الآية ٢٩ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٢٩ من سورة النحل

فَٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ ٢٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 56 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٩ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٩ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي : بئس المقيل والمقام والمكان من دار هوان ، لمن كان متكبرا عن آيات الله واتباع رسله .

وهم يدخلون جهنم من يوم مماتهم بأرواحهم ، ويأتي أجسادهم في قبورها من حرها وسمومها ، فإذا كان يوم القيامة سلكت أرواحهم في أجسادهم ، وخلدت في نار جهنم ، ( لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها ) [ فاطر : 36 ] كما قال الله تعالى : ( النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) [ غافر : 46 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره، يقول لهؤلاء الظلمة أنفسهم حين يقولون لربهم: ما كنا نعمل من سوء: ادخلوا أبواب جهنم، يعني: طبقات جهنم ( خَالِدِينَ فِيهَا ) يعني: ماكثين فيها( فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ) يقول: فلبئس منـزل من تكبر على الله ولم يقرّ بربوبيته ، ويصدّق بوحدانيته جهنم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين قوله تعالى : فادخلوا أبواب جهنم أي يقال لهم ذلك عند الموت .

وقيل : هو بشارة لهم بعذاب القبر ; إذ هو باب من أبواب جهنم للكافرين .

وقيل : لا تصل أهل الدركة الثانية إليها مثلا إلا بدخول الدركة الأولى ثم الثانية ثم الثالثة هكذا .

وقيل : لكل دركة باب مفرد ، فالبعض يدخلون من باب والبعض يدخلون من باب آخر .

فالله أعلم .خالدين فيها أي ماكثين فيها .فلبئس مثوى أي مقامالمتكبرين الذين تكبروا عن الإيمان وعن عبادة الله - تعالى - ، وقد بينهم بقوله الحق : إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فادخلوا أبواب جهنم ْ} كلُّ أهل عمل يدخلون من الباب اللائق بحالهم، { فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ْ} نار جهنم فإنها مثوى الحسرة والندم، ومنزل الشقاء والألم ومحل الهموم والغموم، وموضع السخط من الحي القيوم، لا يفتَّر عنهم من عذابها، ولا يرفع عنهم يوما من أليم عقابها، قد أعرض عنهم الرب الرحيم، وأذاقهم العذاب العظيم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فادخلوا ) أي : قال لهم ادخلوا ( أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين ) عن الإيمان .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

ويقال لهم «فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى» مأوى «المتكبرين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فادخلوا أبواب جهنم، لا تخرجون منها أبدًا، فلبئست مقرًا للذين تكبَّروا عن الإيمان بالله وعن عبادته وحده وطاعته.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقد حكى الله - تعالى - عنهم فى آيات أخرى ما يشبه هذا القول ، ومن ذلك قوله - تعالى - : ( ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ )

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وهذا يدل على تفاوت منازلهم في العقاب، فيكون عقاب بعضم أعظم من عقاب بعض، وإنما صرح تعالى بذكر الخلود ليكون الغم والحزن أعظم.

ثم قال: ﴿ فَلَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين ﴾ على قبول التوحيد وسائر ما أتت به الأنبياء، وتفسير التكبر قد مر في هذا الكتاب غير مرة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

القواعد: أساطين البناء التي تعمده.

وقيل: الأساس وهذا تمثيل، يعني: أنهم سووا منصوبات ليمكروا بها الله ورسوله، فجعل الله هلاكهم في تلك المنصوبات، كحال قوم بنوا بنياناً وعمدوه بالأساطين فأتى البنيان من الأساطين بأن ضعضعت فسقط عليهم السقف وهلكوا.

ونحوه: من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً.

وقيل: هو نمرود بن كنعان حين بنى الصرح ببابل طوله خمسة آلاف ذراع.

وقيل فرسخان، فأهب الله الريح فخر عليه وعلى قومه فهلكوا.

ومعنى إتيان الله: إتيان أمره ﴿ مّنَ القواعد ﴾ من جهة القواعد ﴿ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ من حيث لا يحتسبون ولا يتوقعون.

وقرئ: ﴿ فأتى الله بيتهم ﴾ .

﴿ فخرّ عليهم السقُفُ ﴾ ، بضمتين ﴿ يُخْزِيهِمْ ﴾ يذلهم بعذاب الخزي ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾ [آل عمران: 192] يعني هذا لهم في الدنيا، ثم العذاب في الآخرة ﴿ شُرَكَائِىَ ﴾ على الإضافة إلى نفسه حكاية لإضافتهم، ليوبخهم بها على طريق الاستهزاء بهم ﴿ تشاقون فِيهِمْ ﴾ تعادون وتخاصمون المؤمنين في شأنهم ومعناهم.

وقرئ: ﴿ تشاقونِ ﴾ ، بكسر النون، بمعنى: تشاقونني؛ لأنّ مشاقة المؤمنين كأنها مشاقة الله ﴿ قَالَ الذين أُوتُواْ العلم ﴾ هم الأنبياء والعلماء من أممهم الذين كانوا يدعونهم إلى الإيمان ويعظونهم، فلا يلتفتون إليهم ويتكبرون عليهم ويشاقونهم، يقولون ذلك شماتة بهم وحكى الله ذلك من قولهم ليكون لطفاً لمن سمعه.

وقيل: هم الملائكة قرئ: ﴿ تتوفاهم ﴾ ، بالتاء والياء.

وقرئ: ﴿ الذين توفاهم ﴾ ، بإدغام التاء في التاء ﴿ فَأَلْقَوُاْ السلم ﴾ فسالموا وأخبتوا، وجاءوا بخلاف ما كانوا عليه في الدنيا من الشقاق والكبر، وقالوا: ﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوء ﴾ وجحدوا ما وجد منهم من الكفر والعدوان، فردّ عليهم أولو العلم ﴿ إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ فهو يجازيكم عليه، وهذا أيضاً من الشماتة وكذلك ﴿ فادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ بِالياءِ.

وقُرِئَ بِإدْغامِ التّاءِ في التّاءِ ومَوْضِعُ المَوْصُولِ يَحْتَمِلُ الأوْجُهَ الثَّلاثَةَ ﴿ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ ﴾ بِأنْ عَرَّضُوها لِلْعَذابِ المُخَلَّدِ.

﴿ فَألْقَوُا السَّلَمَ ﴾ فَسالَمُوا وأخْبَتُوا حِينَ عايَنُوا المَوْتَ.

﴿ ما كُنّا ﴾ قائِلِينَ ما كُنّا.

﴿ نَعْمَلُ مِن سُوءٍ ﴾ كُفْرٍ وعُدْوانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِـ ﴿ السَّلَمَ ﴾ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ القَوْلُ الدّالُّ عَلى الِاسْتِسْلامِ.

﴿ بَلى ﴾ أيْ فَتُجِيبُهُمُ المَلائِكَةُ بَلى.

﴿ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ فَهو يُجازِيكم عَلَيْهِ، وقِيلَ قَوْلُهُ: ﴿ فَألْقَوُا السَّلَمَ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ اسْتِئْنافٌ ورُجُوعٌ إلى شَرْحِ حالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وعَلى هَذا أوَّلَ مَن لَمْ يُجَوِّزِ الكَذِبَ يَوْمَئِذٍ ﴿ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ ﴾ بِأنّا لَمْ نَكُنْ في زَعْمِنا واعْتِقادِنا عامِلِينَ سُوءًا، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الرّادُّ عَلَيْهِمْ هو اللَّهُ تَعالى، أوْ أُولُو العِلْمِ.

﴿ فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ ﴾ كُلَّ صِنْفِ بابِها المُعَدِّ لَهُ.

وقِيلَ أبْوابُ جَهَنَّمَ أصْنافُ عَذابِها.

﴿ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ ﴾ جَهَنَّمُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين} جهنم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ ﴾ خِطابٌ لِكُلِّ صِنْفٍ مِنهم أنْ يَدْخُلَ بابًا مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ، والمُرادُ بِها إمّا المَنفَذُ أوِ الطَّبَقَةُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِكُلِّ فَرْدٍ لِئَلّا يَلْزَمَ دُخُولُ الفَرْدِ مِنَ الكَفّارِ مِن أبْوابٍ مُتَعَدِّدَةٍ أوْ يَكُونَ لِجَهَنَّمَ بِعَدَدِ الأفْرادِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالأبْوابِ أصْنافُ العَذابِ، فَقَدْ جاءَ إطْلاقُ البابِ عَلى الصِّنْفِ كَما يُقالُ: فُلانٌ يَنْظُرُ في بابٍ مِنَ العِلْمِ أيْ صِنْفٍ مِنهُ وحِينَئِذٍ لا مانِعَ في كَوْنِ الخِطابِ لِكُلِّ فَرْدٍ، وأبْعَدَ مَن قالَ: المُرادُ بِتِلْكَ الأبْوابِ قُبُورُ الكَفَرَةِ المَمْلُوءَةُ عَذابًا مُسْتَدِلًّا بِما جاءَ: «القَبْرُ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ أوْ حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النّارِ».

﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ إنْ أُرِيدَ بِالدُّخُولِ حُدُوثُهُ، ومُقارَنَةُ إنْ أُرِيدَ بِهِ مُطْلَقُ الكَوْنِ، وضَمِيرُ ( فِيها ) قِيلَ: لِلْأبْوابِ بِمَعْنى الطَّبَقاتِ، وقِيلَ: لِجَهَنَّمَ، والتُزِمَ هَذا وكَوْنُ الحالِ مُقَدَّرَةً مِن أبْعَدَ، وحُمِلَ الخُلُودُ عَلى المُكْثِ الطَّوِيلِ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْ هَذا الِالتِزامِ وإنْ كانَ واقِعًا في كَلامِهِمْ خِلافَ المَعْهُودِ في القُرْآنِ الكَرِيمِ ﴿ فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ ﴾ أيْ عَنِ التَّوْحِيدِ، وذِكْرُهم بِعُنْوانِ التَّكَبُّرِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّتِهِ لِثَوائِهِمْ فِيها، وقَدْ وصَفَ سُبْحانَهُ الكُفّارَ فِيما تَقَدَّمَ بِالِاسْتِكْبارِ وهُنا بِالتَّكَبُّرِ، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّهُما والكِبْرُ تَتَقارَبُ فالكِبْرُ الحالَةُ الَّتِي يَتَخَصَّصُ بِها الإنْسانُ مِن إعْجابِهِ بِنَفْسِهِ، والِاسْتِكْبارُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَتَحَرّى الإنْسانُ ويَطْلُبَ أنْ يَصِيرَ كَبِيرًا، وذَلِكَ مَتى كانَ عَلى ما يُحِبُّ وفي المَكانِ الَّذِي يُحِبُّ وفي الوَقْتِ الَّذِي يُحِبُّ وهو مَحْمُودٌ.

والثّانِي أنْ يَتَشَبَّعَ فَيُظْهِرَ مِن نَفْسِهِ ما لَيْسَ لَهُ وهو مَذْمُومٌ، والتَّكَبُّرُ عَلى وجْهَيْنِ أيْضًا: الأوَّلُ أنْ تَكُونَ الأفْعالُ الحَسَنَةُ كَثِيرَةً في الحَقِيقَةِ وزائِدَةً عَلى مَحاسِنِ غَيْرِهِ، وعَلى هَذا وُصِفَ اللَّهُ تَعالى بِالمُتَكَبِّرِ.

والثّانِي أنْ يَكُونَ مُتَكَلِّفًا لِذَلِكَ مُتَشَبِّعًا وذَلِكَ في وصْفِ عامَّةِ النّاسِ، والتَّكَبُّرُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مَحْمُودٌ وعَلى الثّانِي مَذْمُومٌ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ جَهَنَّمُ أوْ أبْوابُها إنْ فُسِّرَتْ بِالطَّبَقاتِ، والفاءُ عاطِفَةٌ، واللّامُ جِيءَ بِها لِلتَّأْكِيدِ اعْتِناءً بِالذَّمِّ لِما أنَّ القَوْمَ ضالُّونَ مُضِلُّونَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ ولِلتَّأْكِيدِ اعْتِناءً بِالمَدْحِ جِيءَ بِاللّامِ أيْضًا فِيما بَعْدُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ ﴾ لِأنَّ أُولَئِكَ القَوْمَ عَلى ضِدِّ هَؤُلاءِ هادُونَ مَهْدِيُّونَ، وكَأنَّهُ لِعَدَمِ هَذا المُقْتَضِي في آيَتَيِ الزُّمَرِ والمُؤْمِنِ لَمْ يُؤْتَ بِاللّامِ، وقِيلَ: ﴿ فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ ﴾ وقِيلَ: التَّأْكِيدُ مُتَوَجِّهٌ لِما يُفْهَمُ مِنَ الجُمْلَةِ مِن أنَّ جَهَنَّمَ مَثْواهُمْ، وحَيْثُ إنَّهُ لَمْ يُفْهَمْ مِنَ الآياتِ قَبْلُ هُنا فَهْمَهُ مِنها قَبْلَ آيَتَيِ تِينِكَ السُّورَتَيْنِ جِيءَ بِالتَّأْكِيدِ هُناكَ ولَمْ يَجِئْ بِهِ هُنا اكْتِفاءً بِما هو كالصَّرِيحِ في إفادَةِ أنَّها مَثْواهم مِمّا سَتَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى هُناكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ أي: تقول لهم خزنة جهنم: ادخلوا أبواب جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أي: مقيمين فيها أبداً فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ عن الإيمان.

ثم نزل في المؤمنين الذين يدعون الناس إلى الإيمان، وذلك أن أهل مكة لما بعثوا إلى عقاب مكة رجالاً، ليصدوا الناس عن رسول الله  ، بعث رسول الله  رجالاً من أصحابه إلى عقاب مكة، فكان الوافد إذا قدم قالوا له: إن هؤلاء المشركين كذبوا، بل محمد  يدعو إلى الحق، ويأمر بصلة الرحم، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الخير، فذلك قوله تعالى وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً أي: يدعو إلى الخير لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ أي: للذين وحّدوا الله في هذه الدنيا، لهم الحسنة في الآخرة أي: الجنة وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ أي: أفضل من الدنيا وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ يعني: المطيعين.

قال مقاتل في قوله: قالُوا خَيْراً أي: قالوا للوافد: إنه يأمر بالخير، وينهى عن الشر قالُوا خَيْراً ثم قطع الكلام.

يقول الله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى أي: أحسنوا العمل في هذه الدنيا، لهم حسنة في الآخرة أي: في الجنة وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ يعني: الجنة أفضل من ثواب المشركين الذين يحملون أوزارهم.

ويقال: هذه كلها حكاية كلام المؤمنين، إلى قوله: الْمُتَّقِينَ.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر: تسرون وتعلنون بالتاء على معنى المخاطبة.

وَيُدْعَوْنَ بالياء على معنى المغايبة.

وروي عنه حفص: الثلاث كلها بالياء على معنى المغايبة.

وقرأ الباقون كلها: بالتاء على معنى المخاطبة.

ثم وصف دار المتقين فقال: جَنَّاتُ عَدْنٍ يعني: الدار التي هي للمتقين هي جنات عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ أي: يحبون كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ أي: هكذا يثيب الله المتقين الشرك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: لاَ جَرَمَ عبَّرت فرقةٌ من اللُّغويِّين عن معناها ب «لاَ بُدَّ ولا محالة» ، وقالت فرقة: معناها: حق أن اللَّه، ومذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ «لا» نفيٌ لما تقدَّم من الكلامِ، و «جرم» :

معناه: وَجَبَ أو حَقَّ ونحوه، هذا مذهبُ الزَّجَّاجِ «١» ، ولكنْ مع مذهبهما، «لا» ملازِمَةٌ ل «جَرَمَ» لا تنفَكُّ هذه مِنْ هذه.

وقوله سبحانه: إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ: عامٌّ في الكافرين والمؤمنين يأخذ كلُّ أحد منهم بِقِسْطه، قال الشيخُ العارفُ باللَّه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبي جَمْرَةَ رحمه اللَّه موتُ النفوسِ حياتُهَا، مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَحْيَا يَمُوتُ، ببَذْل أَهْل التوفيقِ نفوسَهُم وهوانِهَا عليهم، نالوا ما نالوا، وبِحُبِّ أهْل الدنيا نفوسَهُم هانوا وطَرَأَ عليهم الهوانُ هنا وهناك، وقد ورد في الحديثِ: «أنَّه مَا مِنْ عَبْدٍ إِلا وَفِي رَأْسِهِ حِكْمَةٌ بِيَدِ مَلَكٍ، فَإِنْ تَعَاظَمَ، وارتفع، ضَرَبَ المَلَكُ فِي رَأْسِهِ، وَقَالَ لَهُ: اتضع وَضَعَكَ اللَّهُ، وَإِنْ تَوَاضَعَ رَفَعَهُ المَلَكُ، وَقَالَ لَهُ: ارتفع، رَفَعَكَ اللَّهُ» ، مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بما به يقرِّبنا إِليه بمنِّهِ «٢» .

انتهى.

وقوله سبحانه: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ: يعني: كفَّار قريشٍ: مَّاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ...

الآية، يقال: إِن سببها النضْرُ بْنُ الحارِثِ، واللام في قوله: لِيَحْمِلُوا يحتملُ أن تكون لاَم العاقبةِ، ويحتمل أن تكون لامَ كَيْ، ويحتمل أن تكون لام الأمْرِ على معنى الحَتْمِ عليهم والصَّغَارِ الموجِبِ لهم.

وقوله/ سبحانه: وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ: «من» : للتبعيضِ وذلك أن هذا الرأس المُضِلَّ يحمل وِزْرَ نفسه ووزراً مِنْ وزر كلِّ مَنْ ضلَّ بسببه، ولا ينقُصُ من أوزار أولئك شيْءٌ، والأوزار هي الأثقال.

قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (٢٧) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)

وقوله سبحانه: قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ ...

الآية: قال ابن

عبَّاس وغيره من المفسِّرين «١» : الإِشارة ب الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ إِلى نَمْرُوذَ الذي بنَى صَرْحاً ليَصْعَدَ فيه إِلى السماء بزعمه، فلما أَفرَطَ في عُلُوِّه، وطَوَّلَهُ في السماء فَرْسَخَيْنِ على ما حكَى النَّقَّاش، بعث اللَّه عليه ريحاً، فهدَمَتْه، وخَرَّ سقفه عليه، وعلى أتباعه، وقيل: إِن جبريلَ هَدَمَهُ بِجَنَاحِهِ، وألقَى أعلاه في البَحْر، وانجعف من أسفله، وقالت فرقة: المراد ب الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ: جميعُ مَنْ كَفَر من الأمم المتقدِّمة، ومكَر، ونزلَتْ به عقوبةٌ، وقوله على هذا: فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ ...

إلى آخر الآية، تمثيلٌ وتشبيهٌ، أي: حالُهم كحَالِ مَنْ فُعِلَ به هذا.

وقوله: يُخْزِيهِمْ: لفظٌ يعمُّ جميع المكارِهِ التي تَنْزِلُ بهم وذلك كلُّه راجعٌ إِلى إِدخالهم النَّار، ودخولهم فيها.

وتُشَاقُّونَ: معناه: تحاربون، أي: تكُونُونَ في شِقٍّ، والحَقُّ في شقّ، والَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ: هم الملائكةُ فيما قال بعضُ المفسِّرين، وقال يحيى بن سلام: هم المؤمنون.

قال ع «٢» : والصوابُ أن يعمَّ جميعَ مَنْ آتاه اللَّه عِلْمَ ذلك مِنْ ملائكةٍ وأنبياء وغيرهم، وقد تقدَّم تفسير الخِزْي، وأنه الفضيحةُ المُخْجلة، وفي الحديث: «إِنَّ العَارَ وَالتَّخْزِيَةَ لَتَبْلُغُ مِنَ العَبْدِ فِي المَقَامِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى مَا أَنْ يَتَمَنَّى أَنْ يُنْطَلَقَ بِهِ إِلَى النَّارِ وَيَنْجُوَ مِنْ ذَلِكَ المَقَامِ» «٣» أخرجه البغويُّ في «المسند المنتخب» له.

انتهى من «الكوكب الدري» .

وقوله سبحانه: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ: الَّذِينَ: نعت للكافرين في قول أكثر المتأوّلين، والْمَلائِكَةُ يريد القابضين لأرواحهم، والسَّلَمَ هنا: الاستسلام، واللام في قوله: فَلَبِئْسَ لامُ تأكيد، والمثوى:

موضع الإقامة.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ ﴾ قالَ عِكْرِمَةُ: هَؤُلاءِ قَوْمٌ كانُوا بِمَكَّةَ أقَرُّوا بِالإسْلامِ ولَمْ يُهاجِرُوا، فَأخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ كُرْهًا إلى بَدْرٍ، فَقُتِلَ بَعْضُهم.

وقَدْ شَرَحْنا هَذا في سُورَةِ (النِّساءِ:٩٧) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَألْقَوُا السَّلَمَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: انْقادُوا واسْتَسْلَمُوا، والسَّلَمُ: الِاسْتِسْلامُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا عِنْدَ المَوْتِ يَتَبَرَّؤُونَ مِنَ الشِّرْكِ، وهو قَوْلُهم: " ماكُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ " وهو الشِّرْكُ، فَتَرُدُّ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ فَتَقُولُ: " بَلى " .

وقِيلَ: هَذا رَدُّ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ عَلَيْهِمْ ﴿ بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ الشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ.

ثُمَّ يُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ، وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ ألْفاظِ الآيَةِ [النِّساءِ:٩٧] و[الحِجْرِ:٤٤] .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ فَألْقَوُا السَلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلى إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ ﴾ ﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ ﴾ "الَّذِينَ" نَعْتٌ لِـ "الكافِرِينَ" في قَوْلِ أكْثَرِ المُتَأوِّلِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الَّذِينَ" مُرْتَفِعًا بِالِابْتِداءِ مُنْقَطِعًا مِمّا قَبْلَهُ، وخَبُرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَألْقَوُا السَلَمَ ﴾ فَزِيدَتِ الفاءُ في الخَبَرِ، وقَدْ يَجِيءُ مِثْلُ هَذا.

و"المَلائِكَةُ" يُرِيدُ القابِضِينَ لِأرْواحِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ ﴾ حالٌ-.

و"السَلَمَ" هُنا: الِاسْتِسْلامُ، أيْ: رَمَوْا بِأيْدِيهِمْ وقالُوا: "ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ" فَحَذَفَ "قالُوا" لِدَلالَةِ الظاهِرِ عَلَيْهِ، قالَ الحَسَنُ: هي مَواطِنُ، فَمَرَّةً يُقِرُّونَ عَلى أنْفُسِهِمْ، كَما قالَ: ﴿ وَشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ  ﴾ ، ومُرَّةً يَجْحَدُونَ كَهَذِهِ الآيَةِ، ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُمْ: ﴿ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهم كَذَبُوا وقَصَدُوا الكَذِبَ اعْتِصامًا مِنهم بِهِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: ﴿ واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ  ﴾ ، والآخَرُ أنَّهم أخْبَرُوا عن أنْفُسِهِمْ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْمَلُونَ سُوءًا، فَأخْبَرُوا عن ظَنِّهِمْ بِأنْفُسِهِمْ، وهو كَذِبٌ في نَفْسِهِ، وحُسْنُ الرَدِّ عَلَيْهِمْ في الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا بِـ "بَلى"، أيْ يُقالُ لَهُمْ: بَلى، وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الكُفّارِ.

وإلْقاؤُهُمُ السَلَمَ ضِدُّ مُشاقَتِهِمْ قَبْلُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ ولَمْ يُهاجِرُوا، فَأخْرَجَهم كُفّارُ مَكَّةَ مُكْرَهِينَ إلى بَدْرٍ فَقُتِلُوا هُنالِكَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ بِالآيَةِ الأُخْرى الَّتِي نَزَلَتْ في أُولَئِكَ بِاتِّفاقٍ مِنَ العُلَماءِ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَحْسُنُ قَطْعَ "الَّذِينَ" ورَفْعُهُ بِالِابْتِداءِ، فَتَأمَّلَهُ.

والقانُونُ أنْ "بَلى" تَجِيءُ بَعْدَ النَفْيِ، و"نَعَمْ" تَجِيءُ بَعْدَ الإيجابِ، وقَدْ تَجِيءُ بَعْدَ التَقْرِيرِ، كَقَوْلُكَ: ألَيْسَ كَذا؟

وَنَحْوَهُ، ولا تَجِيءُ بَعْدَ نَفْيِ سِوى التَقْرِيرِ: وقَرَأ الجُمْهُورُ "تَتَوَفّاهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ بِالياءِ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، قالَ أبُو زَيْدٍ: أدْغَمَ أبُو عَمْرُو: "السَلَّمَ مّا".

وقَوْلُهُ تَعالى: "فادْخُلُوا" مِن كَلامِ الَّذِي يَقُولُ: "بَلى"، و"أبْوابُ جَهَنَّمَ" مُفْضِيَةٌ إلى طِباقِها الَّتِي هي بَعْضٌ عَلى بَعْضٍ، والأبْوابُ كَذَلِكَ بابٌ عَلى بابٍ، و"خالِدِينَ" حالٌ، واللامُ في قَوْلِهِ: "فَلَبِئْسَ" لامُ التَأْكِيدِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَكَرَ سِيبَوَيْهِ، وهو إجْماعٌ مِنَ النَحْوِيِّينَ فِيما عَلِمْتَ أنَّ لامَ التَأْكِيدِ لا تَدَخُّلَ عَلى الفِعْلِ الماضِي وإنَّما تَدْخُلُ عَلَيْهِ لامُ القَسَمِ، ولَكِنْ دَخَلَتْ عَلى "بِئْسَ" لَمّا لَمْ تَتَصَرَّفْ أشْبَهَتِ الأسْماءَ وبَعُدَتْ عن حالِ الفِعْلِ في هَذا، وهي بَعِيدَةٌ أيْضًا عن حالِ الفِعْلِ مِن جِهَةِ أنَّها لا تَدْخُلُ عَلى زَمانٍ.

و"المَثْوى": مَوْضِعُ الإقامَةِ، ونَعْمَ وبِئْسَ إنَّما يَدْخُلانِ عَلى مُعَرَّفٍ بِالألِفِ واللامِ، أو مُضافٍ إلى مُعَرَّفٍ بِذَلِكَ، و"المَثْوى" هُنا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَبِئْسَ المَثْوى مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ، والمُتَكَبِّرُ هُنا هو الَّذِي أفْضى بِهِ كِبْرُهُ إلى الكُفْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ الآيَةُ.

لَمّا وصَفَ اللهُ تَعالى مَقالَةَ الكُفّارِ الَّذِينَ قالُوا: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ" عادَلَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مُقالَةِ المُؤْمِنِينَ مِن أصْحابِ النَبِيِّ  ، وأوجَبَ لِكُلِّ فَرِيقٍ ما يَسْتَحِقُّ لِتَتَبايَنَ المَنازِلُ بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ، و"ماذا" تَحْتَمِلُ ما ذَكَرَ في الَّتِي قَبْلَها، وقَوْلُهُمْ: "خَيْرًا" جَوابٌ بِحَسَبِ السُؤالِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللهِ تَعالى مَقْطُوعٌ مِمّا قَبْلَهُ، ولَكِنَّهُ بِالمَعْنى وعْدٌ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ إحْسانِ المُتَّقِينَ في مَقالَتِهِمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِن كَلامِ الَّذِينَ قالُوا: "خَيْرًا"، وهو تَفْسِيرٌ لِلْخَيْرِ الَّذِي أُنْزِلَ، أيْ: أنْزَلَ اللهُ في الوَحْيِ عَلى نَبِيِّنا خَيْرًا، أيْ: مَن أحْسَنَ في الدُنْيا بِالطاعَةِ فَلَهُ حَسَنَةٌ في الدُنْيا ونَعِيمٌ في الآخِرَةِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ المُؤْمِنَ حَسَنَةً، يُثابُ عَلَيْها الرِزْقُ في الدُنْيا، ويُجْزى بِها في الآخِرَةِ"،» وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في إضافَةِ الدارِ إلى الآخِرَةِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

القرينة ظاهرة على أنّ قوله تعالى: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ﴾ ليست من مقول الذين أوتوا العلم يوم القيامة، إذ لا مناسبة لأن يعرّف الكافرون يوم القيامة بأنهم الّذين تتوفّاهم الملائكة ظالمي أنْفُسهم؛ فإن صيغة المضارع في قوله تعالى: ﴿ تتوفاهم الملائكة ﴾ قريبة من الصريح في أن هذا التوفّي محكيّ في حال حصوله وهم يوم القيامة مضت وفاتهم ولا فائدة أخرى في ذكر ذلك يومئذٍ، فالوجه أن يكون هذا كلاماً مستأنفاً.

وعن عكرمة: نزلت هذه الآية بالمدينة في قوم أسلموا بمكّة ولم يهاجروا فأخرجهم قريش إلى بدْر كَرهاً فقُتلوا ببدر.

فالوجه أن ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ﴾ بدل من ﴿ الذين ﴾ في قوله تعالى: ﴿ فالذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ [سورة النحل: 22] أو صفة لهم، كما يومئ إليه وصفهم في آخر الآية بالمتكبّرين في قوله تعالى: فلبئس مثوى المتكبرين } ، فهم الّذين وصفوا فيما قبل بقوله تعالى: ﴿ وهم مستكبرون ﴾ [سورة النحل: 22]، وما بينهما اعتراض.

وإن أبيت ذلك لبعد ما بين المتبوع والتّابع فاجعل ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ﴾ خبراً لمبتدإ محذوف.

والتقدير: هم الذين تتوفاهم الملائكة.

وحذف المسند إليه جار على الاستعمال في أمثاله من كلّ مسند إليه جرى فيما سلف من الكلام.

أخبر عنه وحدث عن شأنه، وهو ما يعرف عند السكاكي بالحذف المتّبع فيه الاستعمال.

ويقابل هذا قوله تعالى فيما يأتي: ﴿ الذين تتوفّاهم الملائكة طيبين ﴾ [سورة النحل: 32] فإنه صفة ﴿ للذين اتقوا ﴾ [سورة النحل: 30] فهذا نظيره.

والمقصود من هذه الصلة وصف حالة الذين يموتون على الشّرك؛ فبعد أن ذكر حال حلول العذاب بمن حلّ بهم الاستئصال وما يحلّ بهم يوم القيامة ذكرت حالة وفاتهم التي هي بين حالي الدّنيا والآخرة، وهي حال تعرض لجميعهم سواء منهم من أدركه الاستئصال ومن هلك قبل ذلك.

وأطبق من تصدّى لربطه بما قبله من المفسّرين، على جعل الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } الآية بَدلاً من ﴿ الكافرين ﴾ في قوله تعالى: ﴿ إن الخزى اليوم والسوء على الكافرين ﴾ [سورة النحل: 27]، أو صفة له.

وسكت عنه صاحب الكشاف (وهو سكوت مِن ذهب).

وقال الخفاجي: «وهو يصحّ فيه أن يكون مقولاً للقول وغير مندرج تحته».

وقال ابن عطيّة: «ويحتمل أن يكون ﴿ الذين ﴾ مرتفعاً بالابتداء منقطعاً مما قبله وخبره في قوله: ﴿ فألقوا السلم ﴾ [سورة النحل: 28] ا ه.

واقتران الفعل بتاء المضارعة التي للمؤنث في قراءة الجمهور باعتبار إسناده إلى الجماعة.

وقرأ حمزة وخلف ﴿ يتوفّاهم ﴾ بالتحتية على الأصل.

وظلم النّفس: الشّرك.

والإلقاء: مستعار إلى الإظهار المقترن بمذلّة.

شبّه بإلقاء السّلاح على الأرض، ذلك أنّهم تركوا استكبارهم وإنكارهم وأسرعوا إلى الاعتراف والخضوع لما ذاقوا عذاب انتزاع أرواحهم.

والسَلَم بفتح السين وفتح اللاّم الاستسلام.

وتقدّم الإلقاء والسَلَم عند قوله تعالى: ﴿ وألقوا إليكم السّلم ﴾ في سورة النساء (90).

وتقدم الإلقاء الحقيقي عند قوله تعالى: ﴿ وألقى في الأرض رواسي ﴾ في أول هذه السورة (15).

ووصفهم ب ﴿ ظالمي أنفسهم ﴾ يرمي إلى أن توفّي الملائكة إيّاهم ملابس لغلظة وتعذيب، قال تعالى: ﴿ ولو ترى إذ يتوفّى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ [سورة الأنفال: 50].

وجملة ما كنا نعمل من سوء } مقول قول محذوف دلّ عليْه ﴿ ألقوا السلم ﴾ ، لأن إلقاء السَلَم أوّل مظاهره القول الدّال على الخضوع.

يقولون ذلك للملائكة الّذين ينتزعون أرواحهم ليكفّوا عنهم تعذيب الانتزاع، وهم من اضطراب عقولهم يحسبون الملائكة إنما يجرّبونهم بالعذاب ليطّلعوا على دخيلة أمرهم، فيحسبون أنهم إن كذبوهم رَاج كذبهم على الملائكة فكفّوا عنهم العذاب، لذلك جحدوا أن يكونوا يعملون سوءاً من قبل.

ولذلك فجملة ﴿ بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون ﴾ جواب الملائكة لهم، ولذلك افتتحت بالحرف الّذي يبطل به النّفي وهو ﴿ بلى ﴾ .

وقد جعلوا علم الله بما كانوا يعملون كناية عن تكذيبهم في قولهم: ﴿ ما كنا نعمل من سوء ﴾ ، وكناية على أنّهم ما عاملوهم بالعذاب إلاّ بأمر من الله تعالى العالم بهم.

وأسندوا العلم إلى الله دون أن يقولوا: إنّا نعلم ما كنتم تعملون، أدباً مع الله وإشعاراً بأنهم ما علموا ذلك إلاّ بتعليم من الله تعالى.

وتفريع ﴿ فادخلوا أبواب جهنم ﴾ على إبطال نفيهم عمل السّوء ظاهر، لأنّ إثبات كونهم كانوا يعملون السّوء يقتضي استحقاقهم العذاب، وذلك عندما كشف لهم عن مقرّهم الأخير، كما جاء في الحديث «القبر روضة من رياض الجنّة أو حفرة من حفر النّار».

ونظيره قوله تعالى: ﴿ ولو ترى إذ يتوفّى الّذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق ﴾ [سورة الأنفال: 50].

وجملة فلبئس مثوى المتكبرين } تذييل.

يحتمل أن يكون حكاية كلام الملائكة، والأظهر أنّه من كلام الله الحكاية لا من المحكيّ، ووصفهم بالمتكبّرين يرجّح ذلك، فإنّه لربط هذه الصفة بالموصوف في قوله تعالى ﴿ قلوبهم منكرة وهم مستكبرون ﴾ [سورة النحل: 22].

واللّام الدّاخلة على بئس لام القسم.

والمثوى.

المرجع.

من ثوى إذا رجع، أو المقام من ثوى إذا أقام.

وتقدّم في قوله تعالى: ﴿ قال النار مثواكم ﴾ في سورة الأنعام (128).

ولم يعبّر عن جهنّم بالدار كما عبّر عن الجنّة فيما يأتي بقوله تعالى: ﴿ ولنعم دار المتقين ﴾ [سورة النحل: 30] تحقيراً لهم وأنّهم ليسوا في جهنّم بمنزلة أهل الدّار بل هم متراصّون في النار وهم في مثوى، أي محل ثواء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ ﴾ قال عِكَرِمَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَوْمٍ أسْلَمُوا بِمَكَّةَ ولَمْ يُهاجِرُوا، فَأخْرَجَتْهم قُرَيْشٌ إلى بَدْرٍ كَرْهًا، فَقُتِلُوا، فَقالَ اللَّهُ ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ يَعْنِي بِقَبْضِ أرْواحِهِمْ ﴿ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ ﴾ في مَقامِهِمْ بِمَكَّةَ وتَرْكِهِمُ الهِجْرَةَ.

﴿ فَألْقَوُا السَّلَمَ ﴾ يَعْنِي في خُرُوجِهِمْ مَعَهُمْ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الصُّلْحُ، قالَهُ الأخْفَشُ.

الثّانِي: الِاسْتِسْلامُ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

الثّالِثُ: الخُضُوعُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ ﴾ يَعْنِي مِن كُفْرٍ.

﴿ بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ يَعْنِي إنَّ أعْمالَهم أعْمالُ الكُفّارِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ قد مكر الذين من قبلهم ﴾ قال: هو نمرود بن كنعان حين بنى الصرح.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير، عن زيد بن أسلم قال: أول جبار كان في الأرض نمرود، فبعث الله عليه بعوضة فدخلت في منخره، فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق.

وارحم الناس به من جمع يديه فضرب بهما رأسه، وكان جباراً أربعمائة سنة فعذبه الله أربعمائة سنة كملكه، ثم أماته الله.

وهو الذي كان بَنَى صرحاً إلى السماء الذي قال الله: ﴿ فأتى الله بنيانهم من القواعد ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ قد مكر الذين من قبلهم ﴾ قال: مكر نمرود بن كنعان الذي حاج إبراهيم في ربه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد ﴾ قال: أتاها أمر الله من أصلها ﴿ فخر عليهم السقف من فوقهم ﴾ و ﴿ السقف ﴾ عالي البيوت فائتفكت بهم بيوتهم، فأهلكهم الله ودمرهم ﴿ وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي، عن ابن عباس في قوله: ﴿ تشاقون فيهم ﴾ يقول: تخالفوني.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ﴾ قال ابن عباس: يريد مقام المتكبرين عن التوحيد وعبادة الله عز وجل (١) ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ  ﴾ .

(١) ورد نحوه غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 202 أ، والطبري 14/ 99 بمعناه غير منسوب، والفخر الرازي 20/ 20، و"تفسير القرطبي" 10/ 100.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ حال من الضمير المفعول في تتوفاهم ﴿ فَأَلْقَوُاْ السلم ﴾ أي استسلموا للموت ﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سواء ﴾ أي قالوا ذلك، ويحتمل قولهم لذلك أن يكونوا قصدوا الكذب اعتصاماً به كقولهم: ﴿ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ [الأنعام: 23] أو يكونوا أخبروا على حسب اعتقادهم في أنفسهم، فلم يقصدوا الكذب، ولكنه كذب في نفس الأمر ﴿ بلى ﴾ من قول الملائكة للكفار: أي قد كنتم تعملون السوء.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ شركاي ﴾ مثل ﴿ هداي ﴾ زمعة عن ابن كثير والخزاعي عن البزي.

وقرأ الخزاز عن هبيرة ﴿ شركائي الذين ﴾ مرسلة الياء، الباقون بفتح الياء وكذلك في "الكهف" و"القصص".

﴿ تشاقون ﴾ بكسر النون: نافع، الآخرون بفتحها ﴿ تتوفاهم ﴾ وما بعده بالإمالة: حمزة وخلف ﴿ لا يهدي ﴾ بفتح الياء وكسر الدال: عاصم وحمزة وعلي وخلف، الباقون بضم الياء وفتح الدال.

﴿ كن فيكون ﴾ بالنصب: ابن عامر وعلي، الباقون بالرفع.

الوقوف: ﴿ ربكم ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ الأولين ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ يوم القيامة ﴾ لا لأن قوله ﴿ ومن أوزار ﴾ مفعول ﴿ ليحملوا ﴾ ط ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ ما يزرون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ فيهم ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده صفة ﴿ أنفسهم ﴾ ص لطول الكلام ﴿ من سوء ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ المتكبرين ﴾ ه ﴿ أنزل ربكم ﴾ ط ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ خير ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ يشاءُون ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ طيبين ﴾ ه لا لأن ما بعده حال آخر.

﴿ سلام عليكم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ ادخلوا ﴾ مفعول ﴿ يقولون ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ أمر ربك ﴾ ط ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ يستهزءُون ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ الثاني ط ﴿ من قبلهم ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ الطاغوت ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ الضلالة ﴾ ط ﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ أيمانهم ﴾ لا لأن ما بعده جواب القسم ﴿ يموت ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه لا لتعلق لام كي ﴿ كاذبين ﴾ ه ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ م لأن جواب "لو" محذوف أي لو كانوا يعلمون لما اختاروا الدنيا على الآخرة، ولو وصل لصار قوله: ﴿ ولأجر الآخرة ﴾ متعلقاً بشرط "أن" ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ وهو محال ﴿ يعلمون ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين صبروا ﴾ بدل ﴿ الذين هاجروا ﴾ ﴿ يتوكلون ﴾ ه.

التفسير: لما بالغ في تقرير دلائل التوحيد أراد أن يذكر شبهات منكري النبوة مع أجوبتها.

فالشبهة الأولى أنهم طعنوا في القرآن وعدّوه من قبيل الأساطير.

قال النحويون: "ماذا" منصوب بأنزل بمعنى أي شيء أنزله ربكم، أو "ما" مبتدأ و "ذا" موصولة، والجملة صلتها، والمجموع خبر المبتدأ، وعلى التقديرين: فقوله: ﴿ أساطير الأوّلين ﴾ بالرفع ليس بجواب للكفار وإلا لكان المعنى الذي أنزله ربنا أساطير الأوّلين والكفار لا يقرون بالإنزال فهو إذن كلام مستأنف أي ليس ما تدّعون إنزاله منزلاً بل هو أساطير الأولين.

وقال في الكشاف: معناه المنزل أساطير الأوّلين وذكر في دفع التناقض أنه على السخرية كقوله: { ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون  ﴾ وجوز كونه منصوباً ولم يقرأ به.

واختلفوا في السائل فقيل: هو كلام بعضهم لبعض.

وقيل: هو قول المسلمين لهم وقيل: هو قول المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن رسول الله  إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل على رسول الله  قالوا: أحاديث الأوّلين وأباطيلهم، ليس فيه شيء من العلوم والفصاحة والحقائق والدقائق.

ثم إنه تعال اقتصر في جواب شبههم على محض الوعي لأنه قد ثبت بالتحدي كما مر ذكره مراراً أن القرآن معجز تحدوا بالقرآن جملة ثم بعشر سور ثم بسورة فعجزوا عن المعارضة فكان طعنهم فيه بعد ذلك مجرد المكابرة والعناد فلم يستحقوا في الجواب إلا التهديد والوعيد.

واللام في قوله: ﴿ ليحملوا ﴾ ليس لام الغرض لأنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير لغرض حمل الأوزار، ولكن لما كانت عاقبتهم ذلك حسن التعليل به فكان لام العاقبة، وقوله: ﴿ كاملة ﴾ معناه أنه  لا يخفف من عقابهم شيئاً، وفيه دليل على أنه  قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين لأن هذا المعنى لو كان حاصلاً في حق الكل لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل فائدة.

قال الواحدي: لفظة "من" في قوله: ﴿ ومن أوزار الذين ﴾ ليست للتبعيض فإنه لا يخفف عن الأتباع بعض أوزارهم لقوله  "أيما داع دعا إلى الضلال فاتبع كان عليه وزر من اتبعه لا ينقص من آثامهم شيء" ولكنها للابتداء أي لحملوا ما قد نشأ من أوزار الاتباع، أو للبيان أي ليحملوا ما هو من جنس أوزار تبعهم.

ومعنى ﴿ بغير علم ﴾ أن هؤلاء الرؤساء إنما يقدمون على هذا الإضلال جهلاً منهم بما يتسحقونه من العذاب الشديد على ذلك الإضلال.

وقال في الكشاف: ﴿ بغير علم ﴾ حال من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال.

وإنما وصف بالضلال واحتمال الوزر من أضلوه وإن لم يعلم لأنه كان عليه أن يبحث وينظر بعقله حتى يميز بين المحق والمبطل.

ثم أوعدهم بما هو النهاية في التهديد فقال: ﴿ ألا ساء ما يزرون ﴾ وزرهم.

ثم حكى حال أضرابهم من المتقدين فقال: ﴿ قد مكر الذين من قبلهم ﴾ ذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد به نمروذ بن كنعان بنى صرحاً عظيماً ببابل طوله خمسة آلاف ذراع - وقيل فرسخان - ورام الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها فأهب الله الريح فخر عليه وعلى قومه فهلكوا، وألقت رأس الصرح في البحر فأحدث نمروذ وتبلبلت يومئذٍ ألسن الناس من الفزع فتكلموا بثلاثة وتسعين لساناً ولذلك سميت ببابل، وكان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية، وابتلاه الله ببعوضة دخلت دماغه والحكاية مشهورة.

والأصح أن الآية عامة في جميع المبطلين الذين يحاولون إلحق الضرر بالمحقين.

وعلى القول الأوّل معنى قوله: ﴿ فأتى الله ﴾ أي أمره وحكمه ﴿ بنيانهم من القواعد ﴾ وهي أساطين البناء التي تعمده أو الأساس أنه أسقط السقف عليهم بعد هدم القواعد.

وفائدة زيادة قوله: ﴿ من فوقهم ﴾ التنصيص على أن الأبنية تهدمت وهم ماتوا تحتها، وعلى الثاني يكون الكلام محض التمثيل والمراد أنهم سوّوا منصوبات وحيلاً ليمكروا بها رسل الله، فجعل الله هلاكهم في تلك الحيل كحيل قوم بنوا بنياناً وعمدوه بالأساطين، فأتي البنيان من الأساطين بأن ضعفت فسقط عليهم السقف فهلكوا ونحوه "من حفر بئراً لأخيه فقد وقع فيه" وبعبارة أخرى "من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً".

ثم بين أن عذابهم ير مقصور على عذاب الدنيا بل الله  يخزيهم يوم القيامة بإدخالهم النار ﴿ إنك من تدخل النار فقد أخزيته  ﴾ ﴿ ويقول ﴾ مع ذلك لأجل الإهانة والتوبيخ ﴿ أين شركائي ﴾ الإضافة لأدنى الملابسة أو هي حكاية لإضافتهم استهزاء وتوبيخاً ﴿ الذين كنتم تشاقون ﴾ تخاصمون المؤمنين في شأنهم.

ومن قرأ بكسر النون فعلى حذف يا المتكلم لأن مشاقة المؤمنين مشاقة الله.

ثم ذكر على سبيل الاستئناف ﴿ قال الذين أوتوا العلم ﴾ عن ابن عباس هم الملائكة.

وقال الآخرون: هم الأنبياء والعلماء من أممهم الذين كانوا يعظونهم ولا يلتفتون إليهم فيقولون ذلك يوم القيامة شماتة بهم.

قالت المرجئة قولهم: ﴿ إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ﴾ يدل على أن ماهية الخزي والسوء مختص بالكافرين فينتفي عن غيرهم.

أما قوله: ﴿ فألقوا السلم ﴾ فعن ابن عباس: المراد أنهم أسلموا وأقروا بالعبودية عند الموت.

وقيل: إنه في يوم القيامة وقولهم: ﴿ ما كنا نعمل من سوء ﴾ أرادوا الشرك قالوه على وجه الكذب والجحود، ومن لم يجوز الكذب على أهل القيامة قال: أرادوا في اعتقادهم وظنونهم فرد عليهم أولو العلم أو الملائكة بقوله: ﴿ بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون ﴾ في الدنيا فلا ينفعكم هذا الكذب وإنه يجازيكم على الكفر الذي علمه منكم.

قال في الكشاف: وهذا أيضاً من الشماتة وكذلك ﴿ فادخلوا أبواب جهنم ﴾ وفي ذكر الأبواب إشارة إلى تفاوت منازلهم في دركات جهنم.

ثم قال: ﴿ فلبئس مثوى المتكبرين ﴾ عن قبول التوحيد وسائر ما أتت به الأنبياء.

والفاء للعطف على فاء التعقيب في ﴿ فادخلوا ﴾ واللام للتأكيد يجري مجرى القسم موافقة لقوله بعد ذلك ﴿ ولنعم دار المتقين ﴾ ولا نظير لهما في كل القرآن.

ثم أتبع أوصاف الأشقياء أحوال السعداء فقال: ﴿ وقيل للذين اتقوا ﴾ الآية.

وإنما ذكر الجواب ههنا بالنصب ليكون الجواب مطابقاً مكشوفاً بيناً من غير تلعثم أي أنزل خيراً أو ﴿ قالوا خيراً ﴾ لا شراً كما قاله الكفار، أو قالوا قولاً خيراً ولو رفعوا لأوهم أنه كلام مستأنف كما في جواب الكفار وليس بمنزل.

روي أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي  فإذا جاء الوافد كفه المقتسمون وأمروه بالانصراف كما مر، فكان الوافد يقول: كيف أرجع إلى قومي دون أن أستطلع أمر محمد وأراه.

فيلقى أصحاب رسول الله  ويخبرونه بصدقه وأنه نبي مبعوث فهم الذين قالوا خيراً.

وجوّز في الكشاف أن يكون ﴿ للذين أحسنوا ﴾ وما بعده بدلاً من ﴿ خيراً ﴾ كأنه فسر الخبر بهذا القول، وجوّز أن يكون كلاماً مبتدأ على سبيل الوعد فيكون قولهم الخير من جملة إحسانهم.

أما قوله ﴿ في هذه الدنيا ﴾ فإما أن يتعلق بما قبله فالمعنى: الذين جاءُوا بالإحسان في هذه الدنيا لهم في الآخرة ﴿ حسنة ﴾ هي الثواب العظيم أو المضاعف إلى سبعمائة أو أكثر، وإما أن يتعلق بما بعده والتقدير: الذين أحسنوا لهم الحسنة في الدنيا باستحقاق المدح والثناء، أبو بالظفر على أعداء الدين باللسان والسنان وفتح البلاد، أو بفتح أبواب المكاشفات والمشاهدات.

والحاصل أن لهم في الدنيا مكافأة بإحسانهم.

﴿ ولدار الآخرة خير ﴾ منها.

ثم بين الخيرية بقوله: ﴿ ولنعم دار المتقين ﴾ دار الآخرة فحذف المخصوص بالمدح لتقدم ذكره.

ثم قال: ﴿ جنات عدنٍ ﴾ أي هي هذه فيكون المبتدأ محذوفاً أو الجنات مبتدأ وما بعدها خبر أو ﴿ جنات عدن ﴾ هي المخصوص بالمدح.

فالجنات يدل على القصور والبساتين، والعدن على الدوام والإقامة.

وقوله: ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ على أنه حصل هناك أبنية مرتفعة هم عليها والأنهار تجري من تحتهم.

وقوله: ﴿ لهم فيها ما يشاءُون ﴾ أبلغ من قوله في موضع آخر ﴿ فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين  ﴾ وفي تقديم الظرف دلالة على أن الإنسان لا يجد كل ما يريده إلا في الجنة، وقوله: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ﴾ أكثر المفسرين على أن هذا التوفي هو قبض الأرواح.

وقوله: ﴿ طيبين ﴾ أي طاهرين عن دنس الكفر والمعاصي أو دنس الكفر وحده، وهذه كلمة جامعة تشمل أنواع البراءة عن العلائق الجسمانية فلا يكون لصاحب هذه الحالة تألم بالموت دليله قوله: ﴿ يقول سلام عليكم ﴾ يروى أنه إذا أشرف العبد المؤمن على الموت جاءه ملك فيقول: السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام وبشره بالجنة فذلك قوله: ﴿ ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ﴾ وعن الحسن أن المراد بهذا التوفي هو وفاة الحشر لأنه لا يقال عند قبض الروح في الدنيا ادخلوا الجنة.

والأولون قالوا: البشارة بالجنة بمنزلة الدخول فيها.

قوله  : ﴿ هل ينظرون ﴾ قيل: إنه جواب شبهة أخرى لمنكري النبوة فإنهم طلبوا من النبي  أن ينزل عليهم ملكاً من السماء يشهد على صدقه في ادّعاء النبوة فقال تعالى: هل ينظرون في تصديق نبوتك ﴿ إلا أن تأتيهم الملائكة ﴾ شاهدين بذلك.

ويحتمل أن يقال: إنهم لما طعنوا في القرآن بأنه أساطير الأولين أوعدهم الله  بما أوعد، ثم وصف القرآن بكونه حقاً وصدقاً وذكر جزاء المتقين ثم ذكر أن أولئك الكفار لا ينزجرون عن كفرهم بسبب البيانات التي ذكرناها إلا إذا جاءتهم الملائكة بالتهديد أو لقبض الأرواح أو أتاهم أمر ربك وهو العذاب المستأصل أو القيامة ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ فأصابهم الهلاك المعجل ﴿ وما ظلمهم الله ﴾ بتدميرهم فإنه أنزل بهم ما استحقوه بكفرهم ﴿ فأصابهم سيئات ما عملوا ﴾ أي جزاء سيئات أعمالهم أو هو من باب الطباق والمشاكلة كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها  ﴾ ﴿ وحاق بهم ﴾ .

أي نزل بهم على وجه الإحاطة عقاب استهزائهم.

الشبهة الثالثة لمنكري النبوة أنهم تشبثوا بمسألة الجبر فقالوا: ﴿ لو شاء الله ما عبدنا ﴾ الآية.

وقد مر في تفسير مثلها في آخر سورة الأنعام، وذكرنا أسرار المتشابه هناك وكذا استدلال المعتزلة بها وجواب الأشاعرة عنها.

وزاد بعض الأشاعرة فقالوا: إن المشركين ذكروا هذا الكلام على وجه الاستهزاء كما قال قوم شعيب ﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد  ﴾ ولو قالوا ذلك معتقدين كانوا مؤمنين.

وقال آخرون: إنه  أجاب عن شبهتهم وهي أنه لما كان الكل من الله كان بعثه الأنبياء عبثاً بقوله: ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ يعني أنهم اعترضوا على أحكام الله وطلبوا لها العلة فعل من تقدمهم من الكفرة ﴿ فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ﴾ أي ما عليهم إلا التبليغ فإما تحصيل الإيمان فليس إليهم.

ثم إنه أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً ﴾ إلى قوله: ﴿ ومنهم من حقت عليه الضلالة ﴾ وفيه دلالة على أن أمر الله قد لا يوافق إرادته فإنه يأمر الكل بالإيمان ولا يريد الهداية إلا للبعض إذّ لو أرادها للكل لم يكفر أحد ولم ينزل العذاب على قوم لكنه كفر ونزل لقوله: ﴿ فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين  ﴾ .

ثم خصص الخطاب قائلاً لرسوله ﴿ إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل ﴾ لا يرشد أحداً أضله، قال ابن عباس: وقال الفراء: لا يهدي معناه لا يهتدي: ومن قرأ على البناء للمفعول فمعناه لا تقدر أنت ولا أحد على هداية من أضله الله فلن يكون مهدياً منصوراً، ولا يخفى أن أول الآية ظاهره يوافق مذهب المعتزلة.

أما قوله: ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ إلى آخر الآيات فإنهم قد صاروا فيه إلى التأويل فقالوا: معناه أن متقدميهم أشركوا وحرموا حلال الله فلما نبهوا على قبح فعلهم أسندوه إلى الله ﴿ فهل على الرسل إلا ﴾ أن يبلغوا الحق وأن الله بريء من الظلم وخلق القبائح والمنكرات، وما من أمة إلا وقد بعث الله فيهم رسولاً يأمرهم بالخير الذي هو عبادة الله وينهاهم عن الشر الذي هو طاعة الطاغوت.

﴿ فمنهم من هدى الله ﴾ لأنه من أهل اللطف، ومنهم من ثبت عليه الخذلان لأنه عرفه مصمماً على الكفر، أو المراد منهم من حكم الله عليه بالاهتداء ومنهم من صار محكوماً عليه بالضلال لظهور ضلاله، أو منهم من هداه الله إلى الجنة ومنهم من أضله عنها.

﴿ فسيروا في الأرض فانظروا ﴾ ما فعلت بالمكذبين حتى لا يبقى لكم شبهة في أني لا أقدر الشر ولا أشاؤه.

ثم ذكر عناد قريش وحرص رسول الله  على إيمانهم وعرفه أنهم من قسم من حقت عليه الضلالة، وأنه لا يلطف بمن يخذل لأنه عبث والله  متعال عن العبث.

فهذا تفسير الفريقين لاشتمال آيات مسألة الجبر والقدر على الجهتين وعليك الاختيار بعقلك دون هواك.

الشبهة الرابعة قدحهم في الحشر والنشر ليلزم إبطال النبوة وذلك أنهم ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم ﴾ أي أغلاظ الأيمان كما في "المائدة" كأنهم ادّعوا علماً ضرورياً بأن الشيء إذا فني وصار عدماً محضاً فإنه لا يعود بعينه بل العائد يكون شيئاً آخر فأكدوا ادعاءهم بالقسم الغليظ فأجاب الله عن شبهتهم بقوله: ﴿ بلى ﴾ وهو إثبات لما بعد النفي أي بلى يبعثهم وقوله: ﴿ وعداً ﴾ مصدر مؤكد لما دل عليه "بلى" لأن يبعث موعد من الله أي وعد البعث ﴿ وعدا عليه حقاً ﴾ لا خلاف فيه ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنهم يبعثون أو أن وعد الله حق.

ثم ذكر لمية حقية البعث فقال ﴿ ليبين ﴾ أي يبعث كل من يموت من المؤمنين والكافرين ليبين ﴿ لهم ﴾ الحق الذي اختلفوا فيه بياناً عيانياً لا يشتبه فيه المطيع بالمعاصي والمحق بالمبطل والمظلوم بالظالم والصادق بالكاذب.

وجوز بعضهم أن يكون قوله: ﴿ ليبين ﴾ متعلقاً بقوله: ﴿ ولقد بعثنا ﴾ أي بعثناه ليبين لهم ما اختلفوا به وأنهم كانوا على الضلالة قبله مفترين على الله الكذب في ادعاء الشريك له وفي قولهم بمجرد هواهم هذا حلال الله وهذا حرام.

ثم برهن على إمكان البعث بقوله: ﴿ إنما قولنا ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ أن نقول ﴾ وقد فسرنا مثل هذه الآية في سورة البقرة، وذكرنا فيه مباحث عميقة لفظية ومعنوية فلا حاجة إلى الإعادة.

والغرض أنه  لا مانع له من الإيجاد والإعدام ولا تتوقف آثار قدرته إلا على مجرد الإرادة والمشيئة، فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو أهون من الإبداء؟!

قال في الكشاف: قرىء ﴿ فيكون ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ نقول ﴾ قلت: ولا مانع من كونه منصوباً بإضمار "أن" لوقوعه في جواب الأمر بعد الفاء وقد مر في "البقرة".

احتج بعض الأشاعرة بالآية على قدم القرآن قال: إنه لو كان حادثاً لافتقر إلى أن يقال له "كن".

ثم الكلام في هذا اللفظ كالكلام في الأوّل وتسلسل، والجواب بعد تسليم أن هذا ليس مثلاً وأن ثم قولاً أن "إذا" لا تفيد التكرار فلا يلزم في كل ما يحدثه الله  إلى أن يقول له" كن".

وكيف يتصور أن تكون لفظة "كن" قديمة والكاف مقدم على النون بزمان محصور، ولو سلم فلا يجوز من قدم لفظة "كن" قدم القرآن.

على أن قوله: ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه ﴾ يقتضي كون القول واقعاً بالإرادة وما كان كذلك فهو محدث وأنه علق القول بكلمة "إذا" ولا شك أنها للاستقبال وكذا قوله: ﴿ أن نقول ﴾ ثم إن كلمة ﴿ كن ﴾ متقدمة على المكون بزمان واحد، والمتقدم على المحدث بزمان يكون محدثاً، فتلخص من هذه الدلائل أن الكلام المسموع لا بد أن يكون محدثاً.

هذا تلخيص ما قاله الإمام فخر الدين الرازي، ولعل لنا فيه نظراً.

ولما حكى الله  عن الكفار ما حكى من إنكار البعث والجزاء لم يبعد منهم - والحالة هذه - إيذاء المسلمين وإنزال الضرر والهوان بهم وحينئذٍ يلزمهم أن يهاجروا تلك الديار فذكر ثواب المهاجرين قائلاً ﴿ والذين هاجروا في الله ﴾ أي في حقه وسبيله ﴿ من بعد ما ظلموا لنبوّئنهم في الدنيا ﴾ مثوبة ﴿ حسنة ﴾ أو مباءة حسنة هي المدينة أوهم أهلها ونصروهم قاله الحسن والشعبي وقتادة.

وقيل: لننزلنهم منزلة حسنة هي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم، بل على العرب قاطبة بل على أهل المشرق والمغرب.

قال ابن عباس: نزلت الآية في جماعة - منهم صهيب وبلال وعمار وخباب- جعل المشركون يعذبونهم ليردوهم عن الإسلام فقال صهيب: أنا رجل كبير إن كنت معكم لم أنفعكم وإن كنت عليكم لم أضركم فافتدى منهم بماله وهاجر، فلما رآه أبو بكر قال له: ربح البيع يا صهيب، وقال له عمر: نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه.

أما الضمير في قوله: ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ فإما أن يرجع إلى الكفار أي لو علموا أن الله يجمع لهؤلاء المستضعفين خير الدارين لرغبوا في دينهم، وإما أن يعود إلى المهاجرين أي لو علموا أن أجر الآخرة أكبر لزادوا في اجتهادهم وصبرهم.ثم مدحهم بقوله: ﴿ الذين صبروا ﴾ على هم الذين أو أعني الذين.

والمراد صبرهم على العذاب وعلى مفارقة الوطن الذي هو حرم الله، وعلى المجاهدة في سبيل الله بالنفوس والأموال.

قال المحققون: الصبر حبس النفس على خلاف ما تشتهيه من اللذات العاجلة وهو مبدأ السلوك، والتوكل هو الانقطاع بالكلية عما سوى الحق وهو آخر الطريق والله ولي التوفيق.

فإن العارفين بالصبر ساروا وبالتوكل طاروا ثم في الله حاروا حسبي الله ونعم الوكيل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ .

أي: قال الأتباع للرؤساء: ماذا أنزل ربكم؟

قال الرؤساء: أنزل أساطير الأولين، [أو يخرج على الإضمار، كأنهم قالوا لهم: ماذا يقول إنه أنزل ربكم عليه؟

فقالوا عند ذلك: أساطير الأولين، وإلا لا يحتمل أن يكون ذكروا أساطير الأولين] جواب سؤالهم: ماذا أنزل ربكم؟

مفرداً؛ لأنهم كانوا يقرون بالله بقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ وهؤلاء شفعاؤنا عند الله؛ فلا يحتمل أن يكونوا إذا سئلوا ماذا أنزل ربكم؛ فيقولون: أساطير الأولين إلا أن يكون في السؤال زيادة قول، أو في الجواب إضمار؛ فيكون - والله أعلم - كأنه قال: وإذا قيل لهم: ماذا يزعم هذا أنه أنزل عليه ربكم؟

قالوا عند ذلك: إنه يقول: أساطير الأولين؛ كقوله: ﴿ وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ  ﴾ أي: قالوا: يا أيها الذي يزعم أنه نزل عليه الذكر.

أو يكون قوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ فقالوا: لم ينزل الله شيئاً إنما يقول أساطير الأولين، ومثل هذا يحتمل أن يكون.

وقوله: ﴿ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ قال أبو عوسجة: أحاديث الأولين والواحد أسطور، وهي الأحاديث المختلقة؛ كقوله: ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ  ﴾ ؛ أي: لا أصل له؛ وأصله الكذب.

وهكذا عادة أولئك الكفرة يقولون للأنباء: أساطير الأولين، وكانوا ينسبون ما يقرأ عليهم إلى السحر، ولو كان في الحقيقة سحراً أو أحاديث الأولين كان دليلا له.

أو قالوا ذلك على الاستهزاء [له]، وذلك جائز أن يخرج قولهم ذلك على الاستهزاء.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: [أنه يحتمل:] أنهم يحملون أوزارهم كاملة؛ يعني الذين قالوا للرسل: أساطير الأولين، ومن أوزار الذين يقلدون رسلهم، ووفدهم الذين بعثوا عن السؤال عن رسول الله  ؛ فحملوا أوزار أنفسهم؛ وأوزار [الرسل وأوزار] الذين يقلدون الرسل ويقتدون بهم بغير علم؛ لأنهم لم يعلموا أن أولئك يقتدون بالرسل فيضلون، وهم وإن لم يعلموا فذلك عليهم؛ لأنهم هم الذين سنوا ذلك؛ وهو كما روي: "من سَنَّ سنّة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" ويحتمل: ليحملوا أوزارهم ومن أوزار الذين طمعوا الإسلام؛ إذا أسلموا سقط تلك الأوزار عنهم.

وقوله: ﴿ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ ﴾ : هم لم يفعلوا ما فعلوا ليحملوا أوزارهم، ولكن معناه - والله أعلم - أي: ليصيروا حاملين لأوزارهم والذين أضلّوهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ يحتمل ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أي: بسفه.

﴿ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ ﴾ أي: ساء ما يحملون.

وقوله: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أي: لم يعلموا أن تصير أوزارهم عليهم، أو لم يعلموا ما يلحق بهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ .

لم يزل كانت عادة الكفرة بالمكر برسل الله؛ والكيد لهم، وكذلك مكر كفار مكة برسول الله، يذكر هذا - والله أعلم - لرسول الله ليصبره على أذاهم إياه؛ كما صبر أولئك على مكر قومهم وترك مكافأتهم إياهم؛ كقوله: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ .

ثم مكرهم الذي ذكر كان يخرج على وجهين: أحدهما: فيما جاءت به الرسل؛ كانوا يتكلفون تلبيس ما جاءت به الرسل على قومهم.

والثاني: يرجع مكرهم إلى أنفس الرسل؛ من الهم بقتلهم وإخراجهم من بين أظهرهم؛ ونحوه، فخوف بذلك أهل مكة بصنيعهم لرسول الله؛ أن ينزل بهم كما نزل بأولئك الذين مكروا برسلهم؛ لئلا يعاملوه بمثل معاملة أولئك رسلهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ ﴾ .

قال الحسن: هذا على التمثيل بالبناء الذي بني على غير أساس؛ ينهدم ولا يعلم من أي: سبب انهدم، فعلى ذلك مكرهم يبطل ويتلاشى؛ كالبناء الذي بني على غير أساس ويشبه أن يكون على التمثيل من غير هذا الوجه؛ وهو أنهم قد مكروا وأحكموا مكرهم بهم؛ فيتحصنون بذلك؛ كالبناء الذي يتحصن به؛ فأبطل الله مكرههم؛ كقوله: ﴿ وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً...

﴾ الآية [النمل: 50]، وقوله: ﴿ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ...

﴾ الآية [آل عمران: 54].

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ .

هو ما ذكرنا من إبطال مكرهم الذي به كانوا يتحصنون؛ كوقوع السقف الذي به يتحصن من أنواع الأذى والشرور.

ويحتمل على التحقيق؛ وهو ما نزل بقوم لوط؛ من الخسف، وتقليب البنيان، وإمطار الحجر عليها.

وأما ما ذكر بعض أهل التأويل: من الصرح [الذي] بنى نمرود وبنيانه، ووقوعه عليهم؛ فإنا لا نعلم ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَتَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ .

كذلك كان يأتي العذاب الظلمة الكذبة؛ من حيث لا علم لهم بذلك؛ كقوله: ﴿ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً...

﴾ الآية [الأعراف: 95] وقوله: ﴿ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ  ﴾ هو من الإتيان، ومعلوم أنه لا يفهم من إتيانه الانتقال من مكان إلى مكان، ولكن إتيان عذابه، أضيف إليه الإتيان؛ لما بأمره يأتيهم، ومنه [...]، فعلى ذلك لا يفهم من قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ...

﴾ الآية [البقرة: 210] إتيانُ الانتقال ومجيئه من مكان إلى مكان، وقد ذكرنا هذا وأمثاله في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ ﴾ .

أخبر أنه يخزيهم يوم القيامة بعد ما عذبهم في الدنيا؛ بقوله: ﴿ وَأَتَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ .

وقوله: ﴿ يُخْزِيهِمْ ﴾ : قال أهل التأويل: يعذبهم، وكأن الإخزاء هو الإذلال، والإهانة، والفضح، يذلهم، ويهينهم، ويفضحهم في الآخرة؛ مكان ما كان منهم من الاستكبار، والتجبر على النبي وأصحابه، وكذلك قوله: ﴿ يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ  ﴾ أي: لا يذلهم، ولا يهينهم؛ لتواضعه للمؤمنين، وخفض جناحه لهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ﴾ أي: تعادون أوليائي فيهم، أو تعادونني فيهم.

وقوله: ﴿ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ﴾ ليس له بشركاء؛ ولكن أضاف إلى نفسه: شركائي؛ على زعمهم في الدنيا أنها شركاؤه، وكذلك قوله: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ  ﴾ أي: إلى ما في زعمهم؛ وتسميتهم إياها آلهة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ﴾ أي: كنتم تخالفون فيهم وتعادون؛ أي: تخالفون المؤمنين في عبادتهم إياها؛ لأنهم يقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، وهم شفعاؤنا عند الله، ونحوه، كانوا يخالفون المؤمنين، وكانوا يشاقّون في ذلك؛ إلا أنه أضاف ذلك إلى نفسه لأنهم أولياؤه، وأنصار دين الله، وأضاف إليه المخالفة والمشاقّة لأنهم خالفوا أمر الله.

وقوله: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ﴾ .

قال أهل التأويل: الذي أوتوا العلم الملائكة الكرام الكاتبون، [لكن] هم وغيرهم من المؤمنين محتمل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْخِزْيَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوۤءَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ أي: الذل والهوان والافتضاح وكل سوء على الكافرين هكذا يقابل كل معاند ومكابر في حجج الله وبراهينه مكان استكبارهم وتجبرهم في الدنيا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ ﴾ .

قال الحسن: تتوفاهم الملائكة من بين يدي الله يوم الحساب إلى النار.

وقال بعضهم: تتوفاهم الملائكة - وقت قبض أرواحهم - ظالمي أنفسهم بالشرك والكفر بالله.

وعلى تأويل الحسن: يكون قوله: ﴿ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ في الدنيا، ويجوز أن يوصفوا بالظلم في الآخرة أيضاً؛ بكذبهم فيها في قولهم: ﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ ﴾ وقولهم: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ وأمثاله من الكذب؛ حيث ينكرون الإشراك في ألوهية الله وعبادته، كأن هذا الإنكار والكذب منهم في أول حالهم، ظنّاً منهم أن ذلك ينفعهم، فإذا لم ينفعهم إنكارهم طلبوا الرد إلى الدنيا، أو إلى حال الأمن؛ ليعملوا غير الذي عملوا؛ كقولهم: ﴿ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ  ﴾ فإذا لم يردّوا وأيسوا عن ذلك؛ فعند ذلك أنطق الله جوارحهم؛ حتى تشهد عليهم بما كان منهم فعند ذلك يقرون، ويعترفون بذنوبهم؛ كقوله: ﴿ فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ ﴾ قال بعضهم: يسلمون ويستسلمون لأمر الله، ولكن لو كان ما ذكروا لم يكونوا ينكرون عمل السوء، كقولهم: ما كنا نعمل من سوء.

وقال بعضهم: ﴿ فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ ﴾ : هو الاستخزاء، والخضوع والتضرع.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ ﴾ عند الموت يؤمنون عند معاينة ذلك، أو سلموا عليهم في الآخرة على ما رأوا في الدنيا المؤمنين يسلم بعضهم على بعض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ ﴾ في الآخرة، والله أعلم بذلك، فأكذبهم الله في قولهم: ﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ ﴾ ؛ فقال: ﴿ بَلَىٰ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ هذا وعيد يخبر ألا يجوز كذبهم في الآخرة، ولا يحتمل كما جاز في الدنيا؛ ولم يظهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ وقوله: ﴿ فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ ﴾ أي: بئس مقام المتكبرين الذين تكبروا على دين الله، أو تكبروا على ما جاء به الرسل من الله، وما أنزل الله عليهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ويقال لهم: ادخلوا حسب أعمالكم أبواب جهنم ماكثين فيها أبدًا، فَلَساءت مقرًّا للمتكبرين عن الإيمان بالله وعبادته وحده.

<div class="verse-tafsir" id="91.oe6wl"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد