الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٢ من سورة النحل
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 118 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : ( ينزل الملائكة بالروح ) أي : الوحي كما قال تعالى : ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ) [ الشورى : 52 ] .
وقوله : ( على من يشاء من عباده ) وهم الأنبياء ، كما قال : ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) [ الأنعام : 124 ] وقال : ( الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس ) [ الحج : 75 ] وقال : ( يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ) [ غافر : 15 ، 16 ] .
وقوله : ( أن أنذروا ) أي : لينذروا أنه لا إله إلا أنا ) [ كما قال تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا ) ] فاعبدون ) [ الأنبياء : 25 ] وقال في هذه [ الآية ] : ( فاتقون ) أي : فاتقوا عقوبتي لمن خالف أمري وعبد غيري .
اختلفت القرّاء في قراءة قوله ( يُنـزلُ الْمَلائِكَةَ ) فقرأ ذلك عامَّة قرّاء المدينة والكوفة ( يُنـزلُ الْمَلائِكَةَ ) بالياء وتشديد الزاي ونصب الملائكة، بمعنى ينـزل الله الملائكة بالروح.
وقرأ ذلك بعض البصريين وبعض المكيين: " يُنـزلُ المَلائِكَةَ " بالياء وتخفيف الزاي ونصب الملائكة.
وحُكي عن بعض الكوفيين أنه كان يقرؤه: " تَنـزلُ المَلائكَةُ" بالتاء وتشديد الزاي والملائكة بالرفع، على اختلاف عنه في ذلك ، وقد رُوي عنه موافقة سائر قرّاء بلده.
وأولى القراءات بالصواب في ذلك عندي قراءة من قرأ ( يُنـزلُ الْمَلائِكَةَ ) بمعنى: ينـزل الله ملائكة.
وإنما اخترت ذلك، لأن الله هو المنـزل ملائكته بوحيه إلى رسله، فإضافة فعل ذلك إليه أولى وأحقّ واخترت ينـزل بالتشديد على التخفيف، لأنه تعالى ذكره كان ينـزل من الوحي على من نـزله شيئا بعد شيء، والتشديد به إذ كان ذلك معناه ، أولى من التخفيف.
فتأويل الكلام: ينـزل الله ملائكته بما يحيا به الحقّ ويضمحلّ به الباطل من أمره ( عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) يعني على من يشاء من رسله ( أَنْ أَنْذِرُوا ) فإن الأولى في موضع خفض، ردًا على الروح، والثانية في موضع نصب بأنذروا.
ومعنى الكلام: ينـزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده، بأن أنذروا عبادي سطوتي على كُفرهم بي وإشراكهم في اتخاذهم معي الآلهة والأوثان، فإنه لا إله إلا أنا ، يقول: لا تنبغي الألوهة إلا لي، ولا يصلح أن يُعبد شيء سواي، فاتقون : يقول: فاحذروني بأداء فرائضي وإفراد العبادة وإخلاص الربوبية لي، فإن ذلك نجاتكم من الهلكة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( يُنـزلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ ) يقول: بالوحي.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( يُنـزلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) يقول: ينـزل الملائكة (10) .
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله ( بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ) إنه لا ينـزل ملك إلا ومعه روح.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال مجاهد: قوله ( يُنـزلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ) قال: لا ينـزل ملك إلا معه روح ( يُنـزلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) قال: بالنبوّة.
قال ابن جريج: وسمعت أن الروح خلق من الملائكة نـزل به الروح وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي .
حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، في قوله ( يُنـزلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاتَّقُونِ ) قال: كل كلِم تكلم به ربنا فهو روح منه وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ...
إلى قوله أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ .
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( يُنـزلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ) يقول: ينـزل بالرحمة والوحي من أمره، ( عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) فيصطفي منهم رسلا.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( يُنـزلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) قال: بالوحي والرحمة.
وأما قوله ( أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاتَّقُونِ ) فقد بيَّنا معناه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاتَّقُونِ ) إنما بعث الله المرسلين أن يوحد الله وحده، ويطاع أمره، ويجتنب سخطه.
------------------------ الهوامش: (10) أي بنحو ما قبله ، من حديث المثنى عن ابن عباس ، كما جرت به عادة المؤلف في مواضع كثيرة .
قوله تعالى : ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون قرأ المفضل عن عاصم تنزل الملائكة والأصل تتنزل ، فالفعل مسند إلى الملائكة .
وقرأ الكسائي عن أبي بكر عن عاصم باختلاف عنه والأعمش " تنزل الملائكة " غير مسمى الفاعل .
وقرأ الجعفي عن أبي بكر عن عاصم " ننزل الملائكة " بالنون مسمى الفاعل ، الباقون " ينزل " بالياء مسمى الفاعل ، والضمير فيه لاسم الله - عز وجل - .
وروي عن قتادة " تنزل الملائكة " بالنون والتخفيف .
وقرأ الأعمش " تنزل بفتح التاء وكسر الزاي ، من النزول .
الملائكة " رفعا مثل " تنزل الملائكة "بالروح أي بالوحي وهو النبوة ; قاله ابن عباس .
نظيره يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده .
الربيع بن أنس : بكلام الله وهو القرآن .
وقيل : هو بيان الحق الذي يجب اتباعه .
وقيل أرواح الخلق ; قاله مجاهد ، لا ينزل ملك إلا ومعه روح .
وكذا روي عن ابن عباس أن الروح خلق من خلق الله - عز وجل - كصور ابن آدم ، لا ينزل من السماء ملك إلا ومعه واحد منهم .
وقيل بالرحمة ; قاله الحسن وقتادة .
وقيل بالهداية ; لأنها تحيا بها القلوب كما تحيا بالأرواح الأبدان ، وهو معنى قول الزجاج .
قال الزجاج : الروح ما كان فيه من أمر الله حياة بالإرشاد إلى أمره .
وقال أبو عبيدة : الروح هنا جبريل .
والباء في قوله : بالروح بمعنى مع ، كقولك : خرج بثيابه ، أي مع ثيابه .من أمره أي بأمره .على من يشاء من عباده أي على الذين اختارهم الله للنبوة .
وهذا رد لقولهم : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم .أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون تحذير من عبادة الأوثان ، ولذلك جاء الإنذار ; لأن أصله التحذير مما يخاف منه .
ودل على ذلك قوله : فاتقون .
وأن في موضع نصب بنزع الخافض ، أي بأن أنذروا أهل الكفر بأنه لا إله إلا الله ، " فأن " في محل نصب بسقوط الخافض أو بوقوع الإنذار عليه .
ولما نزه نفسه عما وصفه به أعداؤه ذكر الوحي الذي ينزله على أنبيائه، مما يجب اتباعه في ذكر ما ينسب لله، من صفات الكمال فقال: { يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ } أي: بالوحي الذي به حياة الأرواح { عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } ممن يعلمه صالحا، لتحمل رسالته.وزبدة دعوة الرسل كلهم ومدارها على قوله: { أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فاتقون } أي: على معرفة الله تعالى وتوحده في صفات العظمة التي هي صفات الألوهية وعبادته وحده لا شريك له فهي التي أنزل الله بها كتبه وأرسل رسله، وجعل الشرائع كلها تدعو إليها، وتحث وتجاهد من حاربها وقام بضدها
( ينزل الملائكة ) قرأ العامة بضم الياء وكسر الزاي ، و ( الملائكة ) نصب .
وقرأ يعقوب بالتاء وفتحها وفتح الزاي و " الملائكة " رفع ، ( ينزل الملائكة بالروح ) بالوحي ، سماه روحا لأنه يحيي به القلوب والحق .
قال عطاء : بالنبوة .
وقال قتادة : بالرحمة .
قال أبو عبيدة : " بالروح " يعني مع الروح ، وهو جبريل .
( من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا ) أعلموا : ( أنه لا إله إلا أنا فاتقون ) وقيل : معناه مروهم بقول " لا إله إلا الله " منذرين مخوفين بالقرآن إن لم يقولوا .
وقوله : " فاتقون " أي فخافون .
«ينزل الملائكة» أي جبريل «بالروح» بالوحي «من أمره» بإرادته «على من يشاء من عباده» وهم الأنبياء «أن» مفسرة «أنذروا» خوفوا الكافرين بالعذاب وأعلموهم «أنه لا إله إلا أنا فاتقون» خافون.
ينزِّل الله الملائكة بالوحي مِن أمره على مَن يشاء من عباده المرسلين: بأن خوِّفوا الناس من الشرك، وأنه لا معبود بحق إلا أنا، فاتقون بأداء فرائضي وإفرادي بالعبادة والإخلاص.
ثم بين - سبحانه - لونا من ألوان قدرته ، ورحمته بعباده ، حيث أرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين ، فقال تعالى - : ( يُنَزِّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ .
.
.
) .والمراد بالملائكة هنا : جبريل - عليه السلام - ومن معه من حفظة الوحى .
أو المراد بهم جبريل خاصة ، ولا مانع من ذلك ، لأن الواحد قد يسمى باسم الجمع إذا كان رئيسا عظيما .والمراد بالروح : كلام الله - تعالى - ووحيه الذى ينزل به جبريل ، ليبلغه إلى من أمره الله بتبليغه إياه .وقد جاء ذكر الروح بمعنى الوحى فى آيات منها قوله - تعالى - : ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان ولكن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا .
.
.
) والمعنى : ينزل - سبحانه - الملائكة بكلامه ووحيه ، على من يشاء إنزالهم إليه من عباده المصطفين الأخيار .وأطلق - سبحانه - على وحيه اسم الروح ، على سبيل التشبيه ، ووجه الشبه : أن بسببهما تكون الحياة الحقة .فكما أن بالروح تحيا الأبدان والأجساد ، فكذلك بالوحى تحيا القلوب والنفوس وتؤدى رسالتها فى هذه الحياة .وفى قوله - سبحانه - : ( من أمره ) إشارة إلى أن نزول الملائكة بالوحى ، لا يكون إلا بسبب أمر الله لهم بذلك ، كما قال - تعالى - حكاية عنهم : ( وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذلك وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ) وقوله : ( على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ) رد على مطالب المشركين المتعنتة ، والتى من بينها ما حكاه الله تعالى - عنهم فى قوله : ( وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ .
.
.
) فالآية الكريمة تبين أن نزول الملائكة بالوحى ، إنما هو على من يختاره الله - تعالى - لنزول الوحى عليه ، لا على من يختارونه هم ، وأن النبوة هبة من الله - تعالى - لمن يصطفيه من عباده .
قال - تعالى - : ( الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) وقوله : ( أَنْ أنذروا أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ أَنَاْ فاتقون ) بيان للمقصود من نزول الملائكة بالوحى على الأنبياء .أى : أنزل - سبحانه - ملائكته بوحيه على أنبيائه ، لكى ينذر هؤلاء الأنبياء الناس ، ويخوفوهم من سوء عاقبة الإِشراك بالله ، ويدعوهم إلى أن يخلصوا العبادة لله - تعالى - وحده ، ويبينوا لهم أن الألوهية لا يصح أن تكون لغيره - سبحانه - .قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله : ( أن أنذروا ) بدل من ( الروح ) على أن " أن " هى التى من شأنها أن تنصب المضارع ، وصلت بالأمر كما وصلت به فى قولهم : كتبت إليه بأن قم .وجوز بعضهم كون " أن " هنا مفسرة ، فلا موضع لها من الإِعراب ، وذلك لما فى " ينزل الملائكة بالوحى ، من معنى القول ، كأنه قيل : يقول - سبحانه - بواسطة الملائكة لمن يشاء من عباده أن أنذروا .
.
.
" .واقتصر هنا على الإِنذار الذى هو بمعنى التخويف ، لأن الحديث مع المشركين ، الذين استعجلوا العذاب ، واتخذوا مع الله - تعالى - آلهة أخرى .والفاء فى قوله ( فاتقون ) فصيجة : أى ، إذا كان الأمر كذلك ، من أن الألوهية لا تكون لغير الله ، فعليكم أن تتقوا عقوبتى لمن خالف أمرى ، وعبد غيرى .قال الجمل : " وفى قوله ( فاتقون ) تنبيه على الأحكام الفرعية بعد التنبيه على الأحكام العلمية بقوله ، ( أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ أَنَاْ ) ، فقد جمعت الآية بين الأحكام الأصلية والفرعية " .وبعد أن بين - سبحانه - أنه منزه عن أن يكون له شريك ، وأنه قد أنزل الملائكة بوحيه على من يشاء من عباده ، وأنه لا إله يستحق العبادة سواه .بعد كل ذلك ، بين الأدلة الدالة على قدرته ووحدانيته ، بأسلوب بديع ، جمع فيه بين دلالة المخلوق على الخالق ، ودلالة النعمة على منعمها ، ووبخ المشركين على شركهم ، تارة عن طريق خلقه وحده - سبحانه - للسموات والأرض ، وتارة عن طريق خلقه للإِنسان ، وتارة عن طريق خلقه للحيوان وللنبات ، ولغير ذلك من المخلوقات التى لا تحصى .
﴿ أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سبحانه وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُنَزِّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لآ إله إِلآ أَنَاْ فاتقون ﴾ .
فيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن معرفة تفسير هذه الآية مرتبة على سؤالات ثلاثة: فالسؤال الأول: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخوفهم بعذاب الدنيا تارة وهو القتل والاستيلاء عليهم كما حصل في يوم بدر، وتارة بعذاب يوم القيامة، وهو الذي يحصل عند قيام الساعة، ثم إن القوم لما لم يشاهدوا شيئاً من ذلك احتجوا بذلك على تكذيبه وطلبوا منه الإتيان بذلك العذاب وقالوا له ائتنا به.
وروي أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ قال الكفار فيما بينهم إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت فأمسكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو كائن، فلما تأخرت قالوا ما نرى شيئاً مما تخوفنا به، فنزل قوله: ﴿ اقترب لِلنَّاسِ حسابهم ﴾ فأشفقوا وانتظروا يومها فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئاً مما تخوفنا به فنزل قوله: ﴿ أتى أَمْرُ الله ﴾ فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع الناس رؤوسهم فنزل قوله: ﴿ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ والحاصل أنه عليه السلام لما أكثر من تهديدهم بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة ولم يروا شيئاً نسبوه إلى الكذب.
فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله: ﴿ أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ وفي تقرير هذا الجواب وجهان: الوجه الأول: أنه وإن لم يأت ذلك العذاب إلا أنه كان واجب الوقوع والشيء إذا كان بهذه الحالة والصفة فإنه يقال في الكلام المعتاد أنه قد أتى ووقع إجراء لما يجب وقوعه بعد ذلك مجرى الواقع يقال لمن طلب الإغاثة وقرب حصولها: قد جاءك الغوث فلا تجزع.
والوجه الثاني: وهو أن يقال أن أمر الله بذلك وحكمه به قد أتى وحصل ووقع، فأما المحكوم به فإنما لم يقع، لأنه تعالى حكم بوقوعه في وقت معين فقبل مجيء ذلك الوقت لا يخرج إلى الوجود والحاصل كأنه قيل: أمر الله وحكمه بنزول العذاب قد حصل ووجد من الأزل إلى الأبد فصح قولنا أتى أمر الله، إلا أن المحكوم به والمأمور به إنما لم يحصل، لأنه تعالى خصص حصوله بوقت معين فلا تستعجلوه ولا تطلبوا حصوله قبل حضور ذلك الوقت.
السؤال الثاني: قالت الكفار: هب أنا سلمنا لك يا محمد صحة ما تقوله من أنه تعالى حكم بإنزال العذاب علينا إما في الدنيا وإما في الآخرة، إلا أنا نعبد هذه الأصنام فإنها شفعاؤنا عند الله فهي تشفع لنا عنده فنتخلص من هذا العذاب المحكوم به بسبب شفاعة هذه الأصنام.
فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله: ﴿ سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ فنزه نفسه عن شركة الشركاء والأضداد، والأنداد وأن يكون لأحد من الأرواح والأجسام أن يشفع عنده إلا بإذنه و ﴿ مَا ﴾ في قوله: ﴿ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ يجوز أن تكون مصدرية، والتقدير: سبحانه وتعالى عن إشراكهم ويجوز أن تكون بمعنى الذي، أي سبحانه وتعالى عن هذه الأصنام التي جعلوها شركاء لله، لأنها جمادات خسيسة، فأي مناسبة بينها وبين أدون الموجودات فضلاً عن أن يحكم بكونها شركاء لمدبر الأرض والسموات.
السؤال الثالث: هب أنه تعالى قضى على بعض عبيده بالسراء وعلى آخرين بالضراء ولكن كيف يمكنك أن تعرف هذه الأسرار التي لا يعلمها إلا الله، وكيف صرت بحيث تعرف أسرار الله وأحكامه في ملكه وملكوته؟
فأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿ يُنَزّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآء مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لا إله إِلا أَنَاْ فاتقون ﴾ وتقرير هذا الجواب أنه تعالى ينزل الملائكة على من يشاء من عبيده ويأمر ذلك العبد بأن يبلغ إلى سائر الخلق أن إله العالم واحد كلفهم بمعرفة التوحيد والعبادة وبين أنهم إن فعلوا ذلك فازوا بخيري الدنيا والآخرة، وإن تمردوا وقعوا في شر الدنيا والآخرة، فبهذا الطريق صار مخصوصاً بهذه المعارف من دون سائر الخلق، وظهر بهذا الترتيب الذي لخصناه أن هذه الآيات منتظمة على أحسن الوجوه والله أعلم.
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي: (ينزل) بالياء وكسر الزاي وتشديدها، والملائكة بالنصب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿ يُنَزّل ﴾ بضم الياء وكسر الزاي وتخفيفها، والأول من التفعيل، والثاني من الأفعال، وهما لغتان: المسألة الثانية: روي عن عطاء عن ابن عباس قال: يريد بالملائكة جبريل وحده.
قال الواحدي: وتسمية الواحد باسم الجمع إذا كان ذلك الواحد رئيساً مقدماً جائز كقوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ ﴾ ﴿ وَإِنَا أنزلناه ﴾ .
﴿ وإِنَا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر ﴾ وفي حق الناس كقوله: ﴿ الذين قَالَ لَهُمُ الناس ﴾ وفيه قول آخر سيأتي شرحه بعد ذلك وقوله: ﴿ بالروح مِنْ أَمْرِهِ ﴾ فيه قولان: القول الأول: أن المراد من الروح الوحي وهو كلام الله ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا ﴾ وقوله: ﴿ يُلْقِى الروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ ﴾ قال أهل التحقيق: الجسد موات كثيف مظلم، فإذا اتصل به الروح صار حياً لطيفاً نورانياً.
فظهرت آثار النور في الحواس الخمس، ثم الروح أيضاً ظلمانية جاهلة، فإذا اتصل العقل بها صارت مشرقة نورانية، كما قال تعالى؛ ﴿ والله أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أمهاتكم لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة ﴾ ثم العقل أيضاً ليس بكامل النورانية والصفاء والإشراق حتى يستكمل بمعرفة ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ومعرفة أحوال عالم الأرواح والأجساد، وعالم الدنيا والآخرة، ثم إن هذه المعارف الشريفة الإلهية لا تكمل ولا تصفو إلا بنور الوحي والقرآن.
إذا عرفت هذا فنقول: القرآن والوحي به تكمل المعارف الإلهية، والمكاشفات الربانية وهذه المعارف بها يشرق العقل ويصفو ويكمل، والعقل به يكمل جوهر الروح، والروح به يكمل حال الجسد، وعند هذا يظهر أن الروح الأصلي الحقيقي هو الوحي والقرآن، لأن به يحصل الخلاص من رقدة الجهالة، ونوم الغفلة، وبه يحصل الانتقال من حضيض البهيمية إلى أوج الملكية، فظهر أن إطلاق لفظ الروح على الوحي في غاية المناسبة والمشاكلة، ومما يقوى ذلك أنه تعالى أطلق لفظ الروح على جبريل عليه السلام في قوله: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ ﴾ وعلى عيسى عليه السلام في قوله: ﴿ رَّوْحِ الله ﴾ وإنما حسن هذا الإطلاق، لأنه حصل بسبب وجودهما حياة القلب وهي الهداية والمعارف، فلما حسن إطلاق اسم الروح عليهما لهذا المعنى، فلأن يحسن إطلاق لفظ الروح على الوحي والتنزيل كان ذلك أولى.
والقول الثاني: في هذه الآية وهو قول أبي عبيدة إن الروح هاهنا جبريل عليه السلام، والباء في قوله: ﴿ بالروح ﴾ بمعنى مع كقولهم خرج فلان بثيابه، أي مع ثيابه وركب الأمير بسلاحه أي مع سلاحه، فيكون المعنى: ينزل الملائكة مع الروح وهو جبريل، والأول أقرب، وتقرير هذا الوجه: أنه سبحانه وتعالى ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم جبريل وحده، بل في أكثر الأحوال كان ينزل مع جبريل أفواجاً من الملائكة، ألا ترى أن في يوم بدر وفي كثير من الغزوات كان ينزل مع جبريل عليه السلام أقوام من الملائكة، وكان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم تارة ملك الجبال.
وتارة ملك البحار.
وتارة رضوان.
وتارة غيرهم.
وقوله: ﴿ مِنْ أَمْرِهِ ﴾ يعني أن ذلك التنزيل والنزول لا يكون إلا بأمر الله تعالى، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ ﴾ وقوله: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ وقوله: ﴿ وَهُمْ مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾ وقوله: ﴿ يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ وقوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ فكل هذه الآيات دالة على أنهم لا يقدمون على عمل من الأعمال إلا بأمر الله تعالى وإذنه، وقوله: ﴿ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ يريد الأنبياء الذين خصهم الله تعالى برسالته، وقوله: ﴿ أَنْ أَنْذِرُواْ ﴾ قال الزجاج: ﴿ أن ﴾ بدل من الروح والمعنى: ينزل الملائكة بأن أنذروا، أي أعلموا الخلائق أنه لا إله إلا أنا، والإنذار هو الإعلام مع التخويف.
المسألة الثانية: في الآية فوائد: الفائدة الأولى: أن وصول الوحي من الله تعالى إلى الأنبياء لا يكون إلا بواسطة الملائكة، ومما يقوى ذلك أنه تعالى قال في آخر سورة البقرة: ﴿ والمؤمنون كُلٌّ ءامَنَ بالله وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ﴾ فبدأ بذكر الله سبحانه ثم أتبعه بذكر الملائكة، لأنهم هم الذين يتلقون الوحي من الله ابتداء من غير واسطة، وذلك الوحي هو الكتب، ثم إن الملائكة يوصلون ذلك الوحي إلى الأنبياء فلا جرم كان الترتيب الصحيح هو الابتداء بذكر الله تعالى، ثم بذكر الملائكة، ثم بذكر الكتب وفي الدرجة الرابعة بذكر الرسل.
إذا عرفت هذا فنقول: إذا أوحى الله تعالى إلى الملك فعلم ذلك الملك بأن ذلك الوحي وحي الله علم ضروري أو استدلالي.
وبتقدير أن يكون استدلالياً فكيف الطريق إليه؟
وأيضاً الملك إذا بلغ ذلك الوحي إلى الرسول فعلم الرسول بكونه ملكاً صادقاً لا شيطاناً رجيماً ضروري أو استدلالي فإن كان استدلالياً فكيف الطريق إليه؟
فهذه مقامات ضيقة، وتمام العلم بها لا يحصل إلا بالبحث عن حقيقة الملك وكيفية وحي الله إليه، وكيفية تبليغ الملك ذلك الوحي إلى الرسول.
فأما إذا أجرينا هذه الأمور على الكلمات المألوفة صعب المرام وزال النظام، وذلك لأن آيات القرآن ناطقة بأن هذا الوحي والتنزيل إنما حصل من الملائكة أو نقول: هب أن آيات القرآن لم تدل على ذلك إلا أن احتمال كون الأمر كذلك قائم في بديهة العقل.
وإذا عرفت هذا فنقول: لا نعلم كون جبريل عليه السلام صادقاً معصوماً عن الكذب والتلبيس إلا بالدلائل السمعية، وصحة الدلائل السمعية موقوفة على أن محمداً صلى الله عليه وسلم صادق، وصدقه يتوقف على أن هذا القرآن معجز من قبل الله تعالى، لا من قبل شيطان خبيث، والعلم بذلك يتوقف على العلم بأن جبريل صادق محق مبرأ عن التلبيس وعن أفعال الشيطان، وحينئذ يلزم الدور، فهذا مقام صعب.
أما إذا عرفنا حقيقة النبوة وعرفنا حقيقة الوحي زالت هذه الشبهة بالكلية، والله أعلم.
المسألة الرابعة: هذه الآية تدل على أن الروح المشار إليها بقوله: ﴿ يُنَزِّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ ﴾ ليس إلا لمجرد قوله: ﴿ لآ إله إلآ أَنَاْ فاتقون ﴾ وهذا كلام حق، لأن مراتب السعادات البشرية أربعة: أولها: النفسانية.
وثانيها: البدنية، وفي المرتبة الثالثة: الصفات البدنية التي لا تكون من اللوازم، وفي المرتبة الرابعة: الأمور المنفصلة عن البدن.
أما المرتبة الأولى: وهي الكمالات النفسانية، فاعلم أن النفس لها قوتان: إحداهما: استعدادها لقبول صور الموجودات من عالم الغيب، وهذه القوة هي القوة المسماة بالقوة النظرية، وسعادة هذه القوة في حصول المعارف.
وأشرف المعارف وأجلها معرفة أنه لا إله إلا هو، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لآ إله إِلآ أَنَاْ ﴾ والقوة الثانية للنفس: استعدادها للتصرف في أجسام هذا العالم، وهذه القوة هي القوة المسماة بالقوة العملية، وسعادة هذه القوة في الإتيان بالأعمال الصالحة، وأشرف الأعمال الصالحة هو عبودية الله تعالى، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ فاتقون ﴾ ولما كانت القوة النظرية أشرف من القوة العملية لا جرم قدم الله تعالى كمالات القوة النظرية، وهي قوله: ﴿ لآ إله إِلآ أَنَاْ ﴾ على كمالات القوة العملية وهي قوله: ﴿ فاتقون ﴾ .
وأما المرتبة الثانية: وهي السعادات البدنية فهي أيضاً قسمان: الصحة الجسدانية، وكمالات القوى الحيوانية، أعني القوى السبع عشرة البدنية.
وأما المرتبة الثالثة: وهي السعادات المتعلقة بالصفات العرضية البدنية، فهي أيضاً قسمان: سعادة الأصول والفروع، أعني كمال حال الآباء.
وكمال حال الأولاد.
وأما المرتبة الرابعة: وهي أخس المراتب فهي السعادات الحاصلة بسبب الأمور المنفصلة وهي المال والجاه، فثبت أن أشرف مراتب السعادات هي الأحوال النفسانية، وهي محصورة في كمالات القوة النظرية والعملية، فلهذا السبب ذكر الله هاهنا أعلى حال هاتين القوتين فقال: ﴿ أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لآ إله إِلآ أَنَاْ فاتقون ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ ينزل ﴾ بالتخفيف والتشديد وقرئ: ﴿ تنزل الملائكة ﴾ أي تتنزل ﴿ بالروح مِنْ أَمْرِهِ ﴾ بما يحيي القلوب الميتة بالجهل من وحيه، أو بما يقوم في الدين مقام الروح في الجسد، و ﴿ أَنْ أَنْذِرُواْ ﴾ بدل من الروح، أي ينزلهم بأن أنذروا.
وتقديره: بأنه أنذروا، أي: بأن الشأن أقول لكم أنذروا.
أو تكون (إن) مفسرة؛ لأنّ تنزيل الملائكة بالوحي فيه معنى القول.
ومعنى أنذروا ﴿ أَنَّهُ لا إله إِلا أَنَاْ ﴾ أعلموا بأنّ الأمر ذلك، من نذرت بكذا إذا علمته.
والمعنى: يقول لهم أعلموا الناس قولي لا إله إلا أنا ﴿ فاتقون ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ ﴾ بِالوَحْيِ أوِ القُرْآنِ، فَإنَّهُ يُحْيِي بِهِ القُلُوبَ المَيِّتَةَ بِالجَهْلِ، أوْ يَقُومُ في الدِّينِ مَقامَ الرُّوحِ في الجَسَدِ، وذَكَرَهُ عَقِيبَ ذَلِكَ إشارَةً إلى الطَّرِيقِ الَّذِي بِهِ عَلِمَ الرَّسُولُ ما تَحَقَّقَ مَوْعِدُهم بِهِ ودُنُوَّهُ وإزاحَةً لِاسْتِبْعادِهِمُ اخْتِصاصَهُ بِالعِلْمِ بِهِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ﴿ يُنَزِّلُ ﴾ مِن أنْزَلَ، وعَنْ يَعْقُوبَ مِثْلُهُ وعَنْهُ « تَنْزِلُ» بِمَعْنى تَتَنَزَّلُ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ « تُنْزَلُ» عَلى المُضارِعِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ مِنَ التَّنْزِيلِ.
﴿ مِن أمْرِهِ ﴾ بِأمْرِهِ أوْ مِن أجْلِهِ.
﴿ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ﴾ أنْ يَتَّخِذَهُ رَسُولًا.
﴿ أنْ أنْذِرُوا ﴾ بِأنْ أنْذِرُوا أيِ اعْلَمُوا مِن نَذَرْتُ بِكَذا إذا عَلِمْتُهُ.
﴿ أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاتَّقُونِ ﴾ أنَّ الشَّأْنَ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ، أوْ خَوِّفُوا أهْلَ الكُفْرِ والمَعاصِي بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا وقَوْلُهُ ﴿ فاتَّقُونِ ﴾ رُجُوعٌ إلى مُخاطَبَتِهِمْ بِما هو المَقْصُودُ، و ﴿ أنْ ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِأنَّ الرُّوحَ بِمَعْنى الوَحْيِ الدّالِّ عَلى القَوْلِ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ في مَوْضِعِ الجَرِّ بَدَلًا مِنَ الرُّوحِ أوِ النَّصْبُ بِنَزْعِ الخافِضِ، أوْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ.
والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ نُزُولَ الوَحْيِ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ وأنَّ حاصِلَهُ التَّنْبِيهُ عَلى التَّوْحِيدِ الَّذِي هو مُنْتَهى كَمالِ القُوَّةِ العِلْمِيَّةِ، والأمْرُ بِالتَّقْوى الَّذِي هو أقْصى كَمالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ.
وأنَّ النُّبُوَّةَ عَطائِيَّةٌ والآياتِ الَّتِي بَعْدَها دَلِيلٌ عَلى وحْدانِيَّتِهِ مِن حَيْثُ إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى هو المُوجِدُ لِأُصُولِ العالَمِ وفُرُوعِهِ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ، ولَوْ كانَ لَهُ شَرِيكٌ لَقَدَرَ عَلى ذَلِكَ فَيَلْزَمُ التَّمانُعُ.
<div class="verse-tafsir"
{ينزل الملائكة} وبالتحفيف مكي وأبو عمرو {بالروح} بالوحي أو بالقرآن لأن كلاً منهما يقوم في الدين مقام الروح في الجسد أو يحيي القلوب الميتة بالجهل {مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُواْ} أن مفسرة لأن تنزيل الملائكة بالوحي فيه معنى القول ومعنى أنذروا {أَنَّهُ لآ إله إِلا أَنَاْ فاتقون} أعلموا بأن الأمر ذلك من نذرت بكذا إذا علمته والمعنى أعلموا الناس قولي لا إله إلَّا أنا فاتقون فخافون وبالياء يعقوب
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣)
ثم
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ ﴾ إلَخْ تَفْصِيلٌ لِما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أيْقَظَ أوَّلًا ثُمَّ نَعى عَلَيْهِمْ ما هم فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ ثُمَّ أرْدَفَهُ بِدَلائِلِ السَّمْعِ والعَقْلِ، وقَدَّمَ السَّمْعِيَّ لِأنَّ صاحِبَهُ هو القائِمُ بِتَحْرِيرِ العَقْلِيِّ وتَهْذِيبِهِ أيْضًا فَلَيْسَ النَّظَرُ إلى دَلِيلِ السَّمْعِ بَلْ إلى مَن قامَ بِهِ مِنَ المَلائِكَةِ والرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهُمُ القائِمُونَ بِالأمْرَيْنِ جَمِيعًا فافْهَمْ.
وأخَذَ سِيبَوَيْهِ مِنهُ أنَّ جَعْلَ ( يُنَزِّلُ ) حالًا مِن ضَمِيرِ ( يُشْرِكُونَ ) لا يُطابِقُ المَقامَ البَتَّةَ انْتَهى.
وما ذَكَرَهُ مِن أمْرِ الحالِيَّةِ إشارَةٌ إلى الِاعْتِراضِ عَلى شَيْخِهِ العَلّامَةِ الطَّيِّبِيِّ حَيْثُ جَعَلَ ذَلِكَ أحَدَ احْتِمالَيْنِ في الجُمْلَةِ، ثانِيهُما كَوْنُها مُسْتَأْنِفَةً وهو الظّاهِرُ، وما أشارَ إلَيْهِ مِن وجْهِ الرَّبْطِ وادَّعى أنَّهُ التَّحْقِيقُ لا يَخْلُو عَمّا هو خِلافُ المُتَبادَرِ، والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ التَّنْزِيلَ عادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ لَهُ تَعالى، والمُرادُ بِالمَلائِكَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ويُسَمّى الواحِدُ بِالجَمْعِ- كَما قالَ الواحِدِيُّ- إذا كانَ رَئِيسًا، وعِنْدَ بَعْضٍ هو عَلَيْهِ السَّلامُ ومِن مَعَهُ مِن حَفَظَةِ الوَحْيِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو «يُنْزِلُ» مُخَفَّفًا مِنَ الإنْزالِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والأعْمَشُ وأبُو بَكْرٍ يُنَزَّلُ مُشَدِّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمَلائِكَةُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ نائِبُ الفاعِلِ والجَحْدَرِيُّ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ خَفَّفَ، وأبُو العالِيَةِ والأعْرَجُ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ «( تَنَزَّلُ )» بِتاءٍ فَوْقِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ وتَشْدِيدِ الزّايِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وقَدْ حُذِفَ مِنهُ أحَدُ التّاءَيْنِ وأصْلُهُ تَتَنَزَّلُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ «نُنَزِّلَ» بِنُونِ العَظَمَةِ والتَّشْدِيدِ، وقَتادَةُ بِالنُّونِ والتَّخْفِيفِ، وفي هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ كَما في البَحْرِ التِفاتٌ ﴿ بِالرُّوحِ ﴾ أيِ الوَحْيِ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ القُرْآنُ، ورُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ الِاقْتِصارُ عَلَيْهِ، وأيًّا ما كانَ فَإطْلاقُ «الرُّوحِ» عَلى ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ المُصَرَّحَةِ المُحَقَّقَةِ، ووَجْهُ الشَّبَهِ أنَّ الوَحْيَ يُحْيِي القُلُوبَ المَيِّتَةَ بِداءِ الجَهْلِ والضَّلالِ أوْ أنَّهُ يَكُونُ بِهِ قِوامُ الدِّينِ كَما أنَّ بِالرُّوحِ يَكُونُ قِوامُ البَدَنِ، ويَلْزَمُ ذَلِكَ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ وهي تَشْبِيهُ الجَهْلِ والضَّلالِ بِالمَوْتِ وضِدَّ ذَلِكَ بِالحَياةِ أوْ تَشْبِيهُ الدِّينِ بِإنْسانٍ ذِي جَسَدٍ ورُوحٍ، وهَذا كَما إذا قُلْتَ: رَأيْتُ بَحْرًا يَغْتَرِفُ النّاسُ مِنهُ وشَمْسًا يَسْتَغِيثُونَ بِها فَإنَّهُ يَتَضَمَّنُ تَشْبِيهَ عِلْمِ المَمْدُوحِ بِالماءِ العَظِيمِ والنُّورِ السّاطِعِ لَكِنَّهُ جاءَ مِن عَرْضٍ فَلَيْسَ- كَأظْفارِ المَنِيَّةِ- ولَيْسَ غَيْرَ كَوْنِهِ اسْتِعارَةً مُصَرَّحَةً، وجَعْلُ ذَلِكَ في الكَشْفِ مِن قَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ ولَيْسَ بِذاكَ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ السّابِقِ أوْ بِما هو خالٍ مِن مَفْعُولِهِ أيْ يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ مُلْتَبِسِينَ بِالرُّوحِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِن أمْرِهِ ﴾ بَيانٌ لِلرُّوحِ المُرادُ بِهِ الوَحْيُ، والأمْرُ بِمَعْنى الشَّأْنِ واحِدُ الأُمُورِ، ولا يُخْرِجُ ذَلِكَ الرُّوحَ مِنَ الِاسْتِعارَةِ إلى التَّشْبِيهِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطُ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ﴾ لِما قالُوا: مِن أنَّ بَيْنَهُما بَوْنًا بَعِيدًا لِأنَّ نَفْسَ الفَجْرِ عَيْنُ المُشَبَّهِ شُبِّهَ بِخَيْطٍ، ولَيْسَ مُطْلَقُ الأمْرِ بِالمَعْنى السّابِقِ مُشَبَّهًا بِهِ ولِذا بُيِّنَتْ بِهِ الرُّوحُ الحَقِيقِيَّةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي ﴾ كَما تَبَيَّنَ بِهِ المَجازِيَّةُ، ولَوْ قِيلَ: يُلْقِي أمْرَهُ الَّذِي هو الرُّوحُ لَمْ يَخْرُجْ عَنِ الِاسْتِعارَةِ فَلَيْسَ وِزانُ ﴿ مِن أمْرِهِ ﴾ وِزانَ ﴿ مِنَ الفَجْرِ ﴾ ولَيْسَ كُلُّ بَيانٍ مانِعًا مِنَ الِاسْتِعارَةِ كَما يُتَوَهَّمُ مِن كَلامِ المُحَقِّقِ في شَرْحِ التَّلْخِيصِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الرُّوحِ عَلى مَعْنى حالِ كَوْنِهِ ناشِئًا ومُبْتَدَأً مِنهُ أوْ صِفَةً لَهُ عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ حَذْفَ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ أيْ بِالرُّوحِ الكائِنِ مِن أمْرِهِ أوْ مُتَعَلِّقًا- بِيُنَزِّلُ- ( ومِن ) سَبَبِيَّةٌ أوْ تَعْلِيلِيَّةٌ أوْ يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِسَبَبِ أمْرِهِ أوْ لِأجْلِهِ، والأمْرُ عَلى هَذا واحِدُ الأوامِرِ، وعَلى ما قَبْلَهُ قِيلَ: فِيهِ احْتِمالانِ.
وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ «الرُّوحَ» هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأيَّدَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ ﴾ وجَعْلِ الباءَ بِمَعْنى مَعَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ «الرُّوحَ» خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى كَصُوَرِ بَنِي آدَمَ لا يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ مَلَكٌ إلّا ومَعَهُ واحِدٌ مِنهُمْ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وعَلَيْهِ حَمْلُ بَعْضِهِمْ ما في الآيَةِ هُنا.
وتَعَقَّبَ ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنَّ هَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لَمْ يَأْتِ لَهُ سَنَدٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وأضْعَفُ مِنهُ بَلْ لا يَكادُ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ في الآيَةِ أحَدُ ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المُرادَ بِالرُّوحِ أرْواحُ الخَلْقِ لا يَنْزِلُ مَلَكٌ إلّا ومَعَهُ رُوحٌ مِن تِلْكَ الأرْواحِ ﴿ عَلى مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ ﴾ أيْ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ لا لِاخْتِصاصِهِمْ بِصِفاتٍ تُؤَهِّلُهم لِذَلِكَ.
والآيَةُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ النُّبُوَّةَ عَطائِيَّةٌ كَما هو المَذْهَبُ الحَقُّ، ويُرَدُّ بِها أيْضًا عَلى بَعْضِ المُتَصَوِّفَةِ القائِلِينَ بِأنَّهُ لا حاجَةَ لِلْخَلْقِ إلى إرْسالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قالُوا: الرُّسُلُ سِوى اللَّهِ تَعالى وكُلُّ ما سِواهُ سُبْحانَهُ حِجابٌ عَنْهُ جَلَّ شَأْنُهُ فالرُّسُلُ حِجابٌ عَنْهُ تَعالى وكُلُّ ما هو حِجابٌ لا حاجَةَ لِلْخَلْقِ فالرُّسُلُ لا حاجَةَ إلَيْهِمْ، وهَذا جَهْلٌ ظاهِرٌ، ولَعَمْرِي إنَّهُ زَنْدَقَةٌ وإلْحادٌ، وفَسادُهُ مِثْلُ كَوْنِهِ زَنْدَقَةً في الظُّهُورِ، ويَكْفِي في ذَلِكَ مَنعُ الكُبْرى القائِلَةِ بِأنَّ كُلَّ ما سِواهُ سُبْحانَهُ إلَخْ فَإنَّ الرُّسُلَ وسِيلَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى والوُصُولُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ لا حِجابٌ، وهَلْ يَقْبَلُ ذُو عَقْلٍ أنَّ نائِبَ السُّلْطانِ في بِلادِهِ حِجابٌ عَنْهُ؟
وهَبْ هَذا القائِلُ أمْكَنَهُ الوُصُولُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِلا واسِطَةٍ بِقُوَّةِ الرِّياضَةِ والِاسْتِعْدادِ والقابِلِيَّةِ فالسَّوادُ الأعْظَمُ الَّذِينَ لا يُمْكِنُهم ما أمْكَنَهُ كَيْفَ يَصْنَعُونَ.
ومِمَّنْ يَنْتَظِمُ في سَلْكِ هَؤُلاءِ المُلْحِدِينَ البَراهِمَةُ فَإنَّهم أيْضًا نَفَوْا النُّبُوَّةَ لَكِنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا بِأنَّ العَقْلَ كافٍ فِيما يَنْبَغِي أنْ يَسْتَعْمِلَهُ المُكَلَّفُ فَيَأْتِي بِالحُسْنِ ويَجْتَنِبُ القَبِيحَ ويَحْتاطُ في المُشْتَبَهِ بِفِعْلٍ أوْ تَرْكٍ، فالأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إمّا أنْ يَأْتُوا بِما يُوافِقُ العَقْلَ فَلا حاجَةَ مَعَهُ إلَيْهِمْ أوْ بِما يُخالِفُهُ فَلا التِفاتَ إلَيْهِمْ، وجَوابُهُ أنَّ هَذا مَبْنِيٌّ عَلى القَوْلِ بِالحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيِّينَ، وقَدْ رُفِعَتِ الأقْلامُ وجَفَّتِ الصُّحُفُ وتَمَّ الأمْرُ في إبْطالِهِ، وعَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ لا نُسَلِّمُ أنَّ العَقْلَ يَسْتَقِلُّ بِجَمِيعِ ما يَنْبَغِي، ولا نُسَلِّمُ أيْضًا أنَّهم إنْ جاؤُوا بِما يُوافِقُ العَقْلَ لا حاجَةَ إلَيْهِمْ لِجَوازِ أنْ يُعَرِّفُوا المُكَلَّفَ بَعْضَ ما يَخْفى عَلَيْهِ مِمّا يَنْبَغِي لَهُ أوْ يُؤَكِّدُوا حُكْمَهُ بِحُكْمِهِمْ، ودَلِيلانِ أقْوى مِن دَلِيلٍ، ولا نُسَلِّمُ أيْضًا أنَّهم إنْ جاؤُوا بِما يُخالِفُ العَقْلَ لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ لِجَوازِ أنْ يُخالِفُوهُ فِيما يَخْفى عَلَيْهِ، عَلى أنَّ ذَلِكَ فَرْضٌ مُحالٌ لِإجْماعِ النّاسِ عَلى أنَّ الشَّرْعَ لا يَأْتِي بِخِلافِ العَقْلِ في نَفْسِ الأمْرِ وإنَّما يَأْتِي بِما يُقَصِّرُ عَنْ إدْراكِهِ بِنَفْسِهِ كَوُجُوبِ صَوْمِ آخِرَ يَوْمٍ مِن رَمَضانَ وحُرْمَةِ صَوْمِ أوَّلِ يَوْمٍ مِن شَوّالَ، وتَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ ﴿ أنْ أنْذِرُوا ﴾ بَدَلٌ مِنَ الرُّوحِ عَلى أنَّ ( أنْ ) هي الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَنْصِبَ المُضارِعَ وُصِّلَتْ بِالأمْرِ كَما وُصِّلَتْ بِهِ في قَوْلِهِمْ: كَتَبْتُ إلَيْهِ بِأنْ قُمْ، ولا ضَيْرَ في ذَلِكَ كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ أيْ يُنْزِلُهم مُلْتَبِسِينَ بِطَلَبِ الإنْذارِ مِنهم.
وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ وصاحِبُ الغَنِيّانِ كَوْنَ ( أنْ ) مُفَسِّرَةً فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وذَلِكَ لِما في تَنْزِيلِ المَلائِكَةِ بِالوَحْيِ مِن مَعْنى القَوْلِ كَأنَّهُ قِيلَ: يَقُولُ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ وكَوْنَ (أنِ) المُخَفَّفَةَ مِنَ المُثَقَّلَةِ وأمْرَ البَدَلِيَّةِ عَلى حالٍ قالَ: والتَّقْدِيرُ بِأنَّهُ أنْذِرُوا أيْ بِأنَّ الشَّأْنَ أقُولُ لَكم أنْذِرُوا.
وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ جَعْلَها مُخَفَّفَةً وإضْمارَ اسْمِها وهو ضَمِيرُ الشَّأْنِ وتَقْدِيرَ القَوْلِ حَتّى يَكُونَ الخَبَرُ جُمْلَةً خَبَرِيَّةً تَكَلُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ مَعَ سُهُولَةِ جَعْلِها الثُّنائِيَّةَ الَّتِي مِن شَأْنِها نَصْبُ المُضارِعِ، وفِيهِ بَحْثٌ، فَفي الكَشْفِ أنَّ تَحْقِيقَ وصْلِ الأمْرِ بِهَذا الحَرْفِ ناصِبَةً كانَتْ أوْ مُخَفَّفَةً وإضْمارَ القَوْلِ قَدْ سَلَفَ إنَّما الكَلامُ في إيثارِ المُخَفَّفَةِ هاهُنا وفي يُونُسَ والنّاصِبَةِ في نُوحٍ وهي الأصْلُ لِقِلَّةِ التَّقْدِيرِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَقامَ المُبالِغَةِ يَقْتَضِي إيثارَ المُخَفَّفَةِ، ولِهَذا جُعِلَ بَدَلًا والمُبْدَلُ مِنهُ ما عُرِفَ شَأْنُهُ، وكَذاكَ في يُونُسَ مَعْناهُ أُعْجِبُوا مِن هَذا الأمْرِ المُحَقَّقِ وهو أنَّ الشَّأْنَ كَذا، وأمّا في نُوحٍ فَكَلامٌ ابْتِدائِيٌّ، وجَعْلُهم فائِدَةَ القَوْلِ أنْ لا يَقَعَ الطَّلَبِيُّ خَبَرًا مِن ضِيقِ العَطَنِ فَذَلِكَ في ضَمِيرِ الشَّأْنِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِأنَّهُ مُتَّحِدٌ بِما بَعْدَهُ وهو كَما تَقُولُ: كَلامِي اضْرِبْ زَيْدًا انْتَهى.
وقُرِئَ لِيُنْذِرُوا والإنْذارُ الإعْلامُ كَما قِيلَ خَلا أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِإعْلامِ المَحْذُورِ أيِ اعْلَمُوا ( أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا ) فالضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ وهو مِن خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ، وفائِدَةُ تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِهِ الإيذانُ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِفَخامَةِ مَضْمُونِها مَعَ ما في ذَلِكَ مِن زِيادَةِ تَقْرِيرٍ في الذِّهْنِ، ( وأنْ ) وما بَعْدَها في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي- لِأنْذِرُوا- دُونَ تَقْدِيرِ جارٍّ فِيهِ والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ.
والمُرادُ العُمُومُ أيْ أعْلِمُوا النّاسَ أنَّ الشَّأْنَ الخَطِيرَ هَذا، ووَجْهُ إنْباءِ مَضْمُونِهِ عَنِ المَحْذُورِ بِأنَّهُ لَيْسَ لِذاتِهِ بَلْ مِن حَيْثُ اتِّصافُ المُنْذِرِينَ بِما يُضادُّهُ مِنَ الإشْراكِ، ولا يُشْتَرَطُ تَحَقُّقُ المَحْذُورِ كالِاتِّصافِ المَذْكُورِ بِالفِعْلِ في تَحَقُّقِ ماهِيَّةِ الإنْذارِ، وإنْ أبَيْتَ إلّا الِاشْتِراطَ فَتَحَقُّقُ الِاتِّصافِ في بَعْضِ أفْرادِ المُنْذِرِينَ لا سِيَّما الأكْثَرُ بِالفِعْلِ كافٍ.
وقالَ الرّاغِبُ: الإنْذارُ إخْبارٌ فِيهِ تَخْوِيفٌ كَما أنَّ التَّبْشِيرَ إخْبارٌ فِيهِ سُرُورٌ وهو قَرِيبٌ مِمّا تَقَدَّمَ، ومُحَصِّلُهُ عَلى العِبارَتَيْنِ التَّخْوِيفُ، ومِن هُنا جَوَّزَ بَعْضُهم تَفْسِيرَهُ بِذَلِكَ وقُدِّرَ المَفْعُولُ الأوَّلُ خاصًّا ( وأنْ ) وما بَعْدَها في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي بِتَقْدِيرِ الجارِّ أيْ خَوِّفُوا أهْلَ الكُفْرِ والمَعاصِي بِأنَّ الشَّأْنَ الخَطِيرَ هَذا، وذَلِكَ كَما جُوِّزَ تَفْسِيرُهُ بِالإعْلامِ، وجُعِلَ المَفْعُولُ الأوَّلُ عامًّا ولَمْ يُقَدِّرْ جارًّا في الثّانِي، وذُكِرَ أنَّ ذَلِكَ أصْلُ مَعْناهُ وأنَّ تَخْصِيصَهُ بِإعْلامِ المَحْذُورِ طارِئٌ فَإنْ أُرِيدَ ذَلِكَ الأصْلُ كانَ تَعَلُّقُهُ بِما بَعْدَهُ ظاهِرًا غايَةَ الظُّهُورِ، وإنْ أُرِيدَ غَيْرُهُ احْتاجَ إلى التَّوْجِيهِ، وقَدْ عَلِمْتَهُ فِيما إذا كانَ المَفْعُولُ الأوَّلُ عامًّا، والأمْرُ فِيما إذا كانَ خاصًّا بَعْدَ ذَلِكَ أظْهَرُ مِن أنْ يُذْكُرَ.
وذَكَرَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّ الثّابِتَ في اللُّغَةِ أنَّ نَذَرَ بِالشَّيْءِ كَفَرِحَ بِهِ فَحَذَّرَهُ وأنْذَرَهُ إذا أعْلَمَهُ بِما يُحَذِّرُهُ ولَيْسَ فِيها مَجِيئُهُ بِمَعْنى التَّخْوِيفِ فَأصْلُهُ الإعْلامُ مَعَ التَّخْوِيفِ فاسْتَعْمَلُوهُ بِكُلٍّ مِن جُزْأيْ مَعْنَيَيْهِ الإعْلامِ والتَّخْوِيفِ انْتَهى وفِيهِ غَفْلَةٌ عَمّا أشَرْنا إلَيْهِ، وكَأنَّهُ لِهَذا قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ ﴿ فاتَّقُونِ ﴾ جَعَلَهُ أبُو السُّعُودِ خِطابًا لِلْمُسْتَعْجِلِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ والفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ مِن جَرَيانِ عادَتِهِ تَعالى بِتَنْزِيلِ المَلائِكَةِ عَلى مَن يَشاءُ تَنْزِيلُهم عَلَيْهِ مِن عِبادِهِ وأمَرَ المُنَزَّلِ عَلَيْهِمْ بِأنْ يُنْذِرُوا النّاسَ بِأنَّهُ تَعالى لا شَرِيكَ لَهُ في الأُلُوهِيَّةِ فاتَّقَوْنِ في الإخْلالِ بِمَضْمُونِهِ ومُباشَرَةِ ما يُنافِيهِ وفُرُوعِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الِاسْتِعْجالُ والِاسْتِهْزاءُ انْتَهى.
وهُوَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ مَبْنِيٌّ عَلى ما مالَ إلَيْهِ مِنَ اخْتِصاصِ الخِطابِ السّابِقِ بِكَفَرَةٍ، وجَعَلَ بَعْضُهم هَذا الخِطابَ رُجُوعًا أيْضًا إلى خِطابِ قُرَيْشٍ لَكِنَّهُ مُتَفَرِّعٌ عَلى التَّوْحِيدِ، ووَجْهُ تَفَرُّعِهِ عَلَيْهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إذا كانَ واحِدًا لَمْ يُتَصَوَّرْ تَخْلِيصُ أحَدٍ لِأحَدٍ مِن عَذابِهِ إذا أرادَ ذَلِكَ ولَمْ يُجَوَّزْ جَعْلُهُ مِن جُمْلَةِ المُوحى بِهِ عَلى مَعْنى أعْلِمُوهم قَوْلِي أنَّ الشَّأْنَ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقَوْنِ أوْ خَوِّفُوهم بِذَلِكَ مُعَلِّلًا بِأنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ لَقِيلَ- إنَّ- بِالكَسْرِ لا بِالفَتْحِ.
وتُعِقِّبَ بِمَنعِ اللُّزُومِ فَإنَّ أنَّ لَيْسَتْ بَعْدَ قَوْلٍ صَرِيحٍ أوْ مُقَدَّرٍ وإنَّما ذَكَرُوا ذَلِكَ في بَيانِ المَعْنى لِتَصْوِيرِهِ، واخْتِيرَ أنَّهُ إذا كانَ الإنْذارُ بِمَعْنى التَّخْوِيفِ فالظّاهِرُ دُخُولُ هَذا الأمْرِ في المُنْذِرِ بِهِ لِأنَّهُ هو المُنْذِرُ بِهِ في الحَقِيقَةِ وهو المَقْصُودُ بِالذِّكْرِ، وإذا كانَ بِمَعْنى الإعْلامِ فالمَقْصُودُ بِالإعْلامِ هو الجُمْلَةُ الأُولى وهو مُتَفَرِّعٌ عَلَيْها عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ، ولا يَخْلُو عَنْ مُناقَشَةٍ فَتَأمَّلْ، والَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ القَلْبُ أنَّ المَجْمُوعَ داخِلٌ في حَيِّزِ الإنْذارِ وهو مُشْتَمِلٌ عَلى التَّوْحِيدِ الَّذِي هو مُنْتَهى كَمالِ القُوَّةِ العِلْمِيَّةِ والأمْرِ بِالتَّقْوى الَّتِي هي أقْصى كَمالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ فَإنَّ النُّفُوسَ البَشَرِيَّةَ لَها نِسْبَةٌ إلى عالَمِ الغَيْبِ تَسْتَعِدُّ بِها لِقَبُولِ الصُّوَرِ والتَّحَلِّي بِالمَعارِفِ والإدْراكاتِ مِن ذَلِكَ العالَمِ، ونِسْبَةٌ إلى عالَمِ الشَّهادَةِ تَسْتَعِدُّ بِها لِأنْ تَتَصَرَّفَ في أجْسامِ هَذا العالِمِ ويُسَمّى اسْتِعْدادُها الحاصِلُ لَها بِاعْتِبارِ النِّسْبَةِ الأُولى قُوَّةً نَظَرِيَّةً واسْتِعْدادُها بِاعْتِبارِ النِّسْبَةِ الثّانِيَةِ قُوَّةً عَمَلِيَّةً، وأشْرَفُ كِمالاتِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ مَعْرِفَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ تَعالى، وأشْرَفُ كِمالاتِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ الإتْيانُ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ الواقِيَةِ عَنْ خِزْيِ يَوْمِ القِيامَةِ.
وقُدِّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا إلَهَ إلا أنا ﴾ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فاتَّقُونِ ﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ما يَسْتَنِدُ إلى القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ أعْلى كَمالًا مِمّا يَسْتَنِدُ إلى القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، والكَمالُ الإنْسانِيُّ بِاعْتِبارِ هاتَيْنِ القُوَّتَيْنِ يُسَمّى كَمالًا نَفْسانِيًّا، ولَهُ كِمالاتٌ أُخَرُ هي كِمالاتُهُ البَدَنِيَّةُ وقُواهُ الحَيَوانِيَّةُ، وقَدْ فُصِّلَ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ.
<div class="verse-tafsir"
مكية وهي مائة وعشرون وثمان آيات بسم الله الرحمن الرحيم قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: أخبرنا الثقة بإسناده عن الشعبي قال: نزلت سورة النحل كلها بمكة إلّا هذه الآية وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ الآية وقال ابن عباس: سورة النحل كلها مكية، إلّا أربع آيات نزلت بالمدينة: قوله: وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وقوله: إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا.
وقوله: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا وقوله: وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ إلى آخرها (١) قوله تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ أي يوم القيامة.
ويقال: يعني، العذاب.
كقوله: حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ [هود: 40] وقوله: أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً [يونس: 24] أي: أتى أمر الله، بمعنى: يأتي، أي: هو قريب لأن ما هو آتٍ آتٍ، وهذا وعيد لهم إنها كائنة.
وقال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ [الأنبياء: 1] ثم نزل بعدها اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ [القمر: 1] قالوا: يا محمد تزعم أن الساعة قد اقتربت ولا نرى من ذلك شيئاً، فنزل أَتى أَمْرُ اللَّهِ أي: عذاب الله، فوثب رسول الله قائماً لا يشك أن العذاب قد أتاهم، فقال لهم جبريل: فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ قال: فجلس النبيّ بعد قيامه، ثم قال: سُبْحانَهُ نزه نفسه عن الولد، والشريك.
ويقال: ارتفع، وتعاظم عن صفة أهل الكفر، فقال عز وجل: وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ به من الأوثان.
قرأ حمزة والكسائي تُشْرِكُونَ بالتاء على معنى المخاطبة، وقرأ الباقون: بالياء بلفظ المغايبة، وكذلك ما بعده.
ثم قال: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ أي: جبريل بِالرُّوحِ أي: بالوحي وبالنبوة والقرآن مِنْ أَمْرِهِ أي: بأمره.
قال القتبي: مِنْ توضع موضع الباء كقوله: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد: 11] أي: بأمر الله.
وقال هاهنا: يُلْقِى الروح مِنْ أَمْرِهِ أي: بأمره عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أي: يختار للنبوة والرسالة.
وقال قتادة: ينزل الملائكة بالرحمة والوحي عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ من كان أهلاً لذلك.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو يُنَزّلٍ بجزم النون من قولك أنْزَلَ يُنْزِلُ، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر تُنَزَّلَ بالتاء ونصب النون والزاي مع التشديد، على معنى فعل ما لم يسم فاعله.
وقرأ الباقون يُنَزِّلُ بالياء، وكسر الزاي مع التشديد، من قولك: ننزّل.
ثم قال تعالى: أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ أي: خوفوا بالقرآن الكفار، وأعلموهم أنه لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ يعني: أن الله واحد لا شريك له فوحّدوه وأطيعوه خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ أي: للحق.
ويقال: للزوال والفناء.
تَعالى أي تبرّأ عَمَّا يُشْرِكُونَ به من الأوثان.
(١) عزاه السيوطي: 5/ 107 إلى ابن مردويه.
<div class="verse-tafsir"
من أمر اللَّه عَلى صُوَرِ بني آدم، وما يَنْزِلُ من السماءِ مَلَكٌ إِلا ومعه رُوحٌ كالحفيظ عليه، لا يتكلَّم ولا يراه مَلَك، ولا شيءٌ مما خَلَقَ اللَّه، وعن مجاهدٍ: الرُّوح: خَلْق من خَلْق اللَّه، لهم أيدٍ وأرجلٌ «١» .
انتهى، واللَّه أعلم بحقيقةِ ذلك، وهذا أمرٌ لا يقَالُ بالرأْيِ، فإِن صحَّ فيه شيء عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وَجَبَ الوقوفُ عنْده انتهى، و «مَنْ» في قوله: مَنْ يَشاءُ هي للأنبياء.
وقوله تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ: يريد ب «الإِنسان» الجنْسَ، وقوله:
خَصِيمٌ يحتملُ أنْ يريد به الكَفَرة الذين يجادلُونَ في آياتِ اللَّه قاله «٢» الحسن البصريُّ، ويحتملُ أنْ يريد أعَمَّ من هذا، على أن الآية تعديدُ نعمةِ الذِّهْنِ والبيان على البشر.
وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢)
وقوله سبحانه: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ: ال دِفْءٌ: السَّخَانة، وذَهَاب البَرْد بالأَكْسِيَة ونحوها، وقيل: ال دِفْءٌ: تناسُلُ الإِبل، وقال ابن عَبَّاس: هو نسْلُ كلِّ شيء «٣» ، والمعنى الأول هو الصحيح، والمنافع: ألبانها وما تصرَّف منها، وحَرْثُها والنَّضْح عليها وغَيْر ذلك.
وقوله: جَمالٌ، أي: في المَنْظَر، وتُرِيحُونَ: معناه: حين تردُّونها وقْتَ الرَّوِاح إِلى المنازلِ، وتَسْرَحُونَ: معناه: تخرجُونها غُدْوة إِلى السَّرْح، و «الأثْقَالُ» :
الأمتعة، وقيل: الأجسام كقوله: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها [الزلزلة: ٢] أي: أجسادَ بني آدم، وسمِّيت الخيلُ خيلا لاختيالها في مشيتها.
ت: ويجبُ على من مَلَّكَهُ اللَّه شيئاً من هذا الحيوانِ أنْ يَرْفُقَ به، ويشْكُر اللَّه تعالى على هذه النعمة التي خَوَّلها، وقد رَوَى مالك في «الموطَّأ» عن أبي عُبَيْدٍ مولى سليمانَ بْنِ عبدِ المَلِكِ، عن خالدِ بْنِ مَعْدَانَ يرفعه، قال: «إِن اللَّه رفيقٌ يحبُّ الرِّفْق، ويرضَاهُ، ويعينُ عليه ما لاَ يُعِينُ على العُنْف، فإِذا ركبتم هذه الدوابَّ العُجْمَ، فأنزلوها منازِلَهَا، فإِنْ كانَتِ الأرض جَدْبةً، فانجوا عليها بِنِقْيِهَا «١» ، وَعَلَيْكُمْ بسير اللَّيْلِ فَإِن الأرض تُطْوَى باللَّيْلِ ما لا تُطْوَى بالنهار، وإِياكم والتَّعْرِيسَ على الطريقِ فإِنها طُرُق الدَّوابِّ، ومأوى الحَيَّات» «٢» .
قال أبو عمر في «التمهيد» : هذا الحديث يستند عن/ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من وجوهٍ كثيرةٍ، فأمَّا «الرفْقُ» ، فمحمودٌ في كلِّ شيء، وما كان الرفْقُ في شيء إِلاّ زانه، وقد رَوَى مالك بسنده عن عائشة، وعن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ» «٣» ، وأُمِرَ المسافرُ في الخِصْبِ بأنْ يمشي رويداً، ويكثر النزول، لترعَى دابته، فأَما الأرْضُ الجَدْبة، فالسُّنَّة للمسافِرِ أَنْ يُسْرُع السيْر ليخرجَ عنها، وبدابَّته شيءٌ من الشَّحْم والقُوَّة، و «النِّقْي» في كلام العرب: الشَّحْم والوَدَك.
انتهى.
وروَى أبو داود عن أبي هريرة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إِيَّاكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا ظُهُورَ دَوَابِّكُمْ مَنَابِرَ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُبَلِّغَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بِالغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ، وَجَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فَعَلَيْهَا فاقضوا حَاجَاتِكِمْ» انتهى «٤» .
وقوله سبحانه: وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ: عبرةٌ منصوبةٌ على العمومِ، أي: إِنَّ مخلوقاتِ اللَّهِ مِنَ الحيوانِ وغيره لا يُحيطُ بعلْمها بَشَرٌ، بل ما يخفَى عنه أكْثَرُ مما يعلمه.
وقوله سبحانه: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ...
الآية: هذه أيضاً من أجَلِّ نعم اللَّه تعالى، أي: على اللَّه تقويمُ طريقِ الهدَى، وتبيينُهُ بنَصْب الأدلَّة، وبعْثِ الرسل، وإِلى هذا ذهب المتأوِّلون، ويحتمل أنْ يكون المعنى: أَنَّ مَنْ سلك السبيل القاصد، فعلى الله،
سُورَةُ النَّحْلِ * فَصْلٌ في نُزُولِها رَوى مُجاهِدٌ، وعَطِيَّةُ، وابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها مَكِّيَّةٌ، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٌ: أنَّها مَكِّيَّةٌ [كُلُّها] وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: إنَّهُ نَزَلَ مِنها بَعْدَ قَتْلِ حَمْزَةَ: ﴿ وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ﴾ ، وقالَ في رِوايَةٍ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ نَزَلْنَ بِالمَدِينَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ يَعْمَلُونَ ﴾ .
وقالَ الشَّعْبِيُّ: كُلُّها مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ: ﴿ وَإنْ عاقَبْتُمْ.
.
.
.
﴾ إلى آخِرِ الآياتِ [النَّحْلِ:١٢٦- ١٢٨] .
وقالَ قَتادَةُ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا خَمْسَ آياتٍ: ﴿ وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ .
.
.
.
" الآيَتَيْنِ [النَّحْلِ:٩٥،٩٦]، ومِن قَوْلِهِ: " ﴿ وَإنْ عاقَبْتُمْ ﴾ .
.
.
" إلى آخِرِها [النَّحْلِ:١٢٦] .
وقالَ ابْنُ السّائِبِ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا خَمْسَ آياتٍ: " ﴿ والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا ﴾ .
.
.
" الآيَةُ [النَّحْلِ:٤١]، وقَوْلُهُ: " ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ﴾ .
.
.
.
" الآيَةُ [النَّحْلِ:١١٠] وقَوْلُهُ: " ﴿ وَإنْ عاقَبْتُمْ.
.
.
.
﴾ إلى آخِرِها [النَّحْلِ:١٢٦] .
وقالَ مُقاتِلٌ: مَكِّيَّةٌ إلّا سَبْعَ آياتٍ، قَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا ﴾ .
.
.
" الآيَةُ [النَّحْلِ:١١٠]، وقَوْلُهُ: " ﴿ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مَن بَعْدِ إيمانِهِ ﴾ .
.
.
.
" الآيَةُ [النَّحْلِ:١٠٦]، وقَوْلُهُ: " ﴿ والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ ﴾ .
.
.
" الآيَةُ [النَّحْلِ:٤١]، وقَوْلُهُ: " ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً ﴾ .
.
.
.
" الآيَةُ [النَّحْلِ:١١٢]، وقَوْلُهُ: " ﴿ وَإنْ عاقَبْتُمْ ﴾ إلى آخِرِها [النَّحْلِ:١٢٦] .
قالَ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ: أُنْزِلَ مِن أوَّلِ النَّحْلِ أرْبَعُونَ آيَةً بِمَكَّةَ وبَقِيَّتُها بِالمَدِينَةِ.
ورَوى حَمّادٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ قالَ: كانَ يُقالُ لِلنَّحْلِ: سُورَةُ النِّعَمِ؛ يُرِيدُ لِكَثْرَةِ تَعْدادِ النِّعَمِ فِيها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتى أمْرُ اللَّهِ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالإمالَةِ.
سَبَبُ نُزُولِها: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ ﴾ ، فَقالَ الكُفّارُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنَّ هَذا يَزْعُمُ أنَّ القِيامَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ، فَأمْسِكُوا عَنْ بَعْضِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَتّى نَنْظُرَ، فَلَمّا رَأوْا أنَّهُ لا يَنْزِلُ شَيْءٌ؛ قالُوا: ما نَرى شَيْئًا !
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ ﴾ فَأشْفَقُوا، وانْتَظَرُوا قُرْبَ السّاعَةِ، فَلَمّا امْتَدَّتِ الأيّامُ قالُوا: يا مُحَمَّدُ ما نَرى شَيْئًا مِمّا تُخَوِّفُنا بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ أتى أمْرُ اللَّهِ ﴾ فَوَثَبَ رَسُولُ اللَّهِ ، ورَفَعَ النّاسُ رُؤُوسَهم، فَنَزَلَ: ﴿ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ فاطْمَأنُّوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ أتى ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أتى بِمَعْنى: يَأْتِي، كَما يُقالُ أتاكَ الخَيْرُ فَأبْشِرْ، أيْ: سَيَأْتِيكَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وشاهِدُهُ: ﴿ وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ ﴾ ، ﴿ وَإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ﴾ ونَحْوُ ذَلِكَ.
والثّانِي: أتى بِمَعْنى: قَرُبَ، قالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ في قُرْبِهِ بِمَنزِلَةِ ما قَدْ أتى.
والثّالِثُ: أنْ " أتى " لِلْماضِي، والمَعْنى: أتى بَعْضُ عَذابِ اللَّهِ، وهو: الجَدْبُ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ، والجُوعُ.
﴿ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ فَيَنْزِلَ بِكم مُسْتَقْبَلًا كَما نَزَلَ ماضِيًا، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
وَفِي المُرادِ: بِـ " أمْرِ اللَّهِ " خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها السّاعَةُ، وقَدْ يَخْرُجُ عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ الَّذِي قَدَّمْناهُ، وبِهِ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: خُرُوجُ رَسُولِ اللَّهِ ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، يَعْنِي: أنَّ خُرُوجَهُ مِن أماراتِ السّاعَةِ.
وَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أتى أمْرُ اللَّهِ مِن أشْراطِ السّاعَةِ، فَلا تَسْتَعْجِلُوا قِيامَ السّاعَةِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الأحْكامُ والفَرائِضُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: عَذابُ اللَّهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
والخامِسُ: وعِيدُ المُشْرِكِينَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ أيْ: لا تَطْلُبُوهُ قَبْلَ حِينِهِ، " سُبْحانَهُ " أيْ: تَنْزِيهٌ لَهُ وبَراءَةٌ مِنَ السُّوءِ عَمّا يُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الأصْنامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُنَـزِّلُ المَلائِكَةَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: " يُنْـزِلُ " بِإسْكانِ النُّونِ وتَخْفِيفِ الزّايِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " يُنَـزِّلُ " بِالتَّشْدِيدِ، ورَوى الكِسائِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " تُنَـزَّلُ " بِالتّاءِ مَضْمُومَةً وفَتْحِ الزّايِ مُشَدَّدَةً.
" المَلائِكَةُ " رَفْعٌ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِالمَلائِكَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ.
وَفِي المُرادِ بِالرُّوحِ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: الوَحْيُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ النُّبُوَّةُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: تَنْـزِلُ المَلائِكَةُ بِأمْرِهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: أنَّ أمْرَ اللَّهِ كُلَّهُ رُوحٌ.
قالَ [الزَّجّاجُ]: الرُّوحُ ما كانَ فِيهِ مِن أمْرِ اللَّهِ حَياةُ النُّفُوسِ بِالإرْشادِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الرَّحْمَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والخامِسُ: أنَّهُ أرْواحُ الخَلْقِ: لا يَنْـزِلُ مَلَكٌ إلّا ومَعَهُ رُوحٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والسّادِسُ: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
فَعَلى هَذا سَمّاهُ رُوحًا، لِأنَّ الدِّينَ يَحْيا بِهِ، كَما أنَّ الرُّوحَ تُحْيِي البَدَنَ.
وقالَ بَعْضُهم: الباءُ في قَوْلِهِ: " بِالرُّوحِ " بِمَعْنى: مَعَ، فالتَّقْدِيرُ: مَعَ الرُّوحِ، " مِن أمْرِهِ " أيْ: بِأمْرِهِ، " عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ " يَعْنِي: الأنْبِياءَ، ﴿ أنْ أنْذِرُوا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: أنْذِرُوا أهْلَ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿ أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا ﴾ أيْ: مُرُوهم بِتَوْحِيدِي، وقالَ غَيْرُهُ: أنْذِرُوا بِأنَّهُ لا إلْهَ إلّا أنا، أيْ: مُرُوهم بِالتَّوْحِيدِ مَعَ تَخْوِيفِهِمْ إنْ لَمْ يُقِرُّوا.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ النَحْلِ هَذِهِ السُورَةُ كانَتْ تُسَمّى سُورَةَ النِعَمِ بِسَبَبِ ما عَدَّدَ اللهُ فِيها مِن نِعَمِهِ عَلى عِبادِهِ، وهي مَكِّيَّةٌ غَيْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ﴾ الآيَةُ، نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في شَأْنِ التَمْثِيلِ بِحَمْزَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقَتْلى أُحِدٍ، وغَيْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللهِ ﴾ ، وغَيْرَ قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا ﴾ الآيَةُ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ هاجَرُوا في اللهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا ﴾ فَمَكِّيٌّ في شَأْنِ هِجْرَةِ الحَبَشَةِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أتى أمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مِن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاتَّقُونِ ﴾ ﴿ خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾ رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ لَمّا قالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ في سَرْدِ الوَحْيِ: ﴿ أتى أمْرُ اللهِ ﴾ وثَبَ رَسُولُ اللهِ قائِمًا، فَلَمّا قالَ: ﴿ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ سَكَنَ.» وقَوْلُهُ: ﴿ أمْرُ اللهِ ﴾ قالَ فِيهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ يُرِيدُ القِيامَةَ، وفِيها وعِيدٌ لِلْكُفّارِ، وَقِيلَ: المُرادُ نَصْرُ مُحَمَّدٍ ، وقِيلَ: المُرادُ تَعْذِيبُ كَفّارِ مَكَّةَ بِقَتْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَهم وظُهُورِهِ عَلَيْهِمْ، ذَكَرَ نَحْوَ هَذا النَقاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقِيلَ: المُرادُ فَرائِضُ اللهِ وأحْكامُهُ في عِبادِهِ وشَرْعِهِ لَهُمْ، هَذا هو قَوْلُ الضِحاكِ، ويُبْعِدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ لَأنّا لا نَعْرِفُ اسْتِعْجالًا إلّا ثَلاثَةً: اثْنانِ مِنها لِلْكُفّارِ في القِيامَةِ وفي العَذابِ، والثالِثُ لِلْمُؤْمِنِينَ في النَصْرِ وظُهُورِ الإسْلامِ، وقَوْلُهُ: "أتى" -عَلى هَذا القَوْلِ- إخْبارٌ عن إتْيانٍ ما سَيَأْتِي، وصَحَّ ذَلِكَ مِن جِهَةِ التَأْكِيدِ، وإذا كانَ الخَبَرُ حَقًّا يُؤَكِّدُ المُسْتَقْبَلَ بِأنْ يَخْرُجَ في صِيغَةِ الماضِي، أيْ كَأنَّهُ لِوُضُوحِهِ والثِقَةِ بِهِ قَدْ وقَعَ، ويَحْسَنُ ذَلِكَ في خَبَرِ اللهِ تَبارَكَ تَعالى لِصِدْقِ وُقُوعِهِ.
وقالَ قَوْمٌ: "أتى" بِمَعْنى قَرُبَ، وهَذا نَحْوَ ما قُلْتُ، وإنَّما يَجُوزُ الكَلامُ بِهَذا عِنْدِي لِمَن يَعْلَمُ قَرِينَةَ التَأْكِيدِ ويَفْهَمُ المَجازَ، وأمّا إنْ كانَ المُخاطَبُ لا يَفْهَمُ القَرِينَةَ فَلا يَجُوزُ وضْعُ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ، لَأنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ الخَبَرَ ويُوجِبُ الكَذِبَ، وإنَّما جازَ في الشَرْطِ لِوُضُوحِ القَرِينَةِ بِـ "أنَّ"، ومَن قالَ: "إنَّ الأمْرَ القِيامَةُ" قالَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ رَدٌّ عَلى القائِلِينَ: ﴿ عَجِّلْ لَنا قِطَّنا ﴾ ونَحْوَهُ مِنَ العَذابِ، أو عَلى مُسْتَبْطِئِي النَصْرَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالتاءِ -وَهِيَ قِرَأةُ الجُمْهُورِ- عَلى مُخاطَبَةِ المُؤْمِنِينَ، أو عَلى مُخاطَبَةِ الكافِرِينَ، بِمَعْنى: قُلْ لَهُمْ: ﴿ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِالياءِ عَلى غَيْبَةِ المُشْرِكِينَ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تُشْرِكُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وجَمِيعُ الباقِينَ قَرَؤُوا بِالياءِ، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ القِراءَةَ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ في الحَرْفَيْنِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ "يُشْرِكُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ في هَذِهِ والَّتِي بَعْدَها الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ نِصاحٍ، والحُسْنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَرَأ عِيسى الأولى بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، والثانِيَةَ بِالياءِ مِن أسْفَلَ، وقَرَأهُما جَمِيعًا بِالتاءِ مِن فَوْقٍ أبُو العالِيَةِ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والجَحْدَرَيُّ، وقَدْ رَوى الأصْمَعِيُّ عن نافِعٍ التاءَ في الأُولى.
وقَوْلُهُ: ﴿ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴾ مَعْناهُ: تَنْزِيهًا لَهُ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ أتى أمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ قالَ رِجالٌ مِنَ الكُفّارِ: إنَّ هَذا يَزْعُمُ أنَّ أمْرَ اللهِ قَدْ أتى، فَأمْسَكُوا عَمّا أنْتُمْ بِسَبِيلِهِ حَتّى نَنْظُرَ، فَلَمّا لَمْ يَرَوْا شَيْئًا عادُوا، فَنَزَلَتْ ﴿ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴾ ، فَقالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عادُوا فَنَزَلَتْ ﴿ وَلَئِنْ أخَّرْنا عنهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ ﴾ الآيَةُ.
وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ أتى أمْرُ اللهِ ﴾ رَفَعُوا رُؤُوسَهم فَنَزَلَتْ ﴿ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي صادِقٍ أنَّهُ قَرَأ: "يا عِبادِي أتى أمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ"، و"سُبْحانَهُ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ" بِالياءِ وشَدَّ الزايِ، ورَجَّحَها الطَبَرِيُّ لِما فِيها مِنَ التَكْثِيرِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِتَخْفِيفِ الزايِ مَكْسُورَةً وسُكُونِ النُونِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالنُونِ لِلْعَظَمَةِ وشَدِّ الزايِ، وقَرَأ قَتادَةُ بِالنُونِ وتَخْفِيفِ الزايِ وسُكُونِ النُونِ، وفي هَذِهِ والَّتِي قَبْلَها شُذُوذٌ كَثِيرٌ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ "تَنَزَّلَ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ النُونِ والزايِ وشَدِّها ورَفْعِ "المَلائِكَةَ" عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِالياءِ مَضْمُومَةً وسُكُونِ النُونِ وفَتَحِ الزايِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، وعاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ، والأعْرَجُ بِفَتْحِ التاءِ ورَفْعِ "المَلائِكَةُ" عَلى أنَّها فاعِلَةٌ، ورَواها المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، و"المَلائِكَةَ" ها هَنا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "الرُوحِ" -فَقالَ مُجاهِدٌ: الرُوحُ: النُبُوَّةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الوَحْيُ، وقالَ قَتادَةُ: بِالرَحْمَةِ والوَحْيِ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كُلُّ كَلامِ اللهِ رُوحٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ﴾ ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الرُوحُ: شَخْصٌ لَهُ صُورَةٌ كَصُورَةِ بَنِي آدَمَ، ما نَزَلَ جِبْرِيلُ قَطُّ إلّا وهو مَعَهُ، وهم كَثِيرٌ، وهم مَلائِكَةٌ.
وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ سَنَدٌ، وقالَ الزَجّاجُ: الرُوحُ: ما تَحْيا بِهِ القُلُوبُ مِن هِدايَةِ اللهِ تَعالى لَها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وكَأنَّ اللَفْظَةَ عَلى جِهَةِ التَشْبِيهِ بِالمُقايَسَةِ، أيْ: إنَّ هَذا الَّذِي أمَرَ الأنْبِياءَ أنْ يُنْذِرُوا بِهِ الناسَ مِنَ الدُعاءِ إلى التَوْحِيدِ هو بِالمُقايَسَةِ إلى الأوامِرِ الَّتِي هي في الأفْعالُ والعِباداتُ كالرُوحِ لِلْجَسَدِ، ألا تَرى قَوْلَهَ تَعالى: ﴿ أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا ﴾ ، و"مَن" في هَذِهِ الآيَةِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ الَّذِي قَدَّرْناهُ- لِلتَّبْعِيضِ، وعَلى سائِرِ الأقْوالِ لِبَيانِ الجِنْسِ.
و"مِن" في قَوْلِهِ: ﴿ عَلى مَن يَشاءُ ﴾ هي لِلْأنْبِياءِ، و"أنْ" في مَوْضِعِ خَفْضِ بَدَلٍ مِنَ "الرُوحِ"، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِ الخافِضِ، عَلى تَقْدِيرِ: بِأنْ أنْذَرُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً بِمَعْنى "أيْ".
وقَرَأ الأعْمَشُ: "لِيُنْذِرُوا"، وحَسُنَتِ النِذارَةُ هُنا وإنْ لَمْ يَكُنْ في اللَفْظِ ما فِيهِ خَوْفٌ مِن حَيْثُ كانَ المُنْذِرُونَ كافِرِينَ بِالأُلُوهِيَّةِ، فَفي ضِمْنِ أمْرِهِمْ مَكانُ خَوْفٍ، وفي ضِمْنِ الإخْبارِ بِالوَحْدانِيَّةِ نَهْيٌ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ ووَعِيدٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ما يُقالُ لِلْأنْبِياءِ بِالوَحْيِ عَلى المَعْنى، ولَمْ يَذْكُرْهُ عَلى لَفْظِهِ، لَأنَّهُ لَوْ ذَكَرَهُ عَلى اللَفْظِ لَقالَ: أنْ أنْذَرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللهُ، ولَكِنَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى مَعْناهُ، وهَذا شائِعٌ في كُلِّ الأقْوالِ إذا حُكِيَتْ أنْ تُحْكى عَلى لَفْظِها، أو تُحْكى بِالمَعْنى فَقَطْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: " خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ " آيَةُ تَنْبِيهٍ عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ: "بِالحَقِّ" أيْ بِالواجِبِ اللائِقِ، وذَلِكَ أنَّها تَدُلُّ عَلى صِفاتٍ يَحِقُّ لِمَن كانَتْ لَهُ أنْ يَخْلُقَ ويَخْتَرِعَ ويُعِيدَ، وهي الحَياةُ والعِلْمُ والقُدْرَةُ والإرادَةُ النافِذَةُ، بِخِلافِ شُرَكائِهِمُ الَّذِينَ لا يَحِقُّ لَهم شَيْءٌ مِن صِفاتِ الرُبُوبِيَّةِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ بِزِيادَةِ فاءِ: "فَتَعالى".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ ﴾ يُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسَ، وأخَذَ لَهُ الغايَتَيْنِ لِيَظْهَرَ لَهُ البُعْدُ بَيْنَهُما بِقُدْرَةِ اللهِ، ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ لِقَوْلِ أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ: "مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ؟" وقَوْلُهُ: "خَصِيمٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الكَفَرَةَ الَّذِينَ يَخْتَصِمُونَ في اللهِ، ويُجادِلُونَ في تَوْحِيدِهِ وشَرْعِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ سَلامٍ عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أعَمَّ مِن هَذا، عَلى أنَّ الآيَةَ تَعْدِيدُ نِعْمَةِ الذِهْنِ والبَيانِ عَلى البَشَرِ، ويَظْهَرُ أنَّها إذْ تَقَرَّرَ في خِصامِ الكافِرِينَ يَنْضافُ إلى العِبْرَةِ وعِيدٌ ما.
<div class="verse-tafsir"
كان استعجالُهم بالعذاب استهزاءً بالرسول صلى الله عليه وسلم وتكذيبه، وكان ناشئاً عن عقيدة الإشراك التي من أصولها استحالة إرسال الرسل من البشر.
وأُتبع تحقيق مجيء العذاب بتنزيه الله عن الشريك فقفّي ذلك بتبرئة الرسول عليه الصلاة والسلام من الكذب فيما يبلغه عن ربّه ووصف لهم الإرسال وصفاً موجزاً.
وهذا اعتراض في أثناء الاستدلال على التوحيد.
والمراد بالملائكة الواحد منهم وهو جبرئيل عليه السلام.
والروح: الوحي.
أطلق عليه اسم الروح على وجه الاستعارة لأن الوحي به هدي العقول إلى الحقّ، فشبّه الوحي بالروح كما يشبّه العلم الحقّ بالحياة، وكما يشبّه الجهل بالموت قال تعالى: ﴿ أومن كان ميتاً فأحييناه ﴾ [سورة الأنعام: 122].
ووجه تشبيه الوحي بالروح أن الوحي إذا وعته العقول حلّت بها الحياة المعنوية وهو العلم، كما أن الروح إذا حلّ في الجسم حلّت به الحياة الحسيّة، قال تعالى: ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ﴾ [سورة الشورى: 52].
ومعنى من أمره } الجنس، أي من أموره، وهي شؤونه ومقدراته التي استأثر بها.
وذلك وجه إضافته إلى الله كما هنا وكما في قوله تعالى: ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ يحفظونه من أمر الله ﴾ [سورة الرعد: 11]، وقوله تعالى: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ [سورة الإسراء: 85] لما تفيده الإضافة من التخصيص.
وقرأ الجمهور ينزل } بياء تحتية مضمومة وفتح النون وتشديد الزاي مكسورة.
وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ورويس عن يعقوب بسكون النون وتخفيف الزاي مكسورة، و ﴿ الملائكة ﴾ منصوباً.
وقرأه روح عن يعقوب بتاء فوقية مفتوحة وفتح النون وتشديد الزاي مفتوحة ورفع ﴿ الملائكة ﴾ على أن أصله تتنزل.
وقوله تعالى: ﴿ على من يشاء من عباده ﴾ رد على فنون من تكذيبهم؛ فقد قالوا: ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ [سورة الزخرف: 31] وقالوا: ﴿ فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب ﴾ [سورة الزخرف: 53] أي كان ملكاً، وقالوا: ﴿ ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ﴾ [سورة الفرقان: 7].
ومشيئة الله جارية على وفق حكمته، قال تعالى: ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته ﴾ [سورة الأنعام: 124].
وأن أنذروا } تفسير لفعل ﴿ ينزل ﴾ لأنه في تقدير ينزل الملائكة بالوحي.
وقوله: ﴿ بالروح من أمره على من يشاء من عباده ﴾ اعتراض واستطراد بين فعل ﴿ ينزل ﴾ ومفسره.
و ﴿ أنه لا إله إلا أنا ﴾ متعلق ب ﴿ أنذروا ﴾ على حذف حرف الجر حذفاً مطرداً مع (أنّ).
والتقدير: أنذروا بأنه لا إله إلا أنا.
والضمير المنصوب ب (أنّ) ضمير الشأن.
ولما كان هذا الخبر مسوقاً للذين اتّخذوا مع الله آلهة أخرى وكان ذلك ضلالاً يستحقون عليه العقاب جعل إخبارهم بضدّ اعتقادهم وتحذيرهم مما هم فيه إنذاراً.
وفرع عليه ﴿ فاتقون ﴾ وهو أمر بالتقوى الشاملة لجميع الشريعة.
وقد أحاطت جملة ﴿ أن أنذروا ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ فاتقون ﴾ بالشريعة كلها، لأن جملة ﴿ أنذروا أنه لا إله إلا أنا ﴾ تنبيه على ما يرجع من الشريعة إلى إصلاح الاعتقاد وهو الأمر بكمال القوة العقلية.
وجملة ﴿ فاتقون ﴾ تنبيه على الاجتناب والامتثال اللذين هما منتهى كمال القوة العملية.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الرُّوحَ ها هُنا الوَحْيُ، وهو النُّبُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى وهو القُرْآنُ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ بَيانُ الحَقِّ الَّذِي يَجِبُ اتِّباعُهُ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الرّابِعُ: أنَّها أرْواحُ الخَلْقِ.
قالَ مُجاهِدٌ: لا يَنْزِلُ مَلَكٌ إلّا ومَعَهُ رُوحٌ.
الخامِسُ: أنَّ الرُّوحَ الرَّحْمَةُ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا سادِسًا: أنْ يَكُونَ الرُّوحُ الهِدايَةَ؛ لِأنَّها تَحْيا بِها القُلُوبُ كَما تُحْيِي الرُّوحُ الأبْدانَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت سورة النحل بمكة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله.
وأخرج النحاس من طريق مجاهد، عن ابن عباس قال: سورة النحل نزلت بمكة سوى ثلاث آيات من آخرها فانهن نزلن بين مكة والمدينة في منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿ أتى أمر الله ﴾ ذعر أصحاب رسول الله، حتى نزلت ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ فسكنوا.
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن أبي بكر بن حفص قال: لما نزلت ﴿ أتى أمر الله ﴾ قاموا فنزلت ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ .
وأخرج ابن مردويه من طريق الضحاك، عن ابن عباس ﴿ أتى أمر الله ﴾ قال: خروج محمد صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن جرير عن أبي بن كعب قال: دخلت المسجد فصليت فقرأت سورة النحل، وجاء رجلان فقرآ خلاف قراءتنا، فأخذت بأيديهما فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: «يا رسول الله، استقرئ هذين فقرأ أحدهما فقال: أصبت.
ثم استقرأ الآخر فقال: أصبت.
فدخل قلبي أشدّ مما كان في الجاهلية من الشك والتكذيب، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدري فقال: أعاذك الله من الشك والشيطان.
فتصببت عرقاً، قال: أتاني جبريل فقال: اقرأ القرآن على حرف واحد.
فقلت: إن أمتي لا تستطيع ذلك، حتى قال: سبع مرات.
فقال لي: اقرأ على سبعة أحرف، بكل ردة رددتها مسألة» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ أتى أمر الله فلا تستعجلوه ﴾ قال رجال من المنافقين بعضهم لبعض: إن هذا يزعم أن أمر الله قد أتى فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى تنظروا ما هو كائن، فلما رأوا أنه لا ينزل شيء قالوا: ما نراه نزل.
فنزلت ﴿ اقترب للناس حسابهم....
﴾ الآية.
فقالوا: إن هذا يزعم مثلها أيضاً، فلما رأوا أنه لا ينزل شيء قالوا: ما نراه نزل شيء، فنزلت ﴿ ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدوة....
﴾ [ هود: 8] الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تطلع عليكم قبل الساعة سحابة سوداء من قبل المغرب مثل الترس، فما تزال ترتفع في السماء حتى تملأ السماء، ثم ينادي مناد: يا أيها الناس، فيقبل الناس بعضهم على بعض: هل سمعتم؟
فمنهم من يقول: نعم.
ومنهم من يشك.
ثم ينادي الثانية: يا أيها الناس، فيقول الناس: هل سمعتم؟
فيقولون: نعم.
ثم ينادي: أيها الناس ﴿ أتى أمر الله فلا تستعجلوه ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالذي نفسي بيده، إن الرجلين لينشران الثوب فما يطويانه، وإن الرجل ليملأ حوضه فما يسقي فيه شيئاً، وإن الرجل ليحلب ناقته فما يشربه ويشغل الناس» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ أتى أمر الله فلا تستعجلوه ﴾ قال: الأحكام والحدود والفرائض.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ينزل الملائكة بالروح ﴾ قال: بالوحي.
وأخرج آدم بن أبي أياس وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس قال: ﴿ الروح ﴾ أمر من أمر الله وخلق من خلق الله، وصورهم على صورة بني آدم.
وما ينزل من السماء ملك إلا ومعه واحد من الروح، ثم تلا ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً ﴾ [ النبأ: 38] .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن مجاهد في قوله: ﴿ ينزل الملائكة بالروح من أمره ﴾ قال: إنه لا ينزل ملك إلا ومعه روح كالحفيظ عليه، لا يتكلم ولا يراه ملك ولا شيء مما خلق الله.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ينزل الملائكة بالروح من أمره ﴾ قال: بالوحي والرحمة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: ﴿ ينزل الملائكة بالروح ﴾ قال: بالنبوة.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن الضحاك في قوله: ﴿ ينزل الملائكة بالروح ﴾ قال: القرآن.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ ينزل الملائكة بالروح ﴾ قال: كل شيء تكلم به ربنا فهو روح ﴿ من أمره ﴾ قال: بالرحمة والوحي على من يشاء من عباده، فيصطفي منهم رسلاً.
﴿ أن أنذروا أنه لا اله إلا أنا فاتقون ﴾ قال: بها بعث الله المرسلين أن يوحد الله وحده، ويطاع أمره ويجتنب سخطه.
وأخرج ابن سعد وأحمد وابن ماجة والحاكم وصححه، عن يسر بن جحاش قال: بصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في كفه ثم قال: «يقول الله أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سوّيتك فعدلتك مشيت بين برديك، وللأرض منك وئيد.
فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: أتصدق وأنى أوان الصدقة» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ ﴾ روى عطاء عن ابن عباس قال: يريد جبريل وحده (١) ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ ﴾ الآية [آل عمران: 173] (٢) وقوله تعالى: ﴿ بِالروحَ من أَمرِهِ ﴾ وقال ابن عباس: بالوحي (٣) (٤) (٥) وقال أبو العباس في هذه الآية وفي قوله: ﴿ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ ﴾ ، ولقوله: ﴿ وكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ﴾ هذا كله معناه الوحي (٦) (٧) وقال أبو عبيدة: الروح هاهنا جبريل (٨) ﴿ مِنَ أَمرِهِ ﴾ ، أي: من فعله في الوحي (٩) وقوله تعالى: ﴿ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ يريد النَّبِيّين الذين يختصهم من عباده بالرسالة والوحي بقوله: ﴿ أَن أَنذِرُواْ ﴾ ، قال الزجاج: ﴿ أَن ﴾ بدل من الروح، المعنى: ﴿ يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ ﴾ بأن أنذروا (١٠) والمعنى: أنذروا أهل الكفر بأنه لا إله إلا أنا، أي مروهم بتوحيدي وأن لا يشركوا بي شيئًا (١١) ﴿ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ ، وهذا يدل أن معنى الروح هاهنا الوحي، إذا بُدّل منه الإنذار، ومعنى إنذارِهم بأنه لا إله إلا هو إعلامهم بذلك مع تخويفهم لو لم يقروا، ثم ذكر ما يدل على توحيده، فقال: (١) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 428، والفخر الرازي 19/ 219، وورد غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 200 أ، والسمرقندي 2/ 228، وفي "تنوير المقباس" ص 282، قال: "جبريل ومن معه من الملائكة".
(٢) قال الفراء: الناس في هذا الموضع واحد؛ وهو نُعيم بن مسعود الأشجعي، بعثه أبو سمان وأصحابُه فقالوا: ثبط محمدًا - - أو خوفه حتى لا يلقانا ببدر الصغرى، وكان معياد بينهم يوم أحد.
"معاني القرآن" للفراء 1/ 247، وهو اختيار الزجاج في معانيه 1/ 489، وانظر: "تفسير الزمخشري" 1/ 231.
(٣) أخرجه الطبري 14/ 77 بلفظه، من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، وورد بلفظه في "تفسير الماوردي" 3/ 178، والطوسي 9/ 356، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 368، وابن الجوزي 4/ 428، و"تفسير القرطبي" 10/ 67، وأبي حيان 5/ 471، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 205، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.
(٤) ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 53، عن الحسن بلفظ: بالنبوَّة، وورد في "تفسير الماوردي" 3/ 178، عن الربيع بن أنس قال: هو القرآن، وعن الحسن أيضًا قال: الرحمة، والطوسي 6/ 359، عن الربيع قال: كلام الله، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 368، عن الربيع، وابن الجوزي 4/ 428، عن الحسن، و"تفسير القرطبي" 10/ 67، عن الحسن، وأبي حيان 5/ 471، عن الحسن، == وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 205، ونسبه إلى ابن أبي حاتم عن الحسن قال: بالنبوة.
(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 190، بنصه.
(٦) "تهذيب اللغة" (روح) 3/ 1768، بنصه.
(٧) في جميع النسخ: (يحي)، ويستقيم السياق بالمثبت، وهو موافق لما في المصدر.
(٨) ليس في مجازه، وورد منسوباً إليه في: "تفسير الثعلبي" 2/ 154 أ، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 8، الفخر الرازي 19/ 220، "تفسير القرطبي" 10/ 67، وهو قول ضعيف جدًّا، والصحيح هو الأول كما ذكر.
(٩) قال القاسمي: ﴿ من أَمرِهِ ﴾ بيان للروح، أو حال منه، أو صفة، أو متعلق بـ ﴿ ينزل ﴾ ، وقال الفخر الرازي: وقوله: ﴿ من أَمرِهِ ﴾ إن ذلك التنزيل، والنزول لا يكون إلا بأمر الله تعالى، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ﴾ ونحوها، فكل هذه الآيات دالة على أنهم لا يقدمون على عمل من الأعمال إلا بأمر الله تعالى وإذنه.
انظر.
"تفسير الفخر الرازي" 19/ 220، والقاسمي 10/ 78.
(١٠) هذا المقطع ليس في معانيه، فلعله ساقط من النسخة المتداولة، بدليل أن النحاس قد نسبه إليه في إعرابه 2/ 391، وقال بهذا مكي في "مشكل الإعراب" 2/ 12، والزمخشري في "تفسيره" 2/ 321، وابن الأنباري في "البيان في غريب الإعراب" 2/ 75، و"المنتجب في الفريد" 3/ 214.
(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 190، بنصه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أتى أَمْرُ الله ﴾ قيل: النصر على الكفار، وقيل: عذاب الكفار في الدنيا، ووضع الماضي موضع المستقبل لتحقق وقوع الأمر ولقربه، وروي أنها لما نزلت وثب رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً فلما قال: فلا تستعجلوه سكن ﴿ يُنَزِّلُ الملائكة بالروح ﴾ أي بالنبوة وقيل بالوحي ﴿ خَلَقَ الإنسان مِن نُّطْفَةٍ ﴾ أي من نطفة المني، والمراد جنس الإنسان ﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ فيه وجهان أحدهما: أن معناه متكلم يخاصم عن نفسه، والثاني: يخاصم في ربه ودينه، وهذا في الكفار، والأول أعم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تشركون ﴾ وما بعده بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف.
والآخرون على الغيبة ﴿ تنزل ﴾ بالفتحات الثلاث ﴿ الملائكة ﴾ بالرفع: سهل وروح وزيد وأبو زيد مثله لكن بضم التاء الفوقانية: جبلة ﴿ ينزل ﴾ من الإنزال ﴿ الملائكة ﴾ بالنصب: ابن كثير وأبو عمرو ورويس: والباقون بالتشديد من التنزيل.
﴿ بشق الأنفس ﴾ بفتح الشين: يزيد.
الباقون بكسرها ﴿ ننبت ﴾ بالنون: يحيى وحماد.
الآخرون بياء الغيبة ﴿ والشمس والقمر والنجوم مسخرات ﴾ كلها مرفوعات: ابن عامر وافق حفص والمفضل ﴿ في النجوم مسخرات ﴾ الباقون: بنصب الجميع على أن ﴿ مسخرات ﴾ حال.
﴿ يسرون ويعلنون ﴾ بالياء التحتانية فيهما: الخزاز عن هبيرة.
الآخرون بتاء الخطاب ﴿ يدعون ﴾ على الغيبة: سهل ويعقوب وعاصم غير الأعشى.
الباقون على الخطاب.
الوقوف: ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ فاتقون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ج ﴿ خلقها ﴾ ج لاحتمال تمام الكلام واحتمال أن يكون ﴿ لكم ﴾ متعلقاً به والوقف حينئذٍ على ﴿ لكم ﴾ ﴿ تأكلون ﴾ ه ص للعطف ﴿ تسرحون ﴾ ه ص لذلك ﴿ الأنفس ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه لا لأن ﴿ الخيل ﴾ مفعول ﴿ خلق ﴾ ﴿ وزينة ﴾ ط ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ جائر ﴾ ط ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ تسيمون ﴾ ه ﴿ الثمرات ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ والنهار ﴾ ط لمن قرأ ﴿ والشمس ﴾ وما بعده بالرفع ومن نصب ﴿ الشمس والقمر ﴾ ورفع ﴿ النجوم ﴾ وقف على ﴿ القمر ﴾ ومن نصب الكل وقف على ﴿ بأمره ﴾ ﴿ بأمره ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ سخر ﴾ ﴿ ألوانه ﴾ ط ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ تلبسونها ﴾ ج لأن قوله ﴿ وترى ﴾ فعل مستأنف مع اتصال المعنى.
﴿ تشكرون ﴾ ه لا ﴿ تهتدون ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ وعلامات ﴾ عطف على ﴿ سبلاً ﴾ ﴿ وعلامات ﴾ ط ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ لا يخلق ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ لا تحصوها ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وما تعلنون ﴾ ه ﴿ وهم يخلقون ﴾ ه ط لأن التقدير: هم أموات ﴿ غير أحياء ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ وما يشعرون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ واحد ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء ﴿ مستكبرون ﴾ ه ﴿ وما يعلنون ﴾ ه ﴿ المستكبرين ﴾ ه.
التفسير: هذه السورة تسمى سورة النعم أيضاً، وحكى الأصم عن بعضهم أن كلها مدنية.
وقال الآخرون: من أولها إلى قوله: ﴿ كن فيكون ﴾ مدنية وما سواه مكي.
وعن قتادة بالعكس منه.
قال أهل النظم: إن رسول الله كان يخوفهم بعذاب الدنيا تارة وهو القتل والاستيلاء عليهم كما حصل في يوم بدر، وتارة بعذاب القيامة.
ثم إن القوم لما لم يشاهدوا شيئاً من ذلك أقبلوا على تكذيبه وكانوا يستعجلون ما وعدوا به استهزاء.
وروي أنه لما نزلت ﴿ اقتربت الساعة ﴾ قال الكفار فيما بينهم: إن هذا يزعم أن القيامة قد اقتربت فأمسكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو كائن.
فلما تأخرت قالوا: ما نرى شيئاً فنزلت ﴿ اقترب للناس حسابهم ﴾ فأشفقوا وانتظروا قربها، فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئاً مما تخوفنا به فنزلت ﴿ أتى أمر الله ﴾ فوثب رسول الله ورفع الناس رؤوسهم فنزلت ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ فاطمأنوا.
والحاصل أن قوله: ﴿ أتى أمر الله ﴾ جواب عن شبهتهم إجراء لما يجب وقوعه مجرى الواقع كما يقال لمن طلب الإغاثة وقرب حصولها: جاءك الغوث فلا تجزع.
أو المراد أن ﴿ أمر الله ﴾ بذلك وحكمه قد وقع وأتى.
فأما المحكوم به فإنما لم يقع لأنه حكم بوقوعه في وقت معين فقبل مجيء ذلك الوقت لا يخرج إلى الوجود فلا تسعجلوه ولا تطلبوا حصوله قبل حضور ذلك الوقت.
ثم إن المشركين كأنهم قالوا: هب يا محمد أنا سلمنا صحة ما تقول من أنه حكم بإنزال العذاب علينا إما في الدنيا وإما في الآخرة إلا أنا نعبد هذه الأصنام لأنها شفعاؤنا عند الله فكيف نستحق العذاب بسبب هذه العبادة؟
فأجاب الله عن هذه الشبه بقوله: { وتعالى عما يشركون} كما مر في أول سورة يونس.
والمراد تنزيه نفسه عن الأضداد والأنداد وأن يكون لأحد من الأرواح والأجساد أن يشفع عنده إلا بإذنه، أو يستعجل في حكم من أحكامه، أو قضية قبل أوانه.
ثم إنهم كأنهم قالوا سلمنا أنه أن يقضي على طائفة باللطف وعلى الآخرين.
بالقهر ولكن كيف صرت واقفا على أسرار الله في ملكه وملكوته دوننا، من أين حصل لك هذا الفضل علينا؟
فأزال الله شبهتهم بقوله: ﴿ ينزل الملائكة ﴾ الآية.
والمراد أن له بحكم المالكية أن يختص بعض عبيده بإنزال الوحي عليه ويأمره بأن يكلف سائر العباد بمعرفة توحيد الله وبعبادته، فظهر بهذا البيان أن هذه الآيات منتظمة على أحسن الوجوه.
قال الواحدي: روى عطاء عن ابن عباس أنه أراد بالملائكة ههنا جبرائيل وحده، وتسمية الواحد بالجمع إذا كان رئيساً مطاعاً جائزة.
وعلى هذا التفسير فالمراد بالروح كلام الله تعالى كقوله: ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ﴾ قال المحققون: الروح الأصلي هو القرآن الذي فيه بيان المبدأ والوسط والمعاد، فبه يحصل إشراق العقل، وبالعقل يكمل ضياء جوهر الروح، وبالروح يكمل حال الجسد فهو الأصل والباقي فرع عليه وبهذه المناسبة يسمى جبرائيل روحاً وعيسى روحاً.
وعن أبي عبيدة أن الروح ههنا جبرائيل، والباء بمعنى "مع" أي تنزل الملائكة مع جبرائيل.
وذلك أنه في أكثر الأحوال كان ينزل ومعه أقوام من الملائكة كما في يوم بدر وحنين، وكان ينزل على رسول الله ملك الجبال وملك البحار وخزان الجنة وغيرهم.
قال في الكشاف: ﴿ بالروح من أمره ﴾ أي بما يحيي القلوب الميتة بالجهل من وحيه، أو بما يقوم في الدين مقام الروح في الجسد وقال غيره: من أمره معناه أن ذلك التنزيل والنزول لا يكون إلا بأمر الله كقوله { ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ قال الزجاج: ﴿ أن أنذروا ﴾ بدل من "الروح" أي ينزلهم بأن أنذروا.
و"أن" إما مفسرة لأن تنزيل الوحي فيه معنى القول، وإما مخففة من الثقيلة وضمير الشأن مقدر أي بأن الشأن أقول لكم أنذروا أي أعلموا الناس قولي: ﴿ لا إله إلا أنا ﴾ وهو إشارة إلى استكمال القوة النظرية.
وقوله: ﴿ فاتقون ﴾ رمز إلى استكمال القوة العملية ومنه يعلم أن النفس متى كملت من هاتين الجهتين حصل لها روح حقيقي وحياة أبدية وسعادة سرمدية.
قال الإمام فخر الدين الرازي: إنا لا نعلم كون جبريل صادقاً ولا معصوماً من الكذب والتلبيس إلا بالدلائل السمعية، وصحة الدلائل السمعية موقوفة على صدق محمد ، وصدقه يتوقف على أن هذا القرآن معجز من قبل الله لا من قبل شيطان خبيث، والعلم بذلك يتوقف على العلم بأن جبرائيل صادق مبرأ عن التلبيس وأفعال الشياطين، وحينئذٍ يلزم الدور وهذا مقام صعب.
أقول: قد ذكرنا مراراً أن الفرق بين المعجز والسحر هو أن صاحب المعجز يدعو إلى الخير، وصاحب السحر يدعو إلى الشر، والفرق بين الملك والشيطان هو أن الملك يلهم بالخير، والشيطان يوسوس بضده وإذا كان الأمر كذلك فكيف تشتبه المعجزة بالسحرة وجبرائيل بإبليس ومن أين يلزم الدور؟
ولما بين الله أن روح الأرواح وروح الأجسام هو أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل أن يعمل به، أتبعه دلائل التوحيد مبتدئاً من الأشرف وهو السماويات إلى الأدون - وهو الأرضيات - فقال: ﴿ خلق السموات والأرض بالحق ﴾ وقد مر تفسير مثله مراراً.
وقوله: ﴿ تعالى عما يشركون ﴾ تنزيه لذاته عمن يشاركه في الأزلية والقدم والتدبير والتأثير والصنع والإبداع.
فالفائدة المطلوبة من هذا الكلام غير الفائدة المطلوبة من مثله في أول السورة كما ذكرنا فلا تكرار.
ثم إن أشرف الأجسام بعد الفلكيات بدن الإنسان فلهذا عقب المذكور بقوله: ﴿ خلق الإنسان من نطفة ﴾ قالت الأطباء: إن الغذاء إذا وصل إلى المعدة حصل له هناك هضم، وإذا وصل إلى الكبد حصل له فيها هضم ثانٍ، وفي العروق له هضم ثالث، وفي جواهر الأعضاء هضم رابع، وحينئذٍ يصير جزءاً من العضو المغتذى شبيهاً به، ثم عند استيلاء الحرارة على البدن وقت هيجان الشهوة يحصل ذوبان لجملة الأعضاء وتجتمع منه النطفة في أوعيتها، وعلى هذا تكون النطفة جسماً مختلفة الأجزاء والطبائع، وإن كانت تخيل في الحس أنها متشابهة الأجزاء.
وكيفما كان فالمقتضي لتولد البدن منها ليس هي الطبيعة الحاصلة لجوهر النطفة ودم الطمث، لأن الطبيعة تأثيرها بالذات والإيجاب لا بالتدبير والاختيار، والقوّة الطبيعة إذا عملت في مادة متشابهة الأجزاء وجب أن يكون فعلها هو الكرة.
وعلى هذا الحرف عول الحكماء في قولهم: البسائط يجب أن تكون أشكالها الطبيعة في الكرة، وإذا عملت في مادة مختلفة الأجزاء وكل مركب فإنه ينحل إلى بسائط فإنه يلزم أن يكون الحيوان على شكل كرات مضموم بعضها إلى بعض، وكلا الأمرين غير مطابق للواقع، فعلمنا أن حدوث هذه الأعضاء على هذا الترتيب الخاص ليس بالطبيعة وإنما هو بتدبير الفاعل المختار وهو الله ، وكيف لا والنطفة رطوبة سريعة الاستحالة؟
فالأجزاء الموجودة فيها لا تحفظ الوضع والنسبة، فالجزء الذي هو مادة الدماغ يمكن حصوله في الأسفل، والجزء الذين هو مادة القلب قد يحصل في الفوق، فلا يكون حدوث أعضاء الحيوان على هذا الترتيب الخاص دائماً ولا أكثرياً، وحيث كان كذلك علمنا أن حدوثها بإحداث مدبر مختار.
ثم إن نزلنا عن جميع هذه المراتب فلا خلاف بين الحكم وبين المتكلم أن الطبيعة خرقاء وأنها ليست واجبة الوجود لذاتها فلا بد من الانتهاء الى الصانع الحكيم الخبير.
أما قوله: ﴿ فإذا هو خصم مبين ﴾ فقد ذكروا فيه وجهين: الأول فإذا هو منطيق مجادل عن نفسه مبين للحجة بعد أن كان نطفة لا حس به ولا حراك.
وتقرير ذلك أن النفوس الإنسانية في أول الفطرة أقل فهماً وذكاء من نفوس سائر الحيوانات، ألا ترى أن ولد الدجاجة كما يخرج من البيضة يعرف الصديق من العدو فيهرب من الهرة ويلتجىء إلى الأم ويميز بين الغذاء الذي يوافقه والذي لا يوافقه.
وحال الطفل بخلاف ذلك فانتقاله من تلك الحالة الخسيسة إلى أن يقوى على معرفة الإلهيات والفلكيات والعنصريات وعلى إيراد الشكوك والشبهات على النتائج والمقدمات إنما يكون بتدبير إله مختار قدير ينقل الأرواح من النقصان إلى الكمال ومن الجهالة إلى المعرفة.
الوجه الثاني أن المراد فإذا هو خصيم لربه منكر على خالقه قائل من يحيي العظام وهي رميم.
فعلى الوجه الأول جوز أن يكون الخصيم "فعيلاً" بمعنى "مفاعل" كالأكيل والشريب، وأن يكون بمعنى مختصم، وعلى الوجه الثاني تعين كونه بمعنى "مفاعل" والترجيح من الوجهين للأول بناء على أن هذه الآيات مسوقة لتقرير الدلائل على وجود الصانع الحكيم وقدرته لا لأجل وصف الإنسان بالتمادي في القحة والكفران.
وقد يرجح الثاني بما روي أن أبيّ بن خلف الجمحي جاء بعظم رميم إلى رسول الله صلى الله عليه فقال: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رم؟
فنزلت.
ثم أردف تكوين الإنسان بتكوين الحيوانات التي ينتفع بها الإنسان في ضروراته من الأكل والركوب وجر الأثقال وفي غير الضروريات من الأغراض الصحيحة كالتزيين والجمال فقال: ﴿ والأنعام خلقها ﴾ هي الأزواج الثمانية المذكورة في سورة الأنعام وهي: الضأن والمعز والإبل والبقر.
وإن شئت قلت: الإبل والبقر والغنم.
قال في الكشاف: وأكثر ما يقع هذا اللفظ على الإبل: قلت: ويمكن أن يستدل على ذلك بقوله بعد ذلك: ﴿ وتحمل أثقالكم ﴾ لأن هذا الوصف لا يليق إلا بالإبل.
وانتصابها بمضمر يفسره الظاهر.
ويجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ الإنسان ﴾ أي خلق الإنسان والأنعام.
ثم قال: ﴿ خلقها لكم ﴾ أي ما خلقها إلا لكم ولمصالحكم يا جنس الإنسان.
قال صاحب النظم: وأحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله: ﴿ خلقها ﴾ بدليل أنه عطف عليه قوله: ﴿ ولكم فيها جمال ﴾ والدفء اسم ما يدفأ به كالملء اسم ما يملأ به وهو الدفاء من لباس معمول من صوف أو وبر أو شعر.
قال الجوهري: الدفء نتاج الإبل وألبانها وما ينتفع به منها، والدفء أيضاً السخونة.
وقوله: ﴿ ومنافع ﴾ قالوا: المراد نسلها ودرّها، والمنافع بالحقيقة أعم من ذلك فقد ينتفع بها في البيع والشراء بالنقود والأثواب وبسائر الحاجات.
أما قوله: ﴿ ومنها تأكلون ﴾ بتقديم الظرف المؤذن بالاختصاص فلأن الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في مآكلهم عادة، وأما الأكل من غيرها كالدجاج وصيد البر والبحر فكغير المعتد به الجاري مجرى التفكه، ويحتمل أن يراد أن غالب أطعمتكم إنما يحصل منها لأنكم تحرثون بالبقر وتكتسبون بإكراء الإبل وتشترون بنتاجها وألبانها وجلودها جميع ما تشتهون من الأطعمة.
قوله: ﴿ حين تريحون ﴾ الإراحة رد الإبل إلى مراحها حيث تأوي إليه ليلاً ويقال: سرح القوم إبلهم سرحاً إذا أخرجوها بالغداة إلى المرعى.
وقدم الإراحة لأن الجمال فيها أظهر حين تقبل ملأى البطون حافلة الضروع ثم تأوي إلى الحظائر حاضرة لأهلها.
قوله: ﴿ بشق الأنفس ﴾ من قرأ بفتح الشين فمعناه المشقة فيكون مصدر شق الأمر عليه شقاً وحقيقته راجعة إلى الشق الذي هو الصدع.
ومن قرأ بالكسر فمعناه النصف كأنه يذهب نصف قوته لما يناله من الجهد.
قال جار الله.
معنى المضي في قوله: ﴿ لم تكونوا ﴾ راجع إلى الفرض والتقدير: أي لو لم يخلق الإبل لم تكونوا إلا كذلك.
وإنما لم يقل "لم تكونوا حامليها إلى ذلك البلد" ليطابق قوله: ﴿ وتحمل أثقالكم ﴾ لأجل المبالغة كأنه قيل: قد علمتم أنكم لا تبلغونه بأنفسكم إلا بجهد ومشقة وذهاب قوة فضلاً أن تحملوا على ظهوركم أثقالكم ويجوز أن يكون العائد إلى الأثقال محذوفاً أي لم تكونوا بالغيها إلا بالشق، أو المراد بالأثقال الأجساد، عن ابن عباس أنه فسر البلد بمكة إلى اليمن وإلى الشام وإلى مصر، قال الواحدي: هذا قوله والمراد كل بلد لو تكلفتم بلوغه على غير إبل شق عليكم.
وخص ابن عباس هذه البلاد لأنها أكثر متاجر أهل مكة ﴿ إن ربكم لرءُوف رحيم ﴾ وإلا لم يخلق هذه الحوامل لأجل تيسير هذه المصالح.
احتج منكرو الكرامات بالآية على امتناع طي الأرض كما ينقل عن بعض الأولياء.
والجواب أن الامتناع العادي لا ينافي الإمكان الذاتي.
﴿ والخيل والبغال والحمير ﴾ معطوفات على الأنعام أي وخلق هؤلاء للركوب والزينة فانتصب على أنه مفعول له معطوف على محل ﴿ لتركبوها ﴾ وإنما لم يقل و "لتتزينوا بها" ليكون المعطوف والمعطوف عليه على سنن واحد لأن الركوب فعل المخاطبين، وأما الزينة ففعل الزائن وهو الخالق.
والتحقيق فيه أن الركوب أحد الأمور المعتبرة في المقصود بخلاف التزين بالشيء فإنه قلما يلتفت إليه أرباب الهمم العالية لأنه يورث العجب والتيه غالباً وكأنه قال: خلقتها لتركبوها فتدفعوا عن أنفسكم بواسطتها ضرر الإعياء والمشقة، وأما التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر ولكنه غير مقصود بالذات.
احتجت المعتزلة القائلون بأن أفعال الله معللة بالمصالح بأن قوله: ﴿ لتركبوها ﴾ يقتضي أن هذه الحيوانات مخلوقة لهذه المصلحة.
والجواب أن استتباع الغاية والفائدة مسلم ولكن التعليل ممنوع، واحتج الحنفية بالآية على تحريم لحوم الخيل من وجوه: أحدها إفراد هذه الأنواع الثلاثة بالذكر فيجب اشتراك الكل في الحكم، لكن البغال والحمير محرمان فكذا الخيل.
ثانيها أن منفعة الأكل أعظم منة من الركوب والتزين فلو كان أكل لحم الخيل جائزاً لكان هذا المعنى أولى بالذكر.
وثالثها أن قوله فيما قبل: ﴿ ومنها تأكلون ﴾ يقتضي الحصر فيجب أن لا يجوز أكل ما عدا الأنعام إلا بدليل منفصل والأصل عدمه ورابعها أن قوله: ﴿ لتركبوها ﴾ يقتضي أن تمام المقصود من خلق هذه الأشياء الثلاثة هو الركوب والزينة، فلو كان حل أكلها مقصوداً لزم أن يكون ما فرض تمام المقصود بعض المقصود هذا محال.
والجواب أن تحريم الخيل محل النزاع وتحريم الحمير بنص الكتاب ممنوع لما روي عن جماعة من الصحابة أنه نهى عام خيبر عن لحوم الحمر الأهلية.
فلو كان للآية دلالة على تحريم لحم الخيل لفهموه منها قبل ذلك العام لأن الآية مكية عند الأكثرين، ولو فهموا التحريم قبل ذلك لم يبقَ لتخصيص التحريم بهذه السنة فائدة.
وإذا لم يكن الحمير والخيل محرمين لم يكن لتحريم البغال المتولدة منهما وجه.
وأيضاً كون معظم المنة في الأكل بالنسبة إلى هذه الأنواع ممنوع بل الركوب والزينة هما أعظم المنافع فيها ولهذا جعلا تمام المقصود منها، فكأنما أعطى الأكثر والمعظم حكم الكل.
واقتضاء الحصر في قوله: ﴿ ومنها تأكلون ﴾ ممنوع بل لعل الظرف قدم لرعاية الفاصلة.
ثم إن أنواع الغرائب والعجائب المخلوقة في هذا العالم لا حد لها ولا حصر فلهذا أشار إلى ما بقي منها على سبيل الإجمال فقال: ﴿ ويخلق ما لا تعلمون ﴾ أي كنهه وتفاصيله بل نوعه وجنسه فإن مركبات العالم السفلي وغرائب العالم العلوي لا يعلمها إلا موجدها.
روى عطاء ومقاتل والضحاك عن ابن عباس أنه قال: إن عن يمين العرش نهراً من نور مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبعة، يدخل فيه جبرائيل كل سحر ويغتسل فيزداد نوراً إلى نوره وجمالاً إلى جماله، ثم ينتفض فيخلق الله من كل نقطة تقع من رأسه كذا وكذا ألف ملك يدخل منهم كل يوم سبعون ألف ملك البيت المعمور، وفي الكعبة أيضاً سبعون ألفاً ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة.
وقيل: المراد ما خلق في الجنة والنار مما لم يبلغه فيهم أحد ولا وهمه.
ولما ذكر بعض دلائل التوحيد بين أنه إنما ذكرها إزاحة للعذر وإزالة للشبهة ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة فقال: ﴿ وعلى الله قصد السبيل ﴾ ذكر صاحب الكشاف أن السبيل للجنس والقصد مصدر بمعنى الفاعل يقال: قصد وقاصد أي مستقيم كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه، والجور الميل عن الاستقامة.
احتجت المعتزلة بالآية على مسألتين من أصولهم: إحداهما أنه يجب على الله الإرشاد والهداية لأن كلمة، "على" للوجوب والمضاف محذوف أي وعلى الله بيان قصد السبيل؛ فالمعنى أن هداية الطريق الموصل إلى الحق واجبة عليه.
والثانية أنه لا يضل أحداً ولا يغويه وإلا لقيل وعلى الله قصد السبيل وعليه جائرها أو وعليه الجائر فلما غير أسلوب الكلام قائلاً: ﴿ ومنها جائر ﴾ دل على أنه أراد أن يبين ما يجوز إضافته إليه من السبيلين وما لا يجوز.
والجواب عن الأول بعد تسليم إفادة كلمة "على" الوجوب أنه وجوب بحسب الفضل والكرم لا بمعنى استحقاق الذم على الترك.
وعن الثاني أن دلالة قوله: ﴿ ومنها جائر ﴾ على ما ذكرتم ليست دلالة المطابقة ولا التضمن ولا الالتزام، لأن قول القائل "من السبيل سبل منحرفة" لا يفيد إلا الإخبار بوجود الانحراف في بعض السبيل، فأما أن فاعل تلك السبيل من هو فلا دلالة للكلام عليه أصلاً على أن قوله: ﴿ ولو شاء لهداكم أجمعين ﴾ يناقض ما ادعيتم.
وتفسير المشيئة بمشيئة الإلجاء والقسر أو بالهداية إلى الجنة خلاف الظاهر كما مر مراراً.
ولما استدل على وجود الصانع الحكيم بعجائب أحوال الحيوانات أراد أن يذكر الاستدلال على المطلوب بغرائب أحوال النبات فقال: ﴿ هو الذي أنزل من السماء ماء ﴾ وقوله: ﴿ لكم ﴾ متعلق بأنزل أو بشراب خبراً له.
والشراب ما يشرب كالطعام لما يطعم والمراد أن الماء النازل من السماء قسمان: بعضه يبقى لأجل الشرب كما هو ويحتمل أن يكون الماء المحتبس في الآبار والعيون منه كقوله: ﴿ فأسكناه في الأرض ﴾ \[المؤمنون: 18\] وبعضه يحصل منه شجر يرعاه المواشي.
قال الزجاج: كل ما ينبت من الأرض فهو شجر لأن التركيب يدل على الاختلاط ومنه تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم بالبعض، ومعنى الاختلاط حاصل في العشب والكلأ وفيما له ساق.
وقال ابن قتيبة: المراد بالشجر في الآية الكلأ.
وفي حديث عكرمة "لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت" أراد الكلأ.
وقيل الشجر كل ما له ساق كقوله: ﴿ والنجم والشجر يسجدان ﴾ والعطف يقتضي التغاير، فلما كان النجم ما لا ساق له وجب أن يكون الشجر ما له ساق، وأجيب بأن عطف الجنس على النوع جائز، وبأن قوله: ﴿ فيه تسيمون ﴾ من سامت الماشية إذا رعت وأسامها صاحبها وهو من السومة العلامة لأنه تؤثر بالرعي علامات في الأرض يقتضي أن يكون الشجر هو العشب ليمكن الرعي.
ورد بأن الإبل قد تقدر على رعي الأشجار الكبار.
وحين ذكر مرعى الحيوان أتبعه ذكر غذاء الإنسان فقال: ﴿ ينبت لكم به الزرع ﴾ الذي هو الغذاء الأصلي ﴿ والزيتون ﴾ الذي هو فاكهة من وجه وغذاء من وجه لكثرة ما فيه من الدهن ﴿ والنخيل والأعناب ﴾ اللتين هما أشرف الفواكه.
ثم أشار إلى الثمرات بقوله: ﴿ ومن كل الثمرات ﴾ كما أجمل الحيوانات التي لم يذكرها بقوله: ﴿ ويخلق ما لا تعلمون ﴾ قال في الكشاف: إنما لم يقل و "كل الثمرات" بل زاد "من" التبعيضية لأن كلها لا يكون إلا في الجنة.
واعلم أنه قدم الغذاء الحيواني على الغذاء النباتي لأن النعمة فيه أعظم لأنه أسرع تشبيهاً ببدن الإنسان، وفي ذكر الغذار النباتي قدم غذاء الحيوان - وهو الشجر - على غذاء الإنسان - وهو الزرع وغيره - بناء على مكارم الأخلاق وهو أن يكون اهتمام الإنسان بحال من تحت يده أكمل من اهتمامه بحال نفسه، وإنما عكس الترتيب في قوله: ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم ﴾ بناء على ما هو الواجب في نفس الأمر كقوله : "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" قوله: ﴿ وسخر لكم الليل والنهار ﴾ معنى تسخيرهما للناس تصييرهما نافعين لهم بحسب مصالحهم على سنن واحد يتعاقبان دائماً كالعبد المطواع، وكذا الكلام في تسخير الشمس والقمر والنجوم كما في "الأعراف" وفي سورة إبراهيم.
وهذا حسم لمادة شبهة من يزعم أن حركات الأفلاك هي المقتضية لتعاقب الليل والنهار ومسيرات الكواكب هي المستدعية للحوادث السفليات، فإنه إن سلم لهم ذلك فلا بد لتلك الحركات والمسيرات من الانتهاء إلى صانع قديم منزه عن التغير والإمكان مبرإ عن الحدوث والنقصان وهو الله .
﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ﴾ قال جار الله: جمع الآية وذكر العقل لأن آثار العلو أظهر دلالة على القدرة الباهرة وأبين شهادة للكبرياء والعظمة.
وقال غيره: إنما جمع الآيات لتطابق قوله: ﴿ مسخرات ﴾ ومثله في هذه السورة في موضع آخر ﴿ مسخرات في جوّ السماء ما يمكسهن إلا الله إن في ذلك لآيات ﴾ وأقول: إنما جمع لأن كلاً من تسخيراً الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم آية في نفسها لتباين الليل والنهار وتخالف مسيرات الكواكب كما هو مقرر في علم الهيئة بخلاف قوله ﴿ ينبت لكم ﴾ فإن مطلق الإنبات آية واحدة.
وكذا قوله: ﴿ وما ذرأ لكم في الأرض ﴾ أي خلق لكم فيها من حيوان وشجر وثمر وغير ذلك: ﴿ مختلفاً ألوانه ﴾ فإن ذرء هذه الأشياء على حالة اختلاف الألوان والأشكال مع تساوي الكل في الطبيعة الجسمية وفي تأثير الفلكيات فيها، آية واحدة على وجود الصانع شأنه، ولست أدعي إلا إمكان هذه الاعتبارات وإلا: ففي كل شيء آية تدل على أنه واحد.
وإنما خص المقام الأول بالتفكر لإمكان إيراد الشبهة المذكورة، وخص المقام الثاني بالعقل لذكره بعد إماطة الشبهة وإزاحة العلة، فمن لم يعترف بعدها بالوحدانية فلا عقل له.
وخص المقام الثالث بالتذكر لمزيد الدلالة فمن شك بعد ذلك فلا حس له.
ومن جملة الآيات التي هي في الحقيقة إنعامات على الإنسان تسخير البحر بالركوب عليه والانتفاع به أكلاً ولبساً.
والمراد باللحم الطريّ السمك.
قال ابن الأعرابي: لحم طريّ غير مهموز ومصدره طراوة.
يقال: شيء طريّ أي غض بين الطراوة.
وقال قطرب: طرو اللحم وطري طراوة والمراد في الآية السمك وما في معناه.
قال في الكشاف: وصفه بالطراوة لأن الفساد يسرع إليه فيسارع إلى أكله خيفة الفساد عليه.
وقال المتكلمون: إنه لما خرج من البحر المالح الزعاق الحيوان الذي لحمه في غاية العذوبة، علم أنه لم يحدث بحسب الطبع بل حدث بقدرة الله وحكمته بحيث أظهر الضد من الضد.
قال أكثر الفقهاء ومنهم أبو حنيفة والشافعي: من حلف أن لا يأكل لحماً فأكل سمكاً لم يحنث لأن اللحم لا يتناوله عرفاً.
ومبنى الأيمان على العرف والعادة.
ولهذا لو قال لغلامه: اشتر لحماً فجاء بالسمك كان حقيقاً بالإنكار عيله.
ورد عليهم الإمام فخر الدين الرازي بأنه إذا قال لغلامه: اشتر لحماً فجاء بلحم العصفور كان حقيقاً بالإنكار مع أنكم تقولون إنه يحنث بأكل لحم العصفور.
فثبت أن العرف مضطرب والرجوع إلى نص القرآن متعين فليس فوق بيان الله بيان.
ولقائل أن يقول: لعل الإنكار في هذه الصورة بعد تسليمه إنما جاء من قبل ندرة شراء العصفور أو شراء لحمه فإنه إنما يشترى كله ولم يجىء من إطلاق اللحم على لحمه.
ومن منافع البحر استخراج الحلية منه قالوا: أراد بالحلية اللؤلؤ والمرجان، والمراد بلبسهم لبس نسائهم لأنهن من جملتهم ولأن تزيينهن لأجلهم.
ولقائل أن يقول: لا مانع من تزيين الرجال باللآلىء ونحوها شرعاً فلا حاجة إلى هذه التكلف.
استدل الإمام فخر الدين بالآية في إبطال قول الشافعية إنه لا زكاة في الحلى قال: لأن اللام فيما يروى عنه أنه قال: "لا زكاة في الحلى" تنصرف إلى المعهود السابق ولا معهود إلا ما في الآية من الحلية فصار معنى الحديث: لا زكاة في اللآلىء.
وهذا باطل بالاتفاق.
ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن تكون اللام للجنس فتشمل المصوغ من الذهب والفضة أيضاً فيكون الحديث مخصصاً بالآية إن ثبت صحته؟
ومن عجائب البحر ومنافعه قوله : ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ قال أهل اللغة: مخر السفينة شقها الماء بصدرها.
وعن الفراء صوت دويّ الفلك بالرياح.
وقال ابن عباس: مواخر أي جواري.
وإنما حسن هذا التفسير لأنها لا تشق الماء إلا إذا كانت جارية: وقوله: ﴿ لتبتغوا من فضله ﴾ أي تتجروا فيه فتطلبوا الربح من فضل الله وإذا وجدتم فضله وإحسانه فلعلكم تقدمون على شكره.
واعلم أن قوله: ﴿ مواخر فيه ﴾ جاء على القياس لأن موضع الظرف المتعلق بمواخر بعد مضي مفعولي "ترى"، وأما في سورة الملائكة فقدم الظرف ليكون موافقاً لقوله: ﴿ ومن كل تأكلون ﴾ ولتقدم الجار في قوله: ﴿ ومن كل تأكلون ﴾ حذف لفظة "منه" هناك.
الواو في ﴿ ولتبتغوا ﴾ في هذه السورة للعطف على لام العلة في ﴿ لتأكلوا ﴾ وقوله: ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ اعتراض في السورتين يجري مجرى المثل ولهذا وحد الخطاب في قوله: ﴿ وترى ﴾ وقبله وبعده جمع "أي لو حضرت أيها المخاطب لرأيته بهذه الصفة.
ويمكن أن يقال: إنما قال في الملائكة ﴿ فيه مواخر ﴾ بتقديم الظرف لئلا يفصل بين لام العلة وبين متعلقها وهو مواخر، وليكتنف المتعلق المتعلقان.
وإنما بنينا الكلام على أن قوله: ﴿ فيه ﴾ متعلق بـ ﴿ مواخر ﴾ لا بـ ﴿ ترى ﴾ لقرب هذا وبعد ذاك والله أعلم.
قوله: ﴿ أن تميد بكم ﴾ أي كراهة أن تميد الأرض بكم والباء للتعدية أو للمصاحبة.
والميد الحركة والاضطراب يميناً وشمالاً.
يروى أنه خلق الأرض فجعلت تمور فقالت الملائكة: ما هي بمقرّ على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال لم تدر الملائكة مم خلقت.
قال جمهور المفسرين: إن السفينة إذا ألقيت على وجه الماء فإنها تميل من جانب إلى جانب وتضطرب، فإذا وضعت الأجرام الثقيلة في تلك السفينة استقرت على وجه الماء فهكذا الأرض تستقر على الماء بسبب ثقل الجبال.
واعترض عليه بأن السفينة إنما تضطرب على الماء لتخلخلها وخفتها بسبب الهواء الداخل في تجاويف الخشب ومسامها، أما الأرض فجسم كثيف ثقيل من شأنها الرسوب في الماء على ما هو مشاهد من حال أجزائها المنفصلة عنها.
فإن كان طبيعة الكل كذلك فكيف يعقل طفوّها حتى توجب الجبال إرساءها وثباتها، وإن لم تكن طبيعة الكل كذلك حتى تكون طافية مائدة وقد أرساها الله بالجبال، فالرسو والرسوخ إنما يتصور على جسم واقف وليس إلا الماء فينقل الكلام إلى وقوف الماء في حيزه المعين.
فإن كان بحسب الطبيعة فهذا خلاف التقدير لأنا نفينا القول بالطبائع الموجبة لهذه الأحوال، وإن لم يكن بالطبع بل كان واقفاً بتخليق الفاعل المختار وتسكينه في حيزه المخصوص فلم لا نقول مثله في تسكين الأرض؟
هذا تلخيص ما قاله الإمام فخر الدين الرازي، ونسب المقام إلى الصعوبة والإشكال واستخرج لحله وجهاً مبنياً على قوانين الحكمة، وهو أن الأرض جسم كروي، والكرة إذا كانت صحيحة الاستدارة فإنها تتحرك بأدنى سبب، فلما أحدث الله على وجه الكرة هذه الخشونات الجارية مجرى الأوتاد منعتها عن السلاسة والحركة.
قلت: في هذا الحال خلل.
أما أولاً فلكونه مبنياً على غير قواعد أهل التفسير، وأما ثانياً فلما ثبت في الحكمة أن نسبة أعظم جبل في الأرض وهو ما ارتفاعه فرسخان وثلث فرسخ إلى جميع الأرض كنسبة خمس سبع عرض شعيرة إلى كرة قطرها ذراع، ولا ريب أن ذلك القدر من الشعيرة لا يخرج الكرة المذكورة عن صحة الاستدارة بحيث يمنعها عن سلاسة الحركة، فكذا ينبغي أن يكون حال الجبال بالنسبة إلى كرة الأرض.
والجواب الصحيح على قاعدة أهل الشرع أن يقال: لا نسلم أن الأرض بكليتها لها طبيعة موجبة لحالة من الأحوال، وعلى تقدير التسليم فلا نسلم أن لها طبيعة الرسوب بل لعل طبيعتها الطفوّ فلهذا احتاجت إلى الرواسي.
وأما قوله: "لم أوقف الله الماء في حيزه ولم يوقف الأرض من غير إرساء" فلا يخفى سقوطه مع القول بالفاعل المختار، فللوسائط والأسباب مدخل في الأمور العادية، وإن لم نقل بتأثيرها، هذا وإن حركة الأرض عند الزلازل لا تنافي حكم الله بعدم اضطرابها لأن إثبات الحركة لجزء الشيء لا ينافي نفيها عن كله.
وشبهوا الزلزلة وهي حركة قطعة من الأرض لاحتقان البخارات في داخلها وطلبها المنفذ باختلاج يحصل في جزء معين من بدن الحيوان.
قوله : ﴿ وأنهاراً ﴾ معطوف على ﴿ رواسي ﴾ أي وجعل فيها رواسي وأنهاراً لأن الإلقاء ههنا بمعنى الجعل والخلق كقوله: ﴿ وألقيت عليك محبة مني ﴾ وكذا قوله ﴿ وسبلاً ﴾ أي أظهرها وبينها لأجل أن تهتدوا بها في أسفاركم.
ولما ذكر أنه أظهر في الأرض سبلاً معينة ذكر أنه أظهر في تلك السبل علامات مخصوصة وهي كل ما يستدل به السابلة من جبل وسهل وغير ذلك.
يحكى أن جماعة يشمون التراب فيعرفون به الطرقات.
قال الأخفش: تم الكلام عند قوله: ﴿ وعلامات ﴾ وقوله ﴿ وبالنجم هم يهتدون ﴾ كلام منفصل عن الأول.
والمراد بالنجم الجنس كما يقال: كثر الدرهم في أيدي الناس.
وعن السدي هو الثريا والفرقدان وبنات نعش والجدي.
قال بعض المفسرين: أراد بقوله ﴿ هم يهتدون ﴾ أهل البحر لتقدم ذكر البحر ومنافعه، وقيل: أراد أعم من ذلك فأهل البر أيضاً قد يحصل لهم الاهتداء بالنجوم في الطرق والمسالك، وفي معرفة القبلة، وإنما جيء بالضمير الغائب لعوده إلى السائرين الدال عليهم ذكر السبل.
وقال في الكشاف: كأنه أراد قريشاً فقد كان لهم اهتداء بالنجوم في مسايرهم وكان لهم بذلك علم لم يكن مثله لغيرهم فكان الشكر أوجب عليهم والاعتبار ألزم لهم فخصصوا بتقديم النجم.
وإقحام لفظ ﴿ هم ﴾ كأنه قيل: وبالنجم خصوصاً هؤلاء يهتدون.
ثم لما عدد الآيات الدالة على الصانع ووحدانيته واتصافه بجميع صفات الكمال أراد أن يوبخ أهل الشرك والعناد فقال: ﴿ أفمن يخلق كمن لا يخلق ﴾ أي كالأصنام التي لا تخلق شيئاً إلا أنه أجراها مجرى أولي العلم فأطلق عليها لفظ "من" التي هي لأولي العقل بناء على زعمهم أنها آلهة، أو لأجل المشاكلة بينه وبين من يخلق، أو أراد أن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم فكيف بما لا علم عنده، أو أراد كل ما عبد من دون الله مغلباً فيه أولو العلم منهم.
واعلم أنه أهل البيان يقولون: إن المشبه به يجب أن يكون أقوى وأتم في وجه الشبه من المشبه ليلتحق الأضعف بالأقوى في وجه الشبه كقولك "وجهه كالقمر".
ولا ريب أن الخالق أقوى من غير الخالق فكان حق النظم في الظاهر أن يقال: أفمن لا يخلق كمن يخلق.
والقرآن ورد على العكس.
ووجهه عند العلماء زيادة التوبيخ ليكون كأنهم جعلوا غير الخالق أقوى حالاً وأعرف من الخالق.
قال في الكشاف: إنهم جعلوا الله من جنس المخلوقات وشبهوه بها حين جعلوا غيره مثله في التسمية والعبادة فأنكر عليهم ذلك، ولوضوح كون هذا الأمر منكراً عند من له أدنى عقل بل حس قال ﴿ أفلا تذكرون ﴾ وفيه مزيد توبيخ وتجهيل لأنه لجلائه كالحاصل الذي يحصل عند العقل بأدنى تذكر ومع ذلك هم عنه غافلون.
قال بعض الأشاعرة.
في الآية دلالة على أن العبد غير خالق لأفعال نفسه لأن الآية سيقت لبيان امتيازه بصفة الخالقية.
أجابت المعتزلة بأن المراد أفمن يخلق ما تقدم ذكره من السموات والأرض والإنسان والحيوان والنبات والبحار والجبال والنجوم.
أو نقول: معنى الآية أن كل ما كان خالقاً يكون أفضل ممن لا يكون خالقاً، وهذا القدر لا يدل على أن كل من كان خالقاً فإنه يجب أن يكون إلهاً نظيره قوله: ﴿ ألهم أرجل يمشون بها ﴾ أراد به أن الإنسان أفضل من الصنم والأفضل لا يليق به عبادة الأخس فكذا ههنا.
وقال الكعبي في تفسيره: نحن لا نطلق لفظ الخالق على العبد ومن أطلق ذلك فقد أخطأ إلا في مواضع ذكرها الله كقوله: ﴿ وإذ تخلق من الطين ﴾ فعلى هذا لا يتوجه عليهم السؤال إلا أن أصحاب أبي هاشم يطلقون لفظ الخالق على العبد حتى إن أبا عبد الله البصري قال: إطلاق لفظ الخالق على العبد حقيقة وعلى الله مجاز لأن الخلق عبارة عن التقدير وهو الظن والحسبان.
ثم لما فرغ من تعديد الآيات التي هي بالنسبة إلى الملكلفين نعم قال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ وقد مر تفسيره في سورة إبراهيم.
قال العقلاء: إن كل جزء من أجزاء البدن الإنساني لو ظهر فيه أدنى خلل لنغص العمر على الإنسان وتمنى أن ينفق الدنيا لو كانت في ملكه حتى يزول عنه ذلك الخلل.
ثم إنه يدبر أحوال بدن الإنسان على الوجه الملائم له غالباً مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك الجزء ولا بمصالحه ومفاسده، فليكن هذا المثال حاضراً في ذهنك وقس عليه سائر نعم الله حتى تعرف تقصيرك وقصورك عن شكر أدنى نعمة فضلاً عن جميعها، ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إن الله لغفور رحيم ﴾ يغفر التقصير الصادر عنكم في أداء شكر النعمة ويرحمكم حيث لا يقطعها عنكم بالتفريط ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها.
كانوا مع اشتغالهم بعبادة غير الله يسرون ضروباً من الكفر والمكايد في حق الرسول فأوعدهم بقوله: ﴿ والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ﴾ وفيه أيضاً تعريض وتوبيخ بسبب أن الإله يجب أن يكون عالماً بالسر والعلانية، والأصنام التي عبدوها جمادات لا شعور لها أصلاً فكيف يحسن عبادتها.
ثم زاد في التوبيخ فقال: ﴿ والذين يدعون ﴾ أي الآلهة الذين يدعونهم الكفار ﴿ من دون الله لا يخلقون شيئاً ﴾ وقد ذكر هذا المعنى في قوله: ﴿ كمن لا يخلق ﴾ وزاد ههنا قوله: ﴿ وهم يخلقون ﴾ أي بخلق الله أو بالنحت والتصوير وهم لا يقدرون على نحو ذلك فهم أعجز من عبدتهم، ففي هذه الآية زيادة بيان لأنه نفى عنهم صفة الكمال وأثبت صفة النقصان.
وكذلك قوله: ﴿ أموات غير أحياء ﴾ يستلزم ذمهم مرتين لأن من الأموات ما يعقب موته حياة كالنطفة والجسد الإنساني الذي فارقه الروح، وأما الحجارة فأموات لا تقبل الحياة أصلاً.
وفيه أن الإله الحق يجب أن يكون حياً لا يعقبه موت وحال هذه الأصنام بالعكس.
وفيه أن هؤلاء الكفار في غاية الغباوة وقد يقرر المعنى الواحد مع الغبي الجاهل بعبارتين مختلفتين تنبيهاً على بلادته ﴿ وما يشعرون ﴾ الضمير فيه للآلهة.
أما الضمير في ﴿ أيان يبعثون ﴾ فإما للآلهة أيضاً ويؤيده ما روي عن ابن عباس أن الله يبعث الأصنام لها أرواح ومعها شياطينها فيؤمر بالكل إلى النار، وإما للداعين أي لا يشعر الآلهة متى يبعث عبدتهم فيكون فيه تهكم بالمشركين من حيث إن آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم فكيف يكون لهم وقت جزاء منهم على عبادتهم؟!
وفيه أنه لا بد من البعث وأنه من لوازم التكليف، وإما للأحياء أي لا يعلم هؤلاء الآلهة متى تبعث الأحياء تهكماً بحلها لأن شعور الجماد محال فكيف بشعور ما لا يعلمه حي إلا الحي القيوم ؟
وجوز في الكشاف أن يراد بالذين يدعوهم الكفار الملائكة، لأن ناساً منهم كانوا يعبدونهم.
ومعنى أنهم ﴿ أموات ﴾ أي لا بد لهم من الموت ﴿ غير أحياء ﴾ أي غير باقية حياتهم ولا علم لهم بوقت بعثهم.
ولما زيف طريقة عبدة الأصنام صرح بما هو الحق في نفس الأمر فقال: ﴿ إلهكم إله واحد ﴾ ثم ذكر ما لأجله أصر الكفار على شركهم فقال: ﴿ فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة ﴾ للوحدانية أو لكل كلام يخالف هواهم ﴿ وهم مستكبرون ﴾ عن قبول الحق وذلك أن المؤمن بالعبث والجزاء يؤثر فيه الترغيب والترهيب فينقاد للحق أسرع، وأما الجاحد للمعاد فلا يقبل إلا ما يوافق رأيه ويلائم طبعه فيبقى في ظلمة الإنكار ﴿ لا جرم ﴾ أي حقاً ﴿ أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ﴾ فيجازيهم على ما أسروا من الاستكبار وأعلنوا من العناد ﴿ إنه لا يحب المستكبرين ﴾ عن التوحيد فيختص بالمشركين أو كل مستكبر فيدخل هؤلاء دخولاً أوّلياً لأن الكلام فيهم.
التأويل: الناس طبقات ثلاث: الغافلون والخطاب معهم بالعتاب إذا كانوا مشتاقين إلى الدنيا.
وزخارفها وهم أصحاب النفوس، والعاقلون والخطاب معهم بوعد الثواب لرغبتهم في الطاعات والأعمال الصالحات وهم أرباب العقول، والعاشقون والخطاب معهم بوصل رب الأرباب لاشتياقهم إلى جمال ذي الجلال.
فحين قال في الأزل ﴿ أتى أمر الله ﴾ استعجل أرواح كل طبقة منهم للخروج من العدم إلى الوجود لنيل المقصود وطلب المفقود فخاطبهم بقوله: ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ فإنه سيصيب في كل طبقة منكم ما كتب له في القسمة الأزلية: والله منزه عن أن يشاركه في الحكم أحد فلا مبدل لكلماته.
﴿ بالروح من أمره ﴾ أي بما يحيي القلوب من المواهب الربانية من أمره الوارد على الجوارح بالتكاليف الشرعية وعلى النفوس بآداب الطريقة، وعلى القلوب بالإشارات، وعلى الأرواح بملازمة الحضرة للمكاشفات، وعلى الأسرار بالمراقبات للمشاهدات وعلى الخفيات بتجلي الصفات لإفناء الذوات.
﴿ على من يشاء من عباده ﴾ من الأنبياء والأولياء ﴿ أن أنذروا ﴾ أعلموا أوصاف وجودكم ببذلها في أنانيتي ﴿ أنه لا إله إلا أنا فاتقون ﴾ عن أنانيتكم بأنانيتي.
﴿ خلق ﴾ سموات الأرواح وأرض الأشباح وجعلها مظهراً لأفاعيله.
فهو الفاعل لما يظهر على الأرواح والأشباح ﴿ تعالى عما يشركون ﴾ الأرواح والأشباح في إحالة أفاعيله إلى غيره ﴿ خلق الإنسان من نطفة ﴾ لا علم لها ولا فعل ﴿ فإذا هو خصيم مبين ﴾ يدعي الشركة معه في الوجود.
والأفاعيل والأنعام أي الصفات الحيوانية ﴿ خلقها لكم فيها دفء ﴾ لأنها المودعة في جبلتكم ﴿ ومنافع ومنها تأكلون ﴾ باستفادة بدل ما يتحلل ﴿ ولكم فيها جمال ﴾ في أوقات الفترات وأزمنة الاستراحات ﴿ وتحمل ﴾ أثقال أرواحكم وهي أعباء الأمانة إلى بلد عالم الجبروت ﴿ إن ربكم لرءُوف رحيم ﴾ .
إذا أفنيتم أنفسكم في جبروته يبقيكم ببقاء عظموته ﴿ والخيل والبغال والحمير ﴾ أي صفاتها خلقت فيكم لأنها مراكب الروح عند السير إلى عالم الجبروت ﴿ وزينة ﴾ عند رجوعه بالجذبة إلى مستقره الذي أهبط منه ﴿ ويخلق ﴾ فيكم حينئذٍ ﴿ ما لا تعملون ﴾ وهو قبول فيض الله بلا واسطة.
وعلى الله قصد السبيل} بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ ﴿ ومنها جائر ﴾ يعني نفوسكم تحيد عن الفناء وبذل الوجود ﴿ هو الذي أنزل ﴾ من سماء الكرم ماء الفيض ﴿ منه شراب ﴾ المحنة لقلوبكم ﴿ ومنه شجر ﴾ القوى البشرية ودواعيها ﴿ فيه ﴾ ترعون مواشي نفوسكم ﴿ ينبت لكم ﴾ زرع الطاعات وزيتون الصدق ونخيل الأخلاق الحميدة وأعناب الواردات الربانية، ومن كل ثمرات المعقولات والمشاهدات والمكاشفات.
﴿ وسخر لكم ﴾ ليل البشرية ونهار الروحانية وشمس الروح وقمر القلب ونجوم الحواس والقوى، وتسخيرها استعمالها على وفق الشريعة وقانون الطريقة ﴿ وما ذرأ لكم ﴾ في أرض جبلتكم من الاستعدادات يتلون في كل عالم بلونه من عوالم الملكية والشيطانية والحيوانية ﴿ وسخر لكم ﴾ بحر العلوم ﴿ لتأكلوا منه ﴾ الفوائد الغيبية السنية الطرية ﴿ وتستخرجوا منه ﴾ جواهر المعاني فيلبس بها أرواحكم النور والبهاء.
وترى فلك الشرائع والمذاهب جواري في بحر العلوم لتبتغوا الأسرار الخفية عن الملائكة.
وألقى في أرض البشرية جبال الوقار والسكينة لئلا تميد بكم صفات البشرية عن جادّة الشريعة والطريقة، وأنهاراً من ماء الحكمة وسبلاً إلى الهداية والعناية، وعلامات من الشواهد والكشوف، وبنجم الجذبة الإلهية هم يهتدون فيخرجون من ظلمات الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي.
أفمن يخلق الله فيه هذه الكمالات كمن لا يخلقها فيه من الملائكة وغيرهم ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ وهي قسمان: نعمة الأعطاف وهي ما يتعلق بوجود النعمة ظاهرة وباطنة، ونعمة الألطاف وهي ما يتعلق بوجود المنعم من الذوات والصفات ﴿ والله يعلم ما تسرون ﴾ من أداء شكر نعمه بالقلوب ﴿ وما تعلنون ﴾ من أداء الشكر بالأجساد ﴿ والذين يدعون من دون الله ﴾ من الهوى والدنيا ﴿ لا يخلقون شيئاً ﴾ من المنافع ﴿ وهم يخلقون ﴾ بتعب الطالب في تحصيلها ولهذا قال: ﴿ أموات غير أحياء وما يشعرون أيان ﴾ يبعثها دواعي البشرية ﴿ فالذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ بما في عالم الغيب ﴿ قلوبهم منكرة ﴾ لأهل الحق لأنهم لا يتجاوزون عالم الحس ﴿ يعلم ما يسرون ﴾ من الإنكار ﴿ وما يعلنون ﴾ من الاستكبار..
الله حسبي.
<div class="verse-tafsir"
قال بعض أهل التأويل: سورة النحل كلها مكية إلا ثلاث آيات؛ فإنها نزلت بالمدينة والله أعلم بالصواب.
قوله - عز وجل -: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ .
في قوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ وجهان: أحدهما: أن يعرف قوله: أمر الله، [ما أراد به وما] الذي استعجلوه، وإنما استعجلوه الساعة والقيامة؛ بقوله: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا...
﴾ الآية [الشورى: 18] ونحوه من الآيات.
وقال بعضهم: أمر الله هو عذابه، وكذلك [جميع] ما ذكر في جميع القرآن من أمر الله؛ المعنى منه عذابه؛ كقوله: ﴿ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ أي: عذابه، ونحوه.
ويحتمل قوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ : رسوله الذي كان يستنصر به أهل الكتاب على المشركين؛ كقوله: ﴿ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...
﴾ الآية [البقرة: 89] وكان يتمنى مشركوا العرب أن يكون لهم رسول كسائر الكفرة؛ كقوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ...
﴾ الآية [الأنعام: 109] ﴿ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ ذهاب ما كنتم تتمنون بمحمد أو شيء آخر.
والله أعلم.
ثم إنه لم يرد بقوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ وقوعه؛ ولكن قربه؛ أي: قرب آثار [أمر] الله؛ كما يقال: أتاك الخبر، وأتاك أمر كذا؛ على إرادة القرب؛ لا على الوقوع.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ أي: ظهر أعلام أمر الله وآثاره، ليس على إتيان أمره من مكان إلى مكان؛ كقوله: ﴿ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ ﴾ وآثاره: هو رسول الله ؛ لأنه كان به يختم النبوة؛ فهو كان أعلام الساعة على ما روي عنه ؛ فقال: "بعثت أنا والساعة كهاتين" أشار إلى أصبعين لقربها منه.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ .
لأنه لا منفعة لكم فيها فلماذا تستعجلونه؟
كقوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ ﴾ إذ لا منفعة لهم فيه، بل فيه ضرر عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .
سبحان: هو كلمة إجلال الله يجريها على ألسن أوليائه على تنزيه ما قالت الملحدة فيه، وتعاليه عن جميع ما نسبوا إليه من الولد، والصاحبة، والشريك، وغيره من الأشباه والأضداد، عن ذلك.
سبحان الله: حرف يذكر على أثر شيء مستبعد، أو مستعجب، أو مستعظم؛ جواباً لذلك، وهو ما ذكره على أثر وصف أو قول لا يليق بالله من الولد، والشريك، ونحوه؛ فقال: (سبحان الله) على التنزيه مما وصفوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ﴾ قال بعضهم: قوله: ﴿ بِٱلْرُّوحِ ﴾ أي: بالوحي الذي أنزله على رسله، والرحمة، أو الروح: الرحمة؛ وهو الذي به نجاة كل من رحمه الله ، وهداه لدينه؛ وهو ما ذكر؛ حيث قال: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ .
وقيل: الرسالة [هي القرآن والرسالة]، وما ذكر روحاً؛ لأنه به حياة الدين؛ كما سمي الذي به حياة الأبدان أرواحاً.
وقال الحسن: قوله: ﴿ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ﴾ : أي: بالحياة من أمره؛ وهو ما ذكرنا من حياة الدين.
وقوله : ﴿ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ .
أي: على من يشاء أن يختص من عباده ويختاره، وهو مشيئة الاختيار؛ وإن كان غيره يصلح لذلك، وفيه دلالة اختصاص الله بعضهم على بعض؛ وإن كان غيره يصلح لذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنْ أَنْذِرُوۤاْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱتَّقُونِ ﴾ .
على هذا جاءت الرسل والأنبياء عليهم السلام جميعاً بالإنذار والدعاء إلى وحدانية الله، وتوجيه العبادة إليه.
وقوله: ﴿ أَنْ أَنْذِرُوۤاْ ﴾ \[هو\] صلة ما تقدم من قوله: ﴿ يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ ﴾ أن أنذروا، ولا يوصل بما تأخر، ثم يخرج على الإضمار؛ أي: أنذروا وقولوا: إنه لا إله إلا أنا فاتقون.
<div class="verse-tafsir"
ينزل الله الملائكة بالوحي من قضائه على من يشاء من رسله: أن خوّفوا - أيها الرسل - الناس من الشرك بالله، فلا معبود بحق إلا أنا، فاتقوني -أيها الناس- بامتثال أوامري واجتناب نواهيَّ.
<div class="verse-tafsir" id="91.lve2X"