الآية ١٠١ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ١٠١ من سورة النحل

وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةًۭ مَّكَانَ ءَايَةٍۢ ۙ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ١٠١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 85 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠١ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠١ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن ضعف عقول المشركين وقلة ثباتهم وإيقانهم ، وأنه لا يتصور منهم الإيمان وقد كتب عليهم الشقاوة ، وذلك أنهم إذا رأوا تغيير الأحكام ناسخها بمنسوخها قالوا للرسول : ( إنما أنت مفتر ) أي : كذاب ، وإنما هو الرب تعالى يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد .

وقال مجاهد : ( بدلنا آية مكان آية ) أي : رفعناها وأثبتنا غيرها .

وقال قتادة : هو كقوله تعالى : ( ما ننسخ من آية أو ننسها ) [ البقرة : 106 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: وإذا نسخنا حكم آية ، فأبدلنا مكانه حكم أخرى، والله أعلم بما ينـزل : يقول: والله أعلم بالذي هو أصلح لخلقه فيما يبدِّل ويغير من أحكامه، قالوا: إنما أنت مفتر يقول: قال المشركون بالله ، المكذبو رسوله لرسوله: إنما أنت يا محمد مفتر: أي مكذب تخرص بتقوّل الباطل على الله ، يقول الله تعالى بل أكثر هؤلاء القائلين لك يا محمد: إنما أنت مفتر جهال ، بأنّ الذي تأتيهم به من عند الله ناسخه ومنسوخه ، لا يعلمون حقيقة صحته.

وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله ( وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ ) قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ( وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ ) رفعناها فأنـزلنا غيرها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ( وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ ) قال: نسخناها، بدّلناها، رفعناها، وأثبتنا غيرها.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ ) هو كقوله مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا .

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ ) قالوا: إنما أنت مفتر، تأتي بشيء وتنقضه، فتأتي بغيره.

قال: وهذا التبديل ناسخ، ولا نبدل آية مكان آية إلا بنسخ.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمونقوله تعالى : وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قيل : المعنى بدلنا شريعة متقدمة بشريعة مستأنفة ; قاله ابن بحر .

مجاهد : أي رفعنا آية وجعلنا موضعها غيرها .

وقال الجمهور : نسخنا آية بآية أشد منها عليهم .

والنسخ والتبديل رفع الشيء مع وضع غيره مكانه .

وقد تقدم الكلام في النسخ في البقرة مستوفىقالوا يريد كفار قريش .إنما أنت مفتر أي كاذب مختلق ، وذلك لما رأوا من تبديل الحكم .بل أكثرهم لا يعلمون لا يعلمون أن الله شرع الأحكام وتبديل البعض بالبعض .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يذكر تعالى أن المكذبين بهذا القرآن يتتبعون ما يرونه حجة لهم، وهو أن الله تعالى هو الحاكم الحكيم، الذي يشرع الأحكام، ويبدل حكما مكان آخر لحكمته ورحمته، فإذا رأوه كذلك قدحوا في الرسول وبما جاء به و { قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ } قال الله تعالى: { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } فهم جهال لا علم لهم بربهم ولا بشرعه، ومن المعلوم أن قدح الجاهل بلا علم لا عبرة به، فإن القدح في الشيء فرع عن العلم به، وما يشتمل عليه مما يوجب المدح أو القدح.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإذا بدلنا آية مكان آية ) يعني وإذا نسخنا حكم آية فأبدلنا مكانه حكما آخر ، ( والله أعلم بما ينزل ) أعلم بما هو أصلح لخلقه فيما يغير ويبدل من أحكامه ، ( قالوا إنما أنت ) يا محمد ، ( مفتر ) مختلق ، وذلك أن المشركين قالوا : إن محمدا يسخر بأصحابه ، يأمرهم اليوم بأمر ، وينهاهم عنه غدا ، ما هو إلا مفتر ، يتقوله من تلقاء نفسه .

قال الله تعالى ( بل أكثرهم لا يعلمون ) حقيقة القرآن ، وبيان الناسخ من المنسوخ .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا بدلنا آية مكان آية» بنسخها وإنزال غيرها بمصلحة العباد «والله أعلم بما ينزل قالوا» أي الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم «إنما أنت مفتر» كذاب تقوله من عندك «بل أكثرهم لا يعلمون» حقيقة القرآن وفائدة النسخ.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإذا بدَّلنا آية بآية أخرى، والله الخالق أعلم بمصلحة خَلْقه بما ينزله من الأحكام في الأوقات المختلفة، قال الكفار: إنما أنت -يا محمد- كاذب مختَلِق على الله ما لم يَقُلْه.

ومحمد صلى الله عليه وسلم ليس كما يزعمون.

بل أكثرهم لا عِلْم لهم بربهم ولا بشرعه وأحكامه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - : ( وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ .

.

.

) التبديل رفع الشئ مع وضع غيره مكانه .

فتبديل الآية رفعها بآية أخرى .وجمهور المفسرين على أن المراد بالآية هنا : الآية القرآنية .

وعلى أن المراد بتبديلها نسخها .قال صاحب الكشاف : تبديل الآية مكان الآية هو النسخ ، والله - تعالى - ينسخ الشرائع بالشرائع لأنها مصالح ، وما كان مصلحة بالأمس يجوز أن يكون مفسدة اليوم وخلافه مصلحة .

والله - تعالى - عالم بالمصالح والمفاسد ، فيثبت ما يشاء ، وينسخ ما يشاء بحكمته .

.

.وقال الجمل : قوله - تعالى - ( وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ .

.

.

) وذلك أن المشركين من أهل مكة قالوا : إن محمدا صلى الله عليه وسلم يسخر بأصحابه ، يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدا ، ما هذا إلا مفترى يتقوله من تلقاء نفسه ، فأنزل الله - تعالى - : ( وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ .

.

.

) والمعنى : وإذا نسخنا حكم آية فأبدلنا مكانه حكما آخر .وقال الآلوسى : قوله - تعالى - : ( وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ ) أى : وإذا نزلنا آية من القرآن مكان آية منه .

وجعلناها بدلا منها بأن نسخناها بها .

.

.ومنهم من يرى أن المراد بالآية هنا " الآية الكونية " أى المعجزة التى أتى بها كل نبى لقومه وأن المراد بتبديلها : الإِتيان بمعجزة أخرى سواها .قال الشيخ القاسمى عند تفسيره لهذه الآية : وذهب قوم إلى أن المعنى تبديل آية من آيات الأنبياء المتقدمين .

كآية موسى وعيسى وغيرهما من الآيات الكونية الآفاقية ، بآية أخرى نفسية علمية ، وهى كون المنزل هدى ورحمة وبشارة يدركها العقل .فبدلت تلك - وهى الآيات الكونية - بآية هو كتاب العلم والهدى من نبى أمى صلى الله عليه وسلم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى شرع من هذا الموضوع في حكاية شبهات منكري نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان إذا نزلت آية فيها شدة، ثم نزلت آية ألين منها تقول كفار قريش: والله ما محمد إلا يسخر بأصحابه، اليوم يأمر بأمر وغداً ينهى عنه، وإنه لا يقول هذه الأشياء إلا من عند نفسه، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءايَةً مَّكَانَ ءايَةٍ ﴾ ومعنى التبديل، رفع الشيء مع وضع غيره مكانه.

وتبديل الآية رفعها بآية أخرى غيرها، وهو نسخها بآية سواها، وقوله: ﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ ﴾ اعتراض دخل في الكلام، والمعنى: والله أعلم بما ينزل من الناسخ والمنسوخ والتغليظ والتخفيف، أي هو أعلم بجميع ذلك في مصالح العباد، وهذا توبيخ للكفار على قوله: ﴿ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ أي إذا كان هو أعلم بما ينزل فما بالهم ينسبون محمد صلى الله عليه وسلم إلى الافتراء لأجل التبديل والنسخ، وقوله: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي لا يعلمون حقيقة القرآن وفائدة النسخ والتبديل وأن ذلك لمصالح العباد كما أن الطبيب يأمر المريض بشربة، ثم بعد مدة ينهاه عنها، ويأمره بضد تلك الشربة، وقوله: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدس مِن رَّبِّكَ ﴾ تفسير روح القدس مر ذكره في سورة البقرة.

وقال صاحب الكشاف: روح القدس جبريل عليه السلام أضيف إلى القدس وهو الطهر كما يقال: حاتم الجود وزيد الخير، والمراد الروح المقدس، وحاتم الجواد وزيد الخير، والمقدس المطهر من الماء ومن في قوله: ﴿ مِن رَبّكَ ﴾ صلة للقرآن أي أن جبريل نزل القرآن من ربك ليثبت الذين آمنوا أي ليبلوهم بالنسخ حتى إذا قالوا فيه هو الحق من ربنا حكم لهم بثبات القدم في الدين وصحة اليقين بأن الله حكيم فلا يفعل إلا ما هو حكمة وصواب: ﴿ وَهُدًى وبشرى ﴾ مفعول لهما معطوف على محل ليثبت، والتقدير: تثبيتاً لهم وإرشاداً وبشارة.

وفيه تعريض بحصول أضداد هذه الصفات لغيرهم.

المسألة الثانية: قد ذكرنا أن مذهب أبي مسلم الأصفهاني: أن النسخ غير واقع في هذه الشريعة، فقال المراد هاهنا: إذا بدلنا آية مكان آية في الكتب المتقدمة مثل أنه حول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، قال المشركون: أنت مفتر في هذا التبديل، وأما سائر المفسرين فقالوا: النسخ واقع في هذه الشريعة، والكلام فيه على الاستقصاء في سائر السور.

المسألة الثالثة: قال الشافعي رحمه الله: القرآن لا ينسخ بالسنة، واحتج على صحته بقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءايَةً مَّكَانَ ءايَةٍ ﴾ وهذا يقتضي أن الآية لا تصير منسوخة إلا بآية أخرى، وهذا ضعيف لأن هذه تدل على أنه تعالى يبدل آية بآية أخرى ولا دلالة فيها على أنه تعالى لا يبدل آية إلا بآية، وأيضاً فجبريل عليه السلام قد ينزل بالسنة كما ينزل بالآية، وأيضاً فالسنة قد تكون مثبتة للآية، وأيضاً فهذا حكاية كلام الكفار، فكيف يصح التعلق به؟

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

تبديل الآية مكان الآية: هو النسخ، والله تعالى ينسخ الشرائع بالشرائع لأنها مصالح، وما كان مصلحة أمس يجوز أن يكون مفسدة اليوم، وخلافه مصلحة.

والله تعالى عالم بالمصالح والمفاسد، فيثبت ما يشاء وينسخ ما يشاء بحكمته.

وهذا معنى قوله ﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قالوا إِنَّمآ أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ وجدوا مدخلاً للطعن فطعنوا، وذلك لجهلهم وبعدهم عن العلم بالناسخ والمنسوخ وكانوا يقولون: إن محمداً يسخر من أصحابه: يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غداً، فيأتيهم بما هو أهون؛ ولقد افتروا، فقد كان ينسخ الأشق بالأهون، والأهون بالأشق، والأهون بالأهون، والأشق بالأشق، لأنّ الغرض المصلحة، لا الهوان والمشقة.

فإن قلت: هل في ذكر تبديل الآية بالآية دليل على أن القرآن إنما ينسخ بمثله، ولا يصح بغيره من السنة والإجماع والقياس؟

قلت: فيه أن قرآناً ينسخ بمثله وليس فيه نفي نسخه بغيره، على أن السنة المكشوفة المتواترة مثل القرآن في إيجاب العلم، فنسخه بها كنسخه بمثله، وأمّا الإجماع والقياس والسنة غير المقطوع بها فلا يصح نسخ القرآن بها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ ﴾ بِالنَّسْخِ فَجَعَلْنا الآيَةَ النّاسِخَةَ مَكانَ المَنسُوخَةِ لَفْظًا أوْ حُكْمًا.

﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ ﴾ مِنَ المَصالِحِ فَلَعَلَّ ما يَكُونُ مَصْلَحَةً في وقْتٍ يَصِيرُ مَفْسَدَةً بَعْدَهُ فَيَنْسَخُهُ، وما لا يَكُونُ مَصْلَحَةً حِينَئِذٍ يَكُونُ مَصْلَحَةً الآنَ فَيُثْبِتُهُ مَكانَهُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (يُنْزِلُ) بِالتَّخْفِيفِ.

﴿ قالُوا ﴾ أيِ الكَفَرَةُ.

﴿ إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ ﴾ مُتَقَوِّلٌ عَلى اللَّهِ تَأْمُرُ بِشَيْءٍ ثُمَّ يَبْدُو لَكَ فَتَنْهى عَنْهُ، وهو جَوابُ " إذًا " .

﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ ﴾ ، اعْتِراضٌ لِتَوْبِيخِ الكُفّارِ عَلى قَوْلِهِمْ والتَّنْبِيهِ عَلى فَسادِ سَنَدِهِمْ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا.

﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ حِكْمَةَ الأحْكامِ ولا يُمَيِّزُونَ الخَطَأ مِنَ الصَّوابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وإذا بدلنا آية مكان آية} تبديل الآية مكان الآية هو النسخ والله تعالى ينسخ الشرائع بالشرائع لحكمة رآها وهو معنى قوله {والله أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} وبالتخفيف

النحل (١٠١ _ ١٠٥)

مكي وأبو عمرو {قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ} هو جواب إذا وقوله والله أعلم بما ينزل اعتراض كانوا يقولون إن محمداً يسخر بأصحابه يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غداً فيأتيهم بما هو أهون ولقد افتروا فقد كان ينسخ الأشق بالأهون والأهون بالأشق {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} الحكمة في ذلك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةً ﴾ أيْ إذا نَزَّلْنا آيَةً مِنَ القُرْآنِ مَكانَ آيَةٍ مِنهُ وجَعَلْناها بَدَلًا مِنها بِأنْ نَسَخْناها بِها، والظّاهِرُ عَلى ما في البَحْرِ أنَّ المُرادَ نَسْخُ اللَّفْظِ والمَعْنى، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ نَسْخُ المَعْنى مَعَ بَقاءِ اللَّفْظِ ﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ ﴾ مِنَ المَصالِحِ فَكُلٌّ مِنَ النّاسِخِ والمَنسُوخِ مُنَزَّلٌ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ فَإنَّ كُلَّ وقْتٍ لَهُ مُقْتَضى غَيْرُ مُقْتَضى الآخَرِ فَكَمْ مِن مَصْلَحَةٍ تَنْقَلِبُ مَفْسَدَةً في وقْتٍ آخَرَ لِانْقِلابِ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ إلَيْها، ونَرى الطَّبِيبَ الحاذِقَ قَدْ يَأْمُرُ المَرِيضَ بِشَرْبَةٍ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْهاهُ عَنْها ويَأْمُرُهُ بِضِدِّها، وما الشَّرائِعُ إلّا مَصالِحُ لِلْعِبادِ وأدْوِيَةٌ لِأمْراضِهِمُ المَعْنَوِيَّةِ فَتَخْتَلِفُ حَسَبَ اخْتِلافِ ذَلِكَ في الأوْقاتِ وسُبْحانَ الحَكِيمِ العَلِيمِ، والجُمْلَةُ إمّا مُعْتَرِضَةٌ لِتَوْبِيخِ الكَفَرَةِ والتَّنْبِيهِ عَلى فَسادِ رَأْيِهِمْ، وفي الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ مَعَ الإسْنادِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ ما لا يَخْفى مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَحْقِيقِ مَعْنى الِاعْتِراضِ أوْ حالِيَّةٌ كَما قالَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو «يَنْزِلُ» مِنَ الإنْزالِ ﴿ قالُوا ﴾ أيِ الكَفَرَةُ الجاهِلُونَ بِحِكْمَةِ النَّسْخِ ﴿ إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ ﴾ مُتَقَوِّلٌ عَلى اللَّهِ تَعالى تَأْمُرُ بِشَيْءٍ ثُمَّ يَبْدُو لَكَ فَتَنْهى عَنْهُ، وقَدْ بالَغُوا قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى في نِسْبَةِ الِافْتِراءِ إلى حَضْرَةِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَيْثُ وجَّهُوا الخِطابَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجاؤُوا بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مَعَ التَّأْكِيدِ بِإنَّما، وحِكايَةُ هَذا القَوْلِ عَنْهم هاهُنا لِلْإيذانِ بِأنَّهُ كَفَرَةٌ ناشِئَةٌ مِن نَزَغاتِ الشَّيْطانِ وأنَّهُ ولِيُّهم.

وفي الكَشْفِ أنَّ وجْهَ ذَكَرِهِ عَقِيبَ الأمْرِ بِالِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ القِراءَةِ أنَّهُ بابٌ عَظِيمٌ مِن أبْوابِهِ يَفْتِنُ بِهِ النّاقِصِينَ يُوَسْوِسُ إلَيْهِمُ البَداءَ والتَّضادَّ وغَيْرَ ذَلِكَ ﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ أيْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا أصْلًا أوْ لا يَعْلَمُونَ أنَّ في التَّبْدِيلِ المَذْكُورِ حِكَمًا بالِغَةً، وإسْنادُ هَذا الحُكْمِ إلى أكْثَرِهِمْ لِما أنَّ مِنهم مَن يَعْلَمُ ذَلِكَ وإنَّما يُنْكِرُ عِنادًا.

والآيَةُ دَلِيلٌ عَلى نَسْخِ القُرْآنِ بِالقُرْآنِ وهي ساكِتَةٌ عَنْ نَفْيِ نَسْخِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا فَصَلَ في كُتُبِ الأُصُولِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ يعني: إذا أردت أن تقرأ القرآن في الصلاة وغير الصلاة، فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ أي تعوذ بالله.

وهذا كقولك: إذا أكلت فقل بسم الله، يعني: إذا أردت أن تأكل، وهذا مثل قوله إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [المائدة: 6] يعني: إذا أردتم القيام للصلاة.

وقوله: مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ يعني: اللعين الخبيث.

ويقال: الرَّجِيمِ يعني: المرجوم.

ويقال: فيه تقديم، ومعناه: فاستعذ بالله، إذا قرأت القرآن.

ثم قال: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ يقال: ليس له غلبة ولا حجة.

ويقال: ليس له نفاذ الأمر عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا أي: صدقوا بتوحيد الله تعالى وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي: يثقون به ولا يثقون بغيره.

قوله عز وجل: إِنَّما سُلْطانُهُ أي غلبته وحجته عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ أي: يطيعونه من دون الله تعالى.

فمن أطاعه فقد تولاه وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ أي: بالله.

وقال القتبي: وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ لم يرد أنهم بإبليس كافرون، ولو كانوا هكذا لكانوا مؤمنين، وإنَّما أراد به الذين هم من أجله مشركون بالله تعالى، كما يقال: صار فلان بك عالماً أي: من أجلك.

قوله: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً أي: ناسخة مَكانَ آيَةٍ منسوخة، أي: نسخنا آية بآية.

قال ابن عباس: «إن رسول الله  كان إذا نزلت عليه آية فيها شدة، أخذ الناس بها، وعملوا ما شاء الله أن يعملوا، فيشق ذلك عليهم، فينسخ الله تعالى هذه الشدة، ويأتيهم بما هو ألين منها وأهون عليهم منها» ، قالوا: أي كفار قريش: ما يعلمه إلا عابس غلام حويطب بن عبد العزى، ويسار بن فكيهة مولى ابن الحضرمي وكانا قد أسلما، وكان رسول الله  يأتيهما فيحدثهما ويعلمهما، وكانا يقرآن كتابهما بالعبرانية.

فنزل وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ يعني: بما يصلح للخلق قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ أي: مختلق من تلقاء نفسك بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ أن الله أمرك بما شاء، نظراً لصلاح العباد.

وقال مقاتل: في الآية تقديم، ومعناه: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ فتقول على الله تعالى الكذب.

قلت: كذا ثم نقضته، فجئت بغيره، ثم قال في التقديم: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

باللَّه، وهذا الإخبار بأنْ لا سلطانَ للشيطانِ على المؤمنين بَعقِبِ الأَمر بالاستعاذة- يقتضي أنْ الاستعاذةَ تصرْفُ كيده، كأنها متضمِّنة للتوكُّل على الله، والانقطاع إليه.

وقوله سبحانه: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ يعني بهذا التبديل النَّسْخَ، قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ: أي قال كفّار مكّة، ورُوحُ الْقُدُسِ: هو جبريلُ بلا خلاف.

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ قال ابن عباس: كان بمكَّة غلامٌ أعجميٌّ لبعض قريشٍ يقال له: «بلعام» ، فكان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يُعلِّمه الإِسلام، ويرُومُهُ عليه، فقال بعضُ الكفَّار هذا يُعلِّم محمَّداً، وقيل: اسمُ الغلام «جبر» ، وقيل: يَسار، وقيل: يَعيش، والأعجميُّ هو الذي لا يتكلَّم بالعربية، وأما العَجَمِيُّ، فقد يتكلَّم بالعربيَّة، ونسبته قائمة «١» .

وقوله: وَهذا إشارة إلى القرآن والتقدير: وهذا سَرْدُ لسانٍ، أو نطقُ لسان.

إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٠٥) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)

وقوله/ سبحانه: إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ: بمعنى: إنما يكذب، وهذه مقاومة للذين قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ [النحل: ١٠١] ، ومَنْ في قوله مَنْ كَفَرَ بدلٌ مِنْ قوله: الْكاذِبُونَ، فروي: أن قوله سبحانه: وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ يراد به مِقْيَسُ بنُ ضَبَابَةَ وأشباهه ممَّن كان آمن، ثم ارتد باختياره مِنْ غيرِ إِكراه.

وقوله سبحانه: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ، أي: كبلالٍ وعمّار بن ياسر وأمّه وخبّاب وصهيب

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المَعْنى: فَإذا أرَدْتَ القِراءَةَ فاسْتَعِذْ، ومِثْلُهُ ﴿ إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ  ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ وَإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ  ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً  ﴾ .

وَمِثْلُهُ في الكَلامِ: إذا أكَلْتَ، فَقُلْ بِاسْمِ اللَّهِ، هَذا قَوْلُ عامَّةِ العُلَماءِ واللُّغَوِيِّينَ.

والثّانِي: أنَّهُ عَلى ظاهِرِهِ، وأنَّ الِاسْتِعاذَةَ بَعْدَ القِراءَةِ.

رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وداوُدَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ مِنَ المُقَدَّمِ والمُؤَخَّرِ، فالمَعْنى: فَإذا اسْتَعَذْتَ بِاللَّهِ فاقْرَأْ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ السِّجِسْتانِيُّ، والأوَّلُ أصَحُّ.

* فَصْلٌ والِاسْتِعاذَةُ عِنْدَ القِراءَةِ سُنَّةٌ في الصَّلاةِ وغَيْرِها.

وَفِي صِفَتِها عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ: إحْداهُما: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ، رَواها أبُو بَكْرٍ المَرْوَزِيُّ.

والثّانِيَةُ: أعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ، رَواها حَنْبَلُ.

وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى " أعُوذُ " في أوَّلِ الكِتابِ [ص:٧]، وشَرَحْنا اشْتِقاقَ الشَّيْطانِ في (البَقَرَةِ:١٤)، والرَّجِيمِ في (آل عِمْرانَ: ٣٦) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ في المُرادِ بِالسُّلْطانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّسَلُّطُ.

ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ بِحالٍ، لِأنَّ اللَّهَ صَرَفَ سُلْطانَهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مَنِ الغاوِينَ  ﴾ .

والثّانِي: لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ، لِاسْتِعاذَتِهِمْ مِنهُ.

والثّالِثُ: لَيْسَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى أنْ يَحْمِلَهم عَلى ذَنْبٍ لا يُغْفَرُ.

والثّانِي: أنَّهُ الحُجَّةُ.

فالمَعْنى: لَيْسَ لَهُ حُجَّةٌ عَلى ما يَدْعُوهم إلَيْهِ مِنَ المَعاصِي، قالَهُ مُجاهِدٌ.

فَأمّا قَوْلُهُ " يَتَوَلَّوْنَهُ " مَعْناهُ: يُطِيعُونَهُ.

وَفِي هاءِ الكِنايَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الشَّيْطانِ، فالمَعْنى: الَّذِينَ هم مِن أجْلِهِ مُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، وهَذا كَما يُقالُ: صارَ فُلانٌ بِكَ عالِمًا، أيْ: مِن أجْلِكَ، هَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: والَّذِينَ هم بِإشْراكِهِمْ إبْلِيسَ في العِبادَةِ، مُشْرِكُونَ بِاللَّهِ تَعالى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةً ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ يُنْزِلُ الآيَةَ، فَيُعْمَلُ بِها مُدَّةً، ثُمَّ يَنْسَخُها، فَقالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ: واللَّهِ ما مُحَمَّدٌ إلّا يَسْخَرُ مِن أصْحابِهِ، يَأْمُرُهُمُ اليَوْمَ بِأمْرٍ، ويَأْتِيهِمْ غَدًا بِما هو أهْوَنُ عَلَيْهِمْ مِنهُ،فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والمَعْنى: إذا نَسَخْنا آيَةً بِآيَةٍ، إمّا نَسْخُ الحُكْمِ والتِّلاوَةِ، أوْ نَسْخُ الحُكْمِ مَعَ بَقاءِ التِّلاوَةِ ﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ ﴾ مِن ناسِخٍ ومَنسُوخٍ، وتَشْدِيدٍ وتَخْفِيفٍ، فَهو عَلِيمٌ بِالمَصْلَحَةِ في ذَلِكَ ﴿ قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ ﴾ أيْ: كاذِبٌ ﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ.

والثّانِي: لا يَعْلَمُونَ فائِدَةَ النَّسْخِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ ﴿ رُوحُ القُدُسِ ﴾ يَعْنِي: جِبْرِيلَ وقَدْ شَرَحْنا هَذا الِاسْمَ في (البَقَرَةِ:٨٧) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن رَبِّكَ ﴾ أيْ: مِن كَلامِهِ " بِالحَقِّ " أيْ: بِالأمْرِ الصَّحِيحِ ﴿ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بِما فِيهِ مِنَ البَيِّناتِ فَيَزْدادُوا يَقِينًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَيْطانِ الرَجِيمِ ﴾ ﴿ إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ ﴿ إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ وَإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةً واللهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وهُدًى وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانُ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ﴾ الفاءُ في "فَإذا" واصِلَةٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُها في مِثْلِ هَذا، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: فَإذا أخَذَتْ في قِراءَةِ القُرْآنِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى  ﴾ ، وكَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: إذْ أكَلَتْ فَقُلْ بِسْمِ اللهِ.

والِاسْتِعاذَةُ نَدْبٌ عِنْدَ الجَمِيعِ، وحَكى النَقّاشُ عن عَطاءٍ أنَّ التَعَوُّذَ واجِبٌ، ولَفْظُ الِاسْتِعاذَةِ هو عَلى رُتْبَةِ الآيَةِ، وقَدْ ذَكَرْتُ الخِلافُ الَّذِي قِيلَ فِيهِ في صَدْرِ هَذا الكِتابِ.

و"الرَجِيمِ": المَرْجُومُ بِاللَعْنَةِ، وهو إبْلِيسُ.

ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنَّ إبْلِيسَ لَيْسَ لَهُ مَلَكَةٌ ولا رِياسَةٌ، هَذا ظاهِرُ "السُلْطانِ" عِنْدِي في هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ أنَّ السُلْطانَ إنْ جَعَلْناهُ الحُجَّةَ فَلَيْسَ لَهُ حُجَّةٌ في الدُنْيا عَلى أحَدٍ، لا مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ، اللهُمَّ إلّا أنْ يَتَأوَّلَ مُتَأوِّلٌ: "لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ يَوْمَ القِيامَةِ"، فَيَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الحَجَّةِ، لَأنَّ إبْلِيسَ لَهُ حُجَّةٌ عَلى الكافِرِينَ أنَّهُ دَعاهم بِغَيْرِ دَلِيلٍ فاسْتَجابُوا لَهُ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا سُلْطانَ ولا رِياسَةَ لِإبْلِيسَ عَلَيْهِمْ هُمُ المُؤْمِنُونَ أجْمَعُونَ؛ لَأنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يَجْعَلْ سُلْطانَهُ إلّا عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ، والسُلْطانُ مَنفِيٌّ هاهُنا في الإشْراكِ؛ إذْ لَهُ عَلَيْهِمْ مَلَكَةٌ ما في المَعاصِي، وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ  ﴾ ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ إبْلِيسُ: ﴿ إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ  ﴾ .

و"يَتَوَلَّوْنَهُ" مَعْناهُ: يَجْعَلُونَهُ ولِيًّا، والضَمِيرُ في "بِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، والظاهِرُ أنَّهُ يَعُودُ عَلى اسْمِ إبْلِيسَ، بِمَعْنى: مِن أجْلِهِ وبِسَبَبِهِ، كَما تَقُولُ لِمُعَلِّمُكَ: أنا عالِمٌ بِسَبَبِكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: والَّذِينَ هم بِسَبَبِهِ مُشْرِكُونَ بِاللهِ، وهَذا الإخْبارُ بِأنْ لا سُلْطانَ لِلشَّيْطانِ عَلى المُؤْمِنِينَ بِعَقِبِ الأمْرِ بِالِاسْتِعاذَةِ تَقْتَضِي أنَّ الِاسْتِعاذَةَ تَصْرِفُ كَيْدَهُ كَأنَّها مُتَضَمِّنَةٌ لِلتَّوَكُّلِ عَلى اللهِ والِانْقِطاعِ إلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةً ﴾ ، كانَ كَفّارُ مَكَّةَ إذا نَسَخَ اللهُ لَفْظَ آيَةٍ بِلَفْظِ أُخْرى ومَعْناها وإنَّ بَقِيَ لَفْظُها -لَأنَّ هَذا كُلُّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ التَبْدِيلُ- يَقُولُونَ: لَوْ كانَ هَذا مِن عِنْدِ اللهِ لَمْ يَتَبَدَّلْ، وإنَّما هو مِنَ افْتِراءِ مُحَمَّدٍ، فَهو يَرْجِعُ مَن خَطَأٍ يَبْدُو لَهُ إلى صَوابٍ يَراهُ بَعْدُ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أعْلَمَ بِما يَصْلُحُ لِلْعِبادِ بُرْهَةً مِنَ الدَهْرِ، ثُمَّ ما يَصْلُحُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ، وأنَّهم لا يَعْلَمُونَ هَذا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُنَزِّلُ" بِفَتْحِ النُونِ وشَدِّ الزايِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِسُكُونِ النُونِ وتَخْفِيفِ الزايِ، وعَبَّرَ بِالأكْثَرِ مُراعاةً لِما كانَ عِنْدَ قَلِيلٍ مِنهم مَن مَوْقِفٍ وقِلَّةِ مُبالَغَةٍ في التَكْذِيبِ وظَنٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا اللَفْظُ قَرَّرَ عَلى قَلِيلٍ مِنهم أنَّهم يَعْلَمُونَ ويَكْفُرُونَ تَمَرُّدًا وعِنادًا.

وأمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يُخْبِرَ أنَّ القُرْآنَ وناسِخَهُ ومَنسُوخَهُ إنَّما نَزَّلَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وهو رُوحُ القُدُسِ، لا خِلافَ في ذَلِكَ، "والقُدُسِ": المَوْضِعُ المُطَهَّرُ، فَكَأنَّ جِبْرِيلَ أُضِيفَ إلى الأمْرِ المُطَهَّرِ بِإطْلاقٍ، وسَمِّي رُوحًا إمّا لَأنَّهُ ذُو رُوحٍ مِن جُمْلَةِ رُوحِ اللهِ الَّذِي بَثَّهُ في خُلُقِهِ، وخُصَّ هو بِهَذا الِاسْمِ، وإمّا لَأنَّهُ يَجْرِي مِنَ الهِداياتِ والرِسالاتِ ومِنَ المَلائِكَةِ أيْضًا مَجْرى الرُوحِ مِنَ الأجْسادِ لِشَرَفِهِ ومَكانَتِهِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: القُدْسُ بِسُكُونِ الدالِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، وقَوْلُهُ: "بِالحَقِّ" أيْ: مَعَ الحَقِّ في أوامِرِهِ ونَواهِيهِ وأحْكامِهِ ومَصالِحِهِ وأخْبارِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "بِالحَقِّ" بِمَعْنى حَقًّا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِالحَقِّ في أنْ يَنْزِلَ، وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ اعْتِراضاتٌ عِنْدَ أصْحابِ الكَلامِ عَلى أُصُولِ الدِينِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ في مَكَّةَ غُلامٌ أعْجَمِيٌّ لِبَعْضِ قُرَيْشٍ يُقالُ لَهُ بِلْعامُ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ  يُكَلِّمُهُ ويُعَلِّمُهُ الإسْلامَ ويَرُومُهُ عَلَيْهِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: هَذا يَعْلَمُ مُحَمَّدًا مِن جِهَةِ الأعاجِمِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ وسُفْيانُ: كانَ اسْمُ الغُلامِ يَعِيشُ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمٍ الحَضْرَمِيُّ: كانَ بِمَكَّةَ غُلامانِ، أحَدُهُما اسْمُهُ جَبْرٌ، والثانِي يَسارٌ، وكانا يَقْرَآنِ بِالرُومِيَّةِ، وكانَ رَسُولُ اللهِ  يَجْلِسُ إلَيْهِما، فَقالَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ، ونَزَلَتِ الآيَةُ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: والإشارَةُ إلى جَبْرٍ، وقالَ الضِحاكُ: الإشارَةُ إلى سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وهَذا ضَعِيفٌ، لَأنَّ سَلْمانَ إنَّما أسْلَمَ بَعْدَ الهِجْرَةِ بِمَكَّةَ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لِسانُ الَّذِي"، وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "اللِسانُ الَّذِي" بِالتَعْرِيفِ وبِغَيْرِ تَنْوِينٍ في راءِ "بَشَرُ".

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ: "يُلْحِدُونَ" بِضَمِّ الياءِ، مَن "ألْحَدَ" إذا مالَ، وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ، وابْنِ عامِرٍ، وأبِي جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَلْحَدُونَ" بِفَتْحِ الياءِ والحاءِ، مَن "لَحَدَ"، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللهِ، وطَلْحَةَ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشِ، ومُجاهِدٍ، وهُما بِمَعْنى، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: قَدْنِيَ مِن نَصْرِ الخُبَيْبَيْنِ قَدِي ∗∗∗ لَيْسَ أمِيرِي بِالشَحِيحِ المُلْحِدِ يُرِيدُ: المائِلَ عَنِ الجُودِ وحالِ الرِياسَةِ.

وقَوْلُهُ: "أعْجَمِيٌّ" إضافَةٌ إلى "أعْجَمٍ"؛ لَأنَّهُ كانَ يَقُولُ: "عَجَمِيٌّ"، والأعْجَمُ: هو الَّذِي لا يَتَكَلَّمُ بِعَرَبِيَّةٍ، وأمّا العَجَمِيُّ فَقَدْ يَتَكَلَّمُ بِالعَرَبِيَّةِ ونِسْبَتُهُ قائِمَةٌ.

وقَوْلُهُ: "وَهَذا" إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، والتَقْدِيرُ: وهَذا سَرْدُ لِسانٍ، أو نُطْقُ لِسانٍ، فَهو عَلى حَذْفٍ مُضافٍ، وهَذا عَلى أنْ نَجْعَلَ اللِسانَ هُنا الجارِحَةَ، واللِسانُ -فِي كَلامِ العَرَبِ -: اللُغَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ في هَذِهِ، واللِسانُ: الخَبَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: إنِّي أتَتْنِي لِسانٌ غَيْرُ كاذِبَةٍ.

ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: لِسانُ السُوءِ تُهْدِيها إلَيْنا ∗∗∗ ∗∗∗ وحِنْتَ وما حَسِبْتُكَ أنْ تَحِينا وَحَكى الطَبَرِيُّ عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ أنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِمْ: "بَشَرٌ" إنَّما هي إلى كاتِبٍ كانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللهِ  ، فَيَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ في أواخِرَ الآياتِ: " سَمِيعٌ عَلِيمٌ"، فَيَكْتُبُ هو "عَزِيزٌ حَكِيمٌ" أو نَحْوَ هَذا، ثُمَّ يَشْتَغِلُ بِسَماعِ الوَحْيِ فَيُبَدِّلُ هو بِـ "غَفُورٌ رَحِيمٌ" أو نَحْوَهُ، فَقالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في بَعْضِ الآياتِ: هو كَما كَتَبْتَ، فَفُتِنَ وقالَ: أنا أعُلِّمُ مُحَمَّدًا وارْتَدَّ ولَحِقَ بِمَكَّةَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا نَصْرانِيٌّ أسْلَمَ وكَتَبَ ثُمَّ ارْتَدَّ وماتَ فَلَفَظَتْهُ الأرْضُ، وإلّا فَهَذا القَوْلُ يُضَعَّفُ؛ لَأنَّ الكاتِبَ المَشْهُورَ الَّذِي ارْتَدَّ لِهَذا السَبَبِ ولِغَيْرِهِ مِن نَحْوِهِ هو عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ العامِرِيُّ، ولِسانُهُ لَيْسَ بِأعْجَمِيٍّ، فَتَأمَّلَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استمرّ الكلام على شأن القرآن وتنزيهه عما يوسوسه الشيطان في الصدّ عن متابعته.

ولما كان من أكبر الأغراض في هذه السورة بيان أن القرآن منزل من عند الله، وبيان فضله وهديه فابتدئ فيها بآية ﴿ ينزل الملائكة بالروح من أمره ﴾ [سورة النحل: 2]، ثم قفِّيت بما اختلقه المشركون من الطّعن فيه بعد تنقلات جاء فيها ﴿ وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين ﴾ [سورة النحل: 24]، وأتبع ذلك بتنقلات بديعة فأُعيد الكلام على القرآن وفضائله من قوله تعالى: ﴿ وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبيّن لهم الذي اختلفوا فيه ﴾ [سورة النحل: 64] ثم قوله ﴿ ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء ﴾ [سورة النحل: 89].

وجاء في عقب ذلك بشاهد يجمع ما جاء به القرآن، وذلك آية ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان ﴾ [سورة النحل: 90]، فلما استقرّ ما يقتضي تقرّر فضل القرآن في النفوس نبّه على نفاسته ويمنه بقوله: ﴿ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ﴾ [سورة النحل: 98]، لا جرم تهيأ المقام لإبطال اختلاق آخر من اختلاقهم على القرآن اختلاقاً مموّهاً بالشبهات كاختلاقهم السابق الذي أشير إليه بقوله تعالى: ﴿ وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين ﴾ [سورة النحل: 24].

ذلك الاختلاق هو تعمّدهم التّمويه فيما يأتي من آيات القرآن مخالفاً لآيات أخرى لاختلاف المقتضي والمقام.

والمغايرة باللين والشدّة، أو بالتعميم والتخصيص، ونحو ذلك مما يتبع اختلافه اختلاف المقامات واختلاف الأغراض واختلاف الأحوال التي يتعلّق بها، فيتّخذون من ظاهر ذلك دون وضعه مواضعه وحمله محاملهُ مغامز يتشدّقون بها في نواديهم، يجعلون ذلك اضطراباً من القول ويزعمونه شاهداً باقتداء قائله في إحدى المقالتين أو كلتيهما.

وبعض ذلك ناشئ عن قصور مداركهم عن إدراك مرامي القرآن وسموّ معانيه، وبعضه ناشئ عن تعمّد للتجاهل تعلّقاً بظواهر الكلام يلبّسون بذلك على ضعفاء الإدراك من أتباعهم، ولذلك قال تعالى: بل أكثرهم لا يعلمون } ، أي ومنهم من يعلمون ولكنهم يكابرون.

روي عن ابن عباس أنه قال: «كان إذا نزلت آية فيها شدّة ثم نزلت آية ألين منها يقول كفار قريش: والله ما محمد إلا يسخر بأصحابه، اليوم يأمر بأمرٍ وغداً ينهى عنه، وأنه لا يقول هذه الأشياء إلا من عند نفسه» اه.

وهذه الكلمة أحسن ما قالهُ المفسّرون في حاصل معنى هذه الآية.

فالمراد من التبديل في قوله تعالى؛ ﴿ بدلنا ﴾ مطلقُ التغاير بين الأغراض والمقامات، أو التغاير في المعاني واختلافها باختلاف المقاصد والمقامات مع وضوح الجمع بين محاملها.

والمرد بالآية الكلام التام من القرآن، وليس المراد علامة صدق الرسول صلى الله عليه وسلم أعني المعجزة بقرينة قوله تعالى: ﴿ والله أعلم بما ينزل ﴾ .

فيشمل التبديلُ نسخ الأحكام مثل نسخ قوله تعالى: ﴿ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ﴾ [سورة الإسراء: 110] بقوله تعالى: ﴿ فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ﴾ [سورة الحجر: 94].

وهذا قليل في القرآن الذي يقرأ على المشركين لأن نسخ الأحكام إنما كثر بعد الهجرة حين تكوّنت الجامعة الإسلامية، وأما نسخُ التلاوة فلم يرد من الآثار ما يقتضي وقوعه في مكّة فمن فسّر به الآية كما نقل عن مجاهد فهو مشكل.

ويشمل التعارض بالعموم والخصوص ونحو ذلك من التعارض الذي يحمل بعضه على بعض، فيفسّر بعضه بعضاً ويؤوّل بعضه بعضاً، كقوله تعالى: ﴿ والملائكة يسبّحون بحمد ربّهم ويستغفرون لمن في الأرض ﴾ في سورة الشورى (5) مع قوله تعالى: ﴿ الذين يحملون العرش ومن حوله يسبّحون بحمد ربّهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ﴾ في سورة المؤمن (7)، فيأخذون بعموم ﴿ ويستغفرون لمن في الأرض ﴾ [سورة الشورى: 5] فيجعلونه مكذّباً لخصوص ﴿ ويستغفرون للذين آمنوا ﴾ [سورة غافر: 7] فيزعمونه إعراضاً عن أحد الأمرين إلى الأخير منهما.

وكذلك قوله تعالى: ﴿ واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاً ﴾ [سورة المزمل: 10] يأخذون من ظاهره أنه أمر بمتاركتهم فإذا جاءت آيات بعد ذلك لدعوتهم وتهديدهم زعموا أنه انتقض كلامه وبدا له ما لم يكن يبدو له من قبل.

وكذلك قوله تعالى: ﴿ وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ﴾ [سورة الأحقاف: 9] مع آيات وصف عذاب المشركين وثواب المؤمنين.

وكذلك قوله تعالى: ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ [سورة الإسراء: 15] مع قوله تعالى: ﴿ ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ﴾ [سورة النحل: 25] ومن هذا ما يبدو من تخالف بادئ الأمر كقوله بعد ذكر خلق الأرض ﴿ ثم استوى إلى السماء ﴾ في [سورة فصلت: 11] مع قوله تعالى: ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها ﴾ من سورة النازعات (30)، فيحسبونه تناقضاً مع الغفلة عن محمل بعد ذلك من جعل (بعد) بمعنى (مع) وهو استعمال كثير، فهم يتوهّمون التناقض مع جهلهم أو تجاهلهم بالوَحَدات الثماني المقرّرة في المنطق.

فالتبديل في قوله تعالى: بدلنا } هو التعويض ببدل، أي عوض.

والتعويض لا يقتضي إبطال المعوّض بفتح الواو بل يقتضي أن يجعل شيء عوضاً عن شيء.

وقد يبدو للسامع أن مثل لفظ المعوّض بفتح الواو جعل عِوضاً عن مثل لفظ العوض بالكسر في آيات مختلفة باختلاف الأغراض من تبشير وإنذار، أو ترغيب وترهيب، أو إجمال وبيان، فيجعله الطاعنون اضطراباً لأن مثله قد كان بُدل ولا يتأملون في اختلاف الأغراض.

وقد تقدم شيء من هذا المعنى عند قوله تعالى: ﴿ ائت بقرآن غيرِ هذا أو بدّله ﴾ في سورة يونس (15).

ومكان آية} منصوب على الظرفية المكانية بأن تأتي آية في الدعوة والخطاب في مكان آية أخرى أتت في مثل تلك الدعوة، فالمكان هنا مكان مجازي، وهو حالة الكلام والخطاب، كما يسمّى ذلك مقاماً، فيقال: هذا مقام الغضب، فلا تأت فيه بالمزح.

وليس المرَاد مكانَها من ألواح المُصْحَف ولا بإبدالها مَحوُها منه.

وجملة ﴿ والله أعلم بما ينزل ﴾ معترضة بين شرط ﴿ إذا ﴾ وجوابها.

والمقصود منها تعليم المسلمين لا الردّ على المشركين، لأنهم لو علموا أن الله هو المنزل للقرآن لارتفع البهتان.

والمعنى: أنه أعلم بما ينزل من آية بدل آية، فهو أعلم بمكان الأولى ومكان الثانية ومحمللِ كلتيهما، وكل عنده بمقدار وعلى اعتبار.

وقرأ الجمهور ﴿ بما ينزل ﴾ بفتح النون وتشديد الزاي.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون النون وتخفيف الزاي.

وحكاية طعنهم في النبي صلى الله عليه وسلم بصيغة قصر الموصوف على الصّفة، فجعلوه لا صفة له إلا الافتراء، وهو قصر إضافي، أي لستَ بمرسل من الله.

وهذا من مجازفتهم وسرعتهم في الحكم الجائر فلم يقتصروا على أن تبديله افتراء بل جعلوا الرسول مقصوراً على كونه مفترياً لإفادة أن القرآن الوارد مقصور على كونه افتراء.

وأصل الافتراء: الاختراع، وغَلَب على اختراع الخبر، أي اختلاقه، فساوَى الكذب في المعنى، ولذلك قد يطلق وحده كما هنا، وقد يطلق مقترناً بالكذب كقوله الآتي: ﴿ إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون ﴾ [سورة النحل: 105] إرجاعاً به إلى أصل الاختراع فيجعل له مفعول هو آيل إلى معناه فصار في معنى المفعول المطلق.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ﴾ في [سورة العقود: 103].

و ﴿ بل ﴾ للإضراب الإبطالي على كلامهم، وهو من طريقة النقض الإجمالي في علم المناظرة.

وضمير ﴿ أكثرهم ﴾ للذين قالوا إنما أنت مفتر، أي ليس كما قالوا ولكن أكثر القائلين ذلك لا يعلمون، أي لا يفهمون وضع الكلام مواضعه وحَمله محامله.

وفهم من الحكم على أكثرهم بعدم العلم أن قليلاً منهم يعلمون أن ذلك ليس افتراء ولكنهم يقولون ذلك تلبيساً وبهتاناً ولا يعلمون أن التّنزيل من عند الله لا ينافي إبطال بعض الأحكام إذا اختلفت المصالح أو روعي الرّفق.

ويجوز حمل لفظ أكثر على إرادة جميعهم كما تقدّم في هذه السورة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: شَرِيعَةٌ تَقَدَّمَتْ بِشَرِيعَةٍ مُسْتَأْنِفَةٍ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ أيْ نَسَخْنا آيَةً بِآيَةٍ، إمّا نَسْخُ الحُكْمِ والتِّلاوَةِ وإمّا نَسْخُ الحُكْمِ مَعَ بَقاءِ التِّلاوَةِ.

﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ ﴾ يَعْنِي أعْلَمُ بِالمَصْلَحَةِ فِيهِ يُنَزِّلُهُ ناسِخًا ويَرْفَعُهُ مَنسُوخًا.

﴿ قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ ﴾ أيْ كاذِبٌ.

﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَعْلَمُونَ جَوازَ النَّسْخِ.

الثّانِي: لا يَعْلَمُونَ سَبَبَ وُرُودِ النَّسْخِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو داود في ناسخه وابن مردويه والحاكم وصححه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذا بدلنا آية مكان آية ﴾ وقوله: ﴿ ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ﴾ [ النحل: 110] قال: عبد الله بن سعد بن أبي سرح، كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأزله الشيطان فلحق بالكفار.

وأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل يوم الفتح، فاستجار له عثمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجاره.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وإذا بدلنا آية مكان آية ﴾ قال: هو كقوله: ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسها ﴾ [ البقرة: 106] .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وإذا بدلنا آية مكان آية ﴾ قال: هذا في الناسخ والمنسوخ.

قال: إذا نسخنا آية وجئنا بغيرها.

قالوا ما بالك؟

قلت: كذا وكذا، ثم نقضته أنت تفتري.

قال الله: ﴿ والله أعلم بما ينزل ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ ﴾ قال الكلبي وغيره: كان إذا نزلت آية ألين منها، يقول كفار قريش: والله ما محمد إلا يسخر بأصحابه، يأمرهم اليوم بأمر وغدًا بأمر؛ وأنه ليتكذَّبه ويأتيهم به من عند نفسه، فأنزل الله: ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ ﴾ [[لم أقف عليه منسوبًا إلى الكلبي، وورد منسوبًا إلى ابن عباس من طريق أبي صالح وهي طريق الكلبي [وهي ضعيفة]، وانظر: "تفسير السمرقندي" 2/ 250، بنحوه عن ابن عباس، وابن الجوزي 4/ 491، عن أبي صالح عن ابن عباس، والفخر الرازي 20/ 116، عن ابن عباس، وورد بلا نسبة في "تفسير مقاتل" 1/ 207 ب، بنحوه، و"تفسير هود الهواري" 2/ 388، بمعناه عن الحسن، والثعلبي 2/ 163 ب، بنحوه، والبغوي 5/ 43، والزمخشري 2/ 344، والخازن 3/ 134.]]، قال مجاهد: رفعناها وأنزلنا غيرها (١) ﴿ مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ﴾ (٢) (٣) (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ ﴾ ، أي: مِن الناسخ والمنسوخ، والتغليظ والتخفيف؛ هو أعلم بجميع ذلك في مصالح العباد، وهذا اعتراض دخل في الكلام يتضمن توبيخ الكفار على قولهم: ﴿ إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ ﴾ ، أي إذا كان هو أعلم بما ينزل، ما بالهم ينسبون محمدًا إلى الافتراء لأجل التبديل والنسخ.

وقوله تعالى: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ، أي: لا يعلمون حقيقة القرآن، وفائدة النسخ والتبديل في أن ذلك لمصلحة العباد؛ كالاستصلاح بإرسال نبي بعد نبي، والكلام في ذكر أكثرهم دون جميعهم قد مضى في موضعين من هذه السورة [[عند آية: [75] و [83].]].

(١) "تفسير مجاهد" ص 452 بنصه، أخرجه الطبري 14/ 176 بنصه وبنحوه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 106، بنحوه، وانظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 646.

(٢) أخرجه الطبري 14/ 176 بنصه، وانظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 646.

(٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 113، بنصه.

(٤) انظر: (بدل) في "المحيط في اللغة" 9/ 318، و"اللسان" 1/ 231، و"تفسير الفخر الرازي" 20/ 116، و"تفسير القرطبي" 10/ 176.

(٥) في جميع النسخ: (ورفعها) بزيادة (و)، والصواب ما أثبته كما في "تفسير الفخر الرازي" 20/ 116.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً ﴾ التبديل هنا النسخ، كان الكفار إذا نسخت آية، يقولون: هذا افتراء ولو كان من عند الله لم يبدل ﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ ﴾ جملة اعتراض بين الشرط وجوابه.

وفيها رد على الكفار أي الله أعلم بما يصلح للعباد في وقت ثم ما يصلح لهم بعد ذلك ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدس ﴾ يعني جبريل ﴿ بالحق ﴾ أي مع الحق في أوامره ونواهيه وأخباره، ويحتمل أن يكون قوله بالحق بمعنى حقاً أو بمعنى أنه واجب النزول.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ بما ينزل ﴾ من الإنزال.

ابن كثير وأبو عمرو ﴿ يلحدون ﴾ بفتح الياء والحاء: حمزة وعلي وخلف.

﴿ فتنوا ﴾ مبنياً للفاعل: ابن عامر.

﴿ والخوف ﴾ بالنصب: عباس ﴿ إبراهام ﴾ هشام وما بعده والأخفش عن ابن ذكوان.

﴿ في ضيق ﴾ بالكسر: ابن كثير وكذلك في "النمل".

الآخرون بالفتح.

الوقوف: ﴿ مكان آية ﴾ لا لأن جواب "إذا" هو "قالوا" وقوله: ﴿ والله أعلم بما ينزل ﴾ جملة معترضة ﴿ مفتر ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ للمسلمين ﴾ ه ﴿ بشر ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ بآيات الله ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن" ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بآيات الله ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع العطف ﴿ الكاذبون ﴾ ه ﴿ غضب من الله ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى.

﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ على الآخرة ﴾ لا للعطف ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ وأبصارهم ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ الغافلون ﴾ ه ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ وصبروا ﴾ لا لأن "إن" الثانية تكرار الأولى لطول الكلام بصلته وخبرهما واحد ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ يصنعون ﴾ ه ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ طيباً ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ تعبدون ﴾ ه ﴿ لغير الله به ﴾ ج ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ على الله الكذب ﴾ ط ﴿ لا يفلحون ﴾ ط، ه ﴿ قليل ﴾ ص لعطف المتفقتين ولا سيما إذا قدر لهم متاع ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ج لابتداء النفي مع العطف ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ وأصلحوا ﴾ لا لما مر ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ حنيفاً ﴾ ط ﴿ من المشركين ﴾ ه لا لأن ﴿ شاكر ﴾ وصف آخر أو بدل من ﴿ حنيفاً ﴾ ﴿ لا نعمة ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ الصالحين ﴾ ط ه لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ حنيفاً ﴾ ط ه ﴿ المشركين ﴾ ط ه ﴿ اختلفوا فيه ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ أحسن ﴾ ط ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ عوقبتم به ﴾ ط ﴿ للصابرين ﴾ ه ﴿ يمكرون ﴾ ه ﴿ محسنون ﴾ ه.

التفسير: هذا شروع في حكاية شبهات منكري نبوة محمد  .

قال ابن عباس: كان إذا أنزلت آية فيها شدة ثم نزلت آية ألين منها قالت كفار قريش: إن محمداً يسخر من أصحابه يأمره اليوم بأمر وينهاهم عنه غداً وإنه لا يقول هذه الأشياء إلا من عند نفسه فنزل: ﴿ وإذا بدلنا ﴾ ومعنى التبديل رفع الشيء مع وضع غيره مكانه، وتبديل الآية رفعها بآية أخرى غيرها وهو نسخها بآية سواها.

﴿ والله أعلم بما ينزل ﴾ شيئاً فشيئاً على حسب المصالح مغلظاً ثم مخففاً أو بالعكس ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ فوائد النسخ والتبديل.

قال أبو مسلم: أراد تبديل آية مكان آية في الكتب المتقدمة مثل آية تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة.

وسائر العلماء أطبقوا على أن المراد بهذا التبديل النسخ.

ونقل عن الشافعي أن القرآن لا ينسخ بالسنة لأنه  أخبر بتبديل مكان الآية.

وضعف بأنه لا يلزم من وجود التبديل بالآية نفي التبديل بغيرها كالسنة المتواترة إذ لا دلالة في الآية على الحصر، وقد مر مباحث النسخ مفصلة مستوفاة في سورة البقرة.

﴿ قل نزله ﴾ أي القرآن ﴿ روح القدس ﴾ هو جبرائيل والإضافة للمبالغة مثل "حاتم الجود".

والمراد الروح المقدس المطهر عن دنس المأثم ﴿ من ربك ﴾ صلة نزله أي ابتداء تنزيله من عنده.

وقوله: ﴿ بالحق ﴾ حال أي متلبساً بالحكمة والصواب.

﴿ ليثبت الذين آمنوا ﴾ كقوله: ﴿ وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً  ﴾ فيقول كل من الناسخ والمنسوخ من عند ربنا وكل منهما في وقته خير وصلاح لأن الذي نزله حكيم لا يفعل إلا ما هو خير في أوانه وصواب بالنسبة إلى المكلف حين ما يكلف به.

﴿ وهدى وبشرى ﴾ معطوفان على محل ﴿ ليثبت ﴾ أي تثبيتاً لهم وإرشاداً وبشارة، وفيه تعريض بحصول أضداد هذه الخصال لغيرهم.

ثم حكى شبهة أخرى عنهم.

كانوا يقولون: إن محمداً يستفيد القصص والأخبار من إنسان آخر ويتعلمها منه.

واختلف في ذلك البشر فقيل كان غلاماً لحويطب بن عبد العزى قد أسلم وحسن إسلامه اسمه عائش ويعيش وكان صاحب كتب.

وقيل: هو جبر غلام رومي كان لعامر بن الحضرمي.

وقيل: عبدان جبر ويسار كانا يصنعان السيوف بمكة ويقرآن التوراة والإنجيل، وكان رسول الله  إذا مر وقف عليهما يسمع ما يقرآن فقالوا يعلمانه.

وقيل: هو سلمان الفارسي.

ثم أجاب عن شبهتهم فقال مستأنفاً ﴿ لسان الذي ﴾ واللسان اللغة والمعنى لسان الرجل الذي ﴿ يلحدون ﴾ يميلون قولهم عن الاستقامة ﴿ إليه ﴾ لسان ﴿ أعجمي ﴾ غير بيّن ﴿ وهذا ﴾ القرآن ﴿ لسان عربي مبين ﴾ ذو بيان وفصاحة وقد مر في آخر "الأعراف" أن تركيب الإلحاد يدل على الإمالة ومنه الملحد لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها.

قال أبو الفتح الموصلي: تركيب ع ج م يدل على الإبهام والخفاء ضد البيان والإفصاح، ومنه "عجم الزبيب" لاستتاره وخفاته، والعجماء البهيمة، وصلاة الظهر والعصر عجماوان لأن القراءة فيهما سرية، وأعجمت الكتاب أي أزلت عجمته.

ثم إن العرب تسمي كل من لا يعرف لسانهم ولا يتكلم بلغتهم أعجمياً وقالوا: زياد الأعجم لأنه كان في لسانه عجمة مع أنه كان عربياً.

وحاصل الجواب هبوا أن محمداً يتعلم المعاني من ذلك الرجل إلا أنه لا يقدح في المقصود لأن القرآن بفصاحته اللفظية أيضاً معجز.

ولما ذكر جوابهم وبخهم وهددهم بقوله: ﴿ إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ﴾ يعني أن سبب عدم إيمانهم هو أن الله لا يهديهم كقوله: ﴿ ختم الله على قلوبهم  ﴾ .

وفسره الإمام فخر الدين بأن الله لا يهديهم إلى طريق الجنة بل يسوقهم إلى النار.

وهذا التفسير يناسب أصول المعتزلة فلا أدري كيف مال إليه.

ثم لما بين أنهم ليسوا مظاهر اللطف وكان قد بنى الأمر في جوابهم على تسليم ما ادعى الخصم من أنه يتعلم من ذلك البشر، أراد أن يبين أن الذي قالوا غير صحيح ولا صادق في نفس الأمر فقال: ﴿ إنما يفتري الكذب ﴾ وفيه أيضاً رد لقولهم ﴿ إنما أنت مفتر ﴾ الافتراء ﴿ وأولئك ﴾ إشارة إلى قريش أو إلى الذين لا يؤمنون أي هم الذين لا يؤمنون فهم الكاذبون أي هم الكاذبون على الحقيقة الكاملون في الكذب، لأن تكذيب آيات الله أعظم الكذب، أو هم الذين من شأنهم الكذب وذلك هجيراهم لا يحجبهم عنه مروءة ولا دين، أو أولئك هم الكاذبون في قولهم: ﴿ إنما أنت مفتر  ﴾ ومما يدل على كذبهم عقلاً أنهم أعداء له وكلام العدا ضرب من الهذيان ولا شهادة لمتهم.

وأيضاً إن أمر التعليم والتعلم لا يتم في مجلس واحد ولكنه يحتاج إلى أزمنة متمادية، ولو كان كذلك لاشتهر وانتشر.

وأيضاً إن العلوم الموجودة في القرآن كثيرة، والمعلم يجب أن يكون أعلى حالاً من المتعلم.

فلو كان مثل هذا العالم الذي يتعلم منه مثل النبي  موجوداً في ذلك العصر لم يخف حاله ومال الناس إليه دون النبي.

قال بعض علماء المعاني: عطف الجملة الاسمية التي هي قوله: ﴿ وأولئك هم الكاذبون ﴾ على ما قبلها وهي فعلية، دالة على أن من أقدم على الكذب فإنه دخل في الكفر تنبيهاً على أن صفة الكفر فيهم ثابتة راسخة كما تقول: كذبت وأنت كاذب.

زيادة في الوصف بالكذب على سبيل الاستمرار والاعتياد.

ولا افتراء أعظم من إنكار الإلهية والنبوة.

روي أن النبي  قيل له: هل يكذب المؤمن؟

قال: لا.

وقرأ هذه الآية.

ثم إنه  من كمال عنايته أراد أن يفرق بين الكفر اللساني وحده وبين اللساني المنضم إليه القلبي فقال: ﴿ من كفر بالله ﴾ اختلف العلماء في إعرابه؛ فالأكثرون على أنه بدل إما من ﴿ الذين لا يؤمنون بآيات الله ﴾ وما بينهما اعتراض والمعنى إنما يفتري الكذب من كفر.

واستثنى منهم المكره فلم يدخل تحت حكم الافتراء، ثم قال: ﴿ ولكن من شرح بالكفر صدراً ﴾ أي طاب منه نفساً واعتقده ﴿ فعليهم غضب ﴾ وإما من المبتدأ الذي هو ﴿ أولئك ﴾ أو من الخبر الذي هو ﴿ الكاذبون ﴾ .

وقيل: منصوب على الذم أي أخص وأعني من كفر.

وجوّز بعضهم أن تكون "من" شرطية والجواب محذوف لأن جواب من شرح دال عليه كأنه قيل: من كفر فعليه غضب إلا من أكره ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب.

وإنما صح استثناء المكره من الكافر مع أنه ليس بكافر لأنه ظهر منه بعد الإيمان ما مثله يظهر من الكافر طوعاً فلهذه المشاكلة صح الاستثناء.

قال ابن عباس: نزلت في عمار بن ياسر، وذلك أن المشركين أخذوه وأباه ياسراً وأمه سمية وصهيباً وبلالاً وخباباً وسالماً فعذوبهم.

فأما سمية فإنها ربطت بين بعيرين ووجيء قبلها بحربة وقيل لها إنك أسلمت من أجل الرجال وقتلت وقتل زوجها ياسر وهما أول قتيلين في الإسلام.

وأما عمار فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً فأخبر رسول الله  بأن عماراً كفر فقال: كلا إن عماراً ملىء إيماناً من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه.

فأتى عمار رسول الله  وهو يبكي فجعل رسول الله  يمسح عينيه وقال  : "إن عادوا لك فعد لهم بما قلت." فمن هنا حكم العلماء بأن الإكراه يجوّز التلفظ بكلمة الكفر.

وحدّ الإكراه أن يعذبه بعذاب لا طاقة له به كالتخويف بالقتل والضرب الشديد وسائر الإيلامات القوية.

وأجمعوا على أن قلبه عند ذلك يجب أن يكون متبرئاً عن الرضا بالكفر وأن يقتصر على التعريض ما أمكن مثل أن يقول: إن محمداً كذاب يعني عند الكفار.

أو يعني به محمداً آخر، أو يذكره على نية الاستفهام بمعنى الإنكار.

وإذا أعجله من أكرهه عن إحضار هذه النية أو لأنه لما عظم خوفه زال عن قلبه ذكر هذه النية كان ملوماً وعفو الله متوقع.

ولو ضيق المكره عليه حتى صرح بالكفر من غير تورية وطلب منه أن يقول لا أريد بقلبي سوى ما أذكره بلساني فههنا يتعين إما الكذب وإما توريط النفس للعذاب.

فمن الناس من قال: يباح له الكذب حينئذ.

ومنهم من قال: ليس له ذلك.

واختاره القاضي لأن الكذب إنما يقبح لكونه كذباً فوجب أن يقبح على كل حال.

ولو خرج الكذب عن القبح لرعاية بعض المصالح لم يمتنع أن يفعل الله الكذب لمصلحة ما فلا يبقى وثوق بوعده وبوعيده.

وللإكره مراتب منها: أن يجب الفعل المكره عليه كما لو أكرهه على شرب الخمر وأكل الميتة لما فيه من صون النفس مع عدم إضرار بالغير ولا إهانة لحق الله.

ومنها أن يصير الفعل مباحاً لا واجباً كما لو أكره على التلفظ بكلمة الكفر لما روي أن بلالاً صبر على العذاب وكان يقول: أحد أحد حتى ملوه وتركوه ولم يقل رسول الله  بئسما فعلت بل عظمه، ولأن في ترك التقية والصبر على القتل أو التعذيب إعزازاً للإسلام.

ومنها أنه لا يجب ولا يباح بل يحرم كما إذا أكره على قتل إنسان أو على قطع عضو من أعضائه فههنا يبقى الفعل على الحرمة الأصلية.

وحينئذ لو قتل فللعلماء قولان: أحدهما لا يلزم القصاص وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه لأنه قتل دفعاً عن نفسه فأشبه قتل الصائل، ولأنه كالآلة للمكره ولذلك وجب القصاص على المكره وثانيهما - وبه قال أحمد والشافعي في أصح قوليه - أن عليه القصاص لأنه قتله عدواناً لاستبقاء نفسه فصار كما لو قتل المضطر إنساناً فأكله.

ومن الأفعال ما لا يمكن الإكراه عليه وهو الزنا لأن الإكراه يوجب الخوف الشديد وذلك يمنع من انتشار الآلة، فلو دخل الزنا في الوجود علم أنه وقع بالاختيار لا بالإكراه.

والأصح أن الإكراه فيه متصوّر، وأن الحد يسقط حينئذ، وعن أبي حنيفة أنه إن أكرهه السلطان لم يجب الحد، وإن أكرهه بعض الرعية وجب.

قال بعض الأصوليين: في قوله: ﴿ وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ دلالة على أن محل الإيمان هو القلب فهو إما الاعتقاد إن كان الإيمان معرفة، وإما كلام النفس إن كان تصديقاً.

وانتصاب ﴿ صدراً ﴾ على التمييز وأصله.

ولكن من شرح بالكفر صدره.

فعدل إلى النصب للمبالغة ولبناء الكلام على الإبهام ثم التفسير.

قوله: ﴿ ذلك بأنهم ﴾ أي ذلك الارتداد بسبب أنهم رجحوا ﴿ الدنيا على الآخرة ﴾ ولأجل أنه  ما هداهم إلى الإيمان ولم يعصمهم عن الكفر.

وقال جار الله: ذلك الوعيد والغضب والعذاب بسبب استحقاقهم خذلان الله بكفرهم.

وهذا البحث وكذا بحث الطبع والختم والخلاف في تفسيره بين الأشاعرة والمعتزلة قد مر في أول سورة البقرة وفي غيرها فلا حاجة إلى الإعادة.

﴿ وأولئك هم الغافلون ﴾ أي الكاملون في الغفلة إذ غفلوا عن تدبر العواقب ﴿ لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ﴾ وقال في أوائل سورة هود ﴿ هم الأخسرون  ﴾ لأن أولئك صدوا عن سبيل الله وصدوا غيرهم فضلوا وأضلوا لذلك ضوعف لهم العذاب فهم الأخسرون، وهؤلاء صدوا بأنفسهم فهم الخاسرون.

ويمكن أن يقال: إن ما قبل الفواصل في تلك السورة لم يعتمد على ألف قبلها مثل "يبصرون" "يفترون".

وفي هذه السورة اعتمدت على الألف مثل "الكافرين" الكاذبون" فجاء في كل سورة على ما يناسبها.

ولما ذكر حال من أكره أتبعه حال من هاجر من بعد ما فتن.

قال جار الله: معنى ﴿ ثم إن ربك ﴾ تباعد حال هؤلاء من حال عمار وأصحابه.

ومعنى ﴿ إن ربك لهم ﴾ أنه لهم لا عليهم فينصرهم ولا يخذلهم.

ويحتمل أن يكون الجار متعلقاً بالخبر على نية التأخير.

وتكرير "إن" لطول الكلام.

من قرأ ﴿ من بعد ما فتنوا ﴾ بفتح الفاء مبنياً للفال فوجهه أن فتن وافتتن بمعنى واحد والمراد أن أولئك الضعفاء لما ذكروا كلمة الكفر على سبيل التقية فكأنهم فتنوا أنفسهم لأن الرخصة في إظهار كلمة الكفر ما نزلت بعد، أو أراد أن أكابر المشركين الذين آذوا فقراء المسلمين لو تابوا وهاجروا وصبروا فإن الله يقبل توبتهم، ومعنى "ثم" على هذا التفسير ظاهر.

ومن قرأ بضم الفاء مبنياً للمفعول فالمراد أن المستضعفين المعذبين الذين حملهم أقوياء المشركين على الردة والرجوع عن الإيمان إن هاجروا وجاهدوا وصبروا فإن الله يغفر لهم تكلمهم بكلمة الكفر.

وقال الحسن: هؤلاء الذين هاجروا من المؤمنين كانوا بمكة فعرضت لهم فتنة فارتدوا وشكوا في الرسول ثم أسلموا وهاجروا فنزلت الآية فيهم.

فمعنى "ثم" تبعيد حالة الغفران والرحمة عن حالة الارتداد والشك في أمر الرسول إلا أنه  بكرمه يغفر لهم إذا تابوا.

وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي سرح ارتد، فلما كان يوم الفتح أمر النبي  بقتله فاستجار له عثمان فأجاره رسول الله  ، ثم إنه أسلم وحسن إسلامه.

وهذه الرواية إنما تصح لو جعلنا الآية مدنية.

ومثله ما روي عن قتادة أنه لما أنزل الله أن أهل مكة لا يقبل منهم إسلام حتى يهاجروا كتب بها أهل المدينة إلى أصحابهم من أهل مكة، فلما جاءهم ذلك خرجوا فلحقهم المشركون فردوهم فنزلت: ﴿ ألم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون  ﴾ فكتبوا بها إليهم فتبايعوا بينهم على أن يخرجوا فإن لحق بهم المشركون من أهل مكة قاتلوهم حتى ينجوا أو يلحقوا بالله، فأدركهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل ومنهم من نجا فأنزلت هذه الآية.

والضمير في قوله: ﴿ من بعدها ﴾ يرجع إلى الأفعال المذكورة من الهجرة والجهاد والصبر.

فالحاصل أن الآية إما نازلة فيمن عذب فلم يرتد ومع ذلك هاجر وجاهد، وإما نازلة فيمن أظهر الكفر تقية فبين  أن حاله إذا هاجر وجاهد وصبر كحال من لم يكن كذلك، وإما نازلة فيمن ارتد ثم تاب وقام بما يجب القيام به فوعده الله المغفرة والرحمة.

قال الزجاج ﴿ يوم تأتي ﴾ منصوب بقوله: ﴿ رحيم ﴾ أو بإضمار "اذكر" أو "ذكرهم وأنذرهم" ومعنى الآية ظاهر إلا أن في قوله: ﴿ عن نفسها ﴾ إشكالاً من حيث إضافته النفس إلى ضمير النفس.

وأجيب بأن المراد بالنفس الأولى جملة بدن الحي، وبالنفس الثانية الذات فكأنه قيل: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره.

ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها كقولهم ﴿ هؤلاء أضلونا  ﴾ ﴿ ما كنا مشركين  ﴾ ونحو ذلك.

عن بعضهم: تزفر جهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه يقول: يا رب نفسي حتى إن إبراهيم الخليل  يفعل ذلك.

ثم أوعد الكفار بآفات الدنيا أيضاً فقال: ﴿ وضرب الله مثلاً قرية ﴾ يحتمل أن تكون مقدرة وأن تكون معينة موجودة إما مكة أو غيرها.

وذهب كثير من المفسرين إلى أنها مكة والأقرب أنها غيرها لأن مثل مكة يكون غير مكة فضربها الله مثلاً لمكة إنذاراً من مثل عاقبتها.

قال العقلاء: ثلاثة ليس لها نهاية: الأمن والصحة والكفاية.

فوصف الله  تلك القرية بالأمن ثم بالاطمئنان إشارة إلى أن هواء ذلك البلد لاعتداله ملائم لأمزجة أهله حتى اطمأنوا واستقروا ولم يحوجوا إلى الانتقال طلباً للصحة.

ثم قال: ﴿ يأتيها رزقها رغداً من كل مكان ﴾ دلالة على حصول الكفاف لهم بأيسر وجه.

قال الكشاف: الأنعم جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع، أو جمع نعم كبؤس وأبؤس.

قلت: لعله حمله على ذلك طلب الضبط وإلا فلا حاجة إلى هذا التكلف.

وكذا أطلق الأكثرون أن جمع "فعلة" يجيء على "أفعل".

قيل: إنما ذكر جمع القلة تنبيهاً بالأدنى على الأعلى، يعني أن كفران النعمة القليلة يوجب العذاب فكيف بكفران النعم الكثيرة العظيمة.

وهذا مثل لأهل مكة كانوا في الأمن والطمأنينة والخصب ثم أنعم الله عليهم بالنعمة العظيمة - وهو محمد  - فكفروا بها وبالغوا في إيذائه فسلط الله عليهم البلاء.

عذبهم بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام والعلهز والفرو، وكان النبي  يبعث إليهم السرايا فيغيرون عليهم.

نقل أن ابن الراوندي قال لابن الأعرابي الأديب: هل يذاق اللباس؟

قال ابن الأعرابي: لا بأس أيها النسناس هب أن محمداً  ما كان نبياً أما كان عربياً؟

كأنه طعن في الآية أن المناسب هو أن لو قيل: "فكساها الله لباس الجوع" أو "فأذاقها الله طعم الجوع" فردّ عليه ابن الأعرابي.

والذي أجاب به علماء البيان أن هذا من تجريد الاستعارة، وذلك أنه استعار اللباس لما غشي الإنسان من بعض الحوادث كالجوع والخوف لاشتماله عليه اشتمال اللباس على اللابس، ثم ذكر الوصف ملائماً للمستعار له وهو الجوع والخوف، لأن إطلاق الذوق على إدراك الجوع والخوف جرى عندهم مجرى الحقيقة فيقولون: ذاق فلان البؤس والضر وأذاقه غيره.

فكانت الاستعارة مجردة.

ولو قال: "فكساها" كانت مرشحة، وقد سلف منا تقرير هذا الاصطلاح في المقدمة التاسعة من مقدمات الكتاب.

وترشيح الاستعارة وإن كان مستحسناً من جهة المبالغة إلا أن للتجريد ترجيحاً من حيث إنه روعي جانب المستعار له فازداد الكلام وضوحاً.

وقيل: إن أصل الذوق بالفم ثم قد يستعار فيوضع موضع التعرّف والاختبار فتقول: أناظر فلاناً فأذوق ما عنده.

ومن يذق الدنيا فإني طعمتها *** وسيق إلينا عذبها وعذابها فمعنى ذقت لباس الجوع والخوف على فلان تعرفت ما ظهر عليه من الضمور وشحوبة اللون وتغير الحال وكسوف البال.

ففحوى الآية عرفها الله أثر لباس الجوع.

وقيل: حمل اللباس على المماسة والتقدير فأذاقها الله مساس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون.

قال ابن عباس: يريد بفعلهم بالنبي  من التكذيب والهم بقتله والإخراج من مكة.

قال الفراء: كل الصفات أجريت على القرية إلا قوله: ﴿ يصنعون ﴾ تنبيهاً على أن المراد في الحقيقة أهلها.

ولما ذكر المثل ذكر الممثل فقال: ﴿ ولقد جاءهم ﴾ يعني أهل مكة ﴿ رسول منهم ﴾ من أنفسهم يعرفونه بأصله ونسبه ﴿ فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ﴾ متلبسون بالظلم.

قال ابن عباس: يعني بالعذاب الجوع الذي كان بمكة.

وقيل: القتل يوم بدر.

وقيل: إن قول ابن عباس أولى.

والمراد أن ذلك الجوع بسبب كفركم فاتركوا الكفر.

﴿ فكلوا مما رزقكم الله ﴾ من الغنائم.

فأكل الغنائم مسبب عن ترك الكفر فلذلك وصله بالفاء.

وقال الكلبي: إن رؤساء مكة كلموا رسول الله  حين جهدوا وقالوا: عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان؟

وكانت الميرة قد قطعت عنهم بإذن رسول الله  فأذن في الحمل فحمل الطعام إليهم فذلك قوله: ﴿ فكلوا ﴾ .

ورجح قول ابن عباس بأنه  قال بعد ذلك: ﴿ إنما حرم عليكم الميتة ﴾ فالمراد أنكم لما آمنتم وتركتم الكفر فكلوا الحلال الطيب - وهو الغنيمة - واتركوا الخبائث - وهو الميتة والدم - أو أنه  أعاد تحريم هذه الأشياء في "البقرة" وفي "المائدة" و "الأنعام" وفي هذه السورة قطعاً للأعذار وإزالة للشبهة، ثم زيف طريقة الكفار في الزيادة على هذه المحرمات كالبحيرة والسائبة، وفي النقصان عنها كتحليل الميتة والدم فقال: ﴿ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب ﴾ قال الكسائي والزجاج "ما" مصدرية وانتصاب ﴿ الكذب ﴾ بـ ﴿ لا تقولوا ﴾ أي ولا تقولوا الكذب لأجل وصف ألسنتكم.

وقوله: ﴿ هذا حلال وهذا حرام ﴾ بدل من الكذب ولك أن تنصب ﴿ الكذب ﴾ بـ ﴿ تصف ﴾ وتجعل "ما" مصدرية أيضاً أي ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب.

ومعناه لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم من غير حجة ودليل.

ويجوز أن تكون "ما" موصولة أي ولا تقولوا للذي تصف ألسنتكم الكذب فيه هذا حلال وهذا حرام، فحذف لفظ فيه لكونه معلوماً.

وقوله: ﴿ تصف ألسنتكم الكذب ﴾ من فصيح الكلام وبلغيه كأن ماهية الكذب مجهولة وكلامهم يكشف عن حقيقته نظيره قوله: "وجهه يصف الجمال وعينه تصف السحر".

واللام في قوله: ﴿ لتفتروا ﴾ لام العاقبة لا الغرض.

والمقصود من ذكره بيان أنه كذب على الله فإن قوله: ﴿ لما تصف ألسنتكم الكذب ﴾ لم يكن فيه هذا البيان.

ثم أوعد المفترين بقوله: ﴿ إن الذين يفترون ﴾ الآية.

وقوله: ﴿ متاع ﴾ قال الزجاج: أي متاعهم.

وعن ابن عباس: أراد أن متاع كل الدنيا قليل.

والمعنى أن منفعتهم فيما هم عليه من أفعال الجاهلية، أو أن نعيم الدنيا كلها يزول عنهم عما قريب ويبقى العقاب الدائم الأليم.

ثم خص محرمات اليهود بالذكر فقال: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل ﴾ يعني في سورة الأنعام عند قوله: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ﴾ {الأنعام: 146] ثم قال: ﴿ وما ظلمناهم ﴾ كقوله هناك: ﴿ ذلك جزيناهم ببغيهم  ﴾ .

ثم بين أن الافتراء على الله ومخالفة أمره لا يمنعهم من التوبة وحصول المغفرة والرحمة.

وقوله: ﴿ بجهالة ﴾ في موضع الحال أي عملوا السوء جاهلين غير عارفين بالله وبعقابه أو غير متأملين في وخامة عاقبته لغلبة الشهوة عليهم.

﴿ إن ربك من بعدها ﴾ من بعد تلك السيئة أو التوبة أو الجهالة.

ولما بالغ في إبطال مذاهب المشركين وفي الجواب عن شبههم ومطاعنهم وكان إبراهيم  رئيس الموحدين وقدوة أكابر النبيين ذكره الله  في آخر هذه السورة قائلاً: ﴿ إن إبراهيم كان أمة ﴾ أي هو وحده أمة من الأمم لكماله في جميع صفات الخير: ليس على الله بمستنكر *** أن يجمع العالم في واحد وعن مجاهد: كان مؤمناً وحده والناس كلهم كفار فلهذا قيل: إنه أمة.

وكان رسول الله  يقول في زيد بن عمرو بن نفيل: يبعثه الله أمة وحده.

وعن شهر بن حوشب: لم يكن زمن إلا وفيه أربعة عشر يدفع بهم الله عن أهل الأرض إلا زمن إبراهيم فإنه وحده.

وقيل: أمة بمعنى مأموم أي يؤمه الناس ليأخذوا منه أفعال الخير أو بمعنى مؤتم به كقوله: ﴿ إني جاعلك للناس إماماً  ﴾ وقيل: إنه من باب إطلاق المسبب على السبب لأنه حصل لأمته الامتياز عمن سواهم ﴿ قانتاً لله ﴾ قائماً بما يأمره الله.

وعن ابن عباس: مطيعاً لله ﴿ حنيفاً ﴾ مائلاً إلى ملة الإسلام ميلاً لا يزول عنه.

وقال ابن عباس: المراد أنه أول من اختتن وأقام مناسك الحج وضحى.

﴿ ولم يك من المشركين ﴾ قط لا في الصغر ولا في الكبر ﴿ شاكراً لأنعمه ﴾ وإن كانت قليلة فضلاً عن النعم الكثيرة.

يروى أنه كان لا يتغدّى إلا مع ضيف فلم يجد ذات يوم ضيفاً فأخلا غداءه فإذا هو بفوج من الملائكة في صورة البشر فدعاهم إلى الطعام فخيلوا له أن بهم جذاماً فقال: الآن وجبت مؤاكلتكم شكراً لله على أنه عافاني وابتلاكم ﴿ اجتباه ﴾ اختصه واصطفاه للنبوّة ﴿ وهداه إلى صراط مستقيم ﴾ إلى ملة الإسلام ﴿ وآتيناه في الدنيا حسنة ﴾ عن قتادة: هي أن الله  حببه إلى أهل الأديان كلها.

وقيل: الأموال والأولاد.

وقيل قول المصلي منا "كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم".

﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ في أعلى مقاماتهم من الجنة تحقيقاً لدعائه ﴿ وألحقني بالصالحين  ﴾ .

قال في الكشاف: معنى "ثم" في قوله: ﴿ ثم أوحينا إليك ﴾ تبعيد هذا النعت من بين سائر النعوت التي أثنى الله بها على إبراهيم، ليعلم أن أجل ما أوتي خليل الله اتباع نبينا ملته في الأصول من التوحيد والمعاد وغيرهما كاختيار يوم الجمعة للفراغ وترك العمل.

قال أهل النظم: كان لسائل أن يسأل: لم اختار اليهود السبت مع أن إبراهيم كان اختار الجمعة؟

فأجاب الله  بقوله: ﴿ إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ﴾ فاختاره بعضهم للفراغ واختار بعضهم الجمعة.

روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: أمرهم موسى بالجمعة وقال تفرغوا في كل سبعة أيام يوماً واحداً فأبوا أن يقبلوا ذلك وقالوا: لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله فيه من الخلق وهو يوم السبت.

فجعل عليهم السبت وشدد عليهم.

ثم جاءهم عيسى بالجمعة أيضاً فقالت النصارى: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا فاتخذوا الأحد.

وروى أبو هريرة عن النبي  : "إن الله كتب يوم الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيه وهدانا الله له فالناس لنا تبع اليهود غداً والنصارى بعد غدٍ" وقال صاحب الكشاف: السبت مصدر سبت اليهود إذا عظمت سبتها.

والمعنى ﴿ إنما جعل ﴾ وبال ﴿ السبت ﴾ وهو المسخ ﴿ على الذين اختلفوا فيه ﴾ واختلافهم فيه أنهم أحلوا الصيد فيه تارة وحرموه تارة، وكان الواجب عليهم أن يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة.

وضعف القول الأول بأن اليهود متفقون على تعيين يوم السبت للفراغة.

ويمكن أن يقال: لعل فيهم من اختار الجمعة في قديم الدهر ثم وقع الاختلاف.

سؤال: النصارى يقولون: إن يوم الأحد مبتدأ الخلق، والتكوين على ما اتفق عليه أهل الملل أنه  خلق العالم في ستة أيام أوّلها الأحد فجعله عيداً معقول.

واليهود قالت: إن يوم السبت هو اليوم الذي قد فرغ الله فيه من الأعمال فنحن نوافق ربنا.

فما وجه جعل الجمعة عيداً؟

والجواب بعد التعبد هو أن يوم الجمعة يوم التمام والكمال وذلك يوجب الفرح والسرور فجعله عيداً أولى.

ثم أوعد اليهود بقوله: ﴿ وإن ربك ليحكم ﴾ الخ.

ولما أمر محمداً باتباع إبراهيم  بين وجه المتابعة فقال: ﴿ ادع إلى سبيل ربك ﴾ الآية.

وفيه أن طريقة إبراهيم  في الدعوة كانت هكذا.

وتقرير ذلك أن الداعي إلى مذهب ونحلة لا بد أن يكون قوله مبنياً على حجة وهي إما أن تكون يقينية قطعية مبرأة من شائبة احتمال النقيض، وإما أن تكون مفيدة للظن القوي والإقناع التام وإلا لم يكن ملتفتاً إليها في العلوم، وقد يكون الجدال والخصام غالباً على المدعو فيحتاج حينئذ إلى إلزامه وإفحامه بدليل مركب من مقدمات مشهورة مسلمة عند الجمهور، أو مقدمات مسلمة عند الخصم.

فقوله: ﴿ بالحكمة ﴾ إشارة إلى استعمال الحجج القطعية المفيدة لليقين، والمكالمة بهذا الطريق إنما تكون مع الطالبين البالغين في الاستعداد إلى درجة الكمال.

وقوله: ﴿ والموعظة الحسنة ﴾ إشارة إلى استعمال الدلائل الإقناعية الموقعة للتصديق بمقدمات مقبولة، وأهل هذه المكالمة أقوام انحطت درجتهم عن درجة الطائفة الأولى إلا أنهم باقون على الفطرة الأصلية طاهرون عن دنس الشغب وكدورات الجدال وهم عامة الخلق.

وليس للدعوة إلا هذان الطريقان، ولكن الداعي قد يضطر مع الخصم الألد إلى استعمال الحجج الملزمة المفحمة كما قلنا فلهذا السبب عطف على الدعوة قوله: ﴿ وجادلهم بالتي ﴾ أي بالطريقة ﴿ التي هي أحسن ﴾ فكان طريق الجدال لم يكن سلوكه مقصوداً بالذات وإنما اضطر الداعي إليه لأجل كون الخصم مشاغباً.

وإنما استحسن هذا الطريق لكون الداعي محقاً وغرضه صحيحاً.

فإن كان مبطلاً وأراد تغليط السامع لم يكن جداله حسناً ويسمى دليله مغالظة.

هكذا ينبغي أن يتصوّر تفسير هذه الآية فإن كلام المفسرين الظاهريين فيه غير مضبوط.

وجوّز في الكشاف أن يريد القرآن أي ادعهم بالكتاب الذي هو حكمة وموعظة حسنة وجادلهم بأحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة ولا تعنيف.

ولما حث على الدعوة بالطرق المذكورة بين أن الهداية والرشد ليس إلى النبي وإنما ذلك إلى الله  فقال: ﴿ إن ربك هو أعلم ﴾ الآية.

أي هو العالم بضلال النفوس واهتدائها وكدورتها وبمن جعل الدعوة سبباً لسعادتها أو واسطة لشقائها.

ثم إن الدعوة تتضمن تكليف المدعوّين بالرجوع عن الدين المألوف، والفطام منه شديد وربما تنجر المقاولة إلى المقاتلة، فحينئذ أمر الداعي وأتباعه برعاية العدل والإنصاف في حال القتال قائلاً ﴿ وإن عاقبتم ﴾ أي إن رغبتم في استيفاء القصاص إن وقع قتل فاقنعوا بالمثل ولا تزيدوا عليه.

والآية عامة وقد يخصصها رواة أسباب النزول بقصة حمزة قالوا: إن المشركون مثلوا بالمسلمين يوم أحد بقروا بطونهم وقطعوا مذاكيرهم، ما تركوا أحداً غير ممثول به إلا حنظلة بن الراهب.

فوقف رسول الله  على حمزة وقد مثل به.

وروي فرآه مبقور البطن فقال: أما والذي أحلف به إن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك فنزلت فكفر عن يمينه وكف عما أراده.

قاله ابن عباس في رواية عطاء وأبيّ بن كعب.

ومن هذا ذهبوا إلى أن خواتيم سورة النحل مدنية.

ولا خلاف في تحريم المثلة، وقد وردت الأخبار بالنهي عنها حتى بالكلب العقور، وقيل: نزلت حين كان المسلمون قد أمروا بالقتال مع من يقاتلهم ولا يبدأوا بالقتال فهو كقوله: ﴿ وقاتلوا في سبيل الذين يقاتلونكم  ﴾ أمر الله  أن يعاقبوا بمثل ما يصيبهم من العقوبة ولا يزيدوا.

وقال مجاهد والنخعي وابن سيرين: إنه نهى المظلوم عن استيفاء الزيادة من الظالم.

وفي قوله: ﴿ إن عاقبتم ﴾ رمز إلى أن الأولى له أن لا يفعل كقول الطبيب للمريض: إن كنت تأكل الفاكهة فكل التفاح.

ثم انتقل من التعريض إلى بعض التصريح قائلاً.

﴿ ولئن صبرتم لهو خير ﴾ أي صبركم خير لكم.

فوضع المظهر موضع المضمر ثناء من الله عليهم أو وصفاً لهم بالصفة التي تحصل لهم أو جنس الصبر خير ﴿ للصابرين ﴾ من جنسهم.

ثم صرح كل التصريح فقال: ﴿ واصبر ﴾ ثم ذكر ما يفيد سهولة الصبر على النفس فقال: ﴿ وما صبرك إلا بالله ﴾ أي بتوفيقه وتثبيته وربطه على قلبه وهذا سبب كلي مفيد للصبر.

وأما السبب الجزئي القريب فذلك قوله: ﴿ ولا تحزن عليهم ولا تك ﴾ وذلك أن إقدام الإنسان على الانتقام لا يكون إلا عند هيجان الغضب وإنه لا يهيج إلا عند فوات نفع.

وأشار إليه بقوله: ﴿ ولا تحزن عليهم ﴾ قيل: أي على قتلى أحد.

وقيل: على الكافرين كقوله: ﴿ فلا تأس على القوم الكافرين  ﴾ وإلا حين توقع مكروه في المستقبل وأشار إلى ذلك بقوله: ﴿ ولا تك في ضيق ﴾ من قرأ بكسر الضاد فظاهر وهو من الكلام المقلوب الذي يشجع عليه أمن الإلباس، لأن الضيق وصف فهو يكون في الإنسان ولا يكون الإنسان فيه.

وفيه لطيفة أخرى وهي أن الضيق إذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط به من جميع الجوانب، ومن قرأ بفتحها فإما على أنه مصدر أيضاً أو على أنه مخفف ضيق فمعناه في أمر ضيق، وإنما لم يقل "ولا تكن" بالنون كما في آخر النمل موافقة لما قبله ﴿ ولم يك من المشركين ﴾ ولأن الحزن ههنا أكثر بناء على أنها وردت في قتل حمزة فبولغ بالحذف في النهي عن الحزن.

ثم ختم السورة بآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات فقال: ﴿ إن الله مع الذين اتقوا ﴾ المعاصي كلها ﴿ والذين هم محسنون ﴾ في الطاعات بأن يعبدوا الله مخلصين عن شوائب الرياء: وقيل: ﴿ إن الله مع الذين اتقوا ﴾ استيفاء الزيادة ﴿ والذين هم محسنون ﴾ في ترك أصل الانتقام.

فإن أردت أن أكون معك بالنصر والتأييد فكن من المتقين ومن المحسنين، وفيه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكون بالرفق واللين مرتبة مرتبة.

وقيل: الذين اتقوا إشارة إلى التعظيم لأمر الله، والذين هم محسنون إشارة إلى الشفقة على خلق الله ومنه قال بعض المشايخ: كمال الطريق صدق مع الحق وخلق مع الخلق.

واحتضر هرم بن حبان فقيل له: أوص.

فقال: إنما الوصية من المال ولا مال لي أوصيكم بخواتيم سورة النحل.

التأويل: ﴿ وإذا بدلنا آية ﴾ إنه  يعالج بدواء القرآن أمراض القلوب في كل وقت بنوع آخر على حسب ما يعلمه من المصالح فلذلك قال: ﴿ والله أعلم بما ينزل ﴾ ﴿ وبشرى للمسلمين ﴾ الذين استسلموا للطبيب ومعالجته حتى صارت قلوبهم سليمة.

﴿ إنما يعلمه بشر ﴾ ففيه إنكار أن طب القلوب وعلاجها من شأن البشر بنظر العقل لأنه مبني على معرفة الأمراض وكميتها وكيفيتها، ومعرفة الأدوية وخواصها وكيفية استعمالها، ومعرفة الأمزجة واختلاف أحوالها، وأن القلوب بيد الله يقلبها هو كيف يشاء فيضيق عن معالجتها نطاق عقول البشر ولهذا قال إبراهيم  : ﴿ وإذا مرضت فهو يشفين  ﴾ اللَّهم إلا إذا علم بتعليم الله كقوله: ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم  ﴾ ومع هذا كان يقول نحن نحكم بالظاهر ﴿ يلحدون إليه أعجمي ﴾ هو الذي لا يفهم من كلام الله أسراره وحقائقه والعربي ضده كما قال: ﴿ فإنما يسرناه بلسانك  ﴾ ﴿ إنما يفتري الكذب ﴾ لأن الافتراء من شأن النفس الأمارة الكافرة التي لا تؤمن بآيات الله.

﴿ وأولئك هم الكاذبون ﴾ أي هم الذين استمروا على الكذب لأن المؤمن قد يكذب في بعض الأحوال إلا أنه لا يصر على ذلك، وهكذا في جميع المعاصي ولهذا لا يخرج من الإيمان بالكلية ولكن ينقص الكذب إيمانه ويرجع بالتوبة إلى أصله.

قال النبي  : "ما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً" .

﴿ من كفر بالله من بعد إيمانه ﴾ إشارة إلى المريد المرتد بنسيم روائح نفحات الحق بمشام قلبه عند هبوبه، واصطكاك أهوية عوالم الباطن، وانخراق سحب حجب البشرية فلمع له برق أضاءت به آفاق سماء القلب وأشرقت أرض النفس، فآمن بحقية الطلب واحتمال التعب فاستوقد نار الشوق والمحبة، فما أضاءت ما حوله وبذل في الاجتهاد جده وحوله هبت نكباء النكبات فصدئت مرآة قلبه، وذهب الله بنوره وانخمدت نار الطلب وآل المشؤوم إلى طبعه ﴿ إلا من أكره ﴾ على مباشرة فعل أو قول يخالف الطريقة من معاملات أهل الطبيعة فيوافقهم فيها في الظاهر ويخالفهم بالباطن حتى يخلص من شؤم صحبتهم ﴿ استحبوا ﴾ اختاروا محبة الدنيا وشهواتها على محبة الله ﴿ وإن الله لا يهدي ﴾ إلى حضرته ﴿ القوم الكافرين ﴾ بنعمته ﴿ وأولئك هم الغافلون ﴾ عما أعدّ الله لعباده الصالحين.

﴿ هم الخاسرون ﴾ لأن الإغضاء عن العبودية يورث خسران القلوب عن مواهب الربوبية ﴿ ثم إن ربك للذين هاجروا ﴾ نفوسهم وهواهم ﴿ من بعد ما فتنوا ﴾ بمخالفة أوامر الحق ونواهيه ﴿ ثم جاهدوا ﴾ النفوس بسيوف الرياضات ﴿ وصبروا ﴾ على تزكيتها وتحليتها متمسكين بذيل إرادة الشيخ ﴿ يوم تأتي ﴾ أرباب النفوس ﴿ تجادل على نفسها ﴾ على قدر بقاء وجودها دفعاً لمضارّها وجذباً لمنافعها حتى إن كل نبي يقول نفسي نفسي إلا محمداً  فإنه فانٍ بالكلية عن نفسه باقٍ ببقاء ربه فيقول: أمتي أمتي لأنه مغفور ذنب وجوده المتقدم في الدنيا والمتأخر في الآخرة بما فتح الله له ليلة المعراج إذ واجهه بخطاب "سلام عليك أيها النبي" ففني عن وجوده بالسلام وبقي بوجوده بالرحمة، فكان رحمة مهداة ببركاته إلى الناس كافة، ولكن رفع الذلة من تلك الضيافة وجب لمتابعيه فلهذا قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

يعني الذين صلحوا لبذل الوجود في طلب المقصود ﴿ قرية ﴾ هي قرية شخص الإنسان ﴿ كانت آمنة ﴾ أي آهلة وهو الروح الإنساني ﴿ مطمئنة ﴾ بذكر الله ﴿ يأتيها رزقها ﴾ من المواهب ﴿ من كل مكان ﴾ روحاني وجسماني ﴿ فكفرت ﴾ النفس الأمارة ﴿ فأذاقها الله لباس الجوع ﴾ وهو انقطاع مواد التوفيق فأكلوا من جيفة الدنيا وميتة المستلذات ﴿ والخوف ﴾ وهو خوف الانقطاع عن الله ﴿ ولقد جاءهم رسول ﴾ الوارد بالرباني فما تخلقوا بأخلاقه ﴿ وكلوا مما رزقكم الله ﴾ من أنوار الشريعة وأسرار الطريقة ﴿ هذا حلال وهذا حرام ﴾ على عادة أهل الإباحة ﴿ وعلى الذين هادوا ﴾ أي تابوا ﴿ حرمنا ﴾ من موانع الوصول ﴿ ما قصصنا عليك ﴾ في بدوّ نبوتك حتى كنت محترزاً عن صحبة خديجة وتنحيت إلى حراء أسبوعاً أو أسبوعين.

﴿ وما ظلمناهم ﴾ بتحريم ذلك عليهم بل أنعمنا به عليهم ﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ بالإعراض عنا بعد الإقبال علينا ﴿ ولم يك من المشركين ﴾ ممن له شركة مع الله في الوجود ﴿ اتبع ملة إبراهيم ﴾ في الظاهر حتى يتبعك هو في الباطن ولهذا ذهب إلى ربه ماشياً ﴿ إني ذاهب إلى ربي  ﴾ وأسري بمحمد راكباً ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده  ﴾ فهو خليل وأنت حبيب، اتبعت الخليل في الدنيا فيتبعك الخليل في الآخرة "الناس محتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم  ".

﴿ وإن عاقبتهم ﴾ النفس الأمارة ﴿ فعاقبوا ﴾ أي بالغوا في عقابها بالفطام عن مألوفاتها ﴿ بمثل ما عوقبتم به ﴾ من الانقطاع عن مواد التوفيق والمواهب.

﴿ ولئن صبرتم ﴾ على معاقبتهم ﴿ لهو خير ﴾ لأن عقاب الحبيب على قدر عقاب العدو وأعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك.

﴿ واصبر ﴾ على معاقبة النفس ومخالفة الهوى.

﴿ وما صبرك إلا بالله ﴾ لأن الصبر من صفات الله ولا يقدر أحد أن يتصف بصفاته إلا به بأن يتجلى بتلك الصفة له.

﴿ ولا تحزن ﴾ على النفس وجنودها عند المعاقبة فإن فيها صلاح حالهم ومآلهم.

﴿ ولا تك في ضيق مما يمكرون ﴾ فإن مكرهم يندفع بمعونة الله عند الفرار إليه والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ ﴾ .

وقال في آية أخرى: ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ ﴾ الآية [المؤمنون: 97].

فيجب أن يتعوذ من همزاته على ما أمر رسولَه، أو عند نزغ الشيطان على ما ذكر، لكنه إذا تعوذ منه - تعوذ من همزاته ونزغاته.

فإن قيل: كيف خصّ قراءة القرآن بالتعوذ منه دون غيره من الأذكار، والعبادات، والأعمال الصالحة؟

قيل: قد يتعوذ منه دون غَيره - أيضاً - في غيره من العبادات والأذكار؛ بقولهم: "بسم الله"؛ إذ لا يفتتح شيء إلا به؛ فذلك تعوذهم منه، لكن التعوذ في هذا تعوذٌ بكناية، والتعوذ في قراءة القرآن بالتصريح؛ وذلك أنه حجة وبرهان؛ فطعن الأعداء فيما هو حجة في نفسه أكثر من الأفعال التي فعلوها؛ ألا ترى أنه كان يلقنهم - أعني الشيطان [و] أولياءه - أنه سحر، وأنه: أساطير الأوّلين، وأنه إنما يعلمه بشر، ونحوه.

وقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ  ﴾ : كانوا يطلبون الطعن في القرآن؛ لأنه حجّة وبرهان، ولم يشتغلوا في طعن فعل من الأفعال أو ذكر من الأذكار؛ فعلى ذلك يجوز أن يكون التعوذ منه - فيما هو حجة - بالتصريح، وفي غيره بكناية، والله أعلم.

ثم في هذه الآية، وفي غيرها من قوله: ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ  ﴾ - لم يفهم أهلها منها على ظاهر المخرج؛ ولكن فهموا على مخرج الحكمة؛ لأن ظاهر المخرج أن يفهم التعوذ بعد فراغه من القراءة، وكذلك يفهم من الأمر بالقيام إلى الصلاة الوضوء بعد القيام إليه، ثم [لم] يفهموا - في هذا ونحوه - هذا؛ ولكن فهموا: إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله، وكذلك فهموا من قوله: ﴿ إِذَا قُمْتُمْ ﴾ أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة ﴿ فٱغْسِلُواْ ﴾ ، ولم يفهموا كل قيام؛ إنما فهموا قياماً دون قيام، أي: إذا [أردتم] القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون، وفهموا من قوله: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ ، وفهموا من قوله: ﴿ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ  ﴾ ، وكذلك فهموا من قوله: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ  ﴾ - الفراغ منها؛ دلّ أن الخطاب لا يوجب المراد والفهم على ظاهر المخرج؛ ولكن على مخرج الحكمة والمعنى.

وأصل التعوذ هو الاعتصام بالله من وساوس عدوه وكيده.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .

قال بعضهم: ليس له سبيل على الذين آمنوا.

وقال بعضهم: السلطان: الحجّة، أي: ليس له حجة على الذين آمنوا.

وقال بعضهم: أي ليس له ملك على الذين آمنوا - ملك القهر والغلبة - إنما ملكه على الذين يتولونه، لكن ليس له ملك القهر على الذين يتولّونه أيضاً؛ إنما يتبعونه ويطيعونه بإشارات منه طوعاً؛ فدلّ أن تأويل الملك لا يصح في السلطان، ويكون تأويله السبيل أو الحجّة.

ثم يحتمل قوله: ﴿ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ - بالقرآن؛ لأنه ذكر على أثر ذكر القرآن، ويحتمل: الذين آمنوا بربهم، وهما واحد في الحاصل؛ ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ ﴾ : حجته أو سبيله على الذين يتخذونه وليّاً، فيطيعونه في كل أمره وجميع إشاراته وما يلقي إليهم، وأصله: ليس له سلطان على الذين آمنوا بربهم.

﴿ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ .

في جميع أحوالهم وساعاتهم؛ أي: لا سلطان له ولا سبيل على من آمن به وتوكل عليه.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ .

[يحتمل قوله: ﴿ بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ ].

إبليس يتبعونه ويعدلون بربهم، ويحتمل ﴿ بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ : بربهم، والتوكل: هو الاعتماد به، وتفويض الأمر إليه في كل حال: السراء والضراء في وقت الضيق والسّعة؛ فذلك التوكل به.

وقوله - عز وجلّ -: ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ...

﴾ .

الآية تحتمل وجهين: أحدهما: ما قاله أهل التأويل على التناسخ أن يبدّل آية مكان آية، وهو على تبديل حكم آية بحكم آية أخرى، لا على رفع عينها.

والثاني: قوله: ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ ﴾ ، أي: بدّلنا حجّة بعد حجة، وآية بعد آية لرسالته.

﴿ قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ كلما أتاهم حجة على أثر حجة، وآية بعد آية يقولون: إنما أنت مفتر.

ينسبون إليه الافتراء: أنه افترى، وكذلك كان عادتهم المعاندة والمكابرة؛ كقوله: ﴿ وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَٰتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ  ﴾ ، ونحوه من الآيات.

كلما أتى بهم حجة وآية بعد آية كانوا يستقبلونه بالتكذيب لها، ونسبة رسول الله إلى الافتراء من نفسه؛ ويزداد لهم بذلك كفراً، وهو ما قال: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ  وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ  ﴾ : أخبر أنه كان يزداد لأهل الإيمان بما ينزل عليهم من سورة إيماناً، ويزداد لأهل الشرك رجساً وكفراً إلى كفرهم مثل هذا.

ولو كان يحتمل أن يكون حرف (إذا) مكان (لو) - لكان أقرب، ويكون تأويله: ولو أنزلنا حجة بعد حجة وآية على أثر آية جديدة - فما آمنوا؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ...

﴾ الآية [الرعد: 31]، أي: لو أن هذا القرآن - قرآن سيرت به الجبال أو كلم به الموتى - فما آمنوا به؛ لعنادهم؛ فعلى ذلك: الأول قد يحتمل قوله: ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ ﴾ بالسؤال مكان آية ﴿ قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ .

وقوْله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ ﴾ .

يحتمل قوله: [ ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ ﴾ به صلاحهم وغير صلاحهم، أو أن يكون]: ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ ﴾ من تثبيت قلوب الذين آمنوا؛ كقوله: ﴿ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ  ﴾ ، أو أن يكون ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ ﴾ : جبريل على رسوله؛ جواباً لقولهم: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ ، وكقوله: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: ليس بمفتر؛ ولكن نزله جبريل من ربّه.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: بالحق الذي عليهم، أو بالحق الذي لبعضهم على بعض.

والحق في الأقوال: هو الصدق، وفي الأفعال: صواب ورشد، وفي الأحكام: عدل وإصابة، والحق: هو الشيء الذي يحمد عليه فاعله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى ﴾ .

هذا تفسير قوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً  ﴾ ؛ لأنه أخبر أنه: ليثبت الذين آمنوا؛ فذكر من زيادة الإيمان - هو التثبيت - الّذي ذكر هاهنا - قوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً  ﴾ ، وذكر قوله: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ - مقابل قوله: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ  ﴾ ؛ ليعلم أن الزيادة التي ذكر في سورة التوبة - هي ما ذكر هاهنا من التثبيت والطمأنينة ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ .

أي: هدى من الجهالات والشبهات التي كانت تعرض لهم، أو من الضّلالة، وبشرى للمسلمين.

وقال: في آية أخرى: ﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ليعلم أن الإيمان والإسلام واحد.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ .

هم لم يقولوا إنما يعلمه بشر؛ ولكن كانوا ينصُّون واحداً فلاناً، لكن الخبر من الله على ذكر البشر؛ ألا ترى أنه أخبر أن ﴿ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ﴾ .

دلّ أن البشر - الذي أخبر عنهم أنهم يقولون: إنه يعلمه - كان منصوصاً عليه مشاراً إليه؛ حيث قال: لسان هذا أعجمي، ولسان النبي عربي؛ فكيف فهم هذا عن هذا، وهذا من هذا، ولسان هذا غير لسان هذا؟!

وما قاله أهل التأويل: أنه كان يجلس إلى غلام يقال له كذا، وهو يهودي يقرأ التوراة؛ فيستمع إلى قراءته، وكان يعلمه الإسلام حتى أسلم، فعند ذلك قالت له قريش: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ ، ولو كان ما ذكروا أنه كان يعلمه الإسلام فأسلم؛ فلقائلٍ أن يقول: كيف فهم ذلك الرجل منه لسان رسول الله  ولسانه غير لسانه؟!

على ما أخبر؛ لكن يحتمل أن يكون ذلك في القرآن؛ حيث قالوا: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ ، ثم يقولون: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ ؛ فيقول - والله أعلم -: إنه كيف علمه هذا القرآن، وهو لا يفهم من لسانه إلا يسيراً منه؛ فأنتم لسانكم عربي لا تقدرون أن تأتوا بمثله، ولا بسورة من مثلها، ولا بآية؛ فكيف قدر على مثله من لا يفهم لسانه، ولا كان ذلك بلسانه؟!

يخرج ذلك على الاحتجاج عليهم.

وبعد، فإن في قولهم ظاهر التناقض؛ لأنهم قالوا: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ ، ثم قالوا: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ ، فالذي علمه غيره ليس بمفتر؛ إنما يكون الافتراء من ذات نفسه فهو ظاهر التناقض.

وقوله: ﴿ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ﴾ .

يحتمل: مبين ما لهم وما عليهم، أو مبين للحقوق التي لله عليهم وما لبعضهم على بعض، أو مبين: أي بين أنه من عند الله نزل؛ ليس بمفترى.

وهذه الآية ترد على الباطنيّة قولهم؛ لأنّهم يقولون: إن رسول الله هو الذي ألف هذا القرآن بلسانه، ولم ينزله الله عليه بهذا اللسان؛ فلو كان على ما ذكروا ما كان لأولئك ادعاء ما ادعوا على رسول الله من الافتراء.

قوله: ﴿ يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ ﴾ .

قال بعضهم: يميلون إليه، وهو قول أبي عوسجة والقتبي؛ قالوا: الإلحاد: الميل، وكذلك سمّي اللّحد لحداً؛ لميله إلى ناحية القبرِ.

وقال الكسائي: هو من الركون إليه، أي: يركنون.

قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ ﴾ .

قال الحسن: إنه - والله - من كذب بآيات الله فهو ليس بمهتد عند الله.

[و] قال أبو بكر: لا يهديهم الله بتكذيبهم الآيات.

فهو كله خيال على كل من يشكل ويخفي أن من كذب بآيات الله فهو غير مهتد من يظن هذا، وقول أبي بكر - أيضاً - من يتوهم أن من كذب بآيات الله أنه يهديه - هذا فاسد، خيال كله، وأصله عندنا قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ \[؛ لعنادهم ومكابرتهم؛ لأنهم كانوا يعاندون بآيات الله ويكابرونها، ويكذبون مع علمهم أنها آيات، وأنها حق أو قال ذلك في قوم علم أنهم لا يؤمنون\] ويموتون عليه؛ فمن علم منه أنه لا يؤمن لا يهديه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا يَفْتَرِي ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .

لا الذين يؤمنون بها ويصدقونها.

﴿ وَأُوْلـٰئِكَ ﴾ .

الذين كذبوها.

﴿ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا نسخنا حكم آية من القرآن بآية أخرى -والله أعلم بما ينسخ من القرآن لحكمة، وعليم بما لا ينسخ منه- قالوا: إنما أنت - يا محمد - كاذب تختلق على الله، بل أكثرهم لا يعلمون أن النسخ إنما يكون لحكمة إلهية بالغة.

<div class="verse-tafsir" id="91.BGR0P"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله