الآية ٦٨ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٦٨ من سورة النحل

وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِى مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًۭا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ٦٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 110 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٨ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٨ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لمراد بالوحي هاهنا : الإلهام والهداية والإرشاد إلى النحل أن تتخذ من الجبال بيوتا تأوي إليها ، ومن الشجر ، ومما يعرشون .

ثم هي محكمة في غاية الإتقان في تسديسها ورصها ، بحيث لا يكون بينها خلل .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: وألهم ربك يا محمد النحل إيحاء إليها( أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ) يعني: مما يبنون من السقوف، فرفعوها بالبناء.

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا مروان، عن إسحاق التميمي، وهو ابن أبي الصباح، عن رجل، عن مجاهد ( وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ) قال: ألهمها إلهاما.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: بلغني، في قوله ( وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ) قال: قذف في أنفسها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني أبو سفيان، عن معمر، عن أصحابه، قوله ( وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ) قال: قذف في أنفسها أن اتخذي من الجبال بيوتًا.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ) ...

الآية، قال: أمرها أن تأكل من الثمرات، وأمرها أن تتبع سبل ربها ذللا.

وقد بيَّنا معنى الإيحاء واختلاف المختلفين فيه فيما مضى بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع، وكذلك معنى قوله ( يَعْرِشُونَ ) وكان ابن زيد يقول في معنى يعرشون، ما حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ( يَعْرِشُونَ ) قال: الكَرْم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون فيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : وأوحى ربك إلى النحل قد مضى القول في الوحي وأنه قد يكون بمعنى الإلهام ، وهو ما يخلقه الله - تعالى - في القلب ابتداء من غير سبب ظاهر ، وهو من قوله - تعالى - : ونفس وما سواها .

فألهمها فجورها وتقواها .

ومن ذلك البهائم وما يخلق الله سبحانه فيها من درك منافعها واجتناب مضارها وتدبير معاشها .

وقد أخبر - عز وجل - بذلك عن الموات فقال : تحدث أخبارها .

بأن ربك أوحى لها .

قال إبراهيم الحربي .

لله - عز وجل - في الموات قدرة لم يدر ما هي ، لم يأتها رسول من عند الله ولكن الله - تعالى - عرفها ذلك ; أي ألهمها .

ولا خلاف بين المتأولين أن الوحي هنا بمعنى الإلهام .

وقرأ يحيى بن وثاب " إلى النحل " بفتح الحاء .

وسمي نحلا لأن الله - عز وجل - نحله العسل الذي يخرج منه ; قاله الزجاج .

الجوهري : والنحل والنحلة الدبر يقع على الذكر والأنثى ، حتى يقال : يعسوب .

والنحل يؤنث في لغة أهل الحجاز ، وكل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء .

وروي من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : الذبان كلها في النار يجعلها عذابا لأهل النار إلا النحل ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول .

وروي عن ابن عباس قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قتل النملة والنحلة والهدهد والصرد ، خرجه أبو داود أيضا ، وسيأتي في [ النمل ] إن شاء الله - تعالى - .الثانية : قوله تعالى : أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون هذا إذا لم يكن لها مالك .

وجعل الله بيوت النحل في هذه الثلاثة الأنواع ، إما في الجبال [ ص: 122 ] وكواها ، وإما في متجوف الأشجار ، وإما فيما يعرش ابن آدم من الأجباح والخلايا والحيطان وغيرها .

وعرش معناه هنا هيأ ، وأكثر ما يستعمل فيما يكون من إتقان الأغصان والخشب وترتيب ظلالها ; ومنه العريش الذي صنع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر ، ومن هذا لفظة العرش .

يقال : عرش يعرش ويعرش [ بكسر الراء وضمها ] ، وقرئ بهما .

قرأ ابن عامر بالضم وسائرهم بالكسر ، واختلف في ذلك عن عاصم .الثالثة : قال ابن العربي : ومن عجيب ما خلق الله في النحل أن ألهمها لاتخاذ بيوتها مسدسة ، فبذلك اتصلت حتى صارت كالقطعة الواحدة ، وذلك أن الأشكال من المثلث إلى المعشر إذا جمع كل واحد منها إلى أمثاله لم يتصل وجاءت بينهما فرج ، إلا الشكل المسدس ; فإنه إذا جمع إلى أمثاله اتصل كأنه كالقطعة الواحدة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير الآيتين 68 و69 :ـ في خلق هذه النحلة الصغيرة، التي هداها الله هذه الهداية العجيبة، ويسر لها المراعي، ثم الرجوع إلى بيوتها التي أصلحتها بتعليم الله لها، وهدايته لها ثم يخرج من بطونها هذا العسل اللذيذ مختلف الألوان بحسب اختلاف أرضها ومراعيها، فيه شفاء للناس من أمراض عديدة.

فهذا دليل على كمال عناية الله تعالى، وتمام لطفه بعباده، وأنه الذي لا ينبغي أن يحب غيره ويدعي سواه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وأوحى ربك إلى النحل ) أي : ألهمها وقذف في أنفسها ، ففهمته ، والنحل : زنابير العسل ، واحدتها نحلة .

( أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ) يبنون ، وقد جرت العادة أن أهلها يبنون لها الأماكن ، فهي تأوي إليها ، قال ابن زيد : هي الكروم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وأوحى ربك إلى النحل» وحي إلهام «أن» مفسرة أو مصدرية «اتخذي من الجبال بيوتاً» تأوين إليها «ومن الشجر» بيوتًا «ومما يعرشون» أي الناس يبنون لك من الأماكن وإلا لم تأو إليها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وألْهَمَ ربك -أيها النبي- النحل بأن اجعلي لك بيوتًا في الجبال، وفي الشجر، وفيما يبني الناس من البيوت والسُّقُف.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( وأوحى ) من الوحى ، وهو هنا بمعنى الإِلهام ، وهو - كما يقول القرطبى - ما يخلقه الله - تعالى - فى القلب ابتداء من غير سبب ظاهر .

ومنه قوله - تعالى - : ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ) ومن ذلك إلهام البهائم لفعل ما ينفعها ، وترك ما يضرها ، وتدبير معاشها .

.

.وقال صاحب الكشاف : والإِيحاء إلى النحل : إلهامها والقذف فى قلوبها على وجه هو أعلم به ، لا سبيل لأحد إلى الوقوف عليه ، وإلا فتأنقها فى صنعتها ولطفها فى تدبير أمرها ، وإصابتها فيما يصلحها دلائل شاهدة على أن الله - تعالى - أودعها علما بذلك وفطنها ، كما أودع أولى العقول عقولهم .

.

.والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ويشمل كل من يصلح للخطاب من الأمة الإِسلامية .والنحل : اسم جنس يفرق بينه وبين واحده بالتاء ، ويطلق على الذكر والأنثى ، وسمى بذلك لأن الله - تعالى - نحله أى منحه العسل الذى يخرج منه .وقوله - سبحانه - : ( أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتاً وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ) بيان لما ألهمه الله النحل من أوامر .

ولما كلفها به من أعمال .و " أن " مفسرة لأن الإِيحاء فيه معنى القول دون حروفه وما بعدها لا محل له من الإِعراب ، ويجوز بأن تكون مصدرية فيكون ما بعدها فى محل نصب على تقدير الجار .

أى : بأن اتخذى .والمعنى : وألهم ربك النحل وأرشدها وهداها إلى أن تتخذ من فجوات الجبال بيوتا تسكن فيها ، وكذلك من تجاويف الأشجار ومما يرفعه الناس ويعرشونه من السقوف وغيرها .يقال : عرش الشئ يعرشه - بكسر الراء وضمها - إذا رفعه عن الأرض ، ومنه العريش الذى صنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر لمشاهدة سير المعركة .قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما معنى " من " فى قوله ( أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتاً وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ) ؟

وهلا قيل فى الجبال وفى الشجر؟

.قلت : أريد معنى البعضية ، وأن لاتبنى بيوتها فى كل جبل ، وكل شجر ، وكل ما يعرش ، ولا فى كل مكان منها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين أن إخراج الألبان من النعم، وإخراج السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب دلائل قاهرة، وبينات باهرة على أن لهذا العالم إلهاً قادراً مختاراً حكيماً، فكذلك إخراج العسل من النحل دليل قاطع وبرهان ساطع على إثبات هذا المقصود، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ وأوحى رَبُّكَ إلى النحل ﴾ يقال وحى وأوحى، وهو الإلهام، والمراد من الإلهام أنه تعالى قرر في أنفسها هذه الأعمال العجيبة التي تعجز عنها العقلاء من البشر، وبيانه من وجوه: الأول: أنها تبني البيوت المسدسة من أضلاع متساوية، لا يزيد بعضها على بعض بمجرد طباعها، والعقلاء من البشر لا يمكنهم بناء مثل تلك البيوت إلا بآلات وأدوات مثل المسطر والفرجار.

والثاني: أنه ثبت في الهندسة أن تلك البيوت لو كانت مشكلة بأشكال سوى المسدسات فإنه يبقى بالضرورة فيما بين تلك البيوت فرج خالية ضائعة، أما إذا كانت تلك البيوت مسدسة فإنه لا يبقى فيما بينها فرج ضائعة، فإهداء ذلك الحيوان الضعيف إلى هذه الحكمة الخفية والدقيقة اللطيفة من الأعاجيب.

والثالث: أن النحل يحصل فيما بينها واحد يكون كالرئيس للبقية، وذلك الواحد يكون أعظم جثة من الباقي، ويكون نافذ الحكم على تلك البقية، وهم يخدمونه ويحملونه عند الطيران، وذلك أيضاً من الأعاجيب.

والرابع: أنها إذا نفرت من وكرها ذهبت مع الجمعية إلى موضع آخر، فإذا أرادوا عودها إلى وكرها ضربوا الطنبور والملاهي وآلات الموسيقى، وبواسطة تلك الألحان يقدرون على ردها إلى وكرها، وهذا أيضاً حالة عجيبة، فلما امتاز هذا الحيوان بهذه الخواص العجيبة الدالة على مزيد الذكاء والكياسة، وكان حصول هذه الأنواع من الكياسة ليس إلا على سبيل الإلهام وهي حالة شبيهة بالوحي، لا جرم قال تعالى في حقها: ﴿ وأوحى رَبُّكَ إلى النحل ﴾ .

واعلم أن الوحي قد ورد في حق الأنبياء لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً  ﴾ وفي حق الأولياء أيضاً قال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين  ﴾ وبمعنى الإلهام في حق البشر قال تعالى: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إلى أُمّ موسى  ﴾ وفي حق سائر الحيوانات كما في قوله: ﴿ وأوحى رَبُّكَ إلى النحل ﴾ ولكل واحد من هذه الأقسام معنى خاص، والله أعلم.

المسألة الثانية: قال الزجاج: يجوز أن يقال سمي هذا الحيوان نحلاً، لأن الله تعالى نحل الناس العسل الذي يخرج من بطونها، وقال غيره النحل يذكر ويؤنث، وهي مؤنثة في لغة الحجاز، ولذلك أنثها الله تعالى، وكذلك كل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء.

ثم قال تعالى: ﴿ أَنِ اتخذى مِنَ الجبال بُيُوتًا وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: ﴿ أَنِ اتخذى ﴾ هي أن المفسرة، لأن الإيحاء فيه معنى القول، وقرئ: ﴿ بُيُوتًا ﴾ بكسر الباء ﴿ وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴾ أي يبنون ويسقفون، وفيه لغتان قرئ بهما، ضم الراء وكسرها مثل يعكفون ويعكفون.

واعلم أن النحل نوعان: النوع الأول: ما يسكن في الجبال والغياض ولا يتعهدها أحد من الناس.

والنوع الثاني: التي تسكن بيوت الناس وتكون في تعهدات الناس، فالأول هو المراد بقوله: ﴿ أَنِ اتخذى مِنَ الجبال بُيُوتًا وَمِنَ الشجر ﴾ .

والثاني: هو المراد بقوله: ﴿ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴾ وهو خلايا النحل.

فإن قيل: ما معنى من في قوله: ﴿ أَنِ اتخذى مِنَ الجبال بُيُوتًا وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴾ وهلا قيل في الجبال وفي الشجر؟

قلنا: أريد به معنى البعضية، وأن لا تبني بيوتها في كل جبل وشجر، بل في مساكن توافق مصالحها وتليق بها.

المسألة الثانية: ظاهر قوله تعالى: ﴿ أَنِ اتخذى مِنَ الجبال بُيُوتًا ﴾ أمر، وقد اختلفوا فيه، فمن الناس من يقول لا يبعد أن يكون لهذه الحيوانات عقول، ولا يبعد أن يتوجه عليها من الله تعالى أمر ونهي.

وقال آخرون: ليس الأمر كذلك بل المراد منه أنه تعالى خلق فيها غرائز وطبائع توجب هذه الأحوال، والكلام المستقصى في هذه المسألة مذكور في تفسير قوله تعالى: ﴿ يأَيُّهَا النمل ادخلوا مساكنكم  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ ثُمَّ كُلِى مِن كُلِّ الثمرات ﴾ لفظة من هاهنا للتبعيض أو لابتداء الغاية، ورأيت في كتب الطب أنه تعالى دبر هذا العالم على وجه، وهو أنه يحدث في الهواء طل لطيف في الليالي ويقع ذلك الطل على أوراق الأشجار، فقد تكون تلك الأجزاء الطلية لطيفة صغيرة متفرقة على الأوراق والأزهار، وقد تكون كثيرة بحيث يجتمع منها أجزاء محسوسة.

أما القسم الثاني: فهو مثل الترنجبين فإنه طل ينزل من الهواء ويجتمع على أطراف الطرفاء في بعض البلدان وذلك محسوس.

وأما القسم الأول: فهو الذي ألهم الله تعالى هذا النحل حتى أنها تلتقط تلك الذرات من الأزهار وأوراق الأشجار بأفواهها وتأكلها وتغتذي بها، فإذا شبعت التقطت بأفواهها مرة أخرى شيئاً من تلك الأجزاء وذهبت بها إلى بيوتها ووضعتها هناك، لأنها تحاول أن تدخر لنفسها غذاءها، فإذا اجتمع في بيوتها من تلك الأجزاء الطلية شيء كثير فذاك هو العسل، ومن الناس من يقول: إن النحل تأكل من الأزهار الطيبة والأوراق المعطرة أشياء، ثم إنه تعالى يقلب تلك الأجسام في داخل بدنها عسلاً، ثم إنها تقيء مرة أخرى فذاك هو العسل، والقول الأول أقرب إلى العقل وأشد مناسبة إلى الاستقراء، فإن طبيعة الترنجبين قريبة من العسل في الطعم والشكل، ولا شك أنه طل يحدث في الهواء ويقع على أطراف الأشجار والأزهار فكذا هاهنا.

وأيضاً فنحن نشاهد أن هذا النحل إنما يتغذى بالعسل، ولذلك فإنا إذا استخرجنا العسل من بيوت النحل نترك لها بقية من ذلك لأجل أن تغتذي بها فعلمنا أنها إنما تغتذي بالعسل وأنها إنما تقع على الأشجار والأزهار لأنها تغتذي بتلك الأجزاء الطلية العسلية الواقعة من الهواء عليها.

إذا عرفت هذا فنقول: قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ كُلِى مِن كُلّ الثمرات ﴾ كلمة (من) هاهنا تكون لابتداء الغاية، ولا تكون للتبعيض على هذا القول.

ثم قال تعالى: ﴿ فاسلكى سُبُلَ رَبّكِ ﴾ والمعنى: ثم كلي كل ثمرة تشتهينها فإذا أكلتها فاسلكي سبل ربك في الطرق التي ألهمك وأفهمك في عمل العسل، أو يكون المراد: فاسلكي في طلب تلك الثمرات سبل ربك.

أما قوله: ﴿ ذُلُلاً ﴾ ففيه قولان: الأول: أنه حال من السبل لأن الله تعالى ذللها لها ووطأها وسهلها، كقوله: ﴿ هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض ذَلُولاً  ﴾ الثاني: أنه حال من الضمير في ﴿ فاسلكى ﴾ أي وأنت أيها النحل ذلل منقادة لما أمرت به غير ممتنعة.

ثم قال تعالى: ﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: أن هذا رجوع من الخطاب إلى الغيبة والسبب فيه أن المقصود من ذكر هذه الأحوال أن يحتج الإنسان المكلف به على قدرة الله تعالى وحكمته وحسن تدبيره لأحوال العالم العلوي والسفلي، فكأنه تعالى لما خاطب النحل بما سبق ذكره خاطب الإنسان وقال: إنا ألهمنا هذا النحل لهذه العجائب، لأجل أن يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه.

البحث الثاني: أنه قد ذكرنا أن من الناس من يقول: العسل عبارة عن أجزاء طلية تحدث في الهواء وتقع على أطراف الأشجار وعلى الأوراق والأزهار، فيلقطها الزنبور بفمه، فإذا ذهبنا إلى هذا الوجه كان المراد من قوله: ﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا ﴾ أي من أفواهها، وكل تجويف في داخل البدن فإنه يسمى بطناً، ألا ترى أنهم يقولون: بطون الدماغ وعنوا أنها تجاويف الدماغ، وكذا هاهنا يخرج من بطونها أي من أفواهها، وأما على قول أهل الظاهر، وهو أن النحلة تأكل الأوراق والثمرات ثم تقيء فذلك هو العسل فالكلام ظاهر.

ثم قال تعالى: ﴿ شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ ﴾ اعلم أنه تعالى وصف العسل بهذه الصفات الثلاثة: فالصفة الأولى: كونه شراباً والأمر كذلك، لأنه تارة يشرب وحده وتارة يتخذ منه الأشربة.

والصفة الثانية: قوله: ﴿ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ﴾ والمعنى: أن منه أحمر وأبيض وأصفر.

ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الجبال جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ ألوانها وَغَرَابِيبُ سُودٌ  ﴾ والمقصود منه: إبطال القول بالطبع، لأن هذا الجسم مع كونه متساوي الطبيعة لما حدث على ألوان مختلفة، دل ذلك على أن حدوث تلك الألوان بتدبير الفاعل المختار، لا لأجل إيجاد الطبيعة.

والصفة الثالثة: قوله: ﴿ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ ﴾ وفيه قولان: القول الأول: وهو الصحيح أنه صفة للعسل.

فإن قالوا: كيف يكون شفاء للناس وهو يضر بالصفراء ويهيج المرارة؟

قلنا: إنه تعالى لم يقل إنه شفاء لكل الناس ولكل داء وفي كل حال، بل لما كان شفاء للبعض من بعض الأدواء صلح بأن يوصف بأنه فيه شفاء، والذي يدل على أنه شفاء في الجملة أنه قل معجون من المعاجين إلا وتمامه وكماله إنما يحصل بالعجن بالعسل، وأيضاً فالأشربة المتخذة منه في الأمراض البلغمية عظيمة النفع.

والقول الثاني: وهو قول مجاهد أن المراد: أن القرآن شفاء للناس، وعلى هذا التقدير فقصة تولد العسل من النحل تمت عند قوله: ﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ﴾ ثم ابتدأ وقال: ﴿ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ ﴾ أي في هذا القرآن حصل ما هو شفاء للناس من الكفر والبدعة، مثل هذا الذي في قصة النحل.

وعن ابن مسعود: أن العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور.

واعلم أن هذا القول ضعيف ويدل عليه وجهان: الأول: أن الضمير في قوله: ﴿ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ ﴾ يجب عوده إلى أقرب المذكورات، وما ذاك إلا قوله: ﴿ شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ﴾ وأما الحكم بعود هذا الضمير إلى القرآن مع أنه غير مذكور فيما سبق، فهو غير مناسب.

والثاني: ما روى أبو سعيد الخدري: أنه جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن أخي يشتكي بطنه فقال: اسقه عسلاً فذهب ثم رجع فقال: قد سقيته فلم يغن عنه شيئاً، فقال عليه الصلاة والسلام: «اذهب واسقه عسلاً» فذهب فسقاه، فكأنما نشط من عقال، فقال: «صدق الله وكذب بطن أخيك» وحملوا قوله: «صدق الله وكذب بطن أخيك» على قوله: ﴿ فِيهِ شِفَآء لِلنَّاسِ ﴾ وذلك إنما يصح لو كان هذا صفة للعسل.

فإن قال قائل: ما المراد بقوله عليه السلام: «صدق الله وكذب بطن أخيك».

قلنا: لعله عليه السلام علم بنور الوحي أن ذلك العسل سيظهر نفعه بعد ذلك، فلما لم يظهر نفعه في الحال مع أنه عليه السلام كان عالماً بأنه سيظهر نفعه بعد ذلك، كان هذا جارياً مجرى الكذب، فلهذا السبب أطلق عليه هذا اللفظ.

ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ واعلم أن تقرير هذه الآية من وجوه: الأول: اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة والمعارف الغامضة مثل بناء البيوت المسدسة وسائر الأحوال التي ذكرناها.

والثاني: اهتداؤها إلى جميع تلك الأجزاء العسلية من أطراف الأشجار والأوراق.

والثالث: خلق الله تعالى الأجزاء النافعة في جو الهواء، ثم إلقاؤها على أطراف الأشجار والأوراق، ثم إلهام النحل إلى جمعها بعد تفريقها وكل ذلك أمور عجيبة دالة على أن إله العالم بنى ترتيبه على رعاية الحكمة والمصلحة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الإيحاء إلى النحل: إلهامها والقذف في قلوبها وتعليمها على وجه هو أعلم به، لا سبيل لأحد إلى الوقوف عليه، وإلا فنيَّقتها في صنعتها، ولطفها في تدبير أمرها، وإصابتها فيما يصلحها، دلائل بينة شاهدة على أنّ الله أودعها علماً بذلك وفطنها، كما أولى أولي العقول عقولهم.

وقرأ يحيى بن وثاب ﴿ إلى النحل ﴾ بفتحتين.

وهو مذكر كالنحل، وتأنيثه على المعنى ﴿ أَنِ اتخذى ﴾ هي أن المفسرة؛ لأنّ الإيحاء فيه معنى القول.

وقرئ: ﴿ بيوتاً ﴾ بكسر الباء لأجل الياء.

و ﴿ يَعْرِشُونَ ﴾ بكسر الراء وضمها: يرفعون من سقوف البيوت.

وقيل: ما يبنون للنحل في الجبال والشجر والبيوت من الأماكن التي تتعسل فيها.

والضمير في ﴿ يعرشون ﴾ للناس فإن قلت: ما معنى (من) في قوله ﴿ أَنِ اتخذى مِنَ الجبال بُيُوتًا وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴾ وهلا قيل في الجبال وفي الشجر؟

قلت: أريد معنى البعضية، وأن لا تبني بيوتها في كل جبل وكل شجر وكل ما يعرش ولا في كل مكان منها ﴿ مِن كُلّ الثمرات ﴾ إحاطة بالثمرات التي تجرسها النحل وتعتاد أكلها، أي ابني البيوت، ثم كلي من كل ثمرة تشتهينها، فإذا أكلتها ﴿ فاسلكى سُبُلَ رَبّكِ ﴾ أي الطرق التي ألهمك وأفهمك في عمل العسل.

أو فاسلكي ما أكلت في سبل ربك، أي في مسالكه التي يحيل فيها بقدرته النور المرّ عسلا من أجوافك ومنافذ مآكلك.

أو إذا أكلت الثمار في المواضع البعيدة من بيوتك، فاسلكي إلى بيوتك راجعة سبل ربك، لا تتوعر عليك ولا تضلين فيها، فقد بلغني أنها ربما أجدب عليها ما حولها فتسافر إلى البلد البعيد في طلب النجعة.

أو أراد بقوله: ﴿ ثُمَّ كُلِى ﴾ ثم اقصدي أكل الثمرات فاسلكلي في طلبها في مظانها سبل ربك ﴿ ذُلُلاً ﴾ جمع ذلول، وهي حال من السبل؛ لأنّ الله ذللها لها ووطأها وسهلها، كقوله: ﴿ هُوَ الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض ذَلُولاً ﴾ [الملك: 15] أو من الضمير في ﴿ فاسلكى ﴾ أي: وأنت ذلل منقادة لما أمرت به غير ممتنعة ﴿ شَرَابٌ ﴾ يريد العسل، لأنه مما يشرب ﴿ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ﴾ منه أبيض وأسود وأصفر وأحمر ﴿ فِيهِ شِفَآء لِلنَّاسِ ﴾ لأنه من جملة الأشفية والأدوية المشهورة النافعة، وقل معجون من المعاجين لم يذكر الأطباء فيه العسل، وليس الغرض أنه شفاء لكل مريض، كما أن كل دواء كذلك.

وتنكيره إمّا لتعظيم الشفاء الذي فيه، أو لأن فيه بعض الشفاء، وكلاهما محتمل.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أن رجلاً جاء إليه فقال: إن أخي يشتكي بطنه، فقال: «اذهب واسقه العسل» فذهب ثم رجع فقال: قد سقيته فما نفع، فقال: «اذهب واسقه عسلاً، فقد صدق الله وكذب بطن أخيك، فسقاه فشفاه الله فبرأ، كأنما أنشط من عقال» وعن عبد الله بن مسعود: «العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور، فعليكم بالشفاءين: القرآن والعسل» ومن بدع التأويلات الرافضة: أن المراد بالنحل علي وقومه: وعن بعضهم أنه قال عند المهدي: إنما النحل بنو هاشم، يخرج من بطونهم العلم، فقال له رجل: جعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطونهم فضحك المهدي وحدث به المنصور، فاتخذوه أضحوكة من أضاحيكهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ ﴾ ألْهَمَها وقَذَفَ في قُلُوبِها، وقُرِئَ « إلى النَّحَلِ» بِفَتْحَتَيْنِ.

﴿ أنِ اتَّخِذِي ﴾ بِأنِ اتَّخِذِي ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً لِأنَّ في الإيحاءِ مَعْنى القَوْلِ، وتَأْنِيثُ الضَّمِيرِ عَلى المَعْنى فَإنَّ النَّحْلَ مُذَكَّرٌ.

﴿ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ومِنَ الشَّجَرِ ومِمّا يَعْرِشُونَ ﴾ ذُكِرَ بِحَرْفِ التَّبْعِيضِ لِأنَّها لا تَبْنِي في كُلِّ جَبَلٍ وكُلِّ شَجَرٍ وكُلِّ ما يُعْرَّشُ مِن كَرْمٍ أوْ سَقْفٍ، ولا في كُلِّ مَكانٍ مِنها وإنَّما سُمِّيَ ما تَبْنِيهِ لَتَتَعَسَّلَ فِيهِ بَيْتًا تَشْبِيهًا بِبِناءِ الإنْسانِ، لِما فِيهِ مِن حُسْنِ الصَّنْعَةِ وصِحَّةِ القِسْمَةِ الَّتِي لا يَقْوى عَلَيْها حُذّاقُ المُهَنْدِسِينَ إلّا بِآلاتٍ وأنْظارٍ دَقِيقَةٍ، ولَعَلَّ ذِكْرَهُ لِتَنْبِيهٍ عَلى ذَلِكَ وقُرِئَ (بِيُوتًا) بِكَسْرِ الباءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ (يَعْرُشُونَ) بِضَمِّ الرّاءِ.

﴿ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ ﴾ مِن كُلِّ ثَمَرَةٍ تَشْتَهِينَها مُرِّها وحُلْوِها.

﴿ فاسْلُكِي ﴾ ما أكَلْتِ.

﴿ سُبُلَ رَبِّكِ ﴾ في مَسالِكِهِ الَّتِي يُحِيلُ فِيها بِقُدْرَتِهِ النَّوْرَ المُرَّ عَسَلًا مِن أجْوافَكِ، أوْ ﴿ فاسْلُكِي ﴾ الطُّرُقَ الَّتِي ألْهَمَكِ في عَمَلِ العَسَلِ، أوْ فاسْلُكِي راجِعَةً إلى بُيُوتِكِ ﴿ سُبُلَ رَبِّكِ ﴾ لا تَتَوَعَّرُ عَلَيْكِ.

ولا تَلْتَبِسُ.

﴿ ذُلُلا ﴾ جَمْعُ ذَلُولٍ وهي حالٌ مِنَ السُّبُلِ، أيْ مُذَلَّلَةٌ ذَلَّلَها اللَّهُ تَعالى وسَهَّلَها لَكِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في اسْلُكِي أيْ وأنْتِ ذُلُلٌ مُنْقادَةٌ لِما أُمِرْتِ بِهِ.

﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِها ﴾ كَأنَّهُ عَدَلَ بِهِ عَنْ خِطابِ النَّحْلِ إلى خِطابِ النّاسِ، لِأنَّهُ مَحَلُّ الإنْعامِ عَلَيْهِمْ والمَقْصُودُ مِن خَلْقِ النَّحْلِ وإلْهامِهِ لِأجْلِهِمْ.

﴿ شَرابٌ ﴾ يَعْنِي العَسَلَ لِأنَّهُ مِمّا يُشْرَبُ، واحْتَجَّ بِهِ مَن زَعَمَ أنَّ النَّحْلَ تَأْكُلُ الأزْهارَ والأوْراقَ العَطِرَةَ فَتَسْتَحِيلُ في بَطْنِها عَسَلًا، ثُمَّ تَقِيءُ ادِّخارًا لِلشِّتاءِ، ومَن زَعَمَ أنَّها تَلْتَقِطُ بِأفْواهِها أجْزاءً طَلِيَّةً حُلْوَةً صَغِيرَةً مُتَفَرِّقَةً عَلى الأوْراقِ والأزْهارِ، وتَضَعُها في بُيُوتِها ادِّخارًا فَإذا اجْتَمَعَ في بُيُوتِها شَيْءٌ كَثِيرٌ مِنها كانَ العَسَلُ فَسَّرَ البُطُونَ بِالأفْواهِ.

﴿ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ ﴾ أبْيَضُ وأصْفَرُ وأحْمَرُ وأسْوَدُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ سِنِّ النَّحْلِ والفَصْلِ.

﴿ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ ﴾ إمّا بِنَفْسِهِ كَما في الأمْراضِ البَلْغَمِيَّةِ، أوْ مَعَ غَيْرِهِ كَما في سائِرِ الأمْراضِ، إذْ قَلَّما يَكُونُ مَعْجُونٌ إلّا والعَسَلُ جُزْءٌ مِنهُ، مَعَ أنَّ التَّنْكِيرَ فِيهِ مُشْعِرٌ بِالتَّبْعِيضِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّعْظِيمِ.

وَعَنْ قَتادَةَ «أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالَ: إنَّ أخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ فَقالَ: « اسْقِهِ العَسَلَ»، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقالَ: قَدْ سَقَيْتُهُ فَما نَفَعَ فَقالَ: « اذْهَبْ واسْقِهِ عَسَلًا فَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ» .

فَسَقاهُ فَشَفاهُ اللَّهُ تَعالى فَبَرَأ فَكَأنَّما أُنْشِطَ مِن عِقالٍ.» وَقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ أوْ لِما بَيَّنَ اللَّهُ مِن أحْوالِ النَّحْلِ.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ فَإنَّ مَن تَدَبَّرَ اخْتِصاصَ النَّحْلِ بِتِلْكَ العُلُومِ الدَّقِيقَةِ والأفْعالِ العَجِيبَةِ حَقَّ التَّدَبُّرِ عَلِمَ قَطْعًا أنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِن خالِقٍ قادِرٍ حَكِيمٍ يُلْهِمُها ذَلِكَ ويَحْمِلُها عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وأوحى ربك إلى النحل} ولهم {أَنِ اتخذى مِنَ الجبال بُيُوتًا} هي أن المفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول قال الزجاج واحد النحل نحلة كنحل ونخلة والتأنيث باعتبار هذا ومن في من الجبال {وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ}

يرفعون من سقوف البيت أو ما يبنون للنحل في الجبال والشجر والبيوت من الأماكن التي تعسل فيها للتبعيض لأنها لا تبنى بيوتها في كل جبل وكل شجر وكل ما يعرش والضمير في يعرشون للناس وبضم الراء شامي وأبو بكر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ ﴾ ألْهَمَها وألْقى في رُوعِها وعَلَّمَها بِوَجْهٍ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّطِيفُ الخَبِيرُ وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الإيحاءَ إلَيْها بِتَسْخِيرِها لِما أُرِيدَ مِنها، ومُنِعُوا أنْ يَكُونَ المُرادُ حَقِيقَةَ الإيحاءِ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ لِلْعُقَلاءِ ولَيْسَ النَّحْلُ مِنها.

نَعَمْ يَصْدُرُ مِنها أفْعالٌ ويُوجَدُ فِيها أحْوالٌ يُتَخَيَّلُ بِها أنَّها ذَواتُ عُقُولٍ وصاحِبَةُ فَضْلٍ تَقْصُرُ عَنْهُ الفُحُولُ، فَتَراها يَكُونُ بَيْنَها واحِدٌ كالرَّئِيسِ هو أعْظَمُها جُثَّةً يَكُونُ نافِذَ الحُكْمِ عَلى سائِرِها والكُلُّ يَخْدِمُونَهُ ويَحْمِلُونَ عَنْهُ وسُمِّيَ اليَعْسُوبَ والأمِيرَ، وذَكَرُوا أنَّها إذا نَفَرَتْ عَنْ وكْرِها ذَهَبَتْ بِجَمْعِيَّتِها إلى مَوْضِعٍ آخَرَ فَإذا أرادُوا عَوْدَها إلى وكْرِها ضَرَبُوا لَها الطُّبُولَ وآلاتِ المُوسِيقى ورَدُّوها بِواسِطَةِ تِلْكَ الألْحانِ إلى وكْرِها، وهي تَبْنِي البُيُوتَ المُسَدَّسَةَ مِن أضْلاعٍ مُتَساوِيَةٍ والعُقَلاءُ لا يُمْكِنُهم ذَلِكَ إلّا بِآلاتٍ مِثْلَ المِسْطَرَةِ والفِرْجارِ وتَخْتارُها عَلى غَيْرِها مِنَ البُيُوتِ المُشَكَّلَةِ بِأشْكالٍ أُخَرَ كالمُثَلَّثاتِ والمُرَبَّعاتِ والمُخَمَّساتِ وغَيْرِها، وفي ذَلِكَ سِرٌّ لَطِيفٌ فَإنَّهم قالُوا: ثَبَتَ في الهَنْدَسَةِ أنَّها لَوْ كانَتْ مُشَكَّلَةً بِأشْكالٍ أُخَرَ يَبْقى فِيما بَيْنَها بِالضَّرُورَةِ فُرَجٌ خالِيَةٌ ضائِعَةٌ ولَها أحْوالٌ كَثِيرَةٌ عَجِيبَةٌ غَيْرُ ذَلِكَ قَدْ شاهَدَها كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وسُبْحانَ مَن أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ثُمَّ هَدى.

والصُّوفِيَّةُ عَلى ما ذَكَرَهُ الشَّعَرانِيُّ في غَيْرِ مَوْضِعٍ لا يَمْنَعُونَ إرادَةَ الحَقِيقَةِ، وقَدْ أثْبَتُوا في سائِرِ الحَيَواناتِ رُسُلًا وأنْبِياءَ والشَّرْعُ يَأْبى ذَلِكَ.

وذَهَبَ بَعْضُ حُكَماءِ الأشْراقِ إلى ثُبُوتِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ لِجَمِيعِ الحَيَواناتِ وأكادُ أُسَلِّمُ لَهم ذَلِكَ ولَمْ نَسْمَعْ عَنْ أحَدٍ غَيْرَ الصُّوفِيَّةِ القَوْلَ بِما سَمِعْتُ عَنْهُمْ، والنَّحْلُ جِنْسٌ واحِدُهُ نَحْلَةٌ ويُؤَنَّثُ في لُغَةِ الحِجازِ ولِذَلِكَ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ أنِ اتَّخِذِي ﴾ وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ «النَّحَلُ» بِفَتْحَتَيْنِ وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لُغَةً وأنْ يَكُونَ اتِّباعًا لِحَرَكَةِ النُّونِ، ( وأنِ ) إمّا مَصْدَرِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ باءِ المُلابَسَةِ أيْ بِأنِ اتَّخِذِي أوْ تَفْسِيرِيَّةٌ وما بَعْدَها مُفَسِّرٌ لِلْإيحاءِ لِأنَّ فِيهِ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ المَشْهُورِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، وذَلِكَ كافٍ في جَعْلِها تَفْسِيرِيَّةً: وقَدْ غَفَلَ عَنْ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ أوْ لَمْ يَعْتَبِرْهُ فَقالَ: إنَّ ذَلِكَ نَظَرًا لِأنَّ الوَحْيَ هُنا بِمَعْنى الإلْهامِ إجْماعًا ولَيْسَ في الإلْهامِ مَعْنى القَوْلِ ﴿ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ﴾ أوْكارًا، وأصْلُ البَيْتِ مَأْوى الإنْسانِ واسْتُعْمِلَ هُنا في الوَكْرِ الَّذِي تَبْنِيهِ النَّحْلُ لِتَعْسِلَ فِيهِ تَشْبِيهًا لَهُ بِما يَبْنِيهِ الإنْسانُ لِما فِيهِ مِن حُسْنِ الصَّنْعَةِ والقِسْمَةِ كَما سَمِعْتُ: وقُرِئَ «بِيُوتًا» بِكَسْرِ الباءِ لِمُناسَبَةِ الياءِ وإلّا فَجُمِعَ فِعْلٌ عَلى فُعُولٍ بِالضَّمِّ.

﴿ ومِنَ الشَّجَرِ ومِمّا يَعْرِشُونَ ﴾ أيْ يُعَرِّشُهُ النّاسُ أيْ يَرْفَعُهُ مِنَ الكُرُومِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدِ وغَيْرِهِ أوِ السُّقُوفُ كَما نُقِلَ عَنِ الطَّبَرِيِّ أوْ أعَمُّ مِنهُما كَما قالَ البَعْضُ، (ومِنَ) في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ لِلتَّبْعِيضِ بِحَسَبِ الإفْرادِ وبِحَسَبِ الإجْزاءِ فَإنَّ النَّحْلَ لا يَبْنِي في كُلِّ شَجَرٍ وكُلِّ جَبَلٍ وكُلِّ ما يُعَرَّشُ ولا في كُلِّ مَكانٍ مِن ذَلِكَ، وبَعْضُهم قالَ: إنَّ ( مِنَ ) لِلتَّبْعِيضِ بِحَسَبِ الإفْرادِ فَقَطْ، والمَعْنى الآخَرُ مَعْلُومٌ مِن خارِجٍ لا مِن مَدْلُولِ ( مِنَ ) إذْ لا يَجُوزُ اسْتِعْمالُها فِيهِما ولِمَوْلانا ابْنِ كَمالٍ تَأْلِيفٌ مُفْرَدٌ في المَسْألَةِ فَلْيُراجَعْ، وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ مَعَ ما يَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ البَدِيعِ صَنْعَةُ الطِّباقِ، وتَفْسِيرُ البُيُوتِ بِما تَبْنِيهِ هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّها عِبارَةٌ عَنِ الكُوى الَّتِي تَكُونُ في الجِبالِ وفي مُتَجَوِّفِ الأشْجارِ والخَلايا الَّتِي يَصْنَعُها ابْنُ آدَمَ لِلنَّحْلِ والكُوى الَّتِي تَكُونُ في الحِيطانِ، ولَمّا كانَ النَّحْلُ نَوْعَيْنِ مِنهُ مِن مَقَرِّهِ في الجِبالِ والغِياضِ ولا يَتَعَهَّدُهُ أحَدٌ ومِنهُ ما يَكُونُ في بُيُوتِ النّاسِ ويُتَعَهَّدُ في الخَلايا ونَحْوِها، شَمِلَ الأمْرُ بِالِاتِّخاذِ البُيُوتَ النَّوْعَيْنِ.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أي: ألهمها إلهاماً مثل قوله بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [الزلزلة: 5] أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً أي: مسكناً وَمِنَ الشَّجَرِ يعني: أن اتخذى من الجبال ومن الشجر مسكناً وَمِمَّا يَعْرِشُونَ.

قرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: يَعْرِشُونَ بضم الراء، والباقون بالكسر، ومعناهما واحد.

أي: ومما يبنون من سقوف البيت مسكنا ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ أي من ألوان الثمرات، أي: ألهمها بأكل الثمرات، فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا أي: ادخلي الطريق الذي يسهل عليك.

ويقال: خذي طرق ربك مذللاً، أي مسخراً لك.

وقال مقاتل: فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ يعني: ادخلي طرق ربك في الجبال، وفي خلال الشجر ذُلُلًا لأنَّ الله تعالى ذلل لها طرقها حيثما توجهت.

يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها أي: من بطون النحل، من قبل أفواهها مثل اللعاب شَرابٌ أي: العسل مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ أي العسل: أبيض، وأصفر، وأحمر.

ويقال: يخرج من أفواه الشبان من النحل الأبيض، ومن الكهول الأصفر، ومن الشيوخ الأحمر فِيهِ أي: في العسل شِفاءٌ لِلنَّاسِ.

روى أبو المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري.

قال: جاء رجل إلى النبي  فقال: إن أخي استطلق بطنه.

فقال له: «اسْقِهِ عَسَلاً» .

فسقاه ثم جاء فقال: سقيته فلم يزده إلا استطلاقا.

فقال له: «اسْقِهِ عَسَلاً» ، فسقاه ثم جاءه فقال: سقيته فلم يزده إلا استطلاقا.

فقال له: «اسْقِهِ عَسَلاً.

صَدَقَ الله وَكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ» .

فسقاه فبرئ.

قال الفقيه أبو الليث: إنما يكون العسل شفاء إذا عرف الإنسان مقداره، ويعرف لأي داء هو.

فإذا لم يعرف مقداره، ولم يعرف موضعه، فربما يكون فيه ضرر، كما إن الله تعالى جعل الماء حياة كل شيء، وربما يكون الماء سبباً للهلاك.

وقال السدي: العسل شفاء الأوجاع التي يكون شفاؤها فيه.

وقال مجاهد: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ أي: في القرآن بيان للناس من الضلالة.

وروى أبو الأحوص، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور» .

وروى الأسود عن ابن مسعود أنه قال: «عليكم بالشفاءين القرآن، والعسل» .

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أي: فيما ذكر من أمر النحل لعلامة لوحدانيتي لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ يعني: أن معبودهم لم يغنهم من شيء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ ...

الآية: هذه آية ضرب مثل لهم بمَنْ سَلَف، في ضِمْنها وعيدٌ لهم، وتأنيس للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقوله: فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ: يحتمل أنْ يريد ب الْيَوْمَ يومَ الإِخبار، ويحتملُ أنْ يريد يَوْمَ القيامةِ، أي: وليهم في اليَوْمِ المشهورِ.

وقوله سبحانه: إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ: لِتُبَيِّنَ: في موضع المفعولِ من أجلِهِ، أي: إلا لأجل البيان، والَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ: لَفْظٌ عامٌّ لأنواعِ كُفْر الكفرة، لكن الإِشارة هنا إِلى تشريكهم الأَصْنَامَ في الإلهية.

ثم أَخَذَ سبحانه يَنصُّ العِبَرَ المؤدِّية إِلى بيان وحدانيته، وعظيمِ قدرَتِهِ، فبدأ بنعمَةِ المَطَرَ التي هِيَ أَبينُ العبر، وهي مِلاَكُ الحياة، وهي في غاية الظهور، لا يخالف فيها عاقل.

وقوله: مِمَّا فِي بُطُونِهِ: الضمير عائد على الجِنْس، وعلى المذكور، وهذا كثيرٌ.

وقوله سبحانه: سائِغاً لِلشَّارِبِينَ/ «السائغ» : السَّهْلُ في الشرْبِ اللذيذُ.

ت: وعن ابن عبَّاس، قال: قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ أَطْعَمَهُ اللَّهُ طَعَاماً، فَلْيَقُلْ:

اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَأَطْعِمْنَا خَيْراً مِنْهُ، وَمَنْ سَقَاهُ اللَّهُ لَبَناً، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وزدنا منه» ، وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِىءُ مَكَانَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ غَيْرُ اللَّبَنِ» «١» ، رواه أبو داود والترمذيُّ وابن ماجه، وقال الترمذيُّ، واللفظ له: هذا حديثٌ حسنٌ، انتهى من «السلاح» .

وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧) وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠)

وقوله سبحانه: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً ...

الآية:

«السَّكَر» : ما يُسْكِرُ هذا هو المشهور في اللغة، قال ابن عباس: نزلَتْ هذه الآية قبل تحريمِ الخَمْرِ «١» ، وأراد ب «السَّكَر» : الخمرَ، وب «الرِّزْق الحسن» جميعَ ما يُشْرَبُ ويؤكل حلالاً من هَاتَيْنِ الشجرتَيْن، فالحَسَنُ هنا: الحلال، وقال بهذا القولِ ابنُ جُبَيْر وجماعة «٢» وصحَّح ابنُ العربيِّ «٣» هذا القولِ، ولفظه: والصحيحُ أَنَّ ذلك كان قبل تحريمِ الخَمْرِ، فإِن هذه الآية مكِّيَّة باتفاق العلماء، وتحريمُ الخَمْر مدنيٌّ انتهى من «أحكام القرآن» ، وقال مجاهد وغيره: السكر المائعُ من هاتَيْنِ الشجرتَيْنِ، كالخَلِّ، والرّبِّ، والنَّبِيذِ، والرزقُ الحَسَنُ: العنبُ والتمرُ «٤» .

قال الطبريُّ «٥» : والسّكَر أيضاً في كلام العرب ما يُطْعَم، ورجَّح الطبريُّ هذا القول، ولا مدخَلَ للخَمْر فيه، ولا نَسْخَ في الآية.

وقوله تعالى: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ...

الآية: الوحْيُ في كلام العرب:

إلقاء المعنى من المُوحى إلى الموحى إِليه في خفاءٍ، فمنه الوحْيُ إِلى الأنبياء برسالةِ المَلَكِ، ومنه وَحْيُ الرؤيا، ومنه وَحْيُ الإِلهام، وهو الذي في آيتنا باتفاق من المتأوِّلينِ، والوحْيُ أيضاً بمعنى الأمر كما قال تعالى: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [الزلزلة: ٥] ، وقد جعل اللَّه بيوتَ النحل في هذه الثلاثة الأنواعِ: إمَّا في الجبالِ وكُوَاها، وإِما في متجوَّفِ الأشجار، وإِما فيما يَعْرِشُ ابنُ آدَمَ من الأَجْبَاحِ والحِيطان، ونحوها، وعرش: معناه: هيّأ، والسبل الطرق، وهي مسالكها في الطيران وغيره، وذُلُلًا: يحتمل أن يكون حالاً من «النحل» ، أي: مطيعةً منقادةً، قاله قتادة «٦» .

قال ابن زَيْد: فهم يخرجون بالنحل

ينتجعون، وهي تتبعهم «١» وقرأ: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً ...

[يس: ٧١] الآية، ويحتملُ أنْ يكون حالاً من «السُّبُل» ، أي: مسَّهلةً مستقيمةً قاله مجاهد «٢» ، لا يتوعَّر عليها سبيلٌ تسلُكُه.

ثم ذكر تعالى على جهة تعديد النعمة، والتنبيه على العِبْرة- أمْرَ العَسَل في قوله:

يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ، وجمهور الناس على أنَّ العسل يخرُجْ من أفواهِ النَّحْلِ، واختلافُ الألوان في العسل بحسب آختلاف النَّحْلِ والمَرَاعِي، أيُّ والفصول.

ت: قال الهرويُّ: قوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ، وذلك أنه يستحيلُ في بطونها، ثم تمجُّه من أفواهها انتهى.

وقوله: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ الضمير للعَسَل قاله الجمهور: / قال ابن «٣» العربيِّ في «أحكامه» وقد روى الأئمة، واللفظُ للبخاريّ، عن عائشة، قالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّه صلّى الله عليه وسلّم يُحِبُّ الحْلَوَاءَ والعَسَل «٤» ، وروى أبو سعيد الخُدْرِيُّ: أنّ رجلا أتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فَقَالَ: إنَّ أخِي يَشْتَكى بَطْنَهُ فَقَالَ: «اسقه عَسَلاً» ، ثم أتَاهُ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: «اسقه عَسَلاً» ، ثُمَّ أتاه فَقَالَ:

فَعَلْتُ فَمَا زَادَهُ ذَلِكَ إِلاَّ استطلاقا، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: «صَدَق اللَّهُ وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ، اسقه عَسَلاً» فسَقَاهُ، فَبَرأ «٥» ، وروي أنَّ عوف بنَ مالك الأشْجَعِيَّ مَرِضَ، فقيل له: ألا نُعَالِجُكَ؟

فَقَالَ: ائتوني بمَاءِ سَمَاءٍ، فإِنَّ اللَّهَ تعالى يقُولُ: وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً [ق: ٩]

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ ﴾ في هَذا الوَحْيِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إلْهامٌ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ أمْرٌ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ورَوى ابْنُ مُجاهِدٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: أرْسَلَ إلَيْها.

والنَّحْلُ: زَنابِيرُ العَسَلِ، واحِدَتُها نَحْلَةٌ.

و ﴿ يَعْرِشُونَ ﴾ يَجْعَلُونَهُ عَرِيشًا.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يَعْرُشُونَ " بِضَمِّ الرّاءِ، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: " يَعْرِشُ " و " يَعْرُشُ " مِثْلُ " يَعْكِفُ " و " يَعْكُفُ " ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما يَعْرِشُونَ مِنَ الكُرُومِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّها سُقُوفُ البُيُوتِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كُلُّ شَيْءٍ عُرِشَ، مِن كَرْمٍ، أوْ نَباتٍ، أوْ سَقْفٍ، فَهو عَرْشٌ، ومَعْرُوشٌ.

وقِيلَ: المُرادُ بِـ " مِمّا يَعْرِشُونَ ": مِمّا يَبْنُونَ لَهم مِنَ الأماكِنِ الَّتِي تُلْقِي فِيها العَسَلَ، ولَوْلا التَّسْخِيرُ، ما كانَتْ تَأْوِي إلَيْها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مِنَ الثَّمَراتِ، وَ " كُلٌّ " هاهُنا لَيْسَتْ عَلى العُمُومِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ  ﴾ .

قالَ الزَّجّاجُ: فَهي تَأْكُلُ الحامِضَ، والمُرَّ، وما لا يُوصَفُ طَعْمُهُ، فَيُحِيلُ الله عَزَّ وجَلَّ مِن ذَلِكَ عَسَلًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ﴾ السُّبُلُ: الطُّرُقُ، وهي الَّتِي يَطْلُبُ فِيها الرَّعْيَ.

و " الذُّلُلُ " جَمْعُ ذَلُولٍ.

وفي المَوْصُوفِ بِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها السُّبُلُ، فالمَعْنى: اسْلُكِي السُّبُلَ مُذَلَّلَةً لَكِ، فَلا يَتَوَعَّرُ عَلَيْها مَكانٌ سَلَكَتْهُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، واخْتِيارُ الزَّجّاجِ.

والثّانِي: أنَّها النَّحْلُ، فالمَعْنى: إنَّكَ مُذَلَّلَةٌ بِالتَّسْخِيرِ لِبَنِي آدَمَ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، واخْتِيارُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ ﴾ يَعْنِي: العَسَلَ " مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِنهُ أحْمَرُ، وأبْيَضُ، وأصْفَرُ.

قالَ الزَّجّاجُ: [يَخْرُجُ] مِن بُطُونِها، إلّا أنَّها تُلْقِيه مِن أفْواهِها، وإنَّما قالَ: مِن بُطُونِها، لِأنَّ اسْتِحالَةَ الأطْعِمَةِ لا تَكُونُ إلّا في البَطْنِ، فَيَخْرُجُ كالرِّيقِ الدّائِمِ الَّذِي يَخْرُجُ مِن فَمِ ابْنِ آدَمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى العَسَلِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ.

واخْتَلَفُوا، هَلِ الشِّفاءُ الَّذِي فِيهِ يَخْتَصُّ بِمَرَضٍ دُونَ غَيْرِهِ، أمْ لا ؟

عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ مَرَضٍ.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: العَسَلُ شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ.

وقالَ قَتادَةُ: فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ مِنَ الأدْواءِ.

وقَدْ رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالَ: إنَّ أخِي اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ، فَقالَ: " اسْقِهِ عَسَلًا " فَسَقاهُ، ثُمَّ أتى فَقالَ: قَدْ سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إلّا اسْتِطْلاقًا، قالَ: " اسْقِهِ، عَسَلًا "، فَذَكَرَ الحَدِيثَ.

.

.

إلى أنْ قالَ: فَشُفِيَ، إمّا في الثّالِثَةِ، وإمّا في الرّابِعَةِ.

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : " صَدَقَ اللَّهُ، وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ» " أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ.

ويَعْنِي بِقَوْلِهِ " صَدَقَ اللَّهُ ": هَذِهِ الآيَةُ.

والثّانِي: فِيهِ شِفاءٌ لِلْأوْجاعِ الَّتِي شِفاؤُها فِيهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والصَّحِيحُ أنَّ ذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَجَ الغالِبِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الغالِبُ عَلى العَسَلِ أنَّهُ يَعْمَلُ في الأدْواء، ويَدْخُلُ في الأدْوِيَةِ، فَإذا لَمْ يُوافِقْ آحادَ المَرْضى، فَقَدْ وافَقَ الأكْثَرِينَ، وهَذا كَقَوْلِ العَرَبِ: الماءُ حَياةُ كُلِّ شَيْءٍ، وقَدْ نَرى مَن يَقْتُلُهُ الماءُ، وإنَّما الكَلامُ عَلى الأغْلَبِ.

والثّانِي: أنَّ الهاءَ تَرْجِعُ إلى الِاعْتِبارِ.

والشِّفاءُ: بِمَعْنى الهُدى، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى القُرْآنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِن ثَمَراتِ النَخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ وَأوحى رَبُّكَ إلى النَحْلِ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ومِنَ الشَجَرِ ومِمّا يَعْرِشُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَمَراتِ فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: التَقْدِيرُ: ومِن ثَمَراتِ النَخِيلِ والأعْنابِ ما تَتَّخِذُونَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: التَقْدِيرُ: ومِن ثَمَراتِ النَخِيلِ والأعْنابِ شَيْءٌ تَتَّخِذُونَ مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "وَمِن ثَمَراتِ" عَطْفًا عَلى "الأنْعامِ"، أيْ: ولَكم مِن ثَمَراتِ النَخِيلِ والأنْعامِ عِبْرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى "مِمّا"، أيْ: ونَسْقِيكم أيْضًا مَشْرُوباتٍ مِن ثَمَراتٍ.

وَ"السَكَرُ": ما يُسْكَرُ، هَذا هو المَشْهُورُ في اللُغَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ، وأرادَ "بِالسَكَرِ" الخَمْرَ، و"بِالرِزْقِ الحَسَنِ" جَمِيعَ ما يُشْرَبُ ويُؤْكَلُ حَلالًا مِن هاتَيْنِ الشَجَرَتَيْنِ، وقالَ بِهَذا القَوْلِ ابْنُ جُبَيْرٍ، وإبْراهِيمُ، والشَعْبِيُّ، وأبُو رَزِينٌ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: ذَكَرَ اللهُ نِعْمَتَهُ في السَكَرِ قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ، وقالَ الشَعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ: السَكَرُ: المايِغُ مِن هاتَيْنِ الشَجَرَتَيْنِ كالخَلِّ والرُبِّ والنَبِيذِ، و الرِزْقُ الحَسَنِ: العِنَبُ والتَمْرُ، قالَ الطَبَرِيُّ: والسَكَرُ أيْضًا في كَلامِ العَرَبِ: ما يُطْعَمُ، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ.

ولا يَدْخُلُ الخَمْرُ فِيهِ، ولا نُسِخَ مِنَ الآيَةِ شَيْءٌ، وقالَ بَعْضُ الفِرْقَةِ الَّتِي رَأتِ السَكَرَ الخَمْرَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِتَحْرِيمِ الخَمْرِ، وفي هَذِهِ المَقالَةِ دَرْكٌ؛ لِأنَّ النَسْخَ إنَّما يَكُونُ في حُكْمٍ مُسْتَقِرٍّ مَشْرُوعٍ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  ، أنَّهُ قالَ: « "حُرِمَتِ الخَمْرُ بِعَيْنِها، والسَكَرُ مِن غَيْرِها"،» هَكَذا رُوِيَ، والرِوايَةُ الصَحِيحَةُ بِفَتْحِ السِينِ والكافِ، أيْ: جَمِيعُ ما يُسْكِرُ مِنهُ حُرِّمَ عَلى حَدِّ تَحْرِيمِ الخَمْرِ قَلِيلُهُ وكَثِيرُهُ، ورَواهُ العِراقِيُّونَ و"السُكْرُ" بِضَمِّ السِينِ وسُكُونِ الكافِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى فَقْهِهِمْ في أنَّ ما أسْكَرُ كَثِيرُهُ مِن غَيْرِ خَمْرِ العِنَبِ فَقَلِيلُهُ حَلالٌ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأوحى رَبُّكَ إلى النَحْلِ ﴾ الآيَةُ.

الوَحْيُ في كَلامِ العَرَبِ إلْقاءُ المَعْنى مِنَ المُوحِي إلى المُوحى إلَيْهِ في خَفاءٍ، فَمِنهُ الوَحْيُ إلى الأنْبِياءِ بِرِسالَةِ المَلِكِ، ومِنهُ وحْيُ الرُؤْيا، ومِنهُ وحْيُ الإلْهامِ وهو الَّذِي ها هُنا بِاتِّفاقٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، والوَحْيُ أيْضًا بِمَعْنى الأمْرِ، كَما قالَ تَعالى:بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "إلى النَخْلِ" بِفَتْحِ الحاءِ، و"أنْ" في قَوْلِهِ: أنِ اتَّخِذِي مُفَسِّرَةٌ.

وقَدْ جَعَلَ اللهُ بُيُوتَ النَحْلِ في هَذِهِ الثَلاثَةِ: إمّا في الجِبالِ وكُواها، وإمّا في مُتَجَوِّفِ الأشْجارِ، وإمّا فِيما يُعَرِّشُ ابْنُ آدَمَ مِنَ الأجْباحِ والحِيطانِ ونَحْوَها.

"وَعَرَشَ" مَعْناهُ: هَيَّأ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ فِيما يَكُونُ مِنَ اتِّفاقِ الأغْصانِ والخَشَبِ وتَرْتِيبِ ظِلالِها، ومِنهُ العَرِيشُ الَّذِي صِيغَ لِرَسُولِ اللهِ  يَوْمَ بَدْرٍ ومِن هَذا هي لَفْظَةُ العَرْشِ، ويُقالُ: عَرَشَ يَعْرِشُ ويَعْرُشُ بِكَسْرِ الراءِ وضَمِّها، قَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالضَمِّ، وسائِرُهم بِالكَسْرِ، واخْتَلَفَ عن عاصِمٍ، وجُمْهُورُ الناسِ عَلى الكَسْرِ، وقَرَأ بِالضَمِّ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعَبِيدِ بْنِ نَضْلَةَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: "يَعْرِشُونَ" قالَ: الكُرُومُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: "وَمِمّا يَعْرِشُونَ" يَعْنِي: ما يَبْنُونَ مِنَ السُقُوفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مِنهُما تَفْسِيرٌ غَيْرُ مُتْقَنٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَمَراتِ ﴾ الآيَةُ.

المَعْنى: ثُمَّ ألْهَمَها أنَّ كُلِيِ، فَعَطَفَ "كُلِي" عَلى "اتَّخِذِي"، و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: كُلِي جُزْءًا أو شَيْئًا مِن كُلِّ الثَمَراتِ، وذَلِكَ أنَّها إنَّما تَأْكُلُ النَوّارَ مِنَ الأشْجارِ.

و"السُبُلُ": الطُرُقُ، وهي مَسالِكُها في الطَيَرانِ وغَيْرِهِ، وأضافَها إلى الرَبِّ مِن حَيْثُ هي مُلْكِهِ وخَلْقِهِ، أيْ: الَّتِي يَسَرَّ لَك رَبُّكَ.

وقَوْلُهُ: "ذُلُلًا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ "النَحْلِ"، أيْ: مُطِيعَةٌ مُنْقادَةٌ لِما يُسِّرَتْ لَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: فَهم يَخْرُجُونَ بِالنَحْلِ يَنْتَجِعُونَ، وهي تَتْبَعُهُمْ، وقَرَأ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا  ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ يَأْكُلُونَ  ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن "السُبُلِ"، أيْ: مُسَهِّلَةً مُسْتَقِيمَةً، قالَ مُجاهِدٌ: لا يَتَوَعَّرُ عَلَيْها سَبِيلٌ تَسْلُكُهُ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَبارَكَ وتَعالى -عَلى جِهَةِ تَعْدِيدِ النِعْمَةِ والتَنْبِيهِ عَلى العِبْرَةِ- أمْرَ العَسَلِ في قَوْلِهِ: ﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِها ﴾ ، وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّ العَسَلَ يَخْرُجُ مِن أفْواهِ النَحْلِ، ووَرَدَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ في تَحْقِيرِهِ لِلدُّنْيا: "أشْرَفُ لِباسِ ابْنِ آدَمَ فِيها لُعابُ دُودَةٍ، وأشْرَفُ شَرابِهِ رَجِيعُ نَحْلَةٍ".

فَظاهِرُ هَذا أنَّهُ مِن غَيْرِ الفَمِ، واخْتِلافُ الألْوانِ في العَسَلِ بِحَسَبِ اخْتِلافِ النَحْلِ والمَراعِي، وقَدْ يَخْتَلِفُ طَعْمُهُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ المَراعِي، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ زَيْنَبَ لِلنَّبِيِّ  : "جَرَسَتْ نَحْلَهُ العُرْفُطِ"، حِينَ شَبَّهَتْ رائِحَتَهُ بِرائِحَةِ المَغافِيرِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ ﴾ ، الضَمِيرُ لِلْعَسَلِ، قالَهُ الجُمْهُورُ، ولا يَقْتَضِي العُمُومَ في كُلِّ عِلَّةٍ، وفي كُلِّ إنْسانٍ، بَلْ هو خَبَرٌ عن أنَّهُ يَشْفِي كَما يَشْفِي غَيْرُهُ مِنَ الأدْوِيَةِ في بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وعَلى حالٍ دُونَ حالٍ، فَفي الآيَةِ إخْبارٌ مُنَبَّهٌ عَلى أنَّهُ دَواءٌ لَمّا كَثُرَ الشِفاءُ بِهِ وصارَ خَلِيطًا ومُعِينًا لِلْأدْوِيَةِ والأشْرِبَةِ والمَعاجِنِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ لا يَشْكُو شَيْئًا إلّا تَداوى بِالعَسَلِ، حَتّى إنَّهُ كانَ يَدْهُنُ بِهِ الدُمَّلَ والقَرْصَةَ ويَقْرَأُ: ﴿ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ يَرى الشِفاءَ بِهِ عَلى العُمُومِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الضَمِيرُ لِلْقُرْآنِ، أيْ: فِيهِ شِفاءٌ، وذَهَبَ قَوْمٌ مَن أهْلِ الجَهالَةِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما يُرادُ بِها أهْلُ البَيْتِ مَن بَنِي هاشِمٍ، وأنَّهُمُ النَحْلَ، وأنَّ الشَرابَ القُرْآنُ والحِكْمَةُ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم هَذا في مَجْلِسِ المَنصُورِ أبِي جَعْفَرٍ العَبّاسِيِّ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ مِمَّنْ حَضَرَ: جَعَلَ اللهُ طَعامَك وشَرابَكَ ما يُخْرِجُ مِن بُطُونِ بَنِي هاشِمٍ، فَأضْحَكَ الحاضِرِينَ وأبْهَتَ الآخَرَ، وظَهَرَتْ سَخافَةُ قَوْلِهِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عَطْف عبرة على عبرة ومنّة على منّة.

وغُيّر أسلوب الاعتبار لما في هذه العبرة من تنبيه على عظيم حكمة الله تعالى، إذ أودع في خلقة الحشرة الضعيفة هذه الصّنعة العظيمة وجعل فيها هذه المنفعة، كما أودع في الأنعام ألبانها وأودع في ثمرات النخيل والأعناب شراباً، وكان ما في بطون النّحْل وسطاً بين ما في بطون الأنعام وما في قلب الثمار، فإن النّحل يمتصّ ما في الثمرات والأنوار من المواد السكّرية العسليّة ثم يخرجه عسلاً كما يَخْرج اللبن من خلاصة المرعى.

وفيه عبرة أخرى وهي أن أودع الله في ذبابة النحل إدراكاً لصنع محكم مضبوط منتج شراباً نافعاً لا يحتاج إلى حلب الحالب.

فافتتحت الجملة بفعل ﴿ أوْحى ﴾ دون أن تفتتح باسم الجلالة مثل جملة ﴿ والله أنزل ﴾ [سورة النحل: 65]، لما في أوحى } من الإيماء إلى إلهام تلك الحشرة الضعيفة تدبيراً عجيباً وعملاً متقناً وهندسة في الجبلة.

فكان ذلك الإلهام في ذاته دليلاً على عظيم حكمة الله تعالى فضلاً على ما بعده من دلالة على قدرة الله تعالى ومنّة منه.

والوحي: الكلام الخفيّ والإشارة الدّالة على معنى كلاميّ.

ومنه سمّي ما يلقيه الملك إلى الرسول وَحْياً لأنه خفيّ عن أسماع الناس.

وأطلق الوحي هنا على التكوين الخفيّ الذي أودعه الله في طبيعة النحل، بحيث تنساق إلى عمل منظّم مرتّب بعضه على بعض لا يختلف فيه آحادها تشبيهاً للإلهام بكلام خفيّ يتضمّن ذلك الترتيب الشّبيه بعمل المتعلّم بتعليم المُعلّم، أو المؤتمر بإرشاد الآمر، الذي تلقّاه سرّاً، فإطلاق الوحي استعارة تمثيليّة.

و ﴿ النّحل ﴾ : اسم جنس جمعي، واحده نحلة، وهو ذباب له جِرم بقدرِ ضعفي جِرم الذّباب المتعارف، وأربعة أجنحة، ولون بطنه أسمر إلى الحمرة، وفي خرطومه شوكة دقيقة كالشوكة التي في ثمرة التين البربري (المسمى بالهندي) مختفية تحت خرطومه يلسع بها ما يخافه من الحيوان، فتسمّ الموضع سمّاً غير قوي، ولكن الذبابةَ إذا انفصلت شوكتُها تموت.

وهو ثلاثة أصناف: ذكر وأنثى وخنثى، فالذكور هي التي تحرس بيوتها ولذلك تكون محوّمة بالطيران والدّوي أمام البيت وهي تُلقح الإناث لقاحاً به تلد الإناث إناثاً.

والإناثُ هي المسمّاة اليعاسيب، وهي أضخم جرماً من الذكور.

ولا تكون التي تلد في البيوت إلا أنثى واحدة، وهي قد تلد بدون لقاح ذكر؛ ولكنّها في هذه الحالة لا تلد إلا ذكوراً فليس في أفراخها فائدة لإنتاج الوالدات.

وأما الخنثى فهي التي تفرز العسل، وهي العواسل، وهي أصغر جرماً من الذكور وهي معظم سكان بيت النّحل.

و ﴿ أنْ ﴾ تفسيرية، وهي ترشيح للاستعارة التمثيلية، لأنّ ﴿ أنْ ﴾ التفسيريّة من روادف الأفعال الدالة على معنى القول دون حروفه.

واتّخاذ البيوت هو أوّل مراتب الصنع الدّقيق الذي أودعه الله في طبائع النحل فإنها تبني بيوتاً بنظام دقيق، ثم تقسم أجزاءَها أقساماً متساوية بأشكال مسدّسة الأضلاع بحيث لا يتخلّل بينها فراغ تنساب منه الحشرات، لأن خصائص الأشكال المسدّسة إذا ضُمّ بعضها إلى بعض أن تتّصل فتصير كقطعة واحدة، وما عداها من الأشكال من المثلّث إلى المعشّر إذا جمع كلّ واحد منها إلى أمثاله لم تتّصل وحصلت بينها فُرج، ثم تُغشي على سطوح المسدّسات بمادة الشمع، وهو مادة دهنية متميّعة أقربُ إلى الجمود، تتكوّن في كيس دقيق جداً تحت حلقة بطن النحلة العاملة فترفعه النحلة بأرجلها إلى فمها وتمضغه وتضع بعضه لصق بعض لبناء المسدّس المسمى بالشُهْد لتمنع تسرّب العسل منها.

ولما كانت بيوت النحل معروفة للمخاطبين اكتفي في الاعتبار بها بالتّنبيه عليها والتذكير بها.

وأشير إلى أنها تتّخذ في أحسن البقاع من الجبال أو الشجر أو العُرُش دون بيوت الحشرات الأخرى، وذلك لشرفها بما تحتويه من المنافع، وبما تشتمل عليه من دقائق الصّنعة؛ ألا ترى إلى قوله تعالى في ضدّها: ﴿ وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ﴾ [سورة العنكبوت: 41].

وتقدم الكلام على الجبال عند قوله تعالى: ﴿ ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ﴾ في سورة البقرة (260).

و ﴿ من ﴾ الداخلة على ﴿ الجبال ﴾ وما عطف عليها بمعنى (في)، وأصلها ﴿ مِن ﴾ الابتدائية، فالتعبير بها دون (في) الظرفية لأن النحل تبني لنفسها بيوتاً ولا تجعل بيوتَها جُحور الجِبال ولا أغصان الشجر ولا أعواد العريش وذلك كقوله تعالى: ﴿ واتّخذوا من مقام إبراهيم مصلّى ﴾ [سورة البقرة: 125].

وليست مثل (من) التي في قوله تعالى: ﴿ وجعل لكم من الجبال أكناناً ﴾ [سورة النحل: 81].

وما يعرشون أي ما يجعلونه عروشاً، جمع عَرش، وهو مجلس مرتفع على الأرض في الحائط أو الحقل يتّخذ من أعواد ويسقف أعلاه بورق ونحوه ليكون له ظل فيجلس فيه صاحبه مُشْرفاً على ما حوله.

يقال: عرش، إذا بنى ورفع، ومنه سمّي السرير الذي يَرتفع عن الأرض ليجلس عليه العظماء عَرشاً.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وهو الذي أنشأ جنات معروشات ﴾ في سورة الأنعام (141)، وقوله تعالى: ﴿ وما كانوا يعرشون ﴾ في سورة الأعراف (137).

وقرأ جمهور القراء بكسر راء ﴿ يعرشون ﴾ .

وقرأه ابن عامر بضمّها.

و ﴿ ثم ﴾ للترتيب الرتبي، لأن إلهام النحل للأكل من الثمرات يترتّب عليه تكوّن العسل في بطونها، وذلك أعلى رتبة من اتخاذها البيوت لاختصاصها بالعسل دون غيرها من الحشرات التي تبني البيوت، ولأنه أعظم فائدة للإنسان، ولأن منه قوتها الذي به بقاؤها.

وسُمّي امتصاصها أكلاً لأنها تقتاته فليس هو بشرب.

و ﴿ الثمرات ﴾ : جمع ثمرة.

وأصل الثمرة ما تخرجه الشجرة من غلّة، مثل التّمْر والعنب؛ والنحلُ يمتصّ من الأزهار قبل أن تصير ثمرات، فأطلق ﴿ الثمرات ﴾ في الآية على الأزهار على سبيل المجاز المرسل بعلاقة الأول.

وعطفت جملة ﴿ فاسلكي ﴾ بفاء التفريع للإشارة إلى أن الله أودع في طبع النحل عند الرعي التنقّل من زهرة إلى زهرة ومن روضة إلى روضة، وإذا لم تجد زهرة أبعدت الانتجاع ثم إذا شبعت قصدت المبادرة بالطيران عقب الشبع لترجع إلى بيوتها فتقذف من بطونها العسل الذي يفضل عن قوتها، فذلك السلوك مفرع على طبيعة أكلها.

وبيان ذلك أن للأزهار وللثمار غدداً دقيقة تفرز سائلاً سكرياً تمتصّه النحل وتملأ به ما هو كالحواصل في بطونها وهو يزداد حلاوة في بطون النحل باختلاطه بمواد كيميائية مودعة في بطون النحل، فإذا راحت من مرعاها إلى بيوتها أخرجت من أفواهها ما حصل في بطونها بعد أن أخذ منه جسمها ما يحتاجه لقوته، وذلك يشبه اجترار الحيوان المجترّ.

فذلك هو العسل.

والعسل حين القذف به في خلايا الشَهد يكون مائعاً رقيقاً، ثم يأخذ في جفاف ما فيه من رطوبة مياه الأزهار بسبب حرارة الشمع المركّب منه الشهد وحرارة بيت النحل حتى يصير خاثراً، ويكون أبيض في الربيع وأسمر في الصيف.

والسلوك: المرور وسط الشيء من طريق ونحوه.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ كذلك نسلكه في قلوب المجرمين ﴾ في سورة الحجر (12).

ويستعمل في الأكثر متعدّياً كما في آية الحِجر بمعنى أسلكه، وقاصراً بمعنى مَرّ كما هنا، لأن السّبل لا تصلح لأن تكون مفعول (سلك) المتعدي، فانتصاب ﴿ سبل ﴾ هنا على نزع الخافض توسعاً.

وإضافة السبل إلى ﴿ ربك ﴾ للإشارة إلى أن النحل مسخّرة لسلوك تلك السبل لا يَعدلها عنها شيء، لأنها لَوْ لَمْ تسلكها لاختلّ نظام إفراز العسل منها.

و ﴿ ذللاً ﴾ جمع ذلول، أي مذلّلة مسخّرة لذلك السلوك.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ذلول تثير الأرض ﴾ في سورة البقرة (71).

وجملة يخرج من بطونها شراب } مستأنفة استئنافاً بيانياً، لأن ما تقدم من الخبر عن إلهام النحل تلك الأعمال يثير في نفس السامع أن يسأل عن الغاية من هذا التكوين العجيب، فيكون مضمون جملة ﴿ يخرج من بطونها شراب ﴾ بياناً لما سأل عنه.

وهو أيضاً موضع المنّة كما كان تمام العبرة.

وجيء بالفعل المضارع للدّلالة على تجدّد الخروج وتكرّره.

وعبّر عن العسل باسم الشراب دون العسل لما يومئ إليه اسم الجنس من معنى الانتفاع به وهو محل المنّة، وليرتب عليه جملة ﴿ فيه شفاء للناس ﴾ .

وسمّي شراباً لأنه مائع يشرب شرباً ولا يمضغ.

وقد تقدم ذكر الشراب في قوله تعالى: ﴿ لكم منه شراب ﴾ في أوائل هذه السورة [النحل: 10].

ووصفه ب ﴿ مختلف ألوانه ﴾ لأن له مدخلاً في العبرة، كقوله تعالى: ﴿ تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل ﴾ [سورة الرعد: 4]، فذلك من الآيات على عظيم القدرة ودقيق الحكمة.

وفي العسل خواص كثيرة المنافع مبيّنة في علم الطب.

وجعل الشّفاء مظروفاً في العسل على وجه الظرفية المجازية.

وهي الملابسة للدلالة على تمكّن ملابسة الشفاء إياه، وإيماء إلى أنه لا يقتضي أن يطّرد الشفاء به في كل حالة من أحوال الأمزجة، أو قد تعرض للأمزجة عوارض تصير غير ملائم لها شرب العسل.

فالظرفية تصلح للدّلالة على تخلّف المظروف عن بعض أجزاء الظرف، لأن الظرف يكون أوسع من المظروف غالباً.

شبه تخلّف المقارنة في بعض الأحوال بقلّة كمية المظروف عن سعة الظرف في بعض أحوال الظروف ومظروفاتها، وبذلك يبقى تعريف الناس على عمومه، وإنما التخلّف في بعض الأحوال العارضة، ولولا العارض لكانت الأمزجة كلها صالحة للاستشفاء بالعسل.

وتنكير شفاء} في سياق الإثبات لا يقتضي العموم فلا يقتضي أنه شفاء من كل داء، كما أن مفاد (في) من الظرفية المجازية لا يقتضي عموم الأحوال.

وعمومُ التعريف في قوله تعالى: ﴿ للناس ﴾ لا يقتضي العموم الشمولي لكل فرد فرد بل لفظ (الناس) عمومه بَدَلي.

والشفاء ثابت للعسل في أفراد الناس بحسب اختلاف حاجات الأمزجة إلى الاستشفاء.

وعلى هذا الاعتبار محمل ما جاء في الحديث الذي في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري: أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنّ أخي استُطلق بطْنه، فقال: اسقه عسلاً.

فذهب فسقاه عسلاً.

ثم جاء، فقال: يا رسول الله سقيته عسلاً فما زاده إلا استطلاقاً؛ قال: اذهب فاسقه عسلاً، فذهب فسقاه عسلاً ثم جاء، فقال: يا رسول الله ما زاده إلا استطلاقاً.

فقال رسول الله: " صدَق الله وكذبَ بطْن أخيك؛ فذهب فسقاه عسلاً فبرئ ".

إذ المعنى أن الشفاء الذي أخبر الله عنه بوجوده في العسل ثابت، وأن مزاج أخي السائل لم يحْصل فيه معارض ذلك، كما دلّ عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم إيّاه أن يسقيه العسل، فإن خبره يتضمّن أن العسل بالنسبة إليه باقٍ على ما جعل الله فيه من الشفاء.

ومن لطيف النّوادر ما في «الكشاف»: أن من تأويلات الروافض أن المراد بالنحل في الآية عليّ وآله.

وعن بعضهم أنه قال عند المهدي: إنما النحل بنو هاشم يخرج من بطونهم العلم، فقال له رجل: جعَل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطون بني هاشم، فضحك المهدي وحدّث به المنصور فاتّخذوه أضحوكة من أضاحيكهم.

قلت: الرجل الذي أجاب الرافضي هو بَشّار بن برد.

وهذه القصّة مذكورة في أخبار بشّار.

وجملة ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ﴾ مثل الجملتين المماثلتين لها.

وهو تكرير لتعداد الاستدلال، واختير وصف التفكّر هنا لأن الاعتبار بتفصيل ما أجملته الآية في نظام النحل محتاج إلى إعمال فكر دقيق، ونظر عميق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الوَحْيَ إلَيْها هو إلْهامًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: يَعْنِي أنَّهُ سَخَّرَها، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ في غَرائِزِها بِما يَخْفى مِثْلُهُ عَلى غَيْرِها، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ومِنَ الشَّجَرِ ومِمّا يَعْرِشُونَ ﴾ فَذَكَرَ بُيُوتَها لِما ألْهَمَها وأوْدَعَهُ في غَرائِزِها مِن صِحَّةِ القِسْمَةِ وحُسْنِ المَنَعَةِ.

﴿ وَمِمّا يَعْرِشُونَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الكَرْمُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: ما يَبْنُونَ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ.

﴿ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ﴾ أيْ طُرُقَ رَبِّكِ.

﴿ ذُلُلا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُذَلَّلَةً، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ.

الثّانِي: مُطِيعَةً، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أيْ لا يَتَوَعَّرُ عَلَيْها مَكانٌ تَسْلُكُهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: أنَّ الذُّلُلَ مِن صِفاتِ النَّحْلِ وأنَّها تَنْقادُ وتَذْهَبُ حَيْثُ شاءَ صاحِبُها لِأنَّها تَتْبَعُ أصْحابَها حَيْثُ ذَهَبُوا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ ﴾ يَعْنِي العَسَلَ.

﴿ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ ﴾ لِاخْتِلافِ أغْذِيَتِها.

﴿ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ عائِدٌ إلى القُرْآنِ، وأنَّ في القُرْآنِ شِفاءً لِلنّاسِ أيْ بَيانًا لِلنّاسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ عائِدٌ إلى الِاعْتِبارِ بِها أنَّ فِيهِ هُدًى لِلنّاسِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ عائِدٌ إلى العَسَلِ، وأنَّ في العَسَلِ شِفاءً لِلنّاسِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ.

رَوى قَتادَةُ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَذَكَرَ أنَّ أخاهُ اشْتَكى بَطْنَهُ.

فَقالَ النَّبِيُّ  : (اذْهَبْ فاسْقِ أخاكَ عَسَلًا) ثُمَّ جاءَ فَقالَ: ما زادَهُ إلّا شِدَّةً.

فَقالَ النَّبِيُّ  : (اذْهَبْ فاسْقِ أخاكَ عَسَلًا) .

ثُمَّ جاءَ فَقالَ لَهُ: ما زادَهُ إلّا شِدَّةً، فَقالَ النَّبِيُّ  : (اذْهَبْ فاسْقِ أخاكَ عَسَلًا، صَدَقَ اللَّهُ وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ)، فَسَقاهُ فَكَأنَّهُ نَشِطَ مِن عِقالٍ.

» <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأوحى ربك إلى النحل ﴾ قال: ألهمها.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن قال: النحل دابة أصغر من الجندب، ووحيه إليها قذف في قلوبها.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ وأوحى ربك إلى النحل ﴾ قال: ألهمها إلهاماً، ولم يرسل إليها رسولاً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأوحى ربك إلى النحل ﴾ قال: أمرها أن تأكل من كل الثمرات، وأمرها أن تتبع سبل ربها ذللاً.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ فاسلكي سبل ربك ذللاً ﴾ قال: طرقاً لا يتوعر عليها مكان سلكته.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ فاسلكي سبل ربك ذللاً ﴾ قال: مطيعة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد في الآية قال: الذلول الذي يقاد ويذهب به حيث أراد صاحبه.

قال: فهم يخرجون بالنحل وينتجعون بها.

ويذهبون وهي تتبعهم.

وقرأ ﴿ أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لهم مالكون وذللناها لهم ﴾ [ يس: 71-72] الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاسلكي سبل ربك ذللاً ﴾ قال: ذليلة لذلك.

وفي قوله: ﴿ يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه ﴾ قال: هذا العسل ﴿ فيه شفاء للناس ﴾ يقول: فيه شفاء الأوجاع التي شفاؤها فيه.

وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس ﴾ يعني العسل.

وأخرج ابن جرير وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس ﴾ قال: هو العسل فيه الشفاء، وفي القرآن.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن العسل فيه شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن ابن مسعود قال: عليكم بالشفاءين: العسل والقرآن.

وأخرج ابن ماجه وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالشفاءين العسل والقرآن» .

وأخرج البخاري، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار، وأنا أنهي أمتي عن الكي» .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أخي استطلق بطنه، فقال: «اسقه عسلاً» فسقاه عسلاً، ثم جاء فقال: ما زاده إلا استطلاقاً: قال: «اذهب فاسقه عسلاً» فسقاه عسلاً، ثم جاء فقال: ما زاده إلا استطلاقاً!

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صدق الله وكذب بطن أخيك، اذهب فاسقه عسلاً» فذهب فسقاه فبرأ.

وأخرج ابن ماجه وابن السني والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لعق العسل ثلاث غدوات كل شهر لم يصبه عظيم من البلاء» .

وأخرج البيهقي في الشعب، عن عامر بن مالك قال: بعثت إلى النبي صلى الله عليه وسلم من وعك كان بي ألتمس منه دواء أو شفاء، فبعث إليّ بعَكَّة من عسل.

وأخرج حميد بن زنجويه، عن نافع أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان لا يشكو قرحة ولا شيئاً إلا جعل عليه عسلاً حتى الدُّمَّلَ إذا كان به طلاه عسلاً، فقلنا له: تداوي الدُمَّلَّ بالعسل؟

فقال أليس يقول الله: ﴿ فيه شفاء للناس ﴾ .

وأخرج أحمد والنسائي، عن معاوية بن خديج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن كان في شيء شفاء ففي شرطة من محجم أو شربة من عسل أو كية بنار تصيب ألماً، وما أحب أن أكتوى» .

وأخرج ابن أبي شيبة، عن حشرم المجمري: أن ملاعب الأسنة عامر بن مالك بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله الدواء والشفاء من داء نزل به؟

فبعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم بعسل أو بعكة من عسل.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن عبد الله بن عمر وقال: مثل المؤمن كمثل النحلة تأكل طيبا وتضع طيباً.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن الزهري قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النمل والنحل.

وأخرج الطبراني في الأوسط بسند حسن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل بلالٍ كمثل النحلة، غدت تأكل من الحلو والمر، ثم هو حلو كله» .

وأخرج الحاكم وصححه، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يحب الفاحش ولا المتفحش وسوء الجوار وقطيعة الرحم، ثم قال: إنما مثل المؤمن كمثل النحلة رتعت فأكلت طيباً ثم سقطت فلم تؤذ ولم تكسر» .

وأخرج الطبراني عن سهل بن سعد الساعدي: أن النبي صلى الله عليه وسلم: نهى عن قتل النملة والنحلة والهدهد والصرد والضفدع.

وأخرج الخطيب في تاريخه، عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصرد.

وأخرج أبو يعلى عن أنس قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «عمر الذباب أربعون يوماً، والذباب كله في النار، إلا النحل» .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف من طريق مجاهد، عن عبيد بن عمير أو ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل الذباب في النار إلا النحل» وكان ينهى عن قتلها.

وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الذباب كلها في النار إلا النحل» .

وأخرج ابن جرير، عن علي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ قال: خمس وسبعون سنة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ الآية.

أرذل العمر هو الخوف.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة قال: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر، ثم قرأ ﴿ لكي لا يعلم بعد علم شيئاً ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة، عن طاوس قال: إن العالم لا يخرف.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن عبد الملك بن عمير قال: كان يقال أن أبقى الناس عقولاً قراء القرآن.

وأخرج البخاري وابن مردويه، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو، «أعوذ بك من البخل والكسل وأرذل العمر وعذاب القبر وفتنة الدجال وفتنة المحيا وفتنة الممات» .

وأخرج ابن مردويه، عن ابن مسعود قال: كان دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم «أعوذ بالله من دعاء لا يسمع ومن قلب لا يخشع ومن علم لا ينفع ومن نفس لا تشبع، اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع.

ومن الخيانة فإنها بئست البطانة.

وأعوذ بك من الكسل والهرم والبخل والجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدجال وعذاب القبر» .

وأخرج ابن مردويه، عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يدعو «اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا وأعوذ بك من عذاب القبر» .

وأخرج ابن مردويه، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المولود حتى يبلغ الحنث ما يعمل من حسنة أثبت لوالده أو لوالديه، وإن عمل سيئة لم تكتب عليه ولا على والديه، فإذا بلغ الحنث وجرى عليه القلم أمر الملكان اللذان معه فحفظاه وسددا، فإذا بلغ أربعين سنة في الإسلام، آمنه الله من البلايا الثلاثة: من الجنون والجذام والبرص، فإذا بلغ الخمسين ضاعف الله حسناته، فإذا بلغ ستين رزقه الله الانابة إليه فيما يحب، فإذا بلغ سبعين أحبه أهل السماء، فإذا بلغ تسعين سنة غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر وشفعه في أهل بيته وكان اسمه عنده أسير الله في أرضه، فإذا بلغ إلى أرذل العمر ﴿ لكي لا يعلم بعد علم شيئاً ﴾ كتب الله له مثل ما كان يعمل في صحته من الخير، وإن عمل سيئة لم تكتب عليه» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ ﴾ الآية.

وَحَى وأوحَى واحد (١) (٢) (٣) ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ  ﴾ وفي مواضع.

وقوله تعالي: ﴿ إِلَى النَّحْلِ ﴾ ، النَّحْل: زنبور (٤) (٥) قال الزجاج: جائز أن يكون سمي نحلًا؛ لأن الله عز وجل نحل الناس العسل الذي يخرج من بطونها، وقال غيره: النَّحْل يذكر ويؤنث (٦) وقال أهل المعاني: الله تعالى أوحى إلى كل دابة وذي روح وحي الإلهام في التماس منافعها واجتناب مضارِّهَا، فذكر من ذلك أمر النحل؛ لأن فيها من لطيف الصنعة وبديع الخلق ما فيه أعظم معتبر، بأن ألهمها اتخاذ المنازل والمساكن (٧) ﴿ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ ﴾ ، قال ابن عباس: هي تتخذ من الجبال لأنفسها إذا كانت لا أصحاب لها (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴾ ، أي: يبنون ويسقفون، وفيه لغتان: قُرئ بها ضَمُّ الراء (٩) (١٠) قال ابن عباس: يريد ما يعرش الناس لها من الجِبَاح (١١) (١٢) وقال ابن زيد في قوله: ﴿ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴾ هو الكروم (١٣) قال أهل المعاني: لولا التسخير وإلهام الله تعالى ما كانت تأوي إلى ما يبني لها الناس من بيوتها (١٤) (١) يقال: أوْحى لها وَوَحى لها، لكن اللغة الفاشية في القرآن بالألف، وأما في غير القرآن فوحيْتُ إلى فلان هو المشهور.

انظر: (وحى) في "تهذيب اللغة" 4/ 3852، و"المحيط في اللغة" 3/ 241، و"الصحاح" 6/ 2519.

(٢) ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 204 ب، بنحوه، والطبري 14/ 139 بنصه عن معمر من طريقين، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 83، بنحوه، و"تفسير السمرقندي" 2/ 241، بنحوه، وهود الهواري 2/ 377، بنحوه، والثعلبي 2/ 159 ب، بنصه، و"الماوردي" 3/ 199، بنحوه، والطوسي 6/ 402، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 29، وابن الجوزي 4/ 465، والفخر الرازي 20/ 69، و"تفسير القرطبي" 10/ 133.

(٣) في (أ)، (د): (إيحاء)، والمثبت من (ش)، (ع).

(٤) في (أ)، (د): (زبر)، وفي كتب اللغة: (دَبْرُ العسل)، قال الخازن: "النحل: زنبور العسل، ويسمى الدَّبْر أيضًا".

"تفسير الخازن" 3/ 123.

(٥) انظر: (نحل) في "العين" 3/ 230، و"تهذيب اللغة" 4/ 3032 و"المحيط في اللغة" 3/ 103، و"الصحاح" 5/ 1826، و"اللسان" 7/ 4368.

(٦) ليس في معانيه، وورد في "تهذيب اللغة" 4/ 3532، بنصه، وقال الأزهري في مادة (نحل) "فمن ذكَّر النحل فلأن لفظه مذكَّر، ومن أنث فلأنه جَمْعُ نحْلَة".

(٧) ورد في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 210، بنحوه.

(٨) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 414، بنصه.

(٩) قرأ بضم الراء: ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿ يَعْرِشُونَ ﴾ ، انظر: "السبعة" ص 374، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 358، و"الحجة للقراء" 5/ 76، و"حجة القراءات" ص 392، و"المُوضح في وجوه القراءات" 2/ 740.

(١٠) قرأ الباقون بكسر الراء: ﴿ يَعْرِشُونَ ﴾ ، وروى حفص عن عاصم بكسر الراء أيضًا.

انظر: المصادر السابقة.

(١١) الأجْبُح: مواضِع النحل في الجبل، والواحد: جِبْحٌ وجِبَحٌ.

انظر: "المحيط في اللغة" (جبح) 2/ 416، و"مجمل اللغة" 1/ 205.

(١٢) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 70، و"تفسير القرطبي" 10/ 134، وأبي حيان 5/ 512، كلها بنحوه وبلا نسبة.

(١٣) أخرجه الطبري 14/ 139 بلفظه، ورد في "تقسير الثعلبي" 2/ 159 ب، بلفظه، و"تفسير الماوردي" 3/ 199، بلفظه، والطوسي (6/ 402) بلفظه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 29، و"تفسير ابن عطية" 8/ 461، وابن الجوزي 4/ 465، وأبي حيان 5/ 512.

(١٤) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 465.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وأوحى رَبُّكَ إلى النحل ﴾ الوحي هنا بمعنى الإلهام، فإن الوحي على ثلاثة أنواع: وحي كلام، ووحي منام، ووحي إلهام ﴿ أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتاً وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴾ أن مفسرة للوحي الذي أوحي إلى النحل، وقد جعل الله بيوت النحل في هذه الثلاثة الأنواع إما في الجبال وكواها، وإما في متجوف الأشجار وإما فيما يعرش بني آدم من الأجباح [مفردها: جبح] والحيطان ونحوها، ومن المواضع الثلاثة للتبعيض لأن النحل إنما تتخذ بيوتاً في بعض الجبال، وبعض الشجر، وبعض الأماكن، وعرش معناه هيأ أو بني، وأكثر ما يستعمل فيما يكون من الأغصان والخشب ﴿ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثمرات ﴾ عطف كلي على اتخذي، ومن للتبعض، وذلك إنها إنما تأكل النوار من الأشجار، وقيل: المعنى من كل الثمرات التي تشتهيها ﴿ فاسلكي سُبُلَ رَبِّكِ ﴾ يعني الطرق من الطيران، وأضافها إلى الرب لأنها ملكه وخلقه ﴿ ذُلُلاً ﴾ أي مطيعة منقادة ويحتمل أن يكون حالاً من السبل، قال مجاهد: لم يتوعر قط على النحل طريق، أو حالاً من النحل أي منقادة لما أمرها الله به ﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ ﴾ يعني العسل ﴿ مُّخْتَلِفٌ ألوانه ﴾ أي منه أبيض وأصفر وأحمر ﴿ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ ﴾ الضمير للعسل، لأن أكثر الأدوية مستعملة من العسل، كالمعاجين والأشربة النافعة من الأمراض، وكان ابن عمر يتداوى به من كل شيء، فكأنه أخذه على العموم.

وعلى ذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً جاء إليه، فقال: إن أخي يشتكي بطنه، فقال اسقه عسلاً، فذهب ثم رجع فقال: فقد سقيته فما نفع، قال فاذهب فاسقه عسلاً فقد صدق الله وكذب بطن أخيك، فسقاه فبرأ.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لا جرم ﴾ في المد مثل ﴿ لا ريب فيه  ﴾ ﴿ مفرطون ﴾ بكسر الراء المشددة: يزيد ﴿ مفرطون ﴾ بكسر الراء المخففة: نافع وقتيبة.

الباقون بفتحها مخففة.

﴿ نسقيكم ﴾ بفتح النون: نافع وابن عامر وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد.

الآخرون بضمها.

الوقوف: ﴿ مسمى ﴾ ج للظرف مع الفاء ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ه ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ وقيل علي ﴾ لا ثم يبدأ بجرم وهو تكلف.

﴿ مفرطون ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ لا للعطف على موضع ﴿ لتبين ﴾ تقديره إلا تبياناً وهدى ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ لعبرة ﴾ ط لأنه لو وصل اشتبه ما بعده بالوصف ﴿ للشاربين ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ يعرشون ﴾ ه ج للعطف ﴿ ذللاً ﴾ ط للعدول ﴿ للناس ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.

التفسير: لما حكى عن القوم عظيم كفرهم وفظيع قولهم بين غاية كرمه وسعة رحمته حيث إنه لا يعاجلهم بالعقوبة فقال: ﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ﴾ الآية.

فزعم بعض الطاعنين في عصمة الأنبياء أنه أضاف الظلم إلى ضمير الناس والأنبياء من جملة الناس فوجب أن يكونوا ظالمين عاصين ويؤكد هذا قوله: ﴿ ما ترك عليها من دابة ﴾ فإنه لو لم يصدر من الأنبياء ذنب لم يكن لإفنائهم وجه وحينئذ لم يصدق أنه لم يبق على الأرض واحد.

والجواب لا نسلم عموم الناس في الآية لقوله  في موضع آخر ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات  ﴾ ولا ريب أن المقتصدين والسابقين ليسوا ظالمين، فإذن المراد بالناس إما كل العصاة الذين استحقوا العقاب، أو الذين تقدم ذكرهم من المشركين.

وأما قوله: ﴿ من دابة ﴾ فعن ابن عباس أنه أراد من مشرك يدب عليها نظيره قوله: ﴿ إن شر الدواب عند الله الذين كفروا  ﴾ ولو سلم أن المراد بها كل من يدب عليها فلعل الهلاك في حق الظلمة يكون عذاباً وفي غيرهم امتحاناً فقد وقعت هذه الواقعة في زمان نوح  .

وأيضاً من المعلوم أنه لا أحد إلا وفي آبائه من يستحق العذاب، فلو أهلكوا لبطل نسلهم ولأدى إلى إفناء الناس، بل الدواب كلها لأن الدواب مخلوقة لمنافع العباد ومصالحهم.

عن أبي هريرة أنه سمع رجلاً يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه فقال: بلى والله حتى إن الحبارى لتموت في وكرها بظلم الظالم.

وعن ابن مسعود: كاد الجعل يهلك في جحره بذنب ابن آدم.

وقيل: لو يؤاخذهم لانقطع القطر وفي انقطاعه انقطاع النبت وفي انقطاع النبت فناء الدواب.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الظلم والمعاصي ليست من أفعال الله  وإلا لم يؤاخذهم بها فرضاً، ولم يضف الظلم إليهم ولم يذمهم على ذلك.

وفي قوله: ﴿ بظلمهم ﴾ دليل على أن الظلم هو المؤثر في العقاب، فإن الباء للعلية.

وجواب الأشاعرة معلوم وهو أنه لا يسأل عما يفعل، وأيضاً المعارضة بالعلم والدواعي ووجوب انتهاء الكل إليه.

قال بعض الأصوليين: الأصل في المضار الحرمة لأن الضرر لا يجوز أن يكون مشروعاً ابتداء بالإجماع ولقوله  : ﴿ ما جعل عليكم في الدين من حرج  ﴾ ﴿ يريد الله بكم اليسر  ﴾ ولقوله  : "لا ضرر ولا ضرار" في الإسلام "ملعون من ضر مسلماً" ولا أن يكون مشروعاً على وجه يكون جزاء عن جرم سابق بهذه الآية لأن كلمة "لو" وضعت لانتفاء الشيء لانتفاء غيره.

فالآية تقتضي أنه  ما آخذ الناس بظلمهم وأنه ترك على ظهرها دابة كما هو المشاهد إذا ثبت هذا الأصل فنقول: إذا وقعت حادثة مشتملة على المضار فإن وجدنا نصاً على كونها مشروعة قضينا به تقديماً للخاص على العام وإلا قضينا عليها بالحرمة بناء على هذا الأصل.

ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون الضرر مشروعاً على وجه يقع جزاء عن جرم سابق والآية لا تنافي ذلك لأنها لا تدل إلا على أنه  لا يؤاخذ بكل ظلم.

أما على أنه لا يؤاخذ ببعض أنواع الظلم فلا، دليلة قوله: ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير  ﴾ ومنهم من قال: بناء على القاعدة المذكورة إن كل ما يريده الإنسان وجب أن يكون مشروعاً في حقه لأن المنع منه ضرر والضرر غير مشروع، وكل ما يكرهه الإنسان لزم أن يكون محرماً لأن وجوده ضرر وأنه غير مشروع.

فالذي يتمسك به في إثبات الأحكام من القياس إما أن يكون على وفق هذه القاعدة أو على خلافها والأول باطل، لأن هذا الأصل يغني عنه، وكذا الثاني لأن النص راجح على القياس.

ولقائل أن يقول: توارد الأدلة على المدلول الواحد غير ممتنع.

أما قوله: ﴿ ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ﴾ فعن ابن عباس في رواية عطاء أنه يريد أجل القيامة لأن معظم العذاب يوافيهم يومئذ.

وقيل: أراد منتهى العمر لأن المشركين يؤاخذون بالذنوب إذا خرجوا من الدنيا، وباقي الآية قد مر تفسيرها في أوائل سورة الأعراف.

واعلم أنه  قال في هذه السورة ﴿ ما ترك عليها من دابة ﴾ وفي سورة الملائكة { ﴿ ما ترك على ظهرها  ﴾ فالهاء كناية عن الأرض ولم يتقدم ذكرها ههنا والعرب تجوّز ذلك في كلمات لحصولها بين يدي كل متكلم وسامع منها الأرض والسماء: "فلان أفضل من عليها وأكرم من تحتها"، ومنها الغداة "إنها اليوم لباردة".

ومنها الأصابع يقول: "والذي شقهن خمساً من واحدة" يعني الأصابع من اليد.

وإنما لم يذكر الظهر في هذه السورة لئلا يلتبس بظهر الداب فكثيراً ما يستعمل الظهر بمعنى الدابة بخلاف سورة "الملائكة" فإنه قد تقدم ذكر الأرض في قوله: ﴿ أو لم يسيروا في الأرض  ﴾ وفي قوله: ﴿ ولا في الأرض  ﴾ فلم يكن ملتبساً.

ويمكن أن يقال: لما قال ههنا ﴿ بظلمهم ﴾ لم يقل: ﴿ على ظهرها ﴾ وحين قال هنالك ﴿ بما كسبوا ﴾ قال: ﴿ على ظهرها ﴾ احترازاً عن الجمع بين الظاءين لأنها تقل في الكلام وليست لأمة من الأمم سوى العرب، فلم يجمع بينهما في شرطية واحدة.

ثم عاد إلى حكاية كلمتهم الحمقاء فقال: ﴿ ويجعلون لله ما يكرهون ﴾ لأنفسهم من البنات ولا يبعد أن يندرج فيه سائر ما يكرهون من الشركاء في الرياسة ومن الاستخفاف والتهاون برسلهم ورسالتهم، وأنهم يجعلون أرذل أموالهم لله وأكرمها للأصنام.

وعن بعضهم أنه قال لرجل من ذوي اليسار كيف تكون يوم القيامة إذا قال الله  هاتوا ما دفع إلى السلاطين وأعوانهم فيؤتى بالدواب والثياب وأنواع الأموال الفاخرة، وإذا قال هاتوا ما دفع إليّ فيؤتى بالكسر والخرق وما لا يؤبه له، أما تستحيي من ذلك الموقف؟

ثم قال: ﴿ وتصف ألسنتهم الكذب ﴾ قال الفراء والزجاج: أبدل منه قوله: ﴿ أن لهم الحسنى ﴾ عن مجاهد أن الحسنى البنون كانت قريش يقولون لله البنات ولنا البنون.

وقال غيره: هي الجنة أي إنهم مع جعلهم لله ما يكرهون حكموا لأنفسهم بالجنة والثواب من الله، وأنهم يفوزون برضوان الله بسبب هذا القول زعماً منهم أنهم على الدين الحق والمذهب الحسن.

وكيف يحكمون بذلك وكانوا منكرين للقيامة؟

الجواب أنه كان فيهم من يقر بالبعث ولذلك كانوا يربطون البعير على قبر الميت ويتركونه إلى أن يموت ظناً منهم أن الميت إذا حشر فإنه يحشر معه مركوبه، وبتقدير أنهم كانوا منكرين فلعلهم قالوا إن كان محمد  صادقاً في دعوى الحشر والقيامة فإنه يحصل لنا الجنة والثواب بسبب هذا الدين الحق الذي نحن عليه نظيره ﴿ ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى  ﴾ ومن الناس من رجح هذا القول لأنه تعالى ردّ عليهم بعد ذلك بقوله: ﴿ لا جرم أن لهم النار ﴾ قال الزجاج: لا ردّ لقولهم أي ليس الأمر كما وصفوا.

جرم أي كسب ذلك القول أن لهم النار فــ "أنَّ" مع ما بعده في محل النصب لوقوع الكسب عليه.

وقال قطرب: "أن" في موضع رفع والمعنى حق أن لهم الافتراء على الله.

وجوّز أبو علي الفارسي أن يكون من أفرط أي صار ذا فرط مثل أجرب أي صار ذا جرب، ومن قرأ بفتحها مخففة فهو من أفرطت فلاناً خلفى إذا خلفته ونسيته، فالمعنى أنهم متروكون في النار منسيون.

ومن قرأ بكسر الراء المشددة فهو من التفريط في الطاعات.

وقرىء بفتح الراء المشددة من فرّطته في طلب الماء إذا قدمته وجاء أفرطته بمعناه أيضاً، فالمراد أنهم مقدمون إلى النار معجلون إليها.

ثم بين  أن مثل صنيع قريش قد صدر عن سائر الأمم فقال: ﴿ تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ﴾ أي رسلاً ﴿ فزين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ قالت المعتزلة: لو كان خالق الأعمال هو الله  فما معنى تزيين الشيطان، ومن أي وجه توجه عليه الذم، وأن خالق ذلك العمل أجدر بأن يكون ولياً لهم من الداعي إليه؟

وأجيب بأن الوسائط معتبرة وانتهاء الكل إليه ضروري.

قال جار الله: ﴿ فهو وليهم اليوم ﴾ حكاية الحال الماضية التي كان يزين لهم الشيطان أعمالهم فيها، والمراد فهو وليهم أي قرينهم في الدنيا فجعل اليوم عبارة عن زمان الدنيا أو اليوم عبارة عن يوم الآخرة الذي يعذبون فيه في النار، فهو حكاية للحال الآتية، والولي الناصر أي هو ناصرهم يوم القيامة فقط، والمراد نفي الناصر عنهم على أبلغ الوجوه لأن الشيطان لا يتصوّر منه النصرة أصلاً، وإذا كان الناصر منحصراً فيه لزم أن لا نصرة بالضرورة.

قال: ويجوز أن يرجع الضمير في ﴿ وليهم ﴾ إلى مشركي قريش وأنه زين للكفار قبلهم أعمالهم فهو ولي هؤلاء لأنهم منهم، ويجوز أن يكون على حذف المضاف أي فهو ولي أمثالهم اليوم.

ثم ذكر  أنه ما هلك من هلك إلا بعد إقامة الحجة وإزاحة العلة فقال: ﴿ وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه ﴾ كالشرك والتوحيد والجبر والقدر والإقرار بالبعث والإنكار له، وكتحريم الأشياء المحللة كالبحيرة والسائبة وتحليل الأشياء المحرمة كالميتة والدم.

﴿ وهدى ورحمة ﴾ انتصبا على أنهما مفعول لهما ولا حاجة إلى اللام لأنهما فعلا فاعل، والفعل المعلل بخلاف التبيين فإنه فعل المخاطب لا فعل المنزل ولهذا دخل عليه اللام، قال الكعبي: وصف القرآن بكونه هدى ورحمة ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ لا ينافي كون كذلك في حق الكل.

وخص المؤمنون بالذكر من حيث إنهم قبلوه وانتفعوا به.

ولما امتد الكلام في وعيد الكفار عاد إلى تقرير الإلهيات فقال: ﴿ والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ﴾ وفي العنكبوت: { ﴿ من بعد موتها  ﴾ لأن هنالك سؤال تقرير والتقرير يحتاج إلى التحقيق فقيد الظرف بــ"من" للاستيعاب.

وأيضاً حذف "من" في هذه السورة موافقة لقوله عما قريب: ﴿ لكيلا يعلم بعد علم شيئاً ﴾ وإنما حذف "من" هنا بخلاف ما في الحج لأنه أجمل الكلام في هذه السورة فقال: ﴿ والله خلقكم ثم يتوفاكم ﴾ وأطنب في الحج فقال: ﴿ خلقناكم من تراب ثم من نطفة  ﴾ الآية.

فاقتضى الإيجاز الحذف والإطناب الإثبات ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يسمعون ﴾ سماع تأمل وتدبر فمن لم يسمع متدبراً فكأنه أصم، ثم استدل بعجائب أحوال الحيوانات قائلاً: ﴿ وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه ﴾ وفي سورة المؤمنين: ﴿ مما في بطونها  ﴾ فذكر النحويون أن الأنعام من جملة الكلمات التي لفظها مفرد ومعناها جمع كالرهط والقوم والنعم.

فجاز تذكيره حملاً على اللفظ وتأنيثه حملاً على المعنى.

قال المبرد: هذا شائع في القرآن قال  : ﴿ فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي  ﴾ بمعنى هذا الشيء الطالع.

وقال: ﴿ كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره  ﴾ أي ذكر هذا الشيء.

وعند سيبويه الأنعام من الأسماء المفردة الواردة على أفعال.

وجوّز في الكشاف أن يكون تأنيثه على أنه تكسير نعم.

وقيل: إن الأنعام بمعنى النعم لأن الألف واللام تلحق الآحاد بالجمع والجمع بالآحاد.

قلت: ما ذكره الأئمة حسن إلا أنه لا يقع جواباً عن التخصيص.

ولعل السر فيه أن الضمير في هذه السورة يعود إلى البعض وهو الإناث، لأن اللبن لا يكون للكل فالتقدير: وإن لكم في بعض الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه، وأما في "المؤمنين" فإنه لما عطف عليه ما يعود على الكل ولا يقتصر على البعض وهو قوله: ﴿ ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وعليها ﴾ \[المؤمنون: 22\] لم يتحمل أن يكون المراد به البعض فأنث ليكون نصاً على أن المراد بها الكل.

روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: إذا استقر العلف فى الكرش صار أسفله فرثاً وأعلاه دماً وأوسطه لبناً خالصاً فيجري الدم في العروق واللبن في الضروع ويبقى الفرث كما هو فذاك هو قوله  : ﴿ من بين فرث ودم لبناً خالصاً ﴾ لا يشوبه الدم ولا الفرث.

وأنكر الأطباء هذا القول لأنه على خلاف الحس والتجربة.

أما الحس فلأن الأنعام تذبح ذبحاً متوالياً ولا يرى في كرشها دم ولا لبن، وأما التجربة فلأن الدم لو كان في أعلى المعدة والكرش كان يجب إذا قاء أن يقيء الدم وليس كذلك، بل الحق أن الحيوان إذا تناول العلف حصل له في معدته أو كرشه هضم أوّل، فما كان منه صافياً انجذب إلى الكبد، وما كان كثيفاً نزل إلى الأمعاء.

ثم الذي يحصل في الكبد ينطبخ فيها ويصير دماً وذلك هو الهضم الثاني.

ويكون مخلوطاً بالصفراء والسوداء وزيادة المائية.

أما الصفراء فتذهب إلى المرارة، والسوداء إلى الطحال، والماء إلى الكلية، ومنها إلى المثانة.

وأما الدم فإنه يدخل في الأوردة وهي العروق النابتة من الكبد وهناك يحصل الهضم الثالث.

وبين الكبد والضرع عروق كثيرة فينصب الدم في تلك العروق إلى الضرع وهو لحم غددي رخو أبيض فيقلب الله الدم هناك إلى صورة اللبن، وإنما اختص هذ المعنى بالحيوان الأنثى لأن الحكمة الإلهية اقتضت تدبير كل شيء على الوجه اللائق به، والذكر من كل حيوان أسخن واجف، والأنثى أبرد وأرطب لأن بدن الأنثى يحتاج إلى مزيد رطوبة لتصير مادة لتولد الولد ويتسع بدنها له.

ثم إن تلك الرطوبات التي كانت تصير مادة لازدياد بدن الجنين حين كان في الرحم تنصب بعد انفصال الجنين إلى الثدي لتصير مادة لغذاء الطفل.

واعلم أنه  خلق في أسفل المعدة منفذاً يخرج منه ثفل الغذاء، فإذا تناول الإنسان غذاء أو شربة رقيقة انطبق ذلك المنفذ انطباقاً كلياً إلى أن يكمل انهضامه في المعدة وينجذب ما صفا منه إلى الكبد، ويبقى الثفل هناك فحينئذ ينفتح ذلك المنفذ وينزل منه ذلك الثفل فهذا الانطباق والانتفاح بحسب الحاجة وبقدر المنفعة مما لا يتأتى إلى بتقدير الفاعل الحكيم.

وأيضاً إنه أودع في الكبد قوّة جاذبة للأجزاء اللطيفة التي في ذلك المأكول والمشروب طابخة لها حتى تنقلب دماً دون الأجزاء الكثيفة وفي المعدة بالعكس، وأودع في المرارة قوة جاذبة للصفراء، وفي الكلية قوة جاذبة لزيادة المائية، وتخصيص كل واحد من هذه الأعضاء بفعله الخاص به لا يمكن إلا بتدبير العليم الخبير.

وكذا الكلام في انصباب مادة اللبن إلى الثدي في وقت يحتاج الطفل إلى الغذاء وتوزعها على جميع البدن في غير ذلك الوقت.

ثم إنه  أحدث في حلمة الثدي ثقوباً صغيرة يخرج اللبن الخالص منها وقت المص أو الحلب فهي بمنزلة المصفاة للبن يخرج اللطيف منها ويبقى الكثيف، فبهذا الطريق يصير خالصاً سائغاً للشاربين أي سهل المرور في الحلق حتى قيل إنه لم يغص أحد باللبن قط.

ومن عجائب حال اللبن اجتماعه من أجسام مختلفة الطبائع مع أنها واحدة في الحس.

فمنها الدهن وهو حار رطب، ومنها الأجزاء المائية وهي باردة رطبة، ومنها الجبن وهو بارد يابس وكلها حاصلة من عشب واحد.

ثم إنه  ألهم الطفل الصغير مص الثدي عند انفصاله من الأم وكل ذلك دليل على عناية كاملة ورحمة شاملة وعلم تام وقدرة باهرة.

قال المحققون: في تقليب العشب في هذه الأطوار إلى أن يصير لبناً خالصاً سائغاً دليل على أنه تعال قادر على تقليب الإنسان في أطواره إلى أن يصير مستعداً للبقاء الأبدي واللقاء السرمدي.

قال جار الله: و"من" في ﴿ مما في بطونه ﴾ للتبعيض و"من" في قوله: ﴿ من بين فرث ﴾ لابتداء الغاية فهو صلة ﴿ لنسقيكم ﴾ كقولك: "سقيته من الحوض".

وجوز أن يكون حالاً من قوله: ﴿ لبناً ﴾ مقدماً عليه فيتعلق بمحذوف أي كائناً من بين كذا وكذا.

وإنما قدم لأنه موضع العبرة فهو جدير بالتقديم.

قالت الشافعية: ليس بمستنكر أن يسلك المني مسلك البول وهو طاهر كما أنه يخرج اللبن من بين الفرث والدم طاهراً.

وأما قوله: ﴿ ومن ثمرات النخيل والأعناب ﴾ فإما أن يتعلق بمحذوف أي ونسقيكم من ثمرات النخيل ومن الأعناب إذا عصرت وحذف لدلالة ما تقدم عليه فيكون قوله: ﴿ تتخذون منه ﴾ بياناً وكشفاً عن كنه حقيقة الاستقاء، وإما أن يتعلق بـ ﴿ تتخذون ﴾ فيكون قوله: ﴿ منه ﴾ تكريراً للظرف لأجل التأكيد نظيره قولك: "زيد في الدار فيها" وإنما ذكر الضمير في ﴿ منه ﴾ لأنه يعود إلى المذكور أو إلى المضاف المحذوف الذي هو العصير كأنه قيل: ومن عصير ثمرات النخيل ومن عصير الأعناب تتخذون منه، واحتمل أن يكون ﴿ تتخذون ﴾ صفة موصوف محذوف كقوله: ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم  ﴾ أي وما منا إلا ملك فالتقدير: ومن ثمرات النخيل ومن الأعناب ثمر.

﴿ تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً ﴾ لأنهم يأكلون بعضها ويتخذون من بعضها السكر وهو الخمر سميت بالمصدر من سكر سكراً وسكراً نحو رشد رشداً ورشداً.

وعلى هذا التفسير ففي الآية قولان: أحدهما - ويروى عن الشعبي والنخعي - أنها منسوخة فإن السورة مكية وتحريم الخمر نزل في المائدة وهي مدنية، وثانيهما أنها جامعة بين العتاب والمنة.

وذكر المنفعة لا ينافي الحرمة على أن في الآية تنبيهاً على الحرمة أيضاً لأنه ميز بينها وبين الرزق الحسن في الذكر، فوجب في السكر أن لا يكون رزقاً حسناً لا بحسب الشهوة بل بحسب الشريعة.

هذا ما عليه الأكثرون.

وقيل: السكر النبيذ وهو عصير العنب والزبيب والتمر إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه، ثم يترك حتى يشتد وهو حلال عند أبي حنيفة إلى حد السكر.

واحتج بأن الآية دلت على أن السكر حلال لأنه  ذكره في معرض الإنعام والمنة، ودل الحديث على أن الخمر حرام لعينها وهذا يقتضي أن يكون السكر شيئاً غير الخمر، وكل من أثبت هذه المغايرة قال إنه النبيذ المطبوخ.

ويحكى عن أبي علي الجبائي أنه صنف كتاباً في تحليل النبيذ، فلما آخذت منه السن العالية قيل له: لو شربت منه ما تتقوّى به فأبى فقيل له: فقد صنفت في تحليله.

فقال: تناولته أيدي الشيطان فقبح عند ذوي المروءات والأقدار.

وقيل: السكر الطعم قاله أبو عبيدة.

وقيل: السكر والرزق الحسن واحد كأنه قيل: تتخذون منه ما هو سكر ورزق حسن.

ومن أعجب أحوال الحيوان حال النحل المناسب عسلها اللبن في موافقة اللذة وفي الخروج من البطن فلذلك أفردها بالذكر عقيب ذلك قائلاً: ﴿ وأوحى ربك ﴾ يا محمد أو يا إنسان إلى النحل أي ألهمها وعلمها على وجه هو أعلم به، ولقد حق لغريب أمرها وعجيب صنعتها أن يطلق عليه لفظ الإيحاء وذلك أنها تبني البيوت المسدسة من الأضلاع المتساويات التي لا يمكن للعقلاء تركيب أمثالها إلا بالمساطر والفرجارات، وقد علم من الهندسة أن تلك البيوت لو كانت مشكلة بما سوى المسدسات فإنه يبقى بالضرورة فيما بينها فرج خالية ضائعة.

فاهتداء ذلك الحيوان الضعيف إلى هذه الحكمة الدقيقة من الأعاجيب.

ومن غرائب أمرها أن لها رئيساً هو أعظم جثة من الباقين وهم يخدمونه ويتبعون نهيه وأمره، ومنها أنها إذا نفرت عن وكرها ذهبت مع الجمعية إلى موضع آخر فإذا أرادوا عودها إلى وكرها ضربوا الطبول والملاهي وآلات الموسيقى وبواسطة تلك الألحان يقدرون على ردها إلى أوكارها.

وبالجملة فإن غرائب هذا الحيوان أكثر من أن تحصى وأشهر من أن تخفى، والغرض أن امتياز هذا الحيوان بهذه الخواص العجيبة الدالة على الذكاء والكياسة حالة شبيهة بالوحي بمعنى الإلهام.

قال الزجاج: يجوز أن يقال سميت نحلاً لأنه  نحل الناس العسل بواستطها وهي مؤنثة في لغة أهل الحجاز ولذلك قال  : ﴿ أن اتخذي ﴾ وهي "أن" المفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول.

ومعنى "من" في قوله: ﴿ من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون ﴾ أي يبنون ويرفعون البعضية لأنها لا تبني بيوتاً في كل جبل وكل شجر وكل ما يعرش، ولكنها تبني في مساكن توافقها وتليق بها وكثيراً ما يتعهدها الناس وتصلح أحوالها ﴿ ثم كلي من كل الثمرات ﴾ أي بعضاً من كل ثمرة تشتهينها فإذا أكلتها ﴿ فاسلكي سبل ربك ﴾ أي الطريق التي ألهمك وفهمك في عمل العسل ﴿ ذللاً ﴾ جمع ذلول وهي حال من السبل لأن الله ذللها لها وسهلها عليها، أو من الضمير في ﴿ فاسلكي ﴾ أي وأت ذلك منقادة لما أمرت به غير ممتنعة، أو المراد فاسلكي ما أكلت في سبل ربك المذللة أي في مسالكه التي يحيل فيها بقدرته النور المر عسلاً وهي أجوافك ومنافذ مأكلك، أو أراد أنك إذا أكلت الثمار في المواضع البعيدة من بيوتك فاسلكي راجعة إلى بيوتك سبل ربك لا تتوعر عليك ولا تضلين فيها.

فقد يحكى أنها ربما أجدب عليها ما حولها فتسافر إلى البلد البعيد في طلب النجعة.

ويجوز أن يريد بقوله: ﴿ ثم كلي ﴾ اقصدي أكل الثمرات ﴿ فاسلكي ﴾ في طلبها من مظانها ﴿ سبل ربك ﴾ .

واعلم أن ظاهر قوله: ﴿ أن اتخذي ﴾ ﴿ ثم كلي ﴾ ﴿ فاسلكي ﴾ أمر.

فمن الناس من قال لا يبعد أن يكون لهذه الحيوانات عقول يتوجه بها عليها من الله أمر ونهي، ومنهم من أنكر ذلك وقال: المراد أنه  خلق فيها غرائز وطبائع توجب هذه الأحوال.

وتمام الكلام فيه سيجيء في سورة النمل.

أما حدوث العسل من النحل فالأصح عند الأطباء أن الله  دبر هذا العالم على وجه يحدث في الهواء طل لطيف في الليالي ويقع على أوراق الأشجار فقد يكون كثيراً يجتمع منه أجزاء محسوسة وهي الترنجبين ونحوه، وقد يكون قليلاً متفرقاً على الأوراق والأزهار وهو الذي ألهم الله  هذا النحل فتلتقط تلك الذرّات بأفواهها وتأكلها وتغتذي بها فإذا شبعت التقطت مرة أخرى وذهبت بها ووضعتها في بيوتها ادخاراً لنفسها، فإذا اجتمع في بيوتها شيء محسوس من تلك الأجزاء الطلية فذاك هو العسل.

ولا يبعد أن يحصل لتلك الأجزاء في أفواهها نوع هضم وتغير ونضج لخاصية فيها فلذلك قال: ﴿ يخرج من بطونها ﴾ أي من أفواهها.

ومن الناس من زعم أن النحل تأكل من الأزهار الطيبة والأوراق العطرية ما شاءت، ثم إنه  يقلب تلك الأجسام في داخل بدنه عسلاً، ثم إنه يقيء مرة أخرى فذلك هو العسل.

قال العقلاء: والقول الأول أقرب إلى التجربة والقياس: فإن طبيعة الترنجبين قريبة من العسل في الطعم والشكل، ولا شك أنه طل محدث في الهواء ويقع على أطراف الأشجار والأزهار فكذا العسل.

وأيضاً النحل إنما تغتذي بالعسل ولهذا يترك منه بقية في بيوتها بعد الأشتيار.

ولكن قوله  : ﴿ يخرج من بطونها شراب ﴾ أي ما يشرب يعضد القول الثاني.

وقوله: ﴿ مختلف ألوانه ﴾ أي منه أبيض وأصفر وأحمر وأسود بحسب اختلاف الأماكن وأمزجة النحل واختلاف الأزهار والأعشاب التي ترعى فيها.

ثم وصفه بقوله: ﴿ فيه شفاء الناس ﴾ لأنه من جملة الأشفية والأدوية المشهورة النافعة ولذا يقع في أكثر المعاجين.

وتنكير ﴿ شفاء ﴾ لتعظيم الشفاء الذي فيه، أو لأن فيه بعض الشفاء فإن كل دواء كذلك.

وعن النبي  أن رجلاً جاء إليه فقال: إن أخي يشتكي بطنه.

فقال: اسقه العسل.

فذهب ثم رجع فقال: قد سقيته فما نفع.

فقال: اذهب فاسقه عسلاً فقد صدق الله وكذب بطن أخيك.

فسقاه فشفاه الله فبرأ كأنما نشط من عقال.

قال أهل المعاني: إنه  كان عالماً بأنه سيظهر نفعه فلهذا قال: كذب بطن أخيك حين لم يظهر النفع في الحال.

وعن عبد الله بن مسعود: العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور، فعليكم بالشفاءين القرآن والعسل.

واعلم أنه  ختم الآية الأولى بقوله: ﴿ لقوم يسمعون ﴾ لأن إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض بسببه أمر مشاهد محسوس فمنكر ذلك فاقد الحس، وإنما خص بالذكر حس السمع لأن لفظ القرآن المنبه على هذه الآية مسموع.

وختم الآية الثانية بالعقل لأنه يحتاج إلى نوع تدبر فالمعرض عنه فاقد العقل دون الحس.

وختم الثالثة بالتفكر لأن أمر النحل وقصتها العجيبة من انقيادها لأميرها واتخاذها البيوت على أشكال يعجز عنها الحاذق منا، ثم تتبعها الزهر والطل ثم خروج ذلك من بطونها لعاباً أو قيئاً يقتضي فكرة بليغة.

ولما ذكر بعض عجائب أحوال الحيوان أتبعه عجيب خلق الإنسان فقال: ﴿ والله خلقكم ﴾ ولم تكونوا شيئاً ﴿ ثم يتوفاكم ﴾ عند انقضاء آجالكم ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ إلى أخسه وأحقره.

عن علي  هو خمس وسبعون سنة.

وعن قتادة تسعون سنة.

وقال السدي: هو حالة الخرف دليله قوله: ﴿ لكيلا يعلم بعد علم شيئاً ﴾ أي ليصير إلى حالة شبيهة بحال الطفل في النسيان وعدم التذكر وقيل: لئلا يعقل بعد عقله الأول شيئاً أي لا يعلم زيادة علم على علمه.

وقيل: إن الرد إلى أرذل العمر ليس في المسلمين والمسلم لا يزداد بسبب العمر إلا كرامة على الله  ونظير الآية قوله: ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات  ﴾ .

واعلم أن العقلاء ضبطوا مراتب عمر الإنسان في أربع: أوّلها سن النشوء، وثانيها سن الوقوف وهو سن الشباب، وثالثها الانحطاط الخفي اليسير وهو سن الكهولة، ورابعها سن الانحطاط الظاهر وهو سن الشيخوخة.

وذكر الأطباء وأصحاب الطبيعي أن بدن الإنسان مخلوق من المني ومن دم الطمث وهما جوهران حارّان رطبان، والحرارة إذا عملت في الجسم الرطب قلت رطوبته فلا يزال في هذين الجوهرين من قوة الحرارة يقلل ما في العضو من الرطوبة حتى يتصلب ويظهر العظم والغضروف والعصب والوتر والرباط وسائر الأعضاء، فإذا تم تكوين البدن وكمل فعند ذلك ينفصل الجنين من رحم الأم وتكون رطوبة البدن بعد زائدة على حرارته، فتكون الأعضاء قابلة للتمدد والازدياد والنماء وهو سن النشو وغايته إلى ثلاثين أو إلى خمس وثلاثين سنة، ثم تصير رطوبات البدن أقل وتكون وافية بحفظ الحرارة الغريزية الأصلية إلا أنها لا تكون زائدة على هذا القدر وهو سن الوقوف والشباب وغايته وحينئذ يظهر النقصان قليلاً إلى ستين سنة وهي سن الكهولة، ثم يظهر جداً إلى تمام مائة وعشرين سنة.

قال المتكلمون: هذا التعليل ضعيف لأن رطوبات البدن في حال كونه منياً ودماً كانت كثيرة ولذلك كانت الحرارة الغريزية مغمورة، ثم إنها مع ذلك كانت قوية على تحليل أكثر الرطوبات حتى نقلتها من حد الدموية والمنوية إلى أن صارت عظماً وغضروفاً وعصباً ورباطاً، فعندما تولدت الأعضاء وكمل البدن وقلت الرطوبات وجب أن تقوى الحرارة الغريزية قوّة أزيد مما كانت قبل ذلك فوجب أن يكون تحليل الرطوبات بعد تولد البدن وكماله أكثر من تحليلها قبل تولد البدن وليس الأمر كذلك، لأنه قبل تولد البدن انتقل جسم الدم والمني إلى أن صار عظماً وعصباً، أما بعد تولد البدن فلم يحصل مثل هذا الانتقال ولا عشر عشيره، فعلمنا أن البدن إنما يتولد بتدبير قادر حكيم لا لأجل ما قالوه.

وبوجه آخر الحرارة الحاصلة في بدن الإنسان الكامل الغريزة إما أن تكون هي عين ما كان حاصلاً في جوهر النطفة، أو صارت أزيد مما كانت.

والأول باطل لأن الحار الغريزي الحاصل في جوهر النطفة كان بمقدار جرم النطفة، فإذا كبر البدن وجب أن لا يظهر منه في هذا البدن تأثير أصلاً.

وأما الثاني ففيه تسليم أن الحرارة تتزايد بحسب تزايد الجثة، ولا ريب أن تزايدها يوجب تزايد القوة والصحة ساعة فساعة فيلزم أن لا ينهدم البدن الحيواني أبداً وليس كذلك.

وبوجه ثالث هب أن الرطوبة الغريزية صارت معادلة للحرارة الغريزية فلم قلتم إن الحرارة الغريزية يجب أن تصير أقل مما كانت حتى ينتقل الإنسان من سن الشباب إلى سن النقصان؟

قالوا: السبب فيه أنه إذا حصل هذا الاستواء فالحرارة الغريزية بعد ذلكتؤثر في تجفيف الرطوبة الغريزية فتقل الرطوبات الغريزية حتى صارت بحيث لا تفي بحفظ الحرارة الغريزية، وإذا حصلت هذه الحال ضعفت الحرارة الغريزية أيضاً لأن الرطوبات الغريزية كالغذاء للحرارة الغريزية، فإذا قل الغذاء ضعف المغتذي فينتهي الأمر إلى أن لا يبقى من الرطوبة شيء، لأن الحرارة الغريزية توجب قلة الرطوبة الغريزية وقلتها توجب ضعف الحرارة الغريزية فيلزم من ضعف إحداهما ضعف الأخرى فتنطفىء الحرارة أيضاً ويحصل الموت.

وأورد عليهم أن الحرارة إذا أثرت في تجفيف الرطوبة وقلتها فلم لا يجوز أن تورد القوة الغاذية بدلها؟

فأجابوا بأن القوة الغاذية لا تفي بإيراد البدل.

قال الإمام فخر الدين الرازي راداً عليهم.

إن القوة الغاذية إنما تعجز عن هذا الإيراد إذا كانت الحرارة الغريزية ضعيفة وذلك ممنوع، وإنما تكون الحرارة الغريزية ضعيفة أن لو قلت الرطوبة الغريزية، وإنما تحصل هذه القلة إذا عجزت الغاذية عن إيراد البدل وهذا دور محال، فيثبت أن إسناد هذه الأحوال إلى الطبائع والقوى غير ممكن فيعين إسنادها إلى القادر المختار الحكيم، ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إن الله عليم قدير ﴾ يعلم مقادير المصالح والمفاسد ويقدر على تحصيلها كما يريد.

وأما الطبيعة فجاهلة عاجزة.

قلت: لا شك أن نسبة هذه الأمور إلى مجرد الطبيعة كفر وجهل، لأنها ليست واجبة الوجود بالاتفاق ولكن إنكار القوى والطبائع أيضاً بعيد عن الإنصاف.

والحق أنها وسائط وآلات لما فوقها من المبادىء والعلل إلى أن ينتهي الأمر إلى مسبب الأسباب ومبدأ الكل، وقد ثبت عند الحكيم أن كل قوة جسمانية فإنها متناهية الأثر فلا محالة تعجز القوة الغاذية آخر الأمر عن إيراد بدل ما يتحلل فيحل الأجل بتقدير العليم القدير.

التأويل: ﴿ ولو يؤاخذ الله ﴾ النفوس الناسية ﴿ بما ظلمت ﴾ على القلوب والأرواح ﴿ ما ترك على ﴾ أرض البشرية صفة من صفات الحيوانية.

ولكن يؤخر أهل السعادة إلى أجلهم وهو إفناء صفات النفس بصفات القلب والروح في حينه وأوانه، ويؤخر أهل الشقاء إلى أوان العكس من ذلك.

﴿ ويجعلون لله ما يكرهون ﴾ أي يعاملون الله بأعمال يكرهون أن يعاملهم بها غيرهم وتسوّل لهم أنفسهم أن تلك المعاملة حسنة.

والله أنزل من سماء العزة ماء بيان القرآن فأحيا به أرض قلوب الأمم بعد موتها باختلافهم على أنبيائهم ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يسمعون ﴾ كلام الله من الله ﴿ وإن لكم في الأنعام ﴾ النفوس ﴿ لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ﴾ الخاطر الشيطاني ﴿ ودم ﴾ الخاطر النفساني ﴿ لبناً خالصاً ﴾ من الإلهام الرباني ﴿ سائغاً للشاربين ﴾ جائزاً لأهل هذا الشرب ﴿ ومن ثمرات ﴾ نخيل الطاعات وأعناب المجاهدات ﴿ تتخذون منه سكراً ﴾ هو ما يجعل منها شرب النفس فتسكر النفس فتارة تميل عن الحق والصراط المستقيم ميلان السكران، وتارة تظهر رعوناتها بالأفعال والأحوال رياء وسمعة وشهوة.

والرزق الحسن ما يكون منه شرب القلب والروح فيزداد منه الشوق والمحبة والصدق والطلب: شربت الحب كأساً بعد كأس *** فما نفد الشراب وما رويت ﴿ وأوحى ربك إلى النحل ﴾ إشارة إلى حال السالك السائر ﴿ أن اتخذي من الجبال بيوتاً ﴾ أراد الاعتزال عن الخلق والتبتل إلى الله.

كان رسول الله  يتحنث في غار حراء أسبوعاً وأسبوعين وشهراً، ولا بد أن يتنظف كما أن النحل يحترز عن التلوث.

وفيه أن نحل الأرواح اتخذت من جبال النفوس بيوتاً ومن شجر القلوب ومما يعرشون من الأسرار ﴿ ثم كلي من الثمرات فاسلكي سبل ربك ﴾ نظير قوله: ﴿ كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً ﴾ \[المؤمنون: 51\] فثمرات البدن الأعمال الصالحات، وثمرات النفوس الرياضيات ومخالفات الهوى، وثمرات القلوب ترك الدنيا والتوجه إلى المولى، وثمرات الأسرار شواهد الحق والتطلع على الغيوب والتقرب إلى الله، وهذه كلها أغذية نحل الأرواح فإنها بقوّة هذه الأغذية تسلك السبل إلى أن تصل إلى المقعد الصدق عند مليكها، فيكون غذاؤها مكاشفات الحق ومشاهداته فتبيت عند ربها يطعمها ويسقيها، فحينئذ يخرج من بطونها شراب الحكم والمواعظ مختلف الألوان من المعاني والأسرار والدقائق والحقائق ﴿ فيه شفاء ﴾ للقلوب الناسية القاسية عن ذكر الله ﴿ والله خلقكم ﴾ أخرجكم من العدم إلى الوجود ﴿ ثم يتوفاكم ﴾ عن الوجود المجازي ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ وهو مقام الفناء في الله ﴿ لكيلا يعلم ﴾ بعد فناء علمه شيئاً يعلمه بل يعلم بربه الأشياء كما هي والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

قال بعضهم: ﴿ وَأَوْحَىٰ ﴾ أي: قذف في قلوبها أن افعلي ما ذكر، والوحي هو القذف؛ سمي بذلك لسرعة وقوعه، ونفاذه في القلوب من غير أن يشعر الملقى فيه والمقذوف في قلبه أن أحداً فعل ذلك أو ألقاه فيه، وهو ما مكن الله للشيطان من الوسوسة في القلوب من غير أن يعلم الموسوس إليه والمقذوف في قلبه أن أحداً دعاه إلى ذلك أو زين له ذلك، وكذلك ما يلهم الملائكة بني آدم من أشياء من غير أن يعلموا أن أحداً دعا إلى ذلك أو زين ذلك له، أو ألقاه في قلوبهم فهذا كله يرد على من ينكر الشيطان والملائكة، وهم طائفة من الملحدة يقولون: إن الشهوات والأماني التي جعلت في أنفسهم هي التي تبعثهم وتهيجهم على ذلك لا الشيطان.

فيقال لهم: إن الإنسان قد يناله أشياء من غير أن كان منه تفكر في ذلك، أو أماني أو سابق تدبير، فذلك يدل على أن غيراً ألقى ذلك في قلبه وقذف، لا عمل الأماني والشهوات، وهذا أيضاً يدل على لطف الله في البشر أنه يوفقهم على الطاعات ويحثهم عليها من غير أن علموا أن لغير في ذلك صنعاً، وكذلك الخذلان في المعاصي وأنواع الأجرام التي يكتسبونها.

ثم يحتمل قوله: ﴿ وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ ﴾ أي: النحل وغيرها من البهائم - وجهين: أحدهما: يحتمل أنه أنشأ هذه البهائم على طبائع تعرف بالطبع مصالحها، ومهالكها، ومعاشها، وما به قوام أبدانها وأنفسها، وما به فسادها وصلاحها من غير أن يعلم أن أحداً يدعوهم إلى ذلك، أو يشير إليها، أو يأمر وينهى، ولكنه بالطبع يعرف ذلك ويعلم من نحو أشياء يعلمهن أشياء بالطباع من غير أن يعلم أن أحداً علمهن ذلك من نحو الوزّ يسبح في الماء بالطبع من غير أن يعلم أنها تسبح، وكذلك الطير الذي يطير في الهواء من غير أن يعلم بالطيران، فعلى ذلك يحتمل فهم هذه البهائم وعرفانها ما ذكرنا من المصالح والمهالك من غير أن يعلم أنها تعرف ذلك، والله أعلم.

والثاني: يحتمل أن يكون الله - عز وجل - جعل خلقة هذه الأشياء بالذي يقفون على المخاطبات والأمر والنهي، ويعرفون ذلك ما لا يعرف مثله البشر ألا ترى أن البشر لا يعرفون المهالك والمصالح إلا بالتعلم، والبهائم وإن صغر ذلك تعرف حتى تتوقى المهالك وترغب في المصالح، ومما يدل أن هذه الأشياء مما يفهم الأمر والنهي والمخاطبات قوله: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ  ﴾ ألا ترى أنهم فهموا الخطاب حيث ردوا عليهم الجواب بقوله: ﴿ أَنطَقَنَا ﴾ فذلك ما ذكرنا، والله أعلم.

فذلك الوحي والقذف لكل البهائم لا للنحل خاصّة لما ذكرنا من معرفتها المهالك والمصالح، وما به معاشها وغذاؤها مما به فسادها وهلاكها حتى عرفت ذلك من غير أن تعلم، والبشر لا يعرفون إلا بالتعلم، فهو - والله أعلم - لوجهين: أحدهما: للمحنة أن البشر امتحنوا بالتعليم، فذلك من الله امتحان لهم، والبهائم لا محنة عليهم، [فعرفوا ذلك] على غير تعلم، أو كان ذلك للبشر بالتعلم؛ لفضل بعض على بعض في العلم بالتعليم؛ إذ البهائم يستوي صغيرها وكبيرها في معرفة ذلك، وفي بني آدم [تتفاضل وتتفاوت] بالتعلم، والله أعلم.

فإن قيل: فإذا كانت البهائم كلها مشتركة في ذلك الإلهام والوحي فما معنى تخصيص النحل بالذكر من غيرها من البهائم؟

قيل: يحتمل تخصيص النحل بالذكر - والله أعلم - لما أن هذه الأشياء غير النحل لا تعطي تلك المنافع التي جعلت فيها، ولا تبذل للبشر إلا بالرياضة [والتعلم]، والنحل تعطي ذلك لهم وتبذل من غير تعلم ولا رياضة، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً ﴾ وقوله: ﴿ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ وقوله: ﴿ فَٱسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً ﴾ ونحوه، ظاهره أمر، لكن حقيقته تمكين وتسهيل، نحو قوله: سيروا في كذا، هو في الظاهر أمر، وفي الحقيقة تمكين وتيسير.

ثم في هذه الآية، وفي قوله: ﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ ﴾ وفيما سبق من الآيات، وهو قوله: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ ﴾ وفي قوله: ﴿ وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً ﴾ دلالة قدرته على إنشاء الأشياء من لا شيء، ودلالة علمه وتدبيره؛ لأنه أخرج من هذه الجواهر المختلفة أشياء من غير جوهرها [وجنسها] ما لم يكن شيء مما أكل منها هذه البهائم من الجواهر التي أخرج منها، من نحو العسل الذي أخرج من الفواكه التي أكلت، واللبن من العلف الذي أكل، والعصير والسكر والأعناب من الكروم؛ إذ ليس شيء خرج منها من جنس ما أكل، ولا من جوهر ما سقى، دل أنه كان فعل عليم قادر على إنشاء الأشياء من لا شيء ولا سبب، وفيه دلالة علمه وتدبيره وحكمته؛ لأن إنشاء ذلك اللبن في البطن على غير جوهر ما تناولت، ومن خلاف لونه في تلك الظلمات دل أن علمه وتدبيره غير مقدر بعلم الخلق، وأن حكمته غير مقدرة بحكمة الخلق، وكذلك قدرته غير مقدرة بقدرة الخلق، ثم قوله: ﴿ فَٱسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ﴾ قيل: طرق ربك ذللا، وقيل: مطيعة، وقيل من الذل، أي: الرفق واللين، كقوله: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ وقوله: ﴿ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ ...

 ﴾ الآية من الذل، ومن الرفق واللين، وهذا يخرج على وجهين.

أحدهما: ذللت سبل ربها، وسهل السلوك فيها حتى تسلك كيف شاءت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴾ قيل: مما يبنون، ويحتمل مما يتخذ من العريش، وهو الذي يتخذ من الخشب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ﴾ .

قال الحسن: الشهد والعسل.

وقال بعضهم: مختلف في الطعم، وقيل: في الألوان: الأبيض، والأحمر، والأصفر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ ﴾ \[قال بعضهم: فيه شفاء للناس\] من كل داء حتى القروح، وكل شيء.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ فِيهِ شِفَآءٌ ﴾ من داء دون داء.

وقال بعضهم: ﴿ فِيهِ شِفَآءٌ ﴾ يعني: في القرآن، فيه شفاء القلوب للدين.

ويحتمل قوله: فيه شفاء للأجساد، فإن أراد هذا فهو ظاهر، لا شك أن فيه ذلك الشفاء.

ويحتمل: فيه شفاء للدين، فإن كان هذا فيكون ذلك من جهة النظر فبه يدرك ويوصل إلى ذلك الشفاء.

وقوله: ﴿ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ .

قال بعضهم: من نوع ما تأكل النحل.

وقال بعضهم: من جميع الثمرات التي تكون في الجبال.

عن عبد الله قال: القرآن والعسل هما الشفاءان، القرآن شفاء الدين، والعسل شفاء الأبدان.

وقال بعضهم من أهل اللغة: إن الوحي في كلام العرب على وجوه: منها: وحي النبوة، وهو إرسال الله الملائكة إلى أنبيائه ورسله، كقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً  ﴾ ومنها: وحي الإشارة كقوله: ﴿ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً  ﴾ ومنها: وحي الإلهام، وهو كقوله: ﴿ وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ  ﴾ ، وقوله ﴿ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا  ﴾ ونحوه.

ومنها: وحي الأسرار، كقوله: ﴿ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ...

 ﴾ الآية.

وقال بعضهم: إن أصل الوحي عندنا هو أن يلقي الإنسان إلى صاحبه شيئاً للاستتار والإخفاء وقد يكون ذلك بالإيماء والخط.

وأصل الوحي ما ذكرنا أنه سمي به لسرعة وقوعه وقذفه في القلب.

وقال أبو بكر: تأويل الوحي أن يعلم الذي يوحي إليه ويرشده، وذلك من وجهين: أحدهما: أن الله أرشد كل دابة سوى الإنسان إلى مصلحتها، والهرب عن مهلكها ومتلفها بما فطرها الله عليه، كما أرشد الإنسان إلى ما يصلحه في دينه ودنياه بالتعليم، فمثل الله تعليمه كل دابة ما فيه مصلحتها ومفسدتها بما دبرها عليه، كما علم الإنسان بالقول والبيان، فقال: ﴿ وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ ﴾ أي: أرشدها ودلها بفطرتها ﴿ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ ٱلشَّجَرِ ﴾ بيوتاً فيها ﴿ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴾ يعني: واتخذي مما يبني الإنسان لمسكنه.

وقال: العريش: الحيطان التي لا سماء لها، بفطرتها تتخذ خلاياها في كل ذلك لمنافع الخلق، ثم قال: ﴿ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ والثمرات مختلفة الطعم والمنظر والمشم: ﴿ فَٱسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً ﴾ وهو ما سبل الله لها من الرزق والمأوى ﴿ ذُلُلاً ﴾ قال: يقول: ذلك ذلل لك كل شيء قدره لرزقك ومسلكك، وذلك في طلب ما سبل لبني آدم وجعلها سبباً لمنافعهم وصغر قدرك لديهم فذلك قدرته وسلطانه على ما شاء؛ ليعلموا أن خالقهم لا يعجزه شيء، وأنه القدير على ما يعدهم من البعث والثواب والعقاب.

وقوله: ﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ﴾ يقول: الجنس واحد، ثم هو ضروب كألوان التمر والعنب وسائر الثمار في مذاقه ومشامه ومنظره، وكله عسل فيه شفاء للناس لمنافعهم وملاذهم وفيما أراهم الله من قدرته على ما يشاء من ذلك، فيه شفاء لهم في الدين والعلم، يعلمون بما يشاهدون من تدبير الله وقدرته، على ما بينا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً ﴾ يقول: لعبرة ودليلا وبرهاناً ﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ فيما يشاهدون من تدبير الله وتقديره وقدرته على ما يشاء، والله أعلم.

وقال في قوله: ﴿ وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ ﴾ يقول: ولكم عبرة ودليل أن النخل أجذاع خشب لا طعم فيها والكرم خشب أيضاً وما فيهما من سعف وورق لا عسل فيها ولا عنب، فأخرج الله منهما ثمرات مختلفات، فيه عسل، وفيه تمر وزبيب، وتتخذون منه ما تلذون من الشراب.

وقال: هذا قبل تحريم الخمر، والسكر: كل ما أسكرهم، وتتخذون منه أيضاً رزقاً حسناً، أي: طيباً، وهو ما تأكلون منها، سوى ما تشربون، وتكسبون بها أموالا كثيرة، منّ الله به عليهم.

وقال بعضهم: السكر: كل شيء حرمه الله من ثمارها من الشراب، الخمر من العنب، والسكر من التمر، والرزق الحسن: ما أحل من ثمرها، الزبيب، والتمر، والنبيذ، وقال السكر: ما أسكر، والرزق الحسن: [الخل] وأشباهه ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً ﴾ ودليلا وبيانا ﴿ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ ما ينبهون، فيعلمون أن الذي لم يعجز عما خلق لهم من الثمار من خشب يابس يقدر أن يحيي الموتى، ويخلق ما يشاء، وما عرفه الخلق أنه يكون من النطفة الولد، ومن الماء والأشجار الفواكه، ومن العلف اللبن، وغير ذلك من الحوادث التي تحدث من الأشياء، وتلك أسبابها ما لم يدرك كون تلك الأشياء فيها ولا يرى لا يعرف ذلك إلا بتعليم من هو عالم بذاته لأن علم ذلك لو كان لا بتعليم لو اجتهدوا كل جهدهم لم يدركوا حدوث تلك الأشياء مما ذكرنا، ولا كونها منها، دل أن الذي علمهم هو عالم بذاته؛ فإذا ثبت كونه بعالم بذاته وإن كانوا لم يشاهدوا إلا عالماً بغير، فعلى ذلك هو قادر على إنشاء الأشياء من لا شيء وإن كانوا لم يعاينوا في الشاهد شيئاً إلا من شيء، وفيه أن ما يحدث ويكون من اللبن بالعلف الذي يؤكل، أو الطعام الذي يتناول، أو الفواكه والثمار التي تخرج ليس يكون بنفس الماء، أو بنفس الطعام والعلف، ولكن باللطف من الله  ؛ لأنه قد يسقي ذلك الماء الشجر والنخل في حال ثم لا يكون فيه الثمر، وكذلك الدواب تعلف في حال لا يكون ذلك منه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وألهم ربُّك -أيها الرسول- النحل، وأرشدها أن: اتخذي لك بيوتًا في الجبال، واتخذي بيوتًا في الشجر، وفيما يبنيه الناس ويسقفونه.

<div class="verse-tafsir" id="91.5467r"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله