الآية ٢٥ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٢٥ من سورة النحل

لِيَحْمِلُوٓا۟ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةًۭ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ٢٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 80 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٥ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٥ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الله تعالى : ( ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ) أي : إنما قدرنا عليهم أن يقولوا ذلك فيتحملوا أوزارهم ومن أوزار الذين يتبعونهم ويوافقونهم ، أي : يصير عليهم خطيئة ضلالهم في أنفسهم ، وخطيئة إغوائهم لغيرهم واقتداء أولئك بهم ، كما جاء في الحديث : " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه ، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا " .

وقال [ الله ] تعالى : ( وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون ) [ العنكبوت : 13 ] .

وهكذا روى العوفي عن ابن عباس في قوله : ( ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ) إنها كقوله : ( وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ) [ العنكبوت : 13 ] .

وقال مجاهد : يحملون أثقالهم : ذنوبهم وذنوب من أطاعهم ، ولا يخفف عمن أطاعهم من العذاب شيئا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: يقول هؤلاء المشركون لمن سألهم ، ماذا أنـزل ربكم الذي أنـزل ربنا فيما يزعم محمد عليه: أساطير الأوّلين، لتكون لهم ذنوبهم التي هم عليها مقيمون من تكذيبهم الله ، وكفرهم بما أنـزل على رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن ذنوب الذين يصدّونهم عن الإيمان بالله يضلون يفتنون منهم بغير علم ، وقوله ( أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ) يقول: ألا ساء الإثم الذي يأثمون ، والثقل الذي يتحملون.

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن نجيح، عن مجاهد، قوله ( لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ومن أوزار من أضلوا احتمالهم ذنوب أنفسهم ، وذنوب من أطاعهم، ولا يخفف ذلك عمن أطاعهم من العذاب شيئا.

حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.

نحوه، إلا أنه قال: ومن أوزار الذين يضلونهم حملهم ذنوب أنفسهم، وسائر الحديث مثله.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ ) قال: حملهم ذنوب أنفسهم وذنوب من أطاعهم، ولا يخفف ذلك عمن أطاعهم من العذاب شيئا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) أي ذنوبهم وذنوب الذين يضلونهم بغير علم، ( أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ) حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله ( لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) يقول: يحملون ذنوبهم، وذلك مثل قوله وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ يقول: يحملون مع ذنوبهم الذين يُضِلُّونهم بغير علم.

حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع ، ( لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ) قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم " أَيُّمَا دَاعٍ دَعَا إِلَى ضَلالَةٍ فَاتُّبِعَ ، فَإِنَّ لَهُ مِثْلَ أَوْزَارِ مَنْ اتَّبَعَهُ من غَيْرِ أنْ يُنْقَصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ ، وَأَيُّمَا دَاعٍ دَعَا إِلَى هُدًى فَاتُّبِعَ فَلَهُ مِثْلَ أُجُورِهِمْ من غَيْرِ أنْ يُنْقَصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ".

حدثني المثنى، قال: أخبرنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن رجل، قال: قال زيد بن أسلم: " أنه بلغه أنه يتمثل للكافر عمله في صورة أقبح ما خلق الله وجها وأنتنه ريحًا، فيجلس إلى جنبه، كلما أفزعه شيء زاده فزعا وكلما تخوّف شيئا زاده خوفا، فيقول: بئس الصاحب أنت ، ومن أنت؟

فيقول: وما تعرفني؟

فيقول: لا فيقول: أنا عملك كان قبيحا ، فلذلك تراني قبيحا، وكان منتنا فلذلك تراني منتنا، طأطئ إليّ أركبك فطالما ركبتني في الدنيا ، فيركبه، وهو قوله ( لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ )

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون قوله تعالى : ليحملوا أوزارهم قيل : هي لام كي ، وهي متعلقة بما قبلها .

وقيل : لام العاقبة ، كقوله : ليكون لهم عدوا وحزنا .

أي قولهم في القرآن والنبي أداهم إلى أن حملوا أوزارهم ; أي ذنوبهم .

وقيل : هي لام الأمر ، والمعنى التهدد .كاملة لم يتركوا منها شيئا لنكبة أصابتهم في الدنيا بكفرهم .ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم قال مجاهد : [ ص: 88 ] يحملون وزر من أضلوه ولا ينقص من إثم المضل شيء .

وفي الخبر أيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع فإن عليه مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيء وأيما داع دعا إلى هدى فاتبع فله مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء خرجه مسلم بمعناه .

ومن للجنس لا للتبعيض ; فدعاة الضلالة عليهم مثل أوزار من اتبعهم .بغير علم أي يضلون الخلق جهلا منهم بما يلزمهم من الآثام ; إذ لو علموا لما أضلوا .ألا ساء ما يزرون أي بئس الوزر الذي يحملونه .

ونظير هذه الآية وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وقد تقدم في آخر " الأنعام " بيان قوله : ولا تزر وازرة وزر أخرى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وحملوا وزرهم ووزر من انقاد لهم إلى يوم القيامة.وقوله: { وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ْ} أي: من أوزار المقلدين الذين لا علم عندهم إلا ما دعوهم إليه، فيحملون إثم ما دعوهم إليه، وأما الذين يعلمون فكلٌّ مستقلٌّ بجرمه، لأنه عرف ما عرفوا { أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ْ} أي: بئس ما حملوا من الوزر المثقل لظهورهم، من وزرهم ووزر من أضلوه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ليحملوا أوزارهم ) ذنوب أنفسهم ، ( كاملة ) وإنما ذكر الكمال لأن البلايا التي تلحقهم في الدنيا وما يفعلون من الحسنات لا تكفر عنهم شيئا ، ( يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ) بغير حجة فيصدونهم عن الإيمان ، ( ألا ساء ما يزرون ) يحملون .

أنبأنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي ، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري ، أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني ، حدثنا علي بن حجر ، حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ليحملوا» في عاقبة الأمر «أوزارهم» ذنوبهم «كاملة» لم يُكفَّر منها شيء «يوم القيامة ومن» بعض «أوزار الذين يضلونهم بغير علم» لأنهم دعوهم إلى الضلال فاتبعوهم فاشتركوا في الإثم «ألا ساء» بئس «ما يزرون» يحملونه حملهم هذا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ستكون عاقبتهم أن يحملوا آثامهم كاملة يوم القيامة -لا يُغْفَر لهم منها شيء - ويَحْملوا من آثام الذين كذبوا عليهم؛ ليبعدوهم عن الإسلام من غير نقص من آثامهم.

ألا قَبُحَ ما يحملونه من آثام.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - عاقبة كفرهم ، ونطقهم بالباطل ، فقال - تعالى - : ( لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة .

.

.

) .واللام فى قوله - ( ليحملوا ) هى التى تسمى بلام العاقبة ، وذلك لأنهم لما وصفوا القرآن بأنه أساطير الأولين ، كانت عاقبتهم تلك العاقبة السيئة .والأوزار جمع وزر - بكسر الواو وسكون الزاى - بمعنى الشئ الثقيل .المراد بها الذنوب والآثام التى يقل حملها على صاحبها يوم القيامة ، كما قال - تعالى - : ( وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ القيامة عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ) والمعنى : قالوا ذلك فى القرآن الكريم ، لتكون عاقبتهم أن يحملوا أوزارهم كاملة غير منقوصة يوم القيامة .قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله ( ليحملوا ) متعلق - بقالوا - كما هو الظاهر .

.

واللام للعاقبة ، لأن الحمل مترتب على قولهم وليس باعثا ولا غرضا لهم .وعن ابن عطية : أنها تحتمل أن تكون لام التعليل ومتعلقة بفعل مقدر لا بقالوا ، أى : قدر صدور ذلك منهم ليحملوا .

.

.وقال - سبحانه - ( كاملة ) لتأكيد أنه لا يرفع عنهم شئ من ذنوبهم ، بل سيعاقبون عليها جميعها دون أن ينقص منها شئ .قال الفخر الرازى : وهذا يدل على أن الله - تعالى - قد يسقط بعض العقاب على المؤمنين ، إذ لو كان هذا المعنى حاصلا فى حق الكل ، لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل معنى .

.

.وقال بعض العلماء : " ويصور التعبير هذه الذنوب بكونها أحمالا ذات ثقل - وساءت أحمالا وأثقالا - ، فهى توقر النفوس كما توقر الأحمال الظهور ، وهى تثقل القلوب ، كما تثقل الأحمال العواتق ، وهى تتعب وتشقى كما تتعب الأثقال حاملها ، بل هى أدهى وأنكى " .وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم أنه بلغه أنه يتمثل للكافر عمله فى صورة أقبح ما خلق الله وجها ، وأنتنه ريحا ، فيجلس إلى جنبه كلما أفزعه شئ زاده فزعا ، وكلما تخوف من شئ زاده خوفا .

فيقول له بئس الصاحب أنت ومن أنت؟

فيقول له وما تعرفنى؟

فيقول : لا .

فيقول : أنا عملك كان قبيحا فلذلك ترانى قبيحا ، وكان منتنا فلذلك ترانى منتنا .

طأطئ إلى أركبك ، فطالما ركبتنى فى الدنيا ، فيركبه ، وهو قوله - تعالى - ( لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة .

.

) .وقوله : ( وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) بيان لأثقال أخرى يحملونها فوق أثقالهم .أى : أن أولئك المستكبرين ، قالوا فى القرآن إنه أساطير الأولين ، فكانت عاقبة قولهم الباطل أن حملوا آثامهم الخاصة ، وأن حملوا فوقها جانبا من آثام من كانوا سببا فى ضلالهم .قال ابن كثير : أى يصير عليهم خطيئة ضلالهم فى أنفسهم ، وخطيئة إغوائهم لغيرهم ، واقتداء أولئك بهم ، كما جاء فى الحديث : " من دعا إلى هدى ، كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه ، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإِثم مثل آثام من اتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا " .كما قال - تعالى - : ( وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ القيامة عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ) فهذه الآية وأمثالها ، لا تعارض بنيها وبين قوله - تعالى - ( وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ) لأن هؤلاء المستكبرين لم يكتفوا بضلالهم فى أنفسهم ، بل تسببوا فى إضلال غيرهم ، فعوقبوا على هذا التسبب السيئ ، الذى هو فعل من أفعالهم القبيحة .وقوله ( بغير علم ) فى موضع الحال من الضمير المنصوب فى قوله ( يضلونهم ) .أى : يضلون ناسا لا علم عندهم ، فهم كالأنعام بل هم أضل ، وفى ذلك ما فيه من مدح أهل العلم والتفكير ، لأن الآية الكريمة قد بينت أن أئمة الكفر ، يستطيعون إضلال من لا علم عنده ، أما أصحاب العقول السليمة فلن يستطيعوا إضلالهم .قالوا : واستدل بالآية على أن المقلد يجب عليه أن يبحث ، وأن يميز بين الحق والباطل ، ولا يعذر بسبب جهله .وقيل : إن قوله ( بغير علم ) فى موضع الحال من الضمير المرفوع فى قوله ( يضلونهم ) .أى : هم يضلون غيرهم حالة كونهم غير عالمين بما يترتب على ذلك من آثام وعقاب ، إذ لو علموا ذلك لما أقدموا على هذا الإِضلال لغيرهم .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ ) .

قال الجمل : و ( ساء ) فعل ماض لإِنشاء الذم بمعنى بئس ، و " ما " تمييز بمعنى شيئا ، أو فاعل بساء و ( يزرون ) صفة لما والعائد محذوف ، أو " ما " اسم موصول ، وقوله ( يزرون ) صلة الموصول ، والعائد محذوف أى : يزرونه ، والمخصوص بالذم محذوف .والتقدير : بئس شيئا يزرونه ويحملونه نتيجة كفرهم وكذبهم وإضلالهم لغيرهم؛ وافتتحت الجملة الكريمة بأداة الاستفتاح " ألا " للاهتمام بما تضمنه التحذير ، حتى يقلعوا عن كفرهم ، ويثوبوا إلى رشدهم ، ويحترسوا عن الوقوع فى الباطل من القول .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بالغ في تقرير دلائل التوحيد وأورد الدلائل القاهرة في إبطال مذاهب عبدة الأصنام، ذكر بعد ذلك شبهات منكري النبوة مع الجواب عنها.

فالشبهة الأولى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما احتج على صحة نبوة نفسه بكون القرآن معجزة طعنوا في القرآن وقالوا: إنه أساطير الأولين، وليس هو من جنس المعجزات، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن ذلك السائل من كان؟

قيل هو كلام بعضهم لبعض، وقيل هو قول المسلمين لهم، وقيل: هو قول المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

المسألة الثانية: لقائل أن يقول: كيف يكون تنزيل ربهم أساطير الأولين؟

وجوابه من وجوه: الأول: أنه مذكور على سبيل السخرية كقوله تعالى عنهم: ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لمجنون  ﴾ ، وقوله: ﴿ يأَيُّهَا الذي نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ  ﴾ وقوله: ﴿ يأَيُّهَ الساحر ادع لَنَا رَبَّكَ  ﴾ .

الثاني: أن يكون التقدير هذا الذي تذكرون أنه منزل من ربكم هو أساطير الأولين.

الثالث: يحتمل أن يكون المراد أن هذا القرآن بتقدير أن يكون مما أنزله الله لكنه أساطير الأولين ليس فيه شيء من العلوم والفصاحة والدقائق والحقائق.

واعلم أنه تعالى لما حكى شبههم قال: ﴿ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة ﴾ اللام في ليحملوا لام العاقبة، وذلك أنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير الأولين لأجل أن يحملوا الأوزار، ولكن لما كانت عاقبتهم ذلك حسن ذكر هذه اللام كقوله: ﴿ فالتقطه ءالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ  ﴾ وقوله: ﴿ كَامِلَةٌ ﴾ معناه: أنه تعالى لا يخفف من عقابهم شيئاً، بل يوصل ذلك العقاب بكليته إليهم، وأقول: هذا يدل على أنه تعالى قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين، إذ لو كان هذا المعنى حاصلاً في حق الكل، لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل معنى، وقوله: ﴿ وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ ﴾ معناه: ويحصل للرؤساء مثل أوزار الأتباع، والسبب فيه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أيما داع دعا إلى الهدى فاتبع كان له مثل أجر من اتبعه لا ينقص من أجورهم شيء وأيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع كان عليه مثل وزر من اتبعه لا ينقص من آثامهم شيء».

واعلم أنه ليس المراد منه أنه تعالى يوصل العقاب الذي يستحقه الأتباع إلى الرؤساء، وذلك لأن هذا لا يليق بعدل الله تعالى، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى  ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وازرة وِزْرَ أخرى  ﴾ بل المعنى: أن الرئيس إذا وضع سنة قبيحة عظم عقابه، حتى أن ذلك العقاب يكون مساوياً لكل ما يستحقه كل واحد من الأتباع، قال الواحدي: ولفظه: ﴿ مِنْ ﴾ في قوله: ﴿ وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ ﴾ ليست للتبعيض، لأنها لو كانت للتبعيض لخف عن الأتباع بعض أوزارهم، وذلك غير جائز، لقوله عليه السلام: «من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» ولكنها للجنس، أي ليحملوا من جنس أوزار الأتباع.

وقوله: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ يعني أن هؤلاء الرؤساء إنما يقدمون على هذا الإضلال جهلاً منهم بما يستحقونه من العذاب الشديد على ذلك الإضلال ثم إنه تعالى ختم الكلام بقوله: ﴿ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ ﴾ والمقصود المبالغة في الزجر.

فإن قيل: إنه تعالى لما حكى عن القوم هذه الشبهة لم يجب عنها، بل اقتصر على محض الوعيد؛ فما السبب فيه؟

قلنا: السبب فيه أنه تعالى بين كون القرآن معجزاً بطريقين: الأول: أنه صلى الله عليه وسلم تحداهم بكل القرآن، وتارة بعشر سور، وتارة بسورة واحدة، وتارة بحديث واحد، وعجزوا عن المعارضة، وذلك يدل على كونه معجزاً.

الثاني: أنه تعالى حكى هذه الشبهة بعينها في آية أخرى وهو قوله: ﴿ اكتتبها فَهِىَ تملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً  ﴾ وأبطلها بقوله: ﴿ قُلْ أَنزَلَهُ الذي يَعْلَمُ السر فِي السموات والأرض  ﴾ ومعناه أن القرآن مشتمل على الأخبار عن الغيوب، وذلك لا يتأتى إلا ممن يكون عالماً بأسرار السموات والأرض، فلما ثبت كون القرآن معجزاً بهذين الطريقين، وتكرر شرح هذين الطريقين مراراً كثيرة لا جرم اقتصر في هذه الآية على مجرد الوعيد ولم يذكر ما يجري مجرى الجواب عن هذه الشبهة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مَّاذَآ ﴾ منصوب بأنزل، بمعنى: أي شيء ﴿ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ أو مرفوع بالابتداء بمعنى: أي شيء أنزله ربكم، فإذا نصبت فمعنى ﴿ أساطير الأولين ﴾ ما يدّعون نزوله أساطير الأوّلين، وإذا رفعته فالمعنى: المنزل أساطير الأوّلين، كقوله: ﴿ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو ﴾ [البقرة: 219] فيمن رفع.

فإن قلت: هو كلام متناقض، لأنه لا يكون منزل ربهم وأساطير؟

قلت: هو على السخرية كقوله: ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ ﴾ [الشعراء: 27] وهو كلام بعضهم لبعض، أو قول المسلمين لهم، وقيل: هو قول المقتسمين: الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا أحاديث الأوّلين وأباطيلهم ﴿ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ ﴾ أي قالوا ذلك إضلالا للناس وصدّاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحملوا أو زاد ضلالهم ﴿ كَامِلَةٌ ﴾ وبعض أوزار من ضلّ بضلالهم، وهو وزر الإضلال، لأن المضلّ والضال شريكان: هذا يضله، وهذا يطاوعه على إضلاله، فيتحاملان الوزر، ومعنى اللام التعليل من غير أن يكون غرضاً، كقولك: خرجت من البلد مخافة الشر ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ حال من المعفول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال وإنما وصف بالضلال واحتمال الوزر من أضلوه وإن لم يعلم لأنه كان عليه أن يبحث وينظر بعقله حتى يميز المحق والمبطل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ القائِلُ بَعْضُهم عَلى التَّهَكُّمِ أوِ الوافِدُونَ عَلَيْهِمْ أوِ المُسْلِمُونَ.

﴿ قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ أيْ ما تَدَّعُونَ نُزُولَهُ، أوِ المُنَزَّلُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وإنَّما سَمُّوهُ مُنَزَّلًا عَلى التَّهَكُّمِ أوْ عَلى الفَرْضِ أيْ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مُنَزَّلٌ فَهو أساطِيرُ الأوَّلِينَ لا تَحْقِيقَ فِيهِ، والقائِلُونَ قِيلَ هُمُ المُقْتَسِمُونَ.

﴿ لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ أيْ قالُوا ذَلِكَ إضْلالًا لِلنّاسِ فَحَمَلُوا أوْزارَ ضَلالِهِمْ كامِلَةً فَإنَّ إضْلالَهم نَتِيجَةَ رُسُوخِهِمْ في الضَّلالِ.

﴿ وَمِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ ﴾ وبَعْضِ أوْزارِ ضَلالِ مَن يُضِلُّونَهم وهو حِصَّةُ التَّسَبُّبِ.

﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ أيْ يُضِلُّونَ مَن لا يَعْلَمُ أنَّهم ضُلّالٌ، وفائِدَتُها الدَّلالَةُ عَلى أنَّ جَهْلَهم لا يَعْذُرُهم، إذْ كانَ عَلَيْهِمْ أنْ يَبْحَثُوا ويُمَيِّزُوا بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ.

﴿ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ ﴾ بِئْسَ شَيْئًا يَزِرُونَهُ فِعْلُهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ} أي قالوا ذلك إضلالاً للناس فحملوا أوزار إضلالهم كاملة وبعض أوزار من ضل بضلالهم وهو وزر الإضلال لأن المضل والضال شريكان واللام للتعليل {بِغَيْرِ عِلْمٍ} حال من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال {أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ} محل ما رفع

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لِيَحْمِلُوا ﴾ مُتَعَلِّقٌ- بِقالُوا- كَما هو الظّاهِرُ أيْ قالُوا ذَلِكَ لِأنْ يَحْمِلُوا ﴿ أوْزارَهُمْ ﴾ أيْ آثامَهُمُ الخاصَّةَ بِهِمْ وهي آثامُ ضَلالِهِمْ، وهو جَمْعُ وِزْرٍ ويُقالُ لِلثِّقْلِ تَشْبِيهًا بِوِزْرِ الجَبَلِ، ويُعَبَّرُ بِكُلٍّ مِنهُما عَنِ الإثْمِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: لِيَحْمِلُوا أثْقالَهُمْ: ﴿ كامِلَةً ﴾ لَمْ يَنْقُصْ مِنها شَيْءٌ ولَمْ يَكْفُرْ بِنَحْوِ نَكْبَةٍ تُصِيبُهم في الدُّنْيا أوْ طاعَةٍ مَقْبُولَةٍ فِيها كَما تُكَفَّرُ بِذَلِكَ أوْزارُ المُؤْمِنِينَ، وقالَ الإمامُ: مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ لا يُخَفَّفُ مِن عَذابِهِمْ شَيْءٌ بَلْ يُوصَلُ إلَيْهِمْ بِكُلِّيَّتِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يُسْقِطُ بَعْضَ العِقابِ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ لَوْ كانَ هَذا المَعْنى حاصِلًا لِلْكُلِّ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ بِهِ فائِدَةٌ، وحَمْلُ الأوْزارِ مَجازٌ عَنِ العِقابِ عَلَيْها.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ بَلَّغَهُ أنَّ الكافِرَ يَتَمَثَّلُ عَمَلُهُ في صُورَةِ أقْبَحِ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى وجْهًا وأنْتَنَهُ رِيحًا فَيَجْلِسُ إلى جَنْبِهِ كُلَّما أفْزَعَهُ شَيْءٌ زادَهُ وكُلَّما يَخافُ شَيْئًا زادَهُ خَوْفًا فَيَقُولُ: بِئْسَ الصّاحِبُ أنْتَ ومَن أنْتَ؟

فَيَقُولُ: وما تَعْرِفُنِي؟

فَيَقُولُ: لا.

فَيَقُولُ: أنا عَمَلُكَ كانَ قَبِيحًا فَلِذَلِكَ تَرانِي قَبِيحًا وكانَ مُنْتِنًا فَلِذَلِكَ تَرانِي مُنْتِنًا طاطِئْ إلَيَّ أرْكَبْكَ فَطالَما رَكِبْتَنِي في الدُّنْيا فَيَرْكَبُهُ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً) (يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ ظَرْفٌ لِيَحْمِلُوا ﴿ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ ﴾ أيْ وبَعْضِ أوْزارِ مَن ضَلَّ بِإضْلالِهِمْ عَلى مَعْنى ومِثْلَ بَعْضِ أوْزارِهِمْ- فَمِن- تَبْعِيضِيَّةٌ لِأنَّ مُقابَلَتَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ( كامِلَةً ) يُعَيِّنُ ذَلِكَ.

والمُرادُ بِهَذا البَعْضِ حِصَّةُ التَّسَبُّبِ فالمُضِلُّ والضّالُّ شَرِيكانِ هَذا يُضِلُّهُ وهَذا يُطاوِعُهُ فَيَتَحامَلانِ الوِزْرَ ولِلضّالِّ أوْزارٌ غَيْرُ ذَلِكَ ولَيْسَتْ تِلْكَ مَحْمُولَةً، وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ ( مِن ) زائِدَةٌ أيْ وأوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم عَلى مَعْنى أنَّهم يُعاقَبُونَ عِقابًا يَكُونُ مُساوِيًا لِعِقابِ كُلِّ مَنِ اقْتَدى بِهِمْ، وإلى الزِّيادَةِ ذَهَبَ أبُو البَقاءِ واعْتَرَضَ عَلى التَّبْعِيضِ بِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ المُضِلَّ غَيْرُ حامِلٍ كُلَّ أوْزارِ الضّالِّ وهو مُخالِفٌ لِلْمَأْثُورِ: ««مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ ذَلِكَ مِن أوْزارِهِمْ شَيْئًا»» وفِيهِ أنَّ المَأْثُورَ يَدُلُّ عَلى التَّبْعِيضِ لا أنَّ بَيْنَهُما مُخالَفَةً كَما لا يَخْفى، ولِتَوَهُّمِ هَذِهِ المُخالَفَةِ قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ مِن لِلْجِنْسِ أيْ لِيَحْمِلُوا مِن جِنْسِ أوْزارِ الِاتِّباعِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ مِنَ الَّتِي لِبَيانِ الجِنْسِ لا تُقَدَّرُ بِما ذُكِرَ وإنَّما تُقَدَّرُ بِقَوْلِنا الأوْزارُ الَّتِي هي أوْزارُ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم فَيُؤَوَّلُ مِن حَيْثُ المَعْنى إلى قَوْلِ الأخْفَشِ وإنِ اخْتَلَفا في التَّقْدِيرِ، ولامُ ﴿ لِيَحْمِلُوا ﴾ لِلْعاقِبَةِ لِأنَّ الحَمْلَ مُتَرَتِّبٌ عَلى فِعْلِهِمْ ولَيْسَ باعِثًا ولا غَرَضًا لَهُمْ، وعَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّها تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لامَ التَّعْلِيلِ ومُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ لا بِقالُوا أيْ قَدَّرَ صُدُورَ ذَلِكَ لِيَحْمِلُوا، ويَجِيءُ حَدِيثُ تَعْلِيلِ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى بِالأغْراضِ وأنْتِ تَدْرِي أنَّ فِيهِ خِلافًا.

وجُوِّزَ في البَحْرِ كَوْنُها لامَ الأمْرِ الجازِمَةَ عَلى مَعْنى أنَّ ذَلِكَ الحَمْلَ مُتَحَتِّمٌ عَلَيْهِمْ فَيَتِمُّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ والظّاهِرُ العاقِبَةُ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ في ﴿ يُضِلُّونَهُمْ ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ الإضْلالِ أوْ بِاعْتِبارِ حالِ قَوْلِهِمْ لا حالِ الحَمْلِ.

﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ كَأنَّهُ قِيلَ: يُضِلُّونَ مَن لا يَعْلَمُ أنَّهم ضُلّالٌ عَلى الباطِلِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ كَيْدَهم لا يَرُوجُ عَلى ذِي لُبٍّ وإنَّما يُقَلِّدُهُمُ الجَهَلَةُ الأغْبِياءُ وفِيهِ زِيادَةُ تَعْيِيرٍ لَهم وذَمٌّ إذْ كانَ عَلَيْهِمْ إرْشادُ الجاهِلِينَ لا إضْلالُهُمْ، وقِيلَ: إنَّهُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ أيْ يُضِلُّونَ غَيْرَ عالِمِينَ بِأنَّ ما يَدْعُونَ إلَيْهِ طَرِيقُ الضَّلالِ، وقِيلَ: المَعْنى حِينَئِذٍ يُضِلُّونَ جَهْلًا مِنهم بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ عَلى ذَلِكَ الإضْلالِ، ونُقِلَ القَوْلُ بِالحالِيَّةِ عَنِ الفاعِلِ بِنَحْوِ هَذا المَعْنى عَنِ الواحِدِيِّ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ الوَجْهُ لا الحالِيَّةُ مِنَ المَفْعُولِ، وأُيِّدَ بِأنَّ التَّذْيِيلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ﴾ يُقَوِّيهِ، ولَيْسَ بِذاكَ، وما ذُكِرَ ظُنَّ مِن هَذا المُؤَيِّدِ أنَّهُ إذا جُعِلَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعَلُّقٌ بِما سِيقَ لَهُ الكَلامُ مِن حالِ المُضِلِّينَ وقَدْ هُدِيتَ إلى وجْهِهِ.

ورَجَّحَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ المُحَدَّثَ عَنْهُ هو المُسْنَدُ إلَيْهِ الإضْلالُ عَلى جِهَةِ الفاعِلِيَّةِ فاعْتِبارُهُ ذا الحالِ أوْلى، ويَرُدُّ عَلَيْهِ مَعَ ما يَعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ أنَّ القُرْبَ يُعارِضُهُ فَلا يَصْلُحُ مُرَجِّحًا، وقِيلَ: هو حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في ( قالُوا ) عَلى مَعْنى قالُوا ذَلِكَ غَيْرَ عالِمَيْنِ بِأنَّهم يَحْمِلُونَ يَوْمَ القِيامَةِ أوْزارَ الضَّلالِ والإضْلالِ وأُيِّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ﴾ مِن حَيْثُ إنَّ حَمْلَ ما ذُكِرَ مِن أوْزارِ الضَّلالِ والإضْلالِ مِن قَبِيلِ إتْيانِ العَذابِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، ويَرُدُّهُ أنَّ الحَمْلَ المَذْكُورَ كَما هو صَرِيحُ الآيَةِ إنَّما هو يَوْمَ القِيامَةِ والعَذابُ المَذْكُورُ إنَّما هو العَذابُ الدُّنْيَوِيُّ كَما سَتَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ كَما قالَ ذَلِكَ ابْنُ جِنِّيٍّ في قَوْلِهِ: ﴿ فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ  ﴾ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ المُقَلِّدَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَبْحَثَ ويُمَيِّزَ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ ولا يُعْذُرَ بِالجَهْلِ، وهو ظاهِرٌ عَلى ما قَدَّمْناهُ مِنَ الوَجْهِ الأوْجَهِ ﴿ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ ﴾ أيْ بِئْسَ شَيْئًا يَزِرُونَهُ ويَرْتَكِبُونَهُ مِنَ الإثْمِ فِعْلُهُمُ المَذْكُورُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ يعني: الخراصين من أهل مكة.

وروى أسباط عن السدي قال: اجتمعت قريش فقالوا: إن محمداً رجل حلو اللسان، إذا كلمه رجل ذهب بعقله، فانظروا أناساً من أشرافكم فابعثوهم في كل طريق من طرق مكة على رأس ليلة أو ليلتين، فمن جاء يريده ردّوه عنه.

فخرج ناس منهم في كل طريق، فكان إذا جاء رجل وافد قوم، ينظر ما يقول محمد  .

فنزل بهم.

فقالوا له: أنا فلان بن فلان، فيعرفه بنسبه.

ثم يقول: أنا أخبرك عن محمد، فلا تتبعنّه هو رجل كذاب لم يتبعه إلا السفهاء والعبيد، ومن لا خير فيه.

أما أشياخ قومه وأخيارهم، فهم مفارقوه.

فيرجعون أي: الوافدون.

وإذا كان الوافد ممن عزم الله له على الرشد يقول: بئس الوافد أنا لقومي.

إن كنت جئت حتى إذا بلغت مسيرة يوم، رجعت قبل أن ألقى هذا الرجل، وأنظر ماذا يقول.

فيدخل مكة، فيلقى المؤمنين فيسألهم: ما يقول محمد  ؟

فيقولون: خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ [النحل: 30] فذلك قوله: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أي: للمقتسمين من أهل مكة ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ على محمد  ، قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ يعني: الذين يذكر أنه منزل، هو كذب الأولين، وأحاديثهم.

قال عز وجل: لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ أي: آثامهم كامِلَةً أي: وافرة يَوْمَ الْقِيامَةِ أي: لا يغفر لهم شيء، وذنوب المؤمنين تكفر عنهم من الصلاة إلى الصلاة، ومن رمضان إلى رمضان، ومن الحج إلى الحج، وتكفر بالشدائد والمصائب.

وذنوب الكفار لا تغفر لهم، ويحملونها كاملة يوم القيامة.

أي: وبال الذنوب التي عملوا بأنفسهم وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ أي: يصدُّونهم عن الإيمان بِغَيْرِ عِلْمٍ أي: بغير عذر وحجة وبرهان.

ويقال: مِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ أي: أوزار إضلالهم.

وهذا كما قال النبي  : «من سن سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» .

أَلا ساءَ مَا يَزِرُونَ أي: بئس ما يحملون من الذنوب.

ويقال: بئس الزاد زادهم الذنوب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ويحتملُ تهتدُونَ بالنَّظَر في دَلاَلة هذه المَصْنُوعات علَى صَانِعِها.

/ وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ: قال ابن عبَّاسٍ: العلامَاتُ: معالمُ الطُّرُق بالنهار، والنجومُ: هدايةُ «١» الليل، وهذا قولٌ حَسَن فإِنه عمومٌ بالمعنَى، واللفظةُ عامَّة وذلك أَنَّ كُلَّ مَا دَلَّ على شيْءٍ وأعلَمَ به، فهو علامةٌ، والنجم هنا: اسم جنس، وهذا هو الصّواب.

وقوله سبحانه: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوها ...

الآية: وبحسب العَجْز عن عدِّ نعم اللَّه تعالى يلزمُ أنْ يكون الشاكرُ لها مقصِّراً عن بعْضها فلذلك قال عزَّ وجلَّ:

لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، أي: عن تقصيركُمْ في الشكْر عن جميعها نحا هذا المنحَى الطبريُّ ويَرِدُ عليه أن نعمةَ اللَّهِ في قولِ العبدِ: «الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ» ، مع شرطها من النيَّة والطاعةِ يوازي جميعَ النِّعَمَ، ولكنْ أين قولها بشُرُوطها، والمخاطَبةُ بقوله: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوها.

عامَّةٌ لجميع الناس.

وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي:

تدعونهم آلهةً، وأَمْواتٌ: يراد به الذين يَدْعُونَ مِنْ دونِ اللَّهِ، ورفع أَمْواتٌ على أنه خبر مبتدإٍ مضمرٍ، تقديره: هم أمواتٌ، وقوله: غَيْرُ أَحْياءٍ: أي: لم يقبلوا حياةً قطُّ، ولا اتصفوا بها، وقوله سبحانه: وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ: أي: وما يشعر الكُفَّار متَى يبعثون إِلى التعذيب.

وقوله سبحانه: إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ أي:

مُنْكِرَةٌ اتحاد الإله.

ت: وهذا كما حَكَى عنهم سبحانه في قولهم: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ [ص: ٥] .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ (البَقَرَةِ:١٦٣) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ والجَزاءِ " قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ " أيْ: جاحِدَةٌ لا تَعْرِفُ التَّوْحِيدَ ﴿ وَهم مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ أيْ: مُمْتَنِعُونَ مِن قَبُولِ الحَقِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا جَرَمَ ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في (هُودٍ:٢٢)، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ يُجازِيهِمْ بِسِرِّهِمْ وعَلَنِهِمْ، لِأنَّهُ يَعْلَمُهُ.

والمُسْتَكْبِرُونَ: المُتَكَبِّرُونَ عَنِ التَّوْحِيدِ والإيمانِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿ ما يُسِرُّونَ ﴾ حِينَ بَعَثُوا في كُلِّ طَرِيقٍ مَن يَصُدُّ النّاسَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  ﴿ وَما يُعْلِنُونَ ﴾ حِينَ أظْهَرُوا العَداوَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمْ ﴾ يَعْنِي: المُسْتَكْبِرِينَ ﴿ ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ عَلى مُحَمَّدٍ  ؟

قالَ الزَّجّاجُ: " ماذا " بِمَعْنى " ما الَّذِي " .

و ﴿ أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ مَرْفُوعَةٌ عَلى الجَوابِ.

كَأنَّهم قالُوا: الَّذِي أُنْزِلَ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، أيِ: الَّذِي تَذْكُرُونَ أنْتُمْ أنَّهُ مُنَزَّلٌ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الأساطِيرِ في (الأنْعامِ:٢٥) .

قالَ مُقاتِلٌ: الَّذِينَ بَعَثَهُمُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ في طُرُقِ مَكَّةَ يَصُدُّونَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ، ويَقُولُ بَعْضُهم: إنَّ مُحَمَّدًا ساحِرٌ، ويَقُولُ بَعْضُهم: شاعِرٌ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى في (الحِجْرِ:٩٠) في ذِكْرِ المُقْتَسِمِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَحْمِلُوا أوْزارَهُمْ ﴾ هَذِهِ لامُ العاقِبَةِ، وقَدْ شَرَحْناها في غَيْرِ مَوْضِعٍ، والأوْزارُ: الآثامُ، وإنَّما قالَ: كامِلَةً، لِأنَّهُ لَمْ يُكَفَّرْ مِنها شَيْءٌ بِما يُصِيبُهم مِن نَكْبَةٍ، أوْ بَلِيَّةٍ، كَما يُكَفَّرُ عَنِ المُؤْمِنِ، " ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ " أيْ: أنَّهم أضَلُّوهم بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وإنَّما حَمَلُوا مِن أوْزارِ الأتْباعِ، لِأنَّهم كانُوا رُؤَساءَ يُقْتَدى بِهِمْ في الضَّلالَةِ، وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في " مِن " وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها لِلتَّبْعِيضِ، فَهم يَحْمِلُونَ ما شَرِكُوهم فِيهِ، فَأمّا ما رَكِبَهُ أُولَئِكَ بِاخْتِيارِهِمْ مِن غَيْرِ تَزْيِينِ هَؤُلاءِ، فَلا يَحْمِلُونَهُ، فَيَصِحُّ مَعْنى التَّبْعِيضِ.

والثّانِي: أنَّ " مِن " مُؤَكِّدَةٌ، والمَعْنى: وأوْزارَ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم.

﴿ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ ﴾ أيْ: بِئْسَ ما حَمَلُوا عَلى ظُهُورِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي بِهِ: النَّمْرُودَ بْنَ كَنْعانَ، وذَلِكَ أنَّهُ بَنى صَرْحًا طَوِيلًا.

واخْتَلَفُوا في طُولِهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَمْسَةُ آلافِ ذِراعٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ طُولُهُ فَرْسَخَيْنِ، قالُوا: ورامَ أنْ يَصْعَدَ إلى السَّماءِ لِيُقاتِلَ أهْلَها بِزَعْمِهِ.

ومَعْنى " المَكْرِ " هاهُنا: التَّدْبِيرُ الفاسِدُ.

وَفِي الهاءِ والمِيمِ مِن " قَبْلِهِمْ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها لِلْمُقْتَسِمِينَ عَلى عِقابِ مَكَّةَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: لِكُفّارِ مَكَّةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ ﴾ أيْ: مِنَ الأساسِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: أرْسَلَ اللَّهُ رِيحًا فَألْقَتْ رَأْسَ الصَّرْحِ في البَحْرِ، وخَرَّ عَلَيْهِمُ الباقِي.

قالَ السُّدِّيُّ: لَمّا سَقَطَ الصَّرْحُ، تَبَلْبَلَتْ ألْسُنُ النّاسِ مِنَ الفَزَعِ، فَتَكَلَّمُوا بِثَلاثَةٍ وسَبْعِينَ لِسانًا، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ " بابِلَ "، وإنَّما كانَ لِسانُ النّاسِ قَبْلَ ذَلِكَ بِالسُّرْيانِيَّةِ، وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ، لِأنَّ التَّبَلْبُلَ يُوجِبُ الِاخْتِلاطَ والتَّكَلُّمَ بِشَيْءٍ غَيْرِ مُسْتَقِيمٍ، فَأمّا أنْ يُوجِبَ إحْداثَ لُغَةٍ مَضْبُوطَةِ الحَواشِي، فَباطِلٌ، وإنَّما اللُّغاتُ تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ الماكِرُ واحِدًا، فَكَيْفَ قالَ: " الَّذِينَ " ولَمْ يَقُلِ: " الَّذِي " ؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ الماكِرُ مَلِكًا لَهُ أتْباعٌ، فَأُدْخِلُوا مَعَهُ في الوَصْفِ.

والثّانِي: أنَّ العَرَبَ تُوقِعُ الجَمْعَ عَلى الواحِدِ، فَيَقُولُ قائِلُهم: خَرَجْتُ إلى البَصْرَةِ عَلى البِغالِ، وإنَّما خَرَجَ عَلى بَغْلٍ واحِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّ " الَّذِينَ " غَيْرُ مُوقَعٍ عَلى واحِدٍ مُعَيَّنٍ، لَكِنَّهُ يُرادُ بِهِ: قَدْ مَكَرَ الجَبّارُونَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، فَكانَ عاقِبَةَ مَكْرِهِمْ رُجُوعُ البَلاءِ عَلَيْهِمْ، ذَكَرَ هَذِهِ الأجْوِبَةَ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قالَ: وذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ: أنَّهُ إنَّما قالَ: " مِن فَوْقِهِمْ "، لِيُنَبَّهَ عَلى أنَّهم كانُوا تَحْتَهُ، إذْ لَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، لاحْتَمَلَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا تَحْتَهُ، لَأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: سَقَطَ عَلَيْنا البَيْتُ، وخَرَّ عَلَيْنا الحانُوتُ، وتَداعَتْ عَلَيْنا الدّارُ، ولَيْسُوا تَحْتَ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ﴾ أيْ: مِن حَيْثُ ظَنُّوا أنَّهم آمِنُونَ فِيهِ.

قالَ السُّدِّيُّ: أُخِذُوا مِن مَأْمَنِهِمْ.

ورَوى عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَّ عَلَيْهِمْ عَذابٌ مِنَ السَّماءِ.

وعامَّةُ المُفَسِّرِينَ عَلى ما حَكَيْناهُ مِن أنَّهُ بُنْيانٌ سَقَطَ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا مَثَلٌ، والمَعْنى: أهْلَكَهُمُ اللَّهُ، كَما هَلَكَ مَن هُدِمَ مَسْكَنُهُ مِن أسْفَلِهِ، فَخَرَّ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ ﴾ أيْ: يُذِلُّهم بِالعَذابِ.

﴿ وَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " شُرَكائِيَ الَّذِينَ " بِهَمْزَةٍ وفَتْحِ الياءِ، وقالَ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: " شُرَكايَ " مِثْلَ " هُدايَ "، والمَعْنى: أيْنَ شُرَكائِي عَلى زَعْمِكم ؟

هَلّا دَفَعُوا عَنْكم !

.

﴿ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ ﴾ أيْ: تُخالِفُونَ المُسْلِمِينَ فَتَعْبُدُونَهم وهم يَعْبُدُونَ اللَّهَ، وقَرَأ نافِعٌ: " تُشاقُّونِ " بِكَسْرِ النُّونِ، أرادَ: تُشاقُّونَنِي، فَحَذَفَ النُّونَ الثّانِيَةَ، وأبْقى الكَسْرَةَ تَدُلُّ عَلَيْها، والمَعْنى: كُنْتُمْ تُنازِعُونَنِي فِيهِمْ، وتُخالِفُونَ أمْرِي لِأجْلِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ.

فَأمّا " الخِزْيُ " فَقَدْ شَرَحْناهُ في مَواضِعَ [آلِ عِمْرانَ:١٩٢] و " السُّوءُ " هاهُنا: العَذابُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ ﴿ لا جَرَمَ أنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ ﴾ ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ لِيَحْمِلُوا أوزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ وصْفُ الأصْنامِ جاءَ الخَبَرُ الحَقُّ بِالوَحْدانِيَّةِ، وهَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ الناسِ مُعْلِمَةً بِأنَّ اللهَ تَعالى مُتَّحِدٌ وِحْدانِيَّةً تامَّةً، لا يَحْتاجُ لِكَمالِها إلى مُضافٍ إلَيْها، ثُمَّ أخْبَرَ عن إنْكارِ قُلُوبِ الكافِرِينَ، وأنَّهم يَعْتَقِدُونَ إلَهِيَّةَ أشْياءَ أُخَرَ، ويَسْتَكْبِرُونَ عن رَفْضِ مُعْتَقَدِهِمْ فِيها واطِّراحِ طَرِيقَةِ آبائِهِمْ في عِبادَتِها، ووَسَمَهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، إذْ هي أقْوى رُتَبِ الكُفْرِ، أعْنِي الجَمْعَ بَيْنَ التَكْذِيبِ بِاللهِ تَبارَكَ وتَعالى وبِالبَعْثِ، لِأنَّ كُلَّ صِدْقٍ بِالبَعْثِ فَمُحالٌ أنْ يُكَذِّبَ بِاللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا جَرَمَ ﴾ عَبَّرَتْ فِرْقَةٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ عن مَعْناها بِـ "لا بُدَّ، ولا مَحالَةَ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناها: "حَقٌّ أنَّ اللهَ"، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ "لا" نَفْيٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ، و"جَرَمَ" مَعْناهُ: وجَبَ أو حَقَّ، ونَحْوَ هَذا مِن مَذْهَبِ الزَجاجِ، ولَكِنْ مَعَ مَذْهَبِهِما "لا" مُلازِمَةٌ لِـ "جَرَمَ"، لا تَنْفَكُّ هَذِهِ مِن هَذِهِ، وفي جَرَمَ لُغاتٌ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرَها في سُورَةِ هُودٍ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: جَرَمَتْ فَزارَةُ وَقالَ: مَعْناها: حَقَّتْ عَلَيْهِمْ وأوجَبَتْ أنْ يَغْضَبُوا.

و"أنَّ" عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ فاعِلَةِ بِـ "جَرَمَ".

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنَّ" مَفْتُوحَةً، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "إنَّ" بِكَسْرِ الألْفِ عَلى القَطْعِ، قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ، والنَقاشُ: المُرادُ هُنا بِـ "ما يُسِرُّونَ" تَشاوُرُهم في دارِ النَدْوَةِ في قَتْلِ النَبِيِّ  ، وقَوْلُهُ: "إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ" عامُّ في الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، يَأْخُذُ كُلٌّ واحِدٍ مِنهم بِقِسْطِهِ، وفي الحَدِيثِ: « "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ وفي قَلْبِهِ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن كِبَرٍ"،» وفِيهِ "إنَّ الكِبْرَ مَنعُ الحَقِّ وغَمْطُ الناسِ"، ويُرْوى عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ أنَّهُ كانَ يَجْلِسُ مَعَ المَساكِينِ ويُحَدِّثُهم ثُمَّ يَقْرَأُ: ﴿ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ ﴾ ، ورُوِيَ في الحَدِيثِ أنَّهُ « "مَن سَجَدَ لِلَّهِ سَجْدَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ فَقَدَ بَرِئَ مِنَ الكِبْرِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ الآيَةُ.

الضَمِيرُ في "لَهُمْ" لِكُفّارِ مَكَّةَ، ويُقالُ: إنَّ سَبَبَ الآيَةِ كانَ أنَّ النَضِرَ بْنَ الحارِثِ سافَرَ عن مَكَّةَ إلى الحَيْرَةِ وغَيْرِها، فَجاءَ إلى مَكَّةَ وكانَ قَدِ اتَّخَذَ كُتُبَ التارِيخِ "كَلَيْلَةُ ودِمْنَةُ"، وأخْبارُ إسْفِنْدِيارَ ورُسْتَمَ"، فَكانَ يَقُولُ: إنَّما يُحَدِّثُ مُحَمَّدٌ بِأساطِيرَ الأوَّلِينَ، وحَدِيثِي أجْمَلُ مِن حَدِيثِهِ.

وقَوْلُهُ: "ماذا" يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) اسْتِفْهامًا و"ذا" بِمَعْنى: الَّذِي، وفي "أنْزَلَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "ما" و"ذا" اسْمًا واحِدًا مُرَكَّبًا، كَأنَّهُ قالَ: أيُّ شَيْءٍ؟

وقَوْلُهُمْ: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ" لَيْسَ بِجَوابٍ عَلى السُؤالِ الأوَّلِ، لِأنَّهم لَمْ يُرِيدُوا أنَّهُ نَزَّلَ شَيْءٌ، ولا أنْ تَمَّ مَنزِلًا، ولَكِنَّهُمُ ابْتَدَءُوا الخَبَرَ بِأنَّ هَذِهِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وإنَّما الجَوابُ عَنِ السُؤالِ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ في الآيَةِ المُسْتَقْبِلَةِ: خَيْرًا، وقَوْلُهُمْ: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ" إنَّما هو جَوابٌ بِالمَعْنى.

فَأمّا عَلى السُؤالِ وبِحَسَبِهِ فَلا.

واللامُ في قَوْلِهِ: "لِيَحْمِلُوا" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ العاقِبَةِ، لِأنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا بِقَوْلِهِمْ: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ" أنْ يَحَمِلُوا الأوزارَ، ويُحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ صَرِيحَ لامِ كَيْ عَلى مَعْنى: قَدَّرَ هَذا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ الأمْرِ عَلى مَعْنى الحَتْمِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ والصِغارُ المُوجِبُ لَهم.

و"الأوزارُ: الأثْقالُ، وقَوْلُهُ: "وَمِن" لِلتَّبْعِيضِ، وذَلِكَ أنَّ هَذا الرَأْسَ المُضِلَّ يَحْمِلُ وزَرَ نَفْسِهِ كامِلًا، ويَحْمِلُ وِزْرًا مِن أوزارِ كُلِّ مُضِلٍّ بِسَبَبِهِ، ولا تَنْقُصُ أوزارُ أُولَئِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِها المُضِلَّ، أيْ: أضَلَّ بِغَيْرِ بُرْهانٍ قامَ عِنْدَهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنَ المُقَلِّدِينَ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم.

ثُمَّ اسْتَفْتَحَ اللهَ تَعالى الإخْبارَ عن سُوءِ ما يَتَحَمَّلُونَهُ لِلْآخِرَةِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ حَدِيثًا نَصُّهُ: « "أيَّما داعٍ دَعا إلى ضَلالَةٍ فاتَّبَعَ فَإنَّ عَلَيْهِ مِثْلَ أوزارِ مَنِ اتَّبَعَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أوزارِهِمْ شَيْءٌ، وأيَّما داعٍ دَعا إلى الهُدى فاتَّبَعَ فَلَهُ مَثَلُ أُجُورِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يُنْقَصُ مِن أُجُورِهِمْ شَيْءٌ"،» و"ساءَ" فِعْلٌ مُسْنَدٌ إلى "ما"، ولا يَحْتاجُ في ذَلِكَ هُنا إلى صِلَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

و ﴿ إذا قيل لهم ﴾ عطف على جملة ﴿ قلوبهم منكرة ﴾ [سورة النحل: 22]، لأن مضمون هذه من أحوالهم المتقدم بعضُها، فإنه ذُكر استكبارهم وإنكارهم الوحدانية، وأتبع بمعاذيرهم الباطلة لإنكار نبوءة محمد وبصدّهم الناس عن اتّباع الإسلام.

والتقدير: قلوبهم منكرة ومستكبرة فلا يعترفون بالنبوءة ولا يخلّون بينك وبين من يتطلب الهدى، مضلّون للناس صادّونهم عن الإسلام.

وذكر فعل القول يقتضي صدوره عن قائل يسألهم عن أمر حدث بينهم وليس على سبيل الفرض، وأنهم يجيبون بما ذكر مكراً بالدين وتظاهراً بمظهر الناصحين للمسترشدين المستنصحين بقرينة قوله تعالى: ﴿ ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ﴾ [سورة النحل: 25].

و ﴿ إذا ﴾ ظرف مضمّن معنى الشّرط.

وهذا الشّرط يؤذن بتكرّر هذين القولين.

وقد ذكر المفسرون أن قريشاً لما أهمّهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم ورأوا تأثير القرآن في نفوس الناس، وأخذ أتباع الإسلام يكثرون، وصار الواردون إلى مكّة في موسم الحجّ وغيره يسألون الناس عن هذا القرآن، وماذا يدعو إليه، دبّر لهم الوليد بن المغيرة معاذير واختلاقاً يختلقونه ليقنعوا السّائلين به، فندب منهم ستة عشر رجلاً بعثهم أيام الموسم يقعدون في عقبات مكّة وطرقها التي يرد منها الناس، يقولون لمن سألهم: لا تغترّوا بهذا الذي يدّعي أنه نبيّ فإنه مجنون أو ساحر أو شاعر أو كاهن، وأن الكلام الذي يقوله أساطير من أساطير الأولين اكتتبها.

وقد تقدم ذلك في آخر سورة الحِجر.

وكان النضر بن الحارث يقول: أنا أقرأ عليكم ما هو أجمل من حديث محمد أحاديثَ رُسْتُمَ وإِسْفَنْدِيَارَ.

وقد تقدّم ذكره عند قوله تعالى: ﴿ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ﴾ في سورة الأنعام (93).

ومساءلة العرب عن بعث النبي كثيرة واقعة.

وأصرحها ما رواه البخاري عن أبي ذرّ أنه قال: كنت رجلاً من غفار فبلَغَنَا أْن رجلاً قد خرج بمكّة يزعم أنه نبيء، فقلت لأخِي أُنَيْسٍ: انطلقْ إلى هذا الرجل كلّمْه وائتني بخبره، فانطَلَق فلقيَه ثم رجع، فقلتُ: ما عندك؟

فقال: والله لقد رأيتُ رجلاً يأمر بالخير وينهى عن الشرّ.

فقلتُ: لم تشفني من الخبر، فأخذتُ جراباً وعصاً ثم أقبلت إلى مكّة فجعلت لا أعرفه وأكره أن أسأل عنه، وأشربُ من ماء زمزم وأكون في المسجد...

إلى آخر الحديث.

وسؤال السّائلين لطلب الخبر عن المنزل من الله يدلّ على أن سؤالهم سؤال مسترشد عن دعوى بلغتهم وشاع خبرها في بلاد العرب، وأنهم سألوا عن حسن طويّة، ويصُوغون السؤال عن الخبر كما بلغتهم دعوتُه.

وأما الجواب فهو جوابٌ بليغ تضمّن بيان نوع هذا الكلام، وإبطال أن يكون منزلاً من عند الله لأن أساطير الأولين معروفة والمنزّل من عند الله شأنه أن يكون غير معروف من قبل.

و ﴿ ماذا ﴾ كلمة مركبة من (ما) الاستفهامية واسم الإشارة، ويقع بعدها فعل هو صلة لموصول محذوف ناب عنه اسم الإشارة.

والمعنى: ما هذا الذي أنزل.

و (ما) يستفهم بها عن بيان الجنس ونحوه.

وموضعها أنها خبر مقدّم.

وموضع اسم الإشارة الابتداءُ.

والتقدير: هذا الذي أنزل ربكم ما هو.

وقد تسامح النحويون فقالوا: إن (ذا) من قولهم (ماذا) صارت اسم موصول.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ يسألونك ماذا ينفقون ﴾ في سورة البقرة (215).

﴿ وأساطير الأولين ﴾ خبر مبتدأ محذوف دلّ عليه ما في السؤال.

والتقدير: هو أساطير الأوّلين، أي المسؤول عنه أساطير الأوّلين.

ويعلم من ذلك أنه ليس منزّلاً من ربهم لأن أساطير الأوّلين لا تكون منزّلة من الله كما قلناه آنفاً.

ولذلك لم يقع ﴿ أساطير الأولين ﴾ منصوباً لأنه لو نصب لاقتضى التقدير: أنزل أساطير الأولين، وهو كلام متناقض.

لأن أساطير الأولين السابقة لا تكون الذي أنزل الله الآن.

والأساطير: جمع أسطار الذي هو جمع سطر.

فأساطير جمع الجمع.

وقال المبرّد: جمع أسطورة بضم الهمزة كأرجوحة.

وهي مؤنثة باعتبار أنها قصة مكتوبة.

وهذا الذي ذكره المبرّد أولى لأنها أساطير في الأكثر يعني بها القصص لا كل كتاب مسطور.

وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأوّلين ﴾ في سورة الأنعام (25).

واللاّم في ﴿ ليحملوا أوزارهم ﴾ تعليل لفعل ﴿ قالوا ﴾ ، وهي غاية وليست بعلّة لأنّهم لما قالوا ﴿ أساطير الأولين ﴾ لم يريدوا أن يكون قولهم سبباً لأن يحملوا أوزار الّذين يضلّونهم، فاللام مستعملة مجازاً في العاقبة مثل ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً ﴾ [سورة القصص: 8].

والتقدير: قالوا ذلك القول كحال من يُغرى على ما يجر إليه زيادة الضرّ إذ حملوا بذلك أوزار الذين يُضلونهم زيادة على أوزارهم.

والأوزار: حقيقتها الأثقال، جمع وزر بكسر الواو وسكون الزاي وهو الثّقل.

واستعمل في الجُرم والذنب، لأنّه يُثقل فاعله عن الخلاص من الألم والعناء، فأصل ذلك استعارة بتشبيه الجرم والذّنب بالوزر.

وشاعت هذه الاستعارة، قال تعالى: ﴿ وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ﴾ في سورة الأنعام (31).

كما يعبّر عن الذنوب بالأثقال، قال تعالى: ﴿ وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم ﴾ [سورة العنكبوت: 13].

وحَمْل الأوزار تمثيل لحالة وقوعهم في تبعات جرائمهم بحالة حامل الثقل لا يستطيع تفصّياً منه، فلما شُبّه الإثم بالثقل فأطلق عليه الوِزر شبه التّورط في تبعاته بحمل الثّقل على طريقة التخييلية، وحصل من الاستعارتين المفرقتين استعارة تمثيلية للهيئة كلها.

وهذا من أبدع التمثيل أن تكون الاستعارة التمثيلية صالحة للتفريق إلى عدّة تشابيه أو استعارات.

وإضافة الأوزار إلى ضمير هم لأنّهم مصدرها.

ووصفت الأوزار ب ﴿ كاملة ﴾ تحقيقاً لوفائها وشدّة ثقلها ليسري ذلك إلى شدّة ارتباكهم في تبعاتها إذ هو المقصود من إضافة الحمل إلى الأوزار.

و ﴿ مِنْ ﴾ في قوله تعالى: ﴿ ومن أوزار الذين يضلونهم ﴾ للسببية متعلقة بفعل محذوف دلّ عليْه حرف العطف وحرْف الجَر بعدَه إذ لا بدّ لحرف الجر من متعلّق.

وتقديره: ويحملوا.

ومفعول الفعل محذوف دلّ عليْه مفعول نظيره.

والتّقدير: ويحملوا أوزاراً ناشئة عن أوزار الّذين يُضلونهم، أي ناشئة لهم عن تسبّبهم في ضلال المضلّلين بفتح اللاّم، فإنّ تسببهم في الضلال يقتضي مساواة المضلّل للضّال في جريمة الضّلال، إذ لولا إضلاله إياه لاهتدى بنظره أو بسؤال الناصحين.

وفي الحديث الصّحيح «ومَن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً».

و ﴿ بغير علم ﴾ في موضع الحال من ضمير النصب في ﴿ يضلونهم ﴾ ، أي يضلّون ناساً غير عالمين يحسبون إضلالهم نصحاً.

والمقصود من هذا الحال تفظيع التضليل لا تقييده فإن التضليل لا يكون إلا عن عدم علم كُلاً أو بعضاً.

وجملة ﴿ ألا ساء ما يزرون ﴾ تذييل.

افتتح بحرف التّنبيه اهتماماً بما تتضمّنه للتحذير من الوقوع فيه أو للإقلاع عنه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ يَعْنِي: وإذا قِيلَ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمَّنْ لا يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ وقُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ بِالبَعْثِ.

﴿ ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ القائِلُ ذَلِكَ لَهم وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُ بَعْضٍ لِبَعْضٍ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْناهُ ماذا نُسِبَ إلى إنْزالِ رَبِّكم؛ لِأنَّهم مُنْكِرُونَ لِنُزُولِهِ مِن رَبِّهِمْ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ لَهُمْ، اخْتِبارًا لَهم، فَعَلى هَذا يَكُونُ مَحْمُولًا عَلى حَقِيقَةِ نُزُولِهِ مِنهُ.

﴿ قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ وهَذا جَوابُهم عَمّا سُئِلُوا عَنْهُ ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أيْ أحادِيثُ الأوَّلِينَ اسْتِرْذالًا لَهُ واسْتِهْزاءً بِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ مِثْلُ ما جاءَ بِهِ الأوَّلُونَ، تَكْذِيبًا لَهُ ولِجَمِيعِ الرُّسُلِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لِيَحْمِلُوا أوْزارَهُمْ ﴾ أيْ أثْقالَ كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ.

﴿ كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها لَمْ تَسْقُطْ بِالتَّوْبَةِ.

الثّانِي: أنَّها لَمْ تُخَفَّفْ بِالمَصائِبِ.

﴿ وَمِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ يَعْنِي أنَّهُ قَدِ اقْتَرَنَ بِما حَمَلُوهُ مِن أوْزارِهِمْ ما يَتَحَمَّلُونَهُ مِن أوْزارِ مَن أضَلُّوهم.

وَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المُضِلَّ يَتَحَمَّلُ أوْزارَ الضّالِّ بِإغْوائِهِ.

الثّانِي: أنَّ الضّالَّ يَتَحَمَّلُ أوْزارَ المُضِلِّ بِنُصْرَتِهِ وطاعَتِهِ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِغَيْرِ عِلْمِ المُضِلِّ بِما دَعا إلَيْهِ.

الثّانِي: بِغَيْرِ عِلْمِ الضّالِّ بِما أجابَ إلَيْهِ.

وَيَحْتَمِلُ المُرادُ بِالعِلْمِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّهم يَتَحَمَّلُونَ سُوءَ أوْزارِهِمْ لِأنَّهُ تَقْلِيدٌ بِغَيْرِ اسْتِدْلالٍ ولا شُبْهَةٍ.

الثّانِي: أرادَ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ بِما تَحَمَّلُوهُ مِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم.

﴿ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّهم يَتَحَمَّلُونَ سُوءَ أوْزارِهِمْ.

الثّانِي: مَعْناهُ أنَّهُ يَسُوءُهم ما تَحَمَّلُوهُ مِن أوْزارِهِمْ.

فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مُعَجَّلًا في الدُّنْيا، وعَلى الوَجْهِ الآخَرِ مُؤَجَّلًا في الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ﴾ يقول: يحملون مع ذنوبهم ذنوب الذين يضلونهم بغير علم وذلك مثل قوله: ﴿ وأثقالاً مع أثقالهم ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة...

﴾ الآية.

قال: حملهم ذنوب أنفسهم وذنوب من أطاعهم، ولا يخفف ذلك عمن أطاعهم من العذاب شيئاً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ ليحملوا أوزارهم كاملة...

﴾ الآية.

قال: قال النبي «أيما داعٍ دعا إلى ضلالة فاتبع، كان عليه مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيء.

وأيما داع إلى هدى فاتبع، فله مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء» .

وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم، أنه بلغه أنه يتمثل للكافر عمله في صورة أقبح ما خلق الله وجهاً وأنتنه ريحاً، فيجلس إلى جنبه.

كلما أفزعه شيء زاده، وكلما تخوّف شيئاً زاده خوفاً، فيقول: بئس الصاحب أنت، ومن أنت؟

فيقول: وما تعرفني!؟

فيقول: لا.

فيقول: أنا عملك...

كان قبيحاً فلذلك تراني قبيحاً، وكان منتناً فلذلك تراني منتناً...

طأطئ إليَّ اركبك، فطالما ركبتني في الدنيا.

فيركبه.

وهو قوله: ﴿ ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ﴾ والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ ﴾ الآية، اللام في ﴿ لِيَحْمِلُوا ﴾ لام العاقبة، وهم لم يقولوا للقرآن: أساطير الأولين، ليحملوا الأوزار؛ ولكن لما كانت عاقبتهم ذلك بهذا القول، جاز أن يقال: فعلوا ذلك له؛ كقوله عز وجل: ﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا  ﴾ ، وهم لم يلتقطوا لذلك، وكما قال النابغة: جاءت لِتُطعِمَه لحمًا ويَفْجعها بابن ...

فقد أطعمتْ لحمًا وقد فَجعا (١) يعني بقرًا جاءت مع عجلها للرعي، فوقع الذئب على عجلها فأكله، فزعم أنها جاءت لذلك، وهي لم تجئ له.

قوله تعالى: ﴿ كَامِلَةٌ ﴾ ، قال صاحب النظم: أي أن غيرهم لا يحمل عنهم من أوزارهم شيئًا، ويجوز أن يكون المعنى: أنهم لا يُكفَّر عنهم شيء من ذنوبهم بما يصيبهم في الدنيا من نكبة وبلية كالمؤمنين (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ ﴾ لأنهم كانوا رؤساء، فلما قالوا في القرآن: إنه أساطير الأولين، اقْتُدي بهم فيه، فحُمل عليهم من أوزارهم، يبين هذا ما روي أن النبيّ -  - قال: "أيّما داعٍ دعا إلى ضلالة فاتُّبع فإن عليه أوزارَ من اتَّبَعه، من غير أن يَنقصَ من أوزارهم شيء" (٤) فهؤلاء لمّا كانوا دعاةَ الضلالة، حُمِّلوا من أوزار من اتبعهم.

و (من) في قوله: ﴿ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ ﴾ ليست للتبعيض؛ لأنها لو كانت للتبعيض لخفَّ عن الأَتْبَاعِ بعضُ أوزارهم يحمل الرؤساء ذلك، ولكنها للجنس، أي ليحملوا من جنس أوزار الأتباع، وإنما ذلك لأن النبيّ -  - قال: "من غير أن ينقص من أوزارهم شيء"، ولو جعلنا المحمولَ من أوزار الأتباع نقصت أوزارهم، فليس يأتي التابعُ بجنس من الذنب في ضلالته إلا وعلى المتبوع مثلُ ذلك، كما قال -  -: "فإن عليه مثل أوزار من اتبعه".

وقوله تعالى: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ ، أي: بجهل، يريد أن هؤلاء المتبوعين يُضِلّون من اتبعهم جهلًا منهم بما يفعلون من احتقاب (٥) ﴿ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴾ ، ومضى تفسير هذا وتفسير الوزر عند قوله: ﴿ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِم ﴾ الآية [الأنعام: 31].

(١) لم أجده في "ديوان النابغة"؛ لا الجعدي ولا الذبياني، ولم أقف عليه في المصادر.

(٢) في هذا المعنى روى البخاري (5641)، (5642) في المرض ، باب ما جاء في كفارة المرض، ومسلم (2573) في البر والصلة والآداب، ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -  -: "ما يصبب المؤمن من نصبٍ ولا وصب، ولا همّ ولا حزَن، ولا أذى ولا غمّ، حتى الشوكة يُشاكها، إلا كفَّرَ الله بها من خطاياه" (٣) في (د): (فإنهم).

(٤) أخرجه ابن ماجه (205) المقدمة، باب: من سن سنة حسنة أو سيئة بنصه عن أنس، والطبري 14/ 96 بنصه، وورد في "تفسير الرازي" 20/ 18، و"القرطبي" 13/ 331، و"الدر المنثور" 7/ 214 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، والجامع الصغير للألباني (2712)، وقد ورد برواية: "من دعا ..

، وبرواية: "من سن سنة ..

" في: مسند أحمد 2/ 397، 4/ 361، وصحيح مسلم (2674) في العلم، باب: من سن سنة حسنة وما بعدها، والترمذي (2674) في العلم، باب: ما جاء فيمن دعا إلى الهدى فاتبع أو إلى ضلالة 5/ 43، والنسائي بالرواية الثانية: الزكاة، التحريض على الصدقة 5/ 75، وسنن ابن ماجه.

المقدمة، من سن سنة (206).

(٥) أصلها حقب، يقال: حقب البعير واحتقب حقبًا: احتبس بوله وتَعَسَّر عليه، وحَقِب العام: احتبس مطرُه، واحتقبَ الشيءَ: ادَّخره، وكذلك: احتمله، وهو المقصود هناك.

انظر: (حقب) في "تهذيب اللغة" 1/ 873، و"المحيط في اللغة" 2/ 363، و"اللسان" 2/ 937، و"معجم متن اللغة" 2/ 129.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أساطير الأولين ﴾ أي ما سطره الأولون، وكان النضر بن الحارث قد اتخذ كتاب تواريخ، وكان يقول: إنما يحدث محمد بأساطير الأولين، وحديثي أجمل من حديثه، وماذا يجوز أن يكون اسماً واحداً مركباً من ما وذا، ويكون منصوباً بأنزل، أو أن تكون ما استفهامية في موضع رفع بالابتداء، وذا بمعنى الذي، وفي أنزل ضمير محذوف ﴿ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ ﴾ اللام لام العاقبة والصيرورة: أي قالوا أساطير الأولين، فأوجب ذلك أن حملوا أوزارهم وأوزار غيرهم، ويحتمل أن تكون للأمر ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ حال من المفعول في يضلونهم، أو من الفاعل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ شركاي ﴾ مثل ﴿ هداي ﴾ زمعة عن ابن كثير والخزاعي عن البزي.

وقرأ الخزاز عن هبيرة ﴿ شركائي الذين ﴾ مرسلة الياء، الباقون بفتح الياء وكذلك في "الكهف" و"القصص".

﴿ تشاقون ﴾ بكسر النون: نافع، الآخرون بفتحها ﴿ تتوفاهم ﴾ وما بعده بالإمالة: حمزة وخلف ﴿ لا يهدي ﴾ بفتح الياء وكسر الدال: عاصم وحمزة وعلي وخلف، الباقون بضم الياء وفتح الدال.

﴿ كن فيكون ﴾ بالنصب: ابن عامر وعلي، الباقون بالرفع.

الوقوف: ﴿ ربكم ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ الأولين ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ يوم القيامة ﴾ لا لأن قوله ﴿ ومن أوزار ﴾ مفعول ﴿ ليحملوا ﴾ ط ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ ما يزرون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ فيهم ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده صفة ﴿ أنفسهم ﴾ ص لطول الكلام ﴿ من سوء ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ المتكبرين ﴾ ه ﴿ أنزل ربكم ﴾ ط ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ خير ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ يشاءُون ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ طيبين ﴾ ه لا لأن ما بعده حال آخر.

﴿ سلام عليكم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ ادخلوا ﴾ مفعول ﴿ يقولون ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ أمر ربك ﴾ ط ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ يستهزءُون ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ الثاني ط ﴿ من قبلهم ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ الطاغوت ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ الضلالة ﴾ ط ﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ أيمانهم ﴾ لا لأن ما بعده جواب القسم ﴿ يموت ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه لا لتعلق لام كي ﴿ كاذبين ﴾ ه ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ م لأن جواب "لو" محذوف أي لو كانوا يعلمون لما اختاروا الدنيا على الآخرة، ولو وصل لصار قوله: ﴿ ولأجر الآخرة ﴾ متعلقاً بشرط "أن" ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ وهو محال ﴿ يعلمون ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين صبروا ﴾ بدل ﴿ الذين هاجروا ﴾ ﴿ يتوكلون ﴾ ه.

التفسير: لما بالغ في تقرير دلائل التوحيد أراد أن يذكر شبهات منكري النبوة مع أجوبتها.

فالشبهة الأولى أنهم طعنوا في القرآن وعدّوه من قبيل الأساطير.

قال النحويون: "ماذا" منصوب بأنزل بمعنى أي شيء أنزله ربكم، أو "ما" مبتدأ و "ذا" موصولة، والجملة صلتها، والمجموع خبر المبتدأ، وعلى التقديرين: فقوله: ﴿ أساطير الأوّلين ﴾ بالرفع ليس بجواب للكفار وإلا لكان المعنى الذي أنزله ربنا أساطير الأوّلين والكفار لا يقرون بالإنزال فهو إذن كلام مستأنف أي ليس ما تدّعون إنزاله منزلاً بل هو أساطير الأولين.

وقال في الكشاف: معناه المنزل أساطير الأوّلين وذكر في دفع التناقض أنه على السخرية كقوله: { ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون  ﴾ وجوز كونه منصوباً ولم يقرأ به.

واختلفوا في السائل فقيل: هو كلام بعضهم لبعض.

وقيل: هو قول المسلمين لهم وقيل: هو قول المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن رسول الله  إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل على رسول الله  قالوا: أحاديث الأوّلين وأباطيلهم، ليس فيه شيء من العلوم والفصاحة والحقائق والدقائق.

ثم إنه تعال اقتصر في جواب شبههم على محض الوعي لأنه قد ثبت بالتحدي كما مر ذكره مراراً أن القرآن معجز تحدوا بالقرآن جملة ثم بعشر سور ثم بسورة فعجزوا عن المعارضة فكان طعنهم فيه بعد ذلك مجرد المكابرة والعناد فلم يستحقوا في الجواب إلا التهديد والوعيد.

واللام في قوله: ﴿ ليحملوا ﴾ ليس لام الغرض لأنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير لغرض حمل الأوزار، ولكن لما كانت عاقبتهم ذلك حسن التعليل به فكان لام العاقبة، وقوله: ﴿ كاملة ﴾ معناه أنه  لا يخفف من عقابهم شيئاً، وفيه دليل على أنه  قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين لأن هذا المعنى لو كان حاصلاً في حق الكل لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل فائدة.

قال الواحدي: لفظة "من" في قوله: ﴿ ومن أوزار الذين ﴾ ليست للتبعيض فإنه لا يخفف عن الأتباع بعض أوزارهم لقوله  "أيما داع دعا إلى الضلال فاتبع كان عليه وزر من اتبعه لا ينقص من آثامهم شيء" ولكنها للابتداء أي لحملوا ما قد نشأ من أوزار الاتباع، أو للبيان أي ليحملوا ما هو من جنس أوزار تبعهم.

ومعنى ﴿ بغير علم ﴾ أن هؤلاء الرؤساء إنما يقدمون على هذا الإضلال جهلاً منهم بما يتسحقونه من العذاب الشديد على ذلك الإضلال.

وقال في الكشاف: ﴿ بغير علم ﴾ حال من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال.

وإنما وصف بالضلال واحتمال الوزر من أضلوه وإن لم يعلم لأنه كان عليه أن يبحث وينظر بعقله حتى يميز بين المحق والمبطل.

ثم أوعدهم بما هو النهاية في التهديد فقال: ﴿ ألا ساء ما يزرون ﴾ وزرهم.

ثم حكى حال أضرابهم من المتقدين فقال: ﴿ قد مكر الذين من قبلهم ﴾ ذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد به نمروذ بن كنعان بنى صرحاً عظيماً ببابل طوله خمسة آلاف ذراع - وقيل فرسخان - ورام الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها فأهب الله الريح فخر عليه وعلى قومه فهلكوا، وألقت رأس الصرح في البحر فأحدث نمروذ وتبلبلت يومئذٍ ألسن الناس من الفزع فتكلموا بثلاثة وتسعين لساناً ولذلك سميت ببابل، وكان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية، وابتلاه الله ببعوضة دخلت دماغه والحكاية مشهورة.

والأصح أن الآية عامة في جميع المبطلين الذين يحاولون إلحق الضرر بالمحقين.

وعلى القول الأوّل معنى قوله: ﴿ فأتى الله ﴾ أي أمره وحكمه ﴿ بنيانهم من القواعد ﴾ وهي أساطين البناء التي تعمده أو الأساس أنه أسقط السقف عليهم بعد هدم القواعد.

وفائدة زيادة قوله: ﴿ من فوقهم ﴾ التنصيص على أن الأبنية تهدمت وهم ماتوا تحتها، وعلى الثاني يكون الكلام محض التمثيل والمراد أنهم سوّوا منصوبات وحيلاً ليمكروا بها رسل الله، فجعل الله هلاكهم في تلك الحيل كحيل قوم بنوا بنياناً وعمدوه بالأساطين، فأتي البنيان من الأساطين بأن ضعفت فسقط عليهم السقف فهلكوا ونحوه "من حفر بئراً لأخيه فقد وقع فيه" وبعبارة أخرى "من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً".

ثم بين أن عذابهم ير مقصور على عذاب الدنيا بل الله  يخزيهم يوم القيامة بإدخالهم النار ﴿ إنك من تدخل النار فقد أخزيته  ﴾ ﴿ ويقول ﴾ مع ذلك لأجل الإهانة والتوبيخ ﴿ أين شركائي ﴾ الإضافة لأدنى الملابسة أو هي حكاية لإضافتهم استهزاء وتوبيخاً ﴿ الذين كنتم تشاقون ﴾ تخاصمون المؤمنين في شأنهم.

ومن قرأ بكسر النون فعلى حذف يا المتكلم لأن مشاقة المؤمنين مشاقة الله.

ثم ذكر على سبيل الاستئناف ﴿ قال الذين أوتوا العلم ﴾ عن ابن عباس هم الملائكة.

وقال الآخرون: هم الأنبياء والعلماء من أممهم الذين كانوا يعظونهم ولا يلتفتون إليهم فيقولون ذلك يوم القيامة شماتة بهم.

قالت المرجئة قولهم: ﴿ إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ﴾ يدل على أن ماهية الخزي والسوء مختص بالكافرين فينتفي عن غيرهم.

أما قوله: ﴿ فألقوا السلم ﴾ فعن ابن عباس: المراد أنهم أسلموا وأقروا بالعبودية عند الموت.

وقيل: إنه في يوم القيامة وقولهم: ﴿ ما كنا نعمل من سوء ﴾ أرادوا الشرك قالوه على وجه الكذب والجحود، ومن لم يجوز الكذب على أهل القيامة قال: أرادوا في اعتقادهم وظنونهم فرد عليهم أولو العلم أو الملائكة بقوله: ﴿ بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون ﴾ في الدنيا فلا ينفعكم هذا الكذب وإنه يجازيكم على الكفر الذي علمه منكم.

قال في الكشاف: وهذا أيضاً من الشماتة وكذلك ﴿ فادخلوا أبواب جهنم ﴾ وفي ذكر الأبواب إشارة إلى تفاوت منازلهم في دركات جهنم.

ثم قال: ﴿ فلبئس مثوى المتكبرين ﴾ عن قبول التوحيد وسائر ما أتت به الأنبياء.

والفاء للعطف على فاء التعقيب في ﴿ فادخلوا ﴾ واللام للتأكيد يجري مجرى القسم موافقة لقوله بعد ذلك ﴿ ولنعم دار المتقين ﴾ ولا نظير لهما في كل القرآن.

ثم أتبع أوصاف الأشقياء أحوال السعداء فقال: ﴿ وقيل للذين اتقوا ﴾ الآية.

وإنما ذكر الجواب ههنا بالنصب ليكون الجواب مطابقاً مكشوفاً بيناً من غير تلعثم أي أنزل خيراً أو ﴿ قالوا خيراً ﴾ لا شراً كما قاله الكفار، أو قالوا قولاً خيراً ولو رفعوا لأوهم أنه كلام مستأنف كما في جواب الكفار وليس بمنزل.

روي أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي  فإذا جاء الوافد كفه المقتسمون وأمروه بالانصراف كما مر، فكان الوافد يقول: كيف أرجع إلى قومي دون أن أستطلع أمر محمد وأراه.

فيلقى أصحاب رسول الله  ويخبرونه بصدقه وأنه نبي مبعوث فهم الذين قالوا خيراً.

وجوّز في الكشاف أن يكون ﴿ للذين أحسنوا ﴾ وما بعده بدلاً من ﴿ خيراً ﴾ كأنه فسر الخبر بهذا القول، وجوّز أن يكون كلاماً مبتدأ على سبيل الوعد فيكون قولهم الخير من جملة إحسانهم.

أما قوله ﴿ في هذه الدنيا ﴾ فإما أن يتعلق بما قبله فالمعنى: الذين جاءُوا بالإحسان في هذه الدنيا لهم في الآخرة ﴿ حسنة ﴾ هي الثواب العظيم أو المضاعف إلى سبعمائة أو أكثر، وإما أن يتعلق بما بعده والتقدير: الذين أحسنوا لهم الحسنة في الدنيا باستحقاق المدح والثناء، أبو بالظفر على أعداء الدين باللسان والسنان وفتح البلاد، أو بفتح أبواب المكاشفات والمشاهدات.

والحاصل أن لهم في الدنيا مكافأة بإحسانهم.

﴿ ولدار الآخرة خير ﴾ منها.

ثم بين الخيرية بقوله: ﴿ ولنعم دار المتقين ﴾ دار الآخرة فحذف المخصوص بالمدح لتقدم ذكره.

ثم قال: ﴿ جنات عدنٍ ﴾ أي هي هذه فيكون المبتدأ محذوفاً أو الجنات مبتدأ وما بعدها خبر أو ﴿ جنات عدن ﴾ هي المخصوص بالمدح.

فالجنات يدل على القصور والبساتين، والعدن على الدوام والإقامة.

وقوله: ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ على أنه حصل هناك أبنية مرتفعة هم عليها والأنهار تجري من تحتهم.

وقوله: ﴿ لهم فيها ما يشاءُون ﴾ أبلغ من قوله في موضع آخر ﴿ فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين  ﴾ وفي تقديم الظرف دلالة على أن الإنسان لا يجد كل ما يريده إلا في الجنة، وقوله: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ﴾ أكثر المفسرين على أن هذا التوفي هو قبض الأرواح.

وقوله: ﴿ طيبين ﴾ أي طاهرين عن دنس الكفر والمعاصي أو دنس الكفر وحده، وهذه كلمة جامعة تشمل أنواع البراءة عن العلائق الجسمانية فلا يكون لصاحب هذه الحالة تألم بالموت دليله قوله: ﴿ يقول سلام عليكم ﴾ يروى أنه إذا أشرف العبد المؤمن على الموت جاءه ملك فيقول: السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام وبشره بالجنة فذلك قوله: ﴿ ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ﴾ وعن الحسن أن المراد بهذا التوفي هو وفاة الحشر لأنه لا يقال عند قبض الروح في الدنيا ادخلوا الجنة.

والأولون قالوا: البشارة بالجنة بمنزلة الدخول فيها.

قوله  : ﴿ هل ينظرون ﴾ قيل: إنه جواب شبهة أخرى لمنكري النبوة فإنهم طلبوا من النبي  أن ينزل عليهم ملكاً من السماء يشهد على صدقه في ادّعاء النبوة فقال تعالى: هل ينظرون في تصديق نبوتك ﴿ إلا أن تأتيهم الملائكة ﴾ شاهدين بذلك.

ويحتمل أن يقال: إنهم لما طعنوا في القرآن بأنه أساطير الأولين أوعدهم الله  بما أوعد، ثم وصف القرآن بكونه حقاً وصدقاً وذكر جزاء المتقين ثم ذكر أن أولئك الكفار لا ينزجرون عن كفرهم بسبب البيانات التي ذكرناها إلا إذا جاءتهم الملائكة بالتهديد أو لقبض الأرواح أو أتاهم أمر ربك وهو العذاب المستأصل أو القيامة ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ فأصابهم الهلاك المعجل ﴿ وما ظلمهم الله ﴾ بتدميرهم فإنه أنزل بهم ما استحقوه بكفرهم ﴿ فأصابهم سيئات ما عملوا ﴾ أي جزاء سيئات أعمالهم أو هو من باب الطباق والمشاكلة كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها  ﴾ ﴿ وحاق بهم ﴾ .

أي نزل بهم على وجه الإحاطة عقاب استهزائهم.

الشبهة الثالثة لمنكري النبوة أنهم تشبثوا بمسألة الجبر فقالوا: ﴿ لو شاء الله ما عبدنا ﴾ الآية.

وقد مر في تفسير مثلها في آخر سورة الأنعام، وذكرنا أسرار المتشابه هناك وكذا استدلال المعتزلة بها وجواب الأشاعرة عنها.

وزاد بعض الأشاعرة فقالوا: إن المشركين ذكروا هذا الكلام على وجه الاستهزاء كما قال قوم شعيب ﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد  ﴾ ولو قالوا ذلك معتقدين كانوا مؤمنين.

وقال آخرون: إنه  أجاب عن شبهتهم وهي أنه لما كان الكل من الله كان بعثه الأنبياء عبثاً بقوله: ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ يعني أنهم اعترضوا على أحكام الله وطلبوا لها العلة فعل من تقدمهم من الكفرة ﴿ فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ﴾ أي ما عليهم إلا التبليغ فإما تحصيل الإيمان فليس إليهم.

ثم إنه أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً ﴾ إلى قوله: ﴿ ومنهم من حقت عليه الضلالة ﴾ وفيه دلالة على أن أمر الله قد لا يوافق إرادته فإنه يأمر الكل بالإيمان ولا يريد الهداية إلا للبعض إذّ لو أرادها للكل لم يكفر أحد ولم ينزل العذاب على قوم لكنه كفر ونزل لقوله: ﴿ فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين  ﴾ .

ثم خصص الخطاب قائلاً لرسوله ﴿ إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل ﴾ لا يرشد أحداً أضله، قال ابن عباس: وقال الفراء: لا يهدي معناه لا يهتدي: ومن قرأ على البناء للمفعول فمعناه لا تقدر أنت ولا أحد على هداية من أضله الله فلن يكون مهدياً منصوراً، ولا يخفى أن أول الآية ظاهره يوافق مذهب المعتزلة.

أما قوله: ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ إلى آخر الآيات فإنهم قد صاروا فيه إلى التأويل فقالوا: معناه أن متقدميهم أشركوا وحرموا حلال الله فلما نبهوا على قبح فعلهم أسندوه إلى الله ﴿ فهل على الرسل إلا ﴾ أن يبلغوا الحق وأن الله بريء من الظلم وخلق القبائح والمنكرات، وما من أمة إلا وقد بعث الله فيهم رسولاً يأمرهم بالخير الذي هو عبادة الله وينهاهم عن الشر الذي هو طاعة الطاغوت.

﴿ فمنهم من هدى الله ﴾ لأنه من أهل اللطف، ومنهم من ثبت عليه الخذلان لأنه عرفه مصمماً على الكفر، أو المراد منهم من حكم الله عليه بالاهتداء ومنهم من صار محكوماً عليه بالضلال لظهور ضلاله، أو منهم من هداه الله إلى الجنة ومنهم من أضله عنها.

﴿ فسيروا في الأرض فانظروا ﴾ ما فعلت بالمكذبين حتى لا يبقى لكم شبهة في أني لا أقدر الشر ولا أشاؤه.

ثم ذكر عناد قريش وحرص رسول الله  على إيمانهم وعرفه أنهم من قسم من حقت عليه الضلالة، وأنه لا يلطف بمن يخذل لأنه عبث والله  متعال عن العبث.

فهذا تفسير الفريقين لاشتمال آيات مسألة الجبر والقدر على الجهتين وعليك الاختيار بعقلك دون هواك.

الشبهة الرابعة قدحهم في الحشر والنشر ليلزم إبطال النبوة وذلك أنهم ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم ﴾ أي أغلاظ الأيمان كما في "المائدة" كأنهم ادّعوا علماً ضرورياً بأن الشيء إذا فني وصار عدماً محضاً فإنه لا يعود بعينه بل العائد يكون شيئاً آخر فأكدوا ادعاءهم بالقسم الغليظ فأجاب الله عن شبهتهم بقوله: ﴿ بلى ﴾ وهو إثبات لما بعد النفي أي بلى يبعثهم وقوله: ﴿ وعداً ﴾ مصدر مؤكد لما دل عليه "بلى" لأن يبعث موعد من الله أي وعد البعث ﴿ وعدا عليه حقاً ﴾ لا خلاف فيه ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنهم يبعثون أو أن وعد الله حق.

ثم ذكر لمية حقية البعث فقال ﴿ ليبين ﴾ أي يبعث كل من يموت من المؤمنين والكافرين ليبين ﴿ لهم ﴾ الحق الذي اختلفوا فيه بياناً عيانياً لا يشتبه فيه المطيع بالمعاصي والمحق بالمبطل والمظلوم بالظالم والصادق بالكاذب.

وجوز بعضهم أن يكون قوله: ﴿ ليبين ﴾ متعلقاً بقوله: ﴿ ولقد بعثنا ﴾ أي بعثناه ليبين لهم ما اختلفوا به وأنهم كانوا على الضلالة قبله مفترين على الله الكذب في ادعاء الشريك له وفي قولهم بمجرد هواهم هذا حلال الله وهذا حرام.

ثم برهن على إمكان البعث بقوله: ﴿ إنما قولنا ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ أن نقول ﴾ وقد فسرنا مثل هذه الآية في سورة البقرة، وذكرنا فيه مباحث عميقة لفظية ومعنوية فلا حاجة إلى الإعادة.

والغرض أنه  لا مانع له من الإيجاد والإعدام ولا تتوقف آثار قدرته إلا على مجرد الإرادة والمشيئة، فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو أهون من الإبداء؟!

قال في الكشاف: قرىء ﴿ فيكون ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ نقول ﴾ قلت: ولا مانع من كونه منصوباً بإضمار "أن" لوقوعه في جواب الأمر بعد الفاء وقد مر في "البقرة".

احتج بعض الأشاعرة بالآية على قدم القرآن قال: إنه لو كان حادثاً لافتقر إلى أن يقال له "كن".

ثم الكلام في هذا اللفظ كالكلام في الأوّل وتسلسل، والجواب بعد تسليم أن هذا ليس مثلاً وأن ثم قولاً أن "إذا" لا تفيد التكرار فلا يلزم في كل ما يحدثه الله  إلى أن يقول له" كن".

وكيف يتصور أن تكون لفظة "كن" قديمة والكاف مقدم على النون بزمان محصور، ولو سلم فلا يجوز من قدم لفظة "كن" قدم القرآن.

على أن قوله: ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه ﴾ يقتضي كون القول واقعاً بالإرادة وما كان كذلك فهو محدث وأنه علق القول بكلمة "إذا" ولا شك أنها للاستقبال وكذا قوله: ﴿ أن نقول ﴾ ثم إن كلمة ﴿ كن ﴾ متقدمة على المكون بزمان واحد، والمتقدم على المحدث بزمان يكون محدثاً، فتلخص من هذه الدلائل أن الكلام المسموع لا بد أن يكون محدثاً.

هذا تلخيص ما قاله الإمام فخر الدين الرازي، ولعل لنا فيه نظراً.

ولما حكى الله  عن الكفار ما حكى من إنكار البعث والجزاء لم يبعد منهم - والحالة هذه - إيذاء المسلمين وإنزال الضرر والهوان بهم وحينئذٍ يلزمهم أن يهاجروا تلك الديار فذكر ثواب المهاجرين قائلاً ﴿ والذين هاجروا في الله ﴾ أي في حقه وسبيله ﴿ من بعد ما ظلموا لنبوّئنهم في الدنيا ﴾ مثوبة ﴿ حسنة ﴾ أو مباءة حسنة هي المدينة أوهم أهلها ونصروهم قاله الحسن والشعبي وقتادة.

وقيل: لننزلنهم منزلة حسنة هي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم، بل على العرب قاطبة بل على أهل المشرق والمغرب.

قال ابن عباس: نزلت الآية في جماعة - منهم صهيب وبلال وعمار وخباب- جعل المشركون يعذبونهم ليردوهم عن الإسلام فقال صهيب: أنا رجل كبير إن كنت معكم لم أنفعكم وإن كنت عليكم لم أضركم فافتدى منهم بماله وهاجر، فلما رآه أبو بكر قال له: ربح البيع يا صهيب، وقال له عمر: نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه.

أما الضمير في قوله: ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ فإما أن يرجع إلى الكفار أي لو علموا أن الله يجمع لهؤلاء المستضعفين خير الدارين لرغبوا في دينهم، وإما أن يعود إلى المهاجرين أي لو علموا أن أجر الآخرة أكبر لزادوا في اجتهادهم وصبرهم.ثم مدحهم بقوله: ﴿ الذين صبروا ﴾ على هم الذين أو أعني الذين.

والمراد صبرهم على العذاب وعلى مفارقة الوطن الذي هو حرم الله، وعلى المجاهدة في سبيل الله بالنفوس والأموال.

قال المحققون: الصبر حبس النفس على خلاف ما تشتهيه من اللذات العاجلة وهو مبدأ السلوك، والتوكل هو الانقطاع بالكلية عما سوى الحق وهو آخر الطريق والله ولي التوفيق.

فإن العارفين بالصبر ساروا وبالتوكل طاروا ثم في الله حاروا حسبي الله ونعم الوكيل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ .

أي: قال الأتباع للرؤساء: ماذا أنزل ربكم؟

قال الرؤساء: أنزل أساطير الأولين، [أو يخرج على الإضمار، كأنهم قالوا لهم: ماذا يقول إنه أنزل ربكم عليه؟

فقالوا عند ذلك: أساطير الأولين، وإلا لا يحتمل أن يكون ذكروا أساطير الأولين] جواب سؤالهم: ماذا أنزل ربكم؟

مفرداً؛ لأنهم كانوا يقرون بالله بقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ وهؤلاء شفعاؤنا عند الله؛ فلا يحتمل أن يكونوا إذا سئلوا ماذا أنزل ربكم؛ فيقولون: أساطير الأولين إلا أن يكون في السؤال زيادة قول، أو في الجواب إضمار؛ فيكون - والله أعلم - كأنه قال: وإذا قيل لهم: ماذا يزعم هذا أنه أنزل عليه ربكم؟

قالوا عند ذلك: إنه يقول: أساطير الأولين؛ كقوله: ﴿ وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ  ﴾ أي: قالوا: يا أيها الذي يزعم أنه نزل عليه الذكر.

أو يكون قوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ فقالوا: لم ينزل الله شيئاً إنما يقول أساطير الأولين، ومثل هذا يحتمل أن يكون.

وقوله: ﴿ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ قال أبو عوسجة: أحاديث الأولين والواحد أسطور، وهي الأحاديث المختلقة؛ كقوله: ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ  ﴾ ؛ أي: لا أصل له؛ وأصله الكذب.

وهكذا عادة أولئك الكفرة يقولون للأنباء: أساطير الأولين، وكانوا ينسبون ما يقرأ عليهم إلى السحر، ولو كان في الحقيقة سحراً أو أحاديث الأولين كان دليلا له.

أو قالوا ذلك على الاستهزاء [له]، وذلك جائز أن يخرج قولهم ذلك على الاستهزاء.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: [أنه يحتمل:] أنهم يحملون أوزارهم كاملة؛ يعني الذين قالوا للرسل: أساطير الأولين، ومن أوزار الذين يقلدون رسلهم، ووفدهم الذين بعثوا عن السؤال عن رسول الله  ؛ فحملوا أوزار أنفسهم؛ وأوزار [الرسل وأوزار] الذين يقلدون الرسل ويقتدون بهم بغير علم؛ لأنهم لم يعلموا أن أولئك يقتدون بالرسل فيضلون، وهم وإن لم يعلموا فذلك عليهم؛ لأنهم هم الذين سنوا ذلك؛ وهو كما روي: "من سَنَّ سنّة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" ويحتمل: ليحملوا أوزارهم ومن أوزار الذين طمعوا الإسلام؛ إذا أسلموا سقط تلك الأوزار عنهم.

وقوله: ﴿ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ ﴾ : هم لم يفعلوا ما فعلوا ليحملوا أوزارهم، ولكن معناه - والله أعلم - أي: ليصيروا حاملين لأوزارهم والذين أضلّوهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ يحتمل ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أي: بسفه.

﴿ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ ﴾ أي: ساء ما يحملون.

وقوله: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أي: لم يعلموا أن تصير أوزارهم عليهم، أو لم يعلموا ما يلحق بهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ .

لم يزل كانت عادة الكفرة بالمكر برسل الله؛ والكيد لهم، وكذلك مكر كفار مكة برسول الله، يذكر هذا - والله أعلم - لرسول الله ليصبره على أذاهم إياه؛ كما صبر أولئك على مكر قومهم وترك مكافأتهم إياهم؛ كقوله: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ .

ثم مكرهم الذي ذكر كان يخرج على وجهين: أحدهما: فيما جاءت به الرسل؛ كانوا يتكلفون تلبيس ما جاءت به الرسل على قومهم.

والثاني: يرجع مكرهم إلى أنفس الرسل؛ من الهم بقتلهم وإخراجهم من بين أظهرهم؛ ونحوه، فخوف بذلك أهل مكة بصنيعهم لرسول الله؛ أن ينزل بهم كما نزل بأولئك الذين مكروا برسلهم؛ لئلا يعاملوه بمثل معاملة أولئك رسلهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ ﴾ .

قال الحسن: هذا على التمثيل بالبناء الذي بني على غير أساس؛ ينهدم ولا يعلم من أي: سبب انهدم، فعلى ذلك مكرهم يبطل ويتلاشى؛ كالبناء الذي بني على غير أساس ويشبه أن يكون على التمثيل من غير هذا الوجه؛ وهو أنهم قد مكروا وأحكموا مكرهم بهم؛ فيتحصنون بذلك؛ كالبناء الذي يتحصن به؛ فأبطل الله مكرههم؛ كقوله: ﴿ وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً...

﴾ الآية [النمل: 50]، وقوله: ﴿ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ...

﴾ الآية [آل عمران: 54].

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ .

هو ما ذكرنا من إبطال مكرهم الذي به كانوا يتحصنون؛ كوقوع السقف الذي به يتحصن من أنواع الأذى والشرور.

ويحتمل على التحقيق؛ وهو ما نزل بقوم لوط؛ من الخسف، وتقليب البنيان، وإمطار الحجر عليها.

وأما ما ذكر بعض أهل التأويل: من الصرح [الذي] بنى نمرود وبنيانه، ووقوعه عليهم؛ فإنا لا نعلم ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَتَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ .

كذلك كان يأتي العذاب الظلمة الكذبة؛ من حيث لا علم لهم بذلك؛ كقوله: ﴿ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً...

﴾ الآية [الأعراف: 95] وقوله: ﴿ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ  ﴾ هو من الإتيان، ومعلوم أنه لا يفهم من إتيانه الانتقال من مكان إلى مكان، ولكن إتيان عذابه، أضيف إليه الإتيان؛ لما بأمره يأتيهم، ومنه [...]، فعلى ذلك لا يفهم من قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ...

﴾ الآية [البقرة: 210] إتيانُ الانتقال ومجيئه من مكان إلى مكان، وقد ذكرنا هذا وأمثاله في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ ﴾ .

أخبر أنه يخزيهم يوم القيامة بعد ما عذبهم في الدنيا؛ بقوله: ﴿ وَأَتَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ .

وقوله: ﴿ يُخْزِيهِمْ ﴾ : قال أهل التأويل: يعذبهم، وكأن الإخزاء هو الإذلال، والإهانة، والفضح، يذلهم، ويهينهم، ويفضحهم في الآخرة؛ مكان ما كان منهم من الاستكبار، والتجبر على النبي وأصحابه، وكذلك قوله: ﴿ يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ  ﴾ أي: لا يذلهم، ولا يهينهم؛ لتواضعه للمؤمنين، وخفض جناحه لهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ﴾ أي: تعادون أوليائي فيهم، أو تعادونني فيهم.

وقوله: ﴿ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ﴾ ليس له بشركاء؛ ولكن أضاف إلى نفسه: شركائي؛ على زعمهم في الدنيا أنها شركاؤه، وكذلك قوله: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ  ﴾ أي: إلى ما في زعمهم؛ وتسميتهم إياها آلهة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ﴾ أي: كنتم تخالفون فيهم وتعادون؛ أي: تخالفون المؤمنين في عبادتهم إياها؛ لأنهم يقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، وهم شفعاؤنا عند الله، ونحوه، كانوا يخالفون المؤمنين، وكانوا يشاقّون في ذلك؛ إلا أنه أضاف ذلك إلى نفسه لأنهم أولياؤه، وأنصار دين الله، وأضاف إليه المخالفة والمشاقّة لأنهم خالفوا أمر الله.

وقوله: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ﴾ .

قال أهل التأويل: الذي أوتوا العلم الملائكة الكرام الكاتبون، [لكن] هم وغيرهم من المؤمنين محتمل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْخِزْيَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوۤءَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ أي: الذل والهوان والافتضاح وكل سوء على الكافرين هكذا يقابل كل معاند ومكابر في حجج الله وبراهينه مكان استكبارهم وتجبرهم في الدنيا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ ﴾ .

قال الحسن: تتوفاهم الملائكة من بين يدي الله يوم الحساب إلى النار.

وقال بعضهم: تتوفاهم الملائكة - وقت قبض أرواحهم - ظالمي أنفسهم بالشرك والكفر بالله.

وعلى تأويل الحسن: يكون قوله: ﴿ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ في الدنيا، ويجوز أن يوصفوا بالظلم في الآخرة أيضاً؛ بكذبهم فيها في قولهم: ﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ ﴾ وقولهم: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ وأمثاله من الكذب؛ حيث ينكرون الإشراك في ألوهية الله وعبادته، كأن هذا الإنكار والكذب منهم في أول حالهم، ظنّاً منهم أن ذلك ينفعهم، فإذا لم ينفعهم إنكارهم طلبوا الرد إلى الدنيا، أو إلى حال الأمن؛ ليعملوا غير الذي عملوا؛ كقولهم: ﴿ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ  ﴾ فإذا لم يردّوا وأيسوا عن ذلك؛ فعند ذلك أنطق الله جوارحهم؛ حتى تشهد عليهم بما كان منهم فعند ذلك يقرون، ويعترفون بذنوبهم؛ كقوله: ﴿ فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ ﴾ قال بعضهم: يسلمون ويستسلمون لأمر الله، ولكن لو كان ما ذكروا لم يكونوا ينكرون عمل السوء، كقولهم: ما كنا نعمل من سوء.

وقال بعضهم: ﴿ فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ ﴾ : هو الاستخزاء، والخضوع والتضرع.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ ﴾ عند الموت يؤمنون عند معاينة ذلك، أو سلموا عليهم في الآخرة على ما رأوا في الدنيا المؤمنين يسلم بعضهم على بعض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ ﴾ في الآخرة، والله أعلم بذلك، فأكذبهم الله في قولهم: ﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ ﴾ ؛ فقال: ﴿ بَلَىٰ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ هذا وعيد يخبر ألا يجوز كذبهم في الآخرة، ولا يحتمل كما جاز في الدنيا؛ ولم يظهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ وقوله: ﴿ فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ ﴾ أي: بئس مقام المتكبرين الذين تكبروا على دين الله، أو تكبروا على ما جاء به الرسل من الله، وما أنزل الله عليهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ليكون مآلهم أن يحملوا آثامهم دون نقص، ويحملوا من آثام الذين أضلوهم عن الإسلام جهلًا وتقليدًا، فما أشد قبح ما يحملونه من آثامهم وآثام أتباعهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.qEDRq"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل