الآية ٣٠ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٣٠ من سورة النحل

۞ وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۚ قَالُوا۟ خَيْرًۭا ۗ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌۭ ۚ وَلَدَارُ ٱلْـَٔاخِرَةِ خَيْرٌۭ ۚ وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ ٣٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 70 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٠ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٠ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا خبر عن السعداء ، بخلاف ما أخبر به عن الأشقياء ، فإن أولئك قيل لهم : ( ماذا أنزل ربكم ) فقالوا معرضين عن الجواب : لم ينزل شيئا ، إنما هذا أساطير الأولين .

وهؤلاء ( قالوا خيرا ) أي : أنزل خيرا ، أي : رحمة وبركة وحسنا لمن اتبعه وآمن به .

ثم أخبروا عما وعد الله [ به ] عباده فيما أنزله على رسله فقالوا : ( للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ) كما قال تعالى : ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) [ النحل : 97 ] أي : من أحسن عمله في الدنيا أحسن الله إليه في الدنيا والآخرة .

ثم أخبر بأن دار الآخرة خير ، أي : من الحياة الدنيا ، والجزاء فيها أتم من الجزاء في الدنيا ، كما قال تعالى : ( وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير ) [ القصص : 80 ] وقال تعالى : ( وما عند الله خير للأبرار ) [ آل عمران : 198 ] وقال تعالى ( والآخرة خير وأبقى ) [ الأعلى : 17 ] وقال لرسوله - صلى الله عليه وسلم - : ( وللآخرة خير لك من الأولى ) [ الضحى : 4 ] .

ثم وصفوا الدار الآخرة فقالوا : ( ولنعم دار المتقين )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: وقيل للفريق الآخر ، الذين هم أهل إيمان وتقوى لله ( مَاذَا أَنـزلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا ) يقول: قالوا: أنـزل خيرا.

وكان بعض أهل العربية من الكوفيين يقول: إنما اختلف الأعراب في قوله قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ وقوله (خَيْرًا) والمسألة قبل الجوابين كليهما واحدة، وهي قوله ( مَاذَا أَنـزلَ رَبُّكُمْ ) لأن الكفار جحدوا التنـزيل، فقالوا حين سمعوه: أساطير الأوّلين: أي هذا الذي جئت به أساطير الأوّلين ، ولم ينـزل الله منه شيئا ، وأما المؤمنون فصدَّقوا التنـزيل، فقالوا خيرا ، بمعنى أنه أنـزل خيرا، فانتصب بوقوع الفعل من الله على الخير، فلهذا افترقا ثم ابتدأ الخبر فقال ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ) وقد بيَّنا القول في ذلك فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته.

وقوله ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ) يقول تعالى ذكره: للذين آمنوا بالله في هذه الدنيا ورسوله ، وأطاعوه فيها ، ودعوا عباد الله إلى الإيمان والعمل بما أمر الله به ،حسنة ، يقول: كرامة من الله ( وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ) يقول: ولدار الآخرة خير لَهُمْ مِنْ دَارِ الدُّنْيا، وكرامة الله التي أعدّها لهم فيها أعظم من كرامته التي عجلها لهم في الدنيا( وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ) يقول: ولنعم دار الذين خافوا الله في الدنيا فاتقوا عقابه بأداء فرائضه وتجنب معاصيه دار الآخرة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنـزلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ) وهؤلاء مؤمنون، فيقال لهم ( مَاذَا أَنـزلَ رَبُّكُمْ ) فيقولون ( خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ) : أي آمنوا بالله وأمروا بطاعة الله، وحثوا أهل طاعة الله على الخير ودعوهم إليه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي الله المتقين الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملونقوله تعالى : وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا أي قالوا : أنزل خيرا ; وتم الكلام .

وماذا على هذا اسم واحد .

وكان يرد الرجل من العرب مكة في أيام الموسم فيسأل المشركين عن محمد - عليه السلام - فيقولون : ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون .

ويسأل المؤمنين فيقولون : أنزل الله عليه الخير والهدى ، والمراد القرآن .

وقيل : إن هذا يقال لأهل الإيمان يوم القيامة .

قال الثعلبي : فإن قيل : لم ارتفع الجواب في قوله : أساطير الأولين وانتصب في قوله : خيرا فالجواب أن المشركين لم يؤمنوا بالتنزيل ، فكأنهم قالوا : الذي يقوله محمد هو أساطير الأولين .

والمؤمنين آمنوا بالنزول فقالوا : أنزل خيرا ، وهذا مفهوم معناه من الإعراب ، والحمد لله .قوله تعالى : للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة قيل : هو من كلام الله - عز وجل - .

وقيل : هو من جملة كلام الذين اتقوا .

والحسنة هنا : الجنة ; أي من أطاع الله فله الجنة غدا .

وقيل : للذين أحسنوا اليوم حسنة في الدنيا من النصر والفتح والغنيمةولدار الآخرة خير أي ما ينالون في الآخرة من ثواب الجنة خير وأعظم من دار الدنيا ; لفنائها وبقاء الآخرة .ولنعم دار المتقين فيه وجهان : قال الحسن : المعنى ولنعم دار المتقين الدنيا ; لأنهم نالوا بالعمل فيها ثواب الآخرة ودخول الجنة .

وقيل : المعنى ولنعم دار المتقين الآخرة ; وهذا قول الجمهور .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر الله قيل المكذبين بما أنزل الله، ذكر ما قاله المتقون، وأنهم اعترفوا وأقروا بأن ما أنزله الله نعمة عظيمة، وخير عظيم امتن الله به على العباد، فقبلوا تلك النعمة، وتلقوها بالقبول والانقياد، وشكروا الله عليها، فعلموها وعملوا لها { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا ْ} في عبادة الله تعالى، وأحسنوا إلى عباد الله فلهم { فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً ْ} رزق واسع، وعيشه هنية، وطمأنينة قلب، وأمن وسرور.

{ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ْ} من هذه الدار وما فيها من أنواع اللذات والمشتهيات، فإن هذه نعيمها قليل محشو بالآفات منقطع، بخلاف نعيم الآخرة ولهذا قال: { وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ْ}

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وقيل للذين اتقوا ) وذلك أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي صلى الله عليه وسلم فإذا جاء سأل الذين قعدوا على الطرق عنه ، فيقولون : ساحر ، كاهن ، شاعر ، كذاب ، مجنون ، ولو لم تلقه خير لك ، فيقول السائل : أنا شر وافد إن رجعت إلى قومي دون أن أدخل مكة فألقاه ، فيدخل مكة فيرى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيخبرونه بصدقه وأنه نبي مبعوث .

فذلك قوله : ( وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا ) يعني : أنزل خيرا .

ثم ابتدأ فقال : ( للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ) كرامة من الله .

قال ابن عباس : هي تضعيف الأجر إلى العشر .

وقال الضحاك : هي النصر والفتح .

وقال مجاهد : هي الرزق الحسن .

( ولدار الآخرة ) أي ولدار الحال الآخرة ، ( خير ولنعم دار المتقين ) قال الحسن : هي الدنيا; لأن أهل التقوى يتزودون فيها للآخرة .

وقال أكثر المفسرين : هي الجنة

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقيل للذين اتقوْا» الشرك «ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً للذين أحسنوا» بالإيمان «في هذه الدنيا حسنة» حياة طيبة «ولدار الآخرة» أي الجنة «خير» من الدنيا وما فيها قال تعالى فيها «ولنعم دار المتقين» هي.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإذا قيل للمؤمنين الخائفين من الله: ما الذي أنزل الله على النبي محمد صلى الله عليه وسلم؟

قالوا: أنزل الله عليه الخير والهدى.

للذين آمنوا بالله ورسوله في هذه الدنيا، ودَعَوْا عباد الله إلى الإيمان والعمل الصالح، مَكْرُمَة كبيرة من النصر لهم في الدنيا، وسَعَة الرزق، ولَدار الآخرة لهم خير وأعظم مما أُوتوه في الدنيا، ولَنِعْم دارُ المتقين الخائفين من الله الآخرةُ.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

فقوله - سبحانه - : ( وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتقوا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً .

.

) بيان لما رد به المؤمنون الصادقون ، على من سألهم عما أنزله الله - تعالى - على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم .وهو معطوف على ما قبله ، للمقابلة بين ما قاله المتقون ، وما قاله المستكبرون .ووصفهم بالتقوى ، للاشعار بأن صيانتهم لأنفسهم عن ارتكاب ما نهى الله - تعالى - عنه ، وخوفهم منه - سبحانه - ومراقبتهم له ، كل ذلك حملهم على أن يقولوا هذا القول السديد .

وكلمة ( خيرا ) مفعول لفعل محذوف أى : أنزل خيرا .

أى : رحمة وبركة ونورا وهداية ، إذ لفظ ( خيرا ) من الألفاظ الجامعة لكل فضيلة .قال صاحب الكشاف : فان قلت لم نصب هذا ورفع الأول؟

.قلت : فَصْلاً بين جواب المقر وجواب الجاحد ، يعنى أن هؤلاء لما سئلوا لم يتلعثموا وأطبقوا الجواب على السؤال بينا مكشوفا مفعولا للإِنزال ، فقالوا خيرا .

أى أنزل خيرا .

وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا : هو أساطير الأولين وليس من الإِنزال فى شئ .وقوله - سبحانه - : ( لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ ) جملة مستأنفة لبيان ماوعدهم به - تعالى - على أعمالهم الصالحة من أجر وثواب .أى : هذه سنتنا فى خلقنا أننا نجازى الذين يعملون الصالحات بالجزاء الحسن الكريم ، دون أن نضيع من أعمالهم شيئا .وقوله ( حسنة ) صفة لموصوف محذوف أى : مجازاة حسنة بسبب أعمالهم الصالحة .كما قال - تعالى - فى آية أخرى : ( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) ثم بين - سبحانه - جزاءهم فى الآخرة فقال : ( وَلَدَارُ الآخرة خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ المتقين ) .

والمراد بدار المتقين : الجنة ونعيمها .و ( خير ) صيغة تفضيل ، حذفت همزتها لكثرة الاستعمال على سبيل التخفيف ، كما قال ابن مالك :وغالبا أغناهم خير وشر ...

عن قولهم أخير منه وأشرونعم : فعل ماض لإِنشاء المدح ، وهو ضد بئس .والمعنى : ولدار الآخرة ومافيها من عطاء غير مقطوع ، خير لهؤلاء المتقين مما أعطيناهم فى الدنيا ، ولنعم دارهم هذه الدار .

قال - تعالى - : ( بَلْ تُؤْثِرُونَ الحياة الدنيا والآخرة خَيْرٌ وأبقى ) ووصفها - سبحانه - بالآخرة ، لأنها آخر المنازل ، فلا انتقال عنها إلى دار أخرى ، كما قال - تعالى - : ( خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً ) والمخصوص بالمدح محذوف لتقدم ما يدل عليه ، والتقدير : ولنعم دار المتقين ، دار الآخرة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين أحوال الأقوام الذين إذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم؟

قالوا: أساطير الأولين.

وذكر أنهم يحملون أوزارهم ومن أوزار أتباعهم، وذكر أن الملائكة تتوفاهم ظالمي أنفسهم، وذكر أنهم في الآخرة يلقون السلم، وذكر أنه تعالى يقول لهم ادخلوا أبواب جهنم، أتبعه بذكر وصف المؤمنين الذين إذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم؟

قالوا خيراً، وذكر ما أعده لهم في الدنيا والآخرة من منازل الخيرات ودرجات السعادات ليكون وعد هؤلاء مذكوراً مع وعيد أولئك وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال القاضي: يدخل تحت التقوى أن يكون تاركاً لكل المحرمات فاعلاً لكل الواجبات، ومن جمع بين هذين الأمرين فهو مؤمن كامل الإيمان، وقال أصحابنا: يريد الذين اتقوا الشرك وأيقنوا أنه لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأقول: هذا أولى مما قاله القاضي، لأنا بينا أنه يكفي في صدق قوله فلان قاتل أو ضارب كونه آتياً بقتل واحد وضرب واحد، ولا يتوقف صدق هذا الكلام على كونه آتياً بجميع أنواع القتل وجميع أنواع الضرب، فعلى هذا قوله: ﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتقوا ﴾ يتناول كل من أتى بنوع واحد من أنواع التقوى إلا أنا أجمعنا على أنه لابد من التقوى عن الكفر والشرك فوجب أن لا يزيد على هذا القيد لأنه لما كان تقييد المطلق خلاف الأصل، كان تقييد المقيد أكثر مخالفة للأصل، وأيضاً فلأنه تعالى إنما ذكر هؤلاء في مقابلة أولئك الذين كفروا وأشركوا، فوجب أن يكون المراد من اتقى عن ذلك الكفر والشرك، والله أعلم.

المسألة الثانية: لقائل أن يقول: إنه قال في الآية الأولى، قالوا أساطير الأولين، وفي هذه الآية قالوا خيراً، فلم رفع الأول ونصب هذا؟.

أجاب صاحب الكشاف عنه بأن قال: المقصود منه الفصل بين جواب المقر وجواب الجاحد يعني أن هؤلاء لما سئلوا لم يتلعثموا، وأطبقوا الجواب على السؤال بينا مكشوفاً مفعولاً للإنزال فقالوا خيراً أي أنزل خيراً، وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا هو أساطير الأولين وليس من الإنزال في شيء.

المسألة الثالثة: قال المفسرون هذا كان في أيام الموسم، يأتي الرجل مكة فيسأل المشركين عن محمد وأمره فيقولون إنه ساحر وكاهن وكذاب، فيأتي المؤمنين ويسألهم عن محمد وما أنزل الله عليه فيقولون خيراً، والمعنى: أنزل خيراً.

ويحتمل أن يكون المراد الذي قالوه من الجواب موصوف بأنه خير، وقولهم خير جامع لكونه حقاً وصواباً، ولكونهم معترفين بصحته ولزومه فهو بالضد من قول الذين لا يؤمنون بالآخرة، أن ذلك أساطير الأولين على وجه التكذيب.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ﴾ وما بعده بدل من قوله: ﴿ خَيْرًا ﴾ وهو حكاية لقول الذين اتقوا، أي قالوا هذا القول، ويجوز أيضاً أن يكون قوله: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ﴾ إخباراً عن الله، والتقدير: إن المتقين لما قيل لهم: ﴿ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا ﴾ ثم إنه تعالى أكد قولهم وقال: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ ﴾ وفي المراد بقوله: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ﴾ قولان، أما الذين يقولون: إن أهل لا إله إلا الله يخرجون من النار فإنهم يحملونه على قول لا إله إلا الله مع الاعتقاد الحق، وأما المعتزلة الذين يقولون: إن فساق أهل الصلاة لا يخرجون من النار يحملون قوله: ﴿ أَحْسَنُواْ ﴾ على من أتى بالإيمان وجميع الواجبات واحترز عن كل المحرمات.

وأما قوله: ﴿ فِى هذه الدنيا ﴾ ففيه قولان: القول الأول: أنه متعلق بقوله: ﴿ أَحْسَنُواْ ﴾ والتقدير: للذين اتقوا بعمل الحسنة في الدنيا فلهم في الآخرة حسنة، وتلك الحسنة هي الثواب العظيم، وقيل: تلك الحسنة هو أن ثوابها يضاعف بعشر مرات وبسبعمائة وإلى ما لا نهاية له.

والقول الثاني: أن قوله: ﴿ فِى هذه الدنيا ﴾ متعلق بقوله: ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ والتقدير: للذين أحسنوا أن تحصل لهم الحسنة في الدنيا، وهذا القول أولى، لأنه قال بعده: ﴿ وَلَدَارُ الأخرة خَيْرٌ ﴾ وعلى هذا التقدير ففي تفسير هذه الحسنة الحاصلة في الدنيا وجوه: الأول: يحتمل أن يكون المراد ما يستحقونه من المدح والتعظيم والثناء والرفعة، وجميع ذلك جزاء على ما عملوه.

والثاني: يحتمل أن يكون المراد به الظفر على أعداء الدين بالحجة وبالغلبة لهم، وباستغنام أموالهم وفتح بلادهم، كما جرى ببدر وعند فتح مكة، وقد أجلوهم عنها وأخرجوهم إلى الهجرة، وإخلاء الوطن، ومفارقة الأهل والولد وكل ذلك مما يعظم موقعه.

والثالث: يحتمل أن يكون المراد أنهم لما أحسنوا بمعنى أنهم أتوا بالطاعات فتح الله عليهم أبواب المكاشفات والمشاهدات والألطاف كقوله تعالى: ﴿ والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى  ﴾ .

وأما قوله: ﴿ وَلَدَارُ الأخرة خَيْرٌ ﴾ فقد بينا في سورة الأنعام في قوله: ﴿ وَلَلدَّارُ الأخرة خَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ  ﴾ بالدلائل القطعية العقلية حصول هذا الخير، ثم قال: ﴿ وَلَنِعْمَ دَارُ المتقين ﴾ أي لنعم دار المتقين دار الآخرة، فحذفت لسبق ذكرها، هذا إذا لم تجعل هذه الآية متصلة بما بعدها، فإن وصلتها بما بعدها قلت: ولنعم دار المتقين جنات عدن فترفع جنات على أنها اسم لنعم، كما تقول: نعم الدار دار ينزلها زيد.

وأما قوله: ﴿ جنات عَدْنٍ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنها إن كانت موصولة بما قبلها، فقد ذكرنا وجه ارتفاعها، وأما إن كانت مقطوعة، فقال الزجاج: جنات عدن مرفوعة بإضمار هي كأنك لما قلت ولنعم دار المتقين قيل: أي دار هي هذه الممدوحة فقلت: هي جنات عدن، وإن شئت قلت: جنات عدن رفع بالإبتداء، ويدخلونها خبره، وإن شئت قلت: نعم دار المتقين خبره، والتقدير: جنات عدن نعم دار المتقين.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ جنات ﴾ يدل على القصور والبساتين وقوله: ﴿ عَدْنٍ ﴾ يدل على الدوام، وقوله: ﴿ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ يدل على أنه حصل هناك أبنية يرتفعون عليها وتكون الأنهار جارية من تحتهم، ثم إنه تعالى قال: ﴿ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءونَ ﴾ وفيه بحثان: الأول: أن هذه الكلمة تدل على حصول كل الخيرات والسعادات، وهذا أبلغ من قوله: ﴿ فِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس وَتَلَذُّ الأعين  ﴾ لأن هذين القسمين داخلان في قوله: ﴿ لَّهُمْ فِيهَا مَا يشاؤن ﴾ مع أقسام أخرى.

الثاني: قوله: ﴿ لَّهُمْ فِيهَا مَا يشاؤن ﴾ يعني هذه الحالة لا تحصل إلا في الجنة، لأن قوله: ﴿ لَّهُمْ فِيهَا مَا يشاؤن ﴾ يفيد الحصر، وذلك يدل على أن الإنسان لا يجد كل ما يريده في الدنيا.

ثم قال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يَجْزِى الله المتقين ﴾ أي هكذا جزاء التقوى، ثم إنه تعالى عاد إلى وصف المتقين فقال: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طَيّبِينَ ﴾ وهذا مذكور في مقابلة قوله: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ  ﴾ وقوله: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ﴾ صفة للمتقين في قوله: ﴿ كَذَلِكَ يَجْزِى الله المتقين ﴾ وقوله: ﴿ طَيّبِينَ ﴾ كلمة مختصرة جامعة للمعاني الكثيرة، وذلك لأنه يدخل فيه إتيانهم بكل ما أمروا به، واجتنابهم عن كل ما نهوا عنه ويدخل فيه كونهم موصوفين بالأخلاق الفاضلة مبرئين عن الأخلاق المذمومة، ويدخل فيه كونهم مبرئين عن العلائق الجسمانية متوجهين إلى حضرة القدس والطهارة، ويدخل فيه أنه طاب لهم قبض الأرواح وأنها لم تقبض إلا مع البشارة بالجنة حتى صاروا كأنهم مشاهدون لها ومن هذا حاله لا يتألم بالموت، وأكثر المفسرين على أن هذا التوفي هو قبض الأرواح، وإن كان الحسن يقول: إنه وفاة الحشر، ثم بين تعالى أنه يقال لهم عند هذه الحالة: ﴿ ادخلوا الجنة ﴾ فاحتج الحسن بهذا على أن المراد بذلك التوفي وفاة الحشر، لأنه لا يقال عند قبض الأرواح في الدنيا ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون، ومن ذهب إلى القول الأول وهم الأكثرون يقولون: إن الملائكة لما بشروهم بالجنة صارت الجنة كأنها دارهم وكأنهم فيها فيكون المراد بقولهم، ادخلوا الجنة أي هي خاصة لكم كأنكم فيها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ خَيْرًا ﴾ أنزل خيراً فإن قلت: لم نصب هذا ورفع الأول؟

قلت: فصلا بين جواب المقرّ وجواب الجاحد، يعني أن هؤلاء لما سئلوا لم يتلعثموا، وأطبقوا الجواب على السؤال بينا مكشوفاً مفعولاً للإنزال، فقالوا خيراً: أي أنزل خيراً، وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا: هو أساطير الأوّلين، وليس من الإنزال في شيء.

وروي أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا جاء الوافد كفه المقتسمون وأمروه بالانصراف وقالوا: إن لم تلقه كان خيراً لك، فيقول: أنا شرّ وافد إن رجعت إلى قومي دون أن أستطلع أمر محمد وأراه، فيلقى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبرونه بصدقه، وأنه نبيّ مبعوث، فهم الذين قالوا خيراً.

وقوله: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ﴾ وما بعده بدل من خيراً، حكاية لقوله: ﴿ لّلَّذِينَ اتقوا ﴾ أي: قالوا هذا القول، فقدّم عليه تسميته خيراً ثم حكاه.

ويجوز أن يكون كلاماً مبتدأ عدة للقائلين، ويجعل قولهم من جملة إحسانهم ويحمدوه عليه ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ مكافأة في الدنيا بإحسانهم، ولهم في الآخرة ما هو خير منها، كقوله ﴿ فاتاهم الله ثَوَابَ الدنيا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخرة ﴾ [آل عمران: 148] ﴿ وَلَنِعْمَ دَارُ المتقين ﴾ دار الآخرة، فحذف المخصوص بالمدح لتقدّم ذكره.

و ﴿ جنات عَدْنٍ ﴾ خبر مبتدأ محذوف ويجوز أن يكون المخصوص بالمدح ﴿ طَيّبِينَ ﴾ طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر والمعاصي.

لأنه في مقابلة ظالمي أنفسهم ﴿ يَقُولُونَ سلام عَلَيْكُمُ ﴾ قيل: إذا أشرف العبد المؤمن على الموت جاءه ملك فقال: السلام عليك يا وليّ الله، الله يقرأ عليك السلام، وبشره بالجنة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ.

﴿ ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا ﴾ أيْ أنْزَلَ خَيْرًا، وفي نَصْبِهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَتَلَعْثَمُوا في الجَوابِ، وأطْبَقُوهُ عَلى السُّؤالِ مُعْتَرِفِينَ بِالإنْزالِ عَلى خِلافِ الكَفَرَةِ.

رُوِيَ أنَّ أحْياءَ العَرَبِ كانُوا يَبْعَثُونَ أيّامَ المَوْسِمِ مَن يَأْتِيهِمْ بِخَبَرِ النَّبِيِّ  ، فَإذا جاءَ الوافِدُ مِنَ المُقْتَسِمِينَ قالُوا لَهُ ما قالُوا وإذا جاءَ المُؤْمِنِينَ قالُوا لَهُ ذَلِكَ.

﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ﴾ مُكافَأةٌ في الدُّنْيا.

﴿ وَلَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ﴾ أيْ ولَثَوابُهم في الآخِرَةِ خَيْرٌ مِنها، وهو عُدَّةٌ لِلَّذِينِ اتَّقَوْا عَلى قَوْلِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِما بَعْدَهُ حِكايَةً لِقَوْلِهِمْ بَدَلًا وتَفْسِيرًا لِـ ﴿ خَيْرًا ﴾ عَلى أنَّهُ مُنْتَصِبٌ بِـ ﴿ قالُوا ﴾ .

﴿ وَلَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ ﴾ دارُ الآخِرَةِ فَحُذِفَتْ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتقوا} الشرك {مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا} وإنما نصب هذا ورفع أساطير لأن التقدير هنا أنزل خيراً فأطبقوا الجواب على السؤال وثمة التقدير هو أساطير الأولين فعدلوا بالجواب عن السؤال {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هذه الدنيا} أي آمنوا وعملوا الصالحات أو قالوا لا إله إلا الله {حَسَنَةٌ} بالرفع أي ثواب وأمن وغنيمة وهو بدل من خيرا لقول الذين اتقوا أي قالوا هذا القول فقدم عليه تسميته خيرا ثم حكاه

النحل (٣٠ _ ٣٥)

أو هو كلام مستأنف عدة للقائلين وجعل قولهم

من جملة إحسانهم {وَلَدَارُ الاخرة خَيْرٌ} أي لهم في الآخرة ما هو خير عنها كقوله فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة {وَلَنِعْمَ دَارُ المتقين} دار الآخرة فحذف المخصوص بالمدح لتقدم ذكره

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ أيِ المُؤْمِنِينَ، وُصِفُوا بِذَلِكَ إشْعارًا بِأنَّ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الجَوابِ ناشِئٌ مِنَ التَّقْوى.

﴿ ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا ﴾ أيْ أنْزَلَ خَيْرًا فَـ ماذا اسْمٌ واحِدٌ مُرَكَّبٌ لِلِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى أيُّ شَيْءٍ مَحَلُّهُ النَّصْبُ بِـ ( أنْزَلَ ) وخَيْرًا مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وفي اخْتِيارِ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَتَلَعْثَمُوا في الجَوابِ وأطْبَقُوهُ عَلى السُّؤالِ مُعْتَرِفِينَ بِالإنْزالِ عَلى خِلافِ الكَفَرَةِ حَيْثُ عَدَلُوا بِالجَوابِ عَنِ السُّؤالِ فَقالُوا: هو ( أساطِيرُ الأوَّلِينَ ) ولَيْسَ مِنَ الإنْزالِ في شَيْءٍ.

نَعَمْ قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «خَيْرٌ» بِالرَّفْعِ- فَما- اسْمُ اسْتِفْهامٍ و«ذا» اسْمٌ مَوْصُولٌ بِمَعْنى الَّذِي أيْ أيُّ شَيْءِ الَّذِي أنْزَلَهُ رَبُّكُمْ، (وخَيْرٌ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ فَيَتَوافَقُ جُمْلَتا الجَوابِ والسُّؤالِ في كَوْنِ كُلٍّ مِنهُما جُمْلَةً اسْمِيَّةً، وجَعْلُ ماذا مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ كَما مَرَّ ورَفْعُ ( خَيْرٌ ) عَلى الخَبَرِيَّةِ لِمُبْتَدَأٍ جائِزٌ إلّا أنَّهُ خِلافُ الأوْلى، وفي الكَشْفِ أنَّهُ يَظْهَرُ مِنَ الوُقُوفِ عَلى مُرادِ صاحِبِ الكَشّافِ في هَذا المَقامِ أنَّ فائِدَةَ النَّصْبِ مَعَ أنَّ الرَّفْعَ أقْوى دَفْعُ الِالتِباسِ لِيَكُونَ نَصًّا في المَطْلُوبِ كَما أُوثِرَ النَّصْبُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ  ﴾ لِذَلِكَ ويَنْحَلُّ مُرادُهُ مِن ذَلِكَ بِالرُّجُوعِ إلى ما نَقَلْناهُ عَنْهُ سابِقًا والتَّأمُّلِ فِيهِ فَتَأمَّلْ فَإنَّهُ دَقِيقٌ.

هَذا ولَمْ نَجِدْ في السّائِلِ هُنا خِلافًا كَما في السّائِلِ فِيما تَقَدَّمَ، والَّذِي رَأيْناهُ في كَثِيرٍ مِمّا وقَفْنا عَلَيْهِ مِنَ التَّفاسِيرِ أنَّ السّائِلَ الوَفْدُ الَّذِي كانَ سائِلًا أوَّلًا في بَعْضِ الأقْوالِ المَحْكِيَّةِ هُناكَ، وذُكِرَ أنَّهُ السّائِلُ في المَوْضِعَيْنِ كَثِيرٌ مِنهُمُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، فَقَدْ أخْرَجَ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ فَقالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا  رَجُلٌ حُلْوُ اللِّسانِ إذا كَلَّمَهُ الرَّجُلُ ذَهَبَ بِعَقْلِهِ فانْظُرُوا أُناسًا مِن أشْرافِكُمُ المَعْدُودِينَ المَعْرُوفَةِ أنْسابُهم فابْعَثُوهم في كُلِّ طَرِيقٍ مِن طُرُقِ مَكَّةَ عَلى رَأْسِ لَيْلَةٍ أوْ لَيْلَتَيْنِ فَمَن جاءَ يُرِيدُهُ فَرُدُّوهُ عَنْهُ فَخَرَجَ ناسٌ مِنهم في كُلِّ طَرِيقٍ فَكانَ إذا أقْبَلَ الرَّجُلُ وافِدًا لِقَوْمِهِ يَنْظُرُ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ  فَيَنْزِلُ بِهِمْ قالُوا لَهُ: يا فُلانُ ابْنَ فُلانٍ فَيُعَرِّفُهُ بِنَسَبِهِ ويَقُولُ: أنا أُخْبِرُكَ عَنْ مُحَمَّدٍ  هو رَجُلٌ كَذّابٌ لَمْ يَتَّبِعْهُ عَلى أمْرِهِ إلّا السُّفَهاءُ والعَبِيدُ ومَن لا خَيْرَ فِيهِ وأمّا شُيُوخُ قَوْمِهِ وخِيارُهم فَمُفارِقُونَ لَهُ فَيَرْجِعُ أحَدُهم فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ فَإذا كانَ الوافِدُ مِمَّنْ عَزَمَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عَلى الرَّشادِ فَقالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ قالَ: بِئْسَ الوافِدُ أنا لِقَوْمِي إنْ كُنْتُ جِئْتُ حَتّى إذا بَلَغْتُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ رَجَعْتُ قَبْلَ أنْ ألْقى هَذا الرَّجُلَ وأنْظُرَ ما يَقُولُ وآتِيَ قَوْمِي بِبَيانِ أمْرِهِ فَيَدْخُلُ مَكَّةَ فَيَلْقى المُؤْمِنِينَ فَيَسْألُهم ماذا يَقُولُ مُحَمَّدٌ  فَيَقُولُونَ: خَيْرًا إلَخْ، نَعَمْ يَجُوزُ عَقْلًا أنْ يَكُونَ السّائِلُ بَعْضَهم لِبَعْضٍ لِيَقْوى ما عِنْدَهُ بِجَوابِهِ أوْ لِنَحْوِ ذَلِكَ كالِاسْتِلْذاذِ بِسَماعِ الجَوابِ وكَثِيرًا ما يُسْألُ المُحِبُّ عَمّا يَعْلَمُهُ مِن أحْوالِ مَحْبُوبِهِ اسْتِلْذاذًا بِمُدامَةِ ذِكْرِهِ وتَشْنِيفًا لِسَمْعِهِ بِسِنِي دُرِّهِ ألا فاسْقِنِي خَمْرًا وقُلْ لِي هي الخَمْرُ ولا تَسْقِنِي سِرًّا إذا أمْكَنَ الجَهْرُ بَلْ يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ السّائِلُ مِنَ الكَفَرَةِ المُعانِدِينَ وغَرَضُهُ بِذَلِكَ التَّلاعُبُ والتَّهَكُّمُ ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا ﴾ أتَوْا بِالأعْمالِ الحَسَنَةِ الصّالِحَةِ ﴿ فِي هَذِهِ ﴾ الدّارِ ﴿ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ﴾ مَثُوبَةٌ حَسَنَةٌ جَزاءَ إحْسانِهِمْ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ عَلى مَعْنى أنَّ تِلْكَ الحَسَنَةَ لَهم في الدُّنْيا، والمُرادُ بِها عَلى ما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ النَّصْرُ والفَتْحُ، وقِيلَ: المَدْحُ والثَّناءُ مِنهُ تَعالى، وقالَ الإمامُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَتْحُ بابِ المُكاشَفاتِ والمُشاهَداتِ والألْطافِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى ﴾ وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، وحِينَئِذٍ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مِثْلِهِ مُتَعَلِّقًا بِما بَعُدَ أوَّلًا بَلْ تَكُونُ هَذِهِ الحَسَنَةُ الواقِعَةُ مَثُوبَةً لِإحْسانِهِمْ في الدُّنْيا في الآخِرَةِ، واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى هَذا الِاحْتِمالِ، والمُرادُ بِالحَسَنَةِ حِينَئِذٍ إمّا الثَّوابُ العَظِيمُ الَّذِي أعَدَّهُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ لِلْمُحْسِنِينَ وإمّا التَّضْعِيفُ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلى ما لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ جَلَّ وعَلا، واخْتِيرَ كَوْنُهُ مُتَعَلِّقًا بِما بَعُدَ لِأنَّهُ الأوْفَقُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ﴾ والكَلامُ كَما يُشْعِرُ بِهِ كَلامُ غَيْرِ واحِدٍ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ولَثَوابُ دارِ الآخِرَةِ أيْ ثَوابُهم فِيها خَيْرٌ مِمّا أُوتُوا في الدُّنْيا مِنَ الثَّوابِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى خَيْرٌ عَلى الإطْلاقِ فَيَجُوزُ إسْنادُ الخَيْرِيَّةِ إلى نَفْسِ دارِ الآخِرَةِ ﴿ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ ﴾ أيْ دارُ الآخِرَةِ حُذِفَ لِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ كَما قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ وغَيْرُهُمْ، وهَذا كَلامُ مُبْتَدَأِ عِدَةٍ مِنهُ تَعالى لِلَّذِينِ اتَّقَوْا عَلى قَوْلِهِمْ وهو في الوَعْدِ هاهُنا نَظِيرُ ﴿ لِيَحْمِلُوا أوْزارَهُمْ ﴾ في الوَعِيدِ فِيما مَرَّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( خَيْرًا) مَفْعُولَ ( قالُوا ) وعَمِلَ فِيهِ لِأنَّهُ في مَعْنى الجُمْلَةِ كَقالَ قَصِيدَةً أوْ صِفَةَ مَصْدَرٍ أيْ قَوْلًا خَيْرًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلٌ.

فَمَحَلُّها النَّصْبُ أوْ مُفَسِّرَةٌ لَهُ فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ مَقُولُهم في الحَقِيقَةِ ( لِلَّذِينَ أحْسَنُوا ) إلّا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سَمّاهُ خَيْرًا ثُمَّ حَكاهُ كَما تَقُولُ: قالَ فُلانٌ جَمِيلًا مَن قَصَدَنا وجَبَ حَقُّهُ عَلَيْنا، وعَلى ما ذُكِرَ لا يَكُونُ دَلالَةُ النَّصْبِ عَلى ما مَرَّ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ هُناكَ وإنَّما تَكُونُ مِن حَيْثُ شَهادَةُ اللَّهِ تَعالى بِخَيْرِيَّةِ قَوْلِهِمْ ويُحْتَمَلُ جَعْلُ ذَلِكَ كَما الكَشْفُ مَفْعُولَ ( أنْزَلَ ) ويَكُونُ تَسْمِيَتُهُ خَيْرًا مِنَ اللَّهِ تَعالى كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ  ﴾ لِيُشْعِرَ أوَّلَ ما يَقْرَعُ السَّمْعُ بِالمُطابَقَةِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى فَهْمِ مَعْناهُ، وأمّا قَوْلُهم ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا ﴾ أيْ قالُوا أنْزَلَ هَذِهِ المَقالَةَ فَإنَّ ما يُفْهَمُ مِنَ المُطابَقَةِ بَعْدَ تَدَبُّرِ المَعْنى، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لا يَجُوزُ جَعْلُهُ مَنصُوبًا- بِأنْزَلَ- لِأنَّ هَذا القَوْلَ لَيْسَ مُنَزَّلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ تَفُوتُ المُطابَقَةُ حِينَئِذٍ وهو كَلامٌ ناشِئٌ مِن قِلَّةِ التَّدَبُّرِ.

وفي البَحْرِ الظّاهِرِ أنْ ( لِلَّذِينَ ) إلَخْ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ القَوْلِ وهو تَفْسِيرٌ لِلْخَيْرِ الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في الوَحْيِ، وظاهِرُهُ أنَّهُ وجْهٌ آخَرُ غَيْرَ ما ذُكِرَ وفِيهِ رَدٌّ عَلى الزّاعِمِ أيْضًا، ولَعَلَّ اقْتِصارَهم عَلى هَذا مِن بَيْنِ المُنَزَّلِ لِأنَّهُ كَلامٌ جامِعٌ وفِيهِ تَرْغِيبٌ لِلسّائِلِ، والمُخْتارُ مِن هَذِهِ الأوْجُهِ عِنْدَ جَمْعٍ هو الأوَّلُ بَلْ قِيلَ إنَّهُ الوَجْهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ أي: تقول لهم خزنة جهنم: ادخلوا أبواب جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أي: مقيمين فيها أبداً فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ عن الإيمان.

ثم نزل في المؤمنين الذين يدعون الناس إلى الإيمان، وذلك أن أهل مكة لما بعثوا إلى عقاب مكة رجالاً، ليصدوا الناس عن رسول الله  ، بعث رسول الله  رجالاً من أصحابه إلى عقاب مكة، فكان الوافد إذا قدم قالوا له: إن هؤلاء المشركين كذبوا، بل محمد  يدعو إلى الحق، ويأمر بصلة الرحم، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الخير، فذلك قوله تعالى وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً أي: يدعو إلى الخير لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ أي: للذين وحّدوا الله في هذه الدنيا، لهم الحسنة في الآخرة أي: الجنة وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ أي: أفضل من الدنيا وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ يعني: المطيعين.

قال مقاتل في قوله: قالُوا خَيْراً أي: قالوا للوافد: إنه يأمر بالخير، وينهى عن الشر قالُوا خَيْراً ثم قطع الكلام.

يقول الله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى أي: أحسنوا العمل في هذه الدنيا، لهم حسنة في الآخرة أي: في الجنة وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ يعني: الجنة أفضل من ثواب المشركين الذين يحملون أوزارهم.

ويقال: هذه كلها حكاية كلام المؤمنين، إلى قوله: الْمُتَّقِينَ.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر: تسرون وتعلنون بالتاء على معنى المخاطبة.

وَيُدْعَوْنَ بالياء على معنى المغايبة.

وروي عنه حفص: الثلاث كلها بالياء على معنى المغايبة.

وقرأ الباقون كلها: بالتاء على معنى المخاطبة.

ثم وصف دار المتقين فقال: جَنَّاتُ عَدْنٍ يعني: الدار التي هي للمتقين هي جنات عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ أي: يحبون كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ أي: هكذا يثيب الله المتقين الشرك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)

وقوله سبحانه: وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ...

الآية: لما وصف سبحانه مقالَةَ الكفَّار الذين قالوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ...

[النحل: ٢٤] عادل ذلك بذكر مقالة المؤمنين من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأوجب لكلِّ فريقٍ ما يستحقُّ، وقولهم: خَيْراً جوابٌ بحسبِ السؤالِ، واختلف في قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا ...

إلى آخر الآية، هل هو ابتداء كَلاَمٍ أو هو تفسيرٌ ل «الخير» الذي أَنْزَلَ اللَّه في الوَحْي على نبِّينا خبراً أنَّ من أحسَنَ في الدنيا بالطَّاعة، فله حسنةٌ في الدنيا ونعيمٌ في الآخرة، وروى أنَسُ بنُ مالكٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم قال: «أَنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ المُؤْمِنَ حَسَنَةً يُثَابُ عَلَيْهَا الرِّزْقَ فِي الدُّنْيَا، وَيُجْزَى بِهَا فِي الآخِرَةِ» «١» .

وقوله سبحانه: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ...

الآية: تقدّم تفسير نظيرها، وطَيِّبِينَ: عبارةٌ عن صالح حالهم، واستعدادهم للمَوْت، و «الطَّيِّب» الذي لا خُبْثَ معه، وقولُ الملائكة: سَلامٌ عَلَيْكُمْ: بشارةٌ من اللَّه تعالى، / وفي هذا المعنَى أحاديثُ صحاحٌ يطول ذكْرها، وروى ابن المبارك في «رقائقه» عن محمد بن كَعْب القُرَظِيِّ قال: إِذا استنقعت نَفْسُ العَبْدِ المؤمن، جاءه مَلَكٌ، فقال: السَلامُ علَيْكَ، وليَّ اللَّهِ، اللَّهُ يُقْرِىءُ عَلَيْكَ السَّلاَمَ، ثُمَّ نَزَعَ بهذه الآية: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ...

انتهى.

«٢» .

وقوله سبحانه: بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: علَّق سبحانه دخولَهُمُ الجَنَّة بأعمالهم من حيثُ جعَلَ الأعمالَ أمارةً لإِدخال العَبْدِ الجنَّةِ، ولا معارضة بين الآية، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لاَ يَدْخُلُ أَحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ!» قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

قَالَ: «وَلاَ أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِفَضْلٍ مِنْهُ وَرَحْمَةٍ» «٣» ، فإِن الآية تردُّ بالتأويل إِلى معنى الحديث.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ بَعَثُوا سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا إلى عِقابِ مَكَّةَ أيّامَ الحَجِّ عَلى طَرِيقِ النّاسِ، فَفَرَّقُوهم عَلى كُلِّ عَقَبَةٍ أرْبَعَةُ رِجالٍ، لِيَصُدُّوا النّاسَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  وقالُوا لَهم: مَن أتاكم مِنَ النّاسِ يَسْألُكم عَنْ مُحَمَّدٍ فَلْيَقُلْ بَعْضُكم: شاعِرٌ، وبَعْضُكم: كاهِنٌ، وبَعْضُكم: مَجْنُونٌ، وألّا تَرَوْهُ ولا يَراكم خَيْرٌ لَكم، فَإذا انْتَهَوْا إلَيْنا صَدَّقْناكم، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ  ، فَبَعَثَ إلى كُلِّ أرْبَعَةٍ مِنهم أرْبَعَةً مِنَ المُسْلِمِينَ، فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، فَأُمِرُوا أنْ يُكَذِّبُوهم، فَكانَ النّاسُ إذا مَرُّوا عَلى المُشْرِكِينَ، فَقالُوا ما قالُوا، رَدَّ عَلَيْهِمُ المُسْلِمُونَ، وقالُوا كَذَبُوا، بَلْ يَدْعُو إلى الحَقِّ، ويَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ، ويَدْعُو إلى الخَيْرِ، فَيَقُولُونَ: وما هَذا الخَيْرُ الَّذِي يَدْعُو إلَيْهِ ؟

فَيَقُولُونَ: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ﴾ » .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا خَيْرًا ﴾ أيْ: أنْزَلَ خَيْرًا، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ الخَيْرَ فَقالَ: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا ﴾ قالُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأحْسَنُوا العَمَلَ " حَسَنَةٌ " أيْ: كَرامَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى في الآخِرَةِ، وهي الجَنَّةُ، وقِيلَ: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ﴾ في الدُّنْيا وهي ما رَزَقَهم مِن خَيْرِها وطاعَتِهِ فِيها، ﴿ وَلَدارُ الآخِرَةِ ﴾ يَعْنِي: الجَنَّةَ ﴿ خَيْرٌ ﴾ مِنَ الدُّنْيا.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الجَنَّةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ الآخِرَةُ، غَيْرَ أنَّهُ لَمّا ذُكِرَتْ أوَّلًا، عُرِفَ مَعْناها آخِرًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ جَنّاتُ عَدْنٍ.

والثّانِي: أنَّها الدُّنْيا.

قالَ الحَسَنُ: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ الدُّنْيا، لِأنَّهم نالُوا بِالعَمَلِ فِيها ثَوابَ الآخِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَنّاتُ عَدْنٍ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في (بَراءَةٍ:٧٢) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ " يَتَوَفّاهم " بِياءٍ مَعَ الإمالَةِ.

وفي مَعْنى " طَيِّبِينَ " خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مُؤْمِنِينَ.

والثّانِي: طاهِرِينَ مِنَ الشِّرْكِ.

والثّالِثُ: زاكِيَةٌ أفْعالُهم وَأقْوالُهم.

والرّابِعُ: طَيِّبَةٌ وفاتَهم، سَهْلٌ خُرُوجُ أرْواحِهِمْ.

والخامِسَةُ: طَيِّبَةٌ أنْفُسُهم بِالمَوْتِ، ثِقَةً بِالثَّوابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَقُولُونَ ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ ﴿ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ﴾ .

وَفِي أيِّ وقْتٍ يَكُونُ هَذا [السَّلامُ] فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عِنْدَ المَوْتِ.

قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: يُسَلِّمُ عَلَيْهِ مَلَكُ المَوْتِ إذا دَخَلَ عَلَيْهِ.

وقالَ القُرَظِيُّ: ويَقُولُ لَهُ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ، ويُبَشِّرُهُ بِالجَنَّةِ.

والثّانِي: عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ.

قالَ مُقاتِلٌ: هَذا قَوْلُ خَزَنَةِ الجَنَّةِ لَهم في الآخِرَةِ، يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ فَألْقَوُا السَلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلى إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ ﴾ ﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ ﴾ "الَّذِينَ" نَعْتٌ لِـ "الكافِرِينَ" في قَوْلِ أكْثَرِ المُتَأوِّلِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الَّذِينَ" مُرْتَفِعًا بِالِابْتِداءِ مُنْقَطِعًا مِمّا قَبْلَهُ، وخَبُرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَألْقَوُا السَلَمَ ﴾ فَزِيدَتِ الفاءُ في الخَبَرِ، وقَدْ يَجِيءُ مِثْلُ هَذا.

و"المَلائِكَةُ" يُرِيدُ القابِضِينَ لِأرْواحِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ ﴾ حالٌ-.

و"السَلَمَ" هُنا: الِاسْتِسْلامُ، أيْ: رَمَوْا بِأيْدِيهِمْ وقالُوا: "ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ" فَحَذَفَ "قالُوا" لِدَلالَةِ الظاهِرِ عَلَيْهِ، قالَ الحَسَنُ: هي مَواطِنُ، فَمَرَّةً يُقِرُّونَ عَلى أنْفُسِهِمْ، كَما قالَ: ﴿ وَشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ  ﴾ ، ومُرَّةً يَجْحَدُونَ كَهَذِهِ الآيَةِ، ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُمْ: ﴿ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهم كَذَبُوا وقَصَدُوا الكَذِبَ اعْتِصامًا مِنهم بِهِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: ﴿ واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ  ﴾ ، والآخَرُ أنَّهم أخْبَرُوا عن أنْفُسِهِمْ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْمَلُونَ سُوءًا، فَأخْبَرُوا عن ظَنِّهِمْ بِأنْفُسِهِمْ، وهو كَذِبٌ في نَفْسِهِ، وحُسْنُ الرَدِّ عَلَيْهِمْ في الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا بِـ "بَلى"، أيْ يُقالُ لَهُمْ: بَلى، وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الكُفّارِ.

وإلْقاؤُهُمُ السَلَمَ ضِدُّ مُشاقَتِهِمْ قَبْلُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ ولَمْ يُهاجِرُوا، فَأخْرَجَهم كُفّارُ مَكَّةَ مُكْرَهِينَ إلى بَدْرٍ فَقُتِلُوا هُنالِكَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ بِالآيَةِ الأُخْرى الَّتِي نَزَلَتْ في أُولَئِكَ بِاتِّفاقٍ مِنَ العُلَماءِ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَحْسُنُ قَطْعَ "الَّذِينَ" ورَفْعُهُ بِالِابْتِداءِ، فَتَأمَّلَهُ.

والقانُونُ أنْ "بَلى" تَجِيءُ بَعْدَ النَفْيِ، و"نَعَمْ" تَجِيءُ بَعْدَ الإيجابِ، وقَدْ تَجِيءُ بَعْدَ التَقْرِيرِ، كَقَوْلُكَ: ألَيْسَ كَذا؟

وَنَحْوَهُ، ولا تَجِيءُ بَعْدَ نَفْيِ سِوى التَقْرِيرِ: وقَرَأ الجُمْهُورُ "تَتَوَفّاهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ بِالياءِ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، قالَ أبُو زَيْدٍ: أدْغَمَ أبُو عَمْرُو: "السَلَّمَ مّا".

وقَوْلُهُ تَعالى: "فادْخُلُوا" مِن كَلامِ الَّذِي يَقُولُ: "بَلى"، و"أبْوابُ جَهَنَّمَ" مُفْضِيَةٌ إلى طِباقِها الَّتِي هي بَعْضٌ عَلى بَعْضٍ، والأبْوابُ كَذَلِكَ بابٌ عَلى بابٍ، و"خالِدِينَ" حالٌ، واللامُ في قَوْلِهِ: "فَلَبِئْسَ" لامُ التَأْكِيدِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَكَرَ سِيبَوَيْهِ، وهو إجْماعٌ مِنَ النَحْوِيِّينَ فِيما عَلِمْتَ أنَّ لامَ التَأْكِيدِ لا تَدَخُّلَ عَلى الفِعْلِ الماضِي وإنَّما تَدْخُلُ عَلَيْهِ لامُ القَسَمِ، ولَكِنْ دَخَلَتْ عَلى "بِئْسَ" لَمّا لَمْ تَتَصَرَّفْ أشْبَهَتِ الأسْماءَ وبَعُدَتْ عن حالِ الفِعْلِ في هَذا، وهي بَعِيدَةٌ أيْضًا عن حالِ الفِعْلِ مِن جِهَةِ أنَّها لا تَدْخُلُ عَلى زَمانٍ.

و"المَثْوى": مَوْضِعُ الإقامَةِ، ونَعْمَ وبِئْسَ إنَّما يَدْخُلانِ عَلى مُعَرَّفٍ بِالألِفِ واللامِ، أو مُضافٍ إلى مُعَرَّفٍ بِذَلِكَ، و"المَثْوى" هُنا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَبِئْسَ المَثْوى مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ، والمُتَكَبِّرُ هُنا هو الَّذِي أفْضى بِهِ كِبْرُهُ إلى الكُفْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ الآيَةُ.

لَمّا وصَفَ اللهُ تَعالى مَقالَةَ الكُفّارِ الَّذِينَ قالُوا: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ" عادَلَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مُقالَةِ المُؤْمِنِينَ مِن أصْحابِ النَبِيِّ  ، وأوجَبَ لِكُلِّ فَرِيقٍ ما يَسْتَحِقُّ لِتَتَبايَنَ المَنازِلُ بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ، و"ماذا" تَحْتَمِلُ ما ذَكَرَ في الَّتِي قَبْلَها، وقَوْلُهُمْ: "خَيْرًا" جَوابٌ بِحَسَبِ السُؤالِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللهِ تَعالى مَقْطُوعٌ مِمّا قَبْلَهُ، ولَكِنَّهُ بِالمَعْنى وعْدٌ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ إحْسانِ المُتَّقِينَ في مَقالَتِهِمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِن كَلامِ الَّذِينَ قالُوا: "خَيْرًا"، وهو تَفْسِيرٌ لِلْخَيْرِ الَّذِي أُنْزِلَ، أيْ: أنْزَلَ اللهُ في الوَحْيِ عَلى نَبِيِّنا خَيْرًا، أيْ: مَن أحْسَنَ في الدُنْيا بِالطاعَةِ فَلَهُ حَسَنَةٌ في الدُنْيا ونَعِيمٌ في الآخِرَةِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ المُؤْمِنَ حَسَنَةً، يُثابُ عَلَيْها الرِزْقُ في الدُنْيا، ويُجْزى بِها في الآخِرَةِ"،» وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في إضافَةِ الدارِ إلى الآخِرَةِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ جنات عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِى الله المتقين ﴾ .

لمّا افتتحت صفة سيّئات الكافرين وعواقبها بأنّهم إذا قيل لهم ﴿ ماذا أنزل ربكم ﴾ [سورة النحل: 24] قالوا: ﴿ أساطير الأولين ﴾ [سورة النحل: 24]، جاءت هنا مقابلة حالهم بحال حسنات المؤمنين وحسن عواقبها، فافتتح ذلك بمقابل ما افتتحت به قصّة الكافرين، فجاء التنظير بين القصّتين في أبدع نظم.

وهذه الجملة معطوفة على الجمل التي قبلها، وهي معترضة في خلال أحوال المشركين استطراداً.

ولم تقترن هذه الجملة بأداة الشرط كما قرنت مقابلتها بها وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم } ، لأن قولهم: ﴿ أساطير الأولين ﴾ لما كان كذبا اختلقوه كان مظنة أن يقلع عنه قائلهُ وأن يرعوي إلى الحقّ وأن لا يجمع عليه القائلون، قرن بأداة الشرط المقتضية تكرّر ذلك للدّلالة على إصْرارهم على الكفر، بخلاف ما هنا فإن الصّدق مظنّة استمرار قائله عليه فليْس بحاجة إلى التّنبيه على تكرّره منه.

والذين اتّقوا: هم المؤمنون لأن الإيمان تقوى الله وخشية غضبه.

والمراد بهم المؤمنون المعهودون في مكّة، فالموصول للعهد.

والمعنى أنّ المؤمنين سئُلوا عن القرآن، ومن جاء به، فأرشدوا السائلين ولم يتردّدوا في الكشف عن حقيقة القرآن بأوجز بيان وأجمعه، وهو كلمة ﴿ خيراً ﴾ المنصوبة، فإن لفظها شامل لكلّ خير في الدّنيا وكلّ خير في الآخرة، ونصبَها دال على أنّهم جعلوها معمولة ل ﴿ أنزل ﴾ الواقع في سؤال السائلين، فدل النّصب على أنّهم مصدّقون بأنّ القرآن منزل من عند الله، وهذا وجه المخالفة بين الرفع في جواب المشركين حين قيل لهم: ﴿ ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين ﴾ [سورة النحل: 24] بالرّفع وبين النصب في كلام المؤمنين حين قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً } بالنّصب.

وقد تقدم ذلك آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ قالوا أساطير الأولين ﴾ .

مستأنفة ابتدائية، وهي كلامٌ من الله تعالى مثل نظيرها في آية ﴿ قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة ﴾ في سورة الزمر (10)، وليست من حكاية قول الذين اتّقوا.

والّذين أحسنوا: هم المتقون فهو من الإظهار في مقام الإضمار توصّلا بالإتيان بالموصول إلى الإيماء إلى وجه بناء الخبر، أي جزاؤهم حسنة لأنهم أحسنوا.

وقوله تعالى: ﴿ في هذه الدنيا جنات عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِى الله المتقين ﴾ يجوز أن يتعلق بفعل ﴿ أحسنوا ﴾ .

ويجوز أن يكون ظرفاً مستقرّاً حالاً من ﴿ حسنة ﴾ .

وانظر ما يأتي في نظر هذه الآية من سورة الزمر من نكتة هذا التوسيط.

ومعنى ﴿ ولدار الآخرة خير ﴾ أنّها خير لهم من الدّنيا فإذا كانت لهم في الدنيا حسنة فلهم في الآخرة أحسن، فكما كان للّذين كفروا عذاب الدّنيا وعذاب جهنّم كان للّذين اتّقوا خيرُ الدّنيا وخير الآخرة.

فهذا مقابل قوله تعالى في حقّ المشركين ﴿ ليحملوا أوزارهم كاملة ﴾ [سورة النحل: 25] وقوله تعالى: ﴿ وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ﴾ [سورة النحل: 26].

وحسنة الدّنيا هي الحياة الطيّبة وما فتح الله لهم من زهرة الدنيا مع نعمة الإيمان.

وخير الآخرة هو النّعيم الدّائم، قال تعالى: ﴿ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينّه حياة طيّبة ولنجزيّنهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ [سورة النحل: 97].

وقوله تعالى: ولنعم دار المتقين جنات عدن يدخلونها } مقابل قوله تعالى في ضدّهم ﴿ فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين ﴾ [سورة النحل: 29].

وقد تقدّم آنفاً وجه تسمية جهنّم مثوى والجنّة داراً.

و (نِعم) فعل مدح غير متصرّف، ومرفوعُهُ فاعل دالّ على جنس الممدوح، ويذكر بعده مرفوع آخر يسمّى المخصوص بالمدح، وهو مبتدأ محذوف الخبر، أو خبر محذوفُ المبتدإ.

فإذا تقدّم ما يدلّ على المخصوص بالمدح لم يذكر بعد ذلك كما هنا، فإنّ تقدم ﴿ ولدار الآخرة ﴾ دلّ على أنّ المخصوص بالمدح هو دار الآخرة.

والمعنى: ولنعم دار المتّقين دار الآخرة.

وارتفع ﴿ جنات عدن ﴾ على أنّه خبر لمبتدإ محذوف مما حذف فيه المسند إليه جرياً على الاستعمال في مسند إليه جرى كلام عليْه من قبلُ، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ﴾ [سورة النحل: 28].

والتقدير: هي جنات عدن، أي دار المتّقين جنات عدن.

وجملة يدخلونها } حال من ﴿ المتقين ﴾ .

والمقصود من ذكره استحضار تلك الحالة البديعة حالة دخولهم لدار الخير والحسنى والجنّات.

وجملة ﴿ لهم فيها ما يشاءون ﴾ حال من ضمير الرفع في ﴿ يدخلونها ﴾ .

ومضمونها مكمل لما في جملة ﴿ يدخلونها ﴾ من استحضار الحالة البديعة.

وجملة ﴿ كذلك يجزي الله المتقين ﴾ مستأنفة، والإتيان باسم الإشارة لتمييز الجزاء والتّنويه به.

وجعل الجزاء لتمييزه وكماله بحيث يشبّه به جزاءُ المتّقين.

والتّقدير: يجزي الله المتّقين جزاء كذلك الجزاء الذي علمتموه.

وهو تذييل لأنّ التعريف في ﴿ المتقين ﴾ للعموم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الجَنَّةَ خَيْرٌ مِنَ النّارِ، وهَذا وإنْ كانَ مَعْلُومًا فالمُرادُ بِهِ تَبْشِيرُهم بِالخَلاصِ مِنها: الثّانِي: أنَّهُ أرادَ أنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ مِن دارِ الدُّنْيا، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

﴿ وَلَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ الآخِرَةُ.

الثّانِي: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ الدُّنْيا، قالَ الحَسَنُ: لِأنَّهم نالُوا بِالعَمَلِ فِيها ثَوابَ الآخِرَةِ ودُخُولَ الجَنَّةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ ﴾ قِيلَ مَعْناهُ صالِحِينَ.

وَيَحْتَمِلُ طَيِّبِي الأنْفُسِ ثِقَةً بِما يَلْقَوْنَهُ مِن ثَوابِ اللَّهِ تَعالى.

وَيَحْتَمِلُ - وجْهًا ثالِثًا - أنْ تَكُونَ وفاتُهم وفاةً طَيِّبَةً سَهْلَةً لا صُعُوبَةَ فِيها ولا ألَمَ بِخِلافِ ما تُقْبَضُ عَلَيْهِ رُوحُ الكافِرِ.

﴿ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ السَّلامُ عَلَيْهِمْ إنْذارًا لَهم بِالوَفاةِ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ تَبْشِيرًا لَهم بِالجَنَّةِ؛ لِأنَّ السَّلامَ أمانٌ.

﴿ ادْخُلُوا الجَنَّةَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أبْشِرُوا بِدُخُولِ الجَنَّةِ.

الثّانِي: أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ لَهم في الآخِرَةِ.

﴿ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا مِنَ الصّالِحاتِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وقيل للذين اتقوا ﴾ قال: هؤلاء المؤمنون، يقال لهم ﴿ ماذا أنزل ربكم ﴾ فيقولون ﴿ خيراً للذين أحسنوا ﴾ أي آمنوا بالله وكتبه وأمروا بطاعته، وحثوا عباد الله على الخير ودعوهم إليه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ قال ابن عباس: يريد الذين خافوا الله وصدقوا نَبِيَّه وأيقنوا أنه لا إله غيره، ﴿ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ قال المفسرون: هذا كان في أيام المواسم، يأتي الرجل مكة فيَسأل المشركين عن محمد وأمره، فيقولون: إنه ساحر وكاهن وكذاب، (فيأتي المؤمنين ويسألهم عن محمد وما أتى به من الكتاب وما أنزل الله عليه، فيقول) (١) (٢) ﴿ قَالُوا خَيْرًا ﴾ على جواب ماذا، أي: أنزل خيرًا، ثم فَسَّرَ ذلك الخير؛ فقال: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَة ﴾ قال ابن عباس: يريد: قالوا: لا إله إلا الله (٣) ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا ﴾ إخبارًا عن الله تعالى، أخبر أن من أحسن في الدنيا فله جزاء ذلك عند الله حسنة، قال ابن عباس: يريد مضعفة بعشر (٤) (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ ﴾ يعني الجنة، ومضى الكلام في هذا في سورة الأنعام [32].

وقوله تعالى: ﴿ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ﴾ ، أي: ولَنِعْمَ دارُ المتقين دار الآخرة، فحذفت لسبق ذكرها، هذا إذا لم تجعل هذه الآية متصلة بما بعدها، [وإن جعلتها متصلة] (٧) (١) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).

(٢) "تفسير مقاتل" 1/ 202 أ، بنحوه، والثعلبي 2/ 156 أ، بنحوه، وانظر: الزمخشري 2/ 327، وابن الجوزي 4/ 443، والفخر الرازي 20/ 23، و"تفسير القرطبي" 10/ 100، والخازن 3/ 113.

(٣) ورد غير منسوب في "تفسير ابن الجوزي" 4/ 443.

(٤) انظر: "تفسير البغوي" 5/ 17، بنحوه، وورد غير منسوب في "تفسير الفخر الرازي" 20/ 24.

(٥) في جميع النسخ: (للمؤمنين)، وهو خطأ أدى إلى اضطراب المعنى، وبالمثبت يستقيم الكلام، ويؤيده ما ورد في المصدر.

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 196، بتصرف.

وذكر الزمخشري قولاً ثالثاً، هو: أن "للذين أحسنوا" وما بعده بدل من خيرًا، حكايته لقول الذين اتقوا، أي قالوا هذا القول، فقدم عليه تسميته خيرًا ثم حكاه.

"تفسير الزمخشري" 2/ 327، وعلى القول الأول والثالث تكون ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا ﴾ من كلام المؤمنين، وعلى الثاني تكون من كلام الله؛ كلامًا مستأنفًا.

(٧) زيادة يقتضيها السياق ليستقيم الكلام.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتقوا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً ﴾ لما وصف مقالة الكفار الذين قالوا أساطير الأولين: قابل ذلك بمقالة المؤمنين، فإن قيل: لم نصب جواب المؤمنين وهو قولهم: خيراً، رفع جواب الكافرين وهو أساطير الأولين؟

فالجواب: أن قولهم خيراً منصوب بفعل مضمر تقديره أنزل خيراً، ففي ذلك اعتراف بأن الله أنزله، وأما أساطير الأولين فهو خبر ابتداء مضمر تقديره هو أساطير الأولين، فلم يعترفوا بأن الله أنزله فلا وجه لنصبه، ولو كان منصوباً لكان الكلام متناقضاً؛ لأن قولهم أساطير الأولين يقتضي التكذيب بأن الله أنزله، والنصب بفعل مضمر يقتضي التصديق بأن الله أنزله، لأن تقديره أنزل، فإن قيل: يلزم مثل هذا في الرفع، لأن تقديره هو أساطير الأولين، فإنه غير مطابق للسؤال الذي هو ماذا أنزل ربكم، الجواب: أنهم عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا هو أساطير الأولين، ولم ينزله الله ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ ﴾ ارتفع حسنة بالابتداء وللذين خبره، والجملة بدل من خيراً، وتفسيره للخير الذي قالوا، وقيل: هي استئناف كلام الله تعالى، لا من كلام الذين قالوا خيراً ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ ﴾ يحتمل أن يكون هو اسم الممدوح بنعم، فيكون مبتدأ وخبره فيما قبله أو خبر ابتداء مضمر، ويحتمل أن يكون مبتدأ وخبره يدخلونها أو مضمر تقديره: لهم جنات عدن.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ شركاي ﴾ مثل ﴿ هداي ﴾ زمعة عن ابن كثير والخزاعي عن البزي.

وقرأ الخزاز عن هبيرة ﴿ شركائي الذين ﴾ مرسلة الياء، الباقون بفتح الياء وكذلك في "الكهف" و"القصص".

﴿ تشاقون ﴾ بكسر النون: نافع، الآخرون بفتحها ﴿ تتوفاهم ﴾ وما بعده بالإمالة: حمزة وخلف ﴿ لا يهدي ﴾ بفتح الياء وكسر الدال: عاصم وحمزة وعلي وخلف، الباقون بضم الياء وفتح الدال.

﴿ كن فيكون ﴾ بالنصب: ابن عامر وعلي، الباقون بالرفع.

الوقوف: ﴿ ربكم ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ الأولين ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ يوم القيامة ﴾ لا لأن قوله ﴿ ومن أوزار ﴾ مفعول ﴿ ليحملوا ﴾ ط ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ ما يزرون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ فيهم ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده صفة ﴿ أنفسهم ﴾ ص لطول الكلام ﴿ من سوء ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ المتكبرين ﴾ ه ﴿ أنزل ربكم ﴾ ط ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ خير ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ يشاءُون ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ طيبين ﴾ ه لا لأن ما بعده حال آخر.

﴿ سلام عليكم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ ادخلوا ﴾ مفعول ﴿ يقولون ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ أمر ربك ﴾ ط ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ يستهزءُون ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ الثاني ط ﴿ من قبلهم ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ الطاغوت ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ الضلالة ﴾ ط ﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ أيمانهم ﴾ لا لأن ما بعده جواب القسم ﴿ يموت ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه لا لتعلق لام كي ﴿ كاذبين ﴾ ه ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ م لأن جواب "لو" محذوف أي لو كانوا يعلمون لما اختاروا الدنيا على الآخرة، ولو وصل لصار قوله: ﴿ ولأجر الآخرة ﴾ متعلقاً بشرط "أن" ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ وهو محال ﴿ يعلمون ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين صبروا ﴾ بدل ﴿ الذين هاجروا ﴾ ﴿ يتوكلون ﴾ ه.

التفسير: لما بالغ في تقرير دلائل التوحيد أراد أن يذكر شبهات منكري النبوة مع أجوبتها.

فالشبهة الأولى أنهم طعنوا في القرآن وعدّوه من قبيل الأساطير.

قال النحويون: "ماذا" منصوب بأنزل بمعنى أي شيء أنزله ربكم، أو "ما" مبتدأ و "ذا" موصولة، والجملة صلتها، والمجموع خبر المبتدأ، وعلى التقديرين: فقوله: ﴿ أساطير الأوّلين ﴾ بالرفع ليس بجواب للكفار وإلا لكان المعنى الذي أنزله ربنا أساطير الأوّلين والكفار لا يقرون بالإنزال فهو إذن كلام مستأنف أي ليس ما تدّعون إنزاله منزلاً بل هو أساطير الأولين.

وقال في الكشاف: معناه المنزل أساطير الأوّلين وذكر في دفع التناقض أنه على السخرية كقوله: { ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون  ﴾ وجوز كونه منصوباً ولم يقرأ به.

واختلفوا في السائل فقيل: هو كلام بعضهم لبعض.

وقيل: هو قول المسلمين لهم وقيل: هو قول المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن رسول الله  إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل على رسول الله  قالوا: أحاديث الأوّلين وأباطيلهم، ليس فيه شيء من العلوم والفصاحة والحقائق والدقائق.

ثم إنه تعال اقتصر في جواب شبههم على محض الوعي لأنه قد ثبت بالتحدي كما مر ذكره مراراً أن القرآن معجز تحدوا بالقرآن جملة ثم بعشر سور ثم بسورة فعجزوا عن المعارضة فكان طعنهم فيه بعد ذلك مجرد المكابرة والعناد فلم يستحقوا في الجواب إلا التهديد والوعيد.

واللام في قوله: ﴿ ليحملوا ﴾ ليس لام الغرض لأنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير لغرض حمل الأوزار، ولكن لما كانت عاقبتهم ذلك حسن التعليل به فكان لام العاقبة، وقوله: ﴿ كاملة ﴾ معناه أنه  لا يخفف من عقابهم شيئاً، وفيه دليل على أنه  قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين لأن هذا المعنى لو كان حاصلاً في حق الكل لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل فائدة.

قال الواحدي: لفظة "من" في قوله: ﴿ ومن أوزار الذين ﴾ ليست للتبعيض فإنه لا يخفف عن الأتباع بعض أوزارهم لقوله  "أيما داع دعا إلى الضلال فاتبع كان عليه وزر من اتبعه لا ينقص من آثامهم شيء" ولكنها للابتداء أي لحملوا ما قد نشأ من أوزار الاتباع، أو للبيان أي ليحملوا ما هو من جنس أوزار تبعهم.

ومعنى ﴿ بغير علم ﴾ أن هؤلاء الرؤساء إنما يقدمون على هذا الإضلال جهلاً منهم بما يتسحقونه من العذاب الشديد على ذلك الإضلال.

وقال في الكشاف: ﴿ بغير علم ﴾ حال من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال.

وإنما وصف بالضلال واحتمال الوزر من أضلوه وإن لم يعلم لأنه كان عليه أن يبحث وينظر بعقله حتى يميز بين المحق والمبطل.

ثم أوعدهم بما هو النهاية في التهديد فقال: ﴿ ألا ساء ما يزرون ﴾ وزرهم.

ثم حكى حال أضرابهم من المتقدين فقال: ﴿ قد مكر الذين من قبلهم ﴾ ذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد به نمروذ بن كنعان بنى صرحاً عظيماً ببابل طوله خمسة آلاف ذراع - وقيل فرسخان - ورام الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها فأهب الله الريح فخر عليه وعلى قومه فهلكوا، وألقت رأس الصرح في البحر فأحدث نمروذ وتبلبلت يومئذٍ ألسن الناس من الفزع فتكلموا بثلاثة وتسعين لساناً ولذلك سميت ببابل، وكان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية، وابتلاه الله ببعوضة دخلت دماغه والحكاية مشهورة.

والأصح أن الآية عامة في جميع المبطلين الذين يحاولون إلحق الضرر بالمحقين.

وعلى القول الأوّل معنى قوله: ﴿ فأتى الله ﴾ أي أمره وحكمه ﴿ بنيانهم من القواعد ﴾ وهي أساطين البناء التي تعمده أو الأساس أنه أسقط السقف عليهم بعد هدم القواعد.

وفائدة زيادة قوله: ﴿ من فوقهم ﴾ التنصيص على أن الأبنية تهدمت وهم ماتوا تحتها، وعلى الثاني يكون الكلام محض التمثيل والمراد أنهم سوّوا منصوبات وحيلاً ليمكروا بها رسل الله، فجعل الله هلاكهم في تلك الحيل كحيل قوم بنوا بنياناً وعمدوه بالأساطين، فأتي البنيان من الأساطين بأن ضعفت فسقط عليهم السقف فهلكوا ونحوه "من حفر بئراً لأخيه فقد وقع فيه" وبعبارة أخرى "من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً".

ثم بين أن عذابهم ير مقصور على عذاب الدنيا بل الله  يخزيهم يوم القيامة بإدخالهم النار ﴿ إنك من تدخل النار فقد أخزيته  ﴾ ﴿ ويقول ﴾ مع ذلك لأجل الإهانة والتوبيخ ﴿ أين شركائي ﴾ الإضافة لأدنى الملابسة أو هي حكاية لإضافتهم استهزاء وتوبيخاً ﴿ الذين كنتم تشاقون ﴾ تخاصمون المؤمنين في شأنهم.

ومن قرأ بكسر النون فعلى حذف يا المتكلم لأن مشاقة المؤمنين مشاقة الله.

ثم ذكر على سبيل الاستئناف ﴿ قال الذين أوتوا العلم ﴾ عن ابن عباس هم الملائكة.

وقال الآخرون: هم الأنبياء والعلماء من أممهم الذين كانوا يعظونهم ولا يلتفتون إليهم فيقولون ذلك يوم القيامة شماتة بهم.

قالت المرجئة قولهم: ﴿ إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ﴾ يدل على أن ماهية الخزي والسوء مختص بالكافرين فينتفي عن غيرهم.

أما قوله: ﴿ فألقوا السلم ﴾ فعن ابن عباس: المراد أنهم أسلموا وأقروا بالعبودية عند الموت.

وقيل: إنه في يوم القيامة وقولهم: ﴿ ما كنا نعمل من سوء ﴾ أرادوا الشرك قالوه على وجه الكذب والجحود، ومن لم يجوز الكذب على أهل القيامة قال: أرادوا في اعتقادهم وظنونهم فرد عليهم أولو العلم أو الملائكة بقوله: ﴿ بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون ﴾ في الدنيا فلا ينفعكم هذا الكذب وإنه يجازيكم على الكفر الذي علمه منكم.

قال في الكشاف: وهذا أيضاً من الشماتة وكذلك ﴿ فادخلوا أبواب جهنم ﴾ وفي ذكر الأبواب إشارة إلى تفاوت منازلهم في دركات جهنم.

ثم قال: ﴿ فلبئس مثوى المتكبرين ﴾ عن قبول التوحيد وسائر ما أتت به الأنبياء.

والفاء للعطف على فاء التعقيب في ﴿ فادخلوا ﴾ واللام للتأكيد يجري مجرى القسم موافقة لقوله بعد ذلك ﴿ ولنعم دار المتقين ﴾ ولا نظير لهما في كل القرآن.

ثم أتبع أوصاف الأشقياء أحوال السعداء فقال: ﴿ وقيل للذين اتقوا ﴾ الآية.

وإنما ذكر الجواب ههنا بالنصب ليكون الجواب مطابقاً مكشوفاً بيناً من غير تلعثم أي أنزل خيراً أو ﴿ قالوا خيراً ﴾ لا شراً كما قاله الكفار، أو قالوا قولاً خيراً ولو رفعوا لأوهم أنه كلام مستأنف كما في جواب الكفار وليس بمنزل.

روي أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي  فإذا جاء الوافد كفه المقتسمون وأمروه بالانصراف كما مر، فكان الوافد يقول: كيف أرجع إلى قومي دون أن أستطلع أمر محمد وأراه.

فيلقى أصحاب رسول الله  ويخبرونه بصدقه وأنه نبي مبعوث فهم الذين قالوا خيراً.

وجوّز في الكشاف أن يكون ﴿ للذين أحسنوا ﴾ وما بعده بدلاً من ﴿ خيراً ﴾ كأنه فسر الخبر بهذا القول، وجوّز أن يكون كلاماً مبتدأ على سبيل الوعد فيكون قولهم الخير من جملة إحسانهم.

أما قوله ﴿ في هذه الدنيا ﴾ فإما أن يتعلق بما قبله فالمعنى: الذين جاءُوا بالإحسان في هذه الدنيا لهم في الآخرة ﴿ حسنة ﴾ هي الثواب العظيم أو المضاعف إلى سبعمائة أو أكثر، وإما أن يتعلق بما بعده والتقدير: الذين أحسنوا لهم الحسنة في الدنيا باستحقاق المدح والثناء، أبو بالظفر على أعداء الدين باللسان والسنان وفتح البلاد، أو بفتح أبواب المكاشفات والمشاهدات.

والحاصل أن لهم في الدنيا مكافأة بإحسانهم.

﴿ ولدار الآخرة خير ﴾ منها.

ثم بين الخيرية بقوله: ﴿ ولنعم دار المتقين ﴾ دار الآخرة فحذف المخصوص بالمدح لتقدم ذكره.

ثم قال: ﴿ جنات عدنٍ ﴾ أي هي هذه فيكون المبتدأ محذوفاً أو الجنات مبتدأ وما بعدها خبر أو ﴿ جنات عدن ﴾ هي المخصوص بالمدح.

فالجنات يدل على القصور والبساتين، والعدن على الدوام والإقامة.

وقوله: ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ على أنه حصل هناك أبنية مرتفعة هم عليها والأنهار تجري من تحتهم.

وقوله: ﴿ لهم فيها ما يشاءُون ﴾ أبلغ من قوله في موضع آخر ﴿ فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين  ﴾ وفي تقديم الظرف دلالة على أن الإنسان لا يجد كل ما يريده إلا في الجنة، وقوله: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ﴾ أكثر المفسرين على أن هذا التوفي هو قبض الأرواح.

وقوله: ﴿ طيبين ﴾ أي طاهرين عن دنس الكفر والمعاصي أو دنس الكفر وحده، وهذه كلمة جامعة تشمل أنواع البراءة عن العلائق الجسمانية فلا يكون لصاحب هذه الحالة تألم بالموت دليله قوله: ﴿ يقول سلام عليكم ﴾ يروى أنه إذا أشرف العبد المؤمن على الموت جاءه ملك فيقول: السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام وبشره بالجنة فذلك قوله: ﴿ ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ﴾ وعن الحسن أن المراد بهذا التوفي هو وفاة الحشر لأنه لا يقال عند قبض الروح في الدنيا ادخلوا الجنة.

والأولون قالوا: البشارة بالجنة بمنزلة الدخول فيها.

قوله  : ﴿ هل ينظرون ﴾ قيل: إنه جواب شبهة أخرى لمنكري النبوة فإنهم طلبوا من النبي  أن ينزل عليهم ملكاً من السماء يشهد على صدقه في ادّعاء النبوة فقال تعالى: هل ينظرون في تصديق نبوتك ﴿ إلا أن تأتيهم الملائكة ﴾ شاهدين بذلك.

ويحتمل أن يقال: إنهم لما طعنوا في القرآن بأنه أساطير الأولين أوعدهم الله  بما أوعد، ثم وصف القرآن بكونه حقاً وصدقاً وذكر جزاء المتقين ثم ذكر أن أولئك الكفار لا ينزجرون عن كفرهم بسبب البيانات التي ذكرناها إلا إذا جاءتهم الملائكة بالتهديد أو لقبض الأرواح أو أتاهم أمر ربك وهو العذاب المستأصل أو القيامة ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ فأصابهم الهلاك المعجل ﴿ وما ظلمهم الله ﴾ بتدميرهم فإنه أنزل بهم ما استحقوه بكفرهم ﴿ فأصابهم سيئات ما عملوا ﴾ أي جزاء سيئات أعمالهم أو هو من باب الطباق والمشاكلة كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها  ﴾ ﴿ وحاق بهم ﴾ .

أي نزل بهم على وجه الإحاطة عقاب استهزائهم.

الشبهة الثالثة لمنكري النبوة أنهم تشبثوا بمسألة الجبر فقالوا: ﴿ لو شاء الله ما عبدنا ﴾ الآية.

وقد مر في تفسير مثلها في آخر سورة الأنعام، وذكرنا أسرار المتشابه هناك وكذا استدلال المعتزلة بها وجواب الأشاعرة عنها.

وزاد بعض الأشاعرة فقالوا: إن المشركين ذكروا هذا الكلام على وجه الاستهزاء كما قال قوم شعيب ﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد  ﴾ ولو قالوا ذلك معتقدين كانوا مؤمنين.

وقال آخرون: إنه  أجاب عن شبهتهم وهي أنه لما كان الكل من الله كان بعثه الأنبياء عبثاً بقوله: ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ يعني أنهم اعترضوا على أحكام الله وطلبوا لها العلة فعل من تقدمهم من الكفرة ﴿ فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ﴾ أي ما عليهم إلا التبليغ فإما تحصيل الإيمان فليس إليهم.

ثم إنه أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً ﴾ إلى قوله: ﴿ ومنهم من حقت عليه الضلالة ﴾ وفيه دلالة على أن أمر الله قد لا يوافق إرادته فإنه يأمر الكل بالإيمان ولا يريد الهداية إلا للبعض إذّ لو أرادها للكل لم يكفر أحد ولم ينزل العذاب على قوم لكنه كفر ونزل لقوله: ﴿ فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين  ﴾ .

ثم خصص الخطاب قائلاً لرسوله ﴿ إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل ﴾ لا يرشد أحداً أضله، قال ابن عباس: وقال الفراء: لا يهدي معناه لا يهتدي: ومن قرأ على البناء للمفعول فمعناه لا تقدر أنت ولا أحد على هداية من أضله الله فلن يكون مهدياً منصوراً، ولا يخفى أن أول الآية ظاهره يوافق مذهب المعتزلة.

أما قوله: ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ إلى آخر الآيات فإنهم قد صاروا فيه إلى التأويل فقالوا: معناه أن متقدميهم أشركوا وحرموا حلال الله فلما نبهوا على قبح فعلهم أسندوه إلى الله ﴿ فهل على الرسل إلا ﴾ أن يبلغوا الحق وأن الله بريء من الظلم وخلق القبائح والمنكرات، وما من أمة إلا وقد بعث الله فيهم رسولاً يأمرهم بالخير الذي هو عبادة الله وينهاهم عن الشر الذي هو طاعة الطاغوت.

﴿ فمنهم من هدى الله ﴾ لأنه من أهل اللطف، ومنهم من ثبت عليه الخذلان لأنه عرفه مصمماً على الكفر، أو المراد منهم من حكم الله عليه بالاهتداء ومنهم من صار محكوماً عليه بالضلال لظهور ضلاله، أو منهم من هداه الله إلى الجنة ومنهم من أضله عنها.

﴿ فسيروا في الأرض فانظروا ﴾ ما فعلت بالمكذبين حتى لا يبقى لكم شبهة في أني لا أقدر الشر ولا أشاؤه.

ثم ذكر عناد قريش وحرص رسول الله  على إيمانهم وعرفه أنهم من قسم من حقت عليه الضلالة، وأنه لا يلطف بمن يخذل لأنه عبث والله  متعال عن العبث.

فهذا تفسير الفريقين لاشتمال آيات مسألة الجبر والقدر على الجهتين وعليك الاختيار بعقلك دون هواك.

الشبهة الرابعة قدحهم في الحشر والنشر ليلزم إبطال النبوة وذلك أنهم ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم ﴾ أي أغلاظ الأيمان كما في "المائدة" كأنهم ادّعوا علماً ضرورياً بأن الشيء إذا فني وصار عدماً محضاً فإنه لا يعود بعينه بل العائد يكون شيئاً آخر فأكدوا ادعاءهم بالقسم الغليظ فأجاب الله عن شبهتهم بقوله: ﴿ بلى ﴾ وهو إثبات لما بعد النفي أي بلى يبعثهم وقوله: ﴿ وعداً ﴾ مصدر مؤكد لما دل عليه "بلى" لأن يبعث موعد من الله أي وعد البعث ﴿ وعدا عليه حقاً ﴾ لا خلاف فيه ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنهم يبعثون أو أن وعد الله حق.

ثم ذكر لمية حقية البعث فقال ﴿ ليبين ﴾ أي يبعث كل من يموت من المؤمنين والكافرين ليبين ﴿ لهم ﴾ الحق الذي اختلفوا فيه بياناً عيانياً لا يشتبه فيه المطيع بالمعاصي والمحق بالمبطل والمظلوم بالظالم والصادق بالكاذب.

وجوز بعضهم أن يكون قوله: ﴿ ليبين ﴾ متعلقاً بقوله: ﴿ ولقد بعثنا ﴾ أي بعثناه ليبين لهم ما اختلفوا به وأنهم كانوا على الضلالة قبله مفترين على الله الكذب في ادعاء الشريك له وفي قولهم بمجرد هواهم هذا حلال الله وهذا حرام.

ثم برهن على إمكان البعث بقوله: ﴿ إنما قولنا ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ أن نقول ﴾ وقد فسرنا مثل هذه الآية في سورة البقرة، وذكرنا فيه مباحث عميقة لفظية ومعنوية فلا حاجة إلى الإعادة.

والغرض أنه  لا مانع له من الإيجاد والإعدام ولا تتوقف آثار قدرته إلا على مجرد الإرادة والمشيئة، فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو أهون من الإبداء؟!

قال في الكشاف: قرىء ﴿ فيكون ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ نقول ﴾ قلت: ولا مانع من كونه منصوباً بإضمار "أن" لوقوعه في جواب الأمر بعد الفاء وقد مر في "البقرة".

احتج بعض الأشاعرة بالآية على قدم القرآن قال: إنه لو كان حادثاً لافتقر إلى أن يقال له "كن".

ثم الكلام في هذا اللفظ كالكلام في الأوّل وتسلسل، والجواب بعد تسليم أن هذا ليس مثلاً وأن ثم قولاً أن "إذا" لا تفيد التكرار فلا يلزم في كل ما يحدثه الله  إلى أن يقول له" كن".

وكيف يتصور أن تكون لفظة "كن" قديمة والكاف مقدم على النون بزمان محصور، ولو سلم فلا يجوز من قدم لفظة "كن" قدم القرآن.

على أن قوله: ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه ﴾ يقتضي كون القول واقعاً بالإرادة وما كان كذلك فهو محدث وأنه علق القول بكلمة "إذا" ولا شك أنها للاستقبال وكذا قوله: ﴿ أن نقول ﴾ ثم إن كلمة ﴿ كن ﴾ متقدمة على المكون بزمان واحد، والمتقدم على المحدث بزمان يكون محدثاً، فتلخص من هذه الدلائل أن الكلام المسموع لا بد أن يكون محدثاً.

هذا تلخيص ما قاله الإمام فخر الدين الرازي، ولعل لنا فيه نظراً.

ولما حكى الله  عن الكفار ما حكى من إنكار البعث والجزاء لم يبعد منهم - والحالة هذه - إيذاء المسلمين وإنزال الضرر والهوان بهم وحينئذٍ يلزمهم أن يهاجروا تلك الديار فذكر ثواب المهاجرين قائلاً ﴿ والذين هاجروا في الله ﴾ أي في حقه وسبيله ﴿ من بعد ما ظلموا لنبوّئنهم في الدنيا ﴾ مثوبة ﴿ حسنة ﴾ أو مباءة حسنة هي المدينة أوهم أهلها ونصروهم قاله الحسن والشعبي وقتادة.

وقيل: لننزلنهم منزلة حسنة هي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم، بل على العرب قاطبة بل على أهل المشرق والمغرب.

قال ابن عباس: نزلت الآية في جماعة - منهم صهيب وبلال وعمار وخباب- جعل المشركون يعذبونهم ليردوهم عن الإسلام فقال صهيب: أنا رجل كبير إن كنت معكم لم أنفعكم وإن كنت عليكم لم أضركم فافتدى منهم بماله وهاجر، فلما رآه أبو بكر قال له: ربح البيع يا صهيب، وقال له عمر: نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه.

أما الضمير في قوله: ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ فإما أن يرجع إلى الكفار أي لو علموا أن الله يجمع لهؤلاء المستضعفين خير الدارين لرغبوا في دينهم، وإما أن يعود إلى المهاجرين أي لو علموا أن أجر الآخرة أكبر لزادوا في اجتهادهم وصبرهم.ثم مدحهم بقوله: ﴿ الذين صبروا ﴾ على هم الذين أو أعني الذين.

والمراد صبرهم على العذاب وعلى مفارقة الوطن الذي هو حرم الله، وعلى المجاهدة في سبيل الله بالنفوس والأموال.

قال المحققون: الصبر حبس النفس على خلاف ما تشتهيه من اللذات العاجلة وهو مبدأ السلوك، والتوكل هو الانقطاع بالكلية عما سوى الحق وهو آخر الطريق والله ولي التوفيق.

فإن العارفين بالصبر ساروا وبالتوكل طاروا ثم في الله حاروا حسبي الله ونعم الوكيل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً ﴾ .

قال أهل التأويل: هذا قول المؤمنين؛ مقابل قول المشركين: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ  ﴾ .

ثم اختلف في قوله: ﴿ قَالُواْ خَيْراً ﴾ : قال بعضهم: قوله: ﴿ قَالُواْ خَيْراً ﴾ أي: قولهم الذي قالوا أنه أرسل بحق، وأنه كذا خير.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ قَالُواْ خَيْراً ﴾ حكاية عما أنزل على رسول الله  : و ﴿ خَيْراً ﴾ : أي: أنزل عليه ربنا خيراً، أو أن يكون الناس الذين يأتون من الآفاق يسألون عن رسول الله  ، فإذا سألوا للمؤمنين: ماذا أنزل ربكم؟

قالوا: خيراً، وإذا سألوا الكفرة قالوا: أساطير الأولين.

وجائز أن يكون أتباع المؤمنين سألوا كبراءهم: ماذا أنزل ربكم؟

قالوا: خيراً، مقابل ما كان من كبراء الكفرة لأتباعهم أساطير الأولين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ ﴾ من النصر لهم، والظفر على عدوهم.

﴿ وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ ﴾ لهم مما كان أعطاهم في الدنيا.

وقال بعضهم: للذين أحسنوا العمل في هذه الدنيا لهم حسنة في الآخرة، ولدار الآخرة خير [لهم مما كان أعطاهم في الدّنيا]؛ أي: الجنة خير وأفضل للمؤمنين مما أوتوا في الدنيا.

﴿ وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ : قال هذا للمؤمنين مكان ما قال للكافرين: ﴿ فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ  ﴾ ثم نعت الدار التي وعد المتقين؛ فقال: ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤونَ ﴾ من اللذات والشهوات.

فإن قيل: أرأيت لو شاءوا أن يكون لهم درجات الأنبياء ومنازل الأبرار والصديقين؛ أيكون لهم ما شاءوا؟

قيل: لا يشاءون هذا؛ لأن مثل هذا إنما يكون في الدنيا إمّا حسداً؛ وإمّا تمنياً، فلا يكون في الجنة حسد؛ لأن الحسد هو [أن يرى] لأحد شيئاً ليس له؛ فيحسد أو يتمنى مثله، فأهل الجنة يجدون جميع ما يتمنون ويخطر ببالهم، فلا معنى لسؤالهم ربهم ما لغيرهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ يَجْزِي ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ ظاهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ طَيِّبِينَ ﴾ .

على تأويل الحسن: تتوفاهم الملائكة وهم طيبون من بين يدي الله يوم الحساب، يقولون لهم: ﴿ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ ﴾ وقد ذكرنا: أن السلام هو تحية؛ جعل الله بين الخلق في الدنيا والآخرة؛ وقد ذكرناه في غير موضع.

وقال بعضهم: الذين تتوفاهم الملائكة بقبضهم الأرواح في الدنيا، يقبضون أرواحهم وهم طيبون.

وقال بعضهم: طيبون أحياء وأمواتاً، وهم المؤمنون الذين طابت أعمالهم في الدنيا.

يحتمل السلام وجهين: أحدهما: تحييهم الملائكة بالسلام في الجنة؛ كما يحيي أهل الإيمان في الدنيا بعضهم بعضاً.

والثاني: السلام يكون منهم أمن عن جميع الآفات والمكروهات، والله  أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقيل للذين اتقوا ربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه: ماذا أنزل ربكم على نبيكم محمد  ؟

أجابوا: أنزل الله عليه خيرًا عظيمًا، للذين أحسنوا عبادة الله وأحسنوا التعامل مع خلقه في هذه الحياة الدنيا مثوبة حسنة، منها النصر وسعة الرزق، أعده الله لهم من الثواب في الآخرة خير مما عجَّله لهم في الدنيا، ولنِعْمَ دارُ المتقين لربهم بامتثال أوامره اجتناب نواهيه دارُ الآخرة.

<div class="verse-tafsir" id="91.wb1PG"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله