وكل حفظه إلى نفسه؛ بقوله: ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ  ﴾ وقال: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ  ﴾ أخبر أنه يحفظه حتى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ فلو قدروا على جعله عضين - لكان قد أتى الباطل من بين يديه، دلّ أنه على القول الذي قالوا؛ وهو على المجاز [كقوله: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً  ﴾ ، فهو على المجاز] على ما عندهم، إما بحق التسمية لها أنها آلهة، وإما بصرف العبادة إليها، ظاهر هذا أن المستهزئين الذين ذكرهم أنه كفاه عنهم هم الكفرة جميعاً؛ لكن يحتمل في الذين ذكرهم أهل التأويل كانوا على مراصد مكة، أضاف ذلك إليهم ونسب؛ لأنهم هم الذين أمروا غيرهم أن يجعلوا دونه إلهاً؛ فكأنهم فعلوا ذلك، وهم قالوا.

وقوله: ﴿ كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾ الذين فعلوا به ما فعلوا ممن تقدم ذكرهم؛ فيكون قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ ﴾ على إضمار (كان)؛ أي: الذين كانوا يجعلون مع الله إلهاً آخر.

وإن كان في الذين يكونون من بعد - فهو على ظاهر ما ذكر؛ يجعلون على المستقبل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

أي: سوف يعلمون ما عملوا من الاقتسام، والعضة، والاستهزاء برسول الله وأصحابه، إذا نزل العذاب بهم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ﴾ .

وما قالوا؛ من الاقتسام، والعضة، والاستهزاء به، وأنواع الأذى الذي كان منهم برسول الله  ؛ أي: نعلم ذلك، وهو محفوظ عندنا، نجزيهم على ذلك فلا يضيقن صدرك؛ لذلك فهو على التصبير على الأذى، والتسلي عن ذلك، وترك المكافأة لهم، والله أعلم.

وكان يضيق صدره؛ مرة لتركهم الإجابة له، ومرة للأذى باللسان.

والثاني: على علم منا بما يكون منهم، ومن ضيق صدرك بذلك، لكن أنشأناهم ومكناهم على علم منا بذلك؛ امتحاناً منا إياك بذلك وإياهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: أي: صل بأمر ربك وكن من الساجدين؛ أي: من المصلين.

وقوله: ﴿ فَسَبِّحْ ﴾ : هو أمر؛ فإذا فعل ذلك كان بأمر ربه؛ فلا معنى لذكر الأمر من بعد قوله: ﴿ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ إن كان الحمد هو الأمر؛ على ما قال بعض أهل التأويل.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن قوله: ﴿ فَسَبِّحْ ﴾ أي: نزّه الله عن جميع ما قالت الملحدة فيه؛ إذ التسبيح هو التنزيه في اللغة ﴿ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ ؛ أي: بثناء ربك؛ أي: نزهه عن ذلك كله بثناء تثنيه عليه، وكن من الساجدين؛ أي: من الخاضعين؛ إذ السجود هو الخضوع.

أو أن يكون أمره إياه بالتسبيح على التسلي، وتوسيع صدره بالذي يكون منهم؛ أي: فسبح ربك مكان ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱعْبُدْ رَبَّكَ ﴾ .

يحتمل التوحيد؛ أي: وحّد ربك، وكذلك قال ابن عباس  : كل عبادة ذكرت في القرآن - فهو توحيد يأمره باعتقاد الإخلاص له في كل أمر، ويحتمل العبادة نفسها؛ يأمره بالعبادة له؛ شكراً له؛ على ما روي في الخبر عن نبي الله  : "أنه صلى حتى تورمت ساقاه؛ فقيل له: ألم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟!

فقال: بلى، أفلا أكون عبداً شكوراً؟!" وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ ﴾ : أي: ما تيقنت به؛ وهو الموقن به.

وكذلك قوله: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ  ﴾ أي: من يكفر بالمؤمن به فقد حبط عمله؛ لأن الإيمان لا يكفر به، فعلى ذلك اليقين لا يأتيه؛ ولكن يأتيه الموقن به.

وكذلك ما ذكر: الصلاة أمر الله؛ أي: بأمر الله، وهو المأمور به؛ لأن الصلاة لا تكون أمر الله، لكن بأمر الله، وكذلك ما يجيء من هذا النحو.

ويحتمل قوله: ﴿ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ ﴾ فيهم؛ وهو ما وعد من العذاب فيهم؛ أي: يتيقنون بذلك والله أعلم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولقد أعطيناك الفاتحة التي هي سبع آيات، وهي القرآن العظيم.

<div class="verse-tafsir" id="91.OGYxR"

مزيد من التفاسير لسورة الحجر

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله