الآية ٣٦ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٣٦ من سورة النحل

وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍۢ رَّسُولًا أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلطَّـٰغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ ۚ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٣٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 73 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٦ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٦ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وبعث في كل أمة رسولا أي : في كل قرن من الناس وطائفة رسولا وكلهم يدعو إلى عبادة الله ، وينهى عن عبادة ما سواه : ( أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) فلم يزل تعالى يرسل إلى الناس الرسل بذلك ، منذ حدث الشرك في بني آدم في قوم نوح الذين أرسل إليهم نوح ، وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض إلى أن ختمهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - الذي طبقت دعوته الإنس والجن في المشارق والمغارب ، وكلهم كما قال الله تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) [ الأنبياء : 25 ] وقال تعالى : ( واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ) [ الزخرف : 45 ] وقال تعالى في هذه الآية الكريمة : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) فكيف يسوغ لأحد من المشركين بعد هذا أن يقول : ( لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء ) فمشيئته تعالى الشرعية منتفية ; لأنه نهاهم عن ذلك على ألسنة رسله ، وأما مشيئته الكونية - وهي تمكينهم من ذلك قدرا - فلا حجة لهم فيها ؛ لأنه تعالى خلق النار وأهلها من الشياطين والكفرة ، وهو لا يرضى لعباده الكفر ، وله في ذلك حجة بالغة وحكمة قاطعة .

ثم إنه تعالى قد أخبر أنه عير عليهم ، وأنكر عليهم بالعقوبة في الدنيا بعد إنذار الرسل ; فلهذا قال : ( فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) أي : اسألوا عما كان من أمر من خالف الرسل وكذب الحق كيف ( دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها ) [ محمد : 10 ] ( ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير ) [ الملك : 18 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ولقد بعثنا أيها الناس في كلّ أمة سلفت قبلكم رسولا كما بعثنا فيكم بأن اعبدوا الله وحده لا شريك له ، وأفردوا له الطاعة ، وأخلصوا له العبادة ( وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) يقول: وابعدوا من الشيطان، واحذروا أن يغويكم ، ويصدكم عن سبيل الله ، فتضلوا ، ( فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ ) يقول: فممن بعثنا فيهم رسلنا من هدى الله، فوفَّقه لتصديق رسله ، والقبول منها ، والإيمان بالله ، والعمل بطاعته، ففاز وأفلح ، ونجا من عذاب الله ( وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ ) يقول: وممن بعثنا رسلنا إليه من الأمم آخرون حقَّت عليهم الضلالة، فجاروا عن قصد السبيل، فكفروا بالله وكذّبوا رسله ، واتبعوا الطاغوت، فأهلكهم الله بعقابه ، وأنـزل عليهم بأسه الذي لا يردّ عن القوم المجرمين ، ( فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) يقول تعالى ذكره لمشركي قريش: إن كنتم أيها الناس غير مصدّقي رسولنا فيما يخبركم به عن هؤلاء الأمم الذين حلّ بهم ما حلّ من بأسنا بكفرهم بالله ، وتكذيبهم رسوله، فسيروا في الأرض التي كانوا يسكنونها ، والبلاد التي كانوا يعمرونها ، فانظروا إلى آثار الله فيهم ، وآثار سخطه النازل بهم، كيف أعقبهم تكذيبهم رسل الله ما أعقبهم ، فإنكم ترون حقيقة ذلك ، وتعلمون به صحة الخبر الذي يخبركم به محمد صلى الله عليه وسلم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله : ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبينقوله تعالى : ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله أي بأن اعبدوا الله [ ص: 94 ] ووحدوه .واجتنبوا الطاغوت أي اتركوا كل معبود دون الله كالشيطان والكاهن والصنم ، وكل من دعا إلى الضلال .فمنهم من هدى الله أي أرشده إلى دينه وعبادته .ومنهم من حقت عليه الضلالة أي بالقضاء السابق عليه حتى مات على كفره ، وهذا يرد على القدرية ; لأنهم زعموا أن الله هدى الناس كلهم ووفقهم للهدى ، والله - تعالى - يقول : فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة وقد تقدم هذا في غير موضعفسيروا في الأرض أي فسيروا معتبرين في الأرضفانظروا كيف كان عاقبة المكذبين أي كيف صار آخر أمرهم إلى الخراب والعذاب والهلاك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى أن حجته قامت على جميع الأمم، وأنه ما من أمة متقدمة أو متأخرة إلا وبعث الله فيها رسولا، وكلهم متفقون على دعوة واحدة ودين واحد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له { أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ْ} فانقسمت الأمم بحسب استجابتها لدعوة الرسل وعدمها قسمين، { فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ ْ} فاتبعوا المرسلين علما وعملا، { وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ْ} فاتبع سبيل الغي.

{ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ْ} بأبدانكم وقلوبكم { فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ْ} فإنكم سترون من ذلك العجائب، فلا تجدون مكذبا إلا كان عاقبته الهلاك.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا ) أي : كما بعثنا فيكم ، ( أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) وهو كل معبود من دون الله ، ( فمنهم من هدى الله ) أي : هداه الله إلى دينه ، ( ومنهم من حقت عليه الضلالة ) أي : وجبت بالقضاء السابق حتى مات على كفره ، ( فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) أي : مآل أمرهم ، وهو خراب منازلهم بالعذاب والهلاك .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً» كما بعثناك في هؤلاء «أن» بأن «اعبدوا الله» وحدوه «واجتنبوا الطاغوت» الأوثان أن تعبدوها «فمنهم من هدى الله» فآمن «ومنهم من حقت» وجَبَتْ «عليه الضلالة» في علم الله فلم يؤمن «فسيروا» يا كفار مكة «في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين» رسلهم من الهلاك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولقد بعثنا في كل أمة سبقَتْ رسولا آمرًا لهم بعبادة الله وطاعته وحده وتَرْكِ عبادة غيره من الشياطين والأوثان والأموات وغير ذلك مما يتخذ من دون الله وليًا، فكان منهم مَن هدى الله، فاتبع المرسلين، ومنهم المعاند الذي اتبع سبيل الغيِّ، فوجبت عليه الضلالة، فلم يوفقه الله.

فامشوا في الأرض، وأبصروا بأعينكم كيف كان مآل هؤلاء المكذبين، وماذا حلَّ بهم مِن دمار؛ لتعتبروا؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن من رحمته بعباده ، أن أرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين؛ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ، فقال - تعالى - : ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت .

.

) .والطاغوت : اسم لكل معبود من دون الله - تعالى - ، كالأصنام والأوثان وغير ذلك من المعبودات الباطلة ، مأخوذ من طغا يطغى طغوا .

.

إذا جاوز الحد فى الضلال .أى : ولقد اقتضت حكمتنا ورحمتنا أن نبعث فى كل أمة ، من الأمم السالفة ( رسولا ) من رسلنا الكرام ، ليرشدوا الناس إلى الحق والخير ، وليقولوا ( أَنِ اعبدوا الله ) - تعالى - وحده ، ( واجتنبوا ) عبادة ( الطاغوت ) الذى يضل ولا يهدى .وأكد - سبحانه - الجملة باللام وقد ، للرد على ما زعمه المشركون من أن الله - تعالى - لم ينكر عليهم عبادتهم لغيره ، وأنه - سبحانه - راض لتحريمهم لما أحله .

حيث بين لهم - عز وجل - أنه قد أرسل الرسل للدعوة إلى عبادته وحده ، ولتجنب عبادة أحد سواه .

و " أن " فى قوله ( أن اعبدوا .

.

) تفسيرية ، لأن البعث يتضمن معنى القول ، إذ هو بعث للتبليغ .ثم بين - سبحانه - موقف هؤلاء الأقوام من رسلهم فقال - تعالى - : ( فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى الله وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضلالة .

.

) .أى : بعثنا فى كل أمة من الأمم السابقة رسولا لهداية أبنائها فمن هؤلاء الأبناء من هداهم الله - تعالى - إلى الحق وإلى الصراط المستقيم .

بأن وفقهم إليه ، لانشراح صدورهم له ، ومنهم من ثبتت وحقت عليه الضلالة ، لاستحبابه العمى على الهدى .وأسند - سبحانه - هداية بعض أفراد هذه الأمم إليه ، مع أنه أمر جميعهم - على ألسنة رسله - بالدخول فى طريق الهدى ، للرد على المشركين الذين أحالوا شركهم وفسوقهم على مشيئة الله ، إذ أن الله - تعالى - قد بين للناس جميعا طرق الخير وطرق الشر ، فمنهم من استجاب للأولى ، ومنهم من انحدر إلى الثانية ، وكلاهما لم يقسره الله - تعالى - قسرا على الهدى أو الضلال .فاهتداء المهتدين إنما هو بسبب اختيارهم لذلك ، واتباعهم الرسل ، وضلال الضالين إنما هو بسبب استحواذ الشيطان عليهم .وعبر - سبحانه - فى جانب الضالين بقوله : ( وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضلالة ) للإِشارة إلى أنهم لم يتسجيبوا لما أرشدهم - سبحانه - إليه ، بل ظلوا ثابتين مصممين على البقاء فى طريق الضلالة ، ( فَلَمَّا زاغوا أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين ) وقوله - سبحانه - : ( فَسِيرُواْ فِي الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المكذبين ) .

تحريض لهم على التأمل فى آثار المكذبين ، لعلهم عن طريق هذا التأمل والتدبر يثوبون إلى رشدهم ، ويعودون إلى صوابهم ، ويدركون سنة من سنن الله فى خلقه ، وهى أن العاقبة الطيبة للمتقين ، والعاقبة السيئة للكافرين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو الشبهة الثالثة لمنكري النبوة، وتقريرها: أنهم تمسكوا بصحة القول بالجبر على الطعن في النبوة فقالوا: لو شاء الله الإيمان لحصل الإيمان، سواء جئت أو لم تجئ، ولو شاء الله الكفر فإنه يحصل الكفر سواء جئت أو لم تجئ، وإذا كان الأمر كذلك فالكل من الله تعالى، ولا فائدة في مجيئك وإرسالك، فكان القول بالنبوة باطلاً، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذه الشبهة هي عين ما حكى الله تعالى عنهم في سورة الأنعام في قوله: ﴿ سَيَقُولُ الذين أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء الله مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيء كذلك كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ  ﴾ واستدلال المعتزلة به مثل استدلالهم بتلك الآية.

والكلام فيه استدلالاً واعتراضاً عين ما تقدم هناك فلا فائدة في الإعادة، ولا بأس بأن نذكر منه القليل فنقول: الجواب عن هذه الشبهة هي أنهم قالوا: لما كان الكل من الله تعالى كان بعثة الأنبياء عبثاً.

فنقول: هذا اعتراض على الله تعالى، فإن قولهم: إذا لم يكن في بعثة الرسول مزيد فائدة في حصول الإيمان ودفع الكفر كانت بعثة الأنبياء غير جائزة من الله تعالى، فهذا القول جار مجرى طلب العلة في أحكام الله تعالى وفي أفعاله، وذلك باطل، بل الله تعالى أن يحكم في ملكه وملكوته ما يشاء ويفعل ما يريد، ولا يجوز أن يقال له: لم فعلت هذا ولم لم تفعل ذلك؟

والدليل على أن الإنكار إنما توجه إلى هذا المعنى أنه تعالى صرح في آخر هذه الآية بهذا المعنى فقال: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ﴾ فبين تعالى أن سنته في عبيده إرسال الرسل إليهم، وأمرهم بعبادة الله ونهيهم عن عبادة الطاغوت.

ثم قال: ﴿ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى الله وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضلالة ﴾ والمعنى: أنه تعالى وإن أمر الكل بالإيمان، ونهى الكل عن الكفر، إلا أنه تعالى هدى البعض وأضل البعض، فهذه سنة قديمة لله تعالى مع العباد، وهي أنه يأمر الكل بالإيمان وينهاهم عن الكفر، ثم يخلق الإيمان في البعض والكفر في البعض.

ولما كانت سنة الله تعالى في هذا المعنى سنة قديمة في حق كل الأنبياء وكل الأمم والملل وإنما يحسن منه تعالى ذلك بحكم كونه إلهاً منزهاً عن اعتراضات المعترضين ومطالبات المنازعين، كان إيراد هذا السؤال من هؤلاء الكفار موجباً للجهل والضلال والبعد عن الله فثبت أن الله تعالى إنما حكم على هؤلاء باستحقاق الخزي واللعن، لا لأنهم كذبوا في قولهم: ﴿ لَوْ شَآء الله مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ ﴾ بل لأنهم اعتقدوا أن كون الأمر كذلك يمنع من جواز بعثة الأنبياء والرسل وهذا باطل، فلا جرم استحقوا على هذا الاعتقاد مزيد الذم واللعن.

فهذا هو الجواب الصحيح الذي يعول عليه في هذا الباب.

وأما من تقدمنا من المتكلمين والمفسرين فقد ذكروا فيه وجهاً آخر فقالوا: إن المشركين ذكروا هذا الكلام على جهة الاستهزاء كما قال قوم شعيب عليه السلام له: ﴿ إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد  ﴾ ولو قالوا ذلك معتقدين لكانوا مؤمنين، والله أعلم.

المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى لما حكى هذه الشبهة قال: ﴿ كَذَلِكَ فَعَلَ الذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أي هؤلاء للكفار أبداً كانوا متمسكين بهذه الشبهة.

ثم قال: ﴿ فَهَلْ عَلَى الرسل إِلاَّ البلاغ المبين ﴾ أما المعتزلة فقالوا: معناه أن الله تعالى ما منع أحداً من الإيمان وما أوقعه في الكفر، والرسل ليس عليهم إلا التبليغ، فلما بلغوا التكاليف وثبت أنه تعالى ما منع أحداً عن الحق كانت هذه الشبهة ساقطة.

أما أصحابنا فقالوا: معناه أنه تعالى أمر الرسل بالتبليغ.

فهذا التبليغ واجب عليهم، فأما أن الإيمان هل يحصل أم لا يحصل فذلك لا تعلق للرسول به، ولكنه تعالى يهدي من يشاء بإحسانه ويضل من يشاء بخذلانه.

المسألة الثالثة: احتج أصحابنا في بيان أن الهدى والضلال من الله بقوله: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ﴾ وهذا يدل على أنه تعالى كان أبداً في جميع الملل والأمم آمراً بالإيمان وناهياً عن الكفر.

ثم قال: ﴿ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى الله وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضلالة ﴾ يعني: فمنهم من هداه الله إلى الإيمان والصدق والحق، ومنهم من أضله عن الحق وأعماه عن الصدق وأوقعه في الكفر والضلال، وهذا يدل على أن أمر الله تعالى لا يوافق إرادته، بل قد يأمر بالشيء ولا يريده وينهى عن الشيء ويريده كما هو مذهبنا.

والحاصل أن المعتزلة يقولون: الأمر والإرادة متطابقان أما العلم والإرادة فقد يختلفان، ولفظ هذه الآية صريح في قولنا وهو أن الأمر بالإيمان عام في حق الكل أما إرادة الإيمان فخاصة بالبعض دون البعض.

أجاب الجبائي: بأن المراد: ﴿ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى الله ﴾ لنيل ثوابه وجنته: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضلالة ﴾ أي العقاب.

قال: وفي صفة قوله: ﴿ حَقَّتْ عَلَيْهِ ﴾ دلالة على أنها العذاب دون كلمة الكفر لأن الكفر والمعصية لا يجوز وصفهما بأنه حق.

وأيضاً قال تعالى بعده: ﴿ فَسِيرُواْ فِي الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين ﴾ وهذه العاقبة هي آثار الهلاك لمن تقدم من الأمم الذين استأصلهم الله تعالى بالعذاب، وذلك يدل على أن المراد بالضلال المذكور هو عذاب الاستئصال.

وأجاب الكعبي عنه بأنه قال: قوله: ﴿ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى الله ﴾ أي من اهتدى فكان في حكم الله مهتدياً، ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضلالة ﴾ يريد: من ظهرت ضلالته، كما يقال للظالم: حق ظلمك وتبين، ويجوز أن يكون المراد: حق عليهم من الله أن يضلهم إذا ضلوا كقوله: ﴿ وَيُضِلُّ الله الظالمين  ﴾ .

واعلم أنا بينا في آيات كثيرة بالدلائل العقلية القاطعة أن الهدى والإضلال لا يكونان إلا من الله تعالى فلا فائدة في الإعادة، وهذه الوجوه المتعسفة والتأويلات المستكرهة قد بينا ضعفها وسقوطها مراراً، فلا حاجة إلى الإعادة، والله أعلم.

المسألة الرابعة: في الطاغوت قولان: أحدهما: أن المراد به: اجتنبوا عبادة ما تعبدون من دون الله، فسمى الكل طاغوتاً، ولا يمتنع أن يكون المراد: اجتنبوا طاعة الشيطان في دعائه لكم.

المسألة الخامسة: قوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضلالة ﴾ يدل على مذهبنا، لأنه تعالى لما أخبر عنه أنه حقت عليه الضلالة امتنع أن لا يصدر منه الضلالة، وإلا لانقلب خبر الله الصدق كذباً، وذلك محال ومستلزم المحال محال، فكان عدم الضلالة منهم محالاً، ووجود الضلالة منهم واجباً عقلاً، فهذه الآية دالة على صحة مذهبنا في هذه الوجوه الكثيرة، والله أعلم.

ونظائر هذه الآية كثيرة منها قوله: ﴿ فَرِيقًا هدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضلالة  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ الذين حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ وقوله: ﴿ لَقَدْ حَقَّ القول على أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ فَسِيرُواْ فِي الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين ﴾ والمعنى: سيروا في الأرض معتبرين لتعرفوا أن العذاب نازل بكم كما نزل بهم، ثم أكد أن من حقت عليه الضلالة فإنه لا يهتدي، فقال: ﴿ إِن تَحْرِصْ على هُدَاهُمْ ﴾ أي إن تطلب بجهدك ذلك، فإن الله لا يهدي من يضل، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي ﴿ يَهْدِي ﴾ بفتح الياء وكسر الذال والباقون: ﴿ لاَّ يَهِدِّى ﴾ بضم الياء وفتح الدال.

أما القراءة الأولى: ففيها وجهان: الأول: فإن الله لا يرشد أحداً أضله، وبهذا فسره ابن عباس رضي الله عنهما.

والثاني: أن يهدي بمعنى يهتدي.

قال الفراء: العرب تقول: قد هدى الرجل يريدون قد اهتدى، والمعنى أن الله إذا أضل أحداً لم يصر ذلك مهتدياً.

وأما القراءة المشهورة: فالوجه فيها إن الله لا يهدي من يضل، أي من يضله، فالراجع إلى الموصول الذي هو من محذوف مقدر وهذا كقوله: ﴿ مَن يُضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ  ﴾ وكقوله: ﴿ فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله  ﴾ أي من بعد إضلال الله إياه.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا لَهُم مّن ناصرين ﴾ أي وليس لهم أحد ينصرهم أي يعينهم على مطلوبهم في الدنيا والآخرة.

وأقول أول هذه الآيات موهم لمذهب المعتزلة، وآخرها مشتمل على الوجوه الكثيرة الدالة على قولنا، وأكثر الآيات كذلك مشتملة على الوجهين، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

ولقد أمدّ إبطال قدر السوء ومشيئة الشر بأنه ما من أمة إلا وقد بعث فيهم رسولاً يأمرهم بالخير الذي هو الإيمان وعبادة الله، وباجتناب الشر الذي هو طاعة الطاغوت ﴿ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى الله ﴾ أي لطف به لأنه عرفه من أهل اللطف ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضلالة ﴾ أي ثبت عليه الخذلان والترك من اللطف، لأنه عرفه مصمما على الكفر لا يأتي منه خير ﴿ فَسِيرُواْ فِي الأرض فانظروا ﴾ ما فعلت بالمكذبين حتى لا يبقى لكم شبهة في أني لا أقدّر الشر ولا أشاؤه، حيث أفعل ما أفعل بالأشرار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ ﴾ يَأْمُرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى واجْتِنابِ الطّاغُوتِ.

﴿ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ﴾ وفَّقَهم لِلْإيمانِ بِإرْشادِهِمْ.

﴿ وَمِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ ﴾ إذْ لَمْ يُوَفِّقْهم ولَمْ يُرِدْ هُداهم، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى فَسادِ الشُّبْهَةِ الثّانِيَةِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ تَحَقُّقَ الضَّلالِ وثَباتَهُ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى وإرادَتِهِ مِن حَيْثُ أنَّهُ قِسْمٌ مِن هُدى اللَّهِ، وقَدْ صَرَّحَ بِهِ في الآيَةِ الأُخْرى.

﴿ فَسِيرُوا في الأرْضِ ﴾ يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ.

﴿ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ ﴾ مِن عادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ لَعَلَّكم تَعْتَبِرُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

بأن وحدوه {واجتنبوا الطاغوت} الشيطان يعني طاعته {فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى الله} لاختيارهم الهدى {وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضلالة} أي لزمته لاختياره إياها {فَسِيرُواْ فِى الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين} حيث أهلكهم الله وأخلى ديارهم عنهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وأمّا الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ فَقَدْ أُشِيرَ إلى جَوابِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ ﴾ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ ﴿ رَسُولا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ وحْدَهُ ﴿ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ ﴾ هو كُلُّ ما يَدْعُو إلى الضَّلالَةِ، وقالَ الحَسَنُ: هو الشَّيْطانُ، والمُرادُ مِنِ اجْتِنابِهِ اجْتِنابُ ما يَدْعُو إلَيْهِ.

﴿ فَمِنهُمْ ﴾ أيْ مِن أُولَئِكَ الأُمَمِ ﴿ مَن هَدى اللَّهُ ﴾ إلى الحَقِّ مِن عِبادَتِهِ أوِ اجْتِنابِ الطّاغُوتِ بِأنْ وفَّقَهم لِذَلِكَ ﴿ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ ﴾ ثَبَتَتْ ووَجَبَتْ إذْ لَمْ يُوَفِّقْهم ولَمْ يُرِدْ هِدايَتَهُمْ، ووَجْهُ الإشارَةِ أنَّ تَحَقُّقَ الضَّلالِ وثَباتَهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ وقَعَ قَسِيمًا لِلْهِدايَةِ الَّتِي هي بِإرادَتِهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ كانَ هو أيْضًا كَذَلِكَ.

وأمّا أنَّ إرادَةَ القَبِيحِ قَبِيحَةٌ فَلا يَجُوزُ اتِّصافُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِها فَظاهِرُ الفَسادِ لِأنَّ القَبِيحَ كَسْبُ القَبِيحِ والِاتِّصافُ بِهِ لا إرادَتُهُ وخَلْقُهُ عَلى ما تَقَرَّرَ في الكَلامِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كِلْتا الإشارَتَيْنِ في غايَةِ الخَفاءِ، ولْيُنْظَرْ أيُّ حاجَةٍ إلى الحَصْرِ وما المُرادُ بِهِ عَلى جَعْلِ ﴿ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ ﴾ إلى آخِرِهِ مُشِيرًا إلى جَوابِ الشُّبْهَةِ الأُولى.

وقالَ الإمامُ: إنَّ المُشْرِكِينَ أرادُوا مِن قَوْلِهِمْ ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى كانَ بَعْثُهُ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَبَثًا فَنَقُولُ: هَذا اعْتِراضٌ عَلى اللَّهِ تَعالى وجارٍ مَجْرى طَلَبِ العِلَّةِ في أحْكامِهِ تَعالى وأفْعالِهِ وذَلِكَ باطِلٌ إذْ لِلَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَفْعَلَ في مُلْكِهِ ما يَشاءُ ويَحْكُمَ ما يُرِيدُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لَهُ لِمَ فَعَلْتَ هَذا ولِمَ لَمْ تَفْعَلْ ذاكَ.

والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الإنْكارَ إنَّما تَوَجَّهَ إلى هَذا المَعْنى أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ بِهَذا المَعْنى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَقَدْ بَعَثْنا ﴾ إلى آخِرِهِ حَيْثُ بَيَّنَ فِيهِ أنَّ سُنَّتَهُ سُبْحانَهُ في عِبادِهِ إرْسالُ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ وأمْرُهم بِعِبادَتِهِ ونَهْيُهم عَنْ عِبادَةِ غَيْرِهِ، وأفادَ أنَّهُ تَعالى وإنَّ أمَرَ الكُلَّ ونَهاهم إلّا أنَّهُ جَلَّ جَلالُهُ هَدى البَعْضَ وأضَلَّ البَعْضَ، ولا شَكَّ أنَّهُ إنَّما يَحْسُنُ مِنهُ تَعالى ذَلِكَ بِحُكْمِ كَوْنِهِ إلَهًا مُنَزَّهًا عَنِ اعْتِراضاتِ المُعْتَرِضِينَ ومُطالَباتِ المُنازِعِينَ، فَكانَ إيرادُ هَذا السُّؤالِ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ مُوجِبًا لِلْجَهْلِ والضَّلالِ والبُعْدِ عَنِ اللَّهِ المُتَعالِ، فَثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما ذَمَّ هَؤُلاءِ القائِلِينَ لِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ كَوْنَ الأمْرِ كَذَلِكَ يَمْنَعُ مِن جَوازِ بَعْثَةِ الرُّسُلِ لا لِأنَّهم كَذَّبُوا في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، وهَذا هو الجَوابُ الصَّحِيحُ الَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ في هَذا البابِ، ومَعْنى ﴿ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ ﴾ إلى آخِرِهِ أنَّهُ تَعالى أمَرَ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِالتَّبْلِيغِ فَهو الواجِبُ عَلَيْهِمْ، وأمّا أنَّ الإيمانَ هَلْ يَحْصُلُ أوْ لا يَحْصُلُ فَذاكَ لا تَعَلُّقَ لِلرُّسُلِ بِهِ ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى يَهْدِي مَن يَشاءُ بِإحْسانِهِ ويُضِلُّ مَن يَشاءُ بِخِذْلانِهِ اهـ وهو كَما تَرى.

ونَقَلَ الواحِدِيُّ في الوَسِيطِ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ عَلى الهُزُوِ ولَمْ يَرْتَضِهِ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ حَمْلَهُ عَلى ذاكَ لا يُلائِمُ الجَوابَ.

نَعَمْ قالَ في الكَشْفِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ  ﴾ إنَّهم دَفَعُوا قَوْلَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِدَعْوَتِهِمْ إلى عِبادَتِهِ تَعالى ونَهْيِهِمْ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ المَقالَةِ وهم مُلْزَمُونَ عَلى مَساقِ هَذا القَوْلِ لِأنَّهُ إذا اسْتَنَدَ الكُلُّ إلى مَشِيئَتِهِ تَعالى فَقَدْ شاءَ إرْسالَ الرُّسُلِ وشاءَ دَعْوَتَهم إلى العِبادِ وشاءَ جُحُودَهم وشاءَ دُخُولَهُمُ النّارَ، فالإنْكارُ والدَّفْعُ بَعْدَ هَذا القَوْلِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم قالُوهُ لا عَنِ اعْتِقادٍ بَلْ مُجازَفَةٍ، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ عِنْدَ نَظِيرِ الآيَةِ أيْضًا: إنَّهم كاذِبُونَ في هَذا القَوْلِ لِجَزْمِهِمْ حَيْثُ لا ظَنَّ مُطْلَقًا فَضْلًا عَنِ العِلْمِ، وذَلِكَ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ العِلْمَ بِصِفاتِ اللَّهِ تَعالى فَرْعُ العِلْمِ بِذاتِهِ والإيمانِ بِها كَذَلِكَ والمُحْتَجُّونَ بِهِ كَفَرَةٌ مُشْرِكُونَ مُجَسِّمُونَ، وأطالَ الكَلامَ في هَذا المَقامِ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ.

وذَكَرَ أنَّ في كَلامِهِمْ تَعْجِيزَ الخالِقِ بِإثْباتِ التَّمانُعِ بَيْنَ المَشِيئَةِ وضِدِّ المَأْمُورِ بِهِ فَيَلْزَمُ أنْ لا يُرِيدَ إلّا أمَرَ بِهِ ولا يَنْهى إلّا وهو لا يُرِيدُهُ، وهَذا تَعْجِيزٌ مِن وجْهَيْنِ إخْراجُ بَعْضِ المَقْدُوراتِ عَنْ أنْ يَصِيرَ مَحَلَّها وتَضْيِيقُ مَحَلِّ أمْرِهِ ونَهْيِهِ وهَذا بِعَيْنِهِ مَذْهَبُ إخْوانِهِمُ القَدَرِيَّةِ اهـ ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ المُشْرِكِينَ إنَّما قالُوا ذَلِكَ إلْزامًا بِزَعْمِهِمْ حَيْثُ سَمِعُوا مِنَ المُرْسَلِينَ وأتْباعِهِمْ أنَّ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وإلّا فَهم أجْهَلُ الخَلْقِ بِرَبِّهِمْ جَلَّ شَأْنُهُ وصِفاتِهِ ﴿ إنْ هم إلا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ  ﴾ ومُرادُهم إسْكاتُ المُرْسَلِينَ وقَطْعُهم عَنْ دَعْوَتِهِمْ إلى ما يُخالِفُ ما هم عَلَيْهِ والِاسْتِراحَةُ عَنْ مُعارَضَتِهِمْ فَكَأنَّهم قالُوا: إنَّكم تَقُولُونَ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ فَما نَحْنُ عَلَيْهِ مِمّا شاءَهُ اللَّهُ تَعالى وما تَدْعُونا إلَيْهِ مِمّا لَمْ يَشَأْهُ وإلّا لَكانَ، واللّائِقُ بِكم عَدَمُ التَّعَرُّضِ لِخِلافِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ وظِيفَةَ الرَّسُولِ الجَرْيُ عَلى إرادَةِ المُرْسَلِ لِأنَّ الإرْسالَ إنَّما هو لِتَنْفِيذِ تِلْكَ الإرادَةِ وتَحْصِيلِ المُرادِ بِها، وهَذا جَهْلٌ مِنهم بِحَقِيقَةِ الأمْرِ وكَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ المَشِيئَةِ وفائِدَةِ البَعْثَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَشِيئَتَهُ تَعالى إنَّما تَتَعَلَّقُ وفْقَ عِلْمِهِ وعِلْمُهُ إنَّما يَتَعَلَّقُ وفْقَ ما عَلَيْهِ الشَّيْءُ في نَفْسِهِ، فاللَّهُ تَعالى ما شاءَ شِرْكَهم مَثَلًا إلّا بَعْدَ أنْ عَلِمَ ذَلِكَ وما عَلِمَهُ إلّا وفْقَ ما هو عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ فَهم مُشْرِكُونَ في الأزَلِ ونَفْسُ الأمْرِ إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ حِينَ أبْرَزَهم عَلى وفْقِ ما عَلِمَ فِيهِمْ لَوْ تَرَكَهم وحالَهم كانَ لَهُمُ الحُجَّةُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ إذا عَذَّبَهم يَوْمَ القِيامَةِ إذْ يَقُولُونَ حِينَئِذٍ: ما جاءَنا مِن نَذِيرٍ فَأرْسَلَ جَلَّ شَأْنُهُ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ فَلَيْسَ عَلى الرُّسُلِ إلّا تَبْلِيغُ الأوامِرِ والنَّواهِي لِتَقُومَ الحُجَّةُ البالِغَةُ لِلَّهِ تَعالى، فالتَّبْلِيغُ مُرادُ اللَّهِ تَعالى مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِإقامَةِ حُجَّتِهِ تَعالى عَلى خَلْقِهِ بِهِ، ولَيْسَ مُرادُهُ مِن خَلْقِهِ إلّا ما هم عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا.

وفِي الخَبَرِ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ««يا عِبادِي إنَّما أعْمالُكم أُحْصِيها لَكم فَمَن وجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ ومَن وجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ»».

ولا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرِ بِشَيْءٍ وإرادَةِ غَيْرِهِ مِنهُ تَعالى لِأنَّ الأمْرَ بِذَلِكَ حَسْبَما يَلِيقُ بِجَلالِهِ وجَمالِهِ، والإرادَةُ حَسْبَما يَسْتَدْعِيهِ في الآخِرَةِ الشَّيْءُ في نَفْسِهِ، وقَدْ قَرَّرَ الجَماعَةُ انْفِكاكَ الأمْرِ عَنِ الإرادَةِ في الشّاهِدِ أيْضًا وذَكَرَ بَعْضُ الحَنابِلَةِ الِانْفِكاكَ أيْضًا لَكِنْ عَنِ الإرادَةِ التَّكْوِينِيَّةِ لا مُطْلَقًا، والبَحْثُ مُفَصَّلٌ في مَوْضِعِهِ، وإذا عُلِمَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلا البَلاغُ ﴾ يَتَضَمَّنُ الإشارَةَ إلى رَدِّهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: ما أشَرْتُمْ إلَيْهِ مِن أنَّ اللّائِقَ بِالرُّسُلِ تَرْكُ الدَّعْوَةِ إلى خِلافِ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنّا والجَرْيُ عَلى وفْقِ المَشِيئَةِ والسُّكُوتُ عَنّا باطِلٌ لِأنَّ وظِيفَتَهم والواجِبُ عَلَيْهِمْ هو التَّبْلِيغُ وهو مُرادُ اللَّهِ تَعالى مِنهم لِتَقُومَ بِهِ حُجَّةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكم لا السُّكُوتُ وتَرْكُ الدَّعْوَةِ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَقَدْ بَعَثْنا ﴾ إلَخْ إشارَةٌ يَتَفَطَّنُ لَها مِن لَهُ قَلْبٌ إلى أنَّ المَشِيئَةَ حَسَبَ الِاسْتِعْدادِ الَّذِي عَلَيْهِ الشَّخْصُ في نَفْسِ الأمْرِ فَتَأمَّلْ، فَإنَّ هَذا الوَجْهَ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ ودَغْدَغَةٍ.

والَّذِي ذَكَرَهُ القاضِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ بَعَثْنا ﴾ إلَخْ أنَّهُ بَيَّنَ فِيهِ أنَّ البَعْثَةَ أمْرٌ جَرَتْ بِهِ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ في الأُمَمِ كُلِّها سَبَبًا لِهَدْيِ مَن أرادَ سُبْحانَهُ اهْتِداءَهُ وزِيادَةً لِضَلالِ مَن أرادَ ضَلالَهُ كالغِذاءِ الصّالِحِ يَنْفَعُ المِزاجَ السَّوِيَّ ويُقَوِّيهِ ويَضُرُّ المُنْحَرِفَ ويُفْنِيهِ.

وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّهُ تَحْقِيقٌ لِكَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِأفْعالِ العِبادِ بَعْدَ بَيانِ أنَّ الإلْجاءَ لَيْسَ مِن وظائِفِ الرِّسالَةِ ولا مِن بابِ المَشِيئَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِما يَدُورُ عَلَيْهِ فَلَكُ الثَّوابِ والعِقابِ مِنَ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ، والمَعْنى أنّا بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا يَأْمُرُهم بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى واجْتِنابِ الطّاغُوتِ فَأمَرُوهم فَتَفَرَّقُوا فَمِنهم مَن هَداهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ صَرْفِ قُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ الجُزْئِيِّ إلى تَحْصِيلِ ما هَدى إلَيْهِ ومِنهم مَن ثَبَتَ عَلى الضَّلالَةِ لِعِنادِهِ وعَدَمِ صَرْفِ قُدْرَتِهِ إلى تَحْصِيلِ الحَقِّ، والفاءُ في ( فَمِنهم ) نَصِيحَةٌ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وكانَ الظّاهِرُ في القِسْمِ الثّانِي- ومِنهم مَن أضَلَّ اللَّهُ- إلّا أنَّهُ غَيَّرَ الأُسْلُوبَ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ لِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ  ﴾ (وأنْ) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِما في البَعْثِ مِن مَعْنى القَوْلِ وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ بِأنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴿ فَسِيرُوا ﴾ أيُّها المُشْرِكُونَ المُكَذِّبُونَ القائِلُونَ: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ ﴿ فِي الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ ﴾ مِن عادٍ وثَمُودَ ومَن سارَ سَيْرَهم مِمَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ وقالَ كَما قُلْتُمْ لَعَلَّكم تَعْتَبِرُونَ، وتَرَتُّبُ الأمْرِ بِالسَّيْرِ عَلى مُجَرَّدِ الإخْبارِ بِثُبُوتِ الضَّلالَةِ عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِ إخْبارٍ بِحُلُولِ العَذابِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ، وفي عِطْفِ الأمْرِ الثّانِي بِالفاءِ إشْعارٌ بِوُجُوبِ المُبادَرَةِ إلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ المُنْقِذَيْنِ مِنَ الضَّلالِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثمّ قال: فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ مَا عَمِلُوا أي: جزاء ما عملوا وَحاقَ بِهِمْ أي: نزل بهم مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ من العذاب إنه غير نازل بهم.

قوله: وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أي: أهل مكة لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ قالوا ذلك على وجه الاستهزاء، يعني: أن الله قد شاء لنا ذلك الذي نَحْنُ فيه وَلا آباؤُنا ولكن شاء لنا ولآبائنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ولكن شاء لنا ولآبائنا من تحريم البحيرة والسائبة وأمرنا به، ولو لم يشأ، ما حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ.

قال الله تعالى: كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يقول: هكذا كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ من الأمم فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ أي: تبليغ الرسالة الْمُبِينُ أي: يبيّنوا لهم ما أمروا به.

قوله: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ أي: في كل جماعة رَسُولًا كما بعثناك إلى أهل مكة أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي: وحدوا الله، وأطيعوه وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ أي: اتركوا عبادة الطاغوت، وهو: الشيطان، والكاهن، والصنم، فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ لدينه، وهم الذين أجابوا الرسل للإيمان وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فلم يجب الرسل إلى الإيمان فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ يقول: سافروا في الأرض فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ يقول: اعتبروا كيف كان آخر أمر المكذبين.

فلما نزلت هذه الآية، قرأها  عليهم فلم يؤمنوا، فنزل: إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ يعني: على إيمانهم فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ يقول: من يضلل الله وعلم أنه أهل لذلك، وقدر عليه ذلك.

قال مقاتل: فَإِنَّ الله لاَ يَهْدِى مَن يُضِلُّ، يقول: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ [الأعراف: 186] قرأ أهل الكوفة: حمزة، وعاصم، والكسائي: لاَّ يَهْدِي بنصب الياء وكسر الدال، أي: لا يهدي من يضلله الله.

وقرأ الباقون: لاَّ يَهِدِّى بضم الياء، ونصب الدال، على معنى فعل ما لم يسم فاعله.

وقال إبراهيم بن الحكم: سألت أبي عن قوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ فقال: قال عكرمة: قال ابن عباس: «من يضلله الله لا يهدى» وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ أي: من مانعين من نزول العذاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ...

الآية: إِلى قوله: فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ، وقرأ حمزة والكسائِيُّ وعاصم «١» : «لاَ يَهْدِي» - بفتح الياء وكسر الدال-، وذلك على معنيين: أيْ: إِن اللَّه لا يَهْدِي من قضَى بإِضلاله، والمعنى الثاني: أنَّ العربَ تقُولُ: هَدَى الرَّجُلُ، بمعنى اهتدى.

وقوله سبحانه: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ: الضمير في أَقْسَمُوا لكفَّار قريش، ثم رَدَّ اللَّه تعالى عليهم بقوله: بَلى، فأوجب بذلك البعث، وأَكْثَرَ النَّاسِ في هذه الآية: الكفَّار المكذِّبون بالبَعْث.

وقوله سبحانه: لِيُبَيِّنَ: التقدير: بلى يبعثه ليبيِّن لهم الذي يَخْتَلِفُونَ فيه.

وقوله سبحانه: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ ...

الآية: المَقْصَدُ بهذه الآية إِعلامُ مُنْكِرِي البَعْث بِهَوَانِ أمره على اللَّه تعالى، وقُرْبِهِ في قُدْرته، لا ربِّ غيره.

أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤٧)

وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا: هؤلاء هُمُ الذين هاجروا إِلى أرض الحبشةِ، هذا قول الجمهورِ، / وهو الصحيحُ في سبب نزولِ الآية لأن هجرة المدينة لم تكُنْ وقْتَ نزول الآيةِ، والآيةُ تتناوَلُ كلَّ مَنْ هاجر أَولاً وآخراً، وقرأ جماعة «٢» خارجَ السبْعِ: «لَنُثْوِيَنَّهُمْ» ، واختلف في معنى الحسنة هنا، فقالتْ فرقة:

الحسنةُ عِدَةٌ بَبُقْعةٍ شريفةٍ، وهي المدينةُ، وذهبَتْ فرقةٌ إِلى أن الحسنة عامّة في كلّ أمر

مستحسَنٍ يناله ابنُ آدم، وفي هذا القولِ يدخُلُ ما رُوِيَ عن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه: أنه كَانَ يُعْطِي المَالَ وَقْتَ القِسْمَة الرَّجُلَ مِنَ المُهَاجِرِينَ، ويقُولُ له: خُذْ ما وَعَدَكَ اللَّهُ في الدنيا، وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ، ثم يتلو هذه «١» الآية، ويدخل في هذا القولِ النَّصْرُ على العدوِّ، وفتْحُ البلادِ، وكلُّ أَمَلٍ بلغه المهاجرون، والضمير في يَعْلَمُونَ عائدٌ على كفار قريشٍ.

وقوله: الَّذِينَ صَبَرُوا: من صفة المهاجرين.

وقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ: هذه الآيةُ ردٌّ على كفَّار قريش الذينَ استبعدوا أنْ يبعثَ اللَّه بشراً رَسُولاً، ثم قال تعالى: فَسْئَلُوا، أي: قل لهم: فَسْئَلُوا، وأَهْلَ الذِّكْرِ هنا: أحبارِ اليهودِ والنصارَى قاله ابن عباس وغيره «٢» ، وهو أظهر الأقوال، وهم في هذه النازِلَةِ خاصَّة إِنما يخبرون بأنَّ الرسُلَ من البَشَر، وأخبارُهم حجَّة على هؤلاء، وقدْ أرسلَتْ قريشٌ إِلى يهودِ يَثْرِبَ يسألونهم ويُسْنِدُون إِليهم.

وقوله: بِالْبَيِّناتِ: متعلِّق بفعلٍ مضمرٍ، تقديره: أرسلناهم بالبيِّنات، وقالتْ فرقة:

الباءُ متعلِّقة ب أَرْسَلْنا في أول الآية، والتقدير على هذا: وما أرسلنا من قبلك بالبيِّنات والزُّبُرِ إِلاَّ رجالا، ففي الآية تقديم وتأخير، والزُّبُرِ: الكُتُبُ المزبورة.

وقوله سبحانه: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ...

الآية.

ت: وقد فعل صلّى الله عليه وسلّم ذلك، فبيَّن عن اللَّهِ، وأوْضَح، وقد أوتي صلّى الله عليه وسلّم جوامعَ الكَلِم، فأعرب عن دين اللَّهِ، وأفصح، ولنذكُر الآن طَرَفاً من حِكَمِهِ، وفصيحِ كلامِهِ بحذف أسانيده، قال عِياضٌ في «شِفَاهُ» : وأما كلامه صلّى الله عليه وسلّم المعتادُ، وفصاحَتُه المعلومةُ، وجوامُع كَلِمِهِ، وحِكَمُه المأثورةُ، فمنها ما لا يُوَازَى فصاحةً، ولا يبارَى بلاغةً كقوله: «المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ» «٣» ، وقوله: «النّاس

كأسنان المشط» «١» ، «والمرء مَعَ مَنْ أَحَبَّ» «٢» ، و «لاَ خَيْرِ فِي صُحْبَةِ مَنْ لاَ يَرَى لَكَ مَا تَرَى لَهُ» «٣» ، و «النَّاسُ مَعَادِنٌ» «٤» ، و «مَا هَلَكَ امرؤ عَرَفَ قَدْرَهُ» ، و «المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ» ، و «هو بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَكَلَّم» «٥» ، و «رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً قَالَ خَيْراً فَغَنِمَ، أَوْ سَكَتَ عَنْ شرّ فسلم» ،

وقوله: «أَسْلِمْ تَسْلَمْ» ، و «أَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ» ، و «إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبَكُمْ منّي

مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا الموطّئون أَكْنَافاً الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ» ، وقوله: «لَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِمَا لاَ يَعْنِيهِ، وَيَبْخَلُ بِمَا لاَ يُغْنِيهِ» ، وقوله: «ذُو الوَجْهَيْنِ لاَ يَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً» / وَنَهْيُهُ عَنْ قِيلٍ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ المَالِ، وَمَنْعٍ وَهَاتِ، وَعُقُوقِ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدِ البَنَاتِ «١» ، وقوله: «اتق اللَّهَ حَيْثُ كُنْتَ، وأتبع السّيّئة الحسنة تمحها،

وَخَالِق النَّاسَ بِخُلُقٍ حسنٍ» «١» و «خَيْرُ الأُمُورِ أَوْسَاطُها» ، وقوله: «أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْناً مَّا، عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْماً مَّا» ، وقوله: «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَة» ، وقولِهِ في بَعْضِ دعائه: «اللَّهُمَّ، إِنِّي أَسْأَلُكَ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ تَهْدِي بِهَا قَلْبِي، وَتَجْمَعُ بِهَا أَمْرِي، وَتُلِمُّ بِهَا شَعْثِي «٢» ، وَتُصْلِحُ بِهَا غَائِبِي، وَتَرْفَعُ بِهَا شَاهِدِي، وتُزَكِّي بِهَا عَمَلِي، وَتُلْهِمُنِي بِهَا رَشَدِي، وَتُرَدُّ بِهَا أُلْفَتِي، وَتَعْصِمُنِي بِهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ، اللَّهُمَّ، إِنِّي أَسْأَلُكَ الفَوْزَ فِي القَضَاءِ، وَنُزُلَ الشُّهَدَاءِ، وَعَيْشَ السُّعَدَاءِ، وَالنَّصْرَ عَلَى الأَعْدَاءِ» ، إِلى غَيْرِ ذلكَ مِنْ بيانِهِ، وحُسْنِ كلامه ممَّا روته الكافَّة مما لا يُقَاسُ به غيره، وحاز فيه سبقاً لا يُقْدَرُ قَدْرُهُ كقوله:

«السَّعَيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، والشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ» في أخواتها مما يدرك الناظِرُ العَجَبَ في مضمَّنها، ويذهَبُ به الفكْرُ في أداني حكمها، وقال صلّى الله عليه وسلّم: «بَيْدَ أَنِّي مِنْ قُرَيْشٍ، وَنَشَأْتُ فِي بَنِي سَعْدٍ» ، فجمع اللَّه له بذلك قُوَّة عارضَةِ الباديةِ وجزالَتَهَا، وَنَصَاعَةَ ألفاظِ الحاضِرَةِ وَرَوْنَقَ كلامِهَا، إِلى التأييد الإلهي الذي مَدَدُهُ الوَحْي، الذي لا يحيطُ بعلمه بَشَرِيّ.

انتهى.

وبالجملة فليس بَعْدَ بيان اللَّه ورسُولِهِ بيانٌ لمن عَمَّر اللَّهُ قلْبَه بالإِيمان.

وقوله سبحانه: أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ ...

الآية: تهديدٌ لكفَّار مكَّة ونَصْبُ السيئات ب مَكَرُوا وعُدِّيَ مَكَرُوا لأنه في معنى عملوا، قال البخاريُّ: قال ابن عباس: فِي تَقَلُّبِهِمْ، أي: في اختلافهم «٣» انتهى.

وقال المهدويُّ: قال قتادة: فِي تَقَلُّبِهِمْ: في أسفارهم «٤» ، الضَّحَّاك: فِي تَقَلُّبِهِمْ: باللْيلِ انتهى.

وقوله: عَلى تَخَوُّفٍ، على جهة التخُّوف، والتخُّوفُ التنقُّص، وروي أن عمر بن الخطَّاب رضي اللَّه عنه خَفِيَ عليه معنى التخُّوف في هذه الآية، وأراد الكَتْبَ إلى الأمصار يسأل عن ذلك، فيروَى أنه جاءه فَتًى مِن العرب، فقال: يا أمير المؤمِنِين، إِنَّ أَبي يتخَّوفُنِي مَالي، فقَالَ عُمَرُ: اللَّهُ أَكْبَرُ!

أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ «٥» ، ومنه قول النابغة: [الطويل]

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ يَعْنِي: كَفّارَ مَكَّةَ " لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ " يَعْنِي: الأصْنامَ، أيْ: لَوْ شاءَ ما أشْرَكْنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ مِنَ البَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ، والوَصِيلَةِ، والحامِ، والحَرْثِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ ﴿ وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ \[الدَّهْرِ:٣٠\] قالُوا هَذا، عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، لا عَلى سَبِيلِ الِاعْتِقادِ، وقِيلَ: مَعْنى كَلامِهِمْ: لَوْ لَمْ يَأْمُرْنا بِهَذا ويُرِدْهُ مِنّا، لَمْ نَأْتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أيْ: مِن تَكْذِيبِ الرُّسُلِ وتَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ، ﴿ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلا البَلاغُ المُبِينُ ﴾ يَعْنِي: لَيْسَ عَلَيْهِمْ إلّا التَّبْلِيغُ، فَأمّا الهِدايَةُ فَهي إلى اللَّهِ تَعالى، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا ﴾ أيْ: كَما بَعَثْناكَ في هَؤُلاءِ ﴿ أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ أيْ: وحِّدُوهُ ﴿ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ ﴾ وهو الشَّيْطانُ ﴿ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ﴾ أيْ: أرْشَدَهُ ﴿ وَمِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ ﴾ أيْ: وجَبَتْ في سابِقِ عِلْمِ اللَّهِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ إنَّما بَعَثَ الرُّسُلَ بِالأمْرِ بِالعِبادَةِ، وهو مِن وراءِ الإضْلالِ والهِدايَةِ، " فَسِيرُوا في الأرْضِ " أيْ: مُعْتَبِرِينَ بِآثارِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ، ثُمَّ أكَّدَ أنَّ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ لا يَهْتَدِي، فَقالَ: ﴿ إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ ﴾ أيْ: [إنْ] تَطْلُبْ هُداهم بِجُهْدِكَ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: " لا يُهْدى " بِرَفْعِ الياءِ وفَتْحِ الدّالِ، والمَعْنى: مَن أضَلَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " يَهْدِي " بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في " يُضِلُّ " أنَّها بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الضّادِ، وهَذِهِ القِراءَةُ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ: أحَدُهُما: لا يَهْدِي مَن طَبَعَهُ ضالًّا، وخَلَقَهُ شَقِيًّا.

والثّانِي: لا يَهْدِي، أيْ: لا يَهْتَدِي مَن أضَلَّهُ، أيْ: مَن أضَلَّهُ اللَّهُ لا يَهْتَدِي، فَيَكُونُ مَعْنى يَهْدِي: يَهْتَدِي، تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ هُدِيَ فُلانٌ الطَّرِيقَ، يُرِيدُونَ: اهْتَدى.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أنِ اُعْبُدُوا اللهَ واجْتَنِبُوا الطاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللهَ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ ﴾ ﴿ إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مَن ناصِرِينَ ﴾ ﴿ وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ لَمّا أشارَ قَوْلُهُ: ﴿ فَهَلْ عَلى الرُسُلِ إلا البَلاغُ المُبِينُ  ﴾ إلى إقامَةِ الحُجَّةِ حَسَبَ ما ذَكَرْناهُ بَيْنَ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ، أيْ إنَّهُ بَعْثَ الرُسُلِ آمِرًا بِعِبادَتِهِ وتَجَنُّبِ عِبادَةِ غَيْرِهِ.

و"الطاغُوتَ" في اللُغَةِ كُلُّ ما عَبَدَ مِن دُونِ اللهِ مِن آدَمِيٍّ راضٍ بِذَلِكَ أو حَجَرٍ أو خَشَبٍ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مِنهم مَنِ اعْتَبَرَ وهَداهُ اللهُ ونَظَرَ بِبَصِيرَتِهِ، ومِنهم مَن أعْرِضُ وكَفَرَ فَحَقَّتْ عَلَيْهِ الضَلالَةُ، وهي مُؤَدِّيَةٌ إلى النارِ حَتْمًا، ومِنهم مَن أدَّتْهُ إلى عَذابِ اللهِ في الدُنْيا، ثُمَّ أحالَهم في عِلْمِ ذَلِكَ عَلى الطَلَبِ في الأرْضِ، واسْتِقْراءِ الأُمَمِ، والوُقُوفِ عَلى عَواقِبِ الكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ،.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تَحْرِصْ ﴾ الآيَةُ، الحِرْصُ: أبْلَغُ الإرادَةِ في الشَيْءِ، وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، أيْ أنَّ حِرْصَكَ لا يَنْفَعُ، فَإنَّها أُمُورٌ مَحْتُومَةٌ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ومُجاهِدٌ، وشِبْلُ، ومُزاحِمُ الخُراسانِيُّ، وأبُو رَجاءٍ العَطارِدِيِّ، وابْنُ سِيرِينِ: "لا يُهْدى" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الدالِّ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لا يَهْدِي" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الدالِّ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وجَماعَةٍ، وذَلِكَ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أيْ أنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَن قَضى بِإضْلالِهِ، والمَعْنى الآخَرُ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: "يَهْدِي الرَجُلُ" بِمَعْنى "اهْتَدى"، حَكاهُ الفَرّاءُ، وفي القُرْآنِ: ﴿ لا يَهِدِّي إلا أنْ يُهْدى  ﴾ ، وجَعَلَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ بِمَعْنى "يَهْتَدِي"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ والدالِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُهْدِي" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدالِّ، وهي ضَعِيفَةٌ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "فَإنَّ اللهَ لا هادِيَ لِمَن أضَلَّ"، وحَكاها أبُو حاتِمٍ: "فَإنَّهُ لا هادِيَ لِمَن أضَلَّ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: "الراجِعُ إلى اسْمِ "إنَّ" مُقَدَّرٌ في "يُضِلُّ" عَلى كُلِّ قِراءَةٍ إلّا قِراءَةَ "يَهْدِي" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الدالِّ، أيْ: يَهْدِي اللهُ، فَإنَّ الراجِعَ مُقَدَّرٌ في "يَهْدِي".

وقَوْلُهُ: ﴿ وَما لَهم مِن ناصِرِينَ ﴾ ضَمِيرٌ عَلى مَعْنى "مِن"، وتَقُولُ العَرَبُ: حَرَصَ يَحْرُصُ وحَرَصَ يَحْرِصُ، والكَسْرُ في المُسْتَقْبَلِ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وإبْراهِيمُ، وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِ الراءِ في قَوْلِهِ "حَرَصَ" وقَرَأ إبْراهِيمُ: "وَإنْ تَحْرِصْ" بِزِيادَةِ الواوِ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَأقْسَمُوا" لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، وذَكَرَ أنَّ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ جاوَرَ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ، فَقالَ في حَدِيثِهِ: "لا والَّذِي أرْجُوهُ بَعْدَ المَوْتِ"، فَقالَ لَهُ الكافِرُ: "أو بَعَثَ بَعْدَ المَوْتِ"؟

قالَ: "نَعَمْ"، فَأقْسَمَ الكافِرُ مُجْتَهِدًا في يَمِينِهِ أنَّ اللهَ لا يَبْعَثُ أحَدًا بَعْدَ المَوْتِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، و"جَهْدَ" مَصْدَرٌ، ومَعْناهُ: بِغايَةِ جُهْدِهِمْ، ثُمَّ رَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: "بَلى" فَأوجَبَ بِذَلِكَ البَعْثَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ﴾ مَصْدَرانِ مُؤَكِّدانِ، وقَرَأ الضَحاكُ: "بَلى وعْدٌ عَلَيْهِ حَقٌّ" بِالرَفْعِ في المَصْدَرَيْنِ، وَأكْثَرُ الناسِ في هَذِهِ الآيَةِ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ، والبَعْثُ مِنَ القُبُورِ مِمّا يُجَوِّزُهُ العَقْلُ، وأثْبَتَهُ خَبَرُ الشَرِيعَةِ عَلى لِسانِ جَمِيعِ النَبِيِّينَ، وقالَ بَعْضُ الشِيعَةِ: إنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وإنَّ اللهَ سَيَبْعَثُهُ في الدُنْيا، وهَذا هو القَوْلُ بِالرَجْعَةِ، وقَوْلُهم هَذا باطِلٌ وافْتِراءٌ عَلى اللهِ، وبُهْتانٌ مِنَ القَوْلِ رَدَّهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ [سورة النحل: 35].

وهو تكملة لإبطال شبهة المشركين إبطالاً بطريقة التفصيل بعد الإجمال لزيادة تقرير الحجّة، فقوله تعالى: ﴿ ولقد بعثنا في كل أمة ﴾ بيان لمضمون جملة ﴿ فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ﴾ [النحل: 35].

وجملة فمنهم من هدى الله إلى آخرها بيان لمضمون جملة ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ .

والمعنى: أن الله بيّن للأمم على ألسنة الرسل عليهم السلام أنّه يأمرهم بعبادته واجتناب عبادة الأصنام؛ فمن كل أمّة أقوام هداهم الله فصدّقوا وآمنوا، ومنهم أقوام تمكّنت منهم الضلالة فهلكوا.

ومن سار في الأرض رأى دلائل استئصالهم.

و ﴿ أن ﴾ تفسيرية لجملة ﴿ بعثنا ﴾ لأنّ البعث يتضمّن معنى القول، إذ هو بعث للتبليغ.

و ﴿ الطاغوت ﴾ : جنس ما يعبد من دون الله من الأصنام.

وقد يذكرونه بصيغة الجمع، فيقال: الطواغيت، وهي الأصنام.

وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ يؤمنون بالجبت والطاغوت ﴾ في سورة النساء (51).

وأسندت هداية بعضهم إلى الله مع أنه أمر جميعهم بالهدى تنبيهاً للمشركين على إزالة شبهتهم في قولهم: ﴿ لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء ﴾ [سورة النحل: 35] بأن الله بيّن لهم الهُدى، فاهتداء المهتدين بسبب بيانه، فهو الهادي لهم.

والتّعبير في جانب الضلالة بلفظ حقّت عليهم دون إسناد الإضلال إلى الله إشارة إلى أن الله لما نهاهم عن الضلالة فقد كان تصميمهم عليها إبقاء لضلالتهم السابقة فحقّت عليهم الضلالة، أي ثبتت ولم ترتفع.

وفي ذلك إيماء إلى أن بقاء الضلالة من كسب أنفسهم؛ ولكن ورد في آيات أخرى أن الله يضلّ الضالّين، كما في قوله: ﴿ ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيقاً حرجاً ﴾ [سورة الأنعام: 125]، وقوله عقب هذا ﴿ فإن الله لا يهدي من يضلّ ﴾ [سورة النحل: 37] على قراءة الجمهور، ليحصل من مجموع ذلك علم بأن الله كَوّنَ أسباباً عديدة بعضها جاءٍ من توالد العقول والأمزجة واقتباس بعضها من بعض، وبعضها تابع للدعوات الضالّة بحيث تهيّأت من اجتماع أمور شتّى لا يحصيها إلا الله، أسباب تامّة تحول بين الضالّ وبين الهدى.

فلا جرم كانت تلك الأسباب هي سبب حقّ الضلالة عليهم، فباعتبار الأسباب المباشرة كان ضلالهم من حالات أنفسهم، وباعتبار الأسباب العالية المتوالدة كان ضلالهم من لدن خالق تلك الأسباب وخالق نواميسها في متقادم العصور.

فافْهَم.

ثم فرّع على ذلك الأمَر بالسير في الأرض لينظروا آثار الأمم فيروا منها آثار استئصال مخالف لأحوال الفناء المعتاد، ولذلك كان الاستدلال بها متوقّفاً على السير في الأرض، ولو كان المراد مطلق الفناء لأمرهم بمشاهدة المقابر وذكر السّلف الأوائل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا ﴾ يَعْنِي مِن بَعْدِ ما ظَلَمَهم أهْلُ مَكَّةَ حِينَ أخْرَجُوهم إلى الحَبَشَةِ بَعْدَ العَذابِ والإبْعادِ.

﴿ لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: نُزُولُ المَدِينَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والشَّعْبِيُّ وقَتادَةُ.

الثّانِي: الرِّزْقُ الحَسَنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ النَّصْرُ عَلى عَدُوِّهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ لِسانُ صِدْقٍ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا خامِسًا: أنَّهُ ما اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ مِن فُتُوحِ البِلادِ وصارَ لَهم فِيها مِنَ الوِلاياتِ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا سادِسًا: أنَّهُ ما بَقِيَ لَهم في الدُّنْيا مِنَ الثَّناءِ، وما صارَ فِيها لِأوْلادِهِمْ مِنَ الشَّرَفِ.

وَقالَ داوُدُ بْنُ إبْراهِيمَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي جَنْدَلِ بْنِ سَهْلٍ، وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في بِلالٍ وعَمّارٍ وصُهَيْبٍ وخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ عَذَّبَهم أهْلُ مَكَّةَ حَتّى قالُوا لَهم ما أرادُوا في الدُّنْيا، فَلَمّا خَلَّوْهم هاجَرُوا إلى المَدِينَةِ.

وَرُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ إذا دَفَعَ إلى المُهاجِرِينَ العَطاءَ قالَ: هَذا ما وعَدَكُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا، وما خَوَّلَكم في الآخِرَةِ أكْثَرُ، ثُمَّ تَلا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ﴾ قال: بالموت.

وقال في آية أخرى ﴿ ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ﴾ [ الأنفال: 50] .

وهو ملك الموت، وله رسل ﴿ أو يأتي أمر ربك ﴾ وذاك يوم القيامة.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ﴾ يقول: عند الموت، حين تتوفاهم ﴿ أو يأتي أمر ربك ﴾ قال: ذلك يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا ﴾ ، يعني كما بعثناك في هؤلاء، ﴿ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ تعالى، أي: بعبادة الله تعالى، والتقدير: بأن اعبدوا الله، فحذف الجار، ﴿ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ ، أي: الشيطانَ وكلَّ من يدعو إلى الضلالة، ﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ ﴾ : أرشده، {وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ} قال ابن عباس: يريد في سابق علمي (١) وقال الزجاج: أعلم اللهُ أنه بَعَثَ الرسلَ بالأمر بالعبادة، وهو من وراء الإضلال والهداية، وهذا يدل على أنهم لو قالوا: ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا ﴾ الآية، معتقدين لكانوا صادقين (٢) ﴿ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ﴾ : وجب عليهم الكفر، كما قال: ﴿ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ  ﴾ ، ثم قال: ﴿ فَسِيرُوا ﴾ الآية، أي: فسيروا معتبرين في الأرض بآثار الأمم المكذبة، فتعرفوا أن العذاب بإزائكم كما نزل بهم، ثم أكد أن من حقَّت عليه الضلالة لا يهتدي.

(١) انظر: تفسيره "الوسيط"، تحقيق سيسي 2/ 393، وورد بلا نسبة في "تفسير ابن الجوزي" 4/ 446، وورد بمعناه بلا نسبة في "تفسير الفخر الرازي" 20/ 29، و"تفسير القرطبي" 10/ 104، والخازن 3/ 114.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 198، بتصرف يسير.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ ﴾ أي ينتظرون، والضمير للكفار وإنما أن تأتيهم الملائكة يعني لقبض أرواحهم ﴿ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ ﴾ يعني قيام الساعة أو العذاب في الدنيا ﴿ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ ﴾ أي أصابهم جزاء سيئات ما عملوا ﴿ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ أي أحاط بهم العذاب الذين كانوا به يستهزؤن، وهذا تفسيره حيث وقع ﴿ وَقَالَ الذين أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ الله مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ﴾ قالوا ذلك على وجه المجادلة والمخاصمة والاحتجاج على صحة فعلهم؛ أي أن فِعلنا هو بمشيئة الله فهو صواب، ولو شاء الله أن لا نفعله ما فعلناه، والرّد عليهم بأن الله نهى عن الشرك ولكنه قضى على من يشاء من عباده، ويحتمل أن يكونوا قالوا ذلك في الآخرة على وجه التمني فإن ﴿ لو ﴾ تكون للتمني والمعنى هذا أنهم لما رأوا العذاب تمنوا أن يكونوا لم يعبدوا غيره، ولم يحرموا ما أحل الله من البحيرة وغيرها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ شركاي ﴾ مثل ﴿ هداي ﴾ زمعة عن ابن كثير والخزاعي عن البزي.

وقرأ الخزاز عن هبيرة ﴿ شركائي الذين ﴾ مرسلة الياء، الباقون بفتح الياء وكذلك في "الكهف" و"القصص".

﴿ تشاقون ﴾ بكسر النون: نافع، الآخرون بفتحها ﴿ تتوفاهم ﴾ وما بعده بالإمالة: حمزة وخلف ﴿ لا يهدي ﴾ بفتح الياء وكسر الدال: عاصم وحمزة وعلي وخلف، الباقون بضم الياء وفتح الدال.

﴿ كن فيكون ﴾ بالنصب: ابن عامر وعلي، الباقون بالرفع.

الوقوف: ﴿ ربكم ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ الأولين ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ يوم القيامة ﴾ لا لأن قوله ﴿ ومن أوزار ﴾ مفعول ﴿ ليحملوا ﴾ ط ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ ما يزرون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ فيهم ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده صفة ﴿ أنفسهم ﴾ ص لطول الكلام ﴿ من سوء ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ المتكبرين ﴾ ه ﴿ أنزل ربكم ﴾ ط ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ خير ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ يشاءُون ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ طيبين ﴾ ه لا لأن ما بعده حال آخر.

﴿ سلام عليكم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ ادخلوا ﴾ مفعول ﴿ يقولون ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ أمر ربك ﴾ ط ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ يستهزءُون ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ الثاني ط ﴿ من قبلهم ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ الطاغوت ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ الضلالة ﴾ ط ﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ أيمانهم ﴾ لا لأن ما بعده جواب القسم ﴿ يموت ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه لا لتعلق لام كي ﴿ كاذبين ﴾ ه ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ م لأن جواب "لو" محذوف أي لو كانوا يعلمون لما اختاروا الدنيا على الآخرة، ولو وصل لصار قوله: ﴿ ولأجر الآخرة ﴾ متعلقاً بشرط "أن" ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ وهو محال ﴿ يعلمون ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين صبروا ﴾ بدل ﴿ الذين هاجروا ﴾ ﴿ يتوكلون ﴾ ه.

التفسير: لما بالغ في تقرير دلائل التوحيد أراد أن يذكر شبهات منكري النبوة مع أجوبتها.

فالشبهة الأولى أنهم طعنوا في القرآن وعدّوه من قبيل الأساطير.

قال النحويون: "ماذا" منصوب بأنزل بمعنى أي شيء أنزله ربكم، أو "ما" مبتدأ و "ذا" موصولة، والجملة صلتها، والمجموع خبر المبتدأ، وعلى التقديرين: فقوله: ﴿ أساطير الأوّلين ﴾ بالرفع ليس بجواب للكفار وإلا لكان المعنى الذي أنزله ربنا أساطير الأوّلين والكفار لا يقرون بالإنزال فهو إذن كلام مستأنف أي ليس ما تدّعون إنزاله منزلاً بل هو أساطير الأولين.

وقال في الكشاف: معناه المنزل أساطير الأوّلين وذكر في دفع التناقض أنه على السخرية كقوله: { ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون  ﴾ وجوز كونه منصوباً ولم يقرأ به.

واختلفوا في السائل فقيل: هو كلام بعضهم لبعض.

وقيل: هو قول المسلمين لهم وقيل: هو قول المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن رسول الله  إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل على رسول الله  قالوا: أحاديث الأوّلين وأباطيلهم، ليس فيه شيء من العلوم والفصاحة والحقائق والدقائق.

ثم إنه تعال اقتصر في جواب شبههم على محض الوعي لأنه قد ثبت بالتحدي كما مر ذكره مراراً أن القرآن معجز تحدوا بالقرآن جملة ثم بعشر سور ثم بسورة فعجزوا عن المعارضة فكان طعنهم فيه بعد ذلك مجرد المكابرة والعناد فلم يستحقوا في الجواب إلا التهديد والوعيد.

واللام في قوله: ﴿ ليحملوا ﴾ ليس لام الغرض لأنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير لغرض حمل الأوزار، ولكن لما كانت عاقبتهم ذلك حسن التعليل به فكان لام العاقبة، وقوله: ﴿ كاملة ﴾ معناه أنه  لا يخفف من عقابهم شيئاً، وفيه دليل على أنه  قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين لأن هذا المعنى لو كان حاصلاً في حق الكل لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل فائدة.

قال الواحدي: لفظة "من" في قوله: ﴿ ومن أوزار الذين ﴾ ليست للتبعيض فإنه لا يخفف عن الأتباع بعض أوزارهم لقوله  "أيما داع دعا إلى الضلال فاتبع كان عليه وزر من اتبعه لا ينقص من آثامهم شيء" ولكنها للابتداء أي لحملوا ما قد نشأ من أوزار الاتباع، أو للبيان أي ليحملوا ما هو من جنس أوزار تبعهم.

ومعنى ﴿ بغير علم ﴾ أن هؤلاء الرؤساء إنما يقدمون على هذا الإضلال جهلاً منهم بما يتسحقونه من العذاب الشديد على ذلك الإضلال.

وقال في الكشاف: ﴿ بغير علم ﴾ حال من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال.

وإنما وصف بالضلال واحتمال الوزر من أضلوه وإن لم يعلم لأنه كان عليه أن يبحث وينظر بعقله حتى يميز بين المحق والمبطل.

ثم أوعدهم بما هو النهاية في التهديد فقال: ﴿ ألا ساء ما يزرون ﴾ وزرهم.

ثم حكى حال أضرابهم من المتقدين فقال: ﴿ قد مكر الذين من قبلهم ﴾ ذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد به نمروذ بن كنعان بنى صرحاً عظيماً ببابل طوله خمسة آلاف ذراع - وقيل فرسخان - ورام الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها فأهب الله الريح فخر عليه وعلى قومه فهلكوا، وألقت رأس الصرح في البحر فأحدث نمروذ وتبلبلت يومئذٍ ألسن الناس من الفزع فتكلموا بثلاثة وتسعين لساناً ولذلك سميت ببابل، وكان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية، وابتلاه الله ببعوضة دخلت دماغه والحكاية مشهورة.

والأصح أن الآية عامة في جميع المبطلين الذين يحاولون إلحق الضرر بالمحقين.

وعلى القول الأوّل معنى قوله: ﴿ فأتى الله ﴾ أي أمره وحكمه ﴿ بنيانهم من القواعد ﴾ وهي أساطين البناء التي تعمده أو الأساس أنه أسقط السقف عليهم بعد هدم القواعد.

وفائدة زيادة قوله: ﴿ من فوقهم ﴾ التنصيص على أن الأبنية تهدمت وهم ماتوا تحتها، وعلى الثاني يكون الكلام محض التمثيل والمراد أنهم سوّوا منصوبات وحيلاً ليمكروا بها رسل الله، فجعل الله هلاكهم في تلك الحيل كحيل قوم بنوا بنياناً وعمدوه بالأساطين، فأتي البنيان من الأساطين بأن ضعفت فسقط عليهم السقف فهلكوا ونحوه "من حفر بئراً لأخيه فقد وقع فيه" وبعبارة أخرى "من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً".

ثم بين أن عذابهم ير مقصور على عذاب الدنيا بل الله  يخزيهم يوم القيامة بإدخالهم النار ﴿ إنك من تدخل النار فقد أخزيته  ﴾ ﴿ ويقول ﴾ مع ذلك لأجل الإهانة والتوبيخ ﴿ أين شركائي ﴾ الإضافة لأدنى الملابسة أو هي حكاية لإضافتهم استهزاء وتوبيخاً ﴿ الذين كنتم تشاقون ﴾ تخاصمون المؤمنين في شأنهم.

ومن قرأ بكسر النون فعلى حذف يا المتكلم لأن مشاقة المؤمنين مشاقة الله.

ثم ذكر على سبيل الاستئناف ﴿ قال الذين أوتوا العلم ﴾ عن ابن عباس هم الملائكة.

وقال الآخرون: هم الأنبياء والعلماء من أممهم الذين كانوا يعظونهم ولا يلتفتون إليهم فيقولون ذلك يوم القيامة شماتة بهم.

قالت المرجئة قولهم: ﴿ إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ﴾ يدل على أن ماهية الخزي والسوء مختص بالكافرين فينتفي عن غيرهم.

أما قوله: ﴿ فألقوا السلم ﴾ فعن ابن عباس: المراد أنهم أسلموا وأقروا بالعبودية عند الموت.

وقيل: إنه في يوم القيامة وقولهم: ﴿ ما كنا نعمل من سوء ﴾ أرادوا الشرك قالوه على وجه الكذب والجحود، ومن لم يجوز الكذب على أهل القيامة قال: أرادوا في اعتقادهم وظنونهم فرد عليهم أولو العلم أو الملائكة بقوله: ﴿ بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون ﴾ في الدنيا فلا ينفعكم هذا الكذب وإنه يجازيكم على الكفر الذي علمه منكم.

قال في الكشاف: وهذا أيضاً من الشماتة وكذلك ﴿ فادخلوا أبواب جهنم ﴾ وفي ذكر الأبواب إشارة إلى تفاوت منازلهم في دركات جهنم.

ثم قال: ﴿ فلبئس مثوى المتكبرين ﴾ عن قبول التوحيد وسائر ما أتت به الأنبياء.

والفاء للعطف على فاء التعقيب في ﴿ فادخلوا ﴾ واللام للتأكيد يجري مجرى القسم موافقة لقوله بعد ذلك ﴿ ولنعم دار المتقين ﴾ ولا نظير لهما في كل القرآن.

ثم أتبع أوصاف الأشقياء أحوال السعداء فقال: ﴿ وقيل للذين اتقوا ﴾ الآية.

وإنما ذكر الجواب ههنا بالنصب ليكون الجواب مطابقاً مكشوفاً بيناً من غير تلعثم أي أنزل خيراً أو ﴿ قالوا خيراً ﴾ لا شراً كما قاله الكفار، أو قالوا قولاً خيراً ولو رفعوا لأوهم أنه كلام مستأنف كما في جواب الكفار وليس بمنزل.

روي أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي  فإذا جاء الوافد كفه المقتسمون وأمروه بالانصراف كما مر، فكان الوافد يقول: كيف أرجع إلى قومي دون أن أستطلع أمر محمد وأراه.

فيلقى أصحاب رسول الله  ويخبرونه بصدقه وأنه نبي مبعوث فهم الذين قالوا خيراً.

وجوّز في الكشاف أن يكون ﴿ للذين أحسنوا ﴾ وما بعده بدلاً من ﴿ خيراً ﴾ كأنه فسر الخبر بهذا القول، وجوّز أن يكون كلاماً مبتدأ على سبيل الوعد فيكون قولهم الخير من جملة إحسانهم.

أما قوله ﴿ في هذه الدنيا ﴾ فإما أن يتعلق بما قبله فالمعنى: الذين جاءُوا بالإحسان في هذه الدنيا لهم في الآخرة ﴿ حسنة ﴾ هي الثواب العظيم أو المضاعف إلى سبعمائة أو أكثر، وإما أن يتعلق بما بعده والتقدير: الذين أحسنوا لهم الحسنة في الدنيا باستحقاق المدح والثناء، أبو بالظفر على أعداء الدين باللسان والسنان وفتح البلاد، أو بفتح أبواب المكاشفات والمشاهدات.

والحاصل أن لهم في الدنيا مكافأة بإحسانهم.

﴿ ولدار الآخرة خير ﴾ منها.

ثم بين الخيرية بقوله: ﴿ ولنعم دار المتقين ﴾ دار الآخرة فحذف المخصوص بالمدح لتقدم ذكره.

ثم قال: ﴿ جنات عدنٍ ﴾ أي هي هذه فيكون المبتدأ محذوفاً أو الجنات مبتدأ وما بعدها خبر أو ﴿ جنات عدن ﴾ هي المخصوص بالمدح.

فالجنات يدل على القصور والبساتين، والعدن على الدوام والإقامة.

وقوله: ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ على أنه حصل هناك أبنية مرتفعة هم عليها والأنهار تجري من تحتهم.

وقوله: ﴿ لهم فيها ما يشاءُون ﴾ أبلغ من قوله في موضع آخر ﴿ فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين  ﴾ وفي تقديم الظرف دلالة على أن الإنسان لا يجد كل ما يريده إلا في الجنة، وقوله: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ﴾ أكثر المفسرين على أن هذا التوفي هو قبض الأرواح.

وقوله: ﴿ طيبين ﴾ أي طاهرين عن دنس الكفر والمعاصي أو دنس الكفر وحده، وهذه كلمة جامعة تشمل أنواع البراءة عن العلائق الجسمانية فلا يكون لصاحب هذه الحالة تألم بالموت دليله قوله: ﴿ يقول سلام عليكم ﴾ يروى أنه إذا أشرف العبد المؤمن على الموت جاءه ملك فيقول: السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام وبشره بالجنة فذلك قوله: ﴿ ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ﴾ وعن الحسن أن المراد بهذا التوفي هو وفاة الحشر لأنه لا يقال عند قبض الروح في الدنيا ادخلوا الجنة.

والأولون قالوا: البشارة بالجنة بمنزلة الدخول فيها.

قوله  : ﴿ هل ينظرون ﴾ قيل: إنه جواب شبهة أخرى لمنكري النبوة فإنهم طلبوا من النبي  أن ينزل عليهم ملكاً من السماء يشهد على صدقه في ادّعاء النبوة فقال تعالى: هل ينظرون في تصديق نبوتك ﴿ إلا أن تأتيهم الملائكة ﴾ شاهدين بذلك.

ويحتمل أن يقال: إنهم لما طعنوا في القرآن بأنه أساطير الأولين أوعدهم الله  بما أوعد، ثم وصف القرآن بكونه حقاً وصدقاً وذكر جزاء المتقين ثم ذكر أن أولئك الكفار لا ينزجرون عن كفرهم بسبب البيانات التي ذكرناها إلا إذا جاءتهم الملائكة بالتهديد أو لقبض الأرواح أو أتاهم أمر ربك وهو العذاب المستأصل أو القيامة ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ فأصابهم الهلاك المعجل ﴿ وما ظلمهم الله ﴾ بتدميرهم فإنه أنزل بهم ما استحقوه بكفرهم ﴿ فأصابهم سيئات ما عملوا ﴾ أي جزاء سيئات أعمالهم أو هو من باب الطباق والمشاكلة كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها  ﴾ ﴿ وحاق بهم ﴾ .

أي نزل بهم على وجه الإحاطة عقاب استهزائهم.

الشبهة الثالثة لمنكري النبوة أنهم تشبثوا بمسألة الجبر فقالوا: ﴿ لو شاء الله ما عبدنا ﴾ الآية.

وقد مر في تفسير مثلها في آخر سورة الأنعام، وذكرنا أسرار المتشابه هناك وكذا استدلال المعتزلة بها وجواب الأشاعرة عنها.

وزاد بعض الأشاعرة فقالوا: إن المشركين ذكروا هذا الكلام على وجه الاستهزاء كما قال قوم شعيب ﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد  ﴾ ولو قالوا ذلك معتقدين كانوا مؤمنين.

وقال آخرون: إنه  أجاب عن شبهتهم وهي أنه لما كان الكل من الله كان بعثه الأنبياء عبثاً بقوله: ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ يعني أنهم اعترضوا على أحكام الله وطلبوا لها العلة فعل من تقدمهم من الكفرة ﴿ فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ﴾ أي ما عليهم إلا التبليغ فإما تحصيل الإيمان فليس إليهم.

ثم إنه أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً ﴾ إلى قوله: ﴿ ومنهم من حقت عليه الضلالة ﴾ وفيه دلالة على أن أمر الله قد لا يوافق إرادته فإنه يأمر الكل بالإيمان ولا يريد الهداية إلا للبعض إذّ لو أرادها للكل لم يكفر أحد ولم ينزل العذاب على قوم لكنه كفر ونزل لقوله: ﴿ فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين  ﴾ .

ثم خصص الخطاب قائلاً لرسوله ﴿ إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل ﴾ لا يرشد أحداً أضله، قال ابن عباس: وقال الفراء: لا يهدي معناه لا يهتدي: ومن قرأ على البناء للمفعول فمعناه لا تقدر أنت ولا أحد على هداية من أضله الله فلن يكون مهدياً منصوراً، ولا يخفى أن أول الآية ظاهره يوافق مذهب المعتزلة.

أما قوله: ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ إلى آخر الآيات فإنهم قد صاروا فيه إلى التأويل فقالوا: معناه أن متقدميهم أشركوا وحرموا حلال الله فلما نبهوا على قبح فعلهم أسندوه إلى الله ﴿ فهل على الرسل إلا ﴾ أن يبلغوا الحق وأن الله بريء من الظلم وخلق القبائح والمنكرات، وما من أمة إلا وقد بعث الله فيهم رسولاً يأمرهم بالخير الذي هو عبادة الله وينهاهم عن الشر الذي هو طاعة الطاغوت.

﴿ فمنهم من هدى الله ﴾ لأنه من أهل اللطف، ومنهم من ثبت عليه الخذلان لأنه عرفه مصمماً على الكفر، أو المراد منهم من حكم الله عليه بالاهتداء ومنهم من صار محكوماً عليه بالضلال لظهور ضلاله، أو منهم من هداه الله إلى الجنة ومنهم من أضله عنها.

﴿ فسيروا في الأرض فانظروا ﴾ ما فعلت بالمكذبين حتى لا يبقى لكم شبهة في أني لا أقدر الشر ولا أشاؤه.

ثم ذكر عناد قريش وحرص رسول الله  على إيمانهم وعرفه أنهم من قسم من حقت عليه الضلالة، وأنه لا يلطف بمن يخذل لأنه عبث والله  متعال عن العبث.

فهذا تفسير الفريقين لاشتمال آيات مسألة الجبر والقدر على الجهتين وعليك الاختيار بعقلك دون هواك.

الشبهة الرابعة قدحهم في الحشر والنشر ليلزم إبطال النبوة وذلك أنهم ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم ﴾ أي أغلاظ الأيمان كما في "المائدة" كأنهم ادّعوا علماً ضرورياً بأن الشيء إذا فني وصار عدماً محضاً فإنه لا يعود بعينه بل العائد يكون شيئاً آخر فأكدوا ادعاءهم بالقسم الغليظ فأجاب الله عن شبهتهم بقوله: ﴿ بلى ﴾ وهو إثبات لما بعد النفي أي بلى يبعثهم وقوله: ﴿ وعداً ﴾ مصدر مؤكد لما دل عليه "بلى" لأن يبعث موعد من الله أي وعد البعث ﴿ وعدا عليه حقاً ﴾ لا خلاف فيه ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنهم يبعثون أو أن وعد الله حق.

ثم ذكر لمية حقية البعث فقال ﴿ ليبين ﴾ أي يبعث كل من يموت من المؤمنين والكافرين ليبين ﴿ لهم ﴾ الحق الذي اختلفوا فيه بياناً عيانياً لا يشتبه فيه المطيع بالمعاصي والمحق بالمبطل والمظلوم بالظالم والصادق بالكاذب.

وجوز بعضهم أن يكون قوله: ﴿ ليبين ﴾ متعلقاً بقوله: ﴿ ولقد بعثنا ﴾ أي بعثناه ليبين لهم ما اختلفوا به وأنهم كانوا على الضلالة قبله مفترين على الله الكذب في ادعاء الشريك له وفي قولهم بمجرد هواهم هذا حلال الله وهذا حرام.

ثم برهن على إمكان البعث بقوله: ﴿ إنما قولنا ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ أن نقول ﴾ وقد فسرنا مثل هذه الآية في سورة البقرة، وذكرنا فيه مباحث عميقة لفظية ومعنوية فلا حاجة إلى الإعادة.

والغرض أنه  لا مانع له من الإيجاد والإعدام ولا تتوقف آثار قدرته إلا على مجرد الإرادة والمشيئة، فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو أهون من الإبداء؟!

قال في الكشاف: قرىء ﴿ فيكون ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ نقول ﴾ قلت: ولا مانع من كونه منصوباً بإضمار "أن" لوقوعه في جواب الأمر بعد الفاء وقد مر في "البقرة".

احتج بعض الأشاعرة بالآية على قدم القرآن قال: إنه لو كان حادثاً لافتقر إلى أن يقال له "كن".

ثم الكلام في هذا اللفظ كالكلام في الأوّل وتسلسل، والجواب بعد تسليم أن هذا ليس مثلاً وأن ثم قولاً أن "إذا" لا تفيد التكرار فلا يلزم في كل ما يحدثه الله  إلى أن يقول له" كن".

وكيف يتصور أن تكون لفظة "كن" قديمة والكاف مقدم على النون بزمان محصور، ولو سلم فلا يجوز من قدم لفظة "كن" قدم القرآن.

على أن قوله: ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه ﴾ يقتضي كون القول واقعاً بالإرادة وما كان كذلك فهو محدث وأنه علق القول بكلمة "إذا" ولا شك أنها للاستقبال وكذا قوله: ﴿ أن نقول ﴾ ثم إن كلمة ﴿ كن ﴾ متقدمة على المكون بزمان واحد، والمتقدم على المحدث بزمان يكون محدثاً، فتلخص من هذه الدلائل أن الكلام المسموع لا بد أن يكون محدثاً.

هذا تلخيص ما قاله الإمام فخر الدين الرازي، ولعل لنا فيه نظراً.

ولما حكى الله  عن الكفار ما حكى من إنكار البعث والجزاء لم يبعد منهم - والحالة هذه - إيذاء المسلمين وإنزال الضرر والهوان بهم وحينئذٍ يلزمهم أن يهاجروا تلك الديار فذكر ثواب المهاجرين قائلاً ﴿ والذين هاجروا في الله ﴾ أي في حقه وسبيله ﴿ من بعد ما ظلموا لنبوّئنهم في الدنيا ﴾ مثوبة ﴿ حسنة ﴾ أو مباءة حسنة هي المدينة أوهم أهلها ونصروهم قاله الحسن والشعبي وقتادة.

وقيل: لننزلنهم منزلة حسنة هي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم، بل على العرب قاطبة بل على أهل المشرق والمغرب.

قال ابن عباس: نزلت الآية في جماعة - منهم صهيب وبلال وعمار وخباب- جعل المشركون يعذبونهم ليردوهم عن الإسلام فقال صهيب: أنا رجل كبير إن كنت معكم لم أنفعكم وإن كنت عليكم لم أضركم فافتدى منهم بماله وهاجر، فلما رآه أبو بكر قال له: ربح البيع يا صهيب، وقال له عمر: نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه.

أما الضمير في قوله: ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ فإما أن يرجع إلى الكفار أي لو علموا أن الله يجمع لهؤلاء المستضعفين خير الدارين لرغبوا في دينهم، وإما أن يعود إلى المهاجرين أي لو علموا أن أجر الآخرة أكبر لزادوا في اجتهادهم وصبرهم.ثم مدحهم بقوله: ﴿ الذين صبروا ﴾ على هم الذين أو أعني الذين.

والمراد صبرهم على العذاب وعلى مفارقة الوطن الذي هو حرم الله، وعلى المجاهدة في سبيل الله بالنفوس والأموال.

قال المحققون: الصبر حبس النفس على خلاف ما تشتهيه من اللذات العاجلة وهو مبدأ السلوك، والتوكل هو الانقطاع بالكلية عما سوى الحق وهو آخر الطريق والله ولي التوفيق.

فإن العارفين بالصبر ساروا وبالتوكل طاروا ثم في الله حاروا حسبي الله ونعم الوكيل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلاۤ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ ، وقال في سورة الأنعام ﴿ كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم  ﴾ وقال: ﴿ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ  ﴾ وقال هاهنا: ﴿ فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلاَّ ٱلْبَلاغُ ٱلْمُبِينُ ﴾ .

و (هل): هو حرف استفهام في الظاهر، لكن المراد منه: ما على الرسول إلا البلاغ المبين؛ [على ما قاله أهل التأويل، ما قد كان من الله من البيان أن ليس على الرسل إلا البلاغ المبين].

وكذلك قوله: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ  ﴾ أي: ما ينظرون إلا أن تأتيهم كذا.

وكذلك قوله: ﴿ أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ  ﴾ (أم): هو حرف شك، ومراده: [ما] للإنسان ما تمنى، وأمثاله لما سبق من الله ما يبين لهم أن ليس للإنسان ما تمنى، وقد ذكر [تأويل] قوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ ﴾ في سورة الأنعام.

ويحتمل قولهم هذا وجوهاً: أحدها: قالوا ذلك على الاستهزاء [به]؛ كقوله: ﴿ وَيَقُولُ ٱلإِنسَانُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً  ﴾ .

والثاني: قولهم: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ أي: لو أمر الله أن نعبده ولا نعبد غيره لفعلنا؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ...

﴾ الآية [الأعراف: 28].

والثالث: قالوا: لو لم يرض الله منا ذلك ما تركنا فعلنا ذلك؛ ولكن أهلكنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً ﴾ .

يخبر رسوله أنك لست بأول [رسول] مبعوث إلى أمتك؛ ولكن قد بعث إلى كل أمّة رسولٌ، وهو كقوله: ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ  ﴾ يصبّره على ما يصيبه منهم من المكروه والأذى؛ أي: لست أنت بأول من يصيبه ذلك، بل كان لك قبلك [إخوان] أصابهم من أممهم ما يصيبك من أمتك.

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ ﴾ .

هو على الإضمار؛ كأنه قال: ولقد بعثنا في كل أمة رسولا وقلنا لهم: قولوا: ﴿ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ...

﴾ الآية، ﴿ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوتَ ﴾ على ذلك كان بعث الرسل جميعاً إلى قومهم بالدعاء إلى توحيد الله؛ وجعل العبادة له، والنهي عن عبادة الأوثان دونه؛ كقوله: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ  ﴾ .

ويكون قوله: ﴿ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوتَ ﴾ : [كقوله:] ﴿ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ \[المؤمنون: 23\] هما واحد.

والطاغوت: قال بعضهم: كل من عبد دون الله فهو طاغوت.

وقال الحسن: الطاغوت هو الشيطان، أضيف العبادة إليه بقوله: ﴿ لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ  ﴾ لأن من يعبد دونه يعبد بأمره، فأضيف لذلك إليه، وقد ذكرنا هذا أيضاً فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلالَةُ ﴾ .

هذا يدل أنه لم يرد بالهدى البيان؛ على ما قاله بعض الناس؛ إذ قد سبق منه البيان لكل واحد، وما ذكر أيضاً: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلالَةُ ﴾ وهذا يرد على المعتزلة قولهم؛ حيث قالوا: الهدى: البيان من الله، لكن الهدى منه في هذا الموضع ليس هو البيان، هو ما يكرم الله به عبده؛ ويوفقه لدينه.

وقوله: ﴿ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ ﴾ لاختياره الهدى ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلالَةُ ﴾ أي: لزمت للزومه الضلالة واختياره إياه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية.

قال الحسن: قوله: ﴿ فَسِيرُواْ ﴾ ليس على الأمر؛ ولكن كأنه قال: لو سرتم في الأرض لرأيتم كيف كان عاقبة المكذبين؛ بالتكذيب.

وقال بعضهم: سيروا؛ كأنه على الحجاج عليهم أن سيروا في الأرض؛ فإنكم ترون آثار من [كان] قبلكم الذين أهلكوا بالتكذيب، كان النبي يخبرهم من أنباء الأمم الخالية؛ وما نزل بهم، فينكرون ذلك، فقال عند ذلك: فسيروا في الأرض فانظروا إلى آثار من كان قبلكم.

ويشبه أن يكون ليس على السير نفسه؛ ولكن على التأمل والنظر في آثار أولئك وأمورهم أنه بم نزل بهم ما نزل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: [قوله: ﴿ إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ ﴾ :] كان يحب ويحرص على هدى قراباته؛ كقوله: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ  ﴾ فقال: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ ﴾ ؛ أي: لا يهديهم بضلالهم وقت ضلالهم أو لا يهديهم وقت اختيارهم الضلال، أو لا يهدي من علم أنه يختار الضلال [ويهلك على الضلال]، أو لا ينجي من يهلك على الضلال.

وفيه لغات ثلاث: (فإن الله لا يُهْدَى من يُضِل) أي: لا يُهْدَى من أضله الله؛ أي: إذا أضله الله فليس أحد يهديه، و (لا يهدي من يَضِلُّ)؛ ما ذكرنا، ولا (يَهِدِّي من يُضِلُّ)؛ أي: لا يهتدي من أضله الله، والله أعلم بذلك.

أو لا يهتدي في الآخرة طريق الجنة مَنْ أضله الله في الدنيا لاختياره الضلال، وهو كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ  ﴾ ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ وقت اختيارهم الكفر والظلم، أو لا يهدي من علم منه أن يختار الضلال والظلم، أو لا يهدي من يلزم الضلال وقت لزومه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ ﴾ .

ظاهر تأويله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولقد بعثنا في كل أمة سابقة رسولًا يأمر أمته بأن يعبدوا الله وحده، ويتركوا عبادة غيره من الأصنام والشياطين وغيرهم، فكان منهم من وفقه الله فآمن به، واتبع ما جاء به رسوله، وكان منهم من كفر بالله وعصى رسوله فلم يوفقه، فوجبت عليه الضلالة، فسيروا في الأرض لتروا بأعينكم كيف كان مصير المكذبين بعدما حل بهم من عذاب وهلاك.

<div class="verse-tafsir" id="91.lx46A"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله