الآية ٧٩ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٧٩ من سورة النحل

أَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍۢ فِى جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ٧٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 65 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٩ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٩ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم نبه تعالى عباده إلى النظر إلى الطير المسخر بين السماء والأرض ، كيف جعله يطير بجناحيه بين السماء والأرض ، في جو السماء ما يمسكه هناك إلا الله بقدرته تعالى ، الذي جعل فيها قوى تفعل ذلك ، وسخر الهواء يحملها ويسر الطير لذلك ، كما قال تعالى في سورة الملك : ( أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير ) [ الملك : 19 ] .

وقال هاهنا : ( إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين: ألم تَرَوا أيُّها المشركون بالله إلى الطير مسخرات في جوّ السماء، يعني: في هواء السماء بينها وبين الأرض، كما قال إبراهيم بن عمران الأنصاريّ: وَيْـلُ امِّهـا مِـنْ هَـوَاءِ الجَـوّ طَالِبَةً وَلا كَهـذا الَّـذِي فـي الأرْضِ مَطْلُوبُ (1) يعني: في هواء السماء.( مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلا اللَّهُ ) يقول: ما طيرانها في الجوّ إلا بالله ، وبتسخيره إياها بذلك، ولو سلبها ما أعطاها من الطيران لم تقدر على النهوض ارتفاعا.

وقوله ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) يقول: إن في تسخير الله الطير ، وتمكينه لها الطيران في جوّ السماء، لعلامات ودلالات على أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنه لاحظ للأصنام والأوثان في الألوهة ( لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) يعني: لقوم يقرّون بوجدان ما تعاينه أبصارهم ، وتحسه حواسهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ ) : أي في كبد السماء.

------------------------ الهوامش: (1) البيت نسبه المؤلف إلى إبراهيم بن عمران الأنصاري.

ونسبه البغدادي في الخزانة (2: 112) لامرئ القيس بن حجر الكندي.

وعزى في الكتاب لسيبويه مرة إلى امرئ القيس (1 : 353) ومرة (2 : 272) إلى النعمان بن بشير الأنصاري.

وذكر البغدادي المقطوعة التي منها البيت، وهي عشرة أبيات، ونسبها لامرئ القيس، ومطلعها: الخـير مـا طلعـت شمس وما غربت مطلـب بنواحـي الخـيل معصـوب وبيت الشاهد هو الثامن في المقطوعة، وأوله: "لا كالتي في هواء" ...

الخ.

وقال ابن رشيق في العمدة: هذا البيت عند دعبل، أشعر بيت قالته العرب، وبه قدمه على الشعراء.

وقوله: ويلمها: هذا في صورة الدعاء على الشيء والمراد به التعجب.

والضمير المؤنث يراد به العقاب.

والجو: ما بين السماء والأرض، وأراد بالمطلوب الذئب، لأنه وصف عقابا تبعت ذئبا لتصيده، فتعجب منها في شدة طلبها، وتعجب من الذئب أيضاً في سرعته وشدة هربه منها.

واستشهد المؤلف بالبيت عند تفسير قوله تعالى: (ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء) أي في هواء السماء، بينها وبين الأرض كما استشهد أبو عبيدة من قبله في مجاز القرآن (1: 365) على أن جو السماء: أي الهواء.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون قوله تعالى : ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وابن عامر وحمزة ويعقوب " تروا " بالتاء على الخطاب ، واختاره [ ص: 138 ] أبو عبيد .

الباقون بالياء على الخبر .

مسخرات مذللات لأمر الله - تعالى - ; قاله الكلبي .

وقيل : مسخرات مذللات لمنافعكم .

وفي قوله مسخرات دليل على مسخر سخرها ومدبر مكنها من التصرف .في جو السماء الجو ما بين السماء والأرض ; وأضاف الجو إلى السماء لارتفاعه عن الأرض .ما يمسكهن إلا الله في حال القبض والبسط والاصطفاف .

بين لهم كيف يعتبرون بها على وحدانيته .إن في ذلك لآيات أي علامات وعبرا ودلالات .لقوم يؤمنون بالله وبما جاءت به رسلهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: لأنهم المنتفعون بآيات الله المتفكرون فيما جعلت آية عليه، وأما غيرهم فإن نظرهم نظر لهو وغفلة، ووجه الآية فيها أن الله تعالى خلقها بخلقة تصلح للطيران، ثم سخر لها هذا الهواء اللطيف ثم أودع فيها من قوة الحركة وما قدرت به على ذلك، وذلك دليل على كمال حكمته وعلمه الواسع وعنايته الربانية بجميع مخلوقاته وكمال اقتداره، تبارك الله رب العالمين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ألم يروا ) قرأ ابن عامر ، وحمزة ، ويعقوب : بالتاء ، والباقون بالياء لقوله : " ويعبدون " .

( إلى الطير مسخرات ) مذللات ، ( في جو السماء ) وهو الهواء بين السماء والأرض .

عن كعب الأحبار أن الطير ترتفع اثني عشر ميلا ولا يرتفع فوق هذا ، وفوق الجو السكاك ، وفوق السكاك السماء ( ما يمسكهن ) في الهواء ( إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون)

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ألم يروْا إلى الطير مسخرات» مذللات للطيران «في جو السماء» أي الهواء بين السماء والأرض «ما يمسكهن» عند قبض أجنحتهن أو بسطها أن يقعن «إلا الله» بقدرته «إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون» هي خلقها بحيث يمكنها الطيران وخلق الجو بحيث يمكن الطيران فيه وإمساكها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ألم ينظر المشركون إلى الطير مذللات للطيران في الهواء بين السماء والأرض بأمر الله؟

ما يمسكهن عن الوقوع إلا هو سبحانه بما خَلَقه لها، وأقدرها عليه.

إن في ذلك التذليل والإمساك لَدلالات لقوم يؤمنون بما يرونه من الأدلة على قدرة الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حض - سبحانه - عباده على التفكر فى مظاهر قدرته فقال - تعالى - : ( أَلَمْ يَرَوْاْ إلى الطير مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السمآء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الله ..

) .والطير : جمع طائر كركب وراكب .

و ( مسخرات ) من التسخير بمعنى التذليل والانقياد أى : ألم ينظر هؤلاء الذين أشركوا مع الله آلهة أخرى فى العبادة ، إلى الطيور وهن يسبحن فى الهواء المتباعد بين الأرض والسماء ، ما يمسكهن فى حال قبضهن وبسطهن لأجنحتهن إلا الله - تعالى - ، بقدرته الباهرة ، وبنواميسه التى أودعها فى فطرة الطير .إنهم لو نظروا نظر تأمل وتعقل ، لعلموا أن المسخر لهن هو الله الذى لا معبود بحق سواه وفى قوله - تعالى - ( مسخرات ) إشارة إلى أن طيرانها فى الجو ليس بمقتضى طبعها ، وإنما هو بتسخير الله تعالى لها وبسبب ما أوجد لها من حواس ساعدتها على ذلك ، كالأجنحة وغيرها .

وأضاف - سبحانه - الجو إلى السماء لارتفاعه عن الأرض ، ولإظهار كمال قدرته - سبحانه - .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) .أى : إن فى ذلك التسخير والتذليل للطير على هذه الصفة ( لآيات ) بينات على قدرة الله - تعالى - ووحدانيته ، ( لقوم يؤمنون ) بالحق ، ويفتحون قلوبهم له ويسمون بأنفسهم عن التقليد الباطل .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى مثل الكفار بالأبكم العاجز، ومثل نفسه بالذي يأمر بالعدل، وهو على صراط مستقيم، ومعلوم أنه يمتنع أن يكون آمراً بالعدل، وأن يكون على صراط مستقيم إلا إذا كان كاملاً في العلم والقدرة، وذكر في هذه الآية بيان كونه كاملاً في العلم والقدرة، أما بيان كمال العلم فهو قوله: ﴿ ولله غيب السموات والأرض ﴾ والمعنى: علم الله غيب السموات والأرض وأيضاً فقوله: ﴿ ولله غيب السموات والأرض ﴾ يفيد الحصر معناه: أن العلم بهذه الغيوب ليس إلا الله وأما بيان كمال القدرة فقوله: ﴿ وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب ﴾ والساعة هي الوقت الذي تقوم فيه القيامة سميت ساعة لأنها تفجأ الإنسان في ساعة فيموت الخلق بصيحة واحدة، وقوله: ﴿ إلا كلمح البصر ﴾ اللمح النظر بسرعة يقال لمحه ببصره لمحاً ولمحاناً، والمعنى: وما أمر قيام القيامة في السرعة إلا كطرف العين، والمراد منه تقرير كمال القدرة، وقوله: ﴿ أو هو أقرب ﴾ معناه أن لمح البصر عبارة عن انتقال الجسم المسمى بالطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها، ولا شك أن الحدقة مؤلفة من أجزاء لا تتجزأ، فلمح البصر عبارة عن المرور على جملة تلك الأجزاء التي منها تألف سطح الحدقة، ولا شك أن تلك الأجزاء كثيرة، والزمان الذي يحصل فيه لمح البصر مركب من آنات متعاقبة، والله تعالى قادر على إقامة القيامة في آن واحد من تلك الآنات فلهذا قال: ﴿ أو هو أقرب ﴾ إلا أنه لما كان أسرع الأحوال والحوادث في عقولنا وأفكارنا هو لمح البصر لا جرم ذكره.

ثم قال: ﴿ أو هو أقرب ﴾ تنبيهاً على ما ذكرناه، ولا شبهة في أنه ليس المراد طريقة الشك، بل المراد.

بل هو أقرب، وقال الزجاج: المراد به الإبهام عن المخاطبين أنه تعالى يأتي بالساعة إما بقدر لمح البصر أو بما هو أسرع.

قال القاضي: هذا لا يصح، لأن إقامة الساعة ليست حال تكليف حتى يقال إنه تعالى يأتي بها في زمان، بل الواجب أن يخلقها دفعة واحدة في وقت واحد، ويفارق ما ذكرناه في ابتداء خلق السموات والأرض لأن تلك الحال حال تكليف، فلم يمتنع أن يخلقهما كذلك لما فيه من مصحلة الملائكة.

واعلم أن هذا الاعتراض إنما يستقيم على مذهب القاضي، أما على قولنا في أنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فليس له قوة والله أعلم، ثم إنه تعالى عاد إلى الدلائل الدالة على وجود الصانع المختار فقال: ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي ﴿ إمهاتكم ﴾ بكسر الهمزة، والباقون بضمها.

المسألة الثانية: أمهاتكم أصله أماتكم، إلا أنه زيد الهاء فيه كما زيد في أراق فقيل: إهراق وشذت زيادتها في الواحدة في قوله: أمهتي خندف واليأس أبي *** المسألة الثالثة: الإنسان خلق في مبدأ الفطرة خالياً عن معرفة الأشياء.

ثم قال تعالى: ﴿ وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ﴾ والمعنى: أن النفس الإنسانية لما كانت في أول الخلقة خالية عن المعارف والعلوم بالله، فالله أعطاه هذه الحواس ليستفيد بها المعارف والعلوم، وتمام الكلام في هذا الباب يستدعي مزيد تقرير فنقول: التصورات والتصديقات إما أن تكون كسبية، وإما أن تكون بديهية، والكسبيات إنما يمكن تحصيلها بواسطة تركيبات البديهيات، فلابد من سبق هذه العلوم البديهية، وحينئذ لسائل أن يسأل فيقول: هذه العلوم البديهية إما أن يقال إنها كانت حاصلة منذ خلقنا أو ما كانت حاصلة.

والأول باطل لأنا بالضرورة نعلم أنا حين كنا جنيناً في رحم الأم ما كنا نعرف أن النفي والإثبات لا يجتمعان، وما كنا نعرف أن الكل أعظم من الجزء.

وأما القسم الثاني: فإنه يقتضي أن هذه العلوم البديهية حصلت في نفوسنا بعد أنها ما كانت حاصلة، فحينئذ لا يمكن حصولها إلا بكسب وطلب، وكل ما كان كسبياً فهو مسبق بعلوم أخرى، فهذه العلوم البديهية تصير كسبية، ويجب أن تكون مسبوقة بعلوم أخرى إلى غير نهاية، وكل ذلك محال، وهذا سؤال قوي مشكل.

وجوابه أن نقول: الحق أن هذه العلوم البديهية ما كانت حاصلة في نفوسنا.

ثم إنها حدثت وحصلت، أما قوله فيلزم أن تكون كسبية.

قلنا: هذه المقدمة ممنوعة، بل نقول: أنها إنما حدثت في نفوسنا بعد عدمها بواسطة إعانة الحواس التي هي السمع والبصر، وتقريره أن النفس كانت في مبدأ الخلقة خالية عن جميع العلوم إلا أنه تعالى خلق السمع والبصر، فإذا أبصر الطفل شيئاً مرة بعد أخرى ارتسم في خياله ماهية ذلك المبصر، وكذلك إذا سمع شيئاً مرة بعد أخرى ارتسم في سمعه وخياله ماهية ذلك المسموع وكذا القول في سائر الحواس، فيصير حصول الحواس سبباً لحضور ماهيات المحسوسات في النفس والعقل ثم إن تلك الماهيات على قسمين: أحد القسمين: ما يكون نفس حضوره موجباً تاماً في جزم الذهن بإسناد بعضها إلى بعض بالنفي أو الإثبات، مثل أنه إذا حضر في الذهن أن الواحد ما هو، وأن نصف الاثنين ما هو كان حضور هذين التصورين في الذهن علة تامة في جزم الذهن بأن الواحد محكوم عليه بأنه نصف الاثنين، وهذا القسم هو عين العلوم البديهية.

والقسم الثاني: ما لا يكون كذلك وهو العلوم النظرية، مثل أنه إذا حضر في الذهن أن الجسم ما هو وأن المحدث ما هو، فإن مجرد هذين التصورين في الذهن لا يكفي في جزم الذهن بأن الجسم محدث، بل لابد فيه من دليل منفصل وعلوم سابقة.

والحاصل: أن العلوم الكسبية إنما يمكن اكتسابها بواسطة العلوم البديهية، وحدوث هذه العلوم البديهية إنما كان عند حدوث تصور موضوعاتها وتصور محمولاتها.

وحدوث هذه التصورات إنما كان بسبب إعانة هذه الحواس على جزيئاتها، فظهر أن السبب الأول لحدوث هذه المعارف في النفوس والعقول هو أنه تعالى أعطى هذه الحواس.

فلهذا السبب قال تعالى: ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ﴾ ليصير حصول هذه الحواس سبباً لانتقال نفوسكم من الجهل إلى العلم بالطريق الذي ذكرناه، وهذه أبحاث شريفة عقلية محضة مدرجة في هذه الآيات.

وقال المفسرون: ﴿ وجعل لكم السمع ﴾ لتسمعوا مواعظ الله ﴿ والأبصار ﴾ لتبصروا دلائل الله، والأفئدة لتعقلوا عظمة الله، والأفئدة جمع فؤاد نحو أغربة وغراب.

قال الزجاح: ولم يجمع فؤاد على أكثر العدد، وما قيل فيه فئدان كما قيل: غراب وغربان.

وأقول: لعل الفؤاد إنما جمع على بناء جمع القلة تنبيهاً على أن السمع والبصر كثيران وأن الفؤاد قليل، لأن الفوائد إنما خلق للمعارف الحقيقية والعلوم اليقينية، وأكثر الخلق ليسوا كذلك بل يكونون مشغولين بالأفعال البهيمية والصفات السبعية، فكأن فؤادهم ليس بفؤاد، فلهذا السبب ذكر في جمعه صيغة جمع القلة.

فإن قيل: قوله تعالى: ﴿ وجعل لكم السمع والأبصار ﴾ عطف على قوله: ﴿ أخرجكم ﴾ وهذا يقتضي أن يكون جعل السمع والبصر متأخراً عن الإخراج عن البطن، ومعلوم أنه ليس كذلك.

والجواب: أن حرف الواو لا يوجب الترتيب؛ وأيضاً إذا حملنا السمع على الاستماع والأبصار على الرؤية زال السؤال، والله أعلم.

أما قوله: ﴿ ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: ﴿ ألم تروا ﴾ بالتاء والباقون بالياء على الحكاية لمن تقدم ذكره من الكفار.

المسألة الثانية: هذا دليل آخر على كمال قدرة الله تعالى وحكمته، فإنه لولا أنه تعالى خلق الطير خلقة معها يمكنه الطيران وخلق الجو خلقة معها يمكن الطيران فيه لما أمكن ذلك فإنه تعالى أعطى الطير جناحاً يبسطه مرة ويكسره أخرى مثل ما يعمله السابح في الماء، وخلق الهواء خلقة لطيفة رقيقة يسهل بسببها خرقه والنفاذ فيه، ولولا ذلك لما كان الطيران ممكناً.

وأما قوله تعالى: ﴿ ما يمسكهن إلا الله ﴾ فالمعنى: أن جسد الطير جسم ثقيل، والجسم الثقيل يمتنع بقاؤه في الجو معلقاً من غير دعامة تحته ولا علاقة فوقه، فوجب أن يكون الممسك له في ذلك الجو هو الله تعالى، ثم من الظاهر أن بقاءه في الجو معلقاً فعله وحاصل باختياره، فثبت أن خالق فعل العبد هو الله تعالى.

قال القاضي: إنما أضاف الله تعالى هذا الإمساك إلى نفسه، لأنه تعالى هو الذي أعطى الآلات التي لأجلها يمكن الطير من تلك الأفعال، فلما كان تعالى هو المسبب لذلك لا جرم صحت هذه الإضافة إلى الله تعالى.

والجواب: أن هذا ترك للظاهر بغير دليل وأنه لا يجوز، لا سيما والدلائل العقلية دلت على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى.

ثم قال تعالى في آخر الآية: ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ﴾ وخص هذه الآيات بالمؤمنين لأنهم هم المنتفعون بها وإن كانت هذه الآيات آيات لكل العقلاء، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: ﴿ ألم يروا ﴾ ، بالتاء والياء ﴿ مسخرات ﴾ مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المواتية لذلك.

والجوّ: الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلوّ والسكاك أبعد منه، واللوح مثله ﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ ﴾ في قبضهن وبسطهن ووقوفهن ﴿ إِلاَّ الله ﴾ بقدرته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ ويَعْقُوبُ بِالتّاءِ عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِلْعامَّةِ.

﴿ مُسَخَّراتٍ ﴾ مُذَلَّلاتٍ لِلطَّيَرانِ بِما خُلِقَ لَها مِنَ الأجْنِحَةِ والأسْبابِ المُؤاتِيَةِ لَهُ.

﴿ فِي جَوِّ السَّماءِ ﴾ في الهَواءِ المُتَباعِدِ مِنَ الأرْضِ.

﴿ ما يُمْسِكُهُنَّ ﴾ فِيهِ.

﴿ إلا اللَّهُ ﴾ فَإنَّ ثِقَلَ جَسَدِها يَقْتَضِي سُقُوطَها ولا عَلّاقَةَ فَوْقَها ولا دِعامَةَ تَحْتَها تُمْسِكُها.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ ﴾ تَسْخِيرُ الطَّيْرِ لِلطَّيَرانِ بِأنْ خَلَقَها خِلْقَةً يُمْكِنُ مَعَها الطَّيَرانُ، وخَلَقَ الجَوَّ بِحَيْثُ يُمْكِنُ الطَّيَرانُ فِيهِ وإمْساكُها في الهَواءِ عَلى خِلافِ طَبْعِها.

﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَلَمْ يَرَوْاْ} وبالتاء شامي وحمزة {إلى الطير مسخرات} مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المواتية لذلك {فِى جَوِّ السمآء} هو الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلو {مَا يُمْسِكُهُنَّ} في قبضهن وبسطهن ووقوفهن {إِلاَّ الله} بقدرته وفيه نفي لما يصوره الوهم عن خاصية القوى الطبيعية {إِنَّ فِى ذلك لآيات لقوم يؤمنون}

بأن الخلق لا غنى به عن الخالق

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ألَمْ يَرَوْا ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ، وابْنُ هُرْمُزَ «ألَمْ تَرَوْا» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّهُ خِطابُ العامَّةِ، والمُرادُ بِهِمْ جَمِيعُ الخَلْقِ المُخاطَبُونَ قَبْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ ﴾ لا عَلى أنَّ المُخاطَبَ مَن وقَعَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ بِتَلْوِينِ الخِطابِ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ ولِذا جُعِلَ قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِياءِ الغَيْبَةِ بِاعْتِبارِ غَيْبَةِ ( يَعْبُدُونَ ) ولَمْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ التِفاتًا وحِينَئِذٍ فالإنْكارُ بِاعْتِبارِ انْدِراجِهِمْ في العامَّةِ، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ أيْ ألَمْ يَنْظُرُوا ﴿ إلى الطَّيْرِ ﴾ جَمْعُ طائِرٍ كَرَكْبٍ وراكِبٍ ويَقَعُ عَلى الواحِدِ أيْضًا ولَيْسَ بِمُرادٍ ويُقالُ في الجَمْعِ أيْضًا طُيُورٌ وأطْيارٌ ﴿ مُسَخَّراتٍ ﴾ مُذَلَّلاتٍ لِلطَّيَرانِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ طَيَرانَها لَيْسَ بِمُقْتَضى طَبْعِها ﴿ فِي جَوِّ السَّماءِ ﴾ أيْ في الهَواءِ المُتَباعِدِ مِنَ الأرْضِ واللَّوْحُ والسُّكاكُ أبْعَدُ مِنهُ، وقِيلَ: الجَوُّ مَسافَةُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ والجَوُّ لُغَةٌ فِيهِ، وإضافَتُهُ إلى السَّماءِ لِما أنَّهُ في جانِبِها مِنَ النّاظِرِ ولِإظْهارِ كَمالِ القُدْرَةِ، وعَنِ السُّدِّيِّ تَفْسِيرُ الجَوِّ بِالجَوْفِ وفُسِّرَتِ السَّماءُ عَلى هَذا بِجِهَةِ العُلُوِّ، والطَّيْرُ قَدْ يَطِيرُ في هَذِهِ الجِهَةِ حَتّى يَغِيبَ عَنِ النَّظَرِ ولَمْ يَعْلَمْ مُنْتَهى ارْتِفاعِهِ في الطَّيَرانِ إلّا اللَّهُ تَعالى، وعَنْ كَعْبٍ أنَّ الطَّيْرَ لا تَرْتَفِعُ أكْثَرَ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا.

﴿ ما يُمْسِكُهُنَّ ﴾ في الجَوِّ عَنِ الوُقُوعِ ﴿ إلا اللَّهُ ﴾ عَزَّ وجَلَّ بِقُدْرَتِهِ الواسِعَةِ فَإنَّ ثُقْلَ جَسَدِها ورِقَّةَ الهَواءِ يَقْتَضِيانِ سُقُوطَها ولا عَلاقَةَ مِن فَوْقِها ولا دِعامَةَ مِن تَحْتِها، والجُمْلَةُ إمّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في ( مُسَخَّراتٍ ) أوْ مِنَ ﴿ الطَّيْرِ ﴾ وإمّا مُسْتَأْنَفَةٌ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِنَ التَّسْخِيرِ في الجَوِّ والإمْساكِ فِيهِ، وقِيلَ: المُشارُ إلَيْهِ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ والَّتِي قَبْلَها ﴿ لآياتٍ ﴾ دالَّةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ مِن شَأْنِهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا، وخُصَّ ذَلِكَ بِهِمْ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، واقْتَصَرَ الإمامُ عَلى جَعْلِ المُشارِ إلَيْهِ ما في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: وهَذا دَلِيلٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ سُبْحانَهُ فَإنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ خَلَقَ الطّائِرَ خِلْقَةً مَعَها يُمْكِنُهُ الطَّيَرانُ أعْطاهُ جَناحًا يَبْسُطُهُ مَرَّةً ويُكِنُّهُ أُخْرى مِثْلَ ما يَعْمَلُ السّابِحُ في الماءِ وخَلَقَ الجَوَّ خِلْقَةً مَعَها يُمْكِنُ الطَّيَرانُ خَلَقَهُ خِلْقَةً لَطِيفَةً يَسْهُلُ بِسَبَبِها خَرْقُهُ والنَّفاذُ فِيهِ ولَوْلا ذَلِكَ لَما كانَ الطَّيَرانُ مُمْكِنًا اه.

وكَذا المَوْلى أبُو السُّعُودِ قالَ: إنَّ في ذَلِكَ الَّذِي ذُكِرَ مِن تَسْخِيرِ الطَّيْرِ لِلطَّيَرانِ بِأنْ خَلَقَها خِلْقَةً تَتَمَكَّنُ بِها مِنهُ بِأنْ جَعَلَ لَها أجْنِحَةً خَفِيفَةً وأذْنابًا كَذَلِكَ وجَعَلَ أجْسادَها مِنَ الخِفَّةِ بِحَيْثُ إذا بَسَطَتْ أجْنِحَتَها وأذْنابَها لا يُطِيقُ ثِقْلُها أنْ يَخْرُقَ ما تَحْتَها مِنَ الهَواءِ الرَّقِيقِ القَوامِ وتَخْرُقُ ما بَيْنَ يَدَيْها مِنَ الهَواءِ لِأنَّها لا تُلاقِيهِ بِحَجْمٍ كَبِيرٍ لِآياتٍ ظاهِرَةٍ، وذَكَرَ أنَّ تَسْخِيرَها بِما خَلَقَ لَها مِنَ الأجْنِحَةِ والأسْبابِ المُساعِدَةِ.

وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِقَوْلِهِ: والَّذِي نَقُولُهُ إنَّهُ كانَ يُمْكِنُ الطّائِرُ أنْ يَطِيرَ ولَوْ لَمْ يُخْلَقْ لَهُ جَناحٌ وإنَّهُ كانَ يُمْكِنُهُ خَرْقُ الشَّيْءِ الكَثِيفِ وذَلِكَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ولا نَقُولُ: إنَّهُ لَوْلا الجَناحُ ولُطْفُ الجَوِّ والآلاتُ ما أمْكَنَ الطَّيَرانُ اه وأنا لا أظُنُّ أنَّ أحَدًا يَنْفِي الإمْكانَ الذّاتِيَّ لِلطَّيَرانِ بِدُونِ الجَناحِ مَثَلًا لَكِنْ لا يَبْعُدُ نَفْيُهُ بِدُونِ لُطْفِ المَطارِ والكَثِيفُ مَتى خَرَقَ كانَ المَطارُ لَطِيفًا فافْهَمْ.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ خالِقٌ لِأفْعالِهِ، وأوَّلُها القاضِي وهو ارْتِكابٌ لِخِلافِ الظّاهِرِ لِغَيْرِ دَلِيلٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم بيّن لهم العبرة ليعتبروا بها، ويعرفوا بها وحدانيته فقال تعالى: أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ يقول: مذللات فِي جَوِّ السَّماءِ أي: في الهواء مَا يُمْسِكُهُنَّ عند قبض الأَجنحة وعند بسطها إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أي: لعلامات لوحدانية الله تعالى، لمن علم أن معبوده لم يعنه في ذلك.

لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أي: لمن آمن به.

قرأ ابن عامر وحمزة أَلَمْ تَرَوْاْ بالتاء على المخاطبة.

وقرأ الباقون بالياء.

ثم قال: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً أي: خلق لكم البيوت قراراً ومأوًى لكم، ويقال: معناه سخر لكم الأرض، لتبنوا فيها البيوت.

ويقال: معناه وفقكم لبناء البيوت لسكناكم وقراركم، فذكر النعم والمنن والدلائل لوحدانيته.

وقال عز وجل: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ أي: من الشعر والصوف والوبر بُيُوتاً أي: الفساطيط والخيام تَسْتَخِفُّونَها أي: تستخفون حملها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ أي: يوم انتقالكم وسفركم، ويوم نزولكم وَمِنْ أَصْوافِها أي: من أصواف الغنم وَأَوْبارِها أي: الإبل وَأَشْعارِها أي: أشعار المعز أَثاثاً متاع البيت أي من الأكسية والفرش.

وقال قتادة والكلبي: أَثاثاً أي: المال.

وَمَتاعاً إِلى حِينٍ أي: المنفعة تعيشون فيه إلى الموت.

ويقال: تنتفعون بها إلى حين تبلى.

وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو يَوْمَ ظَعْنِكُمْ بنصب العين، والباقون: بالجزم، ومعناهما واحد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

عَبْدٌ بهذه الصفةِ، مملوكٌ لا يَقْدِرُ على شيء من المال، ولا أمْر نفسه، وإنما هو مُسَخَّرٌ بإرادة سَيِّده، مَدَبَّرٌ، وبإزاء العبْدِ في المثالِ رجُلٌ موسَّعٌ عليه في المال، فهو يتصرَّف فيه بإِرادته، واختلف النَّاس في الذي له المَثَلُ، فقال ابن عباس وقتادة: هو مَثَلُ الكافر والمؤمِنِ «١» ، وقال مجاهد والضَّحَّاك: هذا المِثَال والمِثَالُ الآخر الذي بَعْدَه، إِنما هو مثَالٌ للَّهِ تعالى، والأصنامِ، فتلك كالعَبْدِ المملوكِ الذي لا يَقْدِرُ على شيء، واللَّه تعالى تتصرَّف قدرته دون معقب «٢» ، وكذلك فَسَّر الزَّجَّاج على نحو قول مجاهد، وهذا التأويلُ أصوبُ لأن الآية تكُونُ من معنى ما قَبْلَها، ومدارُها في تبْيِيِن أمْر اللَّه والردِّ على أمْر الأصنام.

وقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ أي: على ظهور الحجَّة.

وقوله سبحانه: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ ...

الآية: هذا مثَلٌ للَّه عزَّ وجلَّ والأصنامِ، فهي كالأبكم الذي لا نُطْقَ له ولا يَقْدِرُ على شيء، «والكلّ» الثقيل المئونة، كما الأصنامُ تحتاجُ إِلى أنْ تُنْقَلَ وتَخْدَمَ ويتعذَّب بها، ثم لا يأتي مِنْ جهتها خَيْرٌ أبداً، والذي يأمر بالعدلِ هو اللَّه تعالى.

وقوله تعالى: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ ...

الآية: المعنى، على ما قاله قتادة وغيره: ما تكونُ الساعةُ وإقامتها في قُدْرة اللَّه تعالى «٣» إِلا أنْ يقول لها: كُنْ، فلو آتَّفَقَ أنْ يقف على ذلك محصِّلٌ من البشر، لكانَتْ من السرعة بحَيْث يشكُّ، هل هي كَلَمْحِ البَصرِ أو هي أقْرَبُ، «ولمح البصر» هو وقوعه على المرئيّ.

وقوله سبحانه: أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ...

الاية: «الجوُّ مسافةُ ما بين السماءِ والأرض، وقيل: هو ما يلي الأرض منها، والآيةُ عِبْرةٌ بيِّنة المعنى، تفسيرها تكلف محت، ويَوْمَ ظَعْنِكُمْ معناه رَحِيلكم، والأصواف: للضأنِ، والأوبار:

للإِبل، والأشعار: للمعز، ولم تكُنْ بلادهم بلادَ قُطْن وَكَّتانٍ، فلذلك اقتصَرَ على هذه، ويحتملُ أنَّ تَرْكَ ذكْر القُطْن والكَتَّانِ والحرير إعراضٌ عن السَّرَف، إذ ملْبَسُ عبادِ اللَّهِ الصالحينَ إِنما هو الصُّوف، قال ابن العربيِّ في «أحكامه» عند قوله تعالى: لَكُمْ فِيها دِفْءٌ [النحل: ٥] : في هذه الآية دليلٌ على لبَاسِ الصُّوفِ، فهو أوَّل ذلك وأولاه، لأنه شِعارُ المتقين، ولباسُ الصالحين، وشَارَةُ الصَّحابة والتابعين، واختيار الزُّهَّاد والعارفين، وإِليه نُسِبَ جماعةٌ من النَّاس «الصُّوفِيَّةُ» لأنه لباسُهم في الغالِبَ انتهى.

«والأثاث» متاعُ البَيْت، واحِدُها أَثَاثَة هذا قول أبي زَيْد الأنْصَارِيِّ «١» وقال غيره:

«الأثَاثُ» : جميع أنواعِ المالِ، ولا واحدَ له من لفظه.

قال ع «٢» : والاشتقاق «٣» يقوي هذا المعنى الأعمَّ لأنَّ حالَ الإِنسان تَكُونُ بالمال أثِيثَةً كما تقول: شَعْرٌ أثيث، ونبات أثيث، إذا كثر والتفّ، والسرابيل: جميعُ ما يُلْبَسُ عَلَى جميع البدنِ، وذكر وقاية الحَرِّ، إِذ هو أمسُّ بتلك البلادِ، والبَرْدُ فيها معدومٌ في الأكثر، وأيضاً: فذكر أحدهما يدلّ على الآخر، وعن عمر رضي اللَّه عنه قَالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم يقوُلُ: مَنْ لَبِسَ ثَوباً جَدِيداً، فَقَالَ: «الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي كَسَانِي مَا أُوارِي به عَوْرَتي وأَتَجَمَّلُ بِهِ في حَيَاتي، ثُمَّ عَمَدَ إلى الثَّوْب الَّذِي خَلَقَ، فَتَصَدَّقَ به- كَانَ في كَنَفِ اللَّهِ، وفي حفْظِ اللَّه، وفي سَتْر اللَّهِ حَيًّا ومَيِّتاً «٤» » رواه الترمذيُّ، واللفظُ له، وابنُ ماجَه، والحاكمُ في «المستدرك» ، وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما اشترى عبد ثوبا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو الهَواءُ البَعِيدُ مِنَ الأرْضِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يُمْسِكُهُنَّ إلا اللَّهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما يُمْسِكُهُنَّ عِنْدَ قَبْضِ أجْنِحَتِهِنَّ وبَسْطِها أنْ يَقَعْنَ عَلى الأرْضِ إلّا اللَّهُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: ما يُمْسِكُهُنَّ أنْ يُرْسِلْنَ الحِجارَةَ عَلى شَرارِ هَذِهِ الأُمَّةِ، كَما فُعِلَ بِغَيْرِهِمْ، إلّا اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَضَرَبَ اللهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَماواتِ والأرْضِ وما أمْرُ الساعَةِ إلا كَلَمْحِ البَصَرِ أو هو أقْرَبُ إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ واللهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ ألَمْ يَرَوْا إلى الطَيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلا اللهُ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ هَذا مَثَلٌ لِلَّهِ تَعالى والأصْنامِ، فَهي كالأبْكَمِ لا نُطْقَ لَهُ ولا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، وهو عِيالٌ عَلى مَن والاهُ مِن قَرِيبٍ أو صَدِيقٍ، و"الكُلُّ": الثِقْلُ والمُؤَوِّنَةُ، وكُلٌّ مَحْمُولٌ فَهو كُلُّ وسُمِّي اليَتِيمُ كُلًّا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أكُولٌ لِمالِ الكُلِّ قَبْلَ شَبابِهِ ∗∗∗ إذا كانَ عَظْمُ الكُلِّ غَيْرَ شَدِيدِ كَما أنَّ الأصْنامَ تَحْتاجُ إلى أنَّ تُنْقَلُ وتُخْدَمُ ويُتَعَذَّبُ بِها، ثُمَّ لا يَأْتِي مِن جِهَتِها خَيْرٌ البَتَّةَ، هَذا قَوْلُ قَتادَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو مَثَلٌ لِلْكافِرِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "يُوَجِّهُ"، وقَرَأ عَلْقَمَةُ: "يُوَجَّهُ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُوَجِّهْهُ"، وهي خَطُّ المُصْحَفِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "تَوَجَّهَ"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا: "تُوَجِّهْهُ" عَلى الخِطابِ، وضَعَّفَ أبُو حاتِمٍ قِراءَةَ عَلْقَمَةَ لِأنَّهُ لازِمٌ، و"الَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ" هو اللهُ تَعالى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المُؤْمِنُ، و"الصِراطُ": الطَرِيقُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ الآيَةُ، أخْبَرَ تَعالى أنَّ الغَيْبَ لَهُ يَمْلِكُهُ ويَعْلَمُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَما أمْرُ الساعَةِ إلا كَلَمْحِ البَصَرِ ﴾ إخْبارٌ بِالقُدْرَةِ، وحُجَّةٌ عَلى الكُفّارِ، والمَعْنى عَلى ما قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: "ما تَكُونُ الساعَةُ وإقامَتُها في قُدْرَةِ اللهِ تَعالى إلّا أنْ يَقُولَ لَها: كُنْ"، فَلَوِ اتَّفَقَ أنْ يَقِفَ عَلى ذَلِكَ مُحَصِّلٌ مِنَ البَشَرِ لَكانَتْ مِنَ السُرْعَةِ بِحَيْثُ يَقُولُ: هَلْ هي كَلَمْحِ البَصَرِ أو هي أقْرَبُ مِن ذَلِكَ؟، فَـ "أو" -عَلى هَذا- عَلى بابِها في الشَكِّ، وقِيلَ: هي لِلتَّخْيِيرِ، و"لَمْحُ البَصَرِ" هو وُقُوعُهُ عَلى المَرْئِيِّ، وقُوى هَذا الإخْبارُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ، يُرِيدُ: عَلى كُلِّ شَيْءٍ مَقْدُورٌ، ومَن قالَ: " ﴿ وَما أمْرُ الساعَةِ ﴾ أيْ: وما إتْيانُها ووُقُوعُها بِكُمْ، عَلى جِهَةِ التَخْوِيفِ مِن حُصُولِها" -فَفِيهِ بُعْدٌ وتَجُوزٌ كَثِيرٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ مِن قَوْلِ النَبِيِّ  : « "بُعِثْتُ أنا والساعَةَ كَهاتَيْنِ"،» ومَن ذِكْرِهِ ما ذَكَرَ مِن أشْراطِ الساعَةِ ومُهْلَتَها، ووَجْهُ التَأْوِيلِ أنَّ القِيامَةَ لَمّا كانَتْ آتِيَةً ولا بُدَّ جُعِلَتْ مِنَ القُرْبِ كَلَمْحِ البَصَرِ، كَما يُقالُ: ما السَنَةُ إلّا لَحْظَةٌ، إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ أو هو أقْرَبُ ﴾ يَرُدُّ أيْضًا هَذِهِ المَقالَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ ﴾ الآيَةُ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ بَيِّنَةٍ لا يُنْكِرُها عاقِلٌ، وهي نِعْمَةٌ مَعَها كُفْرُها وتَصْرِيفُها في الإشْراكِ بِالَّذِي وهَبَها، فاللهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ أخْرَجَ ابْنَ آدَمَ لا يَعْلَمُ شَيْئًا، ثُمَّ جَعَلَ حَواسَّهُ الَّتِي قَدْ وهَبَها لَهُ في البَطْنِ سُلَّمًا إلى إدْراكِ المَعارِفِ لِيَشْكُرَ عَلى ذَلِكَ ويُؤْمِنَ بِالمُنْعِمِ عَلَيْهِ.

و"أُمَّهاتُ" أصْلُها أُمّاتٌ، وزِيدَتِ الهاءُ مُبالِغَةً وتَأْكِيدًا، كَما زادُوا الهاءَ في "أهْرَقْتَ الماءَ"، قالَهُ أبُو إسْحاقٍ.

وفي هَذا المَثَلِ نَظَرٌ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسّائِيُّ: "إمَّهاتِكُمْ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فِي بُطُونِ مِهاتِكُمْ" بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي لَيْلى بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ المِيمِ مُشَدَّدَةً، قالَ أبُو حاتِمٍ: "حَذْفُ الهَمْزَةِ رَدِيءٌ، ولَكِنَّ قِراءَةَ ابْنِ أبِي لَيْلى أصْوَبُ"، والتَرَجِّي الَّذِي في "لَعَلَّ" هو بِحَسَبِها، وهَذِهِ الآيَةُ تَعْدِيدُ نِعَمٍ ومَوْضِعِ اعْتِبارٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَرَوْا إلى الطَيْرِ ﴾ الآيَةُ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مَصْرِفٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ هُرْمُزٍ: "ألَمْ تَرَوْا" بِالتاءِ، وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ: "ألَمْ يَرَوْا" بِالياءِ عَلى الكِنايَةِ عنهُمْ، واخْتَلَفَ عَنِ الحَسَنِ، وعاصِمٍ، وأبِي عَمْرُو، وعِيسى الثَقَفِيِّ.

و"الجَوُّ": مَسافَةُ ما بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ، وقِيلَ: هو ما يَلِي الأرْضَ مِنها، وما فَوْقَ ذَلِكَ هو اللَوْحُ، والآيَةُ عِبْرَةٌ بَيِّنَةٌ المَعْنى، تَفْسِيرُها تَكَلُّفٌ بَحْتٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

موقع هذه الجملة موقع التّعليل والتّدليل على عظيم قدرة الله وبديع صنعه وعلى لطفه بالمخلوقات، فإنه لما ذكر موهبة العقل والحواس التي بها تحصيل المنافع ودفع الأضرار نبّه الناس إلى لطف يشاهدونه أجلَى مشاهدةً لأضعف الحيوان، بأن تسخير الجوّ للطير وخلْقَها صالحة لأن ترفرف فيه بدون تعليم هو لطف بها اقتضاه ضعف بنيّاتها، إذ كانت عادمة وسائل الدفاع عن حياتها، فجعل الله لها سرعة الانتقال مع الابتعاد عن تناول ما يعدو عليها من البشر والدوابّ.

فلأجل هذا الموقع لم تعطف الجملة على التي قبلها لأنها ليس في مضمونها نعمةٌ على البشر، ولكنها آية على قدرة الله تعالى وعلمه، بخلاف نظيرتها في سورة المُلك (19) ﴿ أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافّات ﴾ فإنها عُطفت على آيات دالّة على قدرة الله تعالى من قوله: ﴿ ولقد زيّنا السماء الدنيا بمصابيح ﴾ [الملك: 5]، ثم قال: ﴿ وللذين كفروا بربّهم عذاب جهنّم وبئس المصير ﴾ [الملك: 6] ثم قال: ﴿ أأمنتم من السماء أن يخسف بكم الأرض ﴾ [سورة الملك: 16] ثم قال: أو لم يروا إلى الطير الآية.

ولذلك المعنى عقبت هذه وحدها بجملة إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون.

والتّسخير: التّذليل للعمل.

وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ والشمس والقمر والنجوم مسخّرات بأمره ﴾ في سورة الأعراف (54).

والجوّ: الفضاء الذي بين الأرض والسماء، وإضافته إلى السماء لأنه يبدو متّصلاً بالقبّة الزرقاء في ما يخال النّاظر.

والإمساك: الشدّ عن التفّلّت.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ فإمساك بمعروف ﴾ في سورة البقرة (229).

والمراد هنا: ما يمسكهنّ عن السقوط إلى الأرض من دون إرادتها، وإمساك الله إيّاها خلقه الأجنحة لها والأذنَاب، وجعله الأجنحة والأذناب قابلة للبسط، وخلق عظامها أخفّ من عظام الدوابّ بحيث إذا بسطت أجنحتها وأذنابها ونهضت بأعصابها خفّتْ خفّة شديدة فسبحت في الهواء فلا يصلح ثقلها لأن يخرق ما تحتها من الهواء إلا إذا قبضت من أجنحتها وأذنابها وقوّست أعصاب أصلابها عند إرادتها النّزول إلى الأرض أو الانخفاضَ في الهواء.

فهي تحوم في الهواء كيف شاءت ثم تقع متى شاءت أو عييت.

فلولا أن الله خلقها على تلك الحالة لما استمسكت، فسُمّي ذلك إمساكاً على وجه الاستعارة، وهو لطف بها.

والرؤية: بصرية.

وفعلها يتعدّى بنفسه، فتعديته بحرف إلى لتضمين الفعل معنى (ينظروا).

ومسخرات } حال.

وجملة ﴿ ما يمسكهن إلا الله ﴾ حال ثانية.

وقرأ الجمهور ﴿ ألم يروا ﴾ بياء الغائب على طريقة الالتفات عن خطاب المشركين في قوله تعالى: ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم ﴾ [سورة النحل: 78].

وقرأ ابن عامر وحمزة ويعقوب وخلف ﴿ ألم تَرَوْا ﴾ بتاء الخطاب تبعاً للخطاب المذكور.

والاستفهام إنكاري.

معناه: إنكار انتفاء رؤيتهم الطير مسخّرات في الجوّ بتنزيل رؤيتهم إيّاها منزلة عدم الرؤية، لانعدام فائدة الرؤية من إدراك ما يدلّ عليه المرئيّ من انفراد الله تعالى بالإلهية.

وجملة ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً، لأن الإنكار على المشركين عدم الانتفاع بما يرونه من الدلائل يثير سؤالاً في نفس السامع: أكان عدم الانتفاع بدلالة رؤية الطير عاماً في البشر، فيجاب بأن المؤمنين يستدلّون من ذلك بدلالات كثيرة.

والتأكيد ب ﴿ إنّ ﴾ مناسب لاستفهام الإنكار على الذين لم يروا تلك الآيات، فأكّدت الجملة الدّالة على انتفاع المؤمنين بتلك الدّلالة، لأن الكلام موجّه للذين لم يهتدوا بتلك الدّلالة، فهم بمنزلة من ينكر أن في ذلك دلالة للمؤمنين لأن المشركين ينظرون بمرآة أنفسهم.

وبين الإنكار عليهم عدم رؤيتهم تسخير الطير وبين إثبات رؤية المؤمنين لذلك محسّن الطباق.

وبين نفي عدم رؤية المشركين وتأكيد إثبات رؤية المؤمنين لذلك محسّن الطباق أيضاً.

وبين ضمير ﴿ يروا ﴾ وقوله: «قوم يؤمنون» التضادّ أيضاً، فحصل الطباق ثلاث مرّات.

وهذا أبلغ طباق جاء محوياً للبيان.

وجمع الآيات لأن في الطير دلائل مختلفة: من خلقة الهواء، وخلقة أجساد الطير مناسبة للطيران في الهواء، وخلق الإلهام للطير بأن يسبح في الجو، وبأن لا يسقط إلى الأرض إلا بإرادته.

وخصّت الآيات بالمؤمنين لأنهم بخلُق الإيمان قد ألفوا إعمال تفكيرهم في الاستدلال على حقائق الأشياء، بخلاف أهل الكفر فإن خلق الكفر مطبوع على النفرة من الاقتداء بالنّاصحين وعلى مكابرة الحقّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ يَحْتَمِلُ خَمْسَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: ولِلَّهِ عِلْمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّهُ المُنْفَرِدُ بِهِ دُونَ خَلْقِهِ.

الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالغَيْبِ إيجادُ المَعْدُوماتِ وإعْدامُ المَوْجُوداتِ.

الثّالِثُ: يَعْنِي فِعْلُ ما كانَ وما يَكُونُ، وأمّا الكائِنُ في الحالِ فَمَعْلُومٌ.

الرّابِعُ: أنَّ غَيْبَ السَّماءِ الجَزاءُ بِالثَّوابِ والعِقابِ.

وَغَيْبَ الأرْضِ القَضاءُ بِالأرْزاقِ والآجالِ.

﴿ وَما أمْرُ السّاعَةِ إلا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ ﴾ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ وإنَّما سَمّاها ساعَةً لِأنَّها جُزْءٌ مِن يَوْمِ القِيامَةِ وأجْزاءُ اليَوْمِ ساعاتُهُ.

وَذَكَرَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: أنَّ غَيْبَ السَّماواتِ هو قِيامُ السّاعَةِ.

قالَ مُقاتِلٌ: وسَبَبُ نُزُولِها أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ  عَنْ قِيامِ السّاعَةِ اسْتِهْزاءً بِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ في جوّ السماء ﴾ في كبد السماء.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ في جو السماء ﴾ قال: جوف السماء ﴿ ما يمسكهن إلا الله ﴾ قال: يمسكه الله على كل ذلك والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ ﴾ ، أي: مذللات في جَوِّ السماء، وهو الهواء، قال الزجاج: ﴿ جَوِّ السَّمَاءِ ﴾ : الهواءُ البعيدُ من الأرض (١) وقوله تعالى: ﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ﴾ يعني في حال القَبْض والبَسْط والاصطفاف، كقوله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ﴾ الآية.

[الملك: 19].

(١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 214، بنصه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَآ أَمْرُ الساعة إِلاَّ كَلَمْحِ البصر أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ﴾ بيان لقدرة الله على إقامتها، وأن ذلك يسير عليه كقوله: ﴿ مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحدة ﴾ [لقمان: 28] وقيل: المراد سرعة إتيانها ﴿ والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أمهاتكم ﴾ الأمهات جمع أم زيدت فيه الهاء فرقاً بين من يعقل ومن لا يعقل، وقرئ بضم الهمزة وبكسرها إتباعاً للكسرة قبلها ﴿ فِي جَوِّ السمآء ﴾ أي في الهواء البعيد من الأرض ﴿ والله جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ السكن مصدر يوصف به، وقيل: هو فعل بمعنى مفعول ومعناه ما يسكن فيه كالبيوت أو يسكن إليه ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ الأنعام بُيُوتاً ﴾ يعني الأدم من القباب وغيرها ﴿ تَسْتَخِفُّونَهَا ﴾ أي تجدونها خفيفة ﴿ يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ﴾ يعني في السفر والحضر، واليوم هنا بمعنى الوقت ويقال: ظعن الرجل إذا رحل، وقرئ ظعنكم بفتح العين، وإسكانها تخفيفاً ﴿ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ ﴾ الأصواف للغنم، والأوبار للإبل، والأشعار للمعز والبقر ﴿ أثاثا ﴾ الأثاث متاع البيت من البسط وغيرها، وانتصابه على أنه مفعول بفعل مضمر تقديره جعل ﴿ وَمَتَاعاً إلى حِينٍ ﴾ أي إلى وقت غير معين، ويحتمل أن يريد أن تبلى وتغنى أو إلى أن تموت.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تجحدون ﴾ بتاء الخطاب: أبو بكر وحماد.

الآخرون على الغيبة.

﴿ من بطون إمهاتكم ﴾ ونحوها بكسر الهمزة وفتح الميم: عليّ.

﴿ إمهاتكم ﴾ بكسرهما: حمزة.

الباقون بضم الهمزة وفتح الميم.

﴿ ألم تروا ﴾ على الخطاب: ابن عامر وحمزة وخلف وسهل ويعقوب ﴿ ظعنكم ﴾ بسكون العين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر الباقون بفتحها.

الوقوف: ﴿ في الرزق ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿ سواء ﴾ ط ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ من الطيبات ﴾ ط ﴿ يكفرون ﴾ ه لا للعطف ﴿ ولا يستطيعون ﴾ ه ج لابتداء النهي مع فاء التعقيب ﴿ الأمثال ﴾ ط ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ وجهراً ﴾ ط ﴿ هل يستوون ﴾ ط ﴿ الحمد لله ﴾ ط لأن "بل" للإعراض عن الأول.

﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ مولاه ﴾ لا لأن الجملة بعده صفة أحدهما ﴿ بخير ﴾ ط ثم لا وقف إلى مستقيم لاتحاد الكلام ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ أقرب ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ لا للعطف ﴿ والأفئدة ﴾ لا لتعلق ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ ه ﴿ السماء ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والإخبار ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ إقامتكم ﴾ لا لوقوع ﴿ جعل ﴾ على ﴿ أثاثاً ﴾ ﴿ إلى حين ﴾ ه ﴿ باسكم ﴾ ط ﴿ تسلمون ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ الكافرون ﴾ ه.

التفسير: لما بين خلق الإنسان وتقلبه في أطوار مراتب العمر أراد أن يذكره طرفاً من سائر أحواله لعله يتذكر فقال: ﴿ والله فضّل بعضكم على بعض في الرزق ﴾ ولا ريب أن ذلك أمر مقسوم من قبل القسام وإلا لم يكن الغافل رخي البال والعاقل ردي الحال، وليس هذا التفاوت مختصاً بالمال وإنما هو حاصل في الحسن والقبح والصحة والسقم وغير ذلك، فلرب ملك تقاد الجنائب بين يديه ولا يمكنه ركوب واحدة منها، وربما أحضرت الأطعمة الشهية والفواكه العطرة عنده ولا يقدر على تناول شيء منها، وربما نرى إنساناً كامل القوة صحيح المزاج شديد البطش ولا يجد ملء بطنه طعاماً.

وللمفسرين في الآية قولان: أحدهما أن المراد تقرير كون السعادة والنحوسة والغنى والفقر بقسمة الله تعالى، وأنه جعل بعض الناس موالي وبعضهم مماليك وليس المالك رازقاً للعبد وإنما الرازق للعبد والمولى هو الله، فلا تحسبن الموالي المفضلين أنهم يرزقون مماليكهم من عندهم شيئاً من الرزق وإنما ذلك رزقي لهم أجريته لهم على أيديهم.

وثانيهما أن المراد الرد على من أثبت لله شريكاً كالصنم أو كعيسى، فضرب له مثلاً فقال: أنتم لا تسوّون بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم ولا تردّون رزقكم عليهم حتى تتساووا في المطعم والملبس.

فالفاء في قوله: ﴿ فهم فيه سواء ﴾ للتعليل.

ولك أن تقول بمعنى "حتى" أي حتى يكون عبيدهم معهم سواء في الرزق، فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركاء؟!

"عن أبي ذر  أنه سمع رسول الله  يقول في العبيد: إنما هم إخوانكم فاكسوهم مما تلبسون وأطعموهم مما تطعمون" فما رؤي عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه وإزاره إزاره من غير تفاوت ﴿ أفبنعمة الله ﴾ وهي أنه جعلهم موالي مفضلين لا عبيداً مفضولين ﴿ يجحدون ﴾ أو جعل عدم التسوية بينهم وبين عبيدهم من جملة جحود النعمة، أو جعل اعتقاد أهلية العبادة لغير الله كفراً بنعمة الله والجحود في معنى الكفران فلذلك عداه بالباء.

قال أبو عبيدة وأبو حاتم.

قراءة الغيبة - وهي الكثرى - أولى لقرب المخبر عنه، ولأنه لو كان خطاباً كان ظاهره للمسلمين وإنهم لا يخاطبون بجحد نعمة البتة.

الحالة الأخرى من أحوال الإنسان قوله عم طوله: ﴿ والله جعل لكم من أنفسكم ﴾ أي من جنسكم ﴿ أزواجاً ﴾ ليكون الأنس به أتم.

ولا ريب أن تخليق الذكور والإناث مستند إلى قدرة الله وتكوينه.

والطبيعيون قد يذكرون له وجهاً قالوا: إن المني إذا انصب من الخصية اليمنى إلى الذكر ثم انصب منه إلى الجانب الأيمن من الرحم كان الولد ذكراً تاماً في الذكورة بناء على أن الذكر أسخن مراجاً وكذا الجانب الأيمن، وإن انصب من الخصية اليسرى إلى الجانب الأيسر من الرحم كان الولد تاماً في الأنوثية، وإذا انصب من اليمنى إلى الأيسر كان ذكراً في طبيعة الإناث، وإن كان بالعكس كان بالعكس.

قال الإمام فخر الدين الرازي: هذه العلة ضعيفة فقد رأينا في النساء من كان مزاجه في غاية السخونة وفي الرجال من كان في غاية البرودة.

ولقائل أن يقول: الكلام في المزاج الصنفي لا في المزاج الشخصي، وهذا الإمام لم يفرق بينهما فاعترض بأحدهما على الآخر.

﴿ وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ﴾ أصل الحفد الإسراع في الخدمة.

والفاعل حافد والجمع حفدة.

فقيل: أراد بها في الآية الأختان على البنات.

وقيل: أولاد الأولاد.

وقيل: أولاد المرأة من الزوج الأوّل وقيل: الخدم والأعوان.

وقيل: البنون أنفسهم الجامعون بين الأمرين البنوّة والخدمة.

وقيل: الأولى دخول الكل فيه.

ثم ذكر إنعامه عليهم بالمطعومات الطيبة لأن لذة المنكوح لا تهنأ إلا بعد الفراغ من لذة المطعوم أو بعد الفراغ من تحصيل أسبابها.

وأورد "من" التبعيضية لأن لذة كل الطيبات لا تكون إلا في الجنة.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ أفبالباطل يؤمنون ﴾ فقيل: الباطل هو ما اعتقدوه من منفعة الأصنام وبركتها وشفاعتها ونعمة الله ما عدده في الآيات السابقة.

وقيل: الباطل ما زين لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة وغيرهما، ونعمة الله ما أحل لهم.

وإنما قال ههنا: ﴿ وبنعمة الله هم يكفرون ﴾ وفي آخر "العنكبوت" ﴿ وبنعمة الله يكفرون  ﴾ لأن تلك الآيات استمرت على الغيبة فلم يحتج إلى زيادة ضمير الغائب.

وأما في الآية فقد سبق مخاطبات كثيرة فلم يكن بد من ضمير الغائب المؤكد لئلا يلتبس بالخطاب.

ولما عدّد بعض الآيات الدالة على الإقرار بالتوحيد أنكر صنيع أهل الشرك عليهم قائلاً ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً ﴾ قال جار الله: إن كان بمعنى المصدر نصبت به شيئاً أي لا يملك أن يرزق شيئاً، وإن أردت المرزوق كان شيئاً بدلاً منه بمعنى قليلاً أو يكون تأكيداً للا يملك أي لا يملك شيئاً من الملك.

و ﴿ من السموات والأرض ﴾ صلة للرزق إن كان مصدراً بمعنى لا يرزق من السموات مطراً ولا من الأرض نباتاً وصفة إن كان اسماً لما يرزق.

أما الضمير في ﴿ ولا يستطيعون ﴾ فعائد إلى ما بعد أن قيل لا يملك على اللفظ المفرد وجمع بالواو والنون بناء على زعمهم أن الأصنام آلهة.

والفائدة في نفي الاستطاعة عنهم أن من لا يملك شيئاً قد يكون موصوفاً باستطاعة أن يتملك بطريق من الطرق، فبيّن  أنها لا تملك ولا تستطيع تحصيل الملك.

وجوّز في الكشاف أن يكون الضمير للكفار أي لا يستطيع هؤلاء مع أنهم أحياء متصرفون فكيف بالجماد الذي لا حس له؟

﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ أي لا تشبهوه بخلقه فإن ضارب المثل مشبه حالاً بحال وقصة بقصة.

وقال الزجاج: لا تجعلوا لله مثلاً لأنه واحد لا مثل له.

وكانوا يقولون إن إله العالم أجل من أن يعبده الواحد منا فكانوا يتوسلون إلى الأصنام والكواكب، كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك، وأولئك الأكابر يخدمون الملك فنهوا عن غير الحنيفية والإخلاص.

وعلل النهي بقوله: ﴿ إن الله يعلم ﴾ ما عليكم من العقاب ﴿ وأنتم لا تعلمون ﴾ ما في عبادتها من العذاب.

وفيه أن القياس الذي توهموه ليس بصحيح والنص يجب تقديمه على ذلك.

وقيل: إن الله يعلم كيف يضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون.

ثم علمهم كيف تضرب فقال: ﴿ ضرب الله مثلاً ﴾ ثم أبدل من المثل قوله: ﴿ عبداً مملوكاً ﴾ لا حراً فإن جميع الناس عبيد لله فلا يلزم من كونه عبداً كونه مملوكاً.

وقوله: ﴿ لا يقدر على شيء ﴾ ليخرج العبد المأذون والمكاتب فإنهما يقدران على التصرف.

احتج الفقهاء بالآية على أن العبد لا يملك شيئاً وإن ملكه السيد لأن قوله: ﴿ لا يقدر ﴾ حكم مذكور عقيب الوصف المناسب، فدل على أن العبدية أينما وجدت فهي علة للذل والمقهورية وعدم القدرة، فثبت العموم وهو أن كل عبد فهو لا يقدر على التصرف.

وأيضاً قوله: ﴿ ومن رزقناه منا رزقاً حسناً ﴾ يقتضي أن لا يحصل للقسم الأوّل هذا الوصف.

فلو ملك العبد شيئاً ما صدق عليه أن الله قد آتاه الرزق الحسن فلم يثبت الامتياز، والأكثرون على أن عدم اقتدار العبد مخصوص بماله تعلق بالمال.

وعن ابن عباس أنه لا يملك الطلاق أيضاً.

قال جار الله: الظاهر أن "من" في قوله: ﴿ ومن رزقناه ﴾ موصوفة كأنه قيل: وحراً رزقناه ليطابق عبداً.

ولا يمتنع أن تكون موصولة.

وجمع قوله: ﴿ هل يستوون ﴾ لأنه أراد الأحرار والعبيد.

وللمفسرين في مضرب المثل أقوال: فالأكثرون على أنه أراد أنا لو فرضنا عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء، وفرضنا حراً كريماً غنياً كثير الإنفاق سراً وجهراً، فصريح العقل يشهد بأنه لا يجوز التسوية بينهما مع استوائهما في الخلقة والصورة، فكيف يجوز للعاقل أن يسوّى بين الله القادر على الرزق والإفضال وبين الأصنام التي لا تملك ولا تقدر ألبتة؟!

وقيل: العبد المملوك هو الكافر المحروم عن طاعة الله وعبوديته، والآخر هو المؤمن المشتغل بالتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله.

والغرض أنهما لا يستويان في الرتبة والشرف والقرب من رضوان الله.

وقيل: العبد هو الصنم لقوله: ﴿ إن كل من في السموات والأرض إلا آتِى الرحمن عبداً  ﴾ .

والثاني عابد الصنم.

والمراد أنهما لا يستويان في القدرة والتصرف.

لأن الأوّل جماد وهذا إنسان فكيف يجوز الحكم بأن الأول مساوٍ لرب العالمين؟!.

﴿ الحمد لله ﴾ قال ابن عباس: أراد الحمد لله على ما فعل بأوليائه وأنعم عليهم بالتوحيد.

وقيل: معناه كل الحمد لله وليس شيء من الحمد للأصنام لأنه لا نعمة لها على أحد ﴿ بل أكثرهم لايعلمون ﴾ أن كل الحمد لي.

وقيل: أراد قل الحمد لله.

والخطاب إما للرسول  وإما لمن رزقه الله رزقاً حسناً وميزه بالقدرة والاختيار والتصرف من العبد الذليل الضعيف.

وقيل: لما ذكر مثلاً مطابقاً للغرض كاشفاً عن المقصود قال: ﴿ الحمد لله ﴾ أي على قوة هذه الحجة وظهور هذه البينة ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ قوّتها وظهورها.

ثم ضرب مثلاً ثانياً لنفسه ولما يفيض على عباده من النعم الدينية والدنيوية وللأصنام التي هي أموات لا تضر ولا تنفع بل يصل منها إلى من يعبدها أعظم المضار.

أما تفسير الألفاظ فالأبكم العي المفحم وقد بكم بكماً وبكامة.

وقيل: هو الأقطع اللسان الذي لا يحسن الكلام.

وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه الذي لا يسمع ولا يبصر.

وقوله: ﴿ وهو كلٌّ على مولاه ﴾ أصله من الغلظ الذي هو نقيض الحدة.

يقال: كَلَّ السكين إذا غلظت شفرته، وكَلَّ اللسان إذا غلظ فلم يقدر على الكلام، وكَلَّ فلان عن الكلام إذا ثقل عليه ولم ينبعث فيه، وفلان كَلٌّ على مولاه أي ثقيل وعيال على من يلي أمره.

وقوله: ﴿ أينما يوجهه ﴾ حيثما يرسله ﴿ لا يأت بخير ﴾ لم ينجح في مطلبه.

والتوجيه أن ترسل صاحبك في وجه معين من الطريق ﴿ هل يستوي هو ﴾ أي الموصوف بهذه الصفات المذكورة.

﴿ ومن يأمر ﴾ الناس ﴿ بالعدل وهو ﴾ في نفسه ﴿ على صراط مستقيم ﴾ على سيرة صالحة ودين قويم غير منحرف إلى طرفي الإفراط والتفريط.

ولا شك أن الآمر بالعدل يجب أن يكون عالماً حتى يمكنه التمييز بين العدل والجور.

قادراً حتى يتأتى منه الإتيان بالخير والأمر به، وكلا الوصفين يناقض كونه أبكم لا يقدر.

قال مجاهد: هذا مثل لإله الخلق وما يدعى من دونه.

أما الأبكم فمثل الصنم لأنه لا ينطق ألبتة ولا يقدر على شيء وهو كَلٌّ على عابديه لأنه لا ينفق عليهم وهم ينفقون عليه وإلى أيّ مهم يوجه الصنم لا يأتي بخير، وأما الذي يأمر بالعدل فهو الله  .

وروى الواحدي بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس قال: نزلت الآية المتقدمة في هشام بن عمرو وهو الذي ينفق ماله سراً وجهراً، ومولاه أبو الحوار الذي كان ينهاه عنه.

وهذه الآية نزلت في سعيد بن أبي العيص وفي عثمان بن عفان مولاه.

والأصح أن المقصود من الآية الأولى كل عبد موصوف بالصفات الذميمة وكل حر موصوف بالخصال الحميدة.

ومن الآية الثانية كل رجل جاهل عاجز وكل من هو بضد ذلك من كونه شامل العلم كامل القدرة وليس إلا الله  فلذلك مدح نفسه بقوله: ﴿ ولله غيب السموات والأرض ﴾ أي يختص به علم ما غاب عنه العباد فيهما، أو أراد بغيبهما يوم القيامة لأن علمه غائب عن غير الله ويؤيد هذا التفسير قوله: ﴿ وما أمر الساعة إلا كلمح البصر ﴾ اللمح النظر بسرعة ولا بد فيه من زمان تتقلب فيه الحدقة نحو المرئي وكل زمان قابل للتجزئة فلذلك قال: ﴿ أو هو أقرب ﴾ وليس هذا من قبيل المبالغة وإنما هو كلام في غاية الصدق لأن مدّة ما بين الخطاب وقيام الساعة متناهية، ومنها إلى الأبد غير متناه ولا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي.

وقيل: معنى أمر الساعة أن إماتة الأحياء وإحياء الأموات كلهم يكون في أقرب وقت وأقله.

ثم أكده بقوله: ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ .

ثم زاد في التأكيد بذكر حالة أخرى للإنسان دالة على غاية قدرته ونهاية رأفته فقال: ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ﴾ قال جار الله: هو في موضع الحال أي غير عالمين شيئاً من حق المنعم الذي خلقكم في البطون وسوّاكم وصوّركم ثم أخرجكم من الضيق إلى السعة.

وقوله: ﴿ وجعل لكم ﴾ معناه وما ركب فيكم هذه الأشياء إلا آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه واجتلاب العلم والعمل به من شكر المنعم وعبادته والقيام بحقوقه والترقي إلى ما يسعدكم.

﴿ والأفئدة ﴾ في فؤاد كالأغربة في غراب، وهو من جموع القلة التي تستعمل في مقام الكثرة أيضاً لعدم ورود غيرها.

واعلم أن جمهور الحكماء زعموا أن الإنسان في مبدأ فطرته خال عن المعارف والعلوم إلا أنه  خلق السمع والبصر والفؤاد وسائر القوى المدركة حتى ارتسم في خياله بسبب كثرة ورود المحسوسات عليه حقائق تلك الماهيات وحضرت صورها في ذهنه، ثم إن مجرد حضور تلك الحقائق إن كان كافياً في جزم الذهب بثبوت بعضها لبعض أو انتفاء بعضها عن بعض فتلك الأحكام علوم بديهية، وإن لم تكن كذلك بل كانت متوقفة على علوم سابقة عليها ولا محالة تنتهي إلى البديهيات قطعاً للدور أو التسلسل فهي علوم كسبية.

وظهر أن السبب الأول لحدوث هذه المعارف في النفوس الإنسانية هو أن الله  أعطى الحواس والقوى الدرّاكة للصور الجزئية.

وعندي أن النفس قبل البدن موجودة عالمة بعلوم جمة وهي التي ينبغي أن تسمى بالبديهيات، وإنما لا يظهر آثارهاعليها عند انفصال الجنين من الأم لضعف البدن واشتغالها بتدبيره، حتى إذا قوي وترقى ظهرت آثارها شيئاً فشيئاً وقد برهنا على هذه المعاني في كتبنا الحكمية.

فالمراد بقوله: ﴿ لا تعلمون شيئاً ﴾ أنه لا يظهر أثر العلم عليكم.

ثم إنه بتوسط الحواس الظاهرة والباطنة يكتسب العلوم المتوقفة على التعلق.

ومعنى ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ إرادة أن تصرفوا كل آلة فيما خلقت لأجله.

وليس الواو للترتيب حتى يلزم من عطف ﴿ جعل ﴾ على ﴿ أخرج ﴾ أن يكون جعل السمع والبصر متأخراً عن الإخراج من البطن، وقد مر في أول البقرة في تفسيره قوله: ﴿ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم  ﴾ أنه لم وحد السمع وجمع غيره؟

ثم ذكر دليلاً آخر على كمال قدرته فقال: ﴿ ألم يروا إلى الطير مسخرات ﴾ مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة وسائر الأسباب المواتية لذلك كرقة قوام الهواء وإلهامهن بسط الجناح وقبضه فيه عمل السابح في الماء.

وفي ﴿ جوّ السماء ﴾ أي في الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلو وهو مضاعف عينه ولامه واو ﴿ ما يمسكهن إلا الله ﴾ بقدرته أو بإعطاء الآلات التي لأجلها يتسهل عليها الطيران.

ومن جملة أحوال الإنسان قوله: ﴿ والله جعل لكم من بيوتكم سكناً ﴾ هو ما يسكن إليه من بيت أو إلف ﴿ جعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً ﴾ هي القباب والأبنية من الأدم والأنطاع ﴿ تستخفونها ﴾ أي تعدونها خفيفة المحمل في الضرب والنقض والنقل ﴿ يوم ظعنكم ﴾ أي في وقت ارتحالكم.

والظعن بفتح العين وسكونها سير أهل البادية لنجعة، ثم استعمل في كل شخوص لسفر.

﴿ ويوم إقامتكم ﴾ لا يثقل عليكم حفظها ونقلها من مكان إلى مكان، ويمكن أن يكون اليوم على حقيقته أي يوم ترجعون خف عليكم حملها ونقلها ويوم تنزلون وتقيمون في مكان لم يثقل عليكم ضربها ﴿ ومن أصوافها ﴾ وهي للضأن ﴿ وأوبارها ﴾ وهي للإبل ﴿ وأشعارها ﴾ وهي للمعز ﴿ أثاثاً ﴾ وهو متاع البيت.

قال الفراء لا واحد له.

وقال أبو زيد: الأثاث المال أجمع الإبل والغنم والعبيد والمتاع الواحدة أثاثة.

قال ابن عباس: أراد طنافس وبسطاً وثياباً وكسوة.

وقال الخليل: أصله من أن النبات والشعر يئث إذا كثر.

قيل: إنه  عطف قوله: ﴿ ومتاعاً ﴾ على ﴿ أثاثاً ﴾ فوجب أن يتغايرا فما الفرق؟

وأجيب بأن الأثاث ما يكتسي به المرء ويستعمله من الغطاء والوطاء.

والمتاع ما يفرش في المنازل ويتزين به.

قلت: لا يبعد أن يراد بالأثاث والمتاع ما هو الجامع بين الوصفين كونه أثاثاً وكونه مما يتمتع به ﴿ إلى حين ﴾ أي إلى أن تقضوا أوطاركم منه أو إلى أن تبلى وتفنى أو إلى الموت أو إلى القيامة.

ثم إن المسافر قد لا يكون له خيام وأبنية يستظل بها لفقر أو لعارض آخر فيحتاج إلى أن يستظل بشجر أو جدار أو غمام ونحوها فذلك قال: ﴿ والله جعل لكم مما خلق ظلالاً ﴾ وقد يحتاج المسافر إلى حصن يأوي إليه في نزوله وإلى ما يدفع به عن نفسه آفات الحر والبرد وسائر المكاره وكذا المقيم فلذلك منّ بقوله: ﴿ وجعل لكم من الجبال أكناناً ﴾ هي جمع "كن" وهو ما يستكن به ويتوقى بسببه الأمطار كالبيوت المنحوته في الجبال وكالغيران والكهوف ﴿ وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ﴾ وهي القمصان والثياب من الصوف والقطن والكتان وغيرها.

وإنما لم يذكر البرد لأن الوقاية من الحر أهم عندهم لغلبة الحرارة في بلادهم على أن ذكر أحد الضدين يغني في الأغلب عن ذكر الآخرة لتلازمهما في الخطور بالبال غالباً بشهادة الوجدان.

قال الزجاج: كل ما لبسته فهو سربال فعلى هذا يشمل الرقيق والكثيف والساذج والمحشوّ من الثياب ﴿ وسرابيل تقيكم بأسكم ﴾ كالدروع والجواشن ﴿ كذلك يتم نعمته ﴾ أي مثل ما خلق هذه الأشياء لكم وأنعم بها عليكم فإنه يتم نعم الدين والدنيا ﴿ لعلكم تسلمون ﴾ قال ابن عباس: لعلكم يا أهل مكة تخلصون لله الربوبية وتعلمون أنه لا يقدر على هذه الإنعامات سواه.

وعنه أنه قرأ بفتح التاء واللام من السلامة أي تسلم قلوبكم من الشرك، أو تشكرون فتسلمون من العذاب.

وقيل: تسلمون من الجرح بلبس الدروع ﴿ فان تولوا ﴾ فقد تمهد عذرك ﴿ فإنما عليك البلاغ المبين ﴾ وليس إليك الهداية.

ثم ذمهم بأنهم ﴿ يعرفون نعمة الله ﴾ التي عددناها حيث يعترفون بها وبأنها من عند الله ﴿ ثم ينكرونها ﴾ بعبادة غير من أنعم بها وبقولهم هي من الله ولكنها بشفاعة آلهتنا.

ومعنى "ثم" تبعيد رتبة الإنكار عن العرفان: وقيل: إنكارها قولهم ورثناها من آبائنا أو وصل إلينا بتربية فلان، أو أنهم لا يستعملونها في طلب رضوان الله.

وقيل: نعمة الله نبوّة محمد  كانوا يعرفونه ثم ينكرون نبوّته عناداً.

وإنما قال: ﴿ وأكثرهم الكافرون ﴾ لأنه استعمل الأكثر مقام الكل أو أراد البالغين العقلاء منهم دون الأطفال والمجانين، أو أراد كفر الجحود ولم يكن كفر كلهم كذلك بل كان فيهم من كفر للجهل بصدق الرسول، أو لأنه لم تقم الحجة عليه بعد هذا ما قاله المفسرون.

قلت: ويحتمل أن يراد بالكافرين المصرين الثابتين على كفرهم وقد علم الله أن في مطلق الكفرة من يؤمن فلهذا استثناهم والله  أعلم.

التأويل: فضل الأرواح على القلوب في رزق المكاشفات والمشاهدات بعد الفناء والرد إلى البقاء، وفضل القلوب على النفوس في رزق الزهد والورع والتقوى والصدق واليقين والإيمان والتوكل والتسليم والرضا، وفضل النفوس على الأبدان في رزق التزكية والتخلية والتحلية، وفضل أبدان المؤمنين على أبدان الكافرين بحمل أعباء الشريعة.

فما الأرواح برادّي رزقهم على القلوب، ولا القلوب على النفوس، ولا النفوس على الأبدان.

أفبنعمة الله التي أنعم بها على أوليائه تجحدون يا منكري هذا الحديث ﴿ والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ﴾ يعني ازدواج الأرواح والأشباح ﴿ وجعل لكم من أزواجكم بنين ﴾ وهم القلوب ﴿ وحفدة ﴾ وهن النفوس ﴿ أفبالباطل ﴾ وهو الزخارف والوساوس ﴿ يؤمنون وبنعمة الله ﴾ التي أنعم بها على أرباب القلوب ﴿ يكفرون ﴾ ويعبدون من دون الله كالدنيا والهوى ﴿ ما لا يملك لهم زرقاً ﴾ من سموات القلوب وأرض النفوس شيئاً من الكمالات التي أودع الله فيهن، ولا يستخرج منها إلا بعبادة الله ولا يستطعيون استخراجها بعبادة غير الله ﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ بأن تريدوا أن تصلوا إلى المقاصد بغير طريق الله ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً ممولكاً ﴾ للهوى وللدنيا ﴿ ومن رزقناه ﴾ ولاية كاملة يتصرف بها في بواطن المستعدين وظواهرهم.

﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ أولياء الله لأنهم تحت قباب الله لا يعرفهم غيره.

﴿ أحدهما أبكم ﴾ هو النفس الحيوانية التي لا تقدر على شيء من العلم والعقل والإيمان وهو ثقل على مولى الروح المسمى بالنفس الناطقة.

﴿ لا يأت بخير ﴾ لأنها أمارة بالسوء ﴿ ولله غيب ﴾ سموات الأرواح النفوس لا يقف على خاصيتهما غيره، ولو وكل كلاً منهما إلى طبعها لم ترجع إلى ربها، ورجوعها يكون بالإماتة والإحياء ويميتها عن أوصافها ويحييها بصفاته وهو المراد بأمر الساعة لأن الإماتة بتجلي صفات الجلال والإحياء بتجلي صفات الجمال، وإذا تجلى الله لعبد لم يبق له زمان ولا مكان فلذلك قال: ﴿ أو هو أقرب ﴾ وحنيئذ يكون فانياً عن وجوده باقياً ببقائه ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ﴾ من أمور الدنيا والآخرة ولا مما كانت أرواحكم تعلم في عالم الأرواح ولا مما كانت تعلم ذراتكم من فهم خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ وجواب ﴿ بلى  ﴾ وجعل لأجسادكم السمع والأبصار والأفئدة كما للحيوانات ولأرواحكم كما للملائكة.

ولأسراركم سمعاً يسمع به من الله وبصراً يبصر به الله وفؤاداً يعرف به الله.

وبوجه آخر: {والله أخرجكم من العدم وهو الأم الحقيقي، لا تعلمون شيئاً قبل أن يعلمكم الله  أسماء كل شيء، فتجلى لكم بربوبيته فبنور سمعه أعطاكم سمعاً تسمعون به خطاب ألست بربكم، وبنور بصره أعطاكم بصراً تبصرون به جماله، وبنور علمه أعطاكم فؤاداً تعرفون به كماله، وبنور كلامه أعطاكم لساناً.

تجيبونه بقولكم "بلى" ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ فلا تسمعون بهذا السمع إلا كلامه، ولا تبصرون بهذا البصر إلا جماله، ولا تحبون بهذا الفؤاد إلا ذاته، ولا تكلمون بهذا الكلام إلى معه ﴿ ألم يروا إلى ﴾ طير الأرواح ﴿ مسخرات في جوّ ﴾ سماء القلوب ﴿ ما يمسكهن ﴾ في سفل الأجساد ﴿ إلا الله ﴾ بحكمته فلذلك قال: ﴿ والله جعل لكم ﴾ أيها الأرواح ﴿ من بيوتكم ﴾ وهي الأجساد ﴿ سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام ﴾ التي هي أجساد اشتركت فيها سائر الحيوانات ﴿ بيوتاً ﴾ تستخف أرواحكم إياها وهي النفوس الحيوانية، وقواها وقت السير إلى الله والوقفة للاستراحة والتربية ﴿ ومن أصوافها ﴾ هي الصفات الحيوانية والحواس والقوى ﴿ أثاثاً ﴾ آلات للسير ﴿ ومتعاً ﴾ ينتفع بها ﴿ إلى حين ﴾ الوصول والوصال.

﴿ والله جعل لكم مما خلق ظلالاً ﴾ أي جعل عالم الخلق ظل عالم الأمر تستظل أيها الأرواح به عند طلوع شمس التجلي وإلا لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره.

و ﴿ وجعل لكم من ﴾ جبال القلوب ما يكن به الأرواح، وجعل لأرواحكم سرابيل من الصفات البشرية تقيكم حر نار المحبة، وسرابيل من الصفات الروحانية تقيكم من سهام الوساوس والهواجس كذلك يحفظكم من الآفات من الصفات بالكرامات حتى يتم نعمة الوصول عليكم وتسلموا من قطع الطريق ﴿ يعرفون نعمة الله ﴾ بتعريفك ﴿ وأكثرهم الكافرون ﴾ بك وبنعمة الله إظهاراً للقهر والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ .

أي: من قدر على إمساك الطير، وهي أجسام كغيرها من الأجسام في الهواء بلا إعانة في الأسفل ولا تعلق بشيء من الأعلى، لقادر على إنشاء الخلق وإعادتهم بعد الفناء.

أو يقول: أو لم يروا إلى اللطف الذي جعل في الطير، والحكمة التي أنشأ فيها حتى قدرت على الاستمساك في الهواء، والطيران في الجو: ما لو اجتمع الخلائق جميعاً أن يدركوا ذلك اللطف أو تلك الحكمة - ما قدروا على إدراكه.

وفي ذلك نقض قول المعتزلة؛ لأن الطيران فعل الطير، ثم أضاف ذلك إلى الله حيث قال: ﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ : دلّ ذلك أن لله في ذلك صنعاً وفعلاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لأََيٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

جميع ما ذكر يكون آية لمن آمن؛ لأنه هو المنتفع.

قال أبو عوسجة: لمح البصر: سرعة النظر، وجوّ السماء: هواؤها، ويقال: بطن السماء، ويقال: جوف السماء، ويقال: الجوّ: ما اطمأن من الأرض.

والأوّل أشبه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ .

ظاهر هذا أنه قد جعل لنا من البيوت - أيضاً - ما ليس بسكن؛ لأنه قال: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ ، وهو ما ذكر في قوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ  ﴾ : وهو كالمساجد والرباطات وغيرها.

ويشبه أن يكون ذكر هذا؛ ليعرفوا عظيم مننه ونعمه، حيث جعل الأرض بمحل يقرّون عليها ويمكن لهم المقام بها؛ بالرواسي التي ذكر أنه أثبت فيها بعدما كانت تميد بهم ولا تقر بها، أخبر أنه [جعل] فيها رواسي أو أن يكون حرف (من) صلة، أي: جعل لكم بيوتاً تسكنون فيها.

ثم قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: سخر لكم الأرض حتى قدرتْم على اتخاذ المساكن فيها تسكنون.

أو جعل لكم بيوتاً، أي: علمكم تسكنون فيها.

ثم قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ : أي [علمكم] ما تبنون فيها من البيوت ما لولا تعليمه إياكم ما تقدرون على بناء البيوت فيها؛ يذكر مننه عليهم، والله أعلم.

وفي هذه الآيات في قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً ﴾ .

ونحوه: دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه ذكر أنه جعل بيوتاً سكناً، والسكن فعل العباد؛ دلّ أنّ لله في فعلهم صنعاً.

﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً ﴾ ، قال أهل التأويل: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً ﴾ ، أي: من صوفها، لكنه أضافها إلى الجلود؛ لما من الجلود يخرج، ومنها يجزّ ويؤخذ، وهو ما ذكر.

﴿ وَمِنْ أَصْوَافِهَا ﴾ : وهو صوف الغنم.

﴿ وَأَوْبَارِهَا ﴾ : وهو صوف الإبل.

﴿ وَأَشْعَارِهَآ ﴾ : ما يخرج من المعز.

﴿ يَوْمَ ظَعْنِكُمْ ﴾ : قيل: ليوم سفركم وسيركم.

﴿ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ﴾ : قال بعضهم: في المصر.

وقال بعضهم: في السفر حين النزول.

والجعل في هذا يحتمل الوجهين اللذين ذكرنا في قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ : أحدهما: على التسخير لهم، والثاني: على التعليم.

ذكر - عز وجل - في البيوت المتخذة من المدر السكني؛ حيث قال: ﴿ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ ، ولم يذكر في البيوت المتخذة من الجلود والأوبار والأشعار؛ فكأنه ترك ذكره في هذه، الذكر في الأول ذكر تصريح، وذكر في الثاني ذكر دلالة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَثَاثاً ﴾ قيل: الأثاث والرياش: واحد، وهو المال.

وقيل: ما يتخذ من الثياب والأمتعة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ ﴾ .

[يحتمل إلى حين] إلى وقت بِلَى ذلك الأثاث، أو إلى حين وقت فنائهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ ظِلاَلاً ﴾ البيوت التي ذكر وهي تظلهم، ويحتمل الأشجار.

﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَاناً ﴾ .

وهي الغِيرَان والبيوت التي تتخذ في الجبال؛ تقيهم من الحرّ والبرد.

﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ ﴾ .

قيل: القميص والدروع، ثم ذكر أن ما ذكر من البيوت والأكنان والسرابيل تقيكم الحرّ، وتقيكم أيضاً بأس العدو.

﴿ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ﴾ .

[على] ما ذكر من أنواع النعم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ ﴾ .

ذكر أنها تقي من الحر، وهي تقي الحرّ والبرد جميعاً؛ فكان في ذكر أحدهما ذكر الآخر ذكر كفاية.

وقوله: ﴿ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ﴾ .

أي: كذلك يتم [ذكر] نعمته عليكم؛ ليلزمهم الإسلام أو حجته، ثم يحتمل النعمة على ما تقدم ذكره، ويحتمل: الرسول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴾ .

جميع ما ذكر من النعم والآيات في هذه السّورة من أوّلها إلى آخرها؛ إنما ذكر لهذا الحرف، وهو قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴾ .

وما ذكر ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ و ﴿ لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ : يحتمل أن يكون هذه الأحرف كلها واحداً، ويحتمل أن يكون لكل حرف من ذلك معنى غير الآخر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ .

عن الإجابة لك وعما تدعوهم إليه.

﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ ﴾ .

أي: ليس عليك إجابتهم، إنما عليك التبليغ إليهم والبيان لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا ﴾ .

يحتمل النعمة - هاهنا - محمداً  كانوا يعرفونه [لكنهم أنكروه؛ كقوله]: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ  ﴾ ، وما ذكر: ﴿ يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ  ﴾ .

ويحتمل: ﴿ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ﴾ : يعرفون نعمة الله، وهو ما ذكر عرفوها أنها من الله ﴿ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا ﴾ ؛ بعبادتهم الأصنام، وصرفهم شكرها إلى غيره، كقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ  ﴾ ، مع ما يعرفون: أن الله هو خالقهم، وأن ما لهم كله من عند الله يعبدون الأصنام؛ فتكون عبادتهم دون الله كفران نعمة الله.

وقال أبو عوسجة: ﴿ يَوْمَ ظَعْنِكُمْ ﴾ : يوم سيركم؛ ظعن يظعن: سار، والسراويل: القميص.

يقول: ﴿ تَقِيكُمُ ﴾ ، أي: تستركم.

وقال القتبي: ﴿ ظِلاَلاً ﴾ ، أي: ظلال الشجر والجبال.

وقوله: ﴿ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴾ .

هذا - والله أعلم - في قوم علم الله أنهم يؤمنون بما ذكر لهم من أنواع النعم والأفضال؛ ليعلم أن الإسلام من أعظم نعم الله، لا يناله أحد إلا بنعمته.

وقال بعض أهل التأويل: سميت سورة (النحل) سورة النعم؛ لما فيها من ذكر النعم وأنواع منافع الخلق من أولها إلى آخرها.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ألم ينظر المشركون إلى الطير مُذلَّلات مُهَيَّآت للطيران في الهواء بما منحها الله من الأجنحة ورقة الهواء، وألهمها قبض أجنحتها وبسطها، ما يمسكهن في الهواء عن السقوط إلا الله القادر، إن في ذلك التذليل والإمساك عن السقوط لدلالات لقوم يؤمنون بالله؛ لأنهم الذين ينتفعون بالدلالات والعبر.

من فوائد الآيات لله تعالى الحكمة البالغة في قسمة الأرزاق بين العباد، إذ جعل منهم الغني والفقير والمتوسط؛ ليتكامل الكون، ويتعايش الناس، ويخدم بعضهم بعضًا.

دَلَّ المثلان في الآيات على ضلالة المشركين وبطلان عبادة الأصنام؛ لأن شأن الإله المعبود أن يكون مالكًا قادرًا على التصرف في الأشياء، وعلى نفع غيره ممن يعبدونه، وعلى الأمر بالخير والعدل.

من نعمه تعالى ومن مظاهر قدرته خلق الناس من بطون أمهاتهم لا علم لهم بشيء، ثم تزويدهم بوسائل المعرفة والعلم، وهي السمع والأبصار والأفئدة، فبها يعلمون ويدركون.

<div class="verse-tafsir" id="91.mNvd8"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد