الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ١٤ من سورة النحل
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 119 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٤ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى عن تسخيره البحر المتلاطم الأمواج ، ويمتن على عباده بتذليله لهم ، وتيسيره للركوب فيه ، وجعله السمك والحيتان فيه ، وإحلاله لعباده لحمها حيها وميتها ، في الحل والإحرام وما يخلقه فيه من اللآلئ والجواهر النفيسة ، وتسهيله للعباد استخراجها من قرارها حلية يلبسونها ، وتسخيره البحر لحمل السفن التي تمخره ، أي : تشقه .
وقيل : تمخر الرياح ، وكلاهما صحيح بجؤجئها وهو صدرها المسنم - الذي أرشد العباد إلى صنعتها ، وهداهم إلى ذلك ، إرثا عن أبيهم نوح - عليه السلام - فإنه أول من ركب السفن ، وله كان تعليم صنعتها ، ثم أخذها الناس عنه قرنا بعد قرن ، وجيلا بعد جيل ، يسيرون من قطر إلى قطر ، وبلد إلى بلد ، وإقليم إلى إقليم ، تجلب ما هنا إلى هنالك ، وما هنالك إلى هنا ; ولهذا قال تعالى : ( ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ) أي : نعمه وإحسانه .
وقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده : وجدت في كتابي عن محمد بن معاوية البغدادي : حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن [ عمر ، عن ] سهيل بن أبى صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة [ رفعه ] قال : كلم الله هذا البحر الغربي ، وكلم البحر الشرقي ، فقال للبحر الغربي : إني حامل فيك عبادا من عبادي ، فكيف أنت صانع فيهم ؟
قال : أغرقهم .
فقال : بأسك في نواحيك .
وأحملهم على يدي .
وحرمه الحلية والصيد .
وكلم هذا البحر الشرقي فقال : إني حامل فيك عبادا من عبادي ، فما أنت صانع بهم ؟
فقال : أحملهم على يدي ، وأكون لهم كالوالدة لولدها .
فأثابه الحلية والصيد .
ثم قال البزار : لا نعلم من رواه عن سهيل غير عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر وهو منكر الحديث .
وقد رواه سهيل عن النعمان بن أبي عياش عن عبد الله بن عمرو موقوفا .
يقول تعالى ذكره: والذي فعل هذه الأفعال بكم ، وأنعم عليكم ، أيها الناس هذه النعم، الذي سخر لكم البحر، وهو كلّ نهر ، ملحا ماؤه أو عذبا(لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا) وهو السمك الذي يصطاد منه.( وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ) وهو اللؤلؤ والمرجان.
كما حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: أخبرنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة، في قوله ( وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا ) قال: منهما جميعا.( وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ) قال: هذا اللؤلؤ.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا ) يعني حيتان البحر.
حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا حماد، عن يحيى، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الملك، قال: جاء رجل إلى أبي جعفر، فقال: هل في حليّ النساء صدقة؟
قال: لا هي كما قال الله تعالى ( حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ ) يعني السفن، ( مَوَاخِرَ فِيهِ ) وهي جمع ماخرة.
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله ( مَوَاخِرَ ) فقال بعضهم: المواخر: المواقر.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا عمرو بن موسى القزاز، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا يونس، عن الحسن، في قوله ( وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ ) قال: المواقر.
وقال آخرون في ذلك ما حدثنا به عبد الرحمن بن الأسود، قال: ثنا محمد بن ربيعة ، عن أبي بكر الأصمّ، عن عكرمة، في قوله ( وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ ) قال: ما أخذ عن يمين السفينة وعن يسارها من الماء، فهو المواخر.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي مكين، عن عكرمة، في قوله ( وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ ) قال: هي السفينة تقول بالماء هكذا، يعني تشقه.
وقال آخرون فيه ما حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن إسماعيل، عن أبي صالح ( وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ ) قال: تجري فيه متعرّضة.
وقال آخرون فيه، بما حدثني به محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ ) قال: تمخر السفينة الرياح، ولا تمخر الريح من السفن إلا الفلك العظام.
حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل وحدثني المثنى ، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه، غير أن الحارث قال في حديثه: ولا تمخر الرياح من السفن.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه.
حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (مَوَاخرَ) قال: تمخر الريح.
وقال آخرون فيه، ماحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ ) تجري بريح واحدة، مُقبلة ومُدبرة.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: تجري مقبلة ومدبرة بريح واحدة.
حدثنا المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن يزيد بن إبراهيم، قال: سمعت الحسن ( وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ ) قال: مقبلة ومدبرة بريح واحدة ، والمخْر في كلام العرب: صوت هبوب الريح ، إذا اشتدّ هبوبها، وهو في هذا الموضع: صوت جري السفينة بالريح إذا عصفت وشقها الماء حينئذ بصدرها، يقال منه: مخرت السفينة تمخر مخرا ومخورا، وهي ماخرة، ويقال: امتخرت الريح وتمخرتها: إذا نظرتَ من أين هبوبها وتسمَّعت صوت هبوبها ، ومنه قول واصل مولى ابن عيينة.
كان يقال: إذا أراد أحدكم البول فليتمخر الريح، يريد بذلك: لينظر من أين مجراها وهبوبها ليستدبرها فلا ترجع عليه البول وتردّه عليه.
وقوله ( وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ) يقول تعالى ذكره: ولتتصرّفوا في طلب معايشكم بالتجارة سخر لكم.
كما حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ) قال: تجارة البرّ والبحر.
وقوله ( وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) يقول: ولتشكروا ربكم على ما أنعم به عليكم من ذلك سخر لكم ما سخر من هذه الأشياء التي عدّدها في هذه الآيات.
قوله : وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرونفيه تسع مسائل :الأولى : قوله تعالى : وهو الذي سخر البحر تسخير البحر هو تمكين البشر من التصرف فيه وتذليله بالركوب والإرفاء وغيره ، وهذه نعمة من نعم الله علينا ، فلو شاء سلطه علينا وأغرقنا .
وقد مضى الكلام في البحر وفي صيدهلتأكلوا منه لحما طريا سماه هنا لحما واللحوم عند مالك ثلاثة أجناس : فلحم ذوات الأربع جنس ، ولحم ذوات الريش جنس ، ولحم ذوات الماء جنس .
فلا يجوز بيع الجنس من جنسه متفاضلا ، ويجوز بيع لحم البقر والوحش بلحم الطير والسمك متفاضلا ، وكذلك لحم الطير بلحم البقر والوحش والسمك يجوز متفاضلا .
وقال أبو حنيفة : اللحم كلها أصناف مختلفة كأصولها ; فلحم البقر صنف ، ولحم الغنم صنف ، ولحم الإبل صنف ، وكذلك الوحش مختلف ، كذلك الطير ، وكذلك السمك ، وهو أحد قولي الشافعي .
والقول الآخر أن الكل من النعم والصيد والطير والسمك جنس واحد لا يجوز التفاضل فيه .
والقول الأول هو المشهور من مذهبه عند أصحابه .
ودليلنا هو أن الله - تعالى - فرق بين أسماء الأنعام في حياتها فقال : ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ثم قال : ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين فلما أن أم بالجميع إلى اللحم قال : أحلت لكم بهيمة الأنعام فجمعها بلحم واحد لتقارب منافعها كتقارب لحم الضأن والمعز .
وقال في موضع آخر : ولحم طير مما يشتهون وهذا جمع طائر الذي هو الواحد ، لقوله - تعالى - : ولا طائر يطير بجناحيه فجمع لحم الطير كله باسم واحد .
وقال هنا : " لحما طريا " فجمع أصناف السمك بذكر واحد ، فكان صغاره ككباره في الجمع بينهما .
وقد روي عن ابن عمر أنه سئل [ ص: 79 ] عن لحم المعز بلحم الكباش أشيء واحد ؟
فقال لا ; ولا مخالف له فصار كالإجماع ، والله أعلم .
ولا حجة للمخالف في نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الطعام إلا مثلا بمثل ; فإن الطعام في الإطلاق يتناول الحنطة وغيرها من المأكولات ولا يتناول اللحم ; ألا ترى أن القائل إذا قال : أكلت اليوم طعاما لم يسبق الفهم منه إلى أكل اللحم ، وأيضا فإنه معارض بقوله - صلى الله عليه وسلم - : إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم وهذان جنسان ، وأيضا فقد اتفقنا على جواز بيع اللحم بلحم الطير متفاضلا لا لعلة أنه بيع طعام لا زكاة له بيع بلحم ليس فيه الزكاة ، وكذلك بيع السمك بلحم الطير متفاضلا .الثانية : وأما الجراد فالمشهور عندنا جواز بيع بعضه ببعض متفاضلا .
وذكر عن سحنون أنه يمنع من ذلك ، وإليه مال بعض المتأخرين ورآه مما يدخر .الثالثة : اختلف العلماء فيمن حلف ألا يأكل لحما ; فقال ابن القاسم : يحنث بكل نوع من هذه الأنواع الأربعة .
وقال أشهب في المجموعة .
لا يحنث إلا بكل لحوم الأنعام دون الوحش وغيره ، مراعاة للعرف والعادة ، وتقديما لها على إطلاق اللفظ اللغوي ، وهو أحسن .الرابعة : قوله تعالى : وتستخرجوا منه حلية تلبسونها يعني به اللؤلؤ والمرجان ; لقوله - تعالى - : يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان .
وإخراج الحلية إنما هي فيما عرف من الملح فقط .
وقال : إن في الزمرد بحريا .
وقد خطئ الهذلي في قوله في وصف الدرة :فجاء بها من درة لطمية على وجهها ماء الفرات يدومفجعلها من الماء الحلو .
فالحلية حق وهي نحلة الله - تعالى - لآدم وولده .
خلق آدم وتوج وكلل بإكليل الجنة ، وختم بالخاتم الذي ورثه عنه سليمان بن داود - صلوات الله عليهم - ، وكان يقال له خاتم العز فيما روي .الخامسة : امتن الله سبحانه على الرجال والنساء امتنانا عاما بما يخرج من البحر ، فلا يحرم عليهم شيء منه ، وإنما حرم الله - تعالى - على الرجال الذهب والحرير .
روى الصحيح عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في [ ص: 80 ] الآخرة .
وسيأتي في سورة [ الحج ] الكلام فيه إن شاء الله .
وروى البخاري عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اتخذ خاتما من ذهب ، وجعل فصه مما يلي باطن كفه ، ونقش فيه محمد رسول الله ; فاتخذ الناس مثله ; فلما رآهم قد اتخذوها رمى به وقال : لا ألبسه أبدا ثم اتخذ خاتما من فضة فاتخذ الناس خواتيم الفضة .
قال ابن عمر : فلبس الخاتم بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ، حتى وقع من عثمان في بئر أريس .
قال أبو داود : لم يختلف الناس على عثمان حتى سقط الخاتم من يده .
وأجمع العلماء على جواز التختم بالورق على الجملة للرجال .
قال الخطابي : وكره للنساء التختم بالفضة ; لأنه من زي الرجال ، فإن لم يجدن ذهبا فليصفرنه بزعفران أو بشبهه .
وجمهور العلماء من السلف والخلف على تحريم اتخاذ الرجال خاتم الذهب ، إلا ما روي عن أبي بكر بن عبد الرحمن وخباب ، وهو خلاف شاذ ، وكل منهما لم يبلغهما النهي والنسخ .
والله أعلم .
وأما ما رواه أنس بن مالك أنه رأى في يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاتما من ورق يوما واحدا ، ثم إن الناس اصطنعوا الخواتم ، من ورق ولبسوها ، فطرح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاتمه فطرح الناس خواتيمهم - أخرجه الصحيحان واللفظ للبخاري - فهو عند العلماء وهم من ابن شهاب ; لأن الذي نبذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما هو خاتم الذهب .
رواه عبد العزيز بن صهيب وقتادة عن أنس ، وهو خلاف ما روى ابن شهاب عن أنس فوجب القضاء بالجملة على الواحد إذا خالفها ، مع ما يشهد للجماعة من حديث ابن عمر .السادسة : إذا ثبت جواز التختم للرجال بخاتم الفضة والتحلي به ، فقد كره ابن سيرين وغيره من العلماء نقشه وأن يكون فيه ذكر الله .
وأجاز نقشه جماعة من العلماء .
ثم إذا نقش عليه اسم الله أو كلمة حكمة أو كلمات من القرآن وجعله في شماله ، فهل يدخل به الخلاء ويستنجي بشماله ؟
خففه سعيد بن المسيب ومالك .
قيل لمالك : إن كان في الخاتم ذكر الله ويلبسه في الشمال أيستنجى به ؟
قال : أرجو أن يكون خفيفا .
وروي عنه الكراهة وهو الأولى .
وعلى المنع من ذلك أكثر أصحابه .
وقد روى همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس قال :[ ص: 81 ] كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل الخلاء وضع خاتمه .
قال أبو داود : هذا حديث منكر ، وإنما يعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اتخذ خاتما من ورق ثم ألقاه .
قال أبو داود : لم يحدث بهذا إلا همام .السابعة : روى البخاري عن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اتخذ خاتما من فضة ونقش فيه " محمد رسول الله " وقال : إني اتخذت خاتما من ورق ونقشت فيه محمد رسول الله فلا ينقشن أحد على نقشه .
قال علماؤنا : فهذا دليل على جواز نقش اسم صاحب الخاتم على خاتمه .
قال مالك : ومن شأن الخلفاء والقضاة نقش أسمائهم على خواتيمهم ، ونهيه - عليه السلام - : لا ينقشن أحد على نقش خاتمه ، من أجل أن ذلك اسمه وصفته برسالة الله له إلى خلقه .
وروى أهل الشام أنه لا يجوز الخاتم لغير ذي سلطان .
وروي في ذلك حديثا عن أبي ريحانة ، وهو حديث لا حجة فيه لضعفه .
وقوله - عليه السلام - : لا ينقشن أحد على نقشه يرده ويدل على جواز اتخاذ الخاتم لجميع الناس ، إذا لم ينقش على نقش خاتمه .
وكان نقش خاتم الزهري " محمد يسأل الله العافية " .
وكان نقش خاتم مالك " حسبي الله ونعم الوكيل " .
وذكر الترمذي الحكيم في " نوادر الأصول " أن نقش خاتم موسى - عليه السلام - لكل أجل كتاب .
وقد مضى في الرعد وبلغ عمر بن عبد العزيز أن ابنه اشترى خاتما بألف درهم فكتب إليه : إنه بلغني أنك اشتريت خاتما بألف درهم ، فبعه وأطعم منه ألف جائع ، واشتر خاتما من حديد بدرهم ، واكتب عليه " رحم الله امرأ عرف قدر نفسه " .الثامنة : من حلف ألا يلبس حليا فلبس لؤلؤا لم يحنث ; وبه قال أبو حنيفة .
قال ابن خويز منداد : لأن هذا وإن كان الاسم اللغوي يتناوله فلم يقصده باليمين ، والأيمان تخص بالعرف ; ألا ترى أنه لو حلف ألا ينام على فراش فنام على الأرض لم يحنث ، وكذلك لا يستضيء بسراج فجلس في الشمس لا يحنث ، وإن كان الله - تعالى - قد سمى الأرض فراشا والشمس سراجا .
وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد : من حلف ألا يلبس حليا ولبس اللؤلؤ فإنه يحنث ; لقوله - تعالى - : وتستخرجوا منه حلية تلبسونها والذي يخرج منه : اللؤلؤ والمرجان .التاسعة : قوله تعالى : وترى الفلك مواخر فيه قد تقدم ذكر الفلك وركوب البحر في ( البقرة ) وغيرها .
وقوله : مواخر قال ابن عباس : جواري ، من جرت تجري .
سعيد بن جبير : معترضة .
الحسن : مواقر .
قتادة والضحاك : أي تذهب وتجيء ، مقبلة ومدبرة بريح [ ص: 82 ] واحدة .
وقيل : مواخر ملججة في داخل البحر ; وأصل المخر شق الماء عن يمين وشمال .
مخرت السفينة تمخر وتمخر مخرا ومخورا إذا جرت تشق الماء مع صوت ; ومنه قوله - تعالى - : وترى الفلك مواخر فيه يعني جواري .
وقال الجوهري : ومخر السابح إذا شق الماء بصدره ، ومخر الأرض شقها للزراعة ، ومخرها بالماء إذا حبس الماء فيها حتى تصير أريضة ; أي خليقة بجودة نبات الزرع .
وقال الطبري : المخر في اللغة صوت هبوب الريح ; ولم يقيد كونه في ماء ، وقال : إن من ذلك قول واصل مولى أبي عيينة : إذا أراد أحدكم البول فليتمخر الريح ; أي لينظر في صوتها في الأجسام من أين تهب ، فيتجنب استقبالها لئلا ترد عليه بوله .ولتبتغوا من فضله أي ولتركبوه للتجارة وطلب الربح .ولعلكم تشكرون تقدم جميع هذا في ( البقرة ) والحمد لله .
أي: هو وحده لا شريك له { الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ } وهيأه لمنافعكم المتنوعة.
{ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا } وهو السمك والحوت الذي يصطادونه منه، { وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } فتزيدكم جمالا وحسنا إلى حسنكم، { وَتَرَى الْفُلْكَ } أي: السفن والمراكب { مَوَاخِرَ فِيهِ } أي: تمخر في البحر العجاج الهائل بمقدمها حتى تسلك فيه من قطر إلى آخر، تحمل المسافرين وأرزاقهم وأمتعتهم وتجاراتهم التي يطلبون بها الأرزاق وفضل الله عليهم.
{ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } الذي يسر لكم هذه الأشياء وهيأها وتثنون على الله الذي منَّ بها، فلله تعالى الحمد والشكر والثناء، حيث أعطى العباد من مصالحهم ومنافعهم فوق ما يطلبون، وأعلى ما يتمنون، وآتاهم من كل ما سألوه، لا نحصي ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه.
( وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا ) يعني : السمك ، ( وتستخرجوا منه حلية تلبسونها ) يعني : اللؤلؤ والمرجان ، ( وترى الفلك مواخر فيه ) جواري .
قال قتادة : مقبلة ومدبرة ، وهو أنك ترى سفينتين إحداهما تقبل والأخرى تدبر ، تجريان بريح واحدة .
وقال الحسن : " مواخر " أي : مملوءة .
وقال الفراء والأخفش : شواق تشق الماء بجناحيها .
قال مجاهد : تمخر السفن الرياح .
وأصل المخر : الرفع والشق ، وفي الحديث : " إذا أراد أحدكم البول فليستمخر الريح " أي لينظر من أين مجراها وهبوبها ، فليستدبرها حتى لا يرد عليه البول .
وقال أبو عبيدة : صوائخ ، والمخر : صوت هبوب الريح عند شدتها .
( ولتبتغوا من فضله ) يعني : التجارة ، ( ولعلكم تشكرون ) إذا رأيتم صنع الله فيما سخر لكم .
«وهو الذي سخَّر البحر» ذلله لركوبه والغوص فيه «لتأكلوا منه لحماً طرياً» هو السمك «وتستخرجوا منه حليه تلبسونها» هي اللؤلؤ والمرجان «وترى» تبصر «الفلك» السفن «مواخر فيه» تمخر الماء، أي تشقه يجريها فيه مقبلة ومدبرة بريح واحدة «ولتبتغوا» عطف على لتأكلوا، تطلبوا «من فضله» تعالى بالتجارة «ولعلكم تشكرون» الله على ذلك.
وهو الذي سخَّر لكم البحر؛ لتأكلوا مما تصطادون من سمكه لحمًا طريًا، وتستخرجوا منه زينة تَلْبَسونها كاللؤلؤ والمرجان، وترى السفن العظيمة تشق وجه الماء تذهب وتجيء، وتركبونها؛ لتطلبوا رزق الله بالتجارة والربح فيها، ولعلكم تشكرون لله تعالى على عظيم إنعامه عليكم، فلا تعبدون غيره.
ففى هذه الآية الكريمة بين - سبحانه - أربع نعم على عباده فى تسخير البحر لهم .أما النعمة الأولى فتتجلى فى قوله - تعالى - ( وَهُوَ الذي سَخَّرَ البحر لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً ) .والطرى : ضد اليابس ، والمصدر الطراوة ، وفعله طَرُوَ بوزن خشن وقرب .أى : وهو - سبحانه - وحده الذى ذلل لكم البحر ، بحيث مكنكم من الانتفاع به ، وأقدركم على الركوب عليه ، وعلى الغوص فيه ، وعلى الصيد منه ، لتأكلوا من أسماكه لحما .
طريا غضا شهيا .ووصف - سبحانه - لحم أسماكه بالطراوة ، لأن أكله فى هذه الحالة أكثر فائدة ، وألذ مذاقا ، فالمنة بأكله على هذه الحالة أتم وأكمل .وقال بعض العلماء : وفى وصفه بالطراوة ، تنبيه إلى أنه ينبغى المسارعة إلى أكله ، لأنه يسرع إليه الفساد والتغير ، وقد أثبت الطب أن تناوله بعد ذهاب طراوته من أضر الأشياء ، فسبحان الخبير بخلقه ، ومعرفته ما يضر استعماله وما ينفع ، وفيه أيضا إيماء إلى كمال قدرته - تعالى - فى خلقه الحلو الطرى فى الماء المر الذى لا يشرب .وقد كره العلماء أكل الطافى منه على وجه الماء ، وهو الذى يموت حتف أنفه فى الماء فيطفو على وجهه ، لحديث جابر - رضى الله عنه - عن النبى صلى الله عليه وسلم : " ما نضب عنه الماء فكلوا ، وما لفظه فكلوا ، وما طفا فلا تأكلوا " .فالمراد من ميتة البحر فى الحديث : " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " مالفظه البحر لا مامات فيه من غير آفة .وقوله ( وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ) نعمة ثانية من نعم الله - تعالى - للإِنسان فى تسخير البحر له .والحلية - بالكسر - اسم لما يتحلى به الناس .
وجمعها حِلى وحُلى - بضم الحاء وكسرها - يقال : تحلت المرأة إذا لبست الحلى ، أى : ومن فوائد تسخير البحر لكم أنه سبحانه أقدركم على الغوص فيه ، لتستخرجوا منه ما يتحلى به نساؤكم كاللؤلؤ والمرجان وما يشبههما .قال - تعالى - ( مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تِكَذِّبَانِ يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ ) والتعبير بقوله - سبحانه - ( تستخرجو .
.
) يشير إلى كثرة الإِخراج فالسين والتاء للتأكيد ، مثل استجاب بمعنى أجاب .
كما يشير إلى أن من الواجب على المسلمين أن يباشروا بأنفسهم استخراج ما فى البحر من كنوز وألا يتركوا ذلك لأعدائهم .وأسند - سبحانه - لباس الحلية إلى ضمير جمع الذكور فقال : ( تلبسونها ) على سبيل التغليب ، وإلا فإن هذه الحلية يلبسها النساء فى معظم الأحيان .قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله ( تلبسونها ) أى : تلبسها نساؤكم ، وأسند الفعل إلى ضمير الرجال ، لاختلاطهم بهم ، وكونهم متبوعين ، أو لأنهم سبب لتزينهن ، فإنهن يتزين ليحسن فى أعين الرجال ، فكأن ذلك زينتهم ولباسهم .
اعلم أنه تعالى لما احتج على إثبات الإله في المرتبة الأولى بأجرام السموات، وفي المرتبة الثانية ببدن الإنسان ونفسه، وفي المرتبة الثالثة بعجائب خلقة الحيوانات، وفي المرتبة الرابعة بعجائب طبائع النبات ذكر في المرتبة الخامسة الاستدلال على وجود الصانع بعجائب أحوال العناصر فبدأ منها بالاستدلال بعنصر الماء.
واعلم أن علماء الهيئة قالوا: ثلاثة أرباع كرة الأرض غائصة في الماء وذاك هو البحر المحيط وهو كلية عنصر الماء وحصل في هذا الربع المسكون سبعة من البحار كما قال بعده: ﴿ والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ﴾ والبحر الذي سخره الله تعالى للناس هو هذه البحار، ومعنى تسخير الله تعالى إياها للخلق جعلها بحيث يتمكن الناس من الانتفاع بها إما بالركوب أو بالغوص.
واعلم أن منافع البحار كثيرة والله تعالى ذكر منها في هذه الآية ثلاثة أنواع: المنفعة الأولى: قوله تعالى: ﴿ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيّاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن الأعرابي لحم طري غير مهموز، وقد طرو يطرو طراوة، وقال الفراء: طرا يطرا طراء ممدوداً وطراوة كما يقال شقى يشقى شقاء وشقاوة.
واعلم أن في ذكر الطري مزيد فائدة، وذلك لأنه لو كان السمك كله مالحاً، لما عرف به من قدرة الله تعالى ما يعرف بالطري فإنه لما خرج من البحر الملح الزعاق الحيوان الذي لحمه في غاية العذوبة علم أنه إنما حدث لا بحسب الطبيعة، بل بقدرة الله وحكمته حيث أظهر الضد من الضد.
المسألة الثانية: قال أبو حنيفة رحمه الله: لو حلف لا يأكل اللحم فأكل لحم السمك لا يحنث قالوا: لأن لحم السمك ليس بلحم، وقال آخرون: إنه يحنث لأنه تعالى نص على كونه لحماً في هذه الآية وليس فوق بيان الله بيان.
روي أن أبا حنيفة رحمه الله لما قال بهذا القول وسمعه سفيان الثوري فأنكر عليه ذلك، واحتج عليه بهذه الآية بعث إليه رجلاً وسأله عن رجل حلف لا يصلي على البساط فصلى على الأرض هل يحنث أم لا؟
قال سفيان: لا يحنث فقال السائل: أليس أن الله تعالى قال: ﴿ والله جَعَلَ لَكُمُ الأرض بِسَاطاً ﴾ قال فعرف سفيان أن ذلك كان بتلقين أبي حنيفة.
ولقائل أن يقول: هذا الكلام ليس بقوي، لأن أقصى ما في الباب أنا تركنا العمل بظاهر القرآن في لفظ البساط للدليل الذي قام عليه فكيف يلزمنا ترك العمل بظاهر القرآن في آية أخرى والفرق بين الصورتين من وجهين: الأول: أنه لما حلف لا يصلي على البساط فلو أدخلنا الأرض تحت لفظ البساط لزمنا أن نمنعه من الصلاة، لأنه إن صلى على الأرض المفروشة بالبساط لزمه الحنث لا محالة، ولو صلى على الأرض التي لا تكون مفروشة لزمه الحنث أيضاً على تقدير أن يدخل الأرض تحت لفظ البساط، فهذا يقتضي منعه من الصلاة، وذلك مما لا سبيل إليه بخلاف ما إذا أدخلنا لحم السمك تحت لفظ اللحم، لأنه ليس في منعه من أكل اللحم على الإطلاق محذور فظهر الفرق.
الثاني: أنا نعلم بالضرورة من عرف أهل اللغة أن وقوع اسم البساط على الأرض الخالصة مجاز أما وقوع اسم اللحم على لحم السمك فلم يعرف أنه مجاز، فظهر الفرق، والله أعلم.
وحجة أبي حنيفة رحمه الله أن: مبنى الأيمان على العادة، وعادة الناس إذا ذكر اللحم على الإطلاق أن لا يفهم منه لحم السمك بدليل أنه إذا قال الرجل لغلامه اشتر بهذه الدراهم لحماً فجاء بالسمك كان حقيقاً بالإنكار.
والجواب: أنا رأيناكم في كتاب الأيمان تارة تعتبرون اللفظ وتارة تعتبرون العرف، وما رأيناكم ذكرتم ضابطاً بين القسمين والدليل عليه أنه إذا قال لغلامه اشتر بهذه الدراهم لحماً فجاء بلحم العصفور كان حقيقاً بالإنكار عليه، مع أنكم تقولون إنه يحنث بأكل لحم العصفور، فثبت أن العرف مضطرب، والرجوع إلى نص القرآن متعين، والله أعلم.
المنفعة الثانية: من منافع البحر قوله تعالى: ﴿ وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ﴾ والمراد بالحلية اللؤلؤ والمرجان كما قال تعالى: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ ﴾ والمراد: بلبسهم لبس نسائهم لأنهن من جملتهم، ولأن إقدامهن على التزين بها إنما يكون من أجلهم فكأنها زينتهم ولباسهم، ورأيت بعض أصحابنا تمسكوا في مسألة أنه لا يجب الزكاة في الحلي المباح بحديث عروة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا زكاة في الحلي» فقلت هذا الحديث ضعيف الرواية وبتقدير الصحة فيمكن أن يقال فيه لفظ الحلي لفظ مفرد محلى بالألف واللام، وقد بينا في أصول الفقه أن هذا اللفظ يجب حمله على المعهود السابق، والحلي الذي هو المعهود السابق هو الذي ذكره الله تعالى في كتابه في هذه الآية وهو قوله: ﴿ وَتَسْتَخْرِجُونَ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ﴾ فصار بتقدير صحة ذلك الخبر لا زكاة في اللآلئ، وحينئذ يسقط الاستدلال به، والله أعلم.
المنفعة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ وَتَرَى الفلك مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ قال أهل اللغة: مخر السفينة شقها الماء بصدرها، وعن الفراء: أنه صوت جري الفلك بالرياح.
إذا عرفت هذا فقول ابن عباس: ﴿ مَوَاخِرَ ﴾ أي جواري، إنما حسن التفسير به، لأنها لا تشق الماء إلا إذا كانت جارية.
وقوله تعالى: ﴿ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ يعني لتركبوه للتجارة فتطلبوا الربح من فضل الله وإذا وجدتم فضل الله تعالى وإحسانه فلعلكم تقدمون على شكره، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَحْمًا طَرِيّا ﴾ هو السمك، ووصفه بالطراوة؛ لأنّ الفساد يسرع إليه، فيسارع إلى أكله خيفة للفساد عليه.
فإن قلت: ما بال الفقهاء قالوا: إذا حلف الرجل لا يأكل لحماً، فأكل سمكاً، لم يحنث.
والله تعالى سماه لحماً كما ترى؟
قلت: مبنى الأيمان على العادة، وعادة الناس إذا ذكر اللحم على الإطلاق أن لا يفهم منه السمك، وإذا قال الرجل لغلامه: اشتر بهذه الدراهم لحماً فجاء بالسمك، كان حقيقاً بالإنكار.
ومثاله أن الله تعالى سمى الكافر دابة في قوله: إنّ شرّ الدواب عند الله الذين كفروا، فلو حلف حالف لا يركب دابة فركب كافراً لم يحنث.
﴿ حِلْيَةً ﴾ هي اللؤلؤ والمرجان.
والمراد بلبسهم: لبس نسائهم، لأنهنّ من جملتهم، ولأنهنّ إنما يتزينّ بها من أجلهم، فكأنها زينتهم ولباسهم.
المخر: شق الماء بحيزومها.
وعن الفراء: هو صوت جري الفلك بالرياح.
وابتغاء الفضل: التجارة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ ﴾ جَعَلَهُ بِحَيْثُ تَتَمَكَّنُونَ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ بِالرُّكُوبِ والِاصْطِيادِ والغَوْصِ.
﴿ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا ﴾ هو السُّمْكُ، ووَصَفَهُ بِالطَّراوَةِ لِأنَّهُ أرْطَبُ اللُّحُومِ يُسْرِعُ إلَيْهِ الفَسادُ فَيُسارَعُ إلى أكْلِهِ، ولِإظْهارِ قُدْرَتِهِ في خَلْقِهِ عَذْبًا طَرِيًّا في ماءٍ زُعاقٍ، وتَمَسَّكَ بِهِ مالِكٌ والثَّوْرِيُّ عَلى أنَّ مَن حَلَفَ أنْ لا يَأْكُلَ لَحْمًا حَنَثَ بِأكْلِ السَّمَكِ.
وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ مَبْنى الإيمانِ عَلى العُرْفِ وهو لا يُفْهَمُ مِنهُ عِنْدَ الإطْلاقِ ألا تَرى أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى الكافِرَ دابَّةً ولا يَحْنَثُ الخالِقُ عَلى أنْ لا يَرْكَبَ دابَّةً بِرُكُوبِهِ.
﴿ وَتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها ﴾ كاللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ أيْ تَلْبَسُها نِساؤُكم، فَأُسْنِدَ إلَيْهِمْ لِأنَّهُنَّ مِن جُمْلَتِهِمْ ولِأنَّهُنَّ يَتَزَيَّنَّ بِها لِأجْلِهِمْ.
﴿ وَتَرى الفُلْكَ ﴾ السُّفُنَ.
﴿ مَواخِرَ فِيهِ ﴾ جِوارِيَ فِيهِ تَشُقُّهُ بِحَيْزُومِها، مِنَ المَخْرِ وهو شَقُّ الماءِ.
وقِيلَ صَوْتُ جَرْيِ الفُلْكِ.
﴿ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ﴾ مِن سَعَةِ رِزْقِهِ بِرُكُوبِها لِلتِّجارَةِ.
﴿ وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ أيْ تَعْرِفُونَ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى فَتَقُومُونَ بِحَقِّها، ولَعَلَّ تَخْصِيصَهُ بِتَعْقِيبِ الشُّكْرِ لِأنَّهُ أقْوى في بابِ الأنْعامِ مِن حَيْثُ إنَّهُ جَعَلَ المَهالِكَ سَبَبًا لِلِانْتِفاعِ وتَحْصِيلِ المَعاشِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَهُوَ الذى سَخَّرَ البحر لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيّاً} هو السمك ووصفه بالطراوة لأن الفساد يسرع إليه فيؤكل سريعاً طرياً خيفة الفساد وإنما لا يحنث بأكله إذا حلف لا يأكل لحماً لأن مبني الإيمان على العرف ومن قال لغلامه اشتر بهذه الدراهم لحماً فجاء بالسمك كان حقيقاً بالإنكار {وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حلية} هي اللؤلؤة والمرجان {تَلْبَسُونَهَا} المراد بلبسهم لبس نسائهم ولكنهن إنما يتزين بها من أجلهم فكأنها زينتهم ولباسهم {وَتَرَى الفلك مَوَاخِرَ}
جوارى تجرى جريا وتشق الماء والمخر شق الماء بحيزومها {فِيهِ} في البحر {وَلِتَبْتَغوُا مِن فَضْلِهِ} هو عطف على محذوف أي لتعتبروا ولتبتغوا وابتغاء الفضل التجارة {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} الله على ما أنعم عليكم به
﴿ وهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ ﴾ شُرُوعٌ في نَوْعٍ آخَرَ مِنَ النِّعَمِ مُتَعَلِّقٌ بِالبَحْرِ إثْرَ تَفْصِيلِ النَّوْعِ المُتَعَلِّقِ بِالبَرِّ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم عَدِيلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ ﴾ فَلِذا جاءَ عَلى أُسْلُوبِهِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً مُعَرَّفَةَ الجُزْأيْنِ، وما وقَعَ في البَيْنِ إمّا مُتَرَتِّبٌ عَلى ذَلِكَ الماءِ المُنَزَّلِ وإمّا مُتَضَمَّنٌ لِمَصْلَحَةِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، والبَحْرُ عَلى ما في البَحْرِ يَشْمَلُ المِلْحَ والعَذْبَ، والمَعْنى جَعَلَ لَكم ذَلِكَ بِحَيْثُ تَتَمَكَّنُونَ مِنَ الانْتِفاعِ بِهِ بِالرُّكُوبِ والغَوْصِ والِاصْطِيادِ ﴿ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا ﴾ وهو السَّمَكُ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِاللَّحْمِ مَعَ كَوْنِهِ حَيَوانًا لِلْإشارَةِ إلى قِلَّةِ عِظامِهِ وضَعْفِها في أغْلَبِ ما يُصْطادُ لِلْأكْلِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأنْعامِ المُمْتَنِّ بِالأكْلِ مِنها فِيما سَبَقَ، وقِيلَ: لِلتَّلْوِيحِ بِانْحِصارِ الِانْتِفاعِ بِهِ في الأكْلِ.
و(مِن) مُتَعَلِّقٌ- بِتَأْكُلُوا- أوْ حالٌ مِمّا بَعْدَهُ وهي ابْتِدائِيَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ مِن حَيَوانِهِ، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنَّ (1) مِنَ اللَّحْمِ الطَّرِيِّ لَحْمَ السَّمَكِ كَما يَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنهُ السَّمَكُ والطَّرِيُّ فَعِيلٌ مِن طَرَوَ يَطْرُو طَراوَةً مِثْلَ سَرَوَ يَسْرُو سَراوَةً، وقالَ الفَرّاءُ: مِن طَرِيَ يَطْرى طَراءً وطَراوَةً كَشَقِيَ يَشْقى شَقاءً وشَقاوَةً، والطَّراوَةُ ضِدُّ اليُبُوسَةِ، ووَصْفُهُ بِذَلِكَ لِلْإشْعارِ بِلَطافَتِهِ والتَّنْبِيهِ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي المُسارَعَةُ إلى أكْلِهِ فَإنَّهُ لِكَوْنِهِ رَطْبًا مُسْتَعِدٌّ لِلتَّغَيُّرِ فَيُسْرِعُ إلَيْهِ الفَسادُ والِاسْتِحالَةُ، وقَدْ قالَ الأطِبّاءُ: إنَّ تَناوَلَهُ بَعْدَ ذَهابِ طَراوَتِهِ مِن أضَرِّ الأشْياءِ فَفِيهِ إدْماجٌ لِحُكْمٍ طِبِّيٍّ، وهَذا عَلى ما قِيلَ لا يُنافِي تَقْدِيدَهُ وأكْلَهُ مُحَلَّلًا كَما تُوُهِّمَ، وفي جَعْلِ البَحْرِ مُبْتَدَأً أكْلُهَ عَلى أحَدِ الِاحْتِمالَيْنِ إيذانٌ بِالمُسارَعَةِ أيْضًا.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ في الوَصْفِ إيذانًا أيْضًا بِكَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى في خَلْقِهِ عَذْبًا طَرِيًّا في ماءٍ مُرٍّ لا يُشْرَبُ، وفِيهِ شَيْءٌ لا يَخْفى، ولا يُؤْكَلُ عِنْدَنا مِن حَيَوانِ البَحْرِ إلّا السَّمَكُ، ويُؤَيِّدُهُ تَفْسِيرُ اللَّحْمِ بِهِ المَرْوِيُّ عَنْ قَتادَةَ وغَيْرِهِ وعَنْ مالِكٍ وجَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ اطِّلاقُ جَمِيعِ ما في البَحْرِ، واسْتَثْنى بَعْضُهُمُ الخِنْزِيرَ والكَلْبَ والإنْسانَ، وعَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ أطْلَقَ ذَلِكَ كُلَّهُ، ويُوافِقُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: هو السَّمَكُ وما في البَحْرِ مِنَ الدَّوابِّ.
نَعَمْ يُكْرَهُ عِنْدَنا أكْلُ الطّافِي مِنهُ وهو الَّذِي يَمُوتُ حَتْفَ أنْفِهِ في الماءِ فَيَطْفُو عَلى وجْهِ الماءِ لِحَدِيثِ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ : «ما نَضَبَ الماءُ عَنْهُ فَكُلُوا وما لَفَظَهُ الماءُ فَكُلُوا وما طَفا فَلا تَأْكُلُوا،» وهو مَذْهَبُ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، ومَيْتَةُ البَحْرِ فِي خَبَرِ: ««هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ»» ما لَفَظَهُ لِيَكُونَ مَوْتُهُ مُضافًا إلَيْهِ لا ما ماتَ فِيهِ مِن غَيْرِ آفَةٍ، وما قُطِعَ بَعْضُهُ فَماتَ يَحِلُّ أكْلُ ما أُبِينَ وما بَقِيَ لِأنَّ مَوْتَهُ بِآفَةٍ وما أُبِينَ مِنَ الحَيِّ فَهو مَيِّتٌ وإنْ كانَ مَيِّتًا فَمَيْتَتُهُ حَلالٌ، ولَوْ وُجِدَ في بَطْنِ السَّمَكَةِ سَمَكَةٌ أُخْرى تُؤْكَلُ لِأنَّ ضِيقَ المَكانِ سَبَبُ مَوْتِها، وكَذا إذا قَتَلَها طَيْرُ الماءِ وغَيْرُهُ أوْ ماتَتْ في حُبِّ ماءٍ، وكَذا إنْ جُمِعَ السَّمَكُ في حَظِيرَةٍ لا يَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ مِنهُ وهو يَقْدِرُ عَلى أخْذِهِ بِغَيْرِ صَيْدٍ فَماتَ فِيها، وإنْ كانَ لا يُؤْخَذُ بِغَيْرِ صَيْدٍ فَلا خَيْرَ في أكْلِهِ لِأنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لِمَوْتِهِ سَبَبٌ، وإذا ماتَتِ السَّمَكَةُ في الشَّبَكَةِ وهي لا تَقْدِرُ عَلى التَّخَلُّصِ مِنها أوْ أكَلَتْ شَيْئًا ألْقاهُ في الماءِ لِتَأْكُلَ مِنهُ فَماتَتْ مِنهُ وذَلِكَ مَعْلُومٌ فَلا بَأْسَ بِأكْلِها لِأنَّ ذَلِكَ في مَعْنى ما انْحَسَرَ عَنْهُ الماءُ، وفي مَوْتِ الحَرِّ والبَرْدِ رِوايَتانِ إحْداهُما وهي مَرْوِيَّةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ يُؤْكَلُ لِأنَّهُ ماتَ بِسَبَبٍ حادِثٍ وكانَ كَما لَوْ ألْقاهُ الماءُ عَلى اليُبْسِ والأُخْرى ورُوِيَتْ عَنِ الإمامِ أنَّهُ لا يُؤْكَلُ لَأنَّ الحَرَّ والبَرْدَ صِفَتانِ مِن صِفَةِ الزَّمانِ ولَيْسا مِن أسْبابِ المَوْتِ في الغالِبِ، ولا بَأْسَ بِأكْلِ الجَرِيثِ والمارَماهِي، واشْتُهِرَ عَنِ الشِّيعَةِ حُرْمَةُ أكْلِ الأوَّلِ فَلْيُراجَعْ، واسْتَدَلَّ قَتادَةُ كَما أخْرُجُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْهُ بِالآيَةِ عَلى حِنْثِ مَن حَلَفَ لا يَأْكُلُ لَحْمًا فَأكَلَ سَمَكًا لِما فِيها مِن إطْلاقِ اللَّحْمِ عَلَيْهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مالِكٍ أيْضًا.
وأُجِيبُ بِأنَّ مَبْنى الإيمانِ عَلى ما يَتَفاهَمُهُ النّاسُ في عُرْفِهِمْ لا عَلى الحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ ولا عَلى اسْتِعْمالِ القُرْآنِ، ولِذا لِما أفْتى الثَّوْرِيُّ بِالحِنْثِ في المَسْألَةِ المَذْكُورَةِ لِلْآيَةِ وبَلَغَ أبا حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ قالَ لِلسّائِلِ: ارْجِعْ واسْألْهُ عَمَّنْ حَلَفَ لا يَجْلِسُ عَلى بِساطٍ فَجَلَسَ عَلى الأرْضِ هَلْ يَحْنَثُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا ﴾ فَقالَ لَهُ: كَأنَّكَ السّائِلُ أمْسِ؟
فَقالَ: نَعَمْ، فَقالَ: لا يَحْنَثُ في هَذا ولا في ذاكَ ورَجَعَ عَمّا أفْتى بِهِ أوَّلًا، والظّاهِرُ أنَّ مُتَمَسِّكَ الإمامِ قَدْ كانَ العُرْفَ وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الهُمامِ لا ما في الهِدايَةِ كَما قالَ مِن أنَّ القِياسَ الحِنْثُ، ووَجْهُ الِاسْتِحْسانِ أنَّ التَّسْمِيَةَ القُرْآنِيَّةَ مَجازِيَّةٌ لِأنَّ مَنشَأ اللَّحْمِ الدَّمُ ولا دَمَ في السَّمَكِ لِسُكُونِهِ الماءَ مَعَ انْتِقاضِهِ بِالألْيَةِ فَإنَّها تَنْعَقِدُ مِنَ الدَّمِ ولا يَحْنَثُ بِأكْلِها.
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في المَسْألَةِ دَلِيلانِ لَيْسَ بَيْنَهُما تَنافٍ، وما ذُكِرَ مِنَ النَّقْضِ مَدْفُوعٌ بِأنَّ المَذْكُورَ كُلُّ لَحْمٍ يَنْشَأُ مِنَ الدَّمِ ولا يَلْزَمُ عَكْسُهُ الكُلِّيُّ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ إطْلاقَ اللَّحْمِ عَلى السَّمَكِ لُغَةً لا شُبْهَةَ فِيهِ فَيَنْتَقِضُ الطَّرْدُ والعَكْسُ فَمُرادُ المُعْتَرِضِ الرَّدُّ عَلَيْهِ بِزِيادَةٍ في الإلْزامِ.
نَعَمْ قَدْ يُقالُ: مُرادُهُ بِالمَجازِ المَذْكُورِ أنَّهُ مَجازٌ عُرْفِيٌّ كالدّابَّةِ إذا أُطْلِقَتْ عَلى الإنْسانِ فَيَرْجِعُ كَلامُهُ إلى ما قالَهُ الإمامُ وحِينَئِذٍ لا غُبارَ عَلَيْهِ، وما ذَكَرَهُ بَيانٌ لِوَجْهِ الِاسْتِعْمالِ العُرْفِيِّ فَلا يُرَدُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ وهو كَما تَرى، وعَلى طَرْزِ ما قالَهُ الإمامُ يُقالُ فِيمَن حَلَفَ لا يَرْكَبُ دابَّةً فَرَكِبَ كافِرًا أنَّهُ لا يَحْنَثُ مَعَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سَمّى الكافِرَ دابَّةً في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وفي الكَشّافِ بَيانًا لِعَدَمِ إطْلاقِ اللَّحْمِ عَلى السَّمَكِ عُرْفًا أنَّهُ إذا قالَ واحِدٌ لِغُلامِهِ اشْتَرِ بِهَذِهِ الدَّراهِمِ لَحْمًا فَجاءَ بِالسَّمَكِ كانَ حَقِيقًا بِالإنْكارِ عَلَيْهِ أيْ وهو دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ إطْلاقِ اللَّحْمِ عَلَيْهِ في العُرْفِ فَحَيْثُ كانَتِ الأيْمانُ مَبْنِيَّةً عَلى العُرْفِ لَمْ يَحْنَثْ بِأكْلِهِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَوْ قالَ لِغُلامِهِ: اشْتَرِ لَحْمًا فاشْتَرى لَحْمَ عُصْفُورٍ كانَ حَقِيقًا بِالإنْكارِ مَعَ الحِنْثِ بِأكْلِهِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ الإنْكارَ إنَّما جاءَ مِن نُدْرَةِ اشْتِراءِ مِثْلِهِ لِأنَّهُ غَيْرُ مُتَعارَفٍ وفِيما نَحْنُ فِيهِ اشْتِراءُ السَّمَكِ ولَحْمِهِ مُتَعارَفٌ فَلَيْسَ مَحَلُّ الإنْكارُ إلّا عَدَمَ إطْلاقِ اللَّحْمِ عَلَيْهِ ﴿ وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً ﴾ كاللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ ﴿ تَلْبَسُونَها ﴾ أيْ تَلْبَسُها نِساؤُكم وجَّهَهُ ذَلِكَ بِأنَّهُ أسْنَدَ إلى الرِّجالِ لِاخْتِلاطِهِمْ بِالنِّساءِ وكَوْنِهِمْ مَتْبُوعِينَ أوْ لِأنَّهم سَبَبٌ لِتَزَيُّنِهِنَّ فَإنَّهُنَّ يَتَزَيَّنَّ لِيَحْسُنَّ في أعْيُنِ الرِّجالِ فَكانَ ذَلِكَ زِينَتَهم ولِباسَهم.
وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَيْثُ جَعَلَ لِلزَّوْجِ الحَجْرَ عَلى زَوْجَتِهِ فِيما لَهُ بالٌ مِن مالِها، وذَلِكَ مُقَدَّرٌ بِالزّائِدِ عَلى الثُّلُثِ لِحَقِّهِ فِيهِ بِالتَّجَمُّلِ، فانْظُرْ إلى مُكْنَةِ حَظِّ الرِّجالِ مَن مالِ النِّساءِ ومِن زِينَتِهِنَّ حَتّى جُعِلَ كَحَظِّ المَرْأةِ مِن مالِها وزِينَتِها فَعَبَّرَ عَنْ حَظِّهِ في لَبْسِها بِلَبْسِهِ كَما يُعَبَّرُ عَنْ حَظِّها سَواءٌ مُؤَيَّدًا بِالحَدِيثِ المَرْوِيِّ في البابِ اهـ.
ويُفْهَمُ مِنهُ جَوازُ اعْتِبارِ المَجازِ في الطَّرَفِ، وصَرَّحَ بِذَلِكَ بَعْضُهم وفَسَّرَ «تَلْبَسُونَ» بِتَتَمَتَّعُونَ وتَتَلَذَّذُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَجازُ في النَّقْصِ وما أظْهَرَ في التَّفْسِيرِ مُرادٌ في النَّظْمِ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى التَّغْلِيبِ أوْ مِن بابِ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا زَيْدًا فَفِيهِ إسْنادٌ لِلْبَعْضِ إلى الكُلِّ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ وجْهٌ لِكِلا الوَجْهَيْنِ أمّا الأوَّلُ فَلِعَدَمِ التَّلَبُّسِ بِالمُسْنَدِ وهو اللَّبْسُ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ لا يَتِمُّ بِدُونِ المَجازِ في الطَّرَفِ فَلا وجْهَ لِلْعُدُولِ عَنِ اعْتِبارِهِ عَلى النَّحْوِ السّابِقِ إلى هَذا، وقالَ بَعْضُهُمْ: لا حاجَةَ إلى كُلِّ ذَلِكَ فَإنَّهُ لا مانِعَ مِن تَزَيُّنِ الرِّجالِ بِاللُّؤْلُؤِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ أنَّهُ لا مانِعَ مِنهُ شَرْعًا مُخالِفٌ لِلْعادَةِ المُسْتَمِرَّةِ فَيَأْباهُ لَفْظُ المُضارِعِ الدّالِّ عَلى خِلافِهِ، ولا يَصِحُّ ما يُقالُ: إنَّ في البَحْرِ زُمُرُّدًا بَحْرِيًّا وبِفَرْضِ الصِّحَّةِ يَجِيءُ هَذا أيْضًا، ولَعَلَّهُ لَمّا أنَّ النِّساءَ مَأْمُوراتٌ بِالحِجابِ وإخْفاءِ الزِّينَةِ عَنْ غَيْرِ المَحارِمِ أخْفى التَّصْرِيحَ بِنِسْبَةِ اللَّبْسِ إلَيْهِنَّ لِيَكُونَ اللَّفْظُ كالمَعْنى واسْتَدَلَّ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِما الرَّحْمَةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ اللُّؤْلُؤَ يُسَمّى حُلِيًّا حَتّى لَوْ حَلَفَ لا يَلْبَسُ حُلِيًّا فَلَبِسَهُ حَنِثَ.
وأبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَقُولُ: لا يَحْنَثُ لِأنَّ اللُّؤْلُؤَ وحْدَهُ لا يُسَمّى حُلِيًّا في العُرْفِ وبائِعَهُ لا يُقالُ لَهُ: بائِعُ الحُلِيِّ كَذا في أحْكامِ الجَصّاصِ.
واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ لا زَكاةَ في حُلِيِّ النِّساءِ، فَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ أنَّهُ سُئِلَ هَلْ في حُلِيِّ النِّساءِ صَدَقَةٌ؟
قالَ: لا هي كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها ﴾ وهُوَ كَما تَرى، ثُمَّ إنَّ اللَّحْمَ الطَّرِيَّ يَخْرُجُ مِنَ البَحْرِ العَذْبِ والبَحْرِ المِلْحِ والحِلْيَةُ إنَّما تَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، وقِيلَ: إنَّ العَذْبَ يَخْرُجُ مِنهُ لُؤْلُؤٌ أيْضًا إلّا أنَّهُ لا يُلْبَسُ إلّا قَلِيلًا والكَثِيرُ التَّداوِي بِهِ، ولَمْ نَرَ مَن ذَكَرَ ذَلِكَ في أكْثَرِ الكُتُبِ المُصَنِّفَةِ لِذِكْرِ مِثْلِ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى البَحْرَ الغَرْبِيَّ وكَلَّمَ البَحْرَ الشَّرْقِيَّ فَقالَ لِلْبَحْرِ الغَرْبِيِّ: إنِّي حامِلٌ فِيكَ عِبادًا مِن عِبادِي فَما أنْتَ صانِعٌ بِهِمْ؟
قالَ: أُغْرِقُهم.
قالَ: بَأْسُكَ في نَواحِيكَ وحَرَّمَهُ الحِلْيَةَ والصَّيْدَ وكَلَّمَ هَذا البَحْرَ الشَّرْقِيَّ فَقالَ: إنِّي حامِلٌ فِيكَ عِبادًا مِن عِبادِي فَما أنْتَ صانِعٌ بِهِمْ؟
قالَ: أحْمِلُهم عَلى يَدَيْ وأكُونُ لَهم كالوالِدَةِ لِوَلَدِها فَأثابَهُ سُبْحانَهُ الحِلْيَةَ والصَّيْدَ، وأخْرَجَ نَحْوَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ، وظاهِرُ كَلامِ الأكْثَرِينَ حَمْلُ ( البَحْرَ ) في الآيَةِ عَلى البَحْرِ المِلْحِ وهو مَمْلُوءٌ مِنَ السَّمَكِ بَلْ قِيلَ: إنَّ السَّمَكَ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ ما فِيهِ مِنَ الحَيَواناتِ ولا يَكُونُ اللُّؤْلُؤُ إلّا في مَواضِعَ مَخْصُوصَةٍ مِنهُ.
﴿ وتَرى الفُلْكَ ﴾ السُّفُنَ ﴿ مَواخِرَ فِيهِ ﴾ جَوارِيَ فِيهِ جَمْعَ ماخِرَةٌ بِمَعْنى جارِيَةٍ، وأصْلُ المَخْرِ الشَّقُّ يُقالُ: مَخَرَ الماءُ الأرْضَ إذا شَقَّها وسُمِّيَتِ السُّفُنُ بِذَلِكَ لِأنَّها تَشُقُّ الماءَ بِمُقَدَّمِها، وقالَ الفَرّاءُ: هو صَوْتُ جَرْيِ الفُلْكِ بِالرِّياحِ ﴿ ولِتَبْتَغُوا ﴾ عَطْفٌ عَلى تَسْتَخْرِجُوا وما عُطِفَ عَلَيْهِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِتَمْهِيدِ مَبادِئِ الِابْتِغاءِ ودَفْعِ كَوْنِهِ بِاسْتِخْراجِ الحِلْيَةِ، وعَدَلَ عَنْ نَمَطِ الخِطابِ السّابِقِ واللّاحِقِ- أعْنِي خِطابَ الجَمْعِ إلى خِطابِ المُفْرَدِ - المُرادُ بِهِ كُلُّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ إيذانًا بِأنَّ ذاكَ غَيْرُ مَسُوقٍ مَساقَهُما، وأجازَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ أيْ لِتَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ ولِتَبْتَغُوا، وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ فَعَلَ ذَلِكَ لِتَبْتَغُوا، وهو تَكَلُّفٌ يَغْنى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ مِن سَعَةِ رِزْقِهِ بِرُكُوبِها لِلتِّجارَةِ ﴿ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ تَقُومُونَ بِحَقِّ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى بِالطّاعَةِ والتَّوْحِيدِ، ولَعَلَّ تَخْصِيصَ هَذِهِ النِّعْمَةِ بِالتَّعْقِيبِ بِالشُّكْرِ لِأنَّها أقْوى في بابِ الأنْعامِ مِن حَيْثُ إنَّهُ جَعَلَ رُكُوبَ البَحْرِ مَعَ كَوْنِهِ مَظِنَّةَ الهَلاكِ لِأنَّ راكِبِيهِ كَما قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ دُودٌ عَلى عُودٍ سَبَبًا لِلِانْتِفاعِ وحُصُولِ المَعاشِ وهو مِن كَمالِ النِّعْمَةِ لِقَطْعِ المَسافَةِ الطَّوِيلَةِ في زَمَنٍ قَصِيرٍ مَعَ عَدَمِ الِاحْتِياجِ إلى الحِلِّ والتَّرْحالِ والحَرَكَةِ مَعَ الِاسْتِراحَةِ والسُّكُونِ، وما أحْسَنَ ما قِيلَ في ذَلِكَ: وإنّا لَفي الدُّنْيا كَرَكْبِ سَفِينَةٍ نُظَنُّ وُقُوفًا والزَّمانُ بِنا يَسْرِي وعَدَمُ تَوْسِيطِ الفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ بَيْنَ الِابْتِغاءِ والشُّكْرِ قِيلَ لِلْإيذانِ بِاسْتِغْنائِهِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ وبِحُصُولِهِما مَعًا.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ رُكُوبِ البَحْرِ لِلتِّجارَةِ بِلا كَراهَةٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ رُكُوبَ البَحْرِ إلّا لِثَلاثٍ؛ غازٍ أوْ حاجٍّ أوْ مُعْتَمِرٍ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ أي: ذلّل لكم البحر.
ويقال: ذلل لكم ما فى البحر لِتَأْكُلُوا مِنْهُ أي: من البحر لَحْماً طَرِيًّا أي: السمك الطري وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ يعني: من البحر حِلْيَةً تَلْبَسُونَها يعني: لؤلؤاً تتزينون بها.
يعني: زينة للنساء وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ أي: مقبلة، ومدبرة فيه.
ويقال: تذهب وتجيء بريح واحدة.
وقال عكرمة: يعني، السفينة حين تشق الماء يقال: مخرت السفينة إذا جرت، لأنها إذا جرت تشق الماء وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ أي: لكي تطلبوا من رزقه حين تركبون السفينة للتجارة وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي: لكي تشكروا الله فيما صنع لكم من النعم.
قوله عز وجل: وَأَلْقى أي: وضع فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ يعني: الجبال الثوابت أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ يعني: لكيلا تميد بكم، وقد يحذف لا ويراد إثباته، كما قال هاهنا: أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ أي لا تميد بأهلها.
وروى معمر عن قتادة أنه قال: لما خلقت الأرض كادت تميد، فقالت الملائكة ما هذه بمقرة على ظهرها أحداً، فأصبحوا وقد خلقت الجبال فلم تدر الملائكة مم خلقت الجبال.
وقال القتبي: الميد، الحركة والميل.
ويقال أَنْ تَمِيدَ أي كراهة أن تميد بكم وَأَنْهاراً أي: وجعل لكم فيها أنهاراً وَسُبُلًا أي: طرقاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي: تعرفون بها الطرق وَعَلاماتٍ أي: جعل في الأرض علامات من الجبال وغيرها تهتدون به الطرق في حال السفر.
وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ أي: بالجدي، والفرقدين تعرفون بها الطرق في البر والبحر.
وروى عبد الرزاق عن معمر في قوله: وَعَلاماتٍ قال: قال الكلبي: الجبال.
وقال قتادة: النجوم.
وروى سفيان عن منصور عن مجاهد في قوله: وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ قال: منها ما يكون علامة، ومنها ما يهتدى به.
وقال عمر بن الخطاب: «تعلموا من النجوم ما تهتدون به في طرقكم وقبلتكم، ثم كفوا، وتعلموا من الأنساب ما تصلون به أرحامكم» .
وقال السدي: وَعَلاماتٍ أي: الجبال بالنهار يهتدون بها الطرق، والنجوم بالليل.
ثم قال: أَفَمَنْ يَخْلُقُ يعني: أَفَمَنْ يَخْلُقُ هذه الأشياء التي وصفت لكم كَمَنْ لاَّ يَخْلُقُ أي: لا يقدر أن يخلق شيئاً وهم الأصنام.
أَفَلا تَذَكَّرُونَ أي: أفلا تتعظون في صنعه، وتوحّدوه وتعبدوه، ولا تعبدوا غيره.
<div class="verse-tafsir"
ورحمته وتنعيمُهُ طريقُهُ، وإِلى ذلك مصيره، و «طريقٌ قَاصِد» : معناه: بيِّنٌ مستقيمٌ قريبٌ، والألف واللام في السَّبِيلِ، للعهد، وهي سبيلُ الشرْعِ.
وقوله: وَمِنْها جائِرٌ: يريد طريقَ اليهودِ والنصارَى وغيرِهِم، فالضمير في مِنْها يعود على السُّبُلُ التي يتضمَّنها معنى الآية.
وقوله سبحانه: فِيهِ تُسِيمُونَ: يقال: أَسَامَ الرَّجُلُ مَاشِيَتَهُ إِذا أرسلها ترعى.
وقوله سبحانه: وَما ذَرَأَ لَكُمْ: ذرأ: معناه: بثّ ونشر.
ومُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ أي أصنافه، ويحتمل أنْ يكون التنبيهُ على اختلاف الألوان من حُمْرةٍ وصُفْرةٍ وغير ذلك، والأول أبْيَنُ.
وقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: البَحْر: الماءُ الكثيرُ، ملْحاً كان أو عَذْباً.
قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «١» : قولُهُ تعالى: وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها:
يعني به اللؤلُؤَ والمَرْجان، وهذا امتنان عامٌّ للرجال والنساء، فلا يحرم عليهم شيء من ذلك.
انتهى.
ومَواخِرَ: جمعَ مَاخِرَة، والمَخْر في اللغة: الصَّوْت الذي يكون من هبوبِ الريح علَى شيءٍ يشقُّ أو يصحب في الجملة الماءَ فيترتَّب منه أنْ يكون المَخْر من الريحِ، وأنْ يكون من السفينةِ ونحوها، وهو في هذه الآيةِ من السّفن، وقال بعض النحاة:
المخر في كلامِ العرب: الشَّقُّ يقال: مَخَرَ المَاءُ الأَرْضَ، وهذا أيضاً بيِّن أن يقال فيه للفلْكِ مَوَاخِر.
وقوله: وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ: يحتملُ: تهتدون في مشيكم وتصرّفكم في السّبل،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما ذَرَأ لَكُمْ ﴾ أيْ: وسَخَّرَ ما ذَرَأ لَكم.
وذَرَأ بِمَعْنى: خَلَقَ.
و " سَخَّرَ البَحْرَ " أيْ: ذَلَّـلَهُ لِلرُّكُوبِ والغَوْصِ فِيهِ " لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا " يَعْنِي: السَّمَكَ ﴿ وَتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها ﴾ يَعْنِي: الدُّرَّ، واللُّؤْلُؤَ، والمَرْجانَ، وَفِي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ حالِفًا لَوْ حَلَفَ: لا يَلْبَسُ حُلِيًّا، فَلَبِسَ لُؤْلُؤًا، أنَّهُ يَحْنَثُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يَحْنَثُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَرى الفُلْكَ ﴾ يَعْنِي: السُّفُنَ.
وفي مَعْنى " مَواخِرَ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: جِوارِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
قالَ اللُّغَوِيُّونَ: يُقالُ: مَخَرَتِ السَّفِينَةُ مَخْرًا: إذا شَقَّتِ الماءَ في جَرَيانِها.
والثّانِي: المَواقِرُ، يَعْنِي المَمْلُوءَةَ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِالرُّكُوبِ فِيهِ لِلتِّجارَةِ ابْتِغاءَ الرِّبْحِ مِن فَضْلِ اللَّهِ.
والثّانِي: بِما تَسْتَخْرِجُونَ مِن حِلْيَتِهِ، وتَصِيدُونَ مِن حِيتانِهِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وفي دُخُولِ الواوِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى لامٍ مَحْذُوفَةٍ، تَقْدِيرُهُ: وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ لِتَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ ولِتَبْتَغُوا.
والثّانِي: أنَّها دَخَلَتْ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: وفَعَلَ ذَلِكَ لِكَيْ تَبْتَغُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ ﴾ أيْ: نَصَبَ فِيها جِبالًا ثَوابِتَ " أنْ تَمِيدَ " أيْ: لِئَلّا تَمِيدَ، وقالَ الزَّجّاجُ: كَراهَةَ أنْ تَمِيدَ، يُقالُ: مادَ الرَّجُلُ يَمِيدُ مَيْدًا: إذا أُدِيرَ بِهِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَيْدُ: الحَرَكَةُ والمَيْلُ، يُقالُ: فُلانٌ يَمِيدُ في مِشْيَتِهِ، أيْ: يَتَكَفَّأُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْهارًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وجَعَلَ فِيها سُبُلًا، لِأنَّ مَعْنى " ألْقى ": " جَعَلَ " فَأمّا السُّبُلُ، فَهي الطُّرُقُ.
﴿ وَلَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ أيْ: لِكَيْ تَهْتَدُوا إلى مَقاصِدِكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلاماتٍ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها مَعالِمُ الطُّرُقِ بِالنَّهارِ، وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ بِاللَّيْلِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها النُّجُومُ أيْضًا، مِنها ما يَكُونُ عَلامَةً لا يُهْتَدى بِهِ، ومِنها ما يُهْتَدى بِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والنَّخَعِيُّ.
والثّالِثُ: الجِبالُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
وَفِي المُرادِ بِالنَّجْمِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الثُّرَيّا، والفَرْقَدانِ، وبَناتُ نَعْشٍ، والجَدْيُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ الجَدْيُ، والفَرْقَدانِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الجَدْيُ وحْدَهُ، لِأنَّهُ أثْبَتُ النُّجُومِ كُلِّها في مَرْكَزِهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
والرّابِعُ: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، والمُرادُ جَمِيعُ النُّجُومِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقَرَأ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: ﴿ وَبِالنَّجْمِ ﴾ بِضَمِّ النُّونِ وإسْكانِ الجِيمِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: " وبِالنُّجُمِ " بِضَمِّ النُّونِ والجِيمِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: " وبِالنُّجُومِ " بِواوٍ عَلى الجَمْعِ.
وَفِي المُرادِ بِهَذا الِاهْتِداءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الِاهْتِداءُ إلى القِبْلَةِ.
والثّانِي: إلى الطَّرِيقِ في السَّفَرِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وأنْهارًا وسُبُلا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ ﴿ وَما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ ﴾ مَعْناهُ: بَثَّ ونَشَرَ، و"الذُرِّيَّةُ" مِن هَذا في أحَدِ الأقْوالِ في اشْتِقاقِها، وقَوْلُهُ: "ألْوانُهُ" مَعْناهُ: أصْنافُهُ، كَما تَقُولُ: هَذِهِ ألْوانٌ مِنَ الثَمَرِ ومِنَ الطَعامِ، ومِن حَيْثُ كانَتْ هَذِهِ المَبْثُوثاتُ في الأرْضِ أصْنافًا عُدَّتْ في النِعْمَةِ، وظَهَرَ الِانْتِفاعُ بِها أنَّهُ عَلى وُجُوهٍ، ولا يَظْهَرُ ذَلِكَ مِن حَيْثُ هي مُتَلَوِّنَةٌ حُمْرَةً وصُفْرَةً وغَيْرَ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَنْبِيهُ عَلى اخْتِلافِ الألْوانِ حُمْرَةً وصُفْرَةً، والأوَّلُ أبْيَنُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ ﴾ الآيَةُ، تَعْدِيدُ نِعَمِ اللهِ، وتَسْخِيرُ البَحْرِ هو تَمْكِينُ البَشَرِ مِنَ التَصَرُّفِ فِيهِ، وتَذْلِيلِهِ لِلرُّكُوبِ والأرْفادِ وغَيْرِهِ.
والبَحْرُ: الماءُ الكَثِيرُ مِلْحًا كانَ أو عَذْبًا، كُلُّهُ يُسَمّى بَحْرًا، والبَحْرُ هُنا اسْمُ جِنْسٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَمِنهُ أكْلُ اللَحْمِ الطَرِيِّ، ومِنهُ اسْتِخْراجُ الحِلْيَةٍ، وأكْلُ اللَحْمِ يَكُونُ مِن مِلْحِهِ وعَذْبِهِ، وإخْراجُ الحِلْيَةِ إنَّما هو -فِيما عُرِفَ- مِنَ المِلْحِ فَقَطْ، ومِمّا عُرِفَ مِن ذَلِكَ اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ والصَدَفُ والصُوفُ البَحَرِيُّ، وقَدْ يُوجَدُ في العَذْبِ لُؤْلُؤٌ لا يَلْبَسُ إلّا قَلِيلًا، وإنَّما يُتَداوى بِهِ، ويُقالُ: إنَّ في الزُمُرُّدِ بَحْرِيًّا، وقَدْ خُطِّئَ الهُذَلِيُّ في قَوْلِهِ في وصْفِ الدُرَّةِ.
فَجاءَ بِها مِن دُرَّةٍ لَطَمِيَّةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ فَجَعَلَها مِنَ الماءِ الحُلْوِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَأمَّلْ قَوْلُهُ: "يَمُوجُ" عَلى أنَّهُ وصَّفٌ بِرِيقِها ومائِيَّتِها فَشَبَّهَهُ بِماءِ الفُراتِ، ولَمْ يَذْهَبْ إلى الغَرَضِ الَّذِي خُطِّئَ فِيهِ.
و"اللَحْمُ الطَرِيُّ": السَمَكُ، و"الحِلْيَةُ": ما تُقَدِّمُ، و"الفُلْكَ" هُنا جَمْعٌ، و"مَواخِرَ" جُمَعُ ماخِرَةٍ، و"المَخْرُ" في اللُغَةِ الصَوْتُ الَّذِي يَكُونُ مِن هُبُوبِ الرِيحِ عَلى شَيْءٍ يُشَقُّ، أو يَصْحَبُ في الجُمْلَةِ الماءَ، فَيَتَرَتَّبُ مِنهُ أنْ يَكُونَ "المَخْرُ" مِنَ الرِيحِ، وأنْ يَكُونَ مِنَ السَفِينَةِ ونَحْوَها، وهو في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ السُفُنِ، ويُقالُ لِلسَّحابِ: "بَناتٌ مَخْرٌ" تَشْبِيهًا، إذْ في جَرْيِها ذَلِكَ الصَوْتُ الَّذِي هو عَنِ الرِيحِ، والماءُ الَّذِي في السَحابِ وأمْرُها يُشْبِهُ أمْرَ البَحْرِ، عَلى أنَّ الزَجاجَ قَدْ قالَ: "بَناتُ البَحْرِ": سَحابٌ بَيْضٌ لا ماءَ فِيها، وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: المَخْرُ في كَلامِ العَرَبِ: الشَقُّ، يُقالُ: مَخَرَ الماءُ الأرْضَ، فَهَذا بَيِّنٌ أنْ يُقالَ فِيهِ لِلْفُلْكِ: مَواخِرَ، وقالَ قَوْمٌ: "مَواخِرَ" مَعْناهُ: تَجِيءُ وتَذْهَبُ بِرِيحٍ واحِدَةٍ، وهَذِهِ الأقْوالُ لَيْسَتْ تَفْسِيرًا لِلَّفْظَةِ، وإنَّما أرادُوا أنَّها مَواخِرُ بِهَذِهِ الأحْوالِ، فَنَصُّوا عَلى هَذِهِ الأحْوالِ؛ إذْ هي مَوْضِعُ النِعَمِ المَعْدُدَةِ؛ إذْ نَفْسُ كَوْنِ الفُلْكِ ماخِرَةً لا نِعْمَةَ فِيهِ، وإنَّما النِعْمَةُ في مَخْرِها بِهَذِهِ الأحْوالِ في التِجاراتِ، والسَفَرِ فِيها، وما يَمْنَحُ اللهُ فِيها مِنَ الأرْباحِ والمِنَنِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: "المَخْرُ" في اللُغَةِ: صُوتُ هُبُوبِ الرِيحِ، ولَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِكَوْنٍ في ماءٍ، وقالَ: إنَّ مِن ذَلِكَ قَوْلَ واصِلٍ مَوْلى أبِي عُيَيْنَةَ: إذا أرادَ أحَدُكُمُ البَوْلَ فَلْيَتَمَخَّرَ الرِيحَ؛ أيْ: لِيَنْظُرَ في صَوْتِها في الأجْسامِ مِن أيْنَ تُهِبُّ، فَيَتَجَنَّبَ اسْتِقْبالَها لِئَلّا تَرُدُّ عَلَيْهِ بَوْلَهُ.
وقَوْلُهُ: "وَلِتَبْتَغُوا" عُطِفٌ عَلى قَوْلِهِ: "تَأْكُلُوا"، وهَذا ذِكْرُ نِعْمَةٍ لَها تَفاصِيلُ لا تُحْصى، وفِيهِ رُكُوبُ البَحْرِ لِلتِّجارَةِ وطَلَبِ الأرْباحِ، فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أسْبابٍ في تَسْخِيرِ البَحْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْقى في الأرْضِ ﴾ الآيَةُ.
قالَ المُتَأوِّلُونَ: "ألْقى" بِمَعْنى خَلْقَ وجَعْلَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وَهِيَ عِنْدِي أخَصُّ مِن خَلَقَ وجَعَلَ، وذَلِكَ أنَّ ألْقى تَقْتَضِي أنَّ اللهَ أحْدَثَ الجِبالَ لَيْسَ مِنَ الأرْضِ، لَكِنْ مِن قُدْرَتِهِ واخْتِراعِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا النَظَرُ ما رُوِيَ في القِصَصِ عَنِ الحَسَنِ عن قَيْسِ بْنِ عِبادٍ أنَّ اللهَ تَعالى لِما خَلَقَ الأرْضَ جَعَلَتْ تَمُورُ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: ما هَذِهِ بِمُقِرَّةٍ عَلى ظَهْرِها أحَدًا، فَأصْبَحَتْ ضُحًى وفِيها رَواسِيها، و"الرَواسِي": الثَوابِتُ، رَسا الشَيْءُ يَرْسُو إذا ثَبَتَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ في صِفَةِ الوَتَدِ: وأشْعَثَ تُرْسِيهِ الوَلِيدَةَ بِالفِهْرِ و"أنْ" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، و"المَيَدُ": الِاضْطِرابُ، وقَوْلُهُ: "أنْهارًا" مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: وجَعَلَ أو خَلَقَ أنْهارًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإجْماعُهم عَلى إضْمارِ هَذا الفِعْلِ دَلِيلٌ عَلى خُصُوصِ "ألْقى"، ولَوْ كانَ "ألْقى" بِمَعْنى "خَلَقَ" لَمْ يَحْتَجْ إلى الإضْمارِ.
و"السُبُلُ": الطُرُقُ، وقَوْلُهُ: "لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: ﴿ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ في مَشْيِكم وتَصَرُّفِكم في السُبُلِ، ويُحْتَمَلُ ﴿ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ بِالنَظَرِ في هَذِهِ المَصْنُوعاتِ عَلى صانِعِها، وهَذا التَأْوِيلُ هو البارِعُ؛ أيْ: سَخَّرَ وألْقى وجَعَلَ أنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّ البَشَرَ يَعْتَبِرُونَ ويَرْشِدُونَ، ولِتَكُونَ عَلاماتٍ.
<div class="verse-tafsir"
القول في هذا الاستدلال وإدماج الامتنان فيه كالقول فيما سبق.
وتقدّم الكلام على تسخير الفلك في البحر وتسخير الأنهار في أثناء سورة إبراهيم.
ومن تسخير البحر خلقه على هيئة يمكن معها السبح والسير بالفلك، وتمكين السابحين والماخرين من صيد الحيتان المخلوقة فيه والمسخّرة لحيل الصائدين.
وزيد في الامتنان أن لحم صيده طريّ.
و (مِن) ابتدائية، أي تأكلوا لحماً طريّاً صادراً من البحر.
والطريّ: ضد اليابس.
والمصدر: الطراوة.
وفعله: طَرو، بوزن خَشُن.
والحلية: ما يتحلّى به الناس، أي يتزينون.
وتقدم في قوله تعالى ﴿ ابتغاء حلية ﴾ في سورة الرعد (17).
وذلك اللؤلؤ والمَرجان؛ فاللؤلؤ يوجد في بعض البحار مثل الخليج الفارسي، والمرجان يوجد في جميع البحار ويكثر ويقلّ.
وسيأتي الكلام على اللؤلؤ في سورة الحجّ، وفي سورة الرحمان.
ويأتي الكلام على المَرجان في سورة الرحمن.
والاستخراج: كثرة الإخراج، فالسين والتاء للتأكيد مثل: استجاب لمعنى أجاب.
واللبس: جعل الثوب والعمامة والمصوغ على الجسد.
يقال: لبس التاج، ولبس الخاتم، ولبس القميص.
وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ قد أنزلنا عليكم لباسا ﴾ في سورة الأعراف (26).
وإسناد لباس الحلية إلى ضمير جمع الذكور تغليب، وإلا فإن غالب الحلية يلبسها النساء عدا الخواتيم وحلية السيوف.
وجملة وترى الفلك مواخر فيه} معترضة بين الجمل المتعاطفة مع إمكان العطف لقصد مخالفة الأسلوب للتعجيب من تسخير السير في البحر باستحضار الحالة العجيبة بواسطة فعل الرؤية.
وهو يستعمل في التعجيب كثيراً بصيغ كثيرة نحو: ولو ترى، وأرأيت، وماذا تَرى.
واجتلاب فعل الرؤية في أمثاله يفيد الحثّ على معرفة ذلك.
فهذا النظم للكلام لإفادة هذا المعنى ولولاها لكان الكلام هكذا: وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وتبتغوا من فضله في فُلْككٍ مواخرَ.
وعطف ﴿ ولتبتغوا ﴾ على ﴿ وتستخرجوا ﴾ ليكون من جملة النّعم التي نشأت عن حكمة تسخير البحر.
ولم يجعل علة لمخر الفلك كما جعل في سورة فاطر (12) ﴿ وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ﴾ لأن تلك لم تصدر بمنّة تسخير البحر بل جاءت في غرض آخر.
وأعيد حرف التعليل في قوله تعالى: ﴿ ولتبتغوا من فضله ﴾ لأجل البعد بسبب الجملة المعترضة.
والابتغاء من فضل الله: التجارة كما عبّر عنها بذلك في قوله تعالى ﴿ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم ﴾ في سورة البقرة (198).
وعطف ﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ على بقية العلل لأنه من الحكم التي سخّر الله بها البحر للناس حملاً لهم على الاعتراف لله بالعبودية ونبذهم إشراك غير ربّه فيها.
وهو تعريض بالذين أشركوا.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ المَواخِرَ المَواقِرُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّها الَّتِي تَجْرِي فِيهِ مُعْتَرِضَةً، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
الثّالِثُ: أنَّها تَمْخُرُ الرِّيحَ مِنَ السُّفُنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ؛ لِأنَّ المَخْرَ في كَلامِهِمْ هُبُوبُ الرِّيحِ.
الرّابِعُ: أنَّها تَجْرِي بِرِيحٍ واحِدَةٍ مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً، قالَهُ قَتادَةُ.
الخامِسُ: أنَّها الَّتِي تَشُقُّ الماءَ مِن عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ؛ لِأنَّ المَخْرَ في كَلامِهِمْ شَقُّ الماءِ وتَحْرِيكُهُ قالَهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِالتِّجارَةِ فِيهِ.
الثّانِي: بِما تَسْتَخْرِجُونَ مِن حِلْيَتِهِ، وتَأْكُلُونَهُ مِن لُحُومِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ ﴾ في العَلاماتِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مَعالِمُ الطَّرِيقِ بِالنَّهارِ، وبِالنُّجُومِ يَهْتَدُونَ بِاللَّيْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها النُّجُومُ أيْضًا لِأنَّ مِنَ النُّجُومِ ما يُهْتَدى بِها، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والنَّخَعِيُّ.
الثّالِثُ: أنَّ العَلاماتِ الجِبالُ.
وَفي ﴿ النَّجْمُ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جَمَعَ النُّجُومَ الثّابِتَةَ، فَعَبَّرَ عَنْها بِالنَّجْمِ الواحِدِ إشارَةً إلى الجِنْسِ.
الثّانِي: أنَّهُ الجَدْيُ وحْدَهُ لِأنَّهُ أثْبَتَ النُّجُومِ كُلِّها في مَرْكَزِهِ.
وَفي المُرادِ بِالِاهْتِداءِ بِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ الِاهْتِداءَ بِها في جَمِيعِ الأسْفارِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ الِاهْتِداءَ بِهِ في القِبْلَةِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ ﴾ قالَ: (هُوَ الجَدْيُ يا ابْنَ عَبّاسٍ عَلَيْهِ قِبْلَتُكم، وبِهِ تَهْتَدُونَ في بَرِّكم وبَحْرِكُمْ)» .
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا تَحْفَظُوها، قالَ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: لا تَشْكُرُوها وهو مَأْثُورٌ.
وَيَحْتَمِلُ المَقْصُودُ بِهَذا الكَلامِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ خارِجًا مَخْرَجَ الِامْتِنانِ تَكْثِيرًا لِنِعْمَتِهِ أنْ تُحْصى.
الثّانِي: أنَّهُ تَكْثِيرٌ لِشُكْرِهِ أنْ يُؤَدّى.
فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ خارِجًا مَخْرَجَ الِامْتِنانِ.
وَعَلى الوَجْهِ الثّانِي خارِجًا مَخْرَجَ الغُفْرانِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم، عن مطر أنه كان لا يرى بركوب البحر بأساً، وقال: ما ذكره الله في القرآن إلا بخير.
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر: أنه كان يكره ركوب البحر إلا لثلاث: غازٍ أو حاج أو معتمر.
وأخرج عبد الرزاق، عن علقمة بن شهاب القرشي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يدرك الغزو معي فليغز في البحر، فإن أجر يوم في البحر كأجر يوم في البر وإن القتل في البحر، كالقتلتين في البر، وإن المائد في السفينة، كالمتشحط في دمه، وان خيار شهداء أمتي أصحاب الكف، قالوا.
وما أصحاب الكف يا رسول الله؟
قال: قوم تتكفأ بهم مراكبهم في سبيل الله» .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص، عن كعب الأحبار: إن الله قال للبحر الغربي حين خلقه: قد خلقتك فأحسنت خلقك وأكثرت فيك من الماء وإني حامل فيك عباداً لي يكبروني ويهللوني ويسبحوني ويحمدوني، فكيف تعمل بهم؟
قال: أغرقهم، قال الله: إني أحملهم على كفي، وأجعل بأسك في نواحيك، ثم قال للبحر الشرقي: قد خلقتك فأحسنت خلقك، وأكثرت فيك من الماء، وإني حامل فيك عباداً لي يكبروني ويهللوني ويسبحوني ويحمدوني، فكيف أنت فاعل بهم؟
قال أكبرك معهم، وأحملهم بين ظهري وبطني، فأعطاه الله الحلية والصيد الطيب.
وأخرج البزار، عن أبي هريرة قال: كلم الله البحر الغربي، وكلم الشرقي، فقال للبحر الغربي: إني حامل فيك عباداً من عبادي، فما أنت صانع بهم؟
قال: أغرقهم.
قال: بأسك في نواحيك، وحرمه الحلية والصيد وكلم هذا البحر الشرقي، فقال: إني حامل فيك عباداً من عبادي، فما أنت صانع بهم؟
قال: أحملهم على يدي، وأكون لهم كالوالدة لولدها، فأثابه الحلية والصيد.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً ﴾ يعني حيتان البحر ﴿ وتستخرجوا منه حلية تلبسونها ﴾ قال هذا اللؤلؤ.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ لتأكلوا منه لحماً طرياً ﴾ قال هو السمك وما فيه من الدواب.
وأخرج ابن أبي شيبة عن قتادة: إنه سئل عن رجل قال لامرأته: إن أكلت لحماً فأنت طالق؟
فأكلت سمكاً، قال: هي طالق.
قال الله: ﴿ لتأكلوا منه لحماً طرياً ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة، عن عطاء قال: يحنث قال الله: ﴿ لتأكلوا منه لحماً طرياً ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة، عن أبي جعفر قال: ليس في الحلي زكاة، ثم قرأ ﴿ وتستخرجوا منه حلية تلبسونها ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وترى الفلك مواخر ﴾ قال جواري.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ قال تمخر السفن الرياح، ولا تمخر الريح من السفن، إلا الفلك العظام.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ قال تشق الماء بصدرها.
وأخرج ابن ألمنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ قال السفينتان تجريان بريح واحدة؛ كل واحدة مستقبلة الأخرى.
وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ قال تجري بريح واحدة مقبلة ومدبرة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ ولتبتغوا من فضله ﴾ قال هو التجارة والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ ﴾ أي ذَلَّله للركوب والغوص، ﴿ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا ﴾ قال ابن الأعرابي: لحم طري غير مهموز، وقد طرو طرواة.
وقال الفراء في "المصادر": ما كان طريًّا، ولقد طري يطرى طراءً ممدود وطراوةً، كما يقال: شقي يشقى شقاءً وشقاوةً، قال ابن عباس: يريد السمك والحيتان (١) ﴿ وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ﴾ قال: يريد الدر واللؤلؤ والمرجان والزبرجد والياقوت، وربما وجدوا فيه الذهب.
قال أبو علي: الحِلْيَة والحُلِي واحد، كما يقال: بِرْكَة للمصدر وبِرَك (٢) وقوله تعالى: ﴿ وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ ﴾ يجوز أن يكون هذا فصلاً مبتدأً غير معطوف على ما قبله، ويجوز أن يكون معطوفًا على ما قبله.
واختلف ألفاظ المفسرين في تفسير الماخر؛ فروى ابن عباس أنه قال: جواري (٣) (٤) قال الكلبي: يذهب ويجيء (٥) وقال الحسن: مواقر (٦) وقال أبو عبيدة: صوائح (٧) (٨) قال المنذري: سمعت أحمد بن يحيي يقول وسئل عن المواخر، فقال: الماخرةُ السفينةُ التي تَمْخَرُ الماءَ؛ تدفعه وتدفع الموج بصدرها (٩) وصارَ أمثالَ الفغا ضرائري ...
مُقَدِّماتٍ أَيْدِيَ المَواخِرِ (١٠) قال: الماخِرُ: الذي يَشقُّ الماءَ إذا سَبحَ، يصف نساءً تَصْخَبْنَ وتَسْتعِنَّ بأيديهن كأنهن سوابح (١١) (١٢) وقال أبو الهيثم: مَخْرُ السفينةِ: شَقُّها الماءَ بصدرها (١٣) وقال الفراء: يقال: مَخَرَتْ تَمْخُرُ وتَمْخَرُ (١٤) قال الأزهري: والقول في تفسير المواخر ما قاله ثعلب وأبو الهيثم؛ أنها تشق الماء شقًّا (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ﴾ يعني لتركبوا للتجارة فتطلبوا الربح من فضل الله.
(١) ورد غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 200 ب، والسمرقندي 2/ 230، والثعلبي 2/ 155أ، والبغوي 3/ 64.
(٢) لم أقف على مصدره، وانظر: "اللسان" (حلا) 2/ 985، بنحوه منسوبًا إليه.
(٣) ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 155 أ، بلفظه، وورد غير منسوب في البغوي 3/ 64.
(٤) أخرج عبد الرزاق في "مصنفه" 2/ 354 بلفظه عن قتادة، والطبري 14/ 89 بلفظه عن قتادة من طريقين، ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 155 أ، بلفظه عنهما، والماوردي 3/ 182، عن قتادة، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 12، عن قتادة.
(٥) ورد بلا نسبة في "تفسير السمرقندي" 2/ 231، وابن عطية 8/ 386، وورد منسوبًا للضحاك في: "معاني القرآن" للنحاس 4/ 59.
(٦) أخرجه الطبري 14/ 88 بلفظه، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 155 أ، و"تفسير الماوردي" 3/ 182.
(٧) "مجاز القرآن" 1/ 357 بمعناه، قال: من مخرت الماء، شقَّته بجآجِئها.
(٨) قال: واحدها ماخرة؛ وهو صوت جري الفلك بالرياح.
"معاني القرآن" 2/ 98.
(٩) ورد في "تهذيب اللغة" (مخر) 4/ 3356، بنصه.
(١٠) نُسب لابن السِّكِّيت في التهذيب واللسان.
ورد في "التهذيب" (مخر) 4/ 3356 برواية: يافِىَّ مالِي عَلِقَتْ ضَرَائري ...
مقدماتٍ أيديَ المواخِرِ وورد صدره في (فغا) في "تهذيب اللغة" 3/ 2809، و"اللسان" 6/ 3442، وورد عجزه في "مقاييس اللغة" 5/ 303، و"مجمل اللغة" 2/ 825، بلا نسبة فيهما، و"اللسان" (مخر) 7/ 4152.
(١١) ورد في "تهذيب اللغة" (مخر) 4/ 3356، بنحوه.
(١٢) وهو قول الليث، ورد في "تهذيب اللغة" (فغا) 3/ 3809، وقد خطأه الأزهري، == فقال: هذا خطأ، والفغا: داءٌ يقع على البُسر مثل الغُبار، ويقال: ما الذي أفغاك، أي أغضبك وأورمك، وقال أبو عبيد: إذا غَلُظت التمرةُ وصار فيها مثل أجنحة الجراد فذلك الفغا مقصور، وقد أفغت النَّخلة.
(١٣) ورد في "تهذيب اللغة" (مخر) 4/ 3356، بنصه.
(١٤) "معاني القرآن" للفراء 2/ 98، بنصه، وهو في "تهذيب اللغة" بنصه.
(١٥) "تهذيب اللغة" (مخر) 4/ 3356، وعبارته: قلت: والمخْرُ أصله الشَّقُّ.
(١٦) ورد في "تهذيب اللغة" بنحوه.
(١٧) ورد في "تهذيب اللغة"، بنحوه، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 155 أ، برواية: (البول) بدل (الخلاء)، وأورده الطبري بهذه الرواية ونسبه لواصل مولى ابن عيينة 14/ 89، وورد في "تفسير البغوي" 5/ 13، وفي "النهاية" برواية: (إذا بال أحدكم فليتمخر الريح) 4/ 305، وورد بمعناه في "المجروحين" لابن حبان 3/ 108 ، قال: (إذا أراد أحدكم الخلاء فلا يستقبل الريح).
(١٨) "الغريب" لأبي عبيد 1/ 312 بنصه، وانظر: "تهذيب اللغة" (مخر) 4/ 3356، بنصه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأرض ﴾ يعني الحيوان والأشجار والثمار وغير ذلك ﴿ مُخْتَلِفاً ألوانه ﴾ أي أصنافه وأشكاله ﴿ لَحْماً طَرِيّاً ﴾ يعني الحوت ﴿ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ﴾ يعني الجواهر والمرجان ﴿ مَوَاخِرَ فِيهِ ﴾ جمع ماخرة يقال: مخرت السفينة، والمخر: شق الماء، وقيل: صوت جري الفلك بالرياح ﴿ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ يعني في التجارة وهو معطوف على لتأكلوا.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تشركون ﴾ وما بعده بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف.
والآخرون على الغيبة ﴿ تنزل ﴾ بالفتحات الثلاث ﴿ الملائكة ﴾ بالرفع: سهل وروح وزيد وأبو زيد مثله لكن بضم التاء الفوقانية: جبلة ﴿ ينزل ﴾ من الإنزال ﴿ الملائكة ﴾ بالنصب: ابن كثير وأبو عمرو ورويس: والباقون بالتشديد من التنزيل.
﴿ بشق الأنفس ﴾ بفتح الشين: يزيد.
الباقون بكسرها ﴿ ننبت ﴾ بالنون: يحيى وحماد.
الآخرون بياء الغيبة ﴿ والشمس والقمر والنجوم مسخرات ﴾ كلها مرفوعات: ابن عامر وافق حفص والمفضل ﴿ في النجوم مسخرات ﴾ الباقون: بنصب الجميع على أن ﴿ مسخرات ﴾ حال.
﴿ يسرون ويعلنون ﴾ بالياء التحتانية فيهما: الخزاز عن هبيرة.
الآخرون بتاء الخطاب ﴿ يدعون ﴾ على الغيبة: سهل ويعقوب وعاصم غير الأعشى.
الباقون على الخطاب.
الوقوف: ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ فاتقون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ج ﴿ خلقها ﴾ ج لاحتمال تمام الكلام واحتمال أن يكون ﴿ لكم ﴾ متعلقاً به والوقف حينئذٍ على ﴿ لكم ﴾ ﴿ تأكلون ﴾ ه ص للعطف ﴿ تسرحون ﴾ ه ص لذلك ﴿ الأنفس ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه لا لأن ﴿ الخيل ﴾ مفعول ﴿ خلق ﴾ ﴿ وزينة ﴾ ط ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ جائر ﴾ ط ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ تسيمون ﴾ ه ﴿ الثمرات ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ والنهار ﴾ ط لمن قرأ ﴿ والشمس ﴾ وما بعده بالرفع ومن نصب ﴿ الشمس والقمر ﴾ ورفع ﴿ النجوم ﴾ وقف على ﴿ القمر ﴾ ومن نصب الكل وقف على ﴿ بأمره ﴾ ﴿ بأمره ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ سخر ﴾ ﴿ ألوانه ﴾ ط ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ تلبسونها ﴾ ج لأن قوله ﴿ وترى ﴾ فعل مستأنف مع اتصال المعنى.
﴿ تشكرون ﴾ ه لا ﴿ تهتدون ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ وعلامات ﴾ عطف على ﴿ سبلاً ﴾ ﴿ وعلامات ﴾ ط ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ لا يخلق ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ لا تحصوها ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وما تعلنون ﴾ ه ﴿ وهم يخلقون ﴾ ه ط لأن التقدير: هم أموات ﴿ غير أحياء ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ وما يشعرون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ واحد ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء ﴿ مستكبرون ﴾ ه ﴿ وما يعلنون ﴾ ه ﴿ المستكبرين ﴾ ه.
التفسير: هذه السورة تسمى سورة النعم أيضاً، وحكى الأصم عن بعضهم أن كلها مدنية.
وقال الآخرون: من أولها إلى قوله: ﴿ كن فيكون ﴾ مدنية وما سواه مكي.
وعن قتادة بالعكس منه.
قال أهل النظم: إن رسول الله كان يخوفهم بعذاب الدنيا تارة وهو القتل والاستيلاء عليهم كما حصل في يوم بدر، وتارة بعذاب القيامة.
ثم إن القوم لما لم يشاهدوا شيئاً من ذلك أقبلوا على تكذيبه وكانوا يستعجلون ما وعدوا به استهزاء.
وروي أنه لما نزلت ﴿ اقتربت الساعة ﴾ قال الكفار فيما بينهم: إن هذا يزعم أن القيامة قد اقتربت فأمسكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو كائن.
فلما تأخرت قالوا: ما نرى شيئاً فنزلت ﴿ اقترب للناس حسابهم ﴾ فأشفقوا وانتظروا قربها، فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئاً مما تخوفنا به فنزلت ﴿ أتى أمر الله ﴾ فوثب رسول الله ورفع الناس رؤوسهم فنزلت ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ فاطمأنوا.
والحاصل أن قوله: ﴿ أتى أمر الله ﴾ جواب عن شبهتهم إجراء لما يجب وقوعه مجرى الواقع كما يقال لمن طلب الإغاثة وقرب حصولها: جاءك الغوث فلا تجزع.
أو المراد أن ﴿ أمر الله ﴾ بذلك وحكمه قد وقع وأتى.
فأما المحكوم به فإنما لم يقع لأنه حكم بوقوعه في وقت معين فقبل مجيء ذلك الوقت لا يخرج إلى الوجود فلا تسعجلوه ولا تطلبوا حصوله قبل حضور ذلك الوقت.
ثم إن المشركين كأنهم قالوا: هب يا محمد أنا سلمنا صحة ما تقول من أنه حكم بإنزال العذاب علينا إما في الدنيا وإما في الآخرة إلا أنا نعبد هذه الأصنام لأنها شفعاؤنا عند الله فكيف نستحق العذاب بسبب هذه العبادة؟
فأجاب الله عن هذه الشبه بقوله: { وتعالى عما يشركون} كما مر في أول سورة يونس.
والمراد تنزيه نفسه عن الأضداد والأنداد وأن يكون لأحد من الأرواح والأجساد أن يشفع عنده إلا بإذنه، أو يستعجل في حكم من أحكامه، أو قضية قبل أوانه.
ثم إنهم كأنهم قالوا سلمنا أنه أن يقضي على طائفة باللطف وعلى الآخرين.
بالقهر ولكن كيف صرت واقفا على أسرار الله في ملكه وملكوته دوننا، من أين حصل لك هذا الفضل علينا؟
فأزال الله شبهتهم بقوله: ﴿ ينزل الملائكة ﴾ الآية.
والمراد أن له بحكم المالكية أن يختص بعض عبيده بإنزال الوحي عليه ويأمره بأن يكلف سائر العباد بمعرفة توحيد الله وبعبادته، فظهر بهذا البيان أن هذه الآيات منتظمة على أحسن الوجوه.
قال الواحدي: روى عطاء عن ابن عباس أنه أراد بالملائكة ههنا جبرائيل وحده، وتسمية الواحد بالجمع إذا كان رئيساً مطاعاً جائزة.
وعلى هذا التفسير فالمراد بالروح كلام الله تعالى كقوله: ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ﴾ قال المحققون: الروح الأصلي هو القرآن الذي فيه بيان المبدأ والوسط والمعاد، فبه يحصل إشراق العقل، وبالعقل يكمل ضياء جوهر الروح، وبالروح يكمل حال الجسد فهو الأصل والباقي فرع عليه وبهذه المناسبة يسمى جبرائيل روحاً وعيسى روحاً.
وعن أبي عبيدة أن الروح ههنا جبرائيل، والباء بمعنى "مع" أي تنزل الملائكة مع جبرائيل.
وذلك أنه في أكثر الأحوال كان ينزل ومعه أقوام من الملائكة كما في يوم بدر وحنين، وكان ينزل على رسول الله ملك الجبال وملك البحار وخزان الجنة وغيرهم.
قال في الكشاف: ﴿ بالروح من أمره ﴾ أي بما يحيي القلوب الميتة بالجهل من وحيه، أو بما يقوم في الدين مقام الروح في الجسد وقال غيره: من أمره معناه أن ذلك التنزيل والنزول لا يكون إلا بأمر الله كقوله { ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ قال الزجاج: ﴿ أن أنذروا ﴾ بدل من "الروح" أي ينزلهم بأن أنذروا.
و"أن" إما مفسرة لأن تنزيل الوحي فيه معنى القول، وإما مخففة من الثقيلة وضمير الشأن مقدر أي بأن الشأن أقول لكم أنذروا أي أعلموا الناس قولي: ﴿ لا إله إلا أنا ﴾ وهو إشارة إلى استكمال القوة النظرية.
وقوله: ﴿ فاتقون ﴾ رمز إلى استكمال القوة العملية ومنه يعلم أن النفس متى كملت من هاتين الجهتين حصل لها روح حقيقي وحياة أبدية وسعادة سرمدية.
قال الإمام فخر الدين الرازي: إنا لا نعلم كون جبريل صادقاً ولا معصوماً من الكذب والتلبيس إلا بالدلائل السمعية، وصحة الدلائل السمعية موقوفة على صدق محمد ، وصدقه يتوقف على أن هذا القرآن معجز من قبل الله لا من قبل شيطان خبيث، والعلم بذلك يتوقف على العلم بأن جبرائيل صادق مبرأ عن التلبيس وأفعال الشياطين، وحينئذٍ يلزم الدور وهذا مقام صعب.
أقول: قد ذكرنا مراراً أن الفرق بين المعجز والسحر هو أن صاحب المعجز يدعو إلى الخير، وصاحب السحر يدعو إلى الشر، والفرق بين الملك والشيطان هو أن الملك يلهم بالخير، والشيطان يوسوس بضده وإذا كان الأمر كذلك فكيف تشتبه المعجزة بالسحرة وجبرائيل بإبليس ومن أين يلزم الدور؟
ولما بين الله أن روح الأرواح وروح الأجسام هو أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل أن يعمل به، أتبعه دلائل التوحيد مبتدئاً من الأشرف وهو السماويات إلى الأدون - وهو الأرضيات - فقال: ﴿ خلق السموات والأرض بالحق ﴾ وقد مر تفسير مثله مراراً.
وقوله: ﴿ تعالى عما يشركون ﴾ تنزيه لذاته عمن يشاركه في الأزلية والقدم والتدبير والتأثير والصنع والإبداع.
فالفائدة المطلوبة من هذا الكلام غير الفائدة المطلوبة من مثله في أول السورة كما ذكرنا فلا تكرار.
ثم إن أشرف الأجسام بعد الفلكيات بدن الإنسان فلهذا عقب المذكور بقوله: ﴿ خلق الإنسان من نطفة ﴾ قالت الأطباء: إن الغذاء إذا وصل إلى المعدة حصل له هناك هضم، وإذا وصل إلى الكبد حصل له فيها هضم ثانٍ، وفي العروق له هضم ثالث، وفي جواهر الأعضاء هضم رابع، وحينئذٍ يصير جزءاً من العضو المغتذى شبيهاً به، ثم عند استيلاء الحرارة على البدن وقت هيجان الشهوة يحصل ذوبان لجملة الأعضاء وتجتمع منه النطفة في أوعيتها، وعلى هذا تكون النطفة جسماً مختلفة الأجزاء والطبائع، وإن كانت تخيل في الحس أنها متشابهة الأجزاء.
وكيفما كان فالمقتضي لتولد البدن منها ليس هي الطبيعة الحاصلة لجوهر النطفة ودم الطمث، لأن الطبيعة تأثيرها بالذات والإيجاب لا بالتدبير والاختيار، والقوّة الطبيعة إذا عملت في مادة متشابهة الأجزاء وجب أن يكون فعلها هو الكرة.
وعلى هذا الحرف عول الحكماء في قولهم: البسائط يجب أن تكون أشكالها الطبيعة في الكرة، وإذا عملت في مادة مختلفة الأجزاء وكل مركب فإنه ينحل إلى بسائط فإنه يلزم أن يكون الحيوان على شكل كرات مضموم بعضها إلى بعض، وكلا الأمرين غير مطابق للواقع، فعلمنا أن حدوث هذه الأعضاء على هذا الترتيب الخاص ليس بالطبيعة وإنما هو بتدبير الفاعل المختار وهو الله ، وكيف لا والنطفة رطوبة سريعة الاستحالة؟
فالأجزاء الموجودة فيها لا تحفظ الوضع والنسبة، فالجزء الذي هو مادة الدماغ يمكن حصوله في الأسفل، والجزء الذين هو مادة القلب قد يحصل في الفوق، فلا يكون حدوث أعضاء الحيوان على هذا الترتيب الخاص دائماً ولا أكثرياً، وحيث كان كذلك علمنا أن حدوثها بإحداث مدبر مختار.
ثم إن نزلنا عن جميع هذه المراتب فلا خلاف بين الحكم وبين المتكلم أن الطبيعة خرقاء وأنها ليست واجبة الوجود لذاتها فلا بد من الانتهاء الى الصانع الحكيم الخبير.
أما قوله: ﴿ فإذا هو خصم مبين ﴾ فقد ذكروا فيه وجهين: الأول فإذا هو منطيق مجادل عن نفسه مبين للحجة بعد أن كان نطفة لا حس به ولا حراك.
وتقرير ذلك أن النفوس الإنسانية في أول الفطرة أقل فهماً وذكاء من نفوس سائر الحيوانات، ألا ترى أن ولد الدجاجة كما يخرج من البيضة يعرف الصديق من العدو فيهرب من الهرة ويلتجىء إلى الأم ويميز بين الغذاء الذي يوافقه والذي لا يوافقه.
وحال الطفل بخلاف ذلك فانتقاله من تلك الحالة الخسيسة إلى أن يقوى على معرفة الإلهيات والفلكيات والعنصريات وعلى إيراد الشكوك والشبهات على النتائج والمقدمات إنما يكون بتدبير إله مختار قدير ينقل الأرواح من النقصان إلى الكمال ومن الجهالة إلى المعرفة.
الوجه الثاني أن المراد فإذا هو خصيم لربه منكر على خالقه قائل من يحيي العظام وهي رميم.
فعلى الوجه الأول جوز أن يكون الخصيم "فعيلاً" بمعنى "مفاعل" كالأكيل والشريب، وأن يكون بمعنى مختصم، وعلى الوجه الثاني تعين كونه بمعنى "مفاعل" والترجيح من الوجهين للأول بناء على أن هذه الآيات مسوقة لتقرير الدلائل على وجود الصانع الحكيم وقدرته لا لأجل وصف الإنسان بالتمادي في القحة والكفران.
وقد يرجح الثاني بما روي أن أبيّ بن خلف الجمحي جاء بعظم رميم إلى رسول الله صلى الله عليه فقال: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رم؟
فنزلت.
ثم أردف تكوين الإنسان بتكوين الحيوانات التي ينتفع بها الإنسان في ضروراته من الأكل والركوب وجر الأثقال وفي غير الضروريات من الأغراض الصحيحة كالتزيين والجمال فقال: ﴿ والأنعام خلقها ﴾ هي الأزواج الثمانية المذكورة في سورة الأنعام وهي: الضأن والمعز والإبل والبقر.
وإن شئت قلت: الإبل والبقر والغنم.
قال في الكشاف: وأكثر ما يقع هذا اللفظ على الإبل: قلت: ويمكن أن يستدل على ذلك بقوله بعد ذلك: ﴿ وتحمل أثقالكم ﴾ لأن هذا الوصف لا يليق إلا بالإبل.
وانتصابها بمضمر يفسره الظاهر.
ويجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ الإنسان ﴾ أي خلق الإنسان والأنعام.
ثم قال: ﴿ خلقها لكم ﴾ أي ما خلقها إلا لكم ولمصالحكم يا جنس الإنسان.
قال صاحب النظم: وأحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله: ﴿ خلقها ﴾ بدليل أنه عطف عليه قوله: ﴿ ولكم فيها جمال ﴾ والدفء اسم ما يدفأ به كالملء اسم ما يملأ به وهو الدفاء من لباس معمول من صوف أو وبر أو شعر.
قال الجوهري: الدفء نتاج الإبل وألبانها وما ينتفع به منها، والدفء أيضاً السخونة.
وقوله: ﴿ ومنافع ﴾ قالوا: المراد نسلها ودرّها، والمنافع بالحقيقة أعم من ذلك فقد ينتفع بها في البيع والشراء بالنقود والأثواب وبسائر الحاجات.
أما قوله: ﴿ ومنها تأكلون ﴾ بتقديم الظرف المؤذن بالاختصاص فلأن الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في مآكلهم عادة، وأما الأكل من غيرها كالدجاج وصيد البر والبحر فكغير المعتد به الجاري مجرى التفكه، ويحتمل أن يراد أن غالب أطعمتكم إنما يحصل منها لأنكم تحرثون بالبقر وتكتسبون بإكراء الإبل وتشترون بنتاجها وألبانها وجلودها جميع ما تشتهون من الأطعمة.
قوله: ﴿ حين تريحون ﴾ الإراحة رد الإبل إلى مراحها حيث تأوي إليه ليلاً ويقال: سرح القوم إبلهم سرحاً إذا أخرجوها بالغداة إلى المرعى.
وقدم الإراحة لأن الجمال فيها أظهر حين تقبل ملأى البطون حافلة الضروع ثم تأوي إلى الحظائر حاضرة لأهلها.
قوله: ﴿ بشق الأنفس ﴾ من قرأ بفتح الشين فمعناه المشقة فيكون مصدر شق الأمر عليه شقاً وحقيقته راجعة إلى الشق الذي هو الصدع.
ومن قرأ بالكسر فمعناه النصف كأنه يذهب نصف قوته لما يناله من الجهد.
قال جار الله.
معنى المضي في قوله: ﴿ لم تكونوا ﴾ راجع إلى الفرض والتقدير: أي لو لم يخلق الإبل لم تكونوا إلا كذلك.
وإنما لم يقل "لم تكونوا حامليها إلى ذلك البلد" ليطابق قوله: ﴿ وتحمل أثقالكم ﴾ لأجل المبالغة كأنه قيل: قد علمتم أنكم لا تبلغونه بأنفسكم إلا بجهد ومشقة وذهاب قوة فضلاً أن تحملوا على ظهوركم أثقالكم ويجوز أن يكون العائد إلى الأثقال محذوفاً أي لم تكونوا بالغيها إلا بالشق، أو المراد بالأثقال الأجساد، عن ابن عباس أنه فسر البلد بمكة إلى اليمن وإلى الشام وإلى مصر، قال الواحدي: هذا قوله والمراد كل بلد لو تكلفتم بلوغه على غير إبل شق عليكم.
وخص ابن عباس هذه البلاد لأنها أكثر متاجر أهل مكة ﴿ إن ربكم لرءُوف رحيم ﴾ وإلا لم يخلق هذه الحوامل لأجل تيسير هذه المصالح.
احتج منكرو الكرامات بالآية على امتناع طي الأرض كما ينقل عن بعض الأولياء.
والجواب أن الامتناع العادي لا ينافي الإمكان الذاتي.
﴿ والخيل والبغال والحمير ﴾ معطوفات على الأنعام أي وخلق هؤلاء للركوب والزينة فانتصب على أنه مفعول له معطوف على محل ﴿ لتركبوها ﴾ وإنما لم يقل و "لتتزينوا بها" ليكون المعطوف والمعطوف عليه على سنن واحد لأن الركوب فعل المخاطبين، وأما الزينة ففعل الزائن وهو الخالق.
والتحقيق فيه أن الركوب أحد الأمور المعتبرة في المقصود بخلاف التزين بالشيء فإنه قلما يلتفت إليه أرباب الهمم العالية لأنه يورث العجب والتيه غالباً وكأنه قال: خلقتها لتركبوها فتدفعوا عن أنفسكم بواسطتها ضرر الإعياء والمشقة، وأما التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر ولكنه غير مقصود بالذات.
احتجت المعتزلة القائلون بأن أفعال الله معللة بالمصالح بأن قوله: ﴿ لتركبوها ﴾ يقتضي أن هذه الحيوانات مخلوقة لهذه المصلحة.
والجواب أن استتباع الغاية والفائدة مسلم ولكن التعليل ممنوع، واحتج الحنفية بالآية على تحريم لحوم الخيل من وجوه: أحدها إفراد هذه الأنواع الثلاثة بالذكر فيجب اشتراك الكل في الحكم، لكن البغال والحمير محرمان فكذا الخيل.
ثانيها أن منفعة الأكل أعظم منة من الركوب والتزين فلو كان أكل لحم الخيل جائزاً لكان هذا المعنى أولى بالذكر.
وثالثها أن قوله فيما قبل: ﴿ ومنها تأكلون ﴾ يقتضي الحصر فيجب أن لا يجوز أكل ما عدا الأنعام إلا بدليل منفصل والأصل عدمه ورابعها أن قوله: ﴿ لتركبوها ﴾ يقتضي أن تمام المقصود من خلق هذه الأشياء الثلاثة هو الركوب والزينة، فلو كان حل أكلها مقصوداً لزم أن يكون ما فرض تمام المقصود بعض المقصود هذا محال.
والجواب أن تحريم الخيل محل النزاع وتحريم الحمير بنص الكتاب ممنوع لما روي عن جماعة من الصحابة أنه نهى عام خيبر عن لحوم الحمر الأهلية.
فلو كان للآية دلالة على تحريم لحم الخيل لفهموه منها قبل ذلك العام لأن الآية مكية عند الأكثرين، ولو فهموا التحريم قبل ذلك لم يبقَ لتخصيص التحريم بهذه السنة فائدة.
وإذا لم يكن الحمير والخيل محرمين لم يكن لتحريم البغال المتولدة منهما وجه.
وأيضاً كون معظم المنة في الأكل بالنسبة إلى هذه الأنواع ممنوع بل الركوب والزينة هما أعظم المنافع فيها ولهذا جعلا تمام المقصود منها، فكأنما أعطى الأكثر والمعظم حكم الكل.
واقتضاء الحصر في قوله: ﴿ ومنها تأكلون ﴾ ممنوع بل لعل الظرف قدم لرعاية الفاصلة.
ثم إن أنواع الغرائب والعجائب المخلوقة في هذا العالم لا حد لها ولا حصر فلهذا أشار إلى ما بقي منها على سبيل الإجمال فقال: ﴿ ويخلق ما لا تعلمون ﴾ أي كنهه وتفاصيله بل نوعه وجنسه فإن مركبات العالم السفلي وغرائب العالم العلوي لا يعلمها إلا موجدها.
روى عطاء ومقاتل والضحاك عن ابن عباس أنه قال: إن عن يمين العرش نهراً من نور مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبعة، يدخل فيه جبرائيل كل سحر ويغتسل فيزداد نوراً إلى نوره وجمالاً إلى جماله، ثم ينتفض فيخلق الله من كل نقطة تقع من رأسه كذا وكذا ألف ملك يدخل منهم كل يوم سبعون ألف ملك البيت المعمور، وفي الكعبة أيضاً سبعون ألفاً ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة.
وقيل: المراد ما خلق في الجنة والنار مما لم يبلغه فيهم أحد ولا وهمه.
ولما ذكر بعض دلائل التوحيد بين أنه إنما ذكرها إزاحة للعذر وإزالة للشبهة ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة فقال: ﴿ وعلى الله قصد السبيل ﴾ ذكر صاحب الكشاف أن السبيل للجنس والقصد مصدر بمعنى الفاعل يقال: قصد وقاصد أي مستقيم كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه، والجور الميل عن الاستقامة.
احتجت المعتزلة بالآية على مسألتين من أصولهم: إحداهما أنه يجب على الله الإرشاد والهداية لأن كلمة، "على" للوجوب والمضاف محذوف أي وعلى الله بيان قصد السبيل؛ فالمعنى أن هداية الطريق الموصل إلى الحق واجبة عليه.
والثانية أنه لا يضل أحداً ولا يغويه وإلا لقيل وعلى الله قصد السبيل وعليه جائرها أو وعليه الجائر فلما غير أسلوب الكلام قائلاً: ﴿ ومنها جائر ﴾ دل على أنه أراد أن يبين ما يجوز إضافته إليه من السبيلين وما لا يجوز.
والجواب عن الأول بعد تسليم إفادة كلمة "على" الوجوب أنه وجوب بحسب الفضل والكرم لا بمعنى استحقاق الذم على الترك.
وعن الثاني أن دلالة قوله: ﴿ ومنها جائر ﴾ على ما ذكرتم ليست دلالة المطابقة ولا التضمن ولا الالتزام، لأن قول القائل "من السبيل سبل منحرفة" لا يفيد إلا الإخبار بوجود الانحراف في بعض السبيل، فأما أن فاعل تلك السبيل من هو فلا دلالة للكلام عليه أصلاً على أن قوله: ﴿ ولو شاء لهداكم أجمعين ﴾ يناقض ما ادعيتم.
وتفسير المشيئة بمشيئة الإلجاء والقسر أو بالهداية إلى الجنة خلاف الظاهر كما مر مراراً.
ولما استدل على وجود الصانع الحكيم بعجائب أحوال الحيوانات أراد أن يذكر الاستدلال على المطلوب بغرائب أحوال النبات فقال: ﴿ هو الذي أنزل من السماء ماء ﴾ وقوله: ﴿ لكم ﴾ متعلق بأنزل أو بشراب خبراً له.
والشراب ما يشرب كالطعام لما يطعم والمراد أن الماء النازل من السماء قسمان: بعضه يبقى لأجل الشرب كما هو ويحتمل أن يكون الماء المحتبس في الآبار والعيون منه كقوله: ﴿ فأسكناه في الأرض ﴾ \[المؤمنون: 18\] وبعضه يحصل منه شجر يرعاه المواشي.
قال الزجاج: كل ما ينبت من الأرض فهو شجر لأن التركيب يدل على الاختلاط ومنه تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم بالبعض، ومعنى الاختلاط حاصل في العشب والكلأ وفيما له ساق.
وقال ابن قتيبة: المراد بالشجر في الآية الكلأ.
وفي حديث عكرمة "لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت" أراد الكلأ.
وقيل الشجر كل ما له ساق كقوله: ﴿ والنجم والشجر يسجدان ﴾ والعطف يقتضي التغاير، فلما كان النجم ما لا ساق له وجب أن يكون الشجر ما له ساق، وأجيب بأن عطف الجنس على النوع جائز، وبأن قوله: ﴿ فيه تسيمون ﴾ من سامت الماشية إذا رعت وأسامها صاحبها وهو من السومة العلامة لأنه تؤثر بالرعي علامات في الأرض يقتضي أن يكون الشجر هو العشب ليمكن الرعي.
ورد بأن الإبل قد تقدر على رعي الأشجار الكبار.
وحين ذكر مرعى الحيوان أتبعه ذكر غذاء الإنسان فقال: ﴿ ينبت لكم به الزرع ﴾ الذي هو الغذاء الأصلي ﴿ والزيتون ﴾ الذي هو فاكهة من وجه وغذاء من وجه لكثرة ما فيه من الدهن ﴿ والنخيل والأعناب ﴾ اللتين هما أشرف الفواكه.
ثم أشار إلى الثمرات بقوله: ﴿ ومن كل الثمرات ﴾ كما أجمل الحيوانات التي لم يذكرها بقوله: ﴿ ويخلق ما لا تعلمون ﴾ قال في الكشاف: إنما لم يقل و "كل الثمرات" بل زاد "من" التبعيضية لأن كلها لا يكون إلا في الجنة.
واعلم أنه قدم الغذاء الحيواني على الغذاء النباتي لأن النعمة فيه أعظم لأنه أسرع تشبيهاً ببدن الإنسان، وفي ذكر الغذار النباتي قدم غذاء الحيوان - وهو الشجر - على غذاء الإنسان - وهو الزرع وغيره - بناء على مكارم الأخلاق وهو أن يكون اهتمام الإنسان بحال من تحت يده أكمل من اهتمامه بحال نفسه، وإنما عكس الترتيب في قوله: ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم ﴾ بناء على ما هو الواجب في نفس الأمر كقوله : "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" قوله: ﴿ وسخر لكم الليل والنهار ﴾ معنى تسخيرهما للناس تصييرهما نافعين لهم بحسب مصالحهم على سنن واحد يتعاقبان دائماً كالعبد المطواع، وكذا الكلام في تسخير الشمس والقمر والنجوم كما في "الأعراف" وفي سورة إبراهيم.
وهذا حسم لمادة شبهة من يزعم أن حركات الأفلاك هي المقتضية لتعاقب الليل والنهار ومسيرات الكواكب هي المستدعية للحوادث السفليات، فإنه إن سلم لهم ذلك فلا بد لتلك الحركات والمسيرات من الانتهاء إلى صانع قديم منزه عن التغير والإمكان مبرإ عن الحدوث والنقصان وهو الله .
﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ﴾ قال جار الله: جمع الآية وذكر العقل لأن آثار العلو أظهر دلالة على القدرة الباهرة وأبين شهادة للكبرياء والعظمة.
وقال غيره: إنما جمع الآيات لتطابق قوله: ﴿ مسخرات ﴾ ومثله في هذه السورة في موضع آخر ﴿ مسخرات في جوّ السماء ما يمكسهن إلا الله إن في ذلك لآيات ﴾ وأقول: إنما جمع لأن كلاً من تسخيراً الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم آية في نفسها لتباين الليل والنهار وتخالف مسيرات الكواكب كما هو مقرر في علم الهيئة بخلاف قوله ﴿ ينبت لكم ﴾ فإن مطلق الإنبات آية واحدة.
وكذا قوله: ﴿ وما ذرأ لكم في الأرض ﴾ أي خلق لكم فيها من حيوان وشجر وثمر وغير ذلك: ﴿ مختلفاً ألوانه ﴾ فإن ذرء هذه الأشياء على حالة اختلاف الألوان والأشكال مع تساوي الكل في الطبيعة الجسمية وفي تأثير الفلكيات فيها، آية واحدة على وجود الصانع شأنه، ولست أدعي إلا إمكان هذه الاعتبارات وإلا: ففي كل شيء آية تدل على أنه واحد.
وإنما خص المقام الأول بالتفكر لإمكان إيراد الشبهة المذكورة، وخص المقام الثاني بالعقل لذكره بعد إماطة الشبهة وإزاحة العلة، فمن لم يعترف بعدها بالوحدانية فلا عقل له.
وخص المقام الثالث بالتذكر لمزيد الدلالة فمن شك بعد ذلك فلا حس له.
ومن جملة الآيات التي هي في الحقيقة إنعامات على الإنسان تسخير البحر بالركوب عليه والانتفاع به أكلاً ولبساً.
والمراد باللحم الطريّ السمك.
قال ابن الأعرابي: لحم طريّ غير مهموز ومصدره طراوة.
يقال: شيء طريّ أي غض بين الطراوة.
وقال قطرب: طرو اللحم وطري طراوة والمراد في الآية السمك وما في معناه.
قال في الكشاف: وصفه بالطراوة لأن الفساد يسرع إليه فيسارع إلى أكله خيفة الفساد عليه.
وقال المتكلمون: إنه لما خرج من البحر المالح الزعاق الحيوان الذي لحمه في غاية العذوبة، علم أنه لم يحدث بحسب الطبع بل حدث بقدرة الله وحكمته بحيث أظهر الضد من الضد.
قال أكثر الفقهاء ومنهم أبو حنيفة والشافعي: من حلف أن لا يأكل لحماً فأكل سمكاً لم يحنث لأن اللحم لا يتناوله عرفاً.
ومبنى الأيمان على العرف والعادة.
ولهذا لو قال لغلامه: اشتر لحماً فجاء بالسمك كان حقيقاً بالإنكار عيله.
ورد عليهم الإمام فخر الدين الرازي بأنه إذا قال لغلامه: اشتر لحماً فجاء بلحم العصفور كان حقيقاً بالإنكار مع أنكم تقولون إنه يحنث بأكل لحم العصفور.
فثبت أن العرف مضطرب والرجوع إلى نص القرآن متعين فليس فوق بيان الله بيان.
ولقائل أن يقول: لعل الإنكار في هذه الصورة بعد تسليمه إنما جاء من قبل ندرة شراء العصفور أو شراء لحمه فإنه إنما يشترى كله ولم يجىء من إطلاق اللحم على لحمه.
ومن منافع البحر استخراج الحلية منه قالوا: أراد بالحلية اللؤلؤ والمرجان، والمراد بلبسهم لبس نسائهم لأنهن من جملتهم ولأن تزيينهن لأجلهم.
ولقائل أن يقول: لا مانع من تزيين الرجال باللآلىء ونحوها شرعاً فلا حاجة إلى هذه التكلف.
استدل الإمام فخر الدين بالآية في إبطال قول الشافعية إنه لا زكاة في الحلى قال: لأن اللام فيما يروى عنه أنه قال: "لا زكاة في الحلى" تنصرف إلى المعهود السابق ولا معهود إلا ما في الآية من الحلية فصار معنى الحديث: لا زكاة في اللآلىء.
وهذا باطل بالاتفاق.
ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن تكون اللام للجنس فتشمل المصوغ من الذهب والفضة أيضاً فيكون الحديث مخصصاً بالآية إن ثبت صحته؟
ومن عجائب البحر ومنافعه قوله : ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ قال أهل اللغة: مخر السفينة شقها الماء بصدرها.
وعن الفراء صوت دويّ الفلك بالرياح.
وقال ابن عباس: مواخر أي جواري.
وإنما حسن هذا التفسير لأنها لا تشق الماء إلا إذا كانت جارية: وقوله: ﴿ لتبتغوا من فضله ﴾ أي تتجروا فيه فتطلبوا الربح من فضل الله وإذا وجدتم فضله وإحسانه فلعلكم تقدمون على شكره.
واعلم أن قوله: ﴿ مواخر فيه ﴾ جاء على القياس لأن موضع الظرف المتعلق بمواخر بعد مضي مفعولي "ترى"، وأما في سورة الملائكة فقدم الظرف ليكون موافقاً لقوله: ﴿ ومن كل تأكلون ﴾ ولتقدم الجار في قوله: ﴿ ومن كل تأكلون ﴾ حذف لفظة "منه" هناك.
الواو في ﴿ ولتبتغوا ﴾ في هذه السورة للعطف على لام العلة في ﴿ لتأكلوا ﴾ وقوله: ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ اعتراض في السورتين يجري مجرى المثل ولهذا وحد الخطاب في قوله: ﴿ وترى ﴾ وقبله وبعده جمع "أي لو حضرت أيها المخاطب لرأيته بهذه الصفة.
ويمكن أن يقال: إنما قال في الملائكة ﴿ فيه مواخر ﴾ بتقديم الظرف لئلا يفصل بين لام العلة وبين متعلقها وهو مواخر، وليكتنف المتعلق المتعلقان.
وإنما بنينا الكلام على أن قوله: ﴿ فيه ﴾ متعلق بـ ﴿ مواخر ﴾ لا بـ ﴿ ترى ﴾ لقرب هذا وبعد ذاك والله أعلم.
قوله: ﴿ أن تميد بكم ﴾ أي كراهة أن تميد الأرض بكم والباء للتعدية أو للمصاحبة.
والميد الحركة والاضطراب يميناً وشمالاً.
يروى أنه خلق الأرض فجعلت تمور فقالت الملائكة: ما هي بمقرّ على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال لم تدر الملائكة مم خلقت.
قال جمهور المفسرين: إن السفينة إذا ألقيت على وجه الماء فإنها تميل من جانب إلى جانب وتضطرب، فإذا وضعت الأجرام الثقيلة في تلك السفينة استقرت على وجه الماء فهكذا الأرض تستقر على الماء بسبب ثقل الجبال.
واعترض عليه بأن السفينة إنما تضطرب على الماء لتخلخلها وخفتها بسبب الهواء الداخل في تجاويف الخشب ومسامها، أما الأرض فجسم كثيف ثقيل من شأنها الرسوب في الماء على ما هو مشاهد من حال أجزائها المنفصلة عنها.
فإن كان طبيعة الكل كذلك فكيف يعقل طفوّها حتى توجب الجبال إرساءها وثباتها، وإن لم تكن طبيعة الكل كذلك حتى تكون طافية مائدة وقد أرساها الله بالجبال، فالرسو والرسوخ إنما يتصور على جسم واقف وليس إلا الماء فينقل الكلام إلى وقوف الماء في حيزه المعين.
فإن كان بحسب الطبيعة فهذا خلاف التقدير لأنا نفينا القول بالطبائع الموجبة لهذه الأحوال، وإن لم يكن بالطبع بل كان واقفاً بتخليق الفاعل المختار وتسكينه في حيزه المخصوص فلم لا نقول مثله في تسكين الأرض؟
هذا تلخيص ما قاله الإمام فخر الدين الرازي، ونسب المقام إلى الصعوبة والإشكال واستخرج لحله وجهاً مبنياً على قوانين الحكمة، وهو أن الأرض جسم كروي، والكرة إذا كانت صحيحة الاستدارة فإنها تتحرك بأدنى سبب، فلما أحدث الله على وجه الكرة هذه الخشونات الجارية مجرى الأوتاد منعتها عن السلاسة والحركة.
قلت: في هذا الحال خلل.
أما أولاً فلكونه مبنياً على غير قواعد أهل التفسير، وأما ثانياً فلما ثبت في الحكمة أن نسبة أعظم جبل في الأرض وهو ما ارتفاعه فرسخان وثلث فرسخ إلى جميع الأرض كنسبة خمس سبع عرض شعيرة إلى كرة قطرها ذراع، ولا ريب أن ذلك القدر من الشعيرة لا يخرج الكرة المذكورة عن صحة الاستدارة بحيث يمنعها عن سلاسة الحركة، فكذا ينبغي أن يكون حال الجبال بالنسبة إلى كرة الأرض.
والجواب الصحيح على قاعدة أهل الشرع أن يقال: لا نسلم أن الأرض بكليتها لها طبيعة موجبة لحالة من الأحوال، وعلى تقدير التسليم فلا نسلم أن لها طبيعة الرسوب بل لعل طبيعتها الطفوّ فلهذا احتاجت إلى الرواسي.
وأما قوله: "لم أوقف الله الماء في حيزه ولم يوقف الأرض من غير إرساء" فلا يخفى سقوطه مع القول بالفاعل المختار، فللوسائط والأسباب مدخل في الأمور العادية، وإن لم نقل بتأثيرها، هذا وإن حركة الأرض عند الزلازل لا تنافي حكم الله بعدم اضطرابها لأن إثبات الحركة لجزء الشيء لا ينافي نفيها عن كله.
وشبهوا الزلزلة وهي حركة قطعة من الأرض لاحتقان البخارات في داخلها وطلبها المنفذ باختلاج يحصل في جزء معين من بدن الحيوان.
قوله : ﴿ وأنهاراً ﴾ معطوف على ﴿ رواسي ﴾ أي وجعل فيها رواسي وأنهاراً لأن الإلقاء ههنا بمعنى الجعل والخلق كقوله: ﴿ وألقيت عليك محبة مني ﴾ وكذا قوله ﴿ وسبلاً ﴾ أي أظهرها وبينها لأجل أن تهتدوا بها في أسفاركم.
ولما ذكر أنه أظهر في الأرض سبلاً معينة ذكر أنه أظهر في تلك السبل علامات مخصوصة وهي كل ما يستدل به السابلة من جبل وسهل وغير ذلك.
يحكى أن جماعة يشمون التراب فيعرفون به الطرقات.
قال الأخفش: تم الكلام عند قوله: ﴿ وعلامات ﴾ وقوله ﴿ وبالنجم هم يهتدون ﴾ كلام منفصل عن الأول.
والمراد بالنجم الجنس كما يقال: كثر الدرهم في أيدي الناس.
وعن السدي هو الثريا والفرقدان وبنات نعش والجدي.
قال بعض المفسرين: أراد بقوله ﴿ هم يهتدون ﴾ أهل البحر لتقدم ذكر البحر ومنافعه، وقيل: أراد أعم من ذلك فأهل البر أيضاً قد يحصل لهم الاهتداء بالنجوم في الطرق والمسالك، وفي معرفة القبلة، وإنما جيء بالضمير الغائب لعوده إلى السائرين الدال عليهم ذكر السبل.
وقال في الكشاف: كأنه أراد قريشاً فقد كان لهم اهتداء بالنجوم في مسايرهم وكان لهم بذلك علم لم يكن مثله لغيرهم فكان الشكر أوجب عليهم والاعتبار ألزم لهم فخصصوا بتقديم النجم.
وإقحام لفظ ﴿ هم ﴾ كأنه قيل: وبالنجم خصوصاً هؤلاء يهتدون.
ثم لما عدد الآيات الدالة على الصانع ووحدانيته واتصافه بجميع صفات الكمال أراد أن يوبخ أهل الشرك والعناد فقال: ﴿ أفمن يخلق كمن لا يخلق ﴾ أي كالأصنام التي لا تخلق شيئاً إلا أنه أجراها مجرى أولي العلم فأطلق عليها لفظ "من" التي هي لأولي العقل بناء على زعمهم أنها آلهة، أو لأجل المشاكلة بينه وبين من يخلق، أو أراد أن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم فكيف بما لا علم عنده، أو أراد كل ما عبد من دون الله مغلباً فيه أولو العلم منهم.
واعلم أنه أهل البيان يقولون: إن المشبه به يجب أن يكون أقوى وأتم في وجه الشبه من المشبه ليلتحق الأضعف بالأقوى في وجه الشبه كقولك "وجهه كالقمر".
ولا ريب أن الخالق أقوى من غير الخالق فكان حق النظم في الظاهر أن يقال: أفمن لا يخلق كمن يخلق.
والقرآن ورد على العكس.
ووجهه عند العلماء زيادة التوبيخ ليكون كأنهم جعلوا غير الخالق أقوى حالاً وأعرف من الخالق.
قال في الكشاف: إنهم جعلوا الله من جنس المخلوقات وشبهوه بها حين جعلوا غيره مثله في التسمية والعبادة فأنكر عليهم ذلك، ولوضوح كون هذا الأمر منكراً عند من له أدنى عقل بل حس قال ﴿ أفلا تذكرون ﴾ وفيه مزيد توبيخ وتجهيل لأنه لجلائه كالحاصل الذي يحصل عند العقل بأدنى تذكر ومع ذلك هم عنه غافلون.
قال بعض الأشاعرة.
في الآية دلالة على أن العبد غير خالق لأفعال نفسه لأن الآية سيقت لبيان امتيازه بصفة الخالقية.
أجابت المعتزلة بأن المراد أفمن يخلق ما تقدم ذكره من السموات والأرض والإنسان والحيوان والنبات والبحار والجبال والنجوم.
أو نقول: معنى الآية أن كل ما كان خالقاً يكون أفضل ممن لا يكون خالقاً، وهذا القدر لا يدل على أن كل من كان خالقاً فإنه يجب أن يكون إلهاً نظيره قوله: ﴿ ألهم أرجل يمشون بها ﴾ أراد به أن الإنسان أفضل من الصنم والأفضل لا يليق به عبادة الأخس فكذا ههنا.
وقال الكعبي في تفسيره: نحن لا نطلق لفظ الخالق على العبد ومن أطلق ذلك فقد أخطأ إلا في مواضع ذكرها الله كقوله: ﴿ وإذ تخلق من الطين ﴾ فعلى هذا لا يتوجه عليهم السؤال إلا أن أصحاب أبي هاشم يطلقون لفظ الخالق على العبد حتى إن أبا عبد الله البصري قال: إطلاق لفظ الخالق على العبد حقيقة وعلى الله مجاز لأن الخلق عبارة عن التقدير وهو الظن والحسبان.
ثم لما فرغ من تعديد الآيات التي هي بالنسبة إلى الملكلفين نعم قال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ وقد مر تفسيره في سورة إبراهيم.
قال العقلاء: إن كل جزء من أجزاء البدن الإنساني لو ظهر فيه أدنى خلل لنغص العمر على الإنسان وتمنى أن ينفق الدنيا لو كانت في ملكه حتى يزول عنه ذلك الخلل.
ثم إنه يدبر أحوال بدن الإنسان على الوجه الملائم له غالباً مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك الجزء ولا بمصالحه ومفاسده، فليكن هذا المثال حاضراً في ذهنك وقس عليه سائر نعم الله حتى تعرف تقصيرك وقصورك عن شكر أدنى نعمة فضلاً عن جميعها، ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إن الله لغفور رحيم ﴾ يغفر التقصير الصادر عنكم في أداء شكر النعمة ويرحمكم حيث لا يقطعها عنكم بالتفريط ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها.
كانوا مع اشتغالهم بعبادة غير الله يسرون ضروباً من الكفر والمكايد في حق الرسول فأوعدهم بقوله: ﴿ والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ﴾ وفيه أيضاً تعريض وتوبيخ بسبب أن الإله يجب أن يكون عالماً بالسر والعلانية، والأصنام التي عبدوها جمادات لا شعور لها أصلاً فكيف يحسن عبادتها.
ثم زاد في التوبيخ فقال: ﴿ والذين يدعون ﴾ أي الآلهة الذين يدعونهم الكفار ﴿ من دون الله لا يخلقون شيئاً ﴾ وقد ذكر هذا المعنى في قوله: ﴿ كمن لا يخلق ﴾ وزاد ههنا قوله: ﴿ وهم يخلقون ﴾ أي بخلق الله أو بالنحت والتصوير وهم لا يقدرون على نحو ذلك فهم أعجز من عبدتهم، ففي هذه الآية زيادة بيان لأنه نفى عنهم صفة الكمال وأثبت صفة النقصان.
وكذلك قوله: ﴿ أموات غير أحياء ﴾ يستلزم ذمهم مرتين لأن من الأموات ما يعقب موته حياة كالنطفة والجسد الإنساني الذي فارقه الروح، وأما الحجارة فأموات لا تقبل الحياة أصلاً.
وفيه أن الإله الحق يجب أن يكون حياً لا يعقبه موت وحال هذه الأصنام بالعكس.
وفيه أن هؤلاء الكفار في غاية الغباوة وقد يقرر المعنى الواحد مع الغبي الجاهل بعبارتين مختلفتين تنبيهاً على بلادته ﴿ وما يشعرون ﴾ الضمير فيه للآلهة.
أما الضمير في ﴿ أيان يبعثون ﴾ فإما للآلهة أيضاً ويؤيده ما روي عن ابن عباس أن الله يبعث الأصنام لها أرواح ومعها شياطينها فيؤمر بالكل إلى النار، وإما للداعين أي لا يشعر الآلهة متى يبعث عبدتهم فيكون فيه تهكم بالمشركين من حيث إن آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم فكيف يكون لهم وقت جزاء منهم على عبادتهم؟!
وفيه أنه لا بد من البعث وأنه من لوازم التكليف، وإما للأحياء أي لا يعلم هؤلاء الآلهة متى تبعث الأحياء تهكماً بحلها لأن شعور الجماد محال فكيف بشعور ما لا يعلمه حي إلا الحي القيوم ؟
وجوز في الكشاف أن يراد بالذين يدعوهم الكفار الملائكة، لأن ناساً منهم كانوا يعبدونهم.
ومعنى أنهم ﴿ أموات ﴾ أي لا بد لهم من الموت ﴿ غير أحياء ﴾ أي غير باقية حياتهم ولا علم لهم بوقت بعثهم.
ولما زيف طريقة عبدة الأصنام صرح بما هو الحق في نفس الأمر فقال: ﴿ إلهكم إله واحد ﴾ ثم ذكر ما لأجله أصر الكفار على شركهم فقال: ﴿ فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة ﴾ للوحدانية أو لكل كلام يخالف هواهم ﴿ وهم مستكبرون ﴾ عن قبول الحق وذلك أن المؤمن بالعبث والجزاء يؤثر فيه الترغيب والترهيب فينقاد للحق أسرع، وأما الجاحد للمعاد فلا يقبل إلا ما يوافق رأيه ويلائم طبعه فيبقى في ظلمة الإنكار ﴿ لا جرم ﴾ أي حقاً ﴿ أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ﴾ فيجازيهم على ما أسروا من الاستكبار وأعلنوا من العناد ﴿ إنه لا يحب المستكبرين ﴾ عن التوحيد فيختص بالمشركين أو كل مستكبر فيدخل هؤلاء دخولاً أوّلياً لأن الكلام فيهم.
التأويل: الناس طبقات ثلاث: الغافلون والخطاب معهم بالعتاب إذا كانوا مشتاقين إلى الدنيا.
وزخارفها وهم أصحاب النفوس، والعاقلون والخطاب معهم بوعد الثواب لرغبتهم في الطاعات والأعمال الصالحات وهم أرباب العقول، والعاشقون والخطاب معهم بوصل رب الأرباب لاشتياقهم إلى جمال ذي الجلال.
فحين قال في الأزل ﴿ أتى أمر الله ﴾ استعجل أرواح كل طبقة منهم للخروج من العدم إلى الوجود لنيل المقصود وطلب المفقود فخاطبهم بقوله: ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ فإنه سيصيب في كل طبقة منكم ما كتب له في القسمة الأزلية: والله منزه عن أن يشاركه في الحكم أحد فلا مبدل لكلماته.
﴿ بالروح من أمره ﴾ أي بما يحيي القلوب من المواهب الربانية من أمره الوارد على الجوارح بالتكاليف الشرعية وعلى النفوس بآداب الطريقة، وعلى القلوب بالإشارات، وعلى الأرواح بملازمة الحضرة للمكاشفات، وعلى الأسرار بالمراقبات للمشاهدات وعلى الخفيات بتجلي الصفات لإفناء الذوات.
﴿ على من يشاء من عباده ﴾ من الأنبياء والأولياء ﴿ أن أنذروا ﴾ أعلموا أوصاف وجودكم ببذلها في أنانيتي ﴿ أنه لا إله إلا أنا فاتقون ﴾ عن أنانيتكم بأنانيتي.
﴿ خلق ﴾ سموات الأرواح وأرض الأشباح وجعلها مظهراً لأفاعيله.
فهو الفاعل لما يظهر على الأرواح والأشباح ﴿ تعالى عما يشركون ﴾ الأرواح والأشباح في إحالة أفاعيله إلى غيره ﴿ خلق الإنسان من نطفة ﴾ لا علم لها ولا فعل ﴿ فإذا هو خصيم مبين ﴾ يدعي الشركة معه في الوجود.
والأفاعيل والأنعام أي الصفات الحيوانية ﴿ خلقها لكم فيها دفء ﴾ لأنها المودعة في جبلتكم ﴿ ومنافع ومنها تأكلون ﴾ باستفادة بدل ما يتحلل ﴿ ولكم فيها جمال ﴾ في أوقات الفترات وأزمنة الاستراحات ﴿ وتحمل ﴾ أثقال أرواحكم وهي أعباء الأمانة إلى بلد عالم الجبروت ﴿ إن ربكم لرءُوف رحيم ﴾ .
إذا أفنيتم أنفسكم في جبروته يبقيكم ببقاء عظموته ﴿ والخيل والبغال والحمير ﴾ أي صفاتها خلقت فيكم لأنها مراكب الروح عند السير إلى عالم الجبروت ﴿ وزينة ﴾ عند رجوعه بالجذبة إلى مستقره الذي أهبط منه ﴿ ويخلق ﴾ فيكم حينئذٍ ﴿ ما لا تعملون ﴾ وهو قبول فيض الله بلا واسطة.
وعلى الله قصد السبيل} بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ ﴿ ومنها جائر ﴾ يعني نفوسكم تحيد عن الفناء وبذل الوجود ﴿ هو الذي أنزل ﴾ من سماء الكرم ماء الفيض ﴿ منه شراب ﴾ المحنة لقلوبكم ﴿ ومنه شجر ﴾ القوى البشرية ودواعيها ﴿ فيه ﴾ ترعون مواشي نفوسكم ﴿ ينبت لكم ﴾ زرع الطاعات وزيتون الصدق ونخيل الأخلاق الحميدة وأعناب الواردات الربانية، ومن كل ثمرات المعقولات والمشاهدات والمكاشفات.
﴿ وسخر لكم ﴾ ليل البشرية ونهار الروحانية وشمس الروح وقمر القلب ونجوم الحواس والقوى، وتسخيرها استعمالها على وفق الشريعة وقانون الطريقة ﴿ وما ذرأ لكم ﴾ في أرض جبلتكم من الاستعدادات يتلون في كل عالم بلونه من عوالم الملكية والشيطانية والحيوانية ﴿ وسخر لكم ﴾ بحر العلوم ﴿ لتأكلوا منه ﴾ الفوائد الغيبية السنية الطرية ﴿ وتستخرجوا منه ﴾ جواهر المعاني فيلبس بها أرواحكم النور والبهاء.
وترى فلك الشرائع والمذاهب جواري في بحر العلوم لتبتغوا الأسرار الخفية عن الملائكة.
وألقى في أرض البشرية جبال الوقار والسكينة لئلا تميد بكم صفات البشرية عن جادّة الشريعة والطريقة، وأنهاراً من ماء الحكمة وسبلاً إلى الهداية والعناية، وعلامات من الشواهد والكشوف، وبنجم الجذبة الإلهية هم يهتدون فيخرجون من ظلمات الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي.
أفمن يخلق الله فيه هذه الكمالات كمن لا يخلقها فيه من الملائكة وغيرهم ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ وهي قسمان: نعمة الأعطاف وهي ما يتعلق بوجود النعمة ظاهرة وباطنة، ونعمة الألطاف وهي ما يتعلق بوجود المنعم من الذوات والصفات ﴿ والله يعلم ما تسرون ﴾ من أداء شكر نعمه بالقلوب ﴿ وما تعلنون ﴾ من أداء الشكر بالأجساد ﴿ والذين يدعون من دون الله ﴾ من الهوى والدنيا ﴿ لا يخلقون شيئاً ﴾ من المنافع ﴿ وهم يخلقون ﴾ بتعب الطالب في تحصيلها ولهذا قال: ﴿ أموات غير أحياء وما يشعرون أيان ﴾ يبعثها دواعي البشرية ﴿ فالذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ بما في عالم الغيب ﴿ قلوبهم منكرة ﴾ لأهل الحق لأنهم لا يتجاوزون عالم الحس ﴿ يعلم ما يسرون ﴾ من الإنكار ﴿ وما يعلنون ﴾ من الاستكبار..
الله حسبي.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً ﴾ موصول بقوله: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، وقوله: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾ ﴿ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ ﴾ .
يقول: الذي خلق لكم ما ذكر من الأشياء هو الذي أنزل من السماء ماء لكم؛ منه شراب، ومنه شجر هذا يحتمل ما ذكرنا: أنه أنزل من السماء ماء [لنا]؛ ثم أخبر أنه منه شراب، ومنه شجر.
ويحتمل: هو الذي أنزل من السماء ماء، ثم أخبر: ﴿ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ ﴾ .
ثم يحتمل قوله: ﴿ مِّنْهُ شَرَابٌ ﴾ جميع ما يشرب من الأشربة؛ إذ منه تكون الأشربة جميعاً؛ وجميع الأشياء.
ويحتمل ﴿ مِّنْهُ شَرَابٌ ﴾ الماء خاصة.
﴿ وَمِنْهُ شَجَرٌ ﴾ : الشجر: معروف؛ هو الذي يعلو ويرتفع في الأرض؛ لا يسمى الحشيش وما ينبسط على وجه الأرض شجراً، فظاهر هذا أن يرجع إلى ذلك المعروف؛ إلا أنه ذكر شجراً ﴿ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾ : أي: تزرعون، دل هذا أنه إنما أراد بالشجر المنبسط على وجه الأرض والمرتفع عليها.
وقال القتبي: السائمة: الراعية، وكذلك قال أبو عوسجة، وقال أبو عبيدة: أسمت سائمتي: أي: رعيتها: وكذلك قوله: ﴿ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ ﴾ أي: الراعية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ .
أي: ينبت لكم بالماء الذي ذكر أنه أنزل من السماء الزرع، والزيتون، وجميع ما ذكر، جعل الله - بلطفه - الماء لقاح كل الأشياء المختلفة والمتفقه، ليس كغيره من الدوابّ؛ حيث لم يجعل لقاح شيء من جنس آخر، إنما جعل لقاح كل نوع من نوعه، وجعل في الماء بلطفه سرية توافق جميع الأشياء المختلفة، لو اجتمع الخلائق على إدراك ذلك - وإن اجتهدوا - لم يقدروا عليه، يعرفون الماء ظاهراً؛ ولكن لا يدركون ما فيه من اللطف والسرية؛ التي يكون بها حياة كل أحد وموافقته.
وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ .
ذكر أن فيه آية لقوم يتفكرون، ولم يذكر أنه لماذا؟
لكنه ذكر أنه آية لقوم يتفكرون؛ بالتفكر يعرف أنه آية لماذا، وهذا يدلّ على أن الأشياء التي غابت عنا ظواهرها بالتفكر والنظر تدرك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلْنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلْنُّجُومُ ﴾ وما ذكر.
ووجه تسخير هذه الأشياء لنا: هو أن الله خلق هذه الأشياء، وجعل فيها منافع للخلق؛ تتصل تلك المنافع إلى الخلق شئن؛ أو أبين أحببن أو كرهن؛ جعل في النهار معاشاً للخلق؛ وتقلباً فيه يتعيشون ويتقلبون، وجعل الليل راحة لهم وسكناً، ينتفعون بهما شاءا أو أبيا، وكذلك ما جعل في الشمس والقمر والنجوم من المنافع: من إنضاج الفواكه والثمرات، وإدراك الزروع وبلوغها، ومعرفة الحساب والسنين والأشهر، ومعرفة الطرق والسلوك بها، وغير ذلك من المنافع ما ليس في وسع الخلق إدراكه، ينتفع الخلائق بما جعل فيها من المنافع شاءت هذه الأشياء أو أبت، فذلك وجه تسخيرها لنا.
ويحتمل ما ذكر من تسخير هذه الأشياء لنا: ما جعل في وسعنا استعمال هذه الأشياء؛ والانتفاع بها، والخيل التي بها نقدر على استعمالها في حوائجنا.
ويحتمل تسخيرها لنا: ما ينتفع بهن شئن أو أبين بالطباع.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ﴾ .
يحتمل وجهين: يحتمل: أي: بأمره تنفع الخلائق ويحتمل ﴿ بِأَمْرِهِ ﴾ : أي: كونها في الأصل هكذا؛ بأن تنفع الخلق.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ .
قال في الآية الأولى: ﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ جعل الله التفكر سبيلا للعقول إلى إدراك الأشياء المغيبة بالحواس الظاهرة؛ إذ لا سبيل للعقل إلى إدراك ما غاب عنه إلا بالحواس الظاهرة، [والتفكر فيها؛ لأن ما غاب عن الحواس الظاهرة] لا يدركه العقل؛ فجعل الحواس الظاهرة سبيلاً للعقول إلى إدراك المغيب عنها.
ذكر - عز وجل - في الآية الأولى: ﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ، وذكر في الآية الثانية: ﴿ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ ، وفي الآية الثالثة: ﴿ لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ ، وفي الرابعة: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ : فهو - والله أعلم - كرره على مراتب؛ لأنه بالتفكر فيها يعقل ويعلم، ثم بعد العلم والعقل والفهم يتذكر، وإذا تذكر عند ذلك شكر نعمه، ثم قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ و ﴿ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ وما ذكر فيه: دلالة وحدانية الله ، ودلالة تدبيره وعلمه وحكمته، ودلالة بعث الخلائق، ودلالة قدرته وسلطانه؛ لأن الليل والنهار يأتيان الجبابرة والفراعنة، ويذهبان بعمرهم ويفنيانه؛ شاءوا أو أبوا، فذلك آية سلطانه وقدرته؛ ليعلم أن له [السلطان والقدرة] لا لهم، وفيهما دلالة البعث؛ لأنه إذا أتى هذا ذهب الآخر حتى لا يبقى له أثر، ثم ينشيء مثله بعد أن لم يبق من الأوّل شيء ولا أثر، فالذي قدر على إنشاء النهار أو الليل بعد ما ذهب أثره وتلاشى - لقادر على إنشاء الخلق بعد ما ذهب أثرهم.
وكذلك الشمس، والقمر، والنجوم، وما ذكر: لما اتسق هذا كله على سنن واحد؛ وتقدير واحد؛ على غير تفاوت فيها ولا تفاضل، وعلى غير تقديم ولا تأخير بل جرى كله على سنن واحد، وتقدير واحد، وميزان واحد؛ من غير تفاوت [ولا تفاضل] ولا اختلاف.
دلّ أنه على تدبير واحد خرج ذلك، لا على الجزاف، وأن مدبر ذلك كله واحد؛ إذ لو كان تدبير عدد لخرج مختلفاً متفاوتاً، فدل أنه تدبير واحد لا عدد، وأنه على تدبير غيرٍ خرج وجرى كذلك، لا بنفسه، وأنه على حكمة، وعلم جرى كذلك، فدل على لزوم الرسالة والعبادة له؛ فهذا - والله أعلم - تأويل قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ﴾ أي: مختلفاً أصنافه وجواهره.
يخبر - عز وجل - [عن] قدرته، وسلطانه، ونعمه التي أنعم عليهم بها.
أما سلطانه وقدرته: ما خلق في الأرض وأنبت فيها بالماء لم يرجع إلى جوهر الأرض وجنسها، ولا إلى جوهر الماء وجنسه، وهما كالوالدين: الماء كالأب، والأرض كالأم، فلم يرجع ما خرج منهما من جنسهما، ولا من جوهرهما؛ كما كان في سائر الأشياء رجع التوالد منها إلى جنس الوالدين وجوهرهما؛ بل رجع التوالد والنشوء من الأرض والماء إلى جنس البذر وجوهره؛ ليعلم قدرته وسلطانه على إنشاء الأشياء؛ بأسباب وبغير أسباب، ومن شيء ومن لا شيء.
ويذكر نعمه: حيث أخبر أنه خلق في الأرض من الأصناف المختلفة، والجواهر المتفرقة؛ لينتفعوا بها.
ويحتمل قوله: ﴿ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ﴾ من جنس واحد؛ من شيء واحد؛ لأنه يكون من جنس واحد ألوان مختلفة، ومن قدر على إنشاء ألوان مختلفة من شيء واحد لا يعجزه شيء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ ، وفي آية: ﴿ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ ، وفي آية ﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ، وفي آية: ﴿ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ ، و ﴿ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾ ، وفي آية: ﴿ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
فيحتمل أن يكون كله كناية عن المؤمنين؛ كأنه قال: إن في ذلك لآية للمؤمنين؛ إذ يجمع الإيمان جميع ما ذكر: من التفكر، والتذكر، والعقل، والاعتبار، والصبر، والشكر، وغيره.
ويحتمل: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ، و ﴿ يَعْقِلُونَ ﴾ ، و ﴿ يَذَّكَّرُونَ ﴾ : أي: لقوم همتهم الفكر والنظر في الآيات، ولقوم همتهم التفهم والاعتبار فيها، لا لقوم همتهم العناد، والمكابرة، والإعراض عن النظر في الآيات والفكر فيها.
وفي ذكر الآية للمتفكرين، والعاقلين، والمتذكرين: لما منفعة الآية تكون لهؤلاء، وإن كانت الآيات لهم ولغيرهم، فمنفعتها لمن ذكر.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً ﴾ .
وتسخيره إياه لنا: هو ما بذل للخلق ما فيه من أنواع الأموال التي خلق الله فيه: من الحلي والجوهر واللؤلؤ، وبذل ما فيه من الدوابّ: السمك وغيره، فلولا تسخير الله إياه للخلق؛ وتعليمه إياهم الحيل التي بها يوصل إلى ما فيه من الأموال النفيسة؛ وإلا ما قدروا على استخراج ما فيه والوصول إليه؛ لشدة أهواله وأفزاعه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً ﴾ .
يحتمل السمك خاصة.
ويحتمل السمك وما فيه من الدوابّ؛ من نوع ما لو كان بريّاً أكل؛ من نحو الجواميس وغيرها.
وقوله : ﴿ وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ﴾ .
يحتمل الحلية: اللؤلؤ والمرجان؛ الذي ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱلُّلؤْلُؤُ وَٱلمَرْجَانُ ﴾ .
ثم يحتمل قوله: ﴿ حِلْيَةً ﴾ : أي: ما يتخذ منه حلية.
وهذا جائز؛ أن يسمّى الشيء باسم ما يتخذ منه؛ وباسم ما يصير به في المتعقب.
أو يسمى حلية؛ لأنه زينة.
ولا شك أن اللؤلؤ والمرجان هما زينة؛ ألا ترى أنه ذكر في الأنعام زينة وجمالاً، وفي الخيل والبغال كذلك، فالزينة في اللؤلؤ والمرجان أكثر، والجمال فيه أظهر أخبر أنه جعل لنا الوصول إلى [ما في] قعر البحر وهو ما ذكر من اللؤلؤ وأنواع الحلي، وما في بطن البحر: وهو ما ذكر من اللحم الطري، وما هو على وجه الماء: وهو السفن التي ذكر.
ووجه تسخيره إيانا الخيل والأسباب التي علمنا؛ حتى نصل إلى ما فيه؛ فكأنه قال: سخرت لكم البحر من أسفله إلى أعلاه.
وفي ذلك دلالات: إحداها: إباحة التجارة بركوب الأخطار؛ لأن الغائص [في البحر] يخاطر بنفسه؛ وروحه، وكذلك راكب السفن؛ فلولا أنه مباح له طلب ذلك؛ وإلا ما ذكر هذا في منته؛ إذ هو يخرج مخرج ذكر الامتنان.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ ﴾ قال الحسن، والأصم: المواخر: السفن المحشوات؛ الوافرة أحمالها وأثقالها، يذكر منّته التي منّ بها عليهم؛ حيث جعل لهم السفن والفلك؛ التي يحمل بها الأحمال الثقال العظام في البحار ما سبيلها التسفّل والانحدار في البحر؛ فأمسكها فيه بالسفن العظام الثقيلة.
وقال بعضهم: مواخر: أي: جارية مقبلة مدبرة بريح واحدة في البحر؛ لأن ماء البحر راكدة؛ فأجرى السفن فيه بالرياح؛ حيثما أرادوا وقصدوا؛ إذ الأشياء قد تجري [على الماء] إذا كان له جرية، وأما إذا كان راكداً ساكناً فلا سبيل إلى ذلك؛ فيذكر عظيم منته وقدرته على إجراء السفن في الماء الراكد بالريح.
وقال [بعضهم]: ﴿ مَوَاخِرَ ﴾ أي: جواري تشق الماء شقّاً وتخرقه، يقال: مخرت السفينة؛ ومنه: مخر الأرض: إنما هو شق الماء لها؛ وهو قول القتبي.
وكذلك قال أبو عبيدة: إنه من شق السفن الماء.
وقال أبو عوسجة: المواخر: المستقبلة، يقال: استمخر الإنسان الريح: إذا استقبلها.
وقال أبو عبيدة: مواخر من الاستدبار؛ يقال: إذا أراد أحدكم البول فليستمخر الريح: أي: يستدبرها.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ .
يحتمل بالتجارة التي جعل فيها؛ حيث جعل سبيل قطع البحار إلى بلاد نائية بعيدة بالسفن؛ ليبتغوا ما به قوام أبدانهم وأنفسهم؛ إذ جعل بنيتهم بنية لا تقوم إلا بالأغذية، ولعلهم لا يظفرون ما به قوام أبدانهم وبنيتهم في بلادهم؛ فيحتاجون إلى البلاد النائية البعيدة عنهم، فمنّ عليهم بذلك؛ كما من بقطع المفاوز والبراري بالدوابّ؛ بقوله: ﴿ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ ﴾ .
أو قال: ﴿ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ بما يستخرج منه، ولعلكم تشكرون جميع ما ذكر: من ألوان النعم والمنافع؛ من أوّل السورة إلى آخرها؛ يستأدي به شكره.
وفي قوله: ﴿ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ دلالة إباحة التجارة، وطلب الفضل بركوب الأخطار واحتمال الشدائد؛ حيث أخبر أنه سخر البحر؛ حتى أمكنهم ركوبه بالحيل والأسباب التي علمها لهم؛ لأن الغواص يخاطر بروحه ونفسه، وكذلك راكب السفينة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ ﴾ .
أي ألقى في الأرض الجبال؛ لئلا تميد بكم [؛ قال بعض أهل التأويل: قوله: ﴿ وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ ﴾ لئلا تميد بكم] لأنها بسطت على الماء؛ فكانت تكفو بأهلها؛ كما تكفو السفينة في الماء؛ فأثبتها بالجبال؛ لتقرّ بأهلها، لكن لو كان على ما ذكروا أنها بسطت على الماء لكانت لا تكفو ولا تضطرب، ولكنها تتسرب في الماء وتنهار فيه؛ لأن من طبعها التسفّل والتسرب في الماء؛ إلا أن يقال: [إن] الله - عز وجل - جعل - بلطفه - طبعها طبع ما يضطرب؛ وتكفو، فعند ذلك يحتمل ما ذكروا.
والله أعلم.
ولو قالوا: إنها بسطت على الريح لكان يحتمل ما قالوا؛ ويكون أشبه بقولهم؛ ألا ترى أن السراج في الآبار والسروب لا يضيء بل ينطفئ كما أسرج؛ فيشبه أن يكون انطفاؤه لريح تكون في الأرض، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم، والله أعلم بذلك.
وقال بعضهم: بسطت على ظهر الثور فكانت تضطرب بتحركه فأرساها بما ذكر، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً ﴾ يخرج ذكر ذلك منه ذكر الامتنان والنعمة؛ لأن له أن يترك الأرض على ما خلقها؛ ولا يثبتها بالجبال؛ لتميد بأهلها وتميل؛ فلا يقدروا على القرار عليها والانتفاع بها، لكنه - بفضله ومنته - أثبتها بالجبال؛ ليقروا عليها، ويقدروا على الانتفاع بها.
وكذلك له ألا يجعل لهم فيها أنهاراً جارية؛ فيكون مياههم من آبارها، وكذلك له أن يحوجهم بأنواع الحوائج؛ ثم لا يبين لهم الطرق والسبل التي بها يصلون إلى قضاء حوائجهم، [ويكلفهم طلب الطرق والسبل التي بها يصلون إلى قضاء حوائجهم، ويكلفهم طلب الطرق والسبل التي بها تقضي حوائجهم بأنواع الحوائج، ثم لا يبين لهم الطرق والسبل]، لكنه بفضله ومنّه بيَّن لهم الطرق والسبل التي تفضي إلى البلدان والأمكنة التي فيها تقضي حوائجهم، وكذلك بفضله جعل لهم في الأرض أنهاراً جارية، وأثبت الأرض بالرواسي؛ ليقروا عليها، وذلك كله بمنّه وفضله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ .
يحتمل تهتدون الطرق والسبل التي تفضيهم إلى الحوائج.
ويحتمل: تهتدون الهدى المعروف؛ بما ذكر من نعمه ومننه.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ هذا أيضاً يخرج مخرج ذكر المنن والنعم عليهم؛ لأنهم لولا ما جعل الله أعلاماً في البحار والبراري يعرفون بها السلوك فيها؛ وإلا لم يقدر أحد معرفة الطرق في البحار والبراري.
ثم يحتمل الأعلام: مرة بطعم الماء والجبال التي جعل فيها وبالرياح، ومرة تكون بالنجم؛ [يعرفون بطعم الماء أن هذا الطريق يفضي إلى موضع كذا، وكذلك يعرفون بالجبال وبالرياح] يعرفون السبل إلى حوائجهم ومقصودهم.
وكذلك بالنجم يعرفون الطرق؛ فالأعلام مختلفة بها يهتدون الطرق والسبل.
ويحتمل: يهتدون بما ذكر من الأعلام والنجم سبب اهتدائهم إلى توحيد الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ .
يحتمل هذا وجهين: أحدهما: على الاحتجاج عليهم؛ أي: لا تجعلوا من لا يخلق ولا ينفع ولا ينعم كمن هو خالق الأشياء كلها؛ منعم النعم عليكم، ﴿ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ : [أي]: إن صرف العبادة والشكر إلى غير خالقكم وغير منعمكم جور وظلم.
والثاني: يخرج مخرج تسفيه أحلامهم؛ أنهم يعبدون من يعلمون أنه ليس بخالق، ويتركون عبادة من يعلمون أنه خالق الأشياء كلها، أفلا تذكرون والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ ﴾ .
هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: وإن تعدوا أنفس نعمة الله التي أنعمها عليكم وأعينها لا تقدروا على عدّها لكثرتها.
والثاني: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ ﴾ : وإن تكلفتم واجتهدتم كلّ جهدكم أن تقوموا لشكر ما أنعم الله عليكم [ومنّ] وما قدرتم على القيام لشكر واحدة منها؛ فضلا أن تقوموا للكل.
والثالث: يخرج على العتاب والتوبيخ؛ أي: كيف فرغتم لعبادة من لا يخلق ولا ينعم عن عبادة من خلق وأنعم، وكنتم لا تقدرون على إحصاء ما أنعم عليكم؛ فضلا أن تقوموا لشكره.
وقال الحسن في قوله: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ ﴾ : لا تعرفوا كل النعم؛ لأنه كم من النعم ما لا يعرفه الخلق؛ كقوله: ﴿ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ فإذا لم يعلموا لم يقدروا إحصاءها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: إنكم وإن افتريتم على الله، وعاندتم حججه وآياته، وكذبتم رسله فإذا استغفرتم؛ وتبتم عما كان منكم؛ يغفر لكم ذلك كله؛ كقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ .
والثاني: ﴿ لَغَفُورٌ ﴾ : أي: يستر عليكم ما كان منكم؛ ما لو أظهر ذلك لافتضحتم؛ لكنّه برحمته ستر ذلك عليكم، رحيم بالستر عليكم.
أو ذكر ﴿ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ على أثر ذكر النعم وأنواع المنافع؛ ليكونوا رحماء على ما ذكر مما سخر لنا وأذلّ.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وهو سبحانه الذي ذلَّل لكم البحر، فمكَنكم من ركوبه واستخراج ما فيه؛ لتأكلوا مما تصطادون من سمكه لحمًا غَضًّا لينًا، وتستخرجوا منه زينة تلبسونها وتلبسها نساؤكم مثل اللؤلؤ، وترى السفن تشق عُبَاب البحر، وتركبون هذه السفن طلبًا لفضل الله الحاصل من ربح التجارة، ورجاء أن تشكروا الله على ما أنعم به عليكم، وتفردوه بالعبادة.
<div class="verse-tafsir" id="91.JB5DY"